← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 30178

تحفة السائل في بيان ما في عمدة الأحكام من المسائل

أبو بكر الحمادي

Полный текст (8 095 стр.). Показаны 491–530 · переход к 496.

стр. 491

بل الحديث يدل على أنَّ الذي كان مقرراً عند عائشة ﵂ هو المنع، ولم ينكر عليها النبي ﷺ ذلك وإنَّما أنكر عليها ظنها أنَّ الحائض ليس لها أن تدخل يدها إلى المسجد. فالحديث في الحقيقة يصح أن يكون من جملة حجج المانعين لمكث الحائض في المسجد. ٤ - عدم منع النبي ﷺ الكافرين من دخول مسجده، والكافر لا يغتسل من الجنابة. وأجاب عن ذلك العلامة ابن القيم ﵀ في [أحكام أهل الذمة] (١/ ٤٠٧ - ٤٠٨) فقال: «وَأَمَّا دُخُولُ الْكُفَّارِ مَسْجِدَ النَّبِيِّ ﷺ فَكَانَ ذَلِكَ لَمَّا كَانَ بِالْمُسْلِمِينَ حَاجَةٌ إِلَى ذَلِكَ، وَلِأَنَّهُمْ كَانُوا يُخَاطِبُونَ النَّبِيَّ ﷺ فِي عُهُودِهِمْ، وَيُؤَدُّونَ إِلَيْهِ الرَّسَائِلَ، وَيَحْمِلُونَ مِنْهُ الْأَجْوِبَةَ وَيَسْمَعُونَ مِنْهُ الدَّعْوَةَ، وَلَمْ يَكُنِ النَّبِيُّ ﷺ لِيَخْرُجَ مِنَ الْمَسْجِدِ لِكُلِّ مَنْ قَصَدَهُ مِنَ الْكُفَّارِ، فَكَانَتِ الْمَصْلَحَةُ فِي دُخُولِهِمْ - إِذْ ذَاكَ - الْمَسْجِدَ لِكُلِّ مَنْ قَصَدَهُ مِنَ الْكُفَّارِ، فَكَانَتِ الْمَصْلَحَةُ فِي دُخُولِهِمْ إِذْ ذَاكَ أَعْظَمَ مِنَ الْمَفْسَدَةِ الَّتِي فِيهِ، بِخِلَافِ الْجُنُبِ وَالْحَائِضِ فَإِنَّهُ كَانَ يُمْكِنُهُمَا التَّطَهُّرُ وَالدُّخُولُ إِلَى الْمَسْجِدِ. وَأَمَّا الْآنَ فَلَا مَصْلَحَةَ لِلْمُسْلِمِينَ فِي دُخُولِهِمْ مَسَاجِدَهُمْ وَالْجُلُوسِ فِيهَا، فَإِنْ دَعَتْ إِلَى ذَلِكَ مَصْلَحَةٌ رَاجِحَةٌ جَازَ دُخُولُهَا بِلَا إِذْنٍ وَاللَّهُ أَعْلَمُ» اهـ. قلت: وهذا ما يظهر لي في هذه المسألة والله أعلم. والذي يظهر لي أنَّ الجنب إذا توضأ له أن يمكث في المسجد، وذلك لأنَّ وضوء الجنب يخفف الجنابة، ويدل على ذلك ما رواه سعيد بن منصور في [التفسير]

стр. 492

(٦٤٦) قَالَ: نا عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ مُحَمَّدٍ، عَنْ هِشَامِ بْنِ سَعْدٍ، عَنْ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ، عَنْ عَطَاءِ بْنِ يَسَار، قَالَ: «رَأَيْتُ رِجَالًا مِنْ أَصْحَابِ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَجْلِسُونَ فِي الْمَسْجِدِ وَهُمْ مُجْنِبُون؛ إِذَا تَوَضَّئُوا وُضُوءَ الصَّلَاةِ». قلت: إسناده حسن من أجل عبد العزيز الدراوردي. وقال الحافظ ابن كثير ﵀ في [تفسيره] (٢/ ٣١٣): «وَهَذَا إِسْنَادٌ صَحِيحٌ عَلَى شَرْطِ مُسْلِمٍ». وهذا مذهب أحمد، والجمهور يمنعون من ذلك مطلقاً. ٥ - واستدل به القائلون بمشروعية مس المصحف للمحدث. وهذه المسألة اختلف فيها العلماء إلى أربعة مذاهب: المذهب الأول: المنع مطلقاً وهو مذهب سلمان، وسعد بن أبي وقاص، وابن عمر، ولا يعلم لهم مخالف من الصحابة كما ذكر ذلك شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ كما في [مجموع الفتاوى] (٢١/ ٢٦٦)، وهو مذهب الأئمة الأربعة وأكثر السلف. المذهب الثاني: الجواز مطلقاً وهو مذهب داود الظاهري، وابن حزم، والشوكاني. المذهب الثالث: جواز المس لمن كان محدثاً الحدث الأصغر دون الأكبر، وهو مذهب الشعبي، والضحاك. المذهب الرابع: جواز المس بظهر الكف دون بطنه، وهو مذهب الحكم وحماد. قلت: والصحيح المذهب الأول لثلاثة أوجه:

стр. 493

الوجه الأول: دلالة القرآن عليه في قوله تعالى: ﴿لَا يَمَسُّهُ إِلَّا الْمُطَهَّرُونَ (٧٩)﴾ [الواقعة: ٧٩]. قلت: والآية وإن كانت واردة في شأن الملائكة على القول الصحيح من أقوال العلماء إلَّا أنَّها تدل على منع المحدث من مس القرآن بدلالة الإيماء والتنبيه، وهي: أن يذكر وصف مقترن بحكم في نص من نصوص الشرع على وجه لو لم يكن ذلك الوصف علة لذلك الحكم لكان الكلام معيباً. كما في [المذكرة] ص (٤٦٢) للعلامة الشنقيطي ﵀. قلت: وهذه الدلالة متحققة في هذه الآية فالوصف في قوله: ﴿الْمُطَهَّرُونَ (٧٩)﴾، والحكم المقترن بذلك الوصف في قوله: ﴿لَا يَمَسُّهُ (٧٩)﴾، وذلك الوصف لو لم يكن هو علة الحكم لكان الكلام معيباً، فإنَّ الملائكة مذكورون في الكتاب والسنة باسم الملائكة، فالعدول عن هذا الاسم المشهور، إلى ذكر الوصف في الطهارة يومئ إلى أنَّه علة الحكم. قال شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ [شرح العمدة] (١/ ٣٨٤): «فإذا كان من حكم الكتاب الذي في السماء أن لا يمسه إلا المطهرون وجب أن يكون الكتاب الذي في الأرض كذلك لأنَّ حرمته كحرمته» اهـ. وقال العلامة ابن القيم ﵀ في [التبيان في أقسام القرآن] ص (١٤٠): «وسمعت شيخ الإسلام يقرر الاستدلال بالآية على أنَّ المصحف لا يمسه المحدث بوجه آخر فقال: هذا من باب التنبيه والإشارة إذا كانت الصحف التي

стр. 494

في السماء لا يمسها إلاَّ المطهرون فكذلك الصحف التي بأيدينا من القرآن لا ينبغي أن يمسها إلَّا طاهر والحديث مشتق من هذه الآية» اهـ. الوجه الثاني: دلالة السنة على ذلك في قول النبي ﷺ : «لَا يَمَسُّ الْقُرْآنَ إِلَّا طَاهِرٌ». قلت: وهذا الحديث ثابت بشواهده فقد جاء من طرق أحسنها مرسل أبي بكر بن محمد بن عمرو بن حزم، وحديث ابن عمر، وحديث حكيم بن حزام. أمَّا مرسل أبي بكر بن محمد بن عمرو بن حزم فأخرجه عبد الرزاق في [مصنفه] (١٣٨٢)، ومن طريقه الدارقطني (٤٢٩)، والبيهقي في [سننه الكبرى] (١/ ٨٧)، وابن المنذر في [الأوسط] (٦٠٩) من طريق معمر عن عبد الله بن أبي بكر عن أبيه قال في كتاب النبي ﷺ لعمرو بن حزم: «لَا يُمَسُّ الْقُرْآنُ إِلَّا عَلَى طُهْرٍ». قال الحافظ الدارقطني ﵀: «مرسل ورواته ثقات» اهـ. قلت: وهو كما قال ﵀. وأخرجه البيهقي في [الخلافيات] (٢٩٥) من طريق أبي مسعود عن عبد الرزاق عن معمر عن عبد الله بن أبي بكر بن عمرو بن حزم عن أبيه عن جده أنّ النبي صلى الله عليه وسلم كتب في عهده: «وَلَا يَمَسُّ الْقُرْآنَ إِلَّا طَاهِرٌ» هكذا رواه موصولاً.

стр. 495

قال البيهقي ﵀: «كذا في كتابي "عن جده" ولم يذكر غيره عن عبد الرزاق». قال الحافظ الزيلعي في [نصب الراية] (١/ ٢٥٩): «قلت: لم أجده عند عبد الرزاق في "مصنفه" وفي تفسيره إلَّا مرسلاً» اهـ. قلت: الصواب في الحديث الإرسال من هذا الوجه. وأخرجه مالك في [الموطأ] (٤٦٨) عن عبد الله بن أبي بكر بن حزم أنّ في الكتاب الذي كتبه رسول الله ﷺ لعمرو بن حزم «أَنْ لا يَمَسَّ الْقُرْآنَ إِلَّا طَاهِرٌ» هكذا جعله من مرسل عبد الله بن أبي بكر ولم يجعله من مرسل أبيه، وتابعه أيضاً محمد بن إسحاق كما في [فضائل القرآن] (١١٤، ٧٥٤) للقاسم بن سلام. قال الزيلعي في [نصب الراية] (١/ ٢٥٩): «رواه الدارقطني في" غرائب مالك" من حديث أبي ثور هاشم بن ناجية عن مبشر بن إسماعيل عن مالك عن عبد اللّه بن أبي بكر عن أبيه عن جده، قال: "كان فيما أخذ عليه رسول اللّه ﷺ أن لا يمس القرآن إلا طاهر"، قال الدارقطني: تفرد به أبو ثور عن مبشر عن مالك، فأسنده عن جده، ثم رواه من حديث إسحاق الطباع، أخبرني مالك عن عبد اللّه بن أبي بكر عن محمد بن عمرو بن حزم عن أبيه، قال: "كان في الكتاب الذي كتبه رسول اللّه ﷺ أن لا يمس القرآن إلا طاهر"، قال: وهذا الصواب عن مالك، ليس فيه عن جده، انتهى» اهـ.

