Полный текст (8 095 стр.). Показаны 4656–4695 · переход к 4661.
стр. 4656
الأشربة الحلوة والحامضة، كالدبس والخل، ما لا يتخذ من غيره، ثم يتخذ من شرابه من أنواع الحلاوة والأطعمة والأقوات ما لا يتخذ من غيره، وشرابه الحلال غذاء وقوت ومنفعة وقوة. ومنها: أنَّه يدخر يابسه قوتاً وطعاماً وأدماً. ومنها: أنَّ ثمره قد جمع نهاية المطلوب من الفاكهة من الاعتدال، فلم يفرط إلى البرودة كالخوخ وغيره، ولا إلى الحرارة، كالتمر، بل هو في غاية الاعتدال، إلى غير ذلك من فوائده. فلما كان بهذه المنزلة سموه كرماً، فأخبرهم النبي ﷺ أنَّ الفوائد والثمرات والمنافع التي أودعها الله قلب عبده المؤمن - من البر وكثرة الخير - أعظم من فوائد كرم العنب فالمؤمن أولى بهذه التسمية منه. فيكون معنى الحديث على هذا: النهي عن قصر اسم الكرم على شجر العنب، بل المسلم أحق بهذا الاسم منه. وهذا نظير قوله: "ليس الشديد بِالصُّرَعَةِ، ولكن الذي يملك نفسه عند الغضب" أي مالك نفسه أولى أن يسمى شديداً من الذي يصرع الرجال. وكقوله: "ليس المسكين بهذا الطواف الذي ترده اللقمة واللقمتان، والأكلة والأكلتان ولكنه الذي لا يسأل الناس ولا يفطن له فيتصدق عليه" أي هذا أولى بأن يقال له مسكين من الطواف الذي تسمونه مسكيناً. ونظيره في المفلس والرقوب وغيرهما. ونظيره قوله "ليس الواصل بالمكافئ ولكنه الذي إذا قطعت رحمه وصلها" وإن كان هذا ألطف من الذي قبله.
стр. 4657
وقيل في معنى وجه آخر، وهو: قصد النبي ﷺ سلب هذا الاسم المحبوب للنفوس التي يلذ لها سماعه عن هذه الشجرة التي تتخذ منها أم الخبائث، فيسلبها الاسم الذي يدعو النفوس إليها، ولا سيما فإنَّ العرب قد تكون سمتها كرماً لأنَّ الخمر المتخذة منها تحث على الكرم وبذل المال، فلما حرمها الشارع نفى اسم المدح عن أصلها، وهو "الكرم" كما نفى اسم المدح عنها، وهو الدواء، فقال: "إنَّها داء، وليست بدواء"، ومن عرف سرَّ تأثير الأسماء في مسمياتها نفرة وميلاً عرف هذا، فسلبها النبي ﷺ هذا الاسم الحسن، وأعطاه ما هو أحق به منها، وهو "قلب المؤمن".
ويؤكد المعنى الأول: أنَّ النبي ﷺ شبه المسلم بالنخلة لما فيها من المنافع والفوائد، حتى إنَّها كلها منفعة، لا يذهب منها شيء بلا منفعة، حتى شوكها، ولا يسقط عنها لباسها وزينتها، كما لا يسقط عن المسلم زينته، فجذوعها للبيوت والمساكن والمساجد وغيرها، وسعفها للسقوف وغيرها، وخوصها للحصر والمكاتل والآنية وغيرها، ومسدها للحبال وآلات الشد والحل وغيرها، وثمرها يؤكل رطباً ويابساً، ويتخذ قوتاً وأدماً، وهو أفضل المخرج في زكاة الفطر تقرباً إلى الله وطهرة للصائم ويتخذ منه ما يتخذ من شراب الأعناب وتزيد عليه بأنَّه قوت وحده بخلاف الزبيب ونواه علف للإبل التي تحمل الأثقال إلى بلد لا يبلغه الإنسان إلَّا بشق النفس. ويكفي فيه: أنَّ نواه يشترى به العنب، فحسبك بتمر نواه ثمن لغيره» اهـ.
* * *
стр. 4658
٢٥٧ - عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ ﵄ قَالَ: «نَهَى النَّبِيُّ ﷺ عَنْ الْمُخَابَرَةِ وَالْمُحَاقَلَةِ، وَعَنْ الْمُزَابَنَةِ وَعَنْ بَيْعِ الثَّمَرَةِ حَتَّى يَبْدُوَ صَلاحُهَا، وَأَنْ لا تُبَاعَ إلَّا بِالدِّينَارِ وَالدِّرْهَمِ، إلَّا الْعَرَايَا».
الْمُحَاقَلَةُ: بيعُ الحِنْطَةِ في سُنْبُلِها بِحِنْطَةِ.
وَفِي الْحَدِيْثِ مَسَائِلُ مِنْهَا:
١ - النهي عن المخابرة. والمخابرة قيل مأخوذة من الخبير هو الأكَّارُ أي الفلاح، وقيل من الخَبار وهي الأرض الرخوة، أو من الْخَبَرِ وَالْخَبَرُ حَرْثُ الْأَرْضِ، أو من الخُبْرَة، وهي النصيب، أو من خيبر لأنَّ النبي ﷺ عامل أهل خيبر على الشطر منها، والأكثر على المعنى الأول.
قَالَ شَيْخُ الْإِسْلَامِ ابْنُ تَيْمِيَّةَ ﵀ كَمَا فِي [مَجْمُوْعِ الْفَتَاوَى] (٢٩/ ١١٦ - ١١٧): «قال أبو عبيد: الخِبر - بكسر الخاء - بمعنى المخابرة. والمخابرة: المزارعة بالنصف والثلث والربع وأقل وأكثر. وكان أبو عبيد يقول: لهذا سمي الأكار خبيراً؛ لأنَّه يخابر على الأرض والمخابرة: هي المؤاكرة. وقد قال بعضهم: أصل هذا من خيبر؛ لأَنَّ رَسُوْلَ اللهِ ﷺ أقرها في أيديهم على النصف فقيل: خابرهم أي عاملهم في خيبر. وليس هذا بشيء؛ فإنَّ معاملته بخيبر لم ينه
стр. 4659
عنها قط بل فعلها الصحابة في حياته وبعد موته. وإنَّما روى حديث المخابرة رافع بن خديج وجابر. وقد فسرا ما كانوا يفعلونه. والخبير: هو الفلاح سمي بذلك لأنَّه يخبر الأرض» اهـ.
قُلْتُ: علماء الشافعية يفرقون بين المخابرة والمزارعة، والصحيح عدم التفريق.
قَالَ الْعَلَّامَةُ الْنَوَوِي ﵀ فِي [الرَّوْضَةِ] (٥/ ١٦٨):
«قَالَ بَعْضُ الْأَصْحَابِ: هُمَا بِمَعْنًى، وَالصَّحِيحُ وَظَاهِرُ نَصِّ الشَّافِعِيِّ ﵁: أَنَّهُمَا عَقْدَانِ مُخْتَلِفَانِ. فَالْمُخَابَرَةُ: هِيَ الْمُعَامَلَةُ عَلَى الْأَرْضِ بِبَعْضِ مَا يَخْرُجُ مِنْهَا وَالْبَذْرُ مِنَ الْعَامِلِ. وَالْمُزَارَعَةُ مِثْلُهَا، إِلَّا أَنَّ الْبَذْرَ مِنَ الْمَالِكِ. وَقَدْ يُقَالُ: الْمُخَابَرَةُ: اكْتِرَاءُ الْأَرْضِ بِبَعْضِ مَا يَخْرُجُ مِنْهَا. وَالْمُزَارَعَةُ: اكْتِرَاءُ الْعَامِلِ لِزَرْعِ الْأَرْضِ بِبَعْضِ مَا يَخْرُجُ مِنْهَا. وَالْمَعْنَى لَا يَخْتَلِفُ.
قُلْتُ: هَذَا الَّذِي صَحَّحَهُ الْإِمَامُ الرَّافِعِيُّ، هُوَ الصَّوَابُ. وَأَمَّا قَوْلُ صَاحِبِ الْبَيَانِ: قَالَ أَكْثَرُ أَصْحَابِنَا: هُمَا بِمَعْنًى، فَلَا يُوَافَقُ عَلَيْهِ، فَنَبَّهْتُ عَلَيْهِ لِئَلَّا يُغْتَرَّ بِهِ. وَاللَّهُ أَعْلَمُ» اهـ.
قُلْتُ: وهذا الحديث احتج به من منع من المزارعة، والصحيح جواز المزارعة، وإنَّما المنهي من ذلك اشتراط بقعة معينة من الأرض، أو شيء معين من الزرع، كما روى مسلم (١٥٤٧) عَنْ حَنْظَلَةَ بْنِ قَيْسٍ الْأَنْصَارِيُّ، قَالَ: سَأَلْتُ رَافِعَ بْنَ خَدِيجٍ عَنْ كِرَاءِ الْأَرْضِ بِالذَّهَبِ وَالْوَرِقِ، فَقَالَ: «لَا بَأْسَ بِهِ، إِنَّمَا كَانَ النَّاسُ يُؤَاجِرُونَ عَلَى عَهْدِ النَّبِيِّ ﷺ عَلَى الْمَاذِيَانَاتِ، وَأَقْبَالِ الْجَدَاوِلِ،
стр. 4660
وَأَشْيَاءَ مِنَ الزَّرْعِ، فَيَهْلِكُ هَذَا، وَيَسْلَمُ هَذَا، وَيَسْلَمُ هَذَا، وَيَهْلِكُ هَذَا، فَلَمْ يَكُنْ لِلنَّاسِ كِرَاءٌ إِلَّا هَذَا، فَلِذَلِكَ زُجِرَ عَنْهُ، فَأَمَّا شَيْءٌ مَعْلُومٌ مَضْمُونٌ، فَلَا بَأْسَ بِهِ».
قَالَ الْحِافِظُ ابْنُ حَجَرٍ ﵀ فِي [مُقَدِمَةِ الْفَتْحِ] (ص: ١٨٢):
«الماذيانات بكسر الذال ويجوز فتحها قيل هي السواقي الصغار وقيل الأنهار الكبار» اهـ.
وقَالَ الْعَلَّامَةُ الْنَوَوِي ﵀ فِي [شَرْحِ مُسْلِمٍ] (٥/ ٣٦٨):
«وأمَّا قوله: "وأَقبال" فبفتح الهمزة أي أوائلها ورؤوسها، والجداول جمع جدول وهو النهر الصغير كالساقية» اهـ.
ورواه البخاري (٢٣٣٢ عَنْ رَافِعٍ ﵁، قَالَ: كُنَّا أَكْثَرَ أَهْلِ المَدِينَةِ حَقْلًا، وَكَانَ أَحَدُنَا يُكْرِي أَرْضَهُ، فَيَقُولُ: هَذِهِ القِطْعَةُ لِي وَهَذِهِ لَكَ، فَرُبَّمَا أَخْرَجَتْ ذِهِ وَلَمْ تُخْرِجْ ذِهِ، «فَنَهَاهُمُ النَّبِيُّ ﷺ ».
ورواه (٢٧٢٢) أيضاً عَنْ حَنْظَلَةَ الزُّرَقِيِّ، قَالَ: سَمِعْتُ رَافِعَ بْنَ خَدِيجٍ ﵁، يَقُولُ: «كُنَّا أَكْثَرَ الأَنْصَارِ حَقْلًا، فَكُنَّا نُكْرِي الأَرْضَ، فَرُبَّمَا أَخْرَجَتْ هَذِهِ، وَلَمْ تُخْرِجْ ذِهِ، فَنُهِينَا عَنْ ذَلِكَ وَلَمْ نُنْهَ عَنِ الوَرِقِ».
قَالَ شَيْخُ الْإِسْلَامِ ابْنُ تَيْمِيَّةَ ﵀ كَمَا فِي [مَجْمُوْعِ الْفَتَاوَى] (٢٩/ ١٠٨):
стр. 4661
«وأخبر رافع أنَّه لم يكن لهم كراء على عهد النبي ﷺ إلَّا هذا وأنَّه إنَّما زجر عنه لأجل ما فيه من المخاطرة ومعنى القمار. وأنَّ النهي إنَّما انصرف إلى ذلك الكراء المعهود؛ لا إلى ما تكون فيه الأجرة مضمونة في الذمة» اهـ.
قُلْتُ: وقد بيَّن جابر ﵁ المخابرة التي نهى عنها النبي ﷺ فيما رواه مسلم (١٥٣٦) عَنْهُ قَالَ: كُنَّا نُخَابِرُ عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللهِ ﷺ ، فَنُصِيبُ مِنَ الْقِصْرِيِّ وَمِنْ كَذَا، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : «مَنْ كَانَتْ لَهُ أَرْضٌ فَلْيَزْرَعْهَا، أَوْ فَلْيُحْرِثْهَا أَخَاهُ، وَإِلَّا فَلْيَدَعْهَا».
والْقِصْرِيُّ بينه وقَالَ الْعَلَّامَةُ الْنَوَوِي ﵀ فَقَالَ فِي [شَرْحِ مُسْلِمٍ] (٥/ ٣٧٦):
«هو ما بقي من الحب في السنبل بعد الدياس. ويقال له: القُصارة بضم القاف وهذا الاسم أشهر من الْقِصْرِيِّ» اهـ.
قُلْتُ: وهذه مخابرة فاسدة لما فيها من الغرر والقمار.
وأمَّا المزارعة بالنصف من الزرع أو الثلث، أو غير ذلك من النسب المشتركة، فإنَّها جائزة. لما رواه البخاري (٢٣٢٩)، ومسلم (١٥٥١) عَنِ ابْنِ عُمَرَ ﵄، قَالَ: «عَامَلَ النَّبِيُّ ﷺ خَيْبَرَ بِشَطْرِ مَا يَخْرُجُ مِنْهَا مِنْ ثَمَرٍ أَوْ زَرْعٍ».
وهكذا المؤاجرة بشيء معلوم جائزة، لحديث رافع المتقدم، ولما رواه مسلم (١٥٤٩) عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ السَّائِبِ، قَالَ: دَخَلْنَا عَلَى عَبْدِ اللهِ بْنِ مَعْقِلٍ، فَسَأَلْنَاهُ
стр. 4662
عَنِ الْمُزَارَعَةِ، فَقَالَ: زَعَمَ ثَابِتٌ، أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ نَهَى عَنِ الْمُزَارَعَةِ، وَأَمَرَ بِالْمُؤَاجَرَةِ، وَقَالَ: «لَا بَأْسَ بِهَا». وثابت هو ابن الضحاك.
قَالَ شَيْخُ الْإِسْلَامِ ابْنُ تَيْمِيَّةَ ﵀ كَمَا فِي [مَجْمُوْعِ الْفَتَاوَى] (٢٨/ ٨٢ - ٨٥): «والمزارعة جائزة في أصح قولي، العلماء وهي عمل المسلمين على عهد نبيهم وعهد خلفائه الراشدين وعليها عمل آل أبي بكر وآل عمر وآل عثمان وآل علي وغيرهم من بيوت المهاجرين وهي قول أكابر الصحابة كابن مسعود وهي مذهب فقهاء الحديث: كأحمد بن حنبل؛ وإسحاق بن راهويه؛ وداود بن علي؛ والبخاري؛ ومحمد بن إسحاق بن خزيمة؛ وأبي بكر بن المنذر وغيرهم ومذهب الليث بن سعد؛ وابن أبي ليلى؛ وأبي يوسف؛ ومحمد بن الحسن وغيرهم من فقهاء المسلمين. وكان النبي ﷺ قد عامل أهل خيبر بشطر ما يخرج منها من ثمر وزرع حتى مات ولم تزل تلك المعاملة حتى أجلاهم عمر عن خيبر وكان قد شارطهم أن يعمروها من أموالهم وكان البذر منهم لا من النبي ﷺ ، ولهذا كان الصحيح من قولي العلماء أنَّ البذر يجوز أن يكون من العامل؛ بل طائفة من الصحابة قالوا: لا يكون البذر إلَّا من العامل. والذي نهى عنه النبي ﷺ من المخابرة وكراء الأرض قد جاء مفسراً بأنَّهم كانوا يشترطون لرب الأرض زرع بقعة معينة ومثل هذا الشرط باطل بالنص وإجماع العلماء وهو كما لو شرط في المضاربة لرب المال دراهم معينة فإنَّ هذا لا
стр. 4663
يجوز بالاتفاق؛ لأنَّ المعاملة مبناها على العدل وهذه المعاملات من جنس المشاركات؛ والمشاركة إنَّما تكون إذا كان لكل من الشريكين جزء شائع كالثلث والنصف، فإذا جعل لأحدهما شيء مقدر لم يكن ذلك عدلاً؛ بل كان ظلماً. وقد ظن طائفة من العلماء أنَّ هذه المشاركات من باب الإجارات بعوض مجهول؛ فقالوا: القياس يقتضي تحريمها. ثم منهم من حرم المساقاة والزراعة وأباح المضاربة استحساناً للحاجة؛ لأنَّ الدراهم لا يمكن إجارتها كما يقول أبو حنيفة. ومنهم من أباح المساقاة إمَّا مطلقاً كقول مالك والقديم للشافعي. أو على النخل والعنب كالجديد للشافعي؛ لأنَّ الشجر لا يمكن إجارتها بخلاف الأرض وأباحوا ما يحتاج إليه من المزارعة تبعاً للمساقاة؛ فأباحوا المزارعة تبعاً للمساقاة كقول الشافعي إذا كانت الأرض أغلب. أو قدروا ذلك بالثلث كقول مالك.
وأمَّا جمهور السلف وفقهاء الأمصار فقالوا: هذا من باب المشاركة لا من باب الإجارة التي يقصد فيها العمل؛ فإنَّ مقصود كل منهما ما يحصل من الثمر والزرع؛ وهما متشاركان: هذا ببدنه وهذا بماله كالمضاربة. ولهذا كان الصحيح من قولي العلماء: أنَّ هذه المشاركات إذا فسدت وجب نصيب المثل لا أجرة المثل فيجب من الربح أو النماء إما ثلثه وإمَّا نصفه؛ كما جرت العادة في مثل ذلك؛ ولا يجب أجرة مقدرة؛ فإنَّ ذلك قد يستغرق المال وأضعافه وإنَّما يجب في الفاسد من العقود نظير ما يجب في الصحيح والواجب في الصحيح ليس هو أجرة مسماة؛ بل جزء شائع من الربح مسمى فيجب في الفاسدة نظير ذلك والمزارعة أحل من
стр. 4664
المؤاجرة وأقرب إلى العدل والأصول؛ فإنَّهما يشتركان في المغنم والمغرم؛ بخلاف المؤاجرة فإن صاحب الأرض تسلم له الأجرة والمستأجر قد يحصل له زرع وقد لا يحصل والعلماء مختلفون في جواز هذا؛ وجواز هذا. والصحيح جوازهما» اهـ.
وَقَالَ ﵀ كَمَا فِي [مَجْمُوْعِ الْفَتَاوَى] (٢٩/ ٩٧):
«فإذا كان جميع المهاجرين كانوا يزارعون والخلفاء الراشدون وأكابر الصحابة والتابعين من غير أن ينكر ذلك منكر: لم يكن إجماع أعظم من هذا؛ بل إن كان في الدنيا إجماع فهو هذا. لا سيما وأهل بيعة الرضوان جميعهم زارعوا على عهد رسول الله ﷺ وبعده إلى أن أجلى عمر اليهود إلى تيماء» اهـ.
وَقَالَ ﵀ كَمَا فِي [مَجْمُوْعِ الْفَتَاوَى] (٢٩/ ٩٩ - ١٠٠):
«وإذا كانت التصرفات المبنية على المعادلة هي معاوضة أو مشاركة. فمعلوم قطعاً: أنَّ المساقاة والمزارعة ونحوهما من جنس المشاركة ليسا من جنس المعاوضة المحضة، والغرر إنَّما حرم بيعه في المعاوضة لأنَّه أكل مال بالباطل. وهنا لا يأكل أحدهما مال الآخر؛ لأنَّه إن لم ينبت الزرع فإنَّ رب الأرض لم يأخذ منفعة الآخر؛ إذ هو لم يستوفها ولا ملكها بالعقد ولا هي مقصودة؛ بل ذهبت منفعة بدنه كما ذهبت منفعة أرض هذا ورب الأرض لم يحصل له شيء حتى يكون قد أخذه والآخر لم يأخذ شيئاً؛ بخلاف بيوع الغرر وإجارة الغرر؛ فإنَّ أحد المتعاوضين يأخذ شيئاً والآخر يبقى تحت الخطر فيفضي إلى ندم أحدهما
стр. 4665
وخصومتهما. وهذا المعنى منتف في هذه المشاركات التي مبناها على المعادلة المحضة التي ليس فيها ظلم البتة لا في غرر ولا في غير غرر. ومن تأمل هذا تبين له مأخذ هذه الأصول. وعلم أنَّ جواز هذه أشبه بأصول الشريعة وأعرف في العقول وأبعد عن كل محذور من جواز إجارة الأرض؛ بل ومن جواز كثير من البيوع والإجارات المجمع عليها حيث هي مصلحة محضة للخلق بلا فساد. وإنَّما وقع اللبس فيها على من حرمها من إخواننا الفقهاء بعد ما فهموه من الآثار: من جهة أنَّهم اعتقدوا هذا إجارة على عمل مجهول؛ لما فيها من عمل بعوض. وليس كل من عمل لينتفع بعمله يكون أجيراً كعمل الشريكين في المال المشترك وعمل الشريكين في شركة الأبدان وكاشتراك الغانمين في المغانم ونحو ذلك مما لا يعد ولا يحصى نعم لو كان أحدهما يعمل بمال يضمنه له الآخر لا يتولد من عمله: كان هذا إجارة» اهـ.
وَقَالَ الْعَلَّامَةُ ابْنُ الْقَيِّمِ ﵀ فِي [الْطُرُقِ الْحُكْمِيَّةِ] (ص: ٣٦٣):
«والذين منعوا المزارعة منهم من احتج بأنَّ النبي ﷺ نهى عن المخابرة ولكن الذي نهى عنه هو الظلم فإنَّهم كانوا يشترطون لرب الأرض زرع بقعة بعينها ويشترطون ما على الماذيانات وأقبال الجداول وشيئاً من التبن يختص به صاحب الأرض ويقتسمان الباقي.
وهذا الشرط باطل بالنص والإجماع فإنَّ المعاملة مبناها على العدل من الجانبين وهذه المعاملات من جنس المشاركات لا من باب المعاوضات والمشاركة العادلة
стр. 4666
هي أن يكون لكل واحد من الشريكين جزء شائع فإذا جعل لأحدهما شيء مقدر كان ظلماً.
فهذا هو الذي نهى عنه النبي صلى الله عليه و سلم كما قال الليث بن سعد الذي نهى عنه النبي ﷺ من ذلك أمر إذا نظر ذو البصيرة بالحلال والحرام فيه علم أنَّه لا يجوز وأمَّا ما فعله هو وفعله خلفاؤه الراشدون والصحابة فهو العدل المحض الذي لا ريب في جوازه» اهـ.
قُلْتُ: ومن أقوى حجج المانعين ما رواه مسلم (١٥٤٨) عَنْ رَافِعِ بْنِ خَدِيجٍ، قَالَ: «كُنَّا نُحَاقِلُ الْأَرْضَ عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللهِ ﷺ ، فَنُكْرِيهَا بِالثُّلُثِ وَالرُّبُعِ، وَالطَّعَامِ الْمُسَمَّى، فَجَاءَنَا ذَاتَ يَوْمٍ رَجُلٌ مَنْ عُمُومَتِي، فَقَالَ: نَهَانَا رَسُولُ اللهِ ﷺ عَنْ أَمْرٍ كَانَ لَنَا نَافِعًا، وَطَوَاعِيَةُ اللهِ وَرَسُولِهِ أَنْفَعُ لَنَا، نَهَانَا أَنْ نُحَاقِلَ بِالْأَرْضِ فَنُكْرِيَهَا عَلَى الثُّلُثِ وَالرُّبُعِ، وَالطَّعَامِ الْمُسَمَّى، وَأَمَرَ رَبَّ الْأَرْضِ أَنْ يَزْرَعَهَا، أَوْ يُزْرِعَهَا، وَكَرِهَ كِرَاءَهَا وَمَا سِوَى ذَلِكَ».
قُلْتُ: وقد أجاب عنه الْعَلَّامَةُ ابْنُ الْقَيِّمِ ﵀ فِي [تَهْذِيْبِ السُّنَنِ] (٢/ ١٣١ - ١٣٧) فقال:
«وأمَّا حديث رافع بن خديج: فجوابه من وجوه.
أحدها: أنَّه حديث في غاية الاضطراب والتلون. قال الإمام أحمد: حديث رافع بن خديج: ألوان. وقال أيضاً: حديث رافع: ضروب.
стр. 4667
الثاني: أنَّ الصحابة أنكروه على رافع، قال زيد بن ثابت - وقد حكى له حديث رافع - "أنا أعلم بذلك منه، وإنَّما سمع النبي ﷺ رجلين قد اقتتلا فقال: "إن كان هذا شأنكم فلا تكروا المزارع" وقد تقدم. وفي البخاري: عن عمرو بن دينار قال: قلت لطاووس: "لو تركت المخابرة، فإنَّهم يزعمون أنَّ النَّبي ﷺ نهى عنها؟ قال: إن أعلمهم - يعني ابن عباس - أخبرني: أنَّ النبي ﷺ لم ينه عنها ولكن قال: "أن يمنح أحدكم أخاه أرضه خير له من أن يأخذ عليها خراجاً معلوماً".
فإن قيل: إن كان قد أنكره بعض الصحابة عليه، فقد أقره ابن عمر، ورجع إليه؟ فالجواب:
أولاً: أنَّ ابن عمر لم يحرم المزارعة، ولم يذهب إلى حديث رافع، وإنَّما كان شديد الورع، فلما بلغه حديث رافع خشي أن يكون رسول الله ﷺ أحدث في المزارعة شيئاً لم يكن علمه، فتركها لذلك.
الثاني: وقد جاء هذا مصرحاً به في الصحيحين: "أنَّ ابن عمر إنَّما تركها لذلك ولم يحرمها على الناس".
الثالث: أنَّ في بعض ألفاظ حديث رافع ما لا يقول به أحد، وهو النهي عن كراء المزارع على الإطلاق. ومعلوم: أنَّ النبي ﷺ لم ينه عن كرائها مطلقاً، فدل على أنَّه غير محفوظ.
стр. 4668
الرابع: أنَّه تارة يحدثه عن بعض عمومته وتارة عن سماعه وتارة عن رافع بن ظهير، مع اضطراب ألفاظه، فمرة يقول: "نهى عن الجعل"، ومرة يقول: "عن كراء الأرض"، ومرة يقول: "لا يكاريها بثلث، ولا ربع، ولا طعام مسمى" كما تقدم ذكر ألفاظه. وإذا كان شأن الحديث هكذا وجب تركه والرجوع إلى المستفيض المعلوم من فعل رسول الله ﷺ وأصحابه من بعده الذي لم يضطرب ولم يختلف.
الخامس: أنَّ من تأمل حديث رافع، وجمع طرقه، واعتبر بعضها ببعض وحمل مجملها على مفسرها ومطلقها على مقيدها على أنَّ الذي نهى عنه النبي ﷺ من ذلك أمر بين الفساد، وهو المزارعة الظالمة الجائرة، فإنَّه قال: "كنا نكري الأرض على أن لنا هذه ولهم هذه، فربما أخرجت هذه ولم تخرج هذه". وفي لفظ له: "كان الناس يؤاجرون على عهد رسول الله ﷺ بما على الماذيانات وأقبال الجداول وأشياء من الزرع". كما تقدم. وقوله: "ولم يكن للناس كراء إلَّا هذا فلذلك زجر عنه وأمَّا بشيء معلوم مضمون فلا بأس". وهذا من أبين ما في حديث رافع وأصحه وما فيها من مجمل أو مطلق أو مختصر فيحمل على هذا المفسر المبين المتفق عليه لفظاً وحكماً. قال الليث بن سعد: الذي نهى عنه رسول الله ﷺ : أمر إذا نظر إليه ذو البصيرة بالحلال والحرام علم أنَّه لا يجوز. وقال ابن المنذر: قد جاءت الأخبار عن رافع بعلل تدل على أن
стр. 4669
النهي كان لتلك العلل. فلا تعارض إذن بين حديث رافع وأحاديث الجواز بوجه.
السادس: أنَّه لو قدر معارضة حديث رافع لأحاديث الجواز، وامتنع الجمع بينها لكان منسوخاً قطعاً بلا ريب، لأنَّه لا بد من نسخ أحد الخبرين، ويستحيل نسخ أحاديث الجواز لاستمرار العمل بها من النبي ﷺ إلى أن توفي واستمرار عمل الخلفاء الراشدين بها وهذا أمر معلوم عند من له خبرة بالنقل كما تقدم ذكره فيتعين نسخ حديث رافع.
السابع: أنَّ الأحاديث إذا اختلفت عن النبي ﷺ فإنَّه ينظر إلى ما عمل به أصحابه من بعده، وقد تقدم ذكر عمل الخلفاء الراشدين وأهليهم وغيرهم من الصحابة بالمزارعة.
الثامن: أنَّ الذي في حديث رافع: إنَّما هو النهي عن كرائها بالثلث أو الربع لا عن المزارعة، وليس هذا بمخالف لجواز المزارعة فإنَّ الإجارة شيء والمزارعة شيء فالمزارعة من جنس الشركة يستويان في الغنم والغرم فهي كالمضاربة بخلاف الإجارة، فإنَّ المؤجر على يقين من المغنم وهو الأجرة والمستأجر على رجاء، ولهذا كان أحد القولين لمجوزي المزارعة: أنَّها أحل من الإجارة وأولى بالجواز، لأنَّهما على سواء في الغنم والغرم، فهي أقرب إلى العدل، فإذا استأجرها بثلث أو ربع كانت هذه إجارة لازمة، وذلك لا يجوز، ولكن المنصوص عن الإمام أحمد جواز ذلك. واختلف أصحابه على ثلاثة أقوال في نصه. فقالت طائفة: يصح ذلك بلفظ المؤاجرة ويكون مزارعة، فيصح بلفظ الإجارة كما يصح بلفظ
стр. 4670
المزارعة. قالوا: والعبرة في العقود بمعانيها وحقائقها لا بصيغها وألفاظها. قالوا: فتصح مزارعة، ولا تصبح إجارة وهذه طريقة الشيخ أبي محمد المقدسي.
الثاني: أنَّها لا تصح إجارة ولا مزارعة. أمَّا الإجارة: فلأنَّ من شرطها كون العوض فيها معلوماً متميزاً معروف الجنس والقدر، وهذا منتف في الثلث والربع. وأمَّا المزارعة: فلأنَّهما لم يعقدا عقد مزارعة. إنَّما عقدا عقد إجارة وهذه طريقة أبي الخطاب.
الثالث: أنَّها تصح مؤاجرة ومزارعة، وهي طريقة القاضي وأكثر أصحابه. فحديث رافع: إمَّا أن يكون النهي فيه عن الإجارة دون المزارعة، أو عن المزارعة التي كانوا يعتادونها، وهي التي فسرها في حديثه. وأمَّا المزارعة التي فعلها النبي ﷺ وأصحابه وخلفاؤه من بعده فلم يتناولها النهي بحال.
التاسع: أنَّ ما في المزارعة من الحاجة إليها والمصلحة، وقيام أمر الناس عليها يمنع من تحريمها والنهي عنها، لأنَّ أصحاب الأرض كثيراً ما يعجزون عن زرعها ولا يقدرون عليه، والعمال والأكرة يحتاجون إلى الزرع، ولا أرض لهم، ولا قوام لهؤلاء ولا هؤلاء إلَّا بالزرع، فكان من حكمة الشرع ورحمته بالأمة وشفقته عليها، ونظره لهم: أنَّ جوز لهذا أن يدفع أرضه لمن يعمل عليها، ويشتركان في الزرع هذا بعمله وهذا بمنفعة أرضه، وما رزق الله فهو بينهما، وهذا في غاية
стр. 4671
العدل والحكمة، والرحمة والمصلحة. وما كان هكذا فإنَّ الشارع لا يحرمه ولا ينهى عنه، لعموم مصلحته وشدة الحاجة إليه، كما في المضاربة والمساقاة، بل الحاجة في المزارعة آكد منها في المضاربة، لشدة الحاجة إلى الزرع إذ هو القوت والأرض لا ينتفع بها إلَّا بالعمل عليها بخلاف المال. فإن قيل: فالشارع نهى عنها، مع هذه المنفعة التي فيها، ولهذا قال رافع: "نهانا رسول الله ﷺ عن أمر كان لنا نافعاً"؟. فالجواب: أنَّ الشارع لا ينهى عن المنافع والمصالح، وإنَّما ينهى عن المفاسد والمضار وهم ظنوا أن قد كان لهم في ذلك المنهي عنه منفعة، وإنَّما كان فيه عليهم مضرة ومفسدة مقتضية للنهي، وما تخيلوه من المنفعة فهي منفعة جزئية لرب الأرض لاختصاصه بخيار الزرع وما يسعد منه بالماء وما على أقبال الجداول، فهذا - وإن كان فيه منفعة له - فهو مضرة على المزارع، فهو من جنس منفعة المرابي بما يأخذه من الزيادة، وإن كان مضرة على الآخر. والشارع لا يبيح منفعة هذا بمضرة أخيه، فجواب رافع: أنَّ هذا وإن كان منفعة لكم فهو مضرة على إخوانكم فلهذا نهاكم عنه. وأمَّا المزارعة العادلة التي يستوي فيها العامل ورب الأرض فهي منفعة لهما، ولا مضرة فيها على أحد، فلم ينه عنها، فالذي نهى عنه مشتمل على مضرة ومفسدة راجحة في ضمنها منفعة مرجوحة جزئية، والذي فعله ﷺ وأصحابه من هذه مصلحة ومنفعة راجحة، لا مضرة فيها على واحد منهما، فالتسوية بين هذا وهذا تسوية بين متباينين لا يستويان عند الله ولا عند رسوله ولا عند الناس. وكذلك الجواب عن
стр. 4672
حديث جابر سواء. وقد تقدم في بعض طرقه: "أنَّهم كانوا يختصون بأشياء من الزرع من القصري ومن كذا ومن كذا. فقال ﷺ : من كان له أرض فليزرعها أو ليحرثها أخاه" فهذا مفسر مبين ذكر فيه سبب النهي، وأطلق في غيره من الألفاظ، فينصرف مطلقها إلى هذا المقيد المبين، ويدل على أنَّ هذا هو المراد بالنهي. فاتفقت السنن عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وتآلفت، وزال عنها الاضطراب والاختلاف، وبان أنَّ لكل فيها وجهاً، وأنَّ ما نهى عنه غير ما أباحه وفعله، وهذا هو الواجب والواقع في نفس الأمر، والحمد لله رب العالمين» اهـ.
قُلْتُ: وقد ذهب كثير من المحققين من علماء الشافعية إلى مشروعية المزارعة بجزء شائع معلوم.
قَالَ الْعَلَّامَةُ الْنَوَوِي ﵀ فِي [الرَّوْضَةِ] (٥/ ١٦٨ - ١٦٩):
«قُلْتُ: قَدْ قَالَ بِجَوَازِ الْمُزَارَعَةِ وَالْمُخَابَرَةِ مِنْ كِبَارِ أَصْحَابِنَا أَيْضًا، ابْنُ خُزَيْمَةَ، وَابْنُ الْمُنْذِرِ، وَالْخَطَّابِيُّ وَصَنَّفَ فِيهَا ابْنُ خُزَيْمَةَ جُزْءًا، وَبَيَّنَ فِيهِ عِلَلَ الْأَحَادِيثِ الْوَارِدَةِ بِالنَّهْيِ عَنْهَا، وَجَمَعَ بَيْنَ أَحَادِيثِ الْبَابِ، ثُمَّ تَابَعَهُ الْخَطَّابِيُّ وَقَالَ: ضَعَّفَ أَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ حَدِيثَ النَّهْيِ، وَقَالَ: هُوَ مُضْطَرِبٌ كَثِيرُ الْأَلْوَانِ. قَالَ الْخَطَّابِيُّ: وَأَبْطَلَهَا مَالِكٌ، وَأَبُو حَنِيفَةَ، وَالشَّافِعِيُّ، ﵃، لِأَنَّهُمْ لَمْ يَقِفُوا عَلَى عِلَّتِهِ، قَالَ: فَالْمُزَارَعَةُ جَائِزَةٌ، وَهِيَ عَمَلُ الْمُسْلِمِينَ فِي جَمِيعِ الْأَمْصَارِ، لَا يُبْطِلُ
стр. 4673
الْعَمَلَ بِهَا أَحَدٌ. هَذَا كَلَامُ الْخَطَّابِيِّ. وَالْمُخْتَارُ جَوَازُ الْمُزَارَعَةِ وَالْمُخَابَرَةِ، وَتَأْوِيلُ الْأَحَادِيثِ عَلَى مَا إِذَا شَرَطَ أَحَدُهُمَا زَرْعَ قِطْعَةٍ مُعَيَّنَةٍ، وَالْآخَرُ أُخْرَى» اهـ.
وقد بيَّن قَالَ الْعَلَّامَةُ الْنَوَوِي ﵀ مذهب الشافعي في المزارعة فقال فِي [الرَّوْضَةِ] (٥/ ١٧٠):
«أَمَّا إِذَا كَانَ بَيْنَ النَّخِيلِ بَيَاضٌ، فَتَجُوزُ الْمُزَارَعَةُ عَلَيْهِ مَعَ الْمُسَاقَاةِ عَلَى النَّخِيلِ، وَيُشْتَرَطُ فِيهِ اتِّحَادُ الْعَامِلِ، فَلَا يَجُوزُ أَنْ يُسَاقِيَ وَاحِدًا، وَيُزَارِعَ آخَرَ، وَيُشْتَرَطُ أَيْضًا تَعَذُّرُ إِفْرَادِ النَّخِيلِ بِالسَّقْيِ، وَالْأَرْضِ بِالْعِمَارَةِ، لِانْتِفَاعِ النَّخْلِ بِسَقْيِ الْأَرْضِ وَتَقْلِيبِهَا، فَإِنْ أَمْكَنَ الْإِفْرَادُ، لَمْ تَجُزِ الْمُزَارَعَةُ. وَاخْتَلَفُوا فِي اعْتِبَارِ أُمُورٍ.
أَحَدُهَا: اتِّحَادُ الصَّفْقَةِ، فَلَفْظُ الْمُعَامَلَةِ، يَشْمَلُ الْمُزَارَعَةَ وَالْمُسَاقَاةَ. فَلَوْ قَالَ: عَامَلْتُكَ عَلَى هَذَا النَّخِيلِ وَالْبَيَاضِ بِالنِّصْفِ، كَفَى. وَأَمَّا لَفْظُ الْمُسَاقَاةِ وَالْمُزَارَعَةِ، فَلَا يُغْنِي أَحَدُهُمَا عَنِ الْآخَرِ، بَلْ يُسَاقِي عَلَى النَّخِيلِ، وَيُزَارِعُ عَلَى الْبَيَاضِ، وَحِينَئِذٍ إِنْ قَدَّمَ الْمُسَاقَاةَ، نُظِرَ، إِنْ أَتَى بِهِمَا عَلَى الِاتِّصَالِ، فَقَدِ اتَّحَدَتِ الصَّفْقَةُ وَوُجِدَ الشَّرْطُ، وَإِنْ فُصِلَ بَيْنَهُمَا، فَقِيلَ: تَصِحُّ الْمُزَارَعَةُ، لِحُصُولِهِمَا لِشَخْصٍ. وَالْأَصَحُّ: الْمَنْعُ، لِأَنَّهَا تَبَعٌ، فَلَا تُفْرَدُ كَالْأَجْنَبِيِّ. وَإِنْ قَدَّمَ الْمُزَارَعَةَ، فَسَدَتْ عَلَى الصَّحِيحِ، لِأَنَّهَا تَابِعَةٌ. وَقِيلَ: تَنْعَقِدُ مَوْقُوفَةً. فَإِنْ سَاقَاهُ بَعْدَهَا، بَانَتْ صِحَّتُهَا، وَإِلَّا، فَلَا.
الثَّانِي: لَوْ شُرِطَ لِلْعَامِلِ نِصْفُ الثَّمَرِ، وَرُبْعُ الزَّرْعِ، جَازَ عَلَى الْأَصَحِّ. وَقِيلَ: يُشْتَرَطُ التَّسَاوِي، لِأَنَّ التَّفْضِيلَ يُزِيلُ التَّبَعِيَّةَ.
стр. 4674
الثَّالِثُ: لَوْ كَثُرَ الْبَيَاضُ الْمُتَخَلِّلُ مَعَ عُسْرِ الْإِفْرَادِ، فَقِيلَ: يَبْطُلُ، لِأَنَّ الْأَكْثَرَ مَتْبُوعٌ لَا تَابِعٌ. وَالْأَصَحُّ: الْجَوَازُ، لِلْحَاجَةِ. ثُمَّ النَّظَرُ فِي الْكَثْرَةِ إِلَى زِيَادَةِ النَّمَاءِ، أَمْ إِلَى مِسَاحَةِ الْبَيَاضِ وَمَغَارِسِ الشَّجَرِ؟ وَجْهَانِ.
قُلْتُ: أَصَحُّهُمَا: الثَّانِي. وَاللَّهُ أَعْلَمُ» اهـ.
٢ - وفيه النهي عن المحاقلة.
قَالَ شَيْخُ الْإِسْلَامِ ابْنُ تَيْمِيَّةَ ﵀ كَمَا فِي [مَجْمُوْعِ الْفَتَاوَى] (٢٩/ ٤٢٧)
«و"المحاقلة" أن يشتري الحنطة في سنبلها بخرصها من الحنطة. والخرص هو الحزر والتقدير» اهـ.
قُلْتُ: وما ذكر ﵀ هو من قبيل التمثيل وإلَّا فإنَّ المحاقلة بيع الحب في سنبله بمكيل أو موزون من جنسه.
قَالَ الْحِافِظُ ابْنُ حَجَرٍ ﵀ فِي [فَتْحِ الْبَارِي] (٤/ ٤٠٤):
«قوله: "عن المحاقلة". قال أبو عبيد: هو بيع الطعام في سنبله بالبر مأخوذ من الحقل.
وقال الليث: الحقل الزرع إذا تشعب من قبل أن يغلظ سوقة. والمنهي عنه بيع الزرع قبل إدراكه، وقيل بيع الثمرة قبل بدو صلاحها، وقيل بيع ما في رؤوس النخل بالتمر.
وعن مالك: هو كراء الأرض بالحنطة أو بكيل طعام أو إدام.
стр. 4675
والمشهور أنَّ المحاقلة كراء الأرض ببعض ما تنبت» اهـ.
وقَالَ الْعَلَّامَةُ ابْنُ بَطَّالٍ ﵀ في [شَرْحِ الْبُخَارِي] (٦/ ٣٢٩ - ٣٣٠):
«في تفسير المحاقلة ثلاث أقوال: فقال بعضهم: هي بيع الزرع في سنبله بالحنطة. وقيل: هي اكتراء الأرض بالحنطة. وقيل: هي المزارعة بالثلث والربع ونحوه، وهذا الوجه أشبه بها على طريق اللغة؛ لأنَّ المحاقلة مأخوذة من الحقل والمفاعلة من اثنين في أمر واحد كالمزارعة، ويقال للأرض التي تزرع: المحاقل، كما يقال لها: المزارع» اهـ.
وقَالَ الْحَافِظُ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِ ﵀ فِي [التَّمْهِيْدِ] (٢/ ٣١٨ - ٣٢٠):
«وأجمع مالك وأصحابه كلهم أنَّ الأرض لا يجوز كراؤها ببعض ما يخرج منها مما يزرع فيها ثلثاً كان أو ربعاً أو جزافاً كان لأنَّه غرر ومحاقلة وقد نهى عن ذلك كله رسول الله ﷺ وقال جماعة من أهل العلم معنى المحاقلة دفع الأرض على الثلث والربع وعلى جزء مما يخرج منها. قالوا وهي المخابرة أيضاً فلا يجوز لأحد أن يعطى أرضه على جزء مما يخرج منها لنهي رسول الله ﷺ عن ذلك لأنَّه مجهول ولا يجوز الكراء إلَّا بشيء معلوم.
قالوا وكراء الأرض بالذهب والورق وبالعروض كلها الطعام وغيره مما ينبت في الأرض ومما لا ينبت فيها جائز كما يجوز كراء المنازل وإجارة العبيد هذا كله قول الشافعي، ومن تابعه وهو قول أبي حنيفة وداود وإليه ذهب ابن عبد الحكم.
стр. 4676
وقال آخرون: المحاقلة بيع الزرع في سنبله بعد أن يشتد ويستحصد بالحنطة. ذكر الشافعي عن ابن عيينة عن ابن جريح قال قلت لعطاء: ما المحاقلة؟ قال المحاقلة: في الحرث كهيئة المزابنة في النخل سواء وهو بيع الزرع بالقمح. قال ابن جريج قلت لعطاء فسر لكم جابر المحاقلة كما أخبرتني قال نعم.
قال أبو عمر: وكذلك فسر المحاقلة سعيد بن المسيب في حديثه المرسل في "الموطأ" إلَّا أنَّ سعيد بن المسيب جمع في تأويل الحديث الوجهين جميعاً فقال: والمحاقلة اشتراء الزرع بالحنطة واستكراء الأرض بالحنطة وإلى هذا التفسير في المحاقلة أنَّه بيع الزرع في سنبله بالحنطة دون ما عداه ذهب الليث بن سعد والثوري والأوزاعي والحسن بن حي وأبو يوسف ومحمد وهو قول ابن عمر وطاووس وبه قال أحمد بن حنبل وكل هؤلاء لا يرون بأساً أن يعطى الرجل أرضه على جزء مما تخرجه نحو الثلث والربع؛ لأنَّ المحاقلة عندهم في معنى المزابنة وأنَّها في بيع الثمر بالثمر والحنطة بالزرع. قالوا: ولما اختلف في المحاقلة كان أولى ما قيل في معناها ما تأولناه من بيع الزرع بالحنطة واحتجوا على صحة ما تأولوه وذهبوا إليه من إجازة كراء الأرض ببعض ما يخرج منها بقصة خيبر وأَنَّ رَسُوْلَ اللهِ ﷺ عامل أهلها على شطر ما تخرجه أرضهم وثمارهم» اهـ.
стр. 4677
قُلْتُ: والصحيح في معنى المحاقلة، ما قاله راوي الحديث جابر بن عبد الله فقد روى مسلم (١٥٣٦) عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللهِ، «أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ نَهَى عَنِ الْمُحَاقَلَةِ، وَالْمُزَابَنَةِ، وَالْمُخَابَرَةِ، وَأَنْ تُشْتَرَى النَّخْلُ حَتَّى تُشْقِهَ»، وَالْإِشْقَاهُ: أَنْ يَحْمَرَّ، أَوْ يَصْفَرَّ، أَوْ يُؤْكَلَ مِنْهُ شَيْءٌ، وَالْمُحَاقَلَةُ: أَنْ يُبَاعَ الْحَقْلُ بِكَيْلٍ مِنَ الطَّعَامِ مَعْلُومٍ، وَالْمُزَابَنَةُ: أَنْ يُبَاعَ النَّخْلُ بِأَوْسَاقٍ مِنَ التَّمْرِ، وَالْمُخَابَرَةُ: الثُّلُثُ وَالرُّبُعُ وَأَشْبَاهُ ذَلِكَ، قَالَ زَيْدٌ: قُلْتُ لِعَطَاءِ بْنِ أَبِي رَبَاحٍ: أَسَمِعْتَ جَابِرَ بْنَ عَبْدِ اللهِ يَذْكُرُ هَذَا عَنْ رَسُولِ اللهِ ﷺ ؟ قَالَ: نَعَمْ.
وجاء في رواية عند مسلم: قَالَ عَطَاءٌ: فَسَّرَ لَنَا جَابِرٌ، قَالَ: «أَمَّا الْمُخَابَرَةُ: فَالْأَرْضُ الْبَيْضَاءُ، يَدْفَعُهَا الرَّجُلُ إِلَى الرَّجُلِ فَيُنْفِقُ فِيهَا، ثُمَّ يَأْخُذُ مِنَ الثَّمَرِ، وَزَعَمَ أَنَّ الْمُزَابَنَةَ: بَيْعُ الرُّطَبِ فِي النَّخْلِ بِالتَّمْرِ كَيْلًا، وَالْمُحَاقَلَةُ فِي الزَّرْعِ عَلَى نَحْوِ ذَلِكَ، يَبِيعُ الزَّرْعَ الْقَائِمَ بِالْحَبِّ كَيْلًا».
قُلْتُ: وهذا التفسير للمحاقلة من كلام جابر كما هو مبين في هذه الرواية.
٣ - وفي الحديث أيضاً النهي عن المزابنة، وقد مضى الكلام عليها.
٤ - وفيه النهي عن بيع الثمرة قبل بدو صلاحها.
٥ - وظاهره جواز بيع الثمرة بعد بدو صلاحها بالذهب والفضة دون سائر العروض، وهذا الظاهر غير مراد اتفاقاً.
قَالَ الْعَلَّامَةُ ابْنُ بَطَّالٍ ﵀ في [شَرْحِ الْبُخَارِي] (٦/ ٣٠٨ - ٣٠٩):
стр. 4678
«بيع التمر على رءوس النخل إذا بدا صلاحه بالذهب والفضة لا خلاف بين الأمة في جوازه، وكذلك يجوز بيعها بالعروض قياسًا على الدنانير والدراهم، وإنَّما خص ﵇ الدنانير والدراهم في هذا الحديث؛ لأنَّهما جل ما يتعامل الناس به» اهـ.
وقَالَ الْعَلَّامَةُ الْنَوَوِي ﵀ فِي [شَرْحِ مُسْلِمٍ] (٥/ ٣٦٣):
«معناه لا يباع الرطب بعد بدو صلاحه بتمر، بل يباع بالدينار والدرهم وغيرهما. والممتنع إنَّما هو بيعه بالتمر إلَّا العرايا فيجوز بيع الرطب فيها بالتمر بشرطه السابق في بابه» اهـ.
٦ - واحتج أهل الكوفة بنهي النبي ﷺ عن المزابنة على نسخ إباحة المزابنة لأهل العرايا.
قُلْتُ: وهذه دعوى عارية عن الدليل، وهذا الحديث يردها فإنَّ النبي ﷺ نهى عن المزابنة واستثنى أهل العرايا كما في هذا الحديث.
٧ - جواز بيع الرطب بالتمر لأهل العرايا، وسيأتي الكلام على ذلك في بابه بمشيئة الله تعالى.
* * *
стр. 4679
٢٥٨ - عَنْ أَبِي مَسْعُودٍ الأَنْصَارِيِّ ﵁: «أَنَّ رَسُوْلَ اللهِ ﷺ نَهَى عَنْ ثَمَنِ الْكَلْبِ وَمَهْرِ الْبَغِيِّ وَحُلْوَانِ الْكَاهِنِ».
وَفِي الْحَدِيْثِ مَسَائِلُ مِنْهَا:
١ - تحريم بيع الكلاب، وظاهره يشمل جميع الكلاب، حتى ما أذن في اقتنائها، ككلب الصيد، والماشية، والزرع.
قَالَ الْعَلَّامَةُ ابْنُ الْقَيِّمِ ﵀ فِي [زَادِ الْمَعَادِ] (٥/ ٧٦٧ - ٧٧٢):
«فتضمنت هذه السنن أربعة أمور.
أحدها: تحريم بيع الكلب، وذلك يتناول كل كلب صغيراً كان أو كبيراً، للصيد، أو للماشية، أو للحرث، وهذا مذهب فقهاء أهل الحديث قاطبة، والنزاع في ذلك معروف عن أصحاب مالك، وأبي حنيفة، فجوز أصحاب أبي حنيفة بيع الكلاب، وأكل أثمانها، وقال القاضي عبد الوهاب: اختلف أصحابنا في بيع ما أذن في اتخاذه من الكلاب، فمنهم من قال: يكره، ومنهم من قال: يحرم، انتهى.
وعقد بعضهم فصلاً لما يصح بيعه، وبنى عليه اختلافهم في بيع الكلب، فقال: ما كانت منافعه كلها محرمة لم يجز بيعه، إذ لا فرق بين المعدوم حساً، والممنوع شرعاً، وما تنوعت منافعه إلى محللة ومحرمة، فإن كان المقصود من العين خاصة كان الاعتبار بها، والحكم تابع لها، فاعتبر نوعها، وصار الآخر كالمعدوم. وإن توزعت
стр. 4680
في النوعين، لم يصح البيع، لأنَّ ما يقابل ما حرم منها أكل مال بالباطل، وما سواه من بقية الثمن يصير مجهولاً.
قال: وعلى هذا الأصل مسألة بيع كلب الصيد، فإذا بني الخلاف فيها على هذا الأصل، قيل: في الكلب من المنافع كذا وكذا، وعددت جملة منافعه، ثم نظر فيها، فمن رأى أن جملتها محرمة، منع، ومن رأى جميعها محللة، أجاز، ومن رآها متنوعة، نظر: هل المقصود المحلل، أو المحرم، فجعل الحكم للمقصود، ومن رأى منفعة واحدة منها محرمة وهى مقصودة، منع أيضاً، ومن التبس عليه كونها مقصودة، وقف أو كره، فتأمل هذا التأصيل والتفصيل، وطابق بينهما يظهر لك ما فيهما من التناقض والخلل، وأنَّ بناء بيع كلب الصيد على هذا الأصل من أفسد البناء، فإنَّ قوله: من رأى أنَّ جملة منافع كلب الصيد محرمة بعد تعديدها، لم يجز بيعه، فإنَّ هذا لم يقله أحد من الناس قط، وقد اتفقت الأمة على إباحة منافع كلب الصيد من الاصطياد والحراسة، وهما جل منافعه، ولا يقتنى إلَّا لذلك، فمن الذي رأى منافعه كلها محرمة، ولا يصح أن تراد منافعه الشرعية؟ فإنَّ إعارته جائزة.
وقوله: ومن رأى جميعها محللة، أجاز، كلام فاسد أيضاً، فإنَّ منافعه المذكورة محللة اتفاقاً، والجمهور على عدم جواز بيعه. وقوله: ومن رآها متنوعة، نظر، هل المقصود المحلل أو المحرم؟ كلام لا فائدة تحته البتة، فإنَّ منفعة كلب الصيد هي الاصطياد دون الحراسة، فأين التنوع وما يقدر في المنافع من التحريم يقدر مثله في
стр. 4681
الحمار والبغل؟ وقوله: ومن رأى منفعة واحدة محرمة وهي مقصودة، منع. أظهر فساداً مما قبله، فإنَّ هذه المنفعة المحرمة ليست هي المقصودة من كلب الصيد، وإن قدر أنَّ مشتريه قصدها، فهو كما لو قصد منفعة محرمة من سائر ما يجوز بيعه، وتبين فساد هذا التأصيل، وأنَّ الأصل الصحيح هو الذي دل عليه النص الصريح الذي لا معارض له البتة من تحريم بيعه.
فإن قيل: كلب الصيد مستثنى من النوع الذي نهى عنه رسول الله ﷺ ، بدليل ما رواه الترمذي، من حديث جابر ﵁، أنَّ النبي ﷺ نهى عن ثمن الكلب، إلَّا كلب الصيد.
وقال النسائي: أخبرني إبراهيم بن الحسن المصيصي، حدثنا حجاج ابن محمد، عن حماد بن سلمة، عن أبى الزبير، عن جابر ﵁، أَنَّ رَسُوْلَ اللهِ ﷺ نهى عن ثمن الكلب والسنور، إلَّا كلب الصيد.
وقال قاسم بن أصبغ: حدثنا محمد بن إسماعيل، حدثنا ابن أبى مريم، أخبرنا يحيى بن أيوب، حدثنا المثنى بن الصباح، عن عطاء بن أبى رباح، عن أبي هريرة ﵁، أَنَّ رَسُوْلَ اللهِ ﷺ قَالَ: "ثمن الكلب سحت إلَّا كلب صيد".
وقال ابن وهب عمن أخبره، عن ابن شهاب، عن أبى بكر الصديق ﵁، عن النبي ﷺ قال: "ثلاث هن سحت: حلوان الكاهن، ومهر الزانية، وثمن الكلب العقور".
стр. 4682
وقال ابن وهب: حدثني الشمر بن عبد الله بن ضميرة، عن أبيه، عن جده، عن على بن أبي طالب ﵁، أنَّ النبي ﷺ نهى عن ثمن الكلب العقور. ويدل على صحة هذا الاستثناء أيضاً، أنَّ جابراً أحد من روى عن النبي ﷺ النهى عن ثمن الكلب، وقد رخص جابر نفسه في ثمن كلب الصيد، وقول الصحابي صالح لتخصيص عموم الحديث عند من جعله حجة، فكيف إذا كان معه النص باستثنائه والقياس؟ وأيضاً لأنَّه يباح الانتفاع به، ويصح نقل اليد فيه بالميراث، والوصية، والهبة، وتجوز إعارته وإجارته في أحد قولي العلماء، وهما وجهان للشافعية، فجاز بيعه كالبغل والحمار.
فالجواب: أنَّه لا يصح عن النبي ﷺ استثناء كلب الصيد بوجه: أمَّا حديث جابر ﵁، فقال الإمام أحمد وقد سئل عنه: هذا من الحسن بن أبي جعفر، وهو ضعيف، وقال الدارقطني: الصواب أنَّه موقوف على جابر. وقال الترمذي: لا يصح إسناد هذا الحديث.
وقال في حديث أبي هريرة ﵁: هذا لا يصح، أبو المهزم ضعيف، يريد راويه عنه.
وقال البيهقي: روى عن النبي ﷺ النهى عن ثمن الكلب جماعة، منهم: ابن عباس، وجابر بن عبد الله، وأبو هريرة، ورافع بن خديج، وأبو جحيفة، اللفظ مختلف، والمعنى واحد. والحديث الذي روى في استثناء كلب
стр. 4683
الصيد لا يصح وكأنَّ من رواه أراد حديث النهى عن اقتنائه، فشبه عليه، والله أعلم.
وأمَّا حديث حماد بن سلمة، عن أبي الزبير، فهو الذي ضعفه الإمام أحمد ﵀ بالحسن بن أبي جعفر، وكأنَّه لم يقع له طريق حجاج بن محمد، وهو الذي قال فيه الدارقطني: الصواب أنَّه موقوف، وقد أعله ابن حزم، بأنَّ أبا الزبير لم يصرح فيه بالسماع من جابر، وهو مدلس، وليس من رواية الليث عنه. وأعله البيهقي بأنَّ أحد رواته وهم من استثناء كلب الصيد مما نهى عن اقتنائه من الكلاب، فنقله إلى البيع.
قُلْتُ: ومما يدل على بطلان حديث جابر هذا، وأنَّه خلط عليه أنَّه صح عنه، أنَّه قال: أربع من السحت: ضراب الفحل، وثمن الكلب، ومهر البغي، وكسب الحجام. وهذا علة أيضاً للموقوف عليه من استثناء كلب الصيد، فهو علة للموقوف والمرفوع.
وأمَّا حديث المثنى بن الصباح، عن عطاء، عن أبي هريرة ﵁، فباطل، لأنَّ فيه يحيى بن أيوب، وقد شهد مالك عليه بالكذب، وجرحه الإمام أحمد. وفيه المثنى بن الصباح، وضعفه عندهم مشهور، ويدل على بطلان الحديث ما رواه النسائي، حدثنا الحسن بن أحمد بن حبيب، حدثنا محمد بن عبد الله بن نمير حدثنا أسباط، حدثنا الأعمش، عن عطاء بن أبي رباح، قال: قال أبو هريرة رضى الله
стр. 4684
عنه: أربع من السحت، ضراب الفحل، وثمن الكلب، ومهر البغي، وكسب الحجام.
وأمَّا الأثر عن أبي بكر الصديق ﵁، فلا يدرى من أخبر ابن وهب عن ابن شهاب، ولا من أخبر ابن شهاب عن الصديق ﵁، ومثل هذا لا يحتج به.
وأمَّا الأثر عن علي ﵁: ففيه ابن ضميرة في غاية الضعف، ومثل هذه الآثار الساقطة المعلولة لا تقدم على الآثار التي رواها الأئمة الثقات الأثبات، حتى قال بعض الحفاظ: إنَّ نقلها نقل تواتر، وقد ظهر أنَّه لم يصح عن صحابي خلافها البتة، بل هذا جابر، وأبو هريرة، وابن عباس يقولون: ثمن الكلب خبيث.
قال وكيع: حدثنا إسرائيل، عن عبد الكريم، عن قيس بن حبتر، عن ابن عباس ﵄ يرفعه: "ثمن الكلب، ومهر البغي، وثمن الخمر حرام".
وهذا أقل ما فيه أن يكون قول ابن عباس.
وأمَّا قياس الكلب على البغل والحمار، فمن أفسد القياس، بل قياسه على الخنزير أصح من قياسه عليهما، لأنَّ الشبه الذي بينه وبين الخنزير أقرب من الشبه الذي بينه وبين البغل والحمار، ولو تعارض القياسان لكان القياس المؤيد بالنص الموافق له، أصح وأولى من القياس المخالف له.
стр. 4685
فإن قيل: كان النهى عن ثمنها حين كان الأمر بقتلها، فلما حرم قتلها، وأبيح اتخاذ بعضها، نسخ النهى، فنسخ تحريم البيع.
قيل: هذه دعوى باطلة ليس مع مدعيها لصحتها دليل، ولا شبهة، وليس في الأثر ما يدل على صحة هذه الدعوى البتة بوجه من الوجوه، ويدل على بطلانها: أنَّ أحاديث تحريم بيعها وأكل ثمنها مطلقة عامة كلها، وأحاديث الأمر بقتلها، والنهى عن اقتنائها نوعان: نوع كذلك وهو المتقدم، ونوع مقيد مخصص وهو المتأخر، فلو كان النهى عن بيعها مقيداً مخصوصاً، لجاءت به الآثار كذلك، فلما جاءت عامة مطلقة، علم أنَّ عمومها وإطلاقها مراد، فلا يجوز إبطاله. والله أعلم» اهـ.
وقَالَ الْعَلَّامَةُ الْنَوَوِي ﵀ فِي [شَرْحِ مُسْلِمٍ] (٥/ ٤١٨):
«وأمَّا النهي عن ثمن الكلب وكونه من شر الكسب وكونه خبيثاً فيدل على تحريم بيعه، وأنَّه لا يصح بيعه، ولا يحل ثمنه، ولا قيمة على متلفه سواء كان معلماً أم لا، وسواء كان مما يجوز اقتناؤه أم لا، وبهذا قال جماهير العلماء منهم أبو هريرة والحسن البصري وربيعة والأوزاعي والحكم وحماد والشافعي وأحمد وداود وابن المنذر وغيرهم. وقال أبو حنيفة: يصح بيع الكلاب التي فيها منفعة، وتجب القيمة على متلفها. وحكى ابن المنذر عن جابر وعطاء والنخعي جواز بيع كلب الصيد دون غيره. وعن مالك روايات: إحداها لا يجوز بيعه، ولكن تجب القيمة
стр. 4686
على متلفه. والثانية يصح بيعه، وتجب القيمة. والثالثة لا يصح، ولا تجب القيمة على متلفه.
دليل الجمهور هذه الأحاديث. وأمَّا الأحاديث الواردة في النهي عن ثمن الكلب إلَّا كلب صيد وفي رواية: "إلَّا كلباً ضارياً"، وأنَّ عثمان غرَّم إنساناً ثمن كلب قتله عشرين بعيراً، وعن ابن عمرو بن العاص التغريم في إتلافه فكلها ضعيفة باتفاق أئمة الحديث» اهـ.
قُلْتُ: ظاهر الحديث النهي عن بيع الكلب مطلقاً من غير استثناء، والصحيح أيضاً أنَّه لا قيمة على متلفه، وذلك أنَّ القيمة لا تكون إلَّا لما جاز بيعه.
٢ - وفيه تحريم مهر الْبَغِيِّ. وأصل البغي الطلب، وأكثر ما يستعمل في طلب الفساد، والفاحشة.
قَالَ الْعَلَّامَةُ ابْنُ الْقَيِّمِ ﵀ فِي [زَادِ الْمَعَادِ] (٥/ ٧٧٤ - ٧٧٨):
«والحكم الثالث: مهر البغي، وهو ما تأخذه الزانية في مقابل الزنا بها، فحكم رسول الله ﷺ أنَّ ذلك خبيث على أي وجه كان، حرة كانت أو أمة، ولا سيما فإنَّ البغاء إنَّما كان على عهدهم في الإماء دون الحرائر، ولهذا قالت هند: وقت البيعة: "أو تزني الحرة؟ ". ولا نزاع بين الفقهاء في أنَّ الحرة البالغة العاقلة إذا مكنت رجلاً من نفسها فزنا بها أنّه لا مهر لها.
واختلف في مسألتين.
стр. 4687
إحداهما: الحرة المكرهة. والثانية: الأمة المطاوعة، فأمَّا الحرة المكرهة على الزنا، ففيها أربعة أقوال، وهي روايات منصوصات عن أحمد.
أحدها: أنَّ لها المهر بكراً كانت أو ثيباً، سواء وطئت في قبلها أو دبرها.
والثاني: أنَّها إن كانت ثيباً، فلا مهر لها، وإن كانت بكراً، فلها المهر، وهل يجب معه أرش البكارة؟ على روايتين منصوصتين، وهذا القول اختيار أبي بكر.
والثالث: أنَّها إن كانت ذات محرم، فلا مهر لها، وإن كانت أجنبية، فلها المهر.
الرابع: أنَّ من تحرم ابنتها كالأم والبنت والأخت، فلا مهر لها، ومن تحل ابنتها كالعمة والخالة، فلها المهر.
وقال أبو حنيفة ﵀: لا مهر للمكرهة على الزنا بحال، بكراً كانت أو ثيباً.
فمن أوجب المهر. قال: إنَّ استيفاء هذه المنفعة جعل مقوماً في الشرع بالمهر، وإنَّما لم يجب للمختارة، لأنَّها باذلة للمنفعة التي عوضها لها، فلم يجب لها شيء، كما لو أذنت في إتلاف عضو من أعضائها لمن أتلفه.
ومن لم يوجبه قال: الشارع إنَّما جعل هذه المنفعة متقومة بالمهر في عقد أو شبهة عقد، ولم يقومها بالمهر في الزنا البتة، وقياس السفاح على النكاح من أفسد القياس. قالوا: وإنَّما جعل الشارع في مقابلة هذا الاستمتاع الحد والعقوبة، فلا يجمع بينه وبين ضمان المهر. قالوا: والوجوب إنَّما يتلقى من الشرع من نص خطابه أو عمومه، أو فحواه، أو تنبيهه، أو معنى نصه، وليس شيء من ذلك ثابتاً متحققاً عنه. وغاية ما يدعى قياس السفاح على النكاح، ويا بعد ما بينهما. قالوا: والمهر إنَّما
стр. 4688
هو من خصائص النكاح لفظاً ومعنى، ولهذا إنَّما يضاف إليه فيقال: مهر النكاح، ولا يضاف إلى الزنا، فلا يقال: مهر الزنا، وإنَّما أطلق النبي ﷺ المهر وأراد به العقد، كما قال: "إنَّ الله حرم بيع الخمر والميتة والخنزير والأصنام". وكما قال: "ورجل باع حراً فأكل ثمنه". ونظائره كثيرة.
والأولون يقولون: الأصل في هذه المنفعة، أن تقوَّم بالمهر، وإنَّما أسقطه الشارع في حق البغي، وهي التي تزني باختيارها، وأمَّا المكرهة على الزنا فليست بغياً، فلا يجوز إسقاط بدل منفعتها التي أكرهت على استيفائها، كما لو أكره الحر على استيفاء منافعه، فإنَّه يلزمه عوضها، وعوض هذه المنفعة شرعاً هو المهر، فهذا مأخذ القولين.
ومن فرق بين البكر والثيب، رأى أنَّ الواطئ لم يذهب على الثيب شيئاً، وحسبه العقوبة التي ترتبت على فعله، وهذه المعصية لا يقابلها شرعاً مال يلزم من أقدم عليها، بخلاف البكر، فإنَّه أزال بكارتها، فلا بد من ضمان ما أزاله، فكانت هذه الجناية مضمونة عليه في الجملة، فضمن ما أتلفه من جزء منفعة، وكانت المنفعة تابعة للجزء في الضمان، كما كانت تابعة له في عدمه من البكر المطاوعة.
ومن فرق بين ذوات المحارم وغيرهن، رأى أنَّ تحريمهن لما كان تحريماً مستقراً، وأنَّهن غير محل الوطء شرعاً، كان استيفاء هذه المنفعة منهن بمنزلة التلوط، فلا
стр. 4689
يوجب مهراً وهذا قول الشعبي، وهذا بخلاف تحريم المصاهرة، فإنَّه عارض يمكن زواله.
قال صاحب "المغني": وهكذا ينبغي أن يكون الحكم فيمن حرمت بالرضاع، لأنَّه طارئ أيضاً.
ومن فرق في ذوات المحارم، بين من تحرم ابنتها، وبين من لا تحرم، فكأنَّه رأى أنَّ من لا تحرم ابنتها تحريمها أخف من تحريم الأخرى، فأشبه العارض.
فإن قيل: فما حكم المكرهة على الوطء في دبرها، أو الأمة المطاوعة على ذلك؟ قيل: هو أولى بعدم الوجوب، فهذا كاللواط لا يجب فيه المهر اتفاقاً.
وقد اختلف في هذه المسألة الشيخان، أبو البركات ابن تيمية، وأبو محمد بن قدامة، فقال أبو البركات في "محرره": ويجب مهر المثل للموطوءة بشبهة، والمكرهة على الزنا في قبل أو دبر.
وقال أبو محمد في "المغني": ولا يجب المهر بالوطء في الدبر، ولا اللواط، لأنَّ الشرع لم يرد ببدله، ولا هو إتلاف لشيء، فأشبه القبلة والوطء دون الفرج، وهذا القول هو الصواب قطعاً، فإنَّ هذا الفعل لم يجعل له الشارع قيمة أصلاً، ولا قدر له مهراً بوجه من الوجوه، وقياسه على وطء الفرج من أفسد القياس، ولازم من قاله إيجاب المهر لمن فعلت به اللوطية من الذكور، وهذا لم يقل به أحد البتة.
فصل: وأمَّا المسألة الثانية: وهي الأمة المطاوعة، فهل يجب لها المهر؟ فيه