← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 30178

تحفة السائل في بيان ما في عمدة الأحكام من المسائل

أبو بكر الحمادي

Полный текст (8 095 стр.). Показаны 4621–4660 · переход к 4626.

стр. 4621

لكن روى أحمد (٦٦٢٨، ٦٦٧١، ٦٩١٨)، وأبو داود (٣٥٠٤)، والنسائي (٤٦٣٠، ٤٦٣١)، والترمذي (١٢٣٤)، وابن ماجة (٢١٨٨) عن عبد الله بن عمرو قال، قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «لَا يَحِلُّ سَلَفٌ وَبَيْعٌ وَلَا شَرْطَانِ فِي بَيْعٍ وَلَا رِبْحُ مَا لَمْ تَضْمَنْ وَلَا بَيْعُ مَا لَيْسَ عِنْدَكَ». ولفظ ابن ماجة: «لَا يَحِلُّ بَيْعُ مَا لَيْسَ عِنْدَكَ، وَلَا رِبْحُ مَا لَمْ يُضْمَنْ». وفي لفظ لأحمد: «نَهَى رَسُولُ اللهِ ﷺ عَنْ بَيْعَتَيْنِ فِي بَيْعَةٍ، وَعَنْ بَيْعٍ وَسَلَفٍ، وَعَنْ رِبْحِ مَا لَمْ يُضْمَنْ، وَعَنْ بَيْعِ مَا لَيْسَ عِنْدَكَ». قُلْتُ: هَذَا حَدِيْثٌ حَسَنٌ. قَالَ شَيْخُ الْإِسْلَامِ ابْنُ تَيْمِيَّةَ ﵀ كَمَا فِي [مَجْمُوْعِ الْفَتَاوَى] (٣٠/ ٢٧٧): «ولنا في جواز إيجار العين المؤجرة بأكثر من أجرتها روايتان؛ لما في ذلك من ربح ما لم يضمن. ورواية ثالثة: إن زاد فيها عمارة جازت زيادة الأجرة فتكون الزيادة في مقابلة الزيادة. فالروايتان في بيع الثمار المشتراة نظير الروايتين في إيجار العين المؤجرة. ولو قيل في الثمار: إنَّما يمنع من الزيادة على الثمن كرواية المنع في الإجارة لتوجه ذلك» اهـ. قُلْتُ: وقد اختار ﵀ جواز ذلك في الإجارة فقَالَ ﵀ كَمَا فِي [مَجْمُوْعِ الْفَتَاوَى] (٣٢/ ٣٠٨):

стр. 4622

«وأمَّا التجارة المجردة في المنافع: مثل أن يستأجر داراً ويؤجرها بأكثر من الأجرة من غير عمل يحدثه. ففيه قولان للعلماء هما روايتان عن أحمد: "أشهرهما" عنه يجوز وهو قول أكثر العلماء: كمالك والشافعي. "والثاني": لا يجوز كقول أبي حنيفة. قالوا. لأنَّه يدخل في ربح ما لم يضمن. والأول أصح؛ لأنَّ هذه المنافع مضمونة على المستأجر. بمعنى أنَّه إذا سلم إليه العين المؤجرة ولم ينتفع بالعين تلفت على ملكه؛ بخلاف ما إذا تلفت العين المؤجرة؛ فإنَّ هذا بمنزلة تلف الثمر قبل صلاحه» اهـ. وَقَالَ الْعَلَّامَةُ ابْنُ الْقَيِّمِ ﵀ فِي [تَهْذِيْبِ السُّنَنِ] (٢/ ١٩٤ - ١٩٧): «والنهي عن ربح ما لم يضمن قد أشكل على بعض الفقهاء علته وهو من محاسن الشريعة. فإنَّه لم يتم عليه استيلاء، ولم تنقطع علق البائع عنه فهو يطمع في الفسخ والامتناع من الاقباض إذا رأى المشتري قد ربح فيه، وإن أقبضه إياه فإنَّما يقبضه على إغماض وتأسف على فوت الربح فنفسه متعلقة به لم ينقطع طمعها منه. وهذا معلوم بالمشاهدة. فمن كمال الشريعة ومحاسنها النهي عن الربح فيه حتى يستقر عليه ويكون من ضمانه، فييأس البائع من الفسخ، وتنقطع علقه عنه. وقد نص أحمد على ذلك في الاعتياض عن دين القرض وغيره: أنَّه إنَّما يعتاض عنه بسعر يومه لئلا يربح فيما لم يضمن.

стр. 4623

فإن قيل: هذا ينتقض عليكم بمسألتين. إحداهما: بيع الثمار بعد بدو صلاحها، فإنَّكم تجوزون لمشتريها أن يبيعها على رءوس الأشجار وأن يربح فيها ولو تلفت بجائحة لكانت من ضمانة البائع، فيلزمكم أحد أمرين: إمَّا أن تمنعوا بيعها. وإمَّا أن لا تقولوا بوضع الجوائح. كما يقول الشافعي وأبو حنيفة. بل تكون من ضمانه فكيف تجمعون بين هذا وهذا؟ المسألة الثانية: أنَّكم تجوزون للمستأجر أن يؤجر العين المستأجرة بمثل الأجرة وزيادة، مع أنَّها لو تلفت لكانت من ضمان المؤجر، فهذا ربح ما لم يضمن. قيل: النقض الوارد إمَّا أن يكون بمسألة منصوص عليها، أو مجمع على حكمها. وهاتان المسألتان غير منصوص عليهما ولا مجمع على حكمهما فلا يردان نقضاً. فإنَّ في جواز بيع المشتري ما اشتراه من الثمار على الأشجار كذلك روايتان منصوصتان عن أحمد. فإن منعنا البيع بطل النقض وإن جوزنا البيع - وهو الصحيح - فلأنَّ الحاجة تدعو إلى ذلك. فإنَّ الثمار قد لا يمكن بيعها إلَّا كذلك، فلو منعناه من بيعها أضررنا به، ولو جعلناها من ضمانه إذا تلفت بجائحة أضررنا به أيضاً، فجوزنا له بيعها، لأنَّها في حكم المقبوض بالتخلية بينه وبينها، وجعلناها من ضمان البائع بالجائحة، لأنَّها ليست في حكم المقبوض من جميع الوجوه، ولهذا يجب عليه تمام التسليم بالوجه المحتاج إليه فلما كانت مقبوضة من وجه غير مقبوضة من وجه رتبنا على الوجهين مقتضاهما وهذا من ألطف الفقه.

стр. 4624

وأمَّا مسألة الإجارة: فاختلفت الرواية عن أحمد في جواز إجارة الرجل ما استأجره بزيادة على ثلاث روايات: إحداهن: المنع مطلقاً، لئلا يربح فيما لم يضمن وعلى هذا فالنقض مندفع. والثانية: أنَّه إن جدد فيها عمارة جازت الزيادة، وإلَّا فلا، لأنَّ الزيادة لا تكون ربحاً بل هي في مقابلة ما أحدثه من العمارة. وعلى هذه الرواية أيضاً فالنقض مندفع. والثالثة: أنَّه يجوز أن يؤجرها بأكثر مما استأجرها مطلقاً، وهذا مذهب الشافعي، وهذه الرواية أصح. فإنَّ المستأجر لو عطل المكان وأتلف منافعه بعد قبضه لتلف من ضمانه، لأنَّه قبضه القبض التام. ولكن لو انهدمت الدار لتلفت من مال المؤجر لزوال محل المنفعة فالمنافع مقبوضة. ولهذا له استثناؤها بنفسه وبنظيره، وإيجارها والتبرع بها، ولكن كونها مقبوضة مشروط ببقاء العين. فإذا تلفت العين زال محل الاستيفاء، فكانت من ضمان المؤجر. وسر المسألة: أنَّه لم يربح فيما لم يضمن وإنَّما هو مضمون عليه بالأجرة» اهـ. قُلْتُ: وهذا تحرير نفيس. والله أعلم. ١٧ - وفيه جواز بيع الجزاف في غير الربوي بجنسه. ولا خلاف في ذلك. * * *

стр. 4625

٢٥٤ - عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ ﵁: أَنَّ رَسُوْلَ اللهِ ﷺ : نَهَى عَنْ بَيْعِ الثِّمَارِ حَتَّى تُزْهِيَ قِيلَ: وَمَا تُزْهِي؟ قَالَ: «حَتَّى تَحْمَرَّ». قَالَ: «أَرَأَيْتَ إنْ مَنَعَ اللَّهُ الثَّمَرَةَ، بِمَ يَسْتَحِلُّ أَحَدُكُمْ مَالَ أَخِيهِ». وَفِي الْحَدِيْثِ مَسَائِلُ مِنْهَا: ١ - فيه النهي عن بيع الثمرة قبل بدو صلاحها. ٢ - وفيه أنَّ صلاح ثمرة النخيل باحمرار الثمرة، أو اصفرارها. و"الإزهاء" تغير لون الثمرة. قُلْتُ: وصلاح كل شيء على حسبه، ويجمع ذلك بلوغها إلى حالة تصلح لأنَّ يؤكل منها أكلاً غالبًا. ٣ - وفيه بيان العلة من تحريم ذلك، وهو أنَّ الثمرة قبل بدو صلاحها معرضة للآفة فيكون البائع حينئذ قد أكل مال أخيه بغير عوض ناله، وهو من أكل المال بالباطل. وهذه الجملة: «أَرَأَيْتَ إنْ مَنَعَ اللَّهُ الثَّمَرَةَ، بِمَ يَسْتَحِلُّ أَحَدُكُمْ مَالَ أَخِيهِ»؟. تنازع العلماء في رفعها ووقفها. قَالَ الْحَافِظُ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ ﵀ فِي [الْعِلَلِ] (١/ ٣٧٨/ ١١٢٩):

стр. 4626

«وسألت أبي، وأبا زرعة، عن حديث؛ رواه محمد بن عباد، عن عبد العزيز الدراوردي، عن حميد، عن أنس، أنَّ النَّبي ﷺ ، قال: "إن لم يثمرها الله فبم يستحل أحدكم مال أخيه". فقالا: هذا خطأ، إنَّما هو كلام أنس. قال أبو زرعة: كذا يرويه الدراوردي، ومالك بن أنس، مرفوعاً، والناس يروونه، موقوفاً، من كلام أنس» اهـ. وَسُئِلَ الْحَافِظُ الدَّارَقُطْنِيُّ ﵀ عن هذا الحديث فقال فِي [الْعِلَلِ] (١٢/ ٦٠): «يرويه مالك، عن حميد، عن أنس. وأسند الحديث كله إلى النبي ﷺ . ورواه الدراوردي - من رواية محمد بن عباد، عنه - عن حميد، عن أنس. وأسند آخر الحديث كما أسنده مالك. وخالفه إبراهيم بن حمزة ويحيى بن سليمان بن نضلة، فجعلا آخر الحديث من كلام أنس. وكذلك رواه إسماعيل بن جعفر، وبشر بن المفضل، وأبو خالد الأحمر، ومعتمر بن سليمان، وعبيدة بن حميد، وسفيان بن حبيب، ويحيى بن أيوب، ومروان بن معاوية، ويزيد بن هارون، جعلوا آخر الحديث من قول أنس. وهو الصواب» اهـ. وَقَالَ أَبُو عَبْدِ اللهِ الْحَاكِمُ ﵀ فِي [مَعْرِفَةِ عُلُومِ الْحَدِيْثِ] (ص: ٢٠٣):

стр. 4627

«هذه الزيادة في هذا الحديث: "أرأيت أن منع الله الثمرة" عجيبة فإنَّ مالكَ بن أنس ينفرد بها ولم يذكرها غيره علمي في هذا الخبر، وقد قال بعض أئمتنا: أنَّها من قول أنس فسمعت الشيخ أبا بكر إسحاق يقول: رأيت مالك بن أنس في المنام شيخ أسمر طوال، فقُلْتُ: أحدثكم حميد الطويل عن أنس أَنَّ رَسُوْلَ اللهِ ﷺ قَالَ: "أرأيت أن منع الله الثمرة؟ فبم يستحل أحدكم مال أخيه؟ " قال: "نعم"» اهـ. وَقَالَ الْخَطِيْبُ الْبِغْدَادِيُّ ﵀ فِي [الْفَصْلِ لِلْوَصْلِ الْمُدْرَجِ] (١/ ١٢٥ - ١٢٦): «قال أبو القاسم بن منيع روى هذا الحديث جماعة كلهم عن حميد من قول أنس ولا نعلم أحداً رفعه إلَّا الدراوردي. قد رواه إبراهيم بن حمزة الزبيري عن الدراوردي موقوفاً كما ذكرناه وإبراهيم أتقن من محمد بن عباد وليس يصح أنَّ أحداً رفعه سوى مالك والله أعلم» اهـ. وَقَالَ الْحِافِظُ ابْنُ حَجَرٍ ﵀ فِي [التَّلْخِيْصِ الْحَبِيْرِ] (٣/ ٧٥): «وقد بينت في المدرج أنَّ هذه الجملة موقوفة من قول أنس وأنَّ رفعها وهم وبيانها عند مسلم» اهـ. قُلْتُ: رواية مسلم في [صَحِيْحِهِ] (١٥٥٥) هي قوله: حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ أَيُّوبَ، وَقُتَيْبَةُ، وَعَلِيُّ بْنُ حُجْرٍ، قَالُوا: حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ جَعْفَرٍ، عَنْ حُمَيْدٍ، عَنْ أَنَسٍ، «أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ نَهَى عَنْ بَيْعِ ثَمَرِ النَّخْلِ حَتَّى تَزْهُوَ»، فَقُلْنَا لِأَنَسٍ: مَا زَهْوُهَا؟ قَالَ: «تَحْمَرُّ وَتَصْفَرُّ، أَرَأَيْتَكَ إِنْ مَنَعَ اللهُ الثَّمَرَةَ بِمَ تَسْتَحِلُّ مَالَ أَخِيكَ؟».

стр. 4628

وَقَالَ فِي [الدِّرَايَةِ] (٢/ ١٦٠): «مدرج من قَول أنس» اهـ. وَقَالَ ﵀ فِي [مُقَدِمَةِ فَتْحِ الْبَارِي] (٣٥٨): «قُلْتُ: سبق الدارقطني إلى دعوى الإدراج في هذا الحديث أبو حاتم وأبو زرعة الرازيان وابن خزيمة وغير واحد من أئمة الحديث كما أوضحته في كتابي تقريب المنهج بترتيب المدرج» اهـ. قُلْتُ: وكلامه في [فَتْحِ الْبَارِي] (٤/ ٣٩٩) بخلاف هذا فقد قال ﵀: «قلت: وليس في جميع ما تقدم ما يمنع أن يكون التفسير مرفوعاً لأنَّ مع الذي رفعه زيادة على ما عند الذي وقفه وليس في رواية الذي وقفه ما ينفي قول من رفعه» اهـ. وقَالَ شَيْخُ الْإِسْلَامِ ابْنُ تَيْمِيَّةَ ﵀ كَمَا فِي [مَجْمُوْعِ الْفَتَاوَى] (٣٠/ ٢٦٥): «قال أبو مسعود الدمشقي جعل مالك والدراوردي قول أنس أرأيت إن منع الله الثمرة من حديث النبي أدرجاه فيه ويرون أنَّه غلط. وفيما قاله أبو مسعود نظر» اهـ. قُلْتُ: الصحيح أنَّها مدرجة من كلام أنس. ٤ - واحتج بالحديث على وضع الجوائح. وحمله بعض العلماء وضعها قبل بدو صلاحها وستأتي مناقشة شيخ الإسلام لذلك، وقد دلت السنة على وضعها بعد بدو صلاحها وقبل التمكن من أخذها، وذلك ما رواه مسلم (١٥٥٤) عَنْ جَابِرِ

стр. 4629

بْنِ عَبْدِ اللهِ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : «لَوْ بِعْتَ مِنْ أَخِيكَ ثَمَرًا، فَأَصَابَتْهُ جَائِحَةٌ، فَلَا يَحِلُّ لَكَ أَنْ تَأْخُذَ مِنْهُ شَيْئًا، بِمَ تَأْخُذُ مَالَ أَخِيكَ بِغَيْرِ حَقٍّ؟». قَالَ شَيْخُ الْإِسْلَامِ ابْنُ تَيْمِيَّةَ ﵀ كَمَا فِي [مَجْمُوْعِ الْفَتَاوَى] (٣٠/ ٢٦٨): «والأصل في أنَّ تلف المبيع والمستأجر قبل التمكن من قبضه ينفسخ به العقد: من السنة: ما رواه مسلم في صحيحه عن جابر بن عبد الله قال: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "لو بعت من أخيك ثمراً فأصابته جائحة فلا يحل لك أن تأخذ منه شيئاً بم تأخذ مال أخيك بغير حق؟ " وفي رواية أخرى: أَنَّ رَسُوْلَ اللهِ ﷺ أمر بوضع الجوائح. فقد بين النبي ﷺ في هذا الحديث الصحيح أنَّه إذا باع ثمراً فأصابته جائحة فلا يحل له أن يأخذ منه شيئاً. ثم بين سبب ذلك وعلته فقال: "بم تأخذ مال أخيك بغير حق؟ " وهذا دلالة على ما ذكره الله في كتابه من تحريم أكل المال بالباطل وأنَّه إذا تلف المبيع قبل التمكن من قبضه كان أخذ شيء من الثمن أخذ ماله بغير حق؛ بل بالباطل وقد حرم الله أكل المال بالباطل؛ لأنَّه من الظلم المخالف للقسط الذي تقوم به السماء والأرض. وهذا الحديث أصل في هذا الباب» اهـ. وَقَالَ ﵀ كَمَا فِي [مَجْمُوْعِ الْفَتَاوَى] (٣٠/ ٢٧٠ - ٢٨٣): «ووضع الجوائح من هذا الباب فإنَّها ثابتة بالنص وبالعمل القديم الذي لم يعلم فيه مخالف من الصحابة والتابعين وبالقياس الجلي والقواعد المقررة؛ بل عند التأمل الصحيح ليس في العلماء من يخالف هذا الحديث على التحقيق. وذلك أنَّ

стр. 4630

القول به هو مذهب أهل المدينة قديماً وحديثاً وعليه العمل عندهم من لدن رسول الله ﷺ إلى زمن مالك وغيره وهو مشهور عن علمائهم: كالقاسم بن محمد ويحيى بن سعيد القاضي ومالك وأصحابه وهو مذهب فقهاء الحديث: كالإمام أحمد وأصحابه وأبي عبيد والشافعي في قوله القديم. وأمَّا في القول الجديد فإنَّه علق القول به على ثبوته؛ لأنَّه لم يعلم صحته فقال ﵁: لم يثبت عندي أَنَّ رَسُوْلَ اللهِ ﷺ أمر بوضع الجوائح ولو ثبت لم أعده ولو كنت قائلاً بوضعها لوضعتها في القليل والكثير. فقد أخبر أنَّه إنَّما لم يجزم به؛ لأنَّه لم يعلم صحته. وعلق القول به على ثبوته فقال: لو ثبت لم أعده. والحديث ثابت عند أهل الحديث لم يقدح فيه أحد من علماء الحديث؛ بل صححوه ورووه في الصحاح والسنن رواه مسلم وأبو داود وابن ماجه والإمام أحمد. فظهر وجوب القول به على أصل الشافعي أصلاً. وأمَّا أبو حنيفة فإنَّه لا يتصور الخلاف معه في هذا الأصل على الحقيقة؛ لأنَّ من أصله: أنَّه لا يفرق بين ما قبل بدو الصلاح وبعده ومطلق العقد عنده وجوب القطع في الحال. ولو شرط التبقية بعد بدو الصلاح لم يصح عنده؛ بناء على ما رآه من أنَّ العقد موجب التقابض في الحال فلا يجوز تأخيره؛ لأنَّه شرط يخالف مقتضى العقد فإذا تلف الثمر عنده بعد البيع والتخلية فقد تلف بعد وجوب قطعه كما لو تلف عند غيره بعد كمال صلاحه. وطرد أصله في الإجارة فعنده لا يملك

стр. 4631

المنافع فيها إلَّا بالقبض شيئاً فشيئاً لا تملك بمجرد العقد وقبض العين؛ ولهذا يفسخها بالموت وغيره. ومعلوم أنَّ الأحاديث عن النبي ﷺ متواترة في التفريق بين ما بعد بدو الصلاح وقبل بدوه كما عليه جماهير العلماء حيث نهى النبي ﷺ عن بيع الثمار حتى يبدو صلاحها وذلك ثابت في الصحاح من حديث ابن عمر وابن عباس وجابر وأنس وأبي هريرة، فلو كان أبو حنيفة ممن يقول ببيع الثمار بعد بدو صلاحها مبقاة إلى كمال الصلاح ظهر النزاع معه. والذين ينازعون في وضع الجوائح لا ينازعون في أنَّ المبيع إذا تلف قبل التمكن من القبض يكون من ضمان البائع؛ بل الشافعي أشد الناس في ذلك قولاً؛ فإنَّه يقول: إذا تلف قبل القبض كان من ضمان البائع في كل مبيع ويطرد ذلك في غير البيع. وأبو حنيفة يقول به في كل منقول، ومالك وأحمد القائلان بوضع الجوائح يفرقان بين ما أمكن قبضه كالعين الحاضرة وما لم يمكن قبضه؛ لما روى البخاري من رواية الزهري عن سالم عن ابن عمر قال: "مضت السنة أنَّ ما أدركته الصفقة حباً مجموعاً فهو من مال المشتري". وأمَّا النزاع في أنَّ تلف الثمر قبل كمال صلاحه تلف قبل التمكن من القبض أم لا؟ فإنَّهم يقولون: هذا تلف بعد قبضه؛ لأنَّ قبضه حصل بالتخلية بين المشتري وبينه؛ فإنَّ هذا قبض العقار وما يتصل به بالاتفاق؛ ولأنَّ المشتري يجوز تصرفه فيه بالبيع وغيره وجواز التصرف يدل على حصول القبض؛ لأنَّ التصرف في المبيع

стр. 4632

قبل القبض لا يجوز فهذا سر قولهم. وقد احتجوا بظاهر من أحاديث معتضدين بها. مثل ما رواه مسلم في صحيحه عن أبي سعيد قال: "أصيب رجل في عهد رسول الله ﷺ في ثمار ابتاعها فكثر دينه فقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "تصدقوا عليه" فتصدق الناس عليه فلم يبلغ ذلك وفاء دينه فقال رسول الله ﷺ لغرمائه: "خذوا ما وجدتم وليس لكم إلَّا ذلك". ومثل ما روي في الصحيحين: "أنَّ امرأة أتت النبي ﷺ فقالت: إنَّ ابني اشترى ثمرة من فلان فأذهبتها الجائحة فسأله أن يضع عنه فتألى ألا يفعل. فقال النبي ﷺ : "تألى أن لا يفعل خيراً". ولا دلالة في واحد من الحديثين. أمَّا الأول: فكلام مجمل فإنَّه حكى أنَّ رجلاً اشترى ثماراً فكثرت ديونه فيمكن أنَّ السعر كان رخيصاً فكثر دينه لذلك. ويحتمل أنَّها تلفت أو بعضها بعد كمال الصلاح أو حوزها إلى الجرين أو إلى البيت أو السوق. ويحتمل أن يكون هذا قبل نهيه أن تباع الثمار قبل بدو صلاحها. ولو فرض أنَّ هذا كان مخالفاً لكان منسوخاً؛ لأنَّه باق على حكم الأصل وذاك ناقل عنه وفيه سنة جديدة فلو خولفت لوقع التغيير مرتين. وأمَّا الحديث الثاني فليس فيه إلَّا قول النبي ﷺ : "تألى إلَّا يفعل خيراً" والخير قد يكون واجباً وقد يكون مستحباً ولم يحكم عليه لعدم مطالبة

стр. 4633

الخصم وحضور البينة أو الإقرار ولعل التلف كان بعد كمال الصلاح. وقد اعترض بعضهم على حديث الجوائح بأنَّه محمول على بيع الثمر قبل بدو صلاحه كما في حديث أنس. وهذا باطل لعدة أوجه. أحدها: أنَّ النبي ﷺ قال: "إذا بعت من أخيك ثمرة فأصابتها جائحة". والبيع المطلق لا ينصرف إلَّا إلى البيع الصحيح. والثاني: أنَّه أطلق بيع الثمرة ولم يقل قبل بدو صلاحها. فأمَّا تقييده ببيعها قبل بدو صلاحها فلا وجه له. الثالث: أنَّه قيد ذلك بحال الجائحة وبيع الثمر قبل بدو صلاحه لا يجب فيه ثمن بحال. الرابع: أنَّ المقبوض بالعقد الفاسد مضمون فلو كان الثمر على الشجر مقبوضاً لوجب أن يكون مضموناً على المشتري في العقد الفاسد. وهذا الوجه يوجب أن يحتج بحديث أنس على وضع الجوائح في البيع الصحيح كما توضع في البيع الفاسد؛ لأنَّ ما ضمن في الصحيح ضمن في الفاسد وما لا يضمن في الصحيح لا يضمن في الفاسد. وأمَّا قولهم: إنَّه تلف بعد القبض فممنوع بل نقول: ذلك تلف قبل تمام القبض وكماله؛ بل وقبل التمكن من القبض؛ لأنَّ البائع عليه تمام التربية من سقي الثمر حتى لو ترك ذلك لكان مفرطاً ولو فرض أنَّ البائع فعل ما يقدر عليه من التخلية فالمشتري إنَّما عليه أن يقبضه على الوجه المعروف المعتاد. فقد وجد التسليم دون

стр. 4634

تمام التسلم وذلك أحد طرفي القبض. ولم يقدر المشتري إلَّا على ذلك. وإنَّما على المشتري أن يقبض المبيع على الوجه المعروف المعتاد الذي اقتضاه العقد سواء كان القبض مستعقباً للعقد أو مستأخراً. وسواء كان جملة أو شيئاً فشيئاً. ونحن نطرد هذا الأصل في جميع العقود فليس من شرط القبض أن يستعقب العقد؛ بل القبض يجب وقوعه على حسب ما اقتضاه العقد؛ لفظاً وعرفاً؛ ولهذا يجوز استثناء بعض منفعة المبيع مدة معينة وإن تأخر بها القبض على الصحيح كما يجوز بيع العين المؤجرة ويجوز بيع الشجر واستثناء ثمره للبائع وإن تأخر معه كمال القبض. ويجوز عقد الإجارة لمدة لا تلي العقد. وسر ذلك أنَّ القبض هو موجب العقد فيجب في ذلك ما أوجبه العاقدان بحسب قصدهما الذي يظهر بلفظهما وعرفهما؛ ولهذا قلنا إن شرطا تعجيل القطع جاز إذا لم يكن فيه فساد يحظره الشرع فإن المسلمين عند شروطهم إلَّا شرطاً أحل حراماً أو حرم حلالاً. وإن أطلقا فالعرف تأخير الجذاذ والحصاد إلى كمال الصلاح. وأمَّا استدلالهم بأنَّ القبض هو التخلية فالقبض مرجعه إلى عرف الناس حيث لم يكن له حد في اللغة ولا في الشرع. وقبض ثمر الشجر لا بد فيه من الخدمة والتخلية المستمرة إلى كمال الصلاح؛ بخلاف قبض مجرد الأصول. وتخلية كل شيء بحسبه. ودليل ذلك المنافع في العين المؤجرة. وأمَّا استدلالهم بجواز التصرف فيه بالبيع فعن أحمد في هذه المسألة روايتان:

стр. 4635

إحداهما: لا يجوز بيعه ما دام مضموناً على البائع؛ لأنَّه بيع ما لم يقبض فلا يجوز. وعلى هذا يمنع الحكم في الأصل. والرواية الثانية: يجوز التصرف. وعلى هذه الرواية فذلك بمنزلة منافع الإجارة بأنَّها لو تلفت قبل الاستيفاء كانت من ضمان المؤجر بالاتفاق ومع هذا فيجوز التصرف فيها قبل القبض وذلك لأنَّه في الموضعين حصل الإقباض الممكن فجاز التصرف فيه باعتبار التمكن ولم يدخل في الضمان؛ لانتفاء كماله وتمامه الذي به يقدر المشتري والمستأجر على الاستيفاء وعلى هذا فعندنا لا ملازمة بين جواز التصرف والضمان؛ بل يجوز التصرف بلا ضمان كما هنا. وقد يحصل الضمان بلا جواز تصرف كما في المقبوض قبضاً فاسداً كما لو اشترى قفيزاً من صبرة فقبض الصبرة كلها وكما في الصبرة قبل نقلها على إحدى الروايتين. اختارها الخرقي. وقد يحصلان جميعاً. وقد لا يحصلان جميعاً. ولنا في جواز إيجار العين المؤجرة بأكثر من أجرتها روايتان؛ لما في ذلك من ربح ما لم يضمن. ورواية ثالثة: إن زاد فيها عمارة جازت زيادة الأجرة فتكون الزيادة في مقابلة الزيادة. فالروايتان في بيع الثمار المشتراة نظير الروايتين في إيجار العين المؤجرة. ولو قيل في الثمار: إنَّما يمنع من الزيادة على الثمن كرواية المنع في الإجارة لتوجه ذلك. وبهذا الكلام يظهر المعنى في المسألة وأنَّ ذلك تلف قبل التمكن من القبض المقصود بالعقد فيكون مضموناً على البائع كتلف المنافع قبل التمكن من قبضها؛

стр. 4636

وذلك لأنَّ التخلية ليست مقصودة لذاتها وإنَّما مقصودها تمكن المشتري من قبض المبيع والثمر على الشجر ليس بمحرز ولا مقبوض؛ ولهذا لا قطع فيه. ولا المقصود بالعقد كونه على الشجر؛ وإنَّما المقصود حصاده وجذاذه ولهذا وجب على البائع ما به يتمكن من جذاذه وسقيه والأجزاء الحادثة بعد البيع داخلة فيه وإن كانت معدومة كما تدخل المنافع في الإجارة وإن كانت معدومة. فكيف يكون المعدوم مقبوضاً قبضاً مستقراً موجباً لانتقال الضمان؟. فصل: وعلى هذا الأصل تتفرع المسائل. فالجائحة هي الآفات السماوية التي لا يمكن معها تضمين أحد: مثل الريح والبرد والحر والمطر والجليد والصاعقة ونحو ذلك كما لو تلف بها غير هذا المبيع. فإن أتلفها آدمي يمكن تضمينه أو غصبها غاصب فقال أصحابنا كالقاضي وغيره: هي بمنزلة إتلاف المبيع قبل التمكن من قبضه يخير المشتري بين الإمضاء والفسخ كما تقدم. وإن أتلفها من الآدميين من لا يمكن ضمانه كالجيوش التي تنهبها واللصوص الذين يخربونها: فخرجوا فيه وجهين: أحدهما: ليست جائحة لأنَّها من فعل آدمي. والثاني: وهو قياس أصول المذهب أنَّها جائحة وهو مذهب مالك. كما قلنا مثل ذلك في منافع الإجارة لأنَّ المأخذ إنَّما هو إمكان الضمان؛ ولهذا لو كان المتلف

стр. 4637

جيوش الكفار أو أهل الحرب كان ذلك كالآفة السماوية. والجيوش واللصوص وإن فعلوا ذلك ظلماً ولم يمكن تضمينهم: فهم بمنزلة البرد في المعنى. ولو كانت الجائحة قد عيبته ولم تتلفه فهو كالعيب لحادث قبل التمكن من القبض وهو كالعيب القديم يملك به أو الأرش حيث يقول به. وإذا كان ذلك بمنزلة تلف المبيع قبل التمكن من قبضه فلا فرق بين قليل الجائحة وكثيرها في أشهر الروايتين. وهي قول الشافعي وأبي عبيدة وغيرهما من فقهاء الحديث؛ لعموم الحديث والمعنى. والثانية: أنَّ الجائحة الثلث فما زاد كقول مالك؛ لأنَّه لا بد من تلف بعض الثمر في العادة فيحتاج إلى تقدير الجائحة فتقدر بالثلث كما قدرت به الوصية والنذر ومواضع في الجراح وغير ذلك؛ لأنَّ النبي ﷺ قال: "الثلث والثلث كثير". وعلى الرواية الأولى يقال: الفرق مرجعه إلى العادة فما جرت العادة بسقوطه أو أكل الطير أو غيره له فهو مشروط في العقد والجائحة ما زاد على ذلك؛ وإذا زادت على العادة وضعت جميعها وكذلك إذا زادت على الثلث وقلنا بتقديره فإنَّها توضع جميعها. وهل الثلث مقدر بثلث القيمة أو ثلث المقدار؟ على وجهين. وهما قولان في مذهب مالك. فصل: والجوائح موضوعة في جميع الشجر عند أصحابنا وهو مذهب مالك. وقد نقل عن أحمد أنَّه قال: إنَّما الجوائح في النخل وقد تأوله القاضي على أنَّه أراد إخراج

стр. 4638

الزرع والخضر من ذلك ويمكن أنَّه أراد أنَّ لفظ الجوائح الذي جاء به الحديث هو في النخل وباقي الشجر ثابتة بالقياس لا بالنص؛ فإنَّ شجر المدينة كان النخل. وأمَّا الجوائح فيما يبتاع من الزرع ففيه وجهان ذكرهما القاضي وغيره. أحدهما: لا جائحة فيها. قال القاضي: وهذا أشبه لأنَّها لا تباع إلَّا بعد تكامل صلاحها وأوان جذاذها؛ بخلاف الثمرة فإنَّ بيعها جائز بمجرد بدو الصلاح ومدته تطول. وعلى هذا الوجه حمل القاضي كلام أحمد: إنَّما الجوائح في النخل - يعني لما كان ببغداد - وقد سئل عن جوائح الزرع فقال: إنَّما الجوائح في النخل. وكذلك مذهب مالك أنَّه لا جائحة في الثمرة إذا يبست والزرع لا جائحة فيه كذلك لأنَّه إنَّما يباع يابساً وهذا قول من لا يضع الجوائح في الثمر. كأبي حنيفة والشافعي في القول الجديد المعلق. والوجه الثاني: فيها الجائحة كالثمرة. وهذا هو الذي قطع به غير واحد من أصحابنا كأبي محمد لم يذكروا فيه خلافاً ولم يفرقوا بين ذلك وبين الثمرة؛ لأنَّ النبي ﷺ نهى عن بيع العنب حتى يسود وبيع الحب حتى يشتد فبيع هذا بعد اسوداده كبيع هذا بعد اشتداده. ومن حين يشتد إلى حين يستحصد مدة قد تصيبه فيها جائحة. ومن أصحابنا من قال: ما تكرر حمله كالقثاء والخيار ونحوهما من الخضر والبقول وغيرهما فهو كالشجر وثمره كثمره في ذلك؛ لصحة بيع أصوله صغاراً كانت أو كباراً مثمرة أو غير مثمرة.

стр. 4639

فصل: هذا إذا تلفت قبل كمال صلاحها ووقت جذاذها. فإن تركها إلى حين الجذاذ فتلفت حينئذ فكذلك عند أصحابنا. ونقل عن مالك أنَّها تكون من ضمان المشتري. وللشافعي قولان؛ وذلك لأنَّه لم يبق على البائع شيء من التسليم والمشتري لم يحصل منه تفريط لا خاص ولا عام فإنَّ تأخيرها إلى هذا الحين من موجب العقد. فأصحابنا راعوا عدم تمكن المشتري وعدم تفريطه والمنازع راعى تسليم البائع وتمكينه. وأمَّا إن تركها حتى تجاوز وقت نقلها وتكامل بلوغها ثم تلفت: ففيها لأصحابنا ثلاثة أوجه: أحدها: أن تكون من ضمان البائع أيضاً لعدم كمال قبض المشتري وهو الذي قطع به القاضي في المجرد وابن عقيل وأكثر الأصحاب وهو مذهب مالك والشافعي؛ لكن القاضي في المجرد علله بما إذا لم يكن له عذر؛ دون ما إذا عاقه مرض أو مانع. وأمَّا غيره فذهبوا إلى: الوجه الثالث: وهو عدم اعتبار إمكان الرفع والجد. قال ابن عقيل: هذا هو الذي يقتضيه مذهبنا. وهو كما قال؛ فإنَّ هذه الثمرة بمنزلة المنفعة في الإجارة. ولو حال بين المستأجر وبينها حائل يخصه مثل مرضه ونحوه لم تسقط عنه الأجرة؛ بخلاف العام فإنَّه يسقط أجرة ما ذهب به من المنفعة. فصل:

стр. 4640

هذا إذا اشترى الثمرة والزرع فإن اشترى الأصل بعد ظهور الثمر أو قبل التأبير واشترط الثمر فلا جائحة في ذلك عند أصحابنا ومالك وغيرهما. ولذلك احترز الخرقي من هذه الصورة فقال: وإذا اشترى الثمرة دون الأصل فتلفت بجائحة من السماء رجع بها على البائع وذلك لأنَّه هنا حصل القبض الكامل بقبض الأصل؛ ولهذا لا يجب على البائع سقي ولا مئونة أصلاً؛ فإنَّ المبيع عقار والعقار قبض بالتخلية والثمر دخل ضمناً وتبعاً فإذا جاز بيعه قبل صلاحه جاز هنا تبعاً. ولو بيع مقصوداً لم يجز بيعه قبل صلاحه» اهـ. قُلْتُ: ومن هذا الباب وضع الجوائح في منفعة الإجارة، فإنَّ منفعة الإجارة إذا نقصت بسبب بعض الجوائح فإنَّه يوضع من القيمة بمقدار ذلك. ومن هذا ما يحصل من نقصان المنافع بسبب الحروب ودخول الأعداء أو البغاة أو الخوارج بلدة من البلدان فتتعطل أسواق الناس ويخرج كثير منهم من مساكنهم المستأجرة، فإنَّ من الظلم أن يطالب مثل هؤلاء بكمال الأجرة مع نقصان المنفعة أو انعدامها. وهناك كلام جميل لِشَيْخِ الْإِسْلَامِ ابْنِ تَيْمِيَّةَ ﵀ كَمَا فِي [مَجْمُوْعِ الْفَتَاوَى] (٣٠/ ٢٩٨ - ٣٠٢) - عند كلامه على نقصان المنفعة في إجارة الأرض - قال فيه: «فأي وقت نقصت فيه هذه المنفعة: بنقص ماء وانقطاعه أو بزيادته وتغريقه أو حدوث جراد أو برد أو حر أو ثلج ونحو ذلك مما يكون خارجاً عن العادة ومانعاً

стр. 4641

من المنفعة المعتادة فإنَّ ذلك يمنع المنفعة المستحقة المعقود عليها. فيجب أن يملك الفسخ أو يسقط من الأجرة بقدر ما فات من المنفعة كانقطاع الماء وليس بين انقطاع الماء وزيادته وسائر الموانع فرق يصلح لافتراق الحكم. فصل: إذا تبين ذلك فقد تقدم نص أحمد والخرقي وغيرهما على أنَّه عليه من الأجرة بقدر ما حصل له من المنفعة. وهذا نوعان: أحدهما: حصول المنفعة في بعض زمن الإجارة أو بعض أجزاء العين المستأجرة فهذا تسقط فيه الأجرة على قدر ذلك ويجب بقسط ما حصل من المنفعة وتكون الأجرة مقسومة على قدر قيمة الأمكنة والأزمنة؛ فإن كلاً منهما قد يكون متماثلاً وقد يكون مختلفاً؛ بأن يكون بعض الأرض خيراً من بعض وكري بعض فصول السنة أغلى من بعض. وقد صرح بذلك أصحابنا وغيرهم. والثاني: نقص المنفعة في نفس المكان الواحد والزمان الواحد؛ مثل أن يقل ماء السماء عن الوجه المعتاد أو يحصل غرق ينقص الزرع ونحو ذلك فهنا لأصحابنا وجهان: أحدهما: أنَّه لا يملك إلَّا الفسخ. والثاني - وهو مقتضى المنصوص وقياس المذهب -: أنَّه يخير بين الفسخ وبين الأرش كالبيع؛ بل هو في الإجارة أوكد؛ لأنَّه في البيع يمكنه الرد والمطالبة بالثمن. وهنا لا يمكنه رد جميع المنفعة فإنَّه لا يردها إلَّا متغيرة. فلو قيل هنا: إنَّه

стр. 4642

ليس له إلَّا المطالبة بالأرش: كما نقول على إحدى الروايتين: إن تعيب المبيع عند المشتري يمنع الرد بالعيب القديم ويوجب الأرش - لكان ذلك أوجه وأقيس من قول من يقول: ليس له إذا تعقب المنفعة إلَّا الرد دون المطالبة بالأرش. فهذا قول ضعيف جداً بعيد عن أصول الشريعة وقواعد المذهب وخلاف ما نص عليه أحمد وأئمة أصحابه؛ وإن كان القاضي قد يقوله في " المجرد " ويتبعه عليه ابن عقيل أو غيره فالقاضي ﵁ صنف "المجرد" قديماً بعد أن صنف "شرح المذهب" وقبل أن يحكم " التعليق" و"الجامع الكبير" وهو يأخذ المسائل التي وضعها الناس وأجابوا فيها على أصولهم فيجيب فيها بما نص عليه أحمد وأصحابه وبما تقتضيه أصوله عنده فربما حصل في بعض المسائل التي تتفرع وتتشعب ذهول للمفرع في بعض فروعها عن رعاية الأصول والنصوص في نحو ذلك. وعلى هذا فإذا حصل من الضرر - كالبرد الشديد والغرق والهواء المؤذي والجراد والجليد والفأر ونحو ذلك - ما نقص المنفعة المقصودة المعتادة المستحقة بالعقد فيصنع في ذلك كما يصنع في أرش المبيع المعيب: تنظر قيمة الأرض بدون تلك الآفة وقيمتها مع تلك الآفة وينسب النقص إلى القيمة الكاملة ويحط من الأجرة المسماة بقدر النقص كأن تكون أجرتها مع السلامة تساوي ألفاً ومع الآفة تساوي ثمانمائة فالآفة قد نقصت خمس القيمة فيحط خمس الأجرة المسماة وكذلك في جائحة الثمر: ينظر كم نقصته الجائحة؟ هل نقصته ثلث قيمته أو ربعها أو خمسها؟ يحط

стр. 4643

عنه من الثمن بقدره. وكذلك لو تغير الثمر وعاب نظر كم نقصه ذلك العيب من قيمته؟ وحط من الثمن بنسبته. وأمَّا ما قد يتوهمه بعض الناس أنَّ جائحة الزرع في الأرض المستأجرة توضع من رب الأرض أو يوضع من رب الأرض بعض الزرع قياساً على جائحة المبيع في الثمر والزرع: فهذا غلط؛ فإنَّ المشتري للثمر والزرع ملك بالعقد نفس الثمر والزرع. فإذا تلفت قبل التمكن من القبض تلفت من ملك البائع. وأمَّا المستأجر فإنَّما استحق بالعقد الانتفاع بالأرض. وأمَّا الزرع نفسه فهو ملكه الحادث على ملكه؛ لم يملكه بعقد الإجارة وإنَّما ملك بعقد الإجارة المنفعة التي تنبته إلى حين كمال صلاحه. فيجب الفرق بين جائحة الزرع والثمر المشترى وبين الجائحة في منفعة الأرض المستأجرة المزروعة؛ فإنَّ هذا مزلة أقدام ومضلة أفهام غلط فيها خلائق من الحكام والمقومين والمجيحين والملاك والمستأجرين حتى أنَّ بعضهم يظنون أنَّ جائحة الإجارة للأرض المزروعة بمنزلة جائحة الزرع المشترى. وبعض المتفقهة يظن أنَّ الأرض المزروعة إذا حصل بها آفة منعت من كمال الزرع لم تنقص المنفعة ولم يتلف شيء منها وكلا الأمرين غلط لمن تدبر. ونظير الأرض المستأجرة للازدراع الأرض المستأجرة للغراس والبناء؛ فإنَّ المؤجر لا يضمن قيمة الغراس والبناء إذا تلف؛ ولكن لو حصلت آفة منعت كمال المنفعة المستحقة بالعقد مثل أن يستولي عدو يمنع الانتفاع بالغراس والبناء أو تحصل آفة من جراد أو آفة تفسد الشجر المغروس أو حصل ريح يهدم الأبنية ونحو ذلك فهنا نقصت

стр. 4644

المنفعة المستحقة بالعقد نظير نقص المنفعة في الأرض المزروعة. ولما كان كثير من الناس يتوهم أنَّ المستأجر توضع عنه الجائحة في نفس الزرع والبناء والغراس كالمشتري: نفى ذلك العلماء ويشبه أن يكون هذا معنى ما نص عليه أحمد ونقله أصحابنا. كالقاضي وأبي محمد حيث قالوا - واللفظ لأبي محمد -: إذا استأجر أرضاً فزرعها فتلف الزرع فلا شيء على المؤجر. نص عليه أحمد ولا نعلم فيه خلافاً؛ لأنَّ المعقود عليه منافع الأرض ولم تتلف إنَّما تلف مال المستأجر فيها فصار كدار استأجرها ليقصر فيها ثياباً فتلفت الثياب فيها. فهذا الكلام يقتضي أنَّ المؤجر لا يضمن شيئاً من زرع المستأجر كما يضمن البائع بزرع المشتري ولذلك ذكر ذلك في باب جوائح الأعيان وعلل ذلك بأنَّ التالف إنَّما هو عين ملك المستأجر لا المنفعة. وهذا حسن في نفي ضمان نفس الزرع. ويظهر ذلك فيما إذا تلف الزرع بعد كماله. وقد بينا فيما تقدم أنَّ نفس المنفعة المعقود عليها تنقص وتتعطل بما يصيب الزرع من الآفة فيحط من الأجرة بقدر ما نقص من المنفعة. فما نفى فيه الشيخ الخلاف ضمان نقص العين ولم يذكر ضمان نقص المنفعة هنا؛ لكن ذكره في كتاب الإجارة. والموضع موضع اشتباه وفي كلام أكثر العلماء فيها إجمال. وبما حققناه يتضح الصواب. والله أعلم» اهـ. ٥ - وفيه تحريم أكل مال المسلم بغير حق. * * *

стр. 4645

٢٥٥ - عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبَّاسٍ ﵄، قَالَ: «نَهَى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ أَنْ تُتَلَقَّى الرُّكْبَانُ، وَأَنْ يَبِيعَ حَاضِرٌ لِبَادٍ». قَالَ: فَقُلْتُ لابْنِ عَبَّاسٍ: مَا قَوْلُهُ حَاضِرٌ لِبَادٍ؟ قَالَ: لا يَكُونُ لَهُ سِمْسَاراً. وَفِي الْحَدِيْثِ مَسَائِلُ مِنْهَا: ١ - النهي عن تلقي الركبان. ٢ - النهي عن بيع الحاضر للباد. وقد مضى القول فيهما. ٣ - جواز إطلاق السمسار على متولي البيع والشراء، والسمسار هو الدلال، وهو متولي البيع والشراء لغيره. قَالَ الْعَلَّامَةُ ابْنُ الْأَثِيْرِ ﵀ فِي [الْنِّهَايَةِ] (٢/ ٩٩٥): «السماسرة: جمع سمسار وهو القيم بالأمر الحافظ له وهو في البيع اسم للذي يدخل بين البائع والمشتري متوسطاً لإمضاء البيع» اهـ. وقد روى أحمد (١٦١٧٩، ١٦١٨٢، ١٦١٨٣، ١٦١٨٤، ١٨٤٩٠)، وأبو داود (٣٣٢٦)، والنسائي (٣٧٩٧، ٣٧٩٨، ٣٨٠٠، ٤٤٦٣)، وابن ماجة (٢١٤٥) مِنْ طَرِيْقِ أَبِي وَائِلٍ، عَنْ قَيْسِ بْنِ أَبِي غَرَزَةَ، قَالَ: كُنَّا فِي عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ نُسَمَّى السَّمَاسِرَةَ فَمَرَّ بِنَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فَسَمَّانَا بِاسْمٍ

стр. 4646

هُوَ أَحْسَنُ مِنْهُ، فَقَالَ: «يَا مَعْشَرَ التُّجَّارِ، إِنَّ الْبَيْعَ يَحْضُرُهُ اللَّغْوُ وَالْحَلْفُ، فَشُوبُوهُ بِالصَّدَقَةِ». قُلْتُ: هَذَا حَدِيْثٌ صَحِيْحٌ. قَالَ الْعَلَّامَةُ الْخَطَّابِي ﵀ فِي [مَعَالِمِ الْسُّنَنِ] (٣/ ٥٣): «السمسار أعجمي وكان كثير ممن يعالج البيع والشراء فيهم عجماً فتلقنوا هذا الاسم عنهم فغيره رسول الله ﷺ إلى التجارة التي هي من الأسماء العربية، وذلك معنى قوله: فسمانا باسم هو أحسن منه. وقد تدعو العرب التاجر أيضاً الرّقاحي والترقيح في كلامهم إصلاح المعيشة» اهـ. تنبيه: كان الأنسب أن يذكر المؤلف هذا الحديث إثر حديث أبي هريرة في باب ما ينهي من البيوع. * * *

стр. 4647

٢٥٦ - عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ ﵄ قَالَ: «نَهَى رَسُولُ اللَّهِ- ﷺ عَنْ الْمُزَابَنَةِ: أَنْ يَبِيعَ ثَمَرَ حَائِطِهِ، إنْ كَانَ نَخْلاً: بِتَمْرٍ كَيْلاً. وَإِنْ كَانَ كَرْماً: أَنْ يَبِيعَهُ بِزَبِيبٍ كَيْلاً، أَوْ كَانَ زَرْعاً: أَنْ يَبِيعَهُ بِكَيْلِ طَعَامٍ. نَهَى عَنْ ذَلِكَ كُلِّهِ». وَفِي الْحَدِيْثِ مَسَائِلُ مِنْهَا: ١ - النهي عن بيع المزابنة. قَالَ الْعَلَّامَةُ ابْنُ بَطَّالٍ ﵀ فِي [شَرْحِ الْبُخَارِي] (٦/ ٣٠٦): «المزابنة عند العرب: المدافعة، وذلك أنَّ المتبايعين إذا وقفا فيه على الغبن أراد المغبون أن يفسخ البيع، وأراد الغابن أن يمضيه تزابنا أي: تدافعا واختصما» اهـ. وَقَالَ الْحِافِظُ ابْنُ حَجَرٍ ﵀ فِي [فَتْحِ الْبَارِي] (٤/ ٣٨٤): «بالزاي والموحدة والنون مفاعلة من الزبن بفتح الزاي وسكون الموحدة وهو الدفع الشديد ومنه سميت الحرب الزبون لشدة الدفع فيها، وقيل للبيع المخصوص المزابنة لأنَّ كل واحد من المتبايعين يدفع صاحبه عن حقه، أو لأنَّ أحدهما إذا وقف على ما فيه من الغبن أراد دفع البيع بفسخه، وأراد الآخر دفعه عن هذه الإرادة بإمضاء البيع» اهـ.

стр. 4648

قُلْتُ: وقد جاء تفسير المزابنة فيما رواه البخاري (٢١٨٥)، ومسلم (١٥٤٦) عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ ﵄: «أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ نَهَى عَنِ المُزَابَنَةِ، وَالمُزَابَنَةُ: اشْتِرَاءُ الثَّمَرِ بِالتَّمْرِ كَيْلًا، وَبَيْعُ الكَرْمِ بِالزَّبِيبِ كَيْلًا». وفيما رواه مسلم (١٥٣٦) عَنْ عَطَاءٍ، عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللهِ، «أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ نَهَى عَنِ الْمُخَابَرَةِ وَالْمُحَاقَلَةِ وَالْمُزَابَنَةِ، وَعَنْ بَيْعِ الثَّمَرَةِ حَتَّى تُطْعِمَ، وَلَا تُبَاعُ إِلَّا بِالدَّرَاهِمِ وَالدَّنَانِيرِ، إِلَّا الْعَرَايَا». قَالَ عَطَاءٌ: فَسَّرَ لَنَا جَابِرٌ، قَالَ: «أَمَّا الْمُخَابَرَةُ: فَالْأَرْضُ الْبَيْضَاءُ، يَدْفَعُهَا الرَّجُلُ إِلَى الرَّجُلِ فَيُنْفِقُ فِيهَا، ثُمَّ يَأْخُذُ مِنَ الثَّمَرِ، وَزَعَمَ أَنَّ الْمُزَابَنَةَ: بَيْعُ الرُّطَبِ فِي النَّخْلِ بِالتَّمْرِ كَيْلًا، وَالْمُحَاقَلَةُ فِي الزَّرْعِ عَلَى نَحْوِ ذَلِكَ، يَبِيعُ الزَّرْعَ الْقَائِمَ بِالْحَبِّ كَيْلًا». قَالَ فِي [طَرْحِ الْتَثْرِيْبِ] (٦/ ١١٥): «فإن كان هذا التفسير مرفوعاً فلا إشكال في وجوب الأخذ به وإن كان موقوفاً على هؤلاء الصحابة فهم رواة الحديث وأعرف بتفسيره من غيرهم. قال ابن عبد البر: ولا مخالف لهم علمته بل قد أجمع العلماء على أنَّ ذلك مزابنة، ولذلك أجمعوا على أنَّ كل ما لا يجوز إلَّا مثلا بمثل أنَّه لا يجوز منه كيل بجزاف ولا جزاف بجزاف لأنَّ في ذلك جهل المساواة ولا يؤمن مع ذلك التفاضل. قُلْتُ: وحقيقتها الجامعة لأفرادها: بيع الرطب من الربوي باليابس منه» اهـ.

стр. 4649

قُلْتُ: ما ذكره من المعنى الجامع فيه نظر، وذلك أنَّه يدخل في معنى المزابنة ما لو باع الرطب الذي على النخيل برطب مكيل، وهكذا لو باع عنباً على الأشجار بعنب مكيل، ولهذا عرف شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ المزابنة بأوسع مما ذكره صاحب "طرح التثريب" فقال: «وهو: اشتراء الثمر والحب بخرص» اهـ. كما سيأتي. وقوله" (بخرص) يقيد بقيد: (من جنسه). ٢ - أنَّ النهي عن المزابنة غير مختص بثمرة النخل، بل يشمل بيع الربط باليابس عموماً، ويستثنى من ذلك أصحاب العرايا كما سيأتي بيان ذلك بمشيئة الله تعالى. قَالَ الْعَلَّامَةُ ابْنُ بَطَّالٍ ﵀ في [شَرْحِ الْبُخَارِي] (٦/ ٣٠٧): «والتفاضل حرام في كل ما كان في معنى الرطب بالتمر، ومعنى الزبيب بالعنب من سائر المأكولات والمشروبات إذا كان أحدهما مجهولاً، وهذا إجماع» اهـ. ٣ - وفيه حجة لقاعدة من قواعد الربا، وهي أنَّ الجهل بالتماثل كالعلم بالتفاضل. قَالَ شَيْخُ الْإِسْلَامِ ابْنُ تَيْمِيَّةَ ﵀ كَمَا فِي [مَجْمُوْعِ الْفَتَاوَى] (٢٠/ ٣٥٠): «ثم إنَّ النَّبي ﷺ نهى عن المزابنة والمحاقلة وهو: اشتراء الثمر والحب بخرص، وكما نهى عن بيع الصبرة من الطعام لا يعلم كيلها بالطعام المسمى؛ لأنَّ الجهل بالتساوي فيما يشترط فيه التساوي كالعلم بالتفاضل، والخرص لا يعرف مقدار المكال إنَّما هو حزر وحدس وهذا متفق عليه بين الأئمة» اهـ. ٤ - وفيه النهي عن ربا الفضل.

стр. 4650

٥ - واحتج به على النهي عن الغرر، ووجه الغرر في هذا البيع أنَّ عاقبة الرطب مجهولة بعد يبسه، وعاقبة الثمر أيضاً مجهولة بعد قطعها. قُلْتُ: لكن هذا الغرر، يجوز إذا بيع الطعام جزافاً بغير جنسه لأنَّه غرر يسير. قَالَ الْعَلَّامَةُ ابْنُ الْقَيِّمِ ﵀ فِي [زَادِ الْمَعَادِ] (٥/ ٨٢٠): «وكذا بيع الصبرة العظيمة التي لا يعلم مكيلها، وكذا بيع البيض والرمان والبطيخ والجوز واللوز والفستق، وأمثال ذلك مما لا يخلو من الغرر، فليس كل غرر سبباً للتحريم، والغرر إذا كان يسيراً أو لا يمكن الاحتراز منه، لم يكن مانعاً من صحة العقد» اهـ. ٦ - واحتج به على حرمة القمار؛ وذلك أنَّ البائع والمشتري في مخاطرة في البيع بين غنم وغرم، وهذه هي حقيقة القمار. فإن قيل: والتجارة بكافة أشكالها لا تخلو من مخاطرة؟! قيل قد أجاب عن ذلك الْعَلَّامَةُ ابْنُ الْقَيِّمِ ﵀ فِي [زَادِ الْمَعَادِ] (٥/ ٨١٦) فقال -ناقلاً عن شيخه شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀: «والمخاطرة مخاطرتان: مخاطرة التجارة وهو أن يشتري السلعة بقصد أن يبيعها ويربح ويتوكل على الله في ذلك، والخطر الثاني: الميسر الذي يتضمن أكل المال بالباطل، فهذا الذي حرمه الله تعالى ورسوله مثل بيع الملامسة والمنابذة، وحبل الحبلة والملاقيح والمضامين، وبيع الثمار قبل بدو صلاحها، ومن هذا النوع يكون

стр. 4651

أحدهما قد قمر الآخر، وظلمه، ويتظلم أحدهما من الآخر بخلاف التاجر الذي قد اشترى السلعة، ثم بعد هذا نقص سعرها، فهذا من الله سبحانه ليس لأحد فيه حيلة، ولا يتظلم مثل هذا من البائع» اهـ. قُلْتُ: وهكذا إذا فسدت عليه فهو قدر من الله لم يظلمه فيه أحد. وأمَّا إن باع بضاعته بدون ثمنها مع رواج بضاعته فمن نفسه أوتي ولم يعتدي عليه أحد، فأين هذا من القمار الذي هو عين الظلم في أموال الناس. قُلْتُ: ولا يظهر لي أنِّ العلة في النهي عن المزابنة هي القمار أو الغرر، وذلك لجواز بيع الجزاف في غير الربوي بجنسه كما دلت عليه السنة، وسيأتي بيان ذلك بمشيئة الله تعالى. والمخاطرة اليسيرة مما يعفى عنها في الشرع. ٧ - ويدخل في بيع المزابنة بيع الرطب بعد جزه من أشجاره بيابس من جنسه أيضاً، فإنَّ الجهالة في حال الرطب بعد يبسه موجودة في هذه الصورة أيضاً خلافاً لأبي حنيفة. ويدل على ذلك أيضاً ما رواه مالك في [الْمُوَطَّأِ] (١٢٩٣)، ومِنْ طَرِيْقِه: أحمد (١٥١٥، ١٥٤٤)، وأبو داود (٣٣٥٩)، والنسائي (٤٥٤٥)، والترمذي (١٢٢٥)، وابن ماجة (٢٢٦٤) عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ يَزِيدَ، أَنَّ زَيْدًا أَبَا عَيَّاشٍ، سَأَلَ سَعْدًا عَنِ البَيْضَاءِ بِالسُّلْتِ، فَقَالَ: أَيُّهُمَا أَفْضَلُ؟ قَالَ البَيْضَاءُ، فَنَهَى عَنْ ذَلِكَ، وَقَالَ سَعْدٌ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يُسْأَلُ عَنْ اشْتِرَاءِ التَّمْرِ

стр. 4652

بِالرُّطَبِ، فَقَالَ لِمَنْ حَوْلَهُ: «أَيَنْقُصُ الرُّطَبُ إِذَا يَبِسَ»، قَالُوا: نَعَمْ، «فَنَهَى عَنْ ذَلِكَ». قُلْتُ: هَذَا حَدِيْثٌ صَحِيْحٌ. قَالَ الْعَلَّامَةُ الْنَوَوِي ﵀ فِي [شَرْحِ مُسْلِمٍ] (٥/ ٣٥٩): «وسواء عند جمهورهم كان الرطب والعنب على الشجر أو مقطوعاً، وقال أبو حنيفة: إن كان مقطوعاً جاز بيعه بمثله من اليابس» اهـ. ٨ - وظاهر الحديث أنَّ المزابنة مختصة ببيع الجنس بجنسه مما يجري فيه الربا. وأدخل الإمام مالك ورواية عن أحمد في المزابنة ما بيع جزافاً بجنسه وبغير جنسه، لما في ذلك من الغرر والقمار. قَالَ الْحِافِظُ ابْنُ حَجَرٍ ﵀ فِي [فَتْحِ الْبَارِي] (٤/ ٣٨٤): «وقال مالك: المزابنة كل شيء من الجزاف لا يعلم كيله ولا وزنه ولا عدده إذا بيع بشيء مسمى من الكيل وغيره سواء كان من جنس يجري الربا في نقده أم لا وسبب النهى عنه ما يدخله من القمار والغرر قال ابن عبد البر نظر مالك إلى معنى المزابنة لغة وهي المدافعة ويدخل فيها القمار والمخاطرة» اهـ. وقَالَ الْحَافِظُ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِ ﵀ فِي [التَّمْهِيْدِ] (٢/ ٣١٧): «ويشهد لقول مالك والله أعلم أصل معنى المزابنة في اللغة المخاطرة لأنَّه لفظ مأخوذ من الزبن وهو المقامرة والدفع والمغالبة وفي معنى القمار والزيادة

стр. 4653

والنقصان أيضاً حتى لقد قال بعض أهل اللغة: إنَّ القمر مشتق من القمار لزيادته ونقصانه فالمزابنة والقمار والمخاطرة شيء متداخل حتى يشبه أن يكون أصل اشتقاقهما واحداً والله أعلم» اهـ. قُلْتُ: الصحيح جواز ذلك في غير الربويات، وفي الربوي إذا بيع بغير جنسه، فإنَّ النبي ﷺ أجاز بيع الثمرة بعدو بدو صلاحها، ويدخل في ذلك إذا بيعت بالنقدين أو بثمرة من غير جنسها، وأباح بيع الجزاف في غير الربويات. وَقَالَ الْعَلَّامَةُ ابْنُ الْقَيِّمِ ﵀ فِي [إِعْلَامِ الْمُوَقِعِيْنَ] (٢/ ١٦٥): «فهذا يشبه المزابنة بين الجنسين كبيع صبرة تمر بصبرة زبيب وأكثر الفقهاء لا يمنعون من ذلك إذ غايته التفاضل بين الجنسين والتفاضل المتحقق جائز بينهما فكيف بالمظنون، وأحمد في إحدى الروايتين عنه يمنع ذلك لا لأجل التفاضل ولكن لأجل المزابنة وشبه القمار وعلى هذا فيمتنع بيع اللحم بحيوان من غير جنسه والله أعلم» اهـ. قُلْتُ: جاء في بيع الجزاف ما رواه البخاري (٦٨٥٢)، ومسلم (١٥٢٧) عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ: «أَنَّهُمْ كَانُوا يُضْرَبُونَ عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ إِذَا اشْتَرَوْا طَعَامًا جِزَافًا، أَنْ يَبِيعُوهُ فِي مَكَانِهِمْ، حَتَّى يُؤْوُوهُ إِلَى رِحَالِهِمْ». والجزاف مثلث الجيم وهو ما بيع بغير كيل ولا وزن. قَالَ شَيْخُ الْإِسْلَامِ ابْنُ تَيْمِيَّةَ ﵀ كَمَا فِي [مَجْمُوْعِ الْفَتَاوَى] (٣٠/ ٣٠٧):

стр. 4654

«إجارة الأرض المعينة جائزة وإن لم يعلم ذرعاتها كما يجوز بيعها وبيع سائر المعينات وإن لم يعلم مقدارها فإنَّ بيع العين جزافاً جائز بالسنة والإجماع. كما ثبت عن النبي ﷺ أنَّه أجاز بيع الشرك في الأرض الربعة والحائط وبيع الثمر على الشجر بعد بدو صلاحه. وأقرهم على بيع الطعام جزافاً» اهـ. ٩ - وفيه جواز تسمية العنب كرماً، وقد جاء النهي عن ذلك فيما رواه البخاري (٦١٨٣)، ومسلم (٢٢٤٧) عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : «لَا يَسُبُّ أَحَدُكُمُ الدَّهْرَ، فَإِنَّ اللهَ هُوَ الدَّهْرُ وَلَا يَقُولَنَّ أَحَدُكُمْ لِلْعِنَبِ الْكَرْمَ، فَإِنَّ الْكَرْمَ الرَّجُلُ الْمُسْلِمُ». هذا لفظ مسلم، ولفظ البخاري: «وَيَقُولُونَ الكَرْمُ، إِنَّمَا الكَرْمُ قَلْبُ المُؤْمِنِ». وفي لفظ لمسلم: «لَا تَقُولُوا كَرْمٌ فَإِنَّ الْكَرْمَ، قَلْبُ الْمُؤْمِنِ». قَالَ شَيْخُ الْإِسْلَامِ ابْنُ تَيْمِيَّةَ ﵀ كَمَا فِي [مَجْمُوْعِ الْفَتَاوَى] (١٦/ ٢٩٤): «وهم سموا العنب "الكرم" لأنَّه أنفع الفواكه يؤكل رطباً ويابساً ويعصر فيتخذ منه أنواع. وهو أعم وجوداً من النخل يوجد في عامة البلاد والنخل لا يكون إلَّا في البلاد الحارة. ولهذا قال في رزق الإنسان: ﴿فَلْيَنْظُرِ الْإِنْسَانُ إِلَى طَعَامِهِ (٢٤) أَنَّا صَبَبْنَا الْمَاءَ صَبًّا (٢٥) ثُمَّ شَقَقْنَا الْأَرْضَ شَقًّا (٢٦) فَأَنْبَتْنَا فِيهَا حَبًّا (٢٧) وَعِنَبًا وَقَضْبًا (٢٨) وَزَيْتُونًا وَنَخْلًا (٢٩) وَحَدَائِقَ غُلْبًا (٣٠) وَفَاكِهَةً وَأَبًّا (٣١) مَتَاعًا لَكُمْ وَلِأَنْعَامِكُمْ﴾. فقدم العنب. وقال في صفة الجنة: ﴿إِنَّ لِلْمُتَّقِينَ مَفَازًا (٣١)

стр. 4655

حَدَائِقَ وَأَعْنَابًا﴾، ومع هذا نهى النبي ﷺ عن تسميته بالكرم وقال: "الكرم قلب المؤمن". فإنَّه ليس في الدنيا أكثر ولا أعظم خيراً من قلب المؤمن. والشيء الحسن المحمود يوصف بالكرم. قال تعالى: ﴿أَوَلَمْ يَرَوْا إِلَى الْأَرْضِ كَمْ أَنْبَتْنَا فِيهَا مِنْ كُلِّ زَوْجٍ كَرِيمٍ﴾. قال ابن قتيبة: من كل جنس حسن. وقال الزجاج: الزوج النوع والكريم المحمود. وقال غيرهما: ﴿مِنْ كُلِّ زَوْجٍ﴾ صنف وضرب ﴿كَرِيمٍ﴾ حسن من النبات مما يأكل الناس والأنعام. يقال: "نخلة كريمة" إذا طاب حملها و"ناقة كريمة " إذا كثر لبنها» اهـ. وَقَالَ الْعَلَّامَةُ ابْنُ الْقَيِّمِ ﵀ فِي [تَهْذِيْبِ السُّنَنِ] (٢/ ٤٥٥): «العرب تسمي شجر العنب كرماً لكرمه، والكرم كثرة الخير والمنافع والفوائد لسهولة تناولها من الكريم ومنه قوله تعالى: ﴿فَأَنْبَتْنَا فِيهَا مِنْ كُلِّ زَوْجٍ كَرِيمٍ﴾، وفي آية أخرى ﴿مِنْ كُلِّ زَوْجٍ بَهِيجٍ﴾، فهو كريم مخبره بهيج في منظره، وشجر العنب قد جمع وجوهاً من ذلك. منها: تذليل ثمره لقاطفه. ومنها أنَّه ليس دونه شوك يؤذي مجتنيه. ومنها: أنَّه ليس بممتنع على من أراده لعلو ساقه وصعوبته كغيره. ومنها: أنَّ الشجرة الواحدة منه - مع ضعفها ودقة ساقها - تحمل أضعاف ما تحمله غيرها. ومنها: أنَّ الشجرة الواحدة منه إذا قطع أعلاها أخلفت من جوانبها وفروعها، والنخلة إذا قطع أعلاها ماتت، ويبست جملة. ومنها: أنَّ ثمره يؤكل قبل نضجه، وبعد نضجه، وبعد يبسه. ومنها: أنَّه يتخذ منه من أنواع

стр. 4656

الأشربة الحلوة والحامضة، كالدبس والخل، ما لا يتخذ من غيره، ثم يتخذ من شرابه من أنواع الحلاوة والأطعمة والأقوات ما لا يتخذ من غيره، وشرابه الحلال غذاء وقوت ومنفعة وقوة. ومنها: أنَّه يدخر يابسه قوتاً وطعاماً وأدماً. ومنها: أنَّ ثمره قد جمع نهاية المطلوب من الفاكهة من الاعتدال، فلم يفرط إلى البرودة كالخوخ وغيره، ولا إلى الحرارة، كالتمر، بل هو في غاية الاعتدال، إلى غير ذلك من فوائده. فلما كان بهذه المنزلة سموه كرماً، فأخبرهم النبي ﷺ أنَّ الفوائد والثمرات والمنافع التي أودعها الله قلب عبده المؤمن - من البر وكثرة الخير - أعظم من فوائد كرم العنب فالمؤمن أولى بهذه التسمية منه. فيكون معنى الحديث على هذا: النهي عن قصر اسم الكرم على شجر العنب، بل المسلم أحق بهذا الاسم منه. وهذا نظير قوله: "ليس الشديد بِالصُّرَعَةِ، ولكن الذي يملك نفسه عند الغضب" أي مالك نفسه أولى أن يسمى شديداً من الذي يصرع الرجال. وكقوله: "ليس المسكين بهذا الطواف الذي ترده اللقمة واللقمتان، والأكلة والأكلتان ولكنه الذي لا يسأل الناس ولا يفطن له فيتصدق عليه" أي هذا أولى بأن يقال له مسكين من الطواف الذي تسمونه مسكيناً. ونظيره في المفلس والرقوب وغيرهما. ونظيره قوله "ليس الواصل بالمكافئ ولكنه الذي إذا قطعت رحمه وصلها" وإن كان هذا ألطف من الذي قبله.

стр. 4657

وقيل في معنى وجه آخر، وهو: قصد النبي ﷺ سلب هذا الاسم المحبوب للنفوس التي يلذ لها سماعه عن هذه الشجرة التي تتخذ منها أم الخبائث، فيسلبها الاسم الذي يدعو النفوس إليها، ولا سيما فإنَّ العرب قد تكون سمتها كرماً لأنَّ الخمر المتخذة منها تحث على الكرم وبذل المال، فلما حرمها الشارع نفى اسم المدح عن أصلها، وهو "الكرم" كما نفى اسم المدح عنها، وهو الدواء، فقال: "إنَّها داء، وليست بدواء"، ومن عرف سرَّ تأثير الأسماء في مسمياتها نفرة وميلاً عرف هذا، فسلبها النبي ﷺ هذا الاسم الحسن، وأعطاه ما هو أحق به منها، وهو "قلب المؤمن". ويؤكد المعنى الأول: أنَّ النبي ﷺ شبه المسلم بالنخلة لما فيها من المنافع والفوائد، حتى إنَّها كلها منفعة، لا يذهب منها شيء بلا منفعة، حتى شوكها، ولا يسقط عنها لباسها وزينتها، كما لا يسقط عن المسلم زينته، فجذوعها للبيوت والمساكن والمساجد وغيرها، وسعفها للسقوف وغيرها، وخوصها للحصر والمكاتل والآنية وغيرها، ومسدها للحبال وآلات الشد والحل وغيرها، وثمرها يؤكل رطباً ويابساً، ويتخذ قوتاً وأدماً، وهو أفضل المخرج في زكاة الفطر تقرباً إلى الله وطهرة للصائم ويتخذ منه ما يتخذ من شراب الأعناب وتزيد عليه بأنَّه قوت وحده بخلاف الزبيب ونواه علف للإبل التي تحمل الأثقال إلى بلد لا يبلغه الإنسان إلَّا بشق النفس. ويكفي فيه: أنَّ نواه يشترى به العنب، فحسبك بتمر نواه ثمن لغيره» اهـ. * * *

стр. 4658

٢٥٧ - عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ ﵄ قَالَ: «نَهَى النَّبِيُّ ﷺ عَنْ الْمُخَابَرَةِ وَالْمُحَاقَلَةِ، وَعَنْ الْمُزَابَنَةِ وَعَنْ بَيْعِ الثَّمَرَةِ حَتَّى يَبْدُوَ صَلاحُهَا، وَأَنْ لا تُبَاعَ إلَّا بِالدِّينَارِ وَالدِّرْهَمِ، إلَّا الْعَرَايَا». الْمُحَاقَلَةُ: بيعُ الحِنْطَةِ في سُنْبُلِها بِحِنْطَةِ. وَفِي الْحَدِيْثِ مَسَائِلُ مِنْهَا: ١ - النهي عن المخابرة. والمخابرة قيل مأخوذة من الخبير هو الأكَّارُ أي الفلاح، وقيل من الخَبار وهي الأرض الرخوة، أو من الْخَبَرِ وَالْخَبَرُ حَرْثُ الْأَرْضِ، أو من الخُبْرَة، وهي النصيب، أو من خيبر لأنَّ النبي ﷺ عامل أهل خيبر على الشطر منها، والأكثر على المعنى الأول. قَالَ شَيْخُ الْإِسْلَامِ ابْنُ تَيْمِيَّةَ ﵀ كَمَا فِي [مَجْمُوْعِ الْفَتَاوَى] (٢٩/ ١١٦ - ١١٧): «قال أبو عبيد: الخِبر - بكسر الخاء - بمعنى المخابرة. والمخابرة: المزارعة بالنصف والثلث والربع وأقل وأكثر. وكان أبو عبيد يقول: لهذا سمي الأكار خبيراً؛ لأنَّه يخابر على الأرض والمخابرة: هي المؤاكرة. وقد قال بعضهم: أصل هذا من خيبر؛ لأَنَّ رَسُوْلَ اللهِ ﷺ أقرها في أيديهم على النصف فقيل: خابرهم أي عاملهم في خيبر. وليس هذا بشيء؛ فإنَّ معاملته بخيبر لم ينه

стр. 4659

عنها قط بل فعلها الصحابة في حياته وبعد موته. وإنَّما روى حديث المخابرة رافع بن خديج وجابر. وقد فسرا ما كانوا يفعلونه. والخبير: هو الفلاح سمي بذلك لأنَّه يخبر الأرض» اهـ. قُلْتُ: علماء الشافعية يفرقون بين المخابرة والمزارعة، والصحيح عدم التفريق. قَالَ الْعَلَّامَةُ الْنَوَوِي ﵀ فِي [الرَّوْضَةِ] (٥/ ١٦٨): «قَالَ بَعْضُ الْأَصْحَابِ: هُمَا بِمَعْنًى، وَالصَّحِيحُ وَظَاهِرُ نَصِّ الشَّافِعِيِّ ﵁: أَنَّهُمَا عَقْدَانِ مُخْتَلِفَانِ. فَالْمُخَابَرَةُ: هِيَ الْمُعَامَلَةُ عَلَى الْأَرْضِ بِبَعْضِ مَا يَخْرُجُ مِنْهَا وَالْبَذْرُ مِنَ الْعَامِلِ. وَالْمُزَارَعَةُ مِثْلُهَا، إِلَّا أَنَّ الْبَذْرَ مِنَ الْمَالِكِ. وَقَدْ يُقَالُ: الْمُخَابَرَةُ: اكْتِرَاءُ الْأَرْضِ بِبَعْضِ مَا يَخْرُجُ مِنْهَا. وَالْمُزَارَعَةُ: اكْتِرَاءُ الْعَامِلِ لِزَرْعِ الْأَرْضِ بِبَعْضِ مَا يَخْرُجُ مِنْهَا. وَالْمَعْنَى لَا يَخْتَلِفُ. قُلْتُ: هَذَا الَّذِي صَحَّحَهُ الْإِمَامُ الرَّافِعِيُّ، هُوَ الصَّوَابُ. وَأَمَّا قَوْلُ صَاحِبِ الْبَيَانِ: قَالَ أَكْثَرُ أَصْحَابِنَا: هُمَا بِمَعْنًى، فَلَا يُوَافَقُ عَلَيْهِ، فَنَبَّهْتُ عَلَيْهِ لِئَلَّا يُغْتَرَّ بِهِ. وَاللَّهُ أَعْلَمُ» اهـ. قُلْتُ: وهذا الحديث احتج به من منع من المزارعة، والصحيح جواز المزارعة، وإنَّما المنهي من ذلك اشتراط بقعة معينة من الأرض، أو شيء معين من الزرع، كما روى مسلم (١٥٤٧) عَنْ حَنْظَلَةَ بْنِ قَيْسٍ الْأَنْصَارِيُّ، قَالَ: سَأَلْتُ رَافِعَ بْنَ خَدِيجٍ عَنْ كِرَاءِ الْأَرْضِ بِالذَّهَبِ وَالْوَرِقِ، فَقَالَ: «لَا بَأْسَ بِهِ، إِنَّمَا كَانَ النَّاسُ يُؤَاجِرُونَ عَلَى عَهْدِ النَّبِيِّ ﷺ عَلَى الْمَاذِيَانَاتِ، وَأَقْبَالِ الْجَدَاوِلِ،

стр. 4660

وَأَشْيَاءَ مِنَ الزَّرْعِ، فَيَهْلِكُ هَذَا، وَيَسْلَمُ هَذَا، وَيَسْلَمُ هَذَا، وَيَهْلِكُ هَذَا، فَلَمْ يَكُنْ لِلنَّاسِ كِرَاءٌ إِلَّا هَذَا، فَلِذَلِكَ زُجِرَ عَنْهُ، فَأَمَّا شَيْءٌ مَعْلُومٌ مَضْمُونٌ، فَلَا بَأْسَ بِهِ». قَالَ الْحِافِظُ ابْنُ حَجَرٍ ﵀ فِي [مُقَدِمَةِ الْفَتْحِ] (ص: ١٨٢): «الماذيانات بكسر الذال ويجوز فتحها قيل هي السواقي الصغار وقيل الأنهار الكبار» اهـ. وقَالَ الْعَلَّامَةُ الْنَوَوِي ﵀ فِي [شَرْحِ مُسْلِمٍ] (٥/ ٣٦٨): «وأمَّا قوله: "وأَقبال" فبفتح الهمزة أي أوائلها ورؤوسها، والجداول جمع جدول وهو النهر الصغير كالساقية» اهـ. ورواه البخاري (٢٣٣٢ عَنْ رَافِعٍ ﵁، قَالَ: كُنَّا أَكْثَرَ أَهْلِ المَدِينَةِ حَقْلًا، وَكَانَ أَحَدُنَا يُكْرِي أَرْضَهُ، فَيَقُولُ: هَذِهِ القِطْعَةُ لِي وَهَذِهِ لَكَ، فَرُبَّمَا أَخْرَجَتْ ذِهِ وَلَمْ تُخْرِجْ ذِهِ، «فَنَهَاهُمُ النَّبِيُّ ﷺ ». ورواه (٢٧٢٢) أيضاً عَنْ حَنْظَلَةَ الزُّرَقِيِّ، قَالَ: سَمِعْتُ رَافِعَ بْنَ خَدِيجٍ ﵁، يَقُولُ: «كُنَّا أَكْثَرَ الأَنْصَارِ حَقْلًا، فَكُنَّا نُكْرِي الأَرْضَ، فَرُبَّمَا أَخْرَجَتْ هَذِهِ، وَلَمْ تُخْرِجْ ذِهِ، فَنُهِينَا عَنْ ذَلِكَ وَلَمْ نُنْهَ عَنِ الوَرِقِ». قَالَ شَيْخُ الْإِسْلَامِ ابْنُ تَيْمِيَّةَ ﵀ كَمَا فِي [مَجْمُوْعِ الْفَتَاوَى] (٢٩/ ١٠٨):
следующие страницы →