стр. 496

وأخرجه الدارقطني (٤٣٢) من طريق عبد الرزاق نا معمر عن عبد الله، ومحمد ابني أبي بكر بن حزم عن أبيهما أنَّ النبي ﷺ كتب كتاباً فيه: «وَلَا تَمَسَّ الْقُرْآنَ إِلَّا طَاهِرًا». وقد تابع معمراً - في روايته عن عبد الله - أبو إسحاق عند البيهقي في [الخلافيات] (٢٩٤) ولفظه: «لَا يَمَسُّ أَحَدٌ القرآنَ إلَّا وَهُوَ طَاهِرٌ». وخالفهما عبد الله بن عبد الله بن أويس فروى عن عبد الله، ومحمد ابني أبي بكر عن أبيهما عن جدهما. أخرجه البيهقي في [الخلافيات] (٢٩٦) ولفظه: «لَا يَمَسَّ الْقُرْآنَ إِلَّا طَاهِرٌ». قلت: الوصل من أوهام ابن أبي أويس، والصحيح في الحديث الإرسال. ورواه الدارمي (٢٣٢١)، والدارقطني (٤٤٩)، والبيهقي في [سننه الكبرى] (١/ ٨٧ - ٨٨)، وفي [شعب الإيمان] (٢٠٤٧)، واللالكائي [في شرح الأصول] (٤٤١) من طريق الحكم بن موسى عن يحيى بن حمزة عن سليمان بن داود عن الزهري عن أبي بكر بن محمد بن عمرو بن حزم عن أبيه عن جده عن النبي ﷺ . ولفظه: «وَلَا يَمَسُّ الْقُرْآنَ إِلَّا طَاهِرٌ». قلت: وهذا الحديث وهم، وهم فيه الحكم بن موسى حيث جعل سليمان ابن داود، والصواب أنه ابن أرقم المتروك. قال الحافظ ابن حجر ﵀ في [تهذيب التهذيب] في ترجمة سليمان بن أرقم الخولاني:

стр. 497

«قال أبو داود هذا وهم من الحكم ورواه محمد بن بكار بن بلال عن يحيى بن حمزة عن سليمان بن أرقم عن الزهري، وكذا حكى غير واحد انه قرأه في أصل يحيى بن حمزة، وقال النسائي: هذا أشبه بالصواب وسليمان ابن أرقم متروك» اهـ. وأخرج الحديث أبو داود في [المراسيل] (٨٩)، والفاكهي في [أخبار مكة] (٢٨٥٥) من طريق محمد بن عمارة، عن أبي بكر بن حزم قال: كان في كتاب جدي الذي كتبه له رسول الله ﷺ حين بعثه إلى نجران: «أَنْ لا يَمَسَّ الْقُرْآنَ إِلَّا طَاهِرٌ». وأما حديث ابن عمر: فرواه الدارقطني (٤٣١)، ومن طريقه البيهقي في [الكبرى] (١/ ٨٨)، و [الخلافيات] (٢٩٨)، وأخرجه أيضاً الطبراني في [الكبير] (١٣٠٣٩)، و [الصغير] (١١٥٩)، واللالكائي في [شرح الأصول] (٥٧٣) من طريق سعيد بن محمد بن ثواب عن أبي عاصم عن ابن جريج عن سليمان بن موسى عن سالم عن ابن عمر قال: قال النبي ﷺ : «لَا يَمَسَّ الْقُرْآنَ إِلَّا طَاهِرٌ». قلت: هذا إسناد ضعيف سعيد بن محمد مجهول جهالة حال، وابن جريج مدلس وقد عنعن. وأمَّا حديث حكيم بن حزام: فأخرجه الحاكم (٦١٢٢)، ومن طريقه البيهقي في [الخلافيات] (٣٠٢)، ورواه أيضاً برقم (٣٠٤، ٣٠٣)، ورواه أيضاً الدارقطني (٤٣٤)، والطبراني في [الكبير] (٣٠٦٤)، و [الأوسط] (٣٤٢٩)، واللالكائي في [شرح الأصول]

стр. 498

(٥٤٧) من طريق إسماعيل بن إبراهيم المنقري قال: سمعت أبي يحدث عن سويد بن أبي حاتم عن مطر الوراق عن حسان بن بلال عن حكيم بن حزام أنَّ النبي ﷺ قال: «لَا تَمَسَّ الْقُرْآنَ إِلَّا وَأَنْتَ عَلَى طُهْرٍ». هذا لفظ الدارقطني، ولفظ الحاكم: «لَا تَمَسَّ الْقُرْآنَ إِلَّا وَأَنْتَ طَاهِرٌ». قلت: هذا إسناد ضعيف لضعف سويد، ومطر الوراق. قلت: وبهذا يتبين أنَّ الحديث ثابت بهذه الطرق، وأضف إلى ذلك أنَّ الحديث قد تلقاه العلماء بالقبول. قلت: وأمَّا تفسير العلامة الشوكاني للطاهر في الحديث بالمؤمن فتفسير ضعيف لخمسة أمور: الأول: أنَّ ظاهر هذه اللفظة، والمتبادر منها عند إطلاقها هو الطهارة من الحدث، أو النجس، والأصل عدم العدول عن الظاهر إلاَّ بحجة بينة. الثاني: أنه لم يرد في الشرع إطلاق كلمة "طاهر" على المؤمن. الثالث: أنَّ المتأمل في ألفاظ الحديث يتبين له خطأ من فسر "طاهر" بمؤمن، فقد جاء بلفظ: «لا يُمس القرآن إلاَّ على طهر». وفي لفظ: «لا تمس القرآن إلاَّ طاهر». وفي لفظ: «لا يمس أحد القرآن إلاَّ وهو طاهر». وفي لفظ: «لا تمس القرآن إلاَّ وأنت على طهر». وفي لفظ: «لا تمس القرآن إلاَّ وأنت طاهر».

стр. 499

فكل هذه الألفاظ ظاهرة الدلالة على أنَّ المراد بالطاهر في الحديث هو المتطهر من الحدث، وليس المراد به المؤمن. الرابع: أنَّ ابن عمر ﵁ وهو أحد رواة الحديث - كان لا يمس القرآن إلاَّ وهو طاهر. فروى ابن أبي شيبة في [مصنفه] (٢/ ٢٥٦)، وابن المنذر في [الأوسط] (٦٠٨) من طريق ابن نمير عن عبيد الله بن عمر عن نافع عن ابن عمر: «أَنَّهُ كَانَ لَا يَمَسُّ الْمُصْحَفَ إِلَّا وَهُوَ طَاهِرٌ». قلت: هذا إسناد صحيح. قلت: فهذا ما فهمه ابن عمر ﵁ من حديثه، فهو أعلم بمرويه. الخامس: أني لم أقف على أحد من السلف من فسر "الطاهر" بالمؤمن. فكل هذه الأوجه تدل على خطأ من فسر "طاهر" في الحديث بالمؤمن. والله أعلم. الوجه الثالث: أنَّ هذا القول ثابت عن ابن عمر، وسلمان، وسعد بن أبي وقاص، ولا يعلم لهم مخالف كما سبق، والحق لا يخرج عن أقوال الصحابة، ويبعد كل البعد في حكمة الله أن يحفظ لنا من أقوالهم الخطأ المخالف للحق، ولا يحفظ لنا من أقوالهم ما هو الصواب الموافق للحق. فإن قيل: فقد روى أحمد (٢٥٤٩، ٣٣٨١)، وأبو داود (٣٧٦٠)، والترمذي (١٨٤٧)، والنسائي (١٣٢) من طريق أَيُّوبَ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِى مُلَيْكَةَ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبَّاسٍ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ خَرَجَ مِنَ الْخَلَاءِ فَقُدِّمَ إِلَيْهِ طَعَامٌ فَقَالُوا أَلَا نَأْتِيكَ بِوَضُوءٍ فَقَالَ: «إِنَّمَا أُمِرْتُ بِالْوُضُوءِ إِذَا قُمْتُ إِلَى الصَّلَاةِ».

стр. 500

وهو حديث صحيح، وهو يدل بدلالة الحصر عدم وجوب الوضوء لمسح المصحف. والجواب: أنَّ الحديث رواه مسلم (٣٧٤) من طرق عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْحُوَيْرِثِ سَمِعْتُ ابْنَ عَبَّاسٍ يَقُولُ: كُنَّا عِنْدَ النَّبِيِّ ﷺ فَجَاءَ مِنْ الْغَائِطِ وَأُتِيَ بِطَعَامٍ فَقِيلَ لَهُ أَلَا تَوَضَّأُ فَقَالَ: «لِمَ أَأُصَلِّي فَأَتَوَضَّأَ». وليس فيه ما يدل على الحصر، فإن كان هذا هو اللفظ الذي قاله النبي ﷺ فلا إشكال، وإن كان الأول فالجواب عنه: أنَّ الحصر الوارد في الحديث من قبيل الحصر الإضافي لا الحقيقي. وبيان ذلك: أنَّ النبي ﷺ قد أمر بالوضوء في غير الصلاة كالوضوء للطواف والوضوء للنوم مطلقاً، والوضوء للجنب إذا أراد النوم، والوضوء لذكر الله تعالى وغير ذلك. فإن قيل: لعل المراد بقوله: «إِنَّمَا أُمِرْتُ». أي أمر إيجاب فيبقى ما سوى ذلك على الاستحباب. فالجواب: أنَّ هذا بعيد عن معنى الحديث فإنَّ الذين قالوا له: أَلَا نَأْتِيكَ بِوَضُوءٍ يشمل خبرهم التوضؤ على أي حال سواء كان واجباً أو مستحباً. ولو كان قول النبي ﷺ لهم: «إِنَّمَا أُمِرْتُ بِالْوُضُوءِ إِذَا قُمْتُ إِلَى الصَّلَاةِ». يراد به أمر الوجوب فإنَّ معنى ذلك أنَّ الوضوء للأكل من الأمور المستحبة لمن قضى حاجته، واستحباب ذلك فيه ما فيه ولا أعلم قائلاً به.

стр. 501

ولو كان الوضوء للأكل من الأمور المستحبة لبقى عرض أولئك الصحابة قائماً: فإنَّ عرضهم يشمل الوضوء الواجب والمستحب؟. إذا تبيَّن هذا فإنَّ الحصر قد يأتي على غير معنى الحصر الحقيقي كقول الله تعالى: ﴿إِنَّمَا أَنْتَ مُنْذِرٌ﴾ [الرعد: ٧]. مع أنَّ النبي ﷺ بعثه الله بشيراً ونذيراً. قلت: لعل فيما ذكرته هاهنا فيه الكفاية حول هذه المسألة التي تستدعي ما هو أوسع من ذلك، وقد كتبت في ذلك رسالة سميتها: [اللمع في حجة من أجاز للمحدث مس المصحف وحجة من منع]. ٦ - واستدل به الظاهرية - ومنهم ابن حزم - في قولهم بنجاسة الكافر حياً، وميتاً. قلت: وهذا القول مخالف للأدلة المتكاثرة الدالة على طهارتهم الطهارة الحسية فمن ذلك: ١ - أنَّ الله أباح لنا نساء أهل الكتاب، ولا يخلو المعاشر لهن من أن يلمس شيئاً من عرقهن. وأجمعت الأمة على أنه لا غسل عليه من الكتابية إلا كما عليه من المسلمة، دل ذلك على أن ابن آدم ليس بنجس في ذاته، ما لم تعرض له نجاسة تحل به. ٢ - أنَّ النبي ﷺ كان يجيب دعوة اليهود ويأكل من طعامهم، وهم يباشرون ذلك بأيديهم.

стр. 502

٣ - أنَّ النبي ﷺ قد ثبت عنه الوضوء من مزادة امرأة مشركة. فروى البخاري (٣٤٤)، ومسلم (١٥٦١) عن عمران قال: «كُنَّا فِي سَفَرٍ مَعَ النَّبِيِّ ﷺ وَإِنَّا أَسْرَيْنَا حَتَّى كُنَّا فِي آخِرِ اللَّيْلِ وَقَعْنَا وَقْعَةً، وَلَا وَقْعَةَ أَحْلَى عِنْدَ الْمُسَافِرِ مِنْهَا فَمَا أَيْقَظَنَا إِلَّا حَرُّ الشَّمْسِ، وَكَانَ أَوَّلَ مَنِ اسْتَيْقَظَ فُلَانٌ ثُمَّ فُلَانٌ ثُمَّ فُلَانٌ - يُسَمِّيهِمْ أَبُو رَجَاءٍ فَنَسِيَ عَوْفٌ، ثُمَّ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ الرَّابِعُ. وَكَانَ النَّبِيُّ ﷺ إِذَا نَامَ لَمْ يُوقَظْ حَتَّى يَكُونَ هُوَ يَسْتَيْقِظُ لأَنَّا لَا نَدْرِي مَا يَحْدُثُ لَهُ فِي نَوْمِهِ فَلَمَّا اسْتَيْقَظَ عُمَرُ وَرَأَى مَا أَصَابَ النَّاسَ، وَكَانَ رَجُلاً جَلِيدًا فَكَبَّرَ وَرَفَعَ صَوْتَهُ بِالتَّكْبِيرِ فَمَا زَالَ يُكَبِّرُ وَيَرْفَعُ صَوْتَهُ بِالتَّكْبِيرِ حَتَّى اسْتَيْقَظَ لِصَوْتِهِ النَّبِيُّ ﷺ فَلَمَّا اسْتَيْقَظَ شَكَوْا إِلَيْهِ الَّذِي أَصَابَهُمْ قَالَ: "لَا ضَيْرَ، أَوْ لَا يَضِيرُ - ارْتَحِلُوا" فَارْتَحَلَ فَسَارَ غَيْرَ بَعِيدٍ ثُمَّ نَزَلَ فَدَعَا بِالْوَضُوءِ فَتَوَضَّأَ وَنُودِيَ بِالصَّلَاةِ فَصَلَّى بِالنَّاسِ فَلَمَّا انْفَتَلَ مِنْ صَلَاتِهِ إِذَا هُوَ بِرَجُلٍ مُعْتَزِلٍ لَمْ يُصَلِّ مَعَ الْقَوْمِ، قَالَ: "مَا مَنَعَكَ يَا فُلَانُ أَنْ تُصَلِّيَ مَعَ الْقَوْمِ" قَالَ: أَصَابَتْنِي جَنَابَةٌ، وَلَا مَاءَ. قَالَ: "عَلَيْكَ بِالصَّعِيدِ، فَإِنَّهُ يَكْفِيكَ". ثُمَّ سَارَ النَّبِيُّ ﷺ فَاشْتَكَى إِلَيْهِ النَّاسُ مِنَ الْعَطَشِ فَنَزَلَ فَدَعَا فُلَانًا - كَانَ يُسَمِّيهِ أَبُو رَجَاءٍ نَسِيَهُ عَوْفٌ - وَدَعَا عَلِيًّا فَقَالَ اذْهَبَا فَابْتَغِيَا الْمَاءَ فَانْطَلَقَا فَتَلَقَّيَا امْرَأَةً بَيْنَ مَزَادَتَيْنِ، أَوْ سَطِيحَتَيْنِ - مِنْ مَاءٍ عَلَى بَعِيرٍ لَهَا فَقَالَا لَهَا: أَيْنَ الْمَاءُ قَالَتْ: عَهْدِي بِالْمَاءِ أَمْسِ هَذِهِ السَّاعَةَ وَنَفَرُنَا خُلُوفًا. قَالَا لَهَا: انْطَلِقِي إِذًا. قَالَتْ: إِلَى أَيْنَ. قَالَا: إِلَى رَسُولِ اللهِ ﷺ . قَالَتِ: الَّذِي يُقَالُ لَهُ الصَّابِئُ. قَالَا: هُوَ الَّذِي تَعْنِينَ

стр. 503

فَانْطَلِقِي فَجَاآ بِهَا إِلَى النَّبِيِّ ﷺ وَحَدَّثَاهُ الْحَدِيثَ. قَالَ: فَاسْتَنْزَلُوهَا عَنْ بَعِيرِهَا وَدَعَا النَّبِيُّ ﷺ بِإِنَاءٍ فَفَرَّغَ فِيهِ مِنْ أَفْوَاهِ الْمَزَادَتَيْنِ، أَوِ السَّطِيحَتَيْنِ - وَأَوْكَأَ أَفْوَاهَهُمَا وَأَطْلَقَ الْعَزَالِيَ وَنُودِيَ فِي النَّاسِ اسْقُوا وَاسْتَقُوا فَسَقَى مَنْ شَاءَ وَاسْتَقَى مَنْ شَاءَ، وَكَانَ آخِرَ ذَاكَ أَنْ أَعْطَى الَّذِي أَصَابَتْهُ الْجَنَابَةُ إِنَاءً مِنْ مَاءٍ قَالَ: "اذْهَبْ فَأَفْرِغْهُ عَلَيْكَ" وَهْيَ قَائِمَةٌ تَنْظُرُ إِلَى مَا يُفْعَلُ بِمَائِهَا وَايْمُ اللهِ لَقَدْ أُقْلِعَ عَنْهَا وَإِنَّهُ لَيُخَيَّلُ إِلَيْنَا أَنَّهَا أَشَدُّ مِلأَةً مِنْهَا حِينَ ابْتَدَأَ فِيهَا فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ : "اجْمَعُوا لَهَا". فَجَمَعُوا لَهَا مِنْ بَيْنِ عَجْوَةٍ وَدَقِيقَةٍ وَسَوِيقَةٍ حَتَّى جَمَعُوا لَهَا طَعَامًا فَجَعَلُوهَا فِي ثَوْبٍ وَحَمَلُوهَا عَلَى بَعِيرِهَا وَوَضَعُوا الثَّوْبَ بَيْنَ يَدَيْهَا قَالَ لَهَا: "تَعْلَمِينَ مَا رَزِئْنَا مِنْ مَائِكِ شَيْئًا وَلَكِنَّ اللَّهَ هُوَ الَّذِي أَسْقَانَا". فَأَتَتْ أَهْلَهَا وَقَدِ احْتَبَسَتْ عَنْهُمْ قَالُوا: مَا حَبَسَكِ يَا فُلَانَةُ. قَالَتِ: الْعَجَبُ لَقِيَنِي رَجُلَانِ فَذَهَبَا بِي إِلَى هَذَا الَّذِي يُقَالُ لَهُ الصَّابِئُ فَفَعَلَ كَذَا وَكَذَا فَوَاللَّهِ إِنَّهُ لأَسْحَرُ النَّاسِ مِنْ بَيْنِ هَذِهِ وَهَذِهِ وَقَالَتْ بِإِصْبَعَيْهَا الْوُسْطَى وَالسَّبَّابَةِ فَرَفَعَتْهُمَا إِلَى السَّمَاءِ - تَعْنِي السَّمَاءَ وَالأَرْضَ، أَوْ إِنَّهُ لَرَسُولُ اللهِ حَقًّا فَكَانَ الْمُسْلِمُونَ بَعْدَ ذَلِكَ يُغِيرُونَ عَلَى مَنْ حَوْلَهَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ، وَلَا يُصِيبُونَ الصِّرْمَ الَّذِي هِيَ مِنْهُ فَقَالَتْ يَوْمًا لِقَوْمِهَا: مَا أُرَى أَنَّ هَؤُلَاءِ الْقَوْمَ يَدَعُونَكُمْ عَمْدًا فَهَلْ لَكُمْ فِي الإِسْلَامِ فَأَطَاعُوهَا فَدَخَلُوا فِي الإِسْلَامِ». قلت: والمزادة هي القربة الكبيرة. ٤ - أنَّ النبي ﷺ ، والصحابة كانوا يشترون الثياب المصنوعة بأيدي الكافرين ويلبسونها، النبي ﷺ يأمرهم بغسلها قبل لبسها.

стр. 504

٧ - واستدل به القائلون بوقوع التحريم بلبن الميتة. قال العلامة ابن حزم ﵀ في [المحلى] (١٠/ ٩): «مسألة: قال أبو محمد: وإن ارتضع صغير أو كبير لبن ميتة أو مجنونة أو سكرى خمس رضعات فإنَّ التحريم يقع به; لأنَّه رضاع صحيح. وقال الشافعي: لا يقع بلبن الميتة رضاع; لأنَّه نجس. قال علي: هذا عجب جداً أن يقول في لبن مؤمن: إنَّه نجس وقد صح، عن النبي ﷺ ، أنَّه قال: "المؤمن لا ينجس" وقد علمنا أنَّ المؤمن في حال موته وحياته سواء، هو طاهر في كلتا الحالتين، ولبن المرأة بعضها، وبعض الطاهر طاهر» اهـ. وقال العلامة ابن قدامة ﵀ في [المغني] (٨/ ١٧٥ - ١٧٦): «مَسْأَلَةٌ؛ قَالَ: "وَيُحَرِّمُ لَبَنُ الْمَيِّتَةِ، كَمَا يُحَرِّمُ لَبَنُ الْحَيَّةِ؛ لِأَنَّ اللَّبَنَ لَا يَمُوتُ" الْمَنْصُوصُ عَنْ أَحْمَدَ، فِي رِوَايَةِ إبْرَاهِيمِ الْحَرْبِيِّ، أَنَّهُ يَنْشُرُ الْحُرْمَةَ. وَهُوَ اخْتِيَارُ أَبِي بَكْرٍ. وَهُوَ قَوْلُ أَبِي ثَوْرٍ، وَالْأَوْزَاعِيِّ، وَابْنِ الْقَاسِمِ، وَأَصْحَابِ الرَّأْيِ، وَابْنِ الْمُنْذِرِ. وَقَالَ الْخَلَّالُ: لَا يَنْشُرُ الْحُرْمَةَ. وَتَوَقَّفَ عَنْهُ أَحْمَدُ، فِي رِوَايَةِ مُهَنَّا. وَهُوَ مَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ؛ لِأَنَّهُ لَبَنٌ مِمَّنْ لَيْسَ بِمَحَلٍّ لِلْوِلَادَةِ، فَلَمْ يَتَعَلَّقْ بِهِ التَّحْرِيمُ. كَلَبَنِ الرَّجُلِ. وَلَنَا، أَنَّهُ وُجِدَ الِارْتِضَاعُ، عَلَى وَجْهٍ يُنْبِتُ اللَّحْمَ وَيُنْشِزُ الْعَظْمَ مِنْ امْرَأَةٍ، فَأَثْبَتِ التَّحْرِيمَ، كَمَا لَوْ كَانَتْ حَيَّةً؛ وَلِأَنَّهُ لَا فَارِقَ بَيْنَ شُرْبِهِ فِي حَيَاتِهَا وَمَوْتِهَا إلَّا الْحَيَاةُ وَالْمَوْتُ أَوْ النَّجَاسَةُ، وَهَذَا لَا أَثَرَ لَهُ، فَإِنَّ اللَّبَنَ لَا يَمُوتُ، وَالنَّجَاسَةُ لَا

стр. 505

تَمْنَعُ، كَمَا لَوْ حُلِبَ فِي وِعَاءٍ نَجِسٍ؛ وَلِأَنَّهُ لَوْ حُلِبَ مِنْهَا فِي حَيَاتِهَا، فَشَرِبَهُ بَعْدَ مَوْتِهَا، لَنَشَرَ الْحُرْمَةَ، وَبَقَاؤُهُ فِي ثَدْيِهَا لَا يَمْنَعُ ثُبُوتَ الْحُرْمَةِ؛ لِأَنَّ ثَدْيَهَا لَا يَزِيدُ عَلَى الْإِنَاءِ فِي عَدَمِ الْحَيَاةِ، وَهِيَ لَا تَزِيدُ عَلَى عَظْمِ الْمَيْتَةِ فِي ثُبُوتِ النَّجَاسَةِ» اهـ. قلت: وحصل نزاع أيضاً في لبن الرجل من حيث طهارته، وحصول التحريم به، والصحيح الطهارة لحديث الباب. والقول بنجاسته أحد الوجهين للشافعية. قال العلامة يحيى بن أبي الخير الشافعي ﵀ في [البيان] (١١/ ٥٥٦): «وإن كان للخنثى لبن، فضرب ضارب ثديه، وانقطع لبنه، فإن قلنا بقول أبي علي .. وجبت عليه الحكومة، وإن قلنا بقول عامة أصحابنا .. بني على الوجهين في لبن الرجل، هل يحكم بطهارته، ويثبت التحريم والحرمة بإرضاعه، ويجوز بيعه، ويضمن بالإتلاف؟ فإن قلنا: تثبت هذه الأحكام .. وجبت هاهنا فيه الحكومة. وإن قلنا: لا تثبت هذه الأحكام .. لم تجب هاهنا الحكومة، ولكن يعزر به الجاني إذا كان عامدًا؛ للتعدي» اهـ. قلت: وجماهير العلماء على عدم حصول الحرمة به، وشذ الكرابيسي فأثبت الحرمة به. قال العلامة الشيرازي ﵀ في [المهذب] (٣/ ١٤٤): «ولا يثبت التحريم بلبن الرجل وقال الكرابيسي: يثبت كما ثبت بلبن المرأة وهذا خطأ لأن لبنه لم يجعل غذاء للمولود فلم يثبت به التحريم كلبن البهيمة» اهـ.

стр. 506

وقال العلامة النووي ﵀ في [روضة الطالبين] (٩/ ٣): «وَلَا يُحَرِّمُ لَبَنُ الرَّجُلِ أَيْضًا عَلَى الصَّحِيحِ، وَقَالَ الْكَرَابِيسِيُّ: يُحَرِّمُ» اهـ. ٨ - استدل به القائلون بطهارة الماء المستعمل، لأنَّه ماء لاقى محلاً طاهراً فهو طاهر. ولو كان الماء المستعمل نجساً لكان بدن المحدث نجساً والدليل قد دلَّ على طهارته. ٩ - في الحديث رد على الحسن، وابن سيرين، وعطاء، ومالك في كراهتهم أن تغسل الحائض والجنب الميت. قال العلامة ابن قدامة ﵀ في [المغني] (٣/ ١٩٠): «وقال ابن المنذر: يغسله الجنب لقول النبي ﷺ "إنَّ المؤمن لا ينجس" ولا نعلم بينهم خلافاً في صحة تغسيلهما وتغميضهما له، ولكن الأولى أن يكون المتولي لذلك طاهراً لأنَّه أكمل وأحسن» اهـ. ١٠ - ويدل الحديث على جواز تصرف الجنب في حوائجه قبل أن يغتسل. * * *

стр. 507

قال المؤلف رحمه الله تعالى: ٣٠ - عَنْ عَائِشَةَ ﵂ قَالَتْ: «كَانَ النَّبِيُّ ﷺ إذَا اغْتَسَلَ مِنَ الْجَنَابَةِ غَسَلَ يَدَيْهِ، ثُمَّ تَوَضَّأَ وُضُوءَهُ لِلصَّلاةِ، ثُمَّ اغْتَسَلَ، ثُمَّ يُخَلِّلُ بِيَدَيْهِ شَعْرَهُ، حَتَّى إذَا ظَنَّ أَنَّهُ قَدْ أَرْوَى بَشَرَتَهُ، أَفَاضَ عَلَيْهِ الْمَاءَ ثَلاثَ مَرَّاتٍ، ثُمَّ غَسَلَ سَائِرَ جَسَدِهِ». وكانت تقول: «وَكَانَتْ تَقُولُ: كُنْتُ أَغْتَسِلُ أَنَا وَرَسُولُ اللَّهِ ﷺ مِنْ إنَاءٍ وَاحِدٍ، نَغْتَرِفُ مِنْهُ جَمِيعاً». قولها: «كَانَ النَّبِيُّ ﷺ إذَا اغْتَسَلَ مِنَ الْجَنَابَةِ» أي إذا أراد أن يغتسل، أو إذا شرع، وكان تدل على التكرار في الغالب. والجنابة تكون بإيلاج الحشفة في الفرج، أو بالإنزال بشهوة. وقولها: «ثُمَّ يُخَلِّلُ بِيَدَيْهِ شَعْرَهُ» التخليل هو: إدخال الأصابع بين أجزاء الشعر. وقولها: «أَرْوَى» مأخوذ من الري الذي هو ضد العطش والمراد به ها هنا ابتلال الشعر بالماء. وقولها: «بَشَرَتَهُ» البشرة: ظاهر جلد الإنسان، وقيل سمي البشر بشراً لظهور بشرتهم بخلاف كثير من الحيوانات فإنَّ بشرتهم مغطاة إمَّا بالشعر، أو الصوف، أو الوبر، أو الريش. وقيل أطلق عليهم ذلك لظهور البشر على وجوههم. وقولها: «أَفَاضَ عَلَيْهِ الْمَاءَ» أي أفرغ الماء عليه.

стр. 508

وقولها: «ثُمَّ غَسَلَ سَائِرَ جَسَدِهِ» أي على بقية جسده مأخوذ من السؤر وهو بقية الشيء. وفي الحديث مسائل منها: ١ - استحباب تقديم غسل أعضاء الوضوء في ابتداء غسل الجنابة، لكن هل هذا الوضوء من جملة الغسل فلا يجب غسلها مرة أخرى، أم هو وضوء مستقل فتغسل الأعضاء مرة أخرى من أجل رفع الجنابة؟. قال الحافظ ابن رجب ﵀ في [فتح الباري] (٢/ ٣٩ - ٤١): «وقوله: "غسل سائر جسده" يدل على أنَّه لم يعد غسل ما كانَ غسله منه قبل ذَلِكَ؛ لأنَّ: "سائر" إنَّما تستعمل بمعنى: "الباقي"، لا بمعنى: "الكل"، على الأصح الأشهر عندَ أهل اللغة. وكذلك خرَّج مسلم حديث عائشة، من حديث أبي معاوية، عنة هشام بن عروة، عن أبيه، عن عائشة - فذكرت الحديث، وفي آخره -: "ثم أفاض على سائر جسده". وهو -أيضاً -: دليل على أنَّه لم يعد غسل ما مضى غسله منه. والعجب من البخاري ﵀، كيف ذكر في تبويبه "من توضأ للجنابة ثم غسل سائر جسده"، ولم يسق الحديث بهذا اللفظ، وإنَّما تتم الدلالة به. ومقصوده بهذا الباب: أنَّ الجنب إذا توضأ، فإنَّه يجب عليهِ غسل بقية بدنه، ولا يلزمه إعادة غسل ما غسله من أعضاء الوضوء. والجنب حالتان:

стр. 509

إحداهما: أنَّه لا يلزمه سوى الغسل، وهو من أجنب من غير أن يوجد منه حدث أصغر - على قول من يقول: إنَّ الجنابة المجردة لا توجب سوى الغسل، كما هوَ قول الشافعي وابن حامد من أصحابنا، فهذا لا يلزمه أكثر من الغسل. فإن بدأ بأعضاء الوضوء، فغسلهما، لم يلزمه سوى غسل بقية بدنه، بغير تردد. وينوي بوضوئه الغسل، لا رفع الحدث الأصغر -: صرح به الشافعية، وهو ظاهر. الحالة الثانية: أن يجتمع عليهِ حدث أصغر وجنابة، إمَّا بأن يحدث، ثم يجنب، أو على قول من يقول: إنَّ الجنابة بمجردها تنقض الوضوء وتوجب الغسل، كما هوَ ظاهر مذهب أحمد وغيره. فهذه المسألة قد سبقت الإشارة إليها والاختلاف فيها. وأكثر العلماء على تداخل الوضوء والغسل في الجملة. قالَ الحسن: إذا اغتمس في النهر، وهو جنب، أجزأه عن الجنابة والحدث. فعلى هذا؛ إذا غسل اعضاء الوضوء مرة، لم يحتج إلى إعادة غسلها. قال أحمد: العمل عندي في غسل الجنابة، أن يبدأ الرجل بمواضع الوضوء، ثم يغسل بعد ذَلِكَ سائر جسده. ولكن على هذا التقدير، ينوي بوضوئه رفع الحدثين عن أعضاء الوضوء. فإن نوى رفع الحدث الأصغر وحده، احتاج إلى إعادة غسل أعضاء الوضوء في الغسل.

стр. 510

ثم إنَّ المشهور عن أحمد -عندَ أصحابه كالخرقي ومن تابعه -: أنَّ الغسل والوضوء لا يتداخلان، إلَّا بأن ينويهما، كالحج والعمرة في القرآن، وهو وجه للشافعية. وعلى هذا؛ فينوي بالوضوء رفع الحدث الأصغر، صرح به ابن أبي موسى من أصحابنا. ويلزم من ذَلِكَ وجوب إعادة غسل أعضاء الوضوء في الغسل مرة أخرى. فإن نوى بالوضوء رفع الحدثين معاً، لم يلزمه إعادة غسلهما مرة أخرى. والمنصوص عن الشافعي، أنَّهما يتداخلان بدون نية، نص على ذَلِكَ في "الأم"، وحكاه أبو حفص البرمكي رواية عن أحمد، كما لو كانا من جنس واحد عندَ أكثر العلماء. فعلى هذا، يجزئ الوضوء بنية رفع الحدث الأكبر خاصة. وإن نوى بالوضوء رفع الحدث الأصغر، كانَ أفضل -: قاله بعض الشافعية. ولكن ينبغي أن يقولوا بوجوب إعادة غسل أعضاء الوضوء مرة أخرى في الغسل. وعلى هذا التقدير، فإنَّ رفع الحدث الأصغر لا يندرج فيهِ الأكبر، بخلاف عكسه. وعن أحمد رواية، أنَّه لا يرتفع الحدث الأصغر بدون الإتيان بالوضوء، وحكي مثله عن مالك وأبي ثور وداود، وهو وجه للشافعية؛ لأنَّ سببهما مختلف، فلم يتداخلا كحد الزنا وحد السرقة.

стр. 511

وعلى هذا فيجب غسل أعضاء الوضوء مرتين: مرة للوضوء، ومرة في الغسل، وينوي بالوضوء رفع الحدث الأصغر، وبالغسل رفع الحدث الأكبر. وقالت طائفة: إِنْ غَسَلَ أعضاء الوضوء مرتبة متوالية ارتفع عنهما الحدثان، وإذا نوى رفعهما، فلا يجب عليهِ إلَّا غسل باقي بدنه للجنابة، وإن لم يغسل أعضاء الوضوء مرتبة متوالية لم يرتفع عنها سوى حدث الجنابة، وعليه أن ياتي بالوضوء على وجهه؛ ليرفع الحدث الأصغر. وحكي هذا عن إسحاق بن راهويه، وهو قول أبي بكر بن جعفر، ومن اتبعه من أصحابنا. واعتبروا -أيضاً -: أن يمسح رأسه. وقد سبق نص أحمد، على أنَّه لا يحتاج إلى مسح رأسه، بل يكفيه صب الماء عليهِ. وهو يدل على أنَّ خصائص الوضوء عنده كلها غير معتبرة في وضوء غسل الجنابة. وهو -أيضاً- وجه لأصحاب الشافعي، لكنهم لا يعتبرون الموالاة ولا نية الحدث الأصغر، على الصحيح عندهم. وعندنا؛ هما معتبران، على الصحيح. وزعم أبو بكر الخلال: أنَّ هذا القول هوَ مذهب أحمد، ووهم من حكى عنه خلافه فإنَّ حنبلاً نقل عن أحمد، في جنب اغتسل وعليه خاتم ضيق، لم يحركه، فصلى، ثم ذكر؟ قالَ: يغسل موضعه، ويعيد الصلاة.

стр. 512

قالَ الخلال: هذا وهم من حنبل لا شك فيهِ، لأنَّ أحمد عنده أنَّ من لم يحرك خاتمه الضيق في الوضوء وصلى، أنَّه يعيد الوضوء والصلاة. قالَ أبو بكر ابن جعفر في كتاب "الشافي": هذا يدل على أنَّه لا بد في غسل الجنابة من الوضوء. قلت: إنَّما قالَ أحمد: "يعيد الوضوء والصلاة" في المحدث حدثاً أصغر، فأمَّا الجنب فإنَّ المنصوص عن أحمد، أنَّه إذا انغمس في ماء وتمضمض، واستنشق، أنَّه يجزئه، بخلاف من يريد الوضوء، فإنَّه يلزمه الترتيب والمسح. ولكن الخلال تأول كلامه، على أنَّ الجنب يجزئه انغماسه في الماء من غسل الجنابة وأمَّا عن الوضوء فلا يجزئه حتى يرتب، كالمحدث الحدث الأصغر بانفراده. ونقول: إنَّ قول أحمد: "إذا انغمس وأراد الوضوء لا يجزئه" عام فيمن أراد الوضوء وهو جنب أو محدث. والذي عليهِ عامة الأصحاب، كالخرقي وابن أبي موسى والقاضي أبي يعلى وأصحابه خلاف ذلك، وأنَّ أحمد إنَّما أراد المحدث حدثاً أصغر. ورواية حنبل هذه صريحة في هذا المعنى، وقول الخلال: "إنَّها وهم بغير شك"، غير مقبول. والله أعلم» اهـ. قلت: الذي يظهر لي في هذه المسألة: أنَّه يكفي الغسل في رفع الحدثين معاً، وحديث عائشة، وميمونة يدلان على أنَّ غسل أعضاء الوضوء من جملة غسل الجنابة لا لرفع الحدث الأصغر ذلك من وجوه:

стр. 513

الوجه الأول: قولها في الحديث - بعد ذكرها للوضوء -: «ثُمَّ غَسَلَ سَائِرَ جَسَدِهِ»، وسائر جسده بمعني بقية جسده، وهذا يقتضي أنَّه لم يعد غسل أعضاء الوضوء. وذلك أنَّه إن كان إنَّما غسلهما للحدث الأصغر لأعاد غسلهما من أجل الجنابة. ويشكل على هذا رواية في صحيح البخاري (٢٤٨) جاءت بلفظ: «ثُمَّ يُفِيضُ الْمَاءَ عَلَى جِلْدِهِ كُلِّهِ». قال الحافظ ابن حجر ﵀ في [فتح الباري] (١/ ٤٥٢): «فيحتمل أن يقال: إنَّ سائر هنا بمعنى الجميع جمعاً بين الروايتين» اهـ. قلت: ويحتمل العكس، وهو حمل "كل" على معنى "سائر" أي غسل كل ما بقي من جسده، ويؤيده أنَّ أكثر روايات الحديث جاءت بلفظ: «سَائِرَ جَسَدِهِ»، وجاءت هذه اللفظة أيضاً في حديث ميمونة. الوجه الثاني: أنَّ ميمونة لم تذكر في حديثها مسح الرأس، وإنَّما ذكرت أنَّه ﵊ أفاض الماء على رأسه، ولو كان الوضوء الذي فعله النبي ﷺ وضوء حدث لا من جملة الغسل لمسح رأسه، لكن لما كان ذلك الوضوء من جملة الغسل أفاض الماء على رأسه ولم يمسحه. الوجه الثالث: في حديث ميمونة تأخير النبي ﷺ لغسل رجليه إلى بعد الغسل، ولو كان ذلك الوضوء للحدث لقدم غسل القدمين ولم يؤخرهما من أجل تحقيق الموالاة بين أعضاء الوضوء. ومما يدل على هذا أيضاً ما ذكره شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ كما في [مجموع الفتاوى] (٢١/ ٣٩٦ - ٣٩٧) حيث قال ﵀: «وهو سبحانه

стр. 514

أمرنا بالطهارتين الصغرى والكبرى وبالتيمم عن كل منهما فقال: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلَاةِ فَاغْسِلُوا (٦)﴾ [المائدة: ٦] فأمر بالوضوء. ثم قال: ﴿وَإِنْ كُنْتُمْ جُنُبًا فَاطَّهَّرُوا (٦)﴾ فأمر بالتطهر من الجنابة كما قال في المحيض: ﴿وَلَا تَقْرَبُوهُنَّ حَتَّى يَطْهُرْنَ فَإِذَا تَطَهَّرْنَ فَأْتُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ أَمَرَكُمُ اللَّهُ (٢٢٢)﴾ [البقرة: ٢٢٢]. وقال في سورة النساء: ﴿وَلَا جُنُبًا إِلَّا عَابِرِي سَبِيلٍ حَتَّى تَغْتَسِلُوا (٤٣)﴾ [النساء: ٤٣]، وهذا يبين أن التطهر هو الاغتسال. والقرآن يدل على أنَّه لا يجب على الجنب إلَّا الاغتسال وأنَّه إذا اغتسل جاز له أن يقرب الصلاة. والمغتسل من الجنابة ليس عليه نية رفع الحدث الأصغر كما قال جمهور العلماء. والمشهور في مذهب أحمد: أنَّ عليه نية رفع الحدث الأصغر وكذلك ليس عليه فعل الوضوء ولا ترتيب ولا موالاة عند الجمهور. وهو ظاهر مذهب أحمد. وقيل: لا يرتفع الحدث الأصغر إلَّا بهما. وقيل: لا يرتفع حتى يتوضأ. روي ذلك عن أحمد. والقرآن يقتضي: أنَّ الاغتسال كاف. وأنَّه ليس عليه بعد الغسل من الجنابة حدث آخر بل صار الأصغر جزءاً من الأكبر. كما أنَّ الواجب في الأصغر جزء من الواجب في الأكبر فإنَّ الأكبر يتضمن غسل الأعضاء الأربعة. ويدل على ذلك قول النبي ﷺ لأم عطية واللواتي غسلن ابنته: "اغسلنها ثلاثاً، أو خمساً، أو أكثر من ذلك إن رأيتن ذلك بماء وسدر. وابدأن بميامنها ومواضع الوضوء منها". فجعل غسل مواضع الوضوء جزءاً من الغسل

стр. 515

لكنه يقدم كما تقدم الميامن. وكذلك الذين نقلوا صفة غسله كعائشة ﵂ ذكرت: أنَّه كان يتوضأ ثم يفيض الماء على شعره ثم على سائر بدنه. ولا يقصد غسل مواضع الوضوء مرتين وكان لا يتوضأ بعد الغسل. فقد دل الكتاب والسنة على أنَّ الجنب والحائض لا يغسلان أعضاء الوضوء ولا ينويان وضوءاً بل يتطهران ويغتسلان كما أمر الله تعالى» اهـ. ٢ - وقولها في الحديث: «أَفَاضَ عَلَيْهِ الْمَاءَ» حجة للجمهور في قولهم بعدم وجوب الدلك في الغسل، وخالف في ذلك الإمام مالك ﵀. ويدل على ذلك أيضاً ما رواه مسلم (٣٣٠) عَنْ أُمِّ سَلَمَةَ قَالَتْ: «قُلْتُ يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنِّي امْرَأَةٌ أَشُدُّ ضَفْرَ رَأْسِي فَأَنْقُضُهُ لِغُسْلِ الْجَنَابَةِ قَالَ: "لَا إِنَّمَا يَكْفِيكِ أَنْ تَحْثِيَ عَلَى رَأْسِكِ ثَلَاثَ حَثَيَاتٍ ثُمَّ تُفِيضِينَ عَلَيْكِ الْمَاءَ فَتَطْهُرِينَ"». ٣ - الحديث يدل على أنَّ الغسل مرة واحدة و لا يستحب فيه التكرار. قال شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ كما في [مجموع الفتاوى] (٢٠/ ٣٦٩ - ٣٧٠): «وكذلك الاغتسال من الجنابة؛ فمذهب مالك وأحد القولين من مذهب أحمد بل هو المأثور عنه: اتباع السنة فيه؛ فإنَّ من نقل غسل النبي ﵌ كعائشة وميمونة لم ينقل أنَّه غسل بدنه كله ثلاثاً بل ذكر أنَّه بعد الوضوء وتخليل أصول الشعر حثا حثية على شق رأسه وأنَّه أفاض الماء بعد ذلك على سائر بدنه. والذين استحبوا الثلاث إنَّما ذكروه قياساً على الوضوء والسنة قد فرقت بينهما. وقد ثبت أنَّ النبي ﷺ كان يتوضأ بالمد ويغتسل بالصاع وهو أربعة أمداد ومعلوم أنَّه لو كان السنة في الغسل التثليث لم يكفه ذلك فإنَّ سائر الأعضاء فوق أعضاء الوضوء أكثر من أربع مرات» اهـ.

стр. 516

وقال العلامة ابن رجب ﵀ في [فتح الباري] (١/ ٢٦٥ - ٢٦٨): «وقد أختلف العلماء في استحباب غسل البدن كله في الغسل من الجنابة ثلاثاً: فمنهم: من استحبه، وهو قول إسحاق بن راهويه وكثير من أصحابنا وأصحاب الشافعي وأبي حنيفة. وروى وكيع في "كتابه" عن أبي مكين، عن أبي صالح مولى أم هانيء، عن أم هانئ، قالت: إذا اغتسلت من الجنابة فاغسل كل عضو ثلاثاً. أبو صالح، هوَ باذان، وهو ضعيف جداً. ورواه سمويه الحافظ: نا أحمد بن يحيى بن زيد بن كيسان: نا يزيد بن ذريع، عن أبي مكين، عن أبي صالح: حدثتني أم هانيء، قالت: قالَ رسول الله ﷺ : "إذا أغتسل أحدكم فليغسل كل عضو منه ثلاث مرات" - يعني: الجنابة. ورواية وكيع للموقوف أصح. وروى الفضيل بن مرزوق، عن عطية، عن أبي سعيد، أن رجلاً سأله عن الغسل من الجنابة، فقالَ: ثلاثاً. فقالَ الرجل: إنَّ شعري كثير، فقالَ: رسول الله كانَ أكثر شعراً منك وأطيب. خرجه الإمام أحمد وابن ماجه. وعطية، هوَ العوفي، فيهِ ضعف مشهور. ولعله أراد الثلاث في غسل الرأس؛ ولهذا قالَ لهُ السائل: إن شعري كثير.

стр. 517

وقد خرجه أبو نعيم الفضل بن دكين في "كتاب الصلاة" لهُ عن فضيل ابن مرزوق، عن عطية، قالَ: سأل رجل أبا سعيد الخدري: كم يكفي لغسل رأسه؟ قالَ: ثلاث حفنات - وجمع يديه - وذكر بقية الحديث. ومما يستدل به تكرار غسل الجسد في غسل الجنابة: ما خرجه أبو داود، من رواية حماد، عن هشام، عن أبيه، عن عائشة، في صفة غسل النبي ﷺ ، قالت: وأفرغ على رأسه ثلاثاً، فإذا فضلت فضلة صبها عليهِ. والمراد: بعد الفراغ من غسل بقية جسده، وإلَّا لم يكن لقولها: "فإذا فضلت فضلة" معنى. وروى وهيب هذا الحديث، عن هشام، وقال فيهِ: "ثم أفاض الماء على جسده، فإن بقي في الإناء شيء أفرغه عليهِ". ورواه - أيضاً - مبارك بن فضالة، عن هشام - بنحوه. خرجهما ابن جرير الطبري. وقالت طائفة: لا يستحب تكرار غسل الجسد في غسل الجنابة، وهو ظاهر كلام أحمد والخرقي، وصرح به المارودي من الشافعية، وأصحاب مالك. وحكى الإمام أحمد أنَّ ابن عباس كانَ يغتسل من الجنابة سبع مرار. وقال: هوَ من حديث شعبة - يعني: مولى ابن عباس -، مشهور عنه. قالَ: وأمَّا حديث النبي ﷺ ، فإنَّه كانَ يحفن على رأسه ثلاثاً. وهذا الحديث خرجه أبو داود من رواية ابن أبي ذئب، عن شعبة - وهو: مولى ابن عباس -، أنَّ ابن عباس كانَ إذا اغتسل من الجنابة يفرغ بيده اليمنى على يده

стр. 518

اليسرى سبع مرات، ثم يغسل فرجه، فنسي مرة كم أفرغ، فسألني: كم أفرغت؟ قلت: لا أدري، فقالَ: لا أم لك، وما يمنعك أن تدري؟ ثم يتوضأ وضوءه للصلاة، ثم يفيض على جلده الماء، ويقول: هكذا كانَ رسول الله ﷺ يتطهر. وليس في هذه الرواية التسبيع في سوى غسل يده اليسرى قبل الاستنجاء. ويتحمل أن المراد به: التسبيع في غسل الفرج خاصة، وهو الأظهر. وشعبة مولى ابن عباس، قالَ مالك: ليس بثقة، وقال - مرة -: لا يشبه القراء، وقال أحمد ويحيى: لابأس به، وقال يحيى - مرة -: لايكتب حديثه، وقال النسائي والجوزجاني: ليس بالقوي في الحديث، وقال ابن عدي: لم أر له حديثاً منكراً جداً فأحكم لهُ بالضعف، وأرجو أنه لا بأس به. ونقل حرب عن إسحاق، أنَّه قالَ في غسل الجنابة: يغسل فرجه ثلاثاً، وإن احتاج إلى الاستنجاء غسل مقعدته ثلاثاً إلى السبع، ولا يزيد على ذَلِكَ، إلَّا أن لا ينقي» اهـ. ٤ - استحباب تخليل شعر الرأس قبل إفاضة الماء عليه. قال الحافظ ابن رجب ﵀ في [فتح الباري] (٢/ ٣٨): «وهذه سنة عظيمة من سنن غسل الجنابة، ثابتة عن النبي ﷺ ، لم ينتبه لها أكثر الفقهاء، مع توسعهم للقول في سنن الغسل وأدائه. ولم أر من صرح به منهم، إلَّا صاحب "المغني" من أصحابنا، وأخذه من عموم قول أحمد: الغسل على حديث عائشة.

стр. 519

وكذلك ذكره صاحب "المهذب" من الشافعية، قالَ -بعد ذكر الوضوء -: ثم يدخل أصابعه العشر في الماء، فيغترف غرفة يخلل بها أصول شعره من رأسه ولحيته، ثم يحثي على رأسه ثلاث حثيات. وفي هذا زيادة على ما في حديث عائشة، وهو تخليل اللحية. ومذهب الشافعي: وجوب إيصال الماء إلى باطن اللحية، وإن كانت كثيفة، في الجنابة دون الوضوء. وعن مالك في وجوب ذَلِكَ في الغسل روايتان. وأمَّا أصحابنا فيجب ذَلِكَ عندهم - في المشهور، ولهم وجه ضعيف، أنَّه لا يجب، وحكي مثله عن المزني. وكلام أكثرهم، يدل على أنَّ المغتسل يتوضأ، ثم يصب على رأسه الماء ثلاثاً، ويخلل أصول الشعر مع ذَلِكَ. وقد وجد في كلام الأئمة، كسفيان وأحمد وإسحاق، ما يدل على ذَلِكَ. واتباع السنة الصحيحة التي ليس لها معارض أولى. وقد روى قتادة، عن عروة، عن عائشة، أنَّ رسول الله ﷺ كانَ إذا أراد أن يغتسل من جنابة توضأ وضوءه للصلاة، ثم صب على رأسه ثلاث مرار، يخلل بأصابعه أصول الشعر. خرجه الإمام أحمد. وهذه الرواية تشهد لما قاله أكثر الفقهاء: إنَّه يصب الماء على رأسه، ثم يخلله بأصابعه. ولكن رواية هشام، عن أبيه، المتفق على صحتها، مقدمة على رواية قتادة.

стр. 520

وليس في ترك ذكر هذا في حديث ميمونة ما يوجب تركه؛ لأنَّ ميمونة حكت غسل النبي ﷺ في قضية معينة، وعائشة حكت ما كانَ النبي ﷺ يفعله إذا اغتسل من الجنابة، فالأخذ بروايتها متعين، والله أعلم» اهـ. ٥ - ويدل الحديث على مشروعية تقديم غسل القدمين مع الوضوء، وهذا مأخوذ من قولها ﵂: «ثُمَّ تَوَضَّأَ وُضُوءَهُ لِلصَّلاةِ»، لكن روى مسلم (٣١٦) عن عائشة قالت: «كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إِذَا اغْتَسَلَ مِنْ الْجَنَابَةِ يَبْدَأُ فَيَغْسِلُ يَدَيْهِ ثُمَّ يُفْرِغُ بِيَمِينِهِ عَلَى شِمَالِهِ فَيَغْسِلُ فَرْجَهُ ثُمَّ يَتَوَضَّأُ وُضُوءَهُ لِلصَّلَاةِ ثُمَّ يَأْخُذُ الْمَاءَ فَيُدْخِلُ أَصَابِعَهُ فِي أُصُولِ الشَّعْرِ حَتَّى إِذَا رَأَى أَنْ قَدْ اسْتَبْرَأَ حَفَنَ عَلَى رَأْسِهِ ثَلَاثَ حَفَنَاتٍ ثُمَّ أَفَاضَ عَلَى سَائِرِ جَسَدِهِ ثُمَّ غَسَلَ رِجْلَيْهِ». قال الحافظ ابن حجر ﵀ في [فتح الباري] (١/ ٤٢٨): «واستدل بهذا الحديث على استحباب إكمال الوضوء قبل الغسل ولا يؤخر غسل الرجلين إلى فراغه وهو ظاهر من قولها: "كما يتوضأ للصلاة" وهذا هو المحفوظ في حديث عائشة من هذا الوجه لكن رواه مسلم من رواية أبي معاوية عن هشام فقال في آخره: "ثُمَّ أَفَاضَ عَلَى سَائِرِ جَسَدِهِ ثُمَّ غَسَلَ رِجْلَيْهِ" وهذه الزيادة تفرد بها أبو معاوية دون أصحاب هشام. قال البيهقي: هي غريبة صحيحة. قلت: لكن في رواية أبي معاوية عن هشام مقال، نعم له شاهد من رواية أبي سلمة عن عائشة أخرجه أبو داود الطيالسي فذكر حديث الغسل كما تقدم عند النسائي وزاد في آخره "فإذا فرغ غسل رجليه"

стр. 521

فأمَّا أن تحمل الروايات عن عائشة على أن المراد بقولها وضوءه للصلاة أي أكثره وهو ما سوى الرجلين أو يحمل على ظاهره» اهـ. قلت: قال ابن عمار الشهيد ﵀ في [علل أحاديث في صحيح مسلم] (ص: ١٠): «وهذا الحديث رواه جماعة من الأئمة عن هشام، منهم: زائدة، وحماد بن زيد، وجرير، ووكيع، وعلي بن مسهر، وغيرهم فلم يذكر أحد منهم غسل الرجلين، إلَّا أبو معاوية. ولم يذكر غسل اليدين ثلاثاً في ابتداء الوضوء غير وكيع. وليس زيادتما بالمحفوظة. وسمعت أبا جعفر الحضرمي يقول: سمعت ابن نمير يقول: "كان أبو معاوية يضطرب فيما كان عن غير الأعمش ". وسمعت الحسين بن إدريس يقول: سمعت عثمان بن أبي شيبة يقول: "أبو معاوية في حديث الأعمش حجة وفي غيره لا"» اهـ. قلت: رواية الطيالسي موجودة في [المسند] (١٥٧٧) حَدَّثَنَا حَمَّادُ بْنُ سَلَمَةَ، عَنْ عَطَاءِ بْنِ السَّائِبِ، عَنْ أَبِي سَلَمَةَ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، عَنْ عَائِشَةَ، قَالَتْ: «كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إِذَا اغْتَسَلَ مِنَ الْجَنَابَةِ، بَدَأَ فَغَسَلَ يَدَيْهِ، ثُمَّ أَخَذَ بِيَمِينِهِ، فَصَبَّ عَلَى شِمَالِهِ، فَغَسَلَ فَرْجَهُ حَتَّى يُنْقِيَهُ ثُمَّ مَضْمَضَ ثَلَاثًا، وَاسْتَنْشَقَ ثَلَاثًا، وَغَسَلَ وَجْهَهُ ثَلَاثًا، وَذِرَاعَيْهِ ثَلَاثًا، ثُمَّ صَبَّ عَلَى رَأْسِهِ وَجَسَدِهِ الْمَاءَ، فَإِذَا فَرَغَ غَسَلَ قَدَمَيْهِ».

стр. 522

قلت: هذا إسناد حسن، ورواية حماد بن سلمة عن عطاء قبل الاختلاط على الصحيح كما ذهب إلى ذلك جمهور المحدثين. ٦ - وفي الحديث دليل على جواز اغتسال المرأة والرجل من إناء واحد. فائدة: قال العلامة ابن القيم ﵀ في [إعلام الموقعين] (٢/ ٧٧ - ٧٨): «أمَّا المسألة الأولى: وهي إيجاب الشارع الغسل من المني دون البول فهذا من أعظم محاسن الشريعة وما اشتملت عليه من الرحمة والحكمة والمصلحة فإنَّ المني يخرج من جميع البدن ولهذا سماه الله سلالة لأنَّه يسيل من جميع البدن، وأمَّا البول فإنَّما هو فضلة الطعام والشراب المستحيلة في المعدة والمثانة فتأثر البدن بخروج المني أعظم من تأثره بخروج البول. وأيضاً فإنَّ الاغتسال من خروج المني من أنفع شيء للبدن والقلب والروح بل جميع الأرواح القائمة بالبدن فإنَّها تقوى بالاغتسال والغسل يخلف عليه ما تحلل منه بخروج المني وهذا أمر يعرف بالحس. وأيضاً فإنَّ الجنابة توجب ثقلاً وكسلاً والغسل يحدث له نشاطاً وخفة؛ ولهذا قال أبو ذر: لما اغتسل من الجنابة كأنَّما ألقيت عني حملاً. وبالجملة فهذا أمر يدركه كل ذي حس سليم وفطرة صحيحة ويعلم أنَّ الاغتسال من الجنابة يجري مجرى المصالح التي تلحق بالضروريات للبدن والقلب مع ما تحدثه الجنابة من بعد القلب والروح عن الأرواح الطيبة فإذا اغتسل زال ذلك البعد ولهذا قال غير واحد من الصحابة: إنَّ العبد إذا نام عرجت روحه فإن كان طاهراً أذن لها بالسجود وإن كان جنباً لم يؤذن لها ولهذا أمر النبي ﷺ الجنب إذا نام أن يتوضأ وقد صرح أفاضل الأطباء بأنَّ

стр. 523

الاغتسال بعد الجماع يعيد إلى البدن قوته ويخلف عليه ما تحلل منه وإنَّه من أنفع شيء للبدن والروح وتركه مضر ويكفي شهادة العقل والفطرة بحسنه وبالله التوفيق» اهـ. * * *

стр. 524

قال المؤلف رحمه الله تعالى: ٣١ - عَنْ مَيْمُونَةَ بِنْتِ الْحَارِثِ ﵂ زَوْجِ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهَا قَالَتْ: «وَضَعْتُ لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَضُوءَ الْجَنَابَةِ، فَأَكْفَأَ بِيَمِينِهِ عَلَى يَسَارِهِ مَرَّتَيْنِ - أَوْ ثَلاثاً - ثُمَّ غَسَلَ فَرْجَهُ، ثُمَّ ضَرَبَ يَدَهُ بِالأَرْضِ، أَوْ الْحَائِطِ، مَرَّتَيْنِ - أَوْ ثَلاثاً - ثُمَّ تَمَضْمَضَ وَاسْتَنْشَقَ، وَغَسَلَ وَجْهَهُ وَذِرَاعَيْهِ، ثُمَّ أَفَاضَ عَلَى رَأْسِهِ الْمَاءَ، ثُمَّ غَسَلَ جَسَدَهُ، ثُمَّ تَنَحَّى، فَغَسَلَ رِجْلَيْهِ، فَأَتَيْتُهُ بِخِرْقَةٍ فَلَمْ يُرِدْهَا، فَجَعَلَ يَنْفُضُ الْمَاءَ بِيَدِهِ». قولها: «وَضُوءَ الْجَنَابَةِ» أي ماء الاغتسال من الجنابة، وذلك أنَّ الوَضوء بفتح الواو المراد به الماء لكن هل يراد به ماء الوضوء أم الماء مطلقاً؟ هذا الحديث يدل أنَّ المراد به الماء مطلقاً لإضافته إلى الجنابة. وقولها: «ثُمَّ غَسَلَ فَرْجَهُ» المراد بالفرج القبل سمي بذلك لانفراجه أي انفتاحه، لأنَّ فيه فتحة منفرجة. وفي الحديث مسائل منها: ١ - استحباب غسل اليدين قبل إدخالهما في الإناء. وجاءت رواية للبخاري (٢٧٦) صريحة بذلك عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: قَالَتْ مَيْمُونَةُ: «وَضَعْتُ لِلنَّبِيِّ ﷺ غُسْلاً فَسَتَرْتُهُ بِثَوْبٍ وَصَبَّ عَلَى يَدَيْهِ فَغَسَلَهُمَا ثُمَّ صَبَّ بِيَمِينِهِ عَلَى شِمَالِهِ فَغَسَلَ فَرْجَهُ … ».

стр. 525

وفي رواية أخرى له (٢٥٩) عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: حَدَّثَتْنَا مَيْمُونَةُ قَالَتْ: «صَبَبْتُ لِلنَّبِيِّ ﷺ غُسْلاً فَأَفْرَغَ بِيَمِينِهِ عَلَى يَسَارِهِ فَغَسَلَهُمَا ثُمَّ غَسَلَ فَرْجَهُ ثُمَّ قَالَ بِيَدِهِ الأَرْضَ فَمَسَحَهَا بِالتُّرَابِ ثُمَّ غَسَلَهَا … ». وفي رواية أبي داود (٢٤٥) في حديثه عَنْ مَيْمُونَةَ قَالَتْ: «وَضَعْتُ للنبى ﷺ غُسْلاً يَغْتَسِلُ مِنَ الْجَنَابَةِ فَأَكْفَأَ الإِنَاءَ عَلَى يَدِهِ الْيُمْنَى، فَغَسَلَهَا مَرَّتَيْنِ أَوْ ثَلَاثًا، ثُمَّ صَبَّ عَلَى فَرْجِهِ فَغَسَلَ فَرْجَهُ بِشِمَالِهِ … ». قلت: ورواية البخاري السابقة ترد ما ذكره العلامة الباجي ﵀ في [المنتقى] (١/ ٩٥) حيث قال: «وَيَكْفِي غَسْلُ الْيُمْنَى فِي هَذَا الْمَوْضِعِ عَلَى قَوْلِ أَشْهَبَ لِيُمَكِّنَّهُ غَرْفُ الْمَاءِ بِهَا وَلَا مَعْنَى لِغَسْلِ الْيَدِ الْيُسْرَى مَعَهَا لِأَنَّهُ يَغْسِلُ بِهَا فَرْجَهُ بَعْدَ ذَلِكَ فَيُبَاشِرُ النَّجَاسَةَ وَلَا يُبَاشِرُ شَيْئًا مِنْ ذَلِكَ بِيُمْنَاهُ فَلِذَلِكَ غَسَلَهَا لِيَتَنَاوَلَ بِهَا الْمَاءَ» اهـ. وذلك أنَّ رواية البخاري فيها غسل اليدين معاً، ورواية الباب فيها التصريح بغسل اليسرى. قلت: وغسل اليدين قبل غسل الفرج من أجل إدخالهما في الإناء. لكن هل يدخل هذا في جملة غسل الجنابة أو لا؟ الذي يظهر لي دخوله لأنَّه لم يغسلهما مرة أخرى بعد الفراغ من غسل الفرج، وإنَّما اكتفى بغسل اليسرى التي لامست الفرج لإزالة ما علق بها. وقال شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ في [شرح عمدة الفقه] (١/ ٣٧٠): «وَثَالِثُهَا: أَنْ يَبْدَأَ بِغَسْلِ يَدَيْهِ ثَلَاثًا كَمَا فِي الْوُضُوءِ وَأَوْكَدَ؛ لِأَنَّ هُنَا يَرْتَفِعُ الْحَدَثُ عَنْهُمَا بِذَلِكَ» اهـ.

стр. 526

وقال الحافظ ابن حجر ﵀ في [فتح الباري] (١/ ٣٦٣): «وَفِيهِ تَقْدِيمُ غَسْلِ الْكَفَّيْنِ عَلَى غَسْلِ الْفَرْجِ لِمَنْ يُرِيدُ الِاغْتِرَافَ لِئَلَّا يُدْخِلَهُمَا فِي الْمَاءِ وَفِيهِمَا مَا لَعَلَّهُ يُسْتَقْذَرُ فَأَمَّا إِذَا كَانَ الْمَاءُ فِي إِبْرِيقٍ مَثَلًا فَالْأَوْلَى تَقْدِيمُ غَسْلِ الْفَرْجِ لِتَوَالِي أَعْضَاءِ الْوُضُوءِ» اهـ. قلت: الأولى موافقة ظاهر السنة، والنبي ﷺ صب الماء على يديه وغسلهما ثم صب الماء وغسل فرجه ولم يدخل يده في الإناء، ومع هذا فراعى تقديم غسل اليدين على غسل الفرج، وهذا يبطل ما ذكره الحافظ ﵀. ٢ - استحباب غسل الفرج قبل الشروع في غسل الجنابة. وقد احتج بذلك من ذهب إلى نجاسة المني، ورطوبة فرج المرأة، - فأمَّا رطوبة الفرج فهو ماء أبيض متردد بين المذي والعرق -، ولا حجة فيه على نجاستهما وذلك لأنَّ الغسل المجرد عن الأمر لا يدل على النجاسة. وسيأتي بمشيئة الكلام على المني، وأمَّا رطوبة فرج المرأة، فاحتج القائلون بنجاسته بما رواه البخاري (٢٩٣)، ومسلم (٣٤٦) عَنْ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ قَالَ: سَأَلْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ عَنْ الرَّجُلِ يُصِيبُ مِنْ الْمَرْأَةِ ثُمَّ يُكْسِلُ فَقَالَ: «يَغْسِلُ مَا أَصَابَهُ مِنْ الْمَرْأَةِ ثُمَّ يَتَوَضَّأُ وَيُصَلِّي». وما رواه البخاري (١٧٩، ٢٩٢)، ومسلم (٣٤٧) عن زيد بن خالد الجهني أنه سأل عثمان فقال: أرأيت إذا جامع الرجل امرأته فلم يمن؟ قال عثمان:

стр. 527

«"يَتَوَضَّأُ كَمَا يَتَوَضَّأُ لِلصَّلَاةِ وَيَغْسِلُ ذَكَرَهُ" قَالَ عُثْمَانُ: سَمِعْتُهُ مِنْ رَسُولِ اللهِ ﷺ ». قال العلامة النووي ﵀ في [المجموع] (٢/ ٥٧١): «وَهَذَانِ الْحَدِيثَانِ فِي جَوَازِ الصَّلَاةِ بِالْوُضُوءِ بِلَا غُسْلٍ مَنْسُوخَانِ كَمَا سَبَقَ فِي بَابِ مَا يُوجِبُ الْغُسْلَ وَأَمَّا الْأَمْرُ بِغَسْلِ الذَّكَرِ وَمَا أَصَابَهُ مِنْهَا فَثَابِتٌ غَيْرُ مَنْسُوخٍ وَهُوَ ظَاهِرٌ فِي الْحُكْمِ بنجاسة رطوبة الفرج والقائل الآخر يحمله عَلَى الِاسْتِحْبَابِ لَكِنْ مُطْلَقُ الْأَمْرِ لِلْوُجُوبِ عِنْدَ جُمْهُورِ الْفُقَهَاءِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ» اهـ. قلت: وكلامه قبل هذا يدل على أنَّه يختار الطهارة فقد قال ﵀ (٢/ ٥٧٠): «رُطُوبَةُ الْفَرْجِ مَاءٌ أَبْيَضُ مُتَرَدِّدٌ بَيْنَ الْمَذْيِ وَالْعَرَقِ فَلِهَذَا اُخْتُلِفَ فِيهَا ثُمَّ إنَّ الْمُصَنِّفَ ﵀ رَجَّحَ هُنَا وَفِي التَّنْبِيهِ النَّجَاسَةَ وَرَجَّحَهُ أَيْضًا الْبَنْدَنِيجِيُّ: وَقَالَ الْبَغَوِيّ وَالرَّافِعِيُّ وَغَيْرُهُمَا الْأَصَحُّ الطَّهَارَةُ وَقَالَ صَاحِبُ الْحَاوِي فِي بَابِ مَا يُوجِبُ الْغُسْلَ نَصَّ الشَّافِعِيُّ ﵀ فِي بَعْضِ كُتُبِهِ عَلَى طَهَارَةِ رُطُوبَةِ الْفَرْجِ وَحُكِيَ التَّنْجِيسُ عَنْ ابْنِ سُرَيْجٍ فَحَصَلَ فِي الْمَسْأَلَةِ قَوْلَانِ مَنْصُوصَانِ لِلشَّافِعِيِّ أَحَدُهُمَا مَا نَقَلَهُ الْمُصَنِّفُ وَالْآخَرُ نَقَلَهُ صَاحِبُ الْحَاوِي وَالْأَصَحُّ طهارتها» اهـ. وهكذا قال في [شرح مسلم] (٣/ ١٩٨): «وَالْأَظْهَرُ طَهَارَتُهَا» اهـ. وقال العلامة ابن قدامة ﵀ في [المغني] (٢/ ٢٨٣ - ٢٨٤): «فصل: وفي رطوبة فرج المرأة احتمالان أحدهما: أنَّه نجس لأنَّه في الفرج لا يخلق منه الولد أشبه المذي.

стр. 528

والثاني: طهارته لأنَّ عائشة كانت تفرك المني من ثوب رسول الله ﷺ هو من جماع فإنَّه ما احتلم نبي قط وهو يلاقي رطوبة الفرج ولأننا لو حكمنا بنجاسة فرج المرأة لحكمنا بنجاسة منيها لأنَّه يخرج من فرجها فيتنجس برطوبته. وقال القاضي: ما أصاب منه في حال الجماع فهو نجس لأنَّه لا يسلم من المذي وهو نجس ولا يصح التعليل فإنَّ الشهوة إذا اشتدت خرج المني دون المذي كحال الاحتلام» اهـ. قلت: القول بطهارة رطوبة فرج المرأة هو الأقوى، وذلك أنَّ الأحاديث التي استدل بها المنجسون ليست صريحة في مسألة الرطوبة، وذلك أنَّ الأمر بالغسل باعتبار ما يصيبه الذكر من مذيها وهو نجس يجب غسل الذكر منه. وفي الأحاديث أحتمال آخر وهو أن تحمل تلك الأحاديث على الاستحباب دون الوجوب. ومما يدل على طهارة هذه الرطوبات أنَّها ملازمة للفرج غالباً، وقد علل الله تعالى حرمة إتيان المرأة في حال حيضها بأنَّه أذى، وأخذ من ذلك العلماء حرمة الوطء في الدبر لأنَّه موضع الأذى فإذا كانت الرطوبة نجسة لما جاز وطؤها في ذلك الموضع لوجود الأذى، وإذا كان أذى الحيض العارض يمنع من الوطء فمن باب أولى الأذى المستمر. والله أعلم. وقال المنجسون: حديث عائشة في حك المني من ثوب رسول الله ﷺ فيه احتمالان:

стр. 529

الأول: أنَّ ذلك المني كان من احتلام وليس من جماع، والقول بأنَّ الاحتلام ممتنع عن النبي ﷺ لأنَّه من تلاعب الشيطان يحتاج إلى دليل، ولا يلزم أن يكون جميع الاحتلام من تلاعب الشيطان بل الاحتلام منه ما هو فيض زيادة المني يخرج في وقت من الأوقات. والآخر: أنَّه مني ملاعبة وليس مني جماع. قال العلامة النووي ﵀ في [شرح مسلم] (١/ ٤٦٧): «وأجاب القائلون بنجاسة رطوبة فرج المرأة بجوابين أحداهما: جواب بعضهم أنَّه يمتنع استحالة الاحتلام منه ﷺ وكونها من تلاعب الشيطان بل الاحتلام منه جائز ﷺ ، وليس هو من تلاعب الشيطان، بل هو فيض زيادة المني يخرج في وقت. والثاني: أنَّه يجوز أن يكون ذلك المني حصل بمقدمات جماع فسقط منه شيء على الثوب، وأمَّا المتلطخ بالرطوبة فلم يكن على الثوب. والله أعلم» اهـ. أقول: حمل المني على مني الاحتلام أو الملاعبة من حمل الحديث على أندر معانيه، والأصل حمل الحديث على الأمر الغالب دون النادر، والغالب هو مني الجماع. وقد فصَّل بعض الشافعية في رطوبة الفرج فقال العلامة ابن حجر الهيتمي ﵀ في [تحفة المحتاج] (١/ ٣٠١): «وَالْحَاصِلُ أَنَّ رُطُوبَةَ الْفَرْجِ ثَلَاثُ أَقْسَامٍ طَاهِرَةٌ قَطْعًا وَهِيَ مَا تَكُونُ فِي الْمَحَلِّ الَّذِي يَظْهَرُ عِنْدَ جُلُوسِهَا وَهُوَ الَّذِي يَجِبُ غَسْلُهُ فِي الْغُسْلِ وَالِاسْتِنْجَاءِ، وَنَجِسَةٌ

стр. 530

قَطْعًا وَهِيَ مَا وَرَاءَ ذَكَرِ الْمُجَامِعِ، وَطَاهِرَةٌ عَلَى الْأَصَحِّ وَهِيَ مَا يَصِلُهُ ذَكَرُ الْمُجَامِعِ» اهـ. قلت: ومذهب الحنفية طهارة رطوبة فرج المرأة، ومذهب المالكية نجاستها. وقال شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ في [شرح عمدة الفقه] (١/ ١١٢): «وَأَمَّا الرُّطُوبَةُ الَّتِي فِي فَرْجِ الْمَرْأَةِ فَطَاهِرٌ فِي أَقْوَى الرِّوَايَتَيْنِ» اهـ. قلت: هذا ما يتعلق بطهارة رطوبة فرج المرأة، لكن بقى ما يتعلق بنقضها للوضوء وعدمه. فأقول: أمَّا بالنسبة لمذهب الإمام مالك فلا أعلم له ولا لأصحابه كلاماً حول رطوبة الفرج هل ينتقض بها الوضوء أو لا، لكنه ﵀ لا يرى النقض بالأمور النادرة الغير معتادة، فقد يقال: إنَّ الرطوبة من الأمور المعتادة لدى النساء فيحصل بذلك النقض عنده، والله أعلم. وأمَّا علماء الشافعية فقد عدها بعضهم من النواقض فقال العلامة ابن حجر الهيتمي ﵀ في [تحفة المحتاج] (١/ ١٣٠): «أَوْ خَرَجَتْ رُطُوبَةُ فَرْجِهَا إذَا كَانَتْ مِنْ وَرَاءِ مَا يَجِبُ غَسْلُهُ يَقِينًا وَإِلَّا فَلَا» اهـ. وأمَّا علماء الحنابلة فلا أعلم لهم كلاماً في رطوبة فرج المرأة هل هي ناقضة أو لا لكن لازم مذهبهم النقض لأنَّهم يرون النقض بكل خارج من السبيلين سواء كان نجساً أو طاهراً.
следующие страницы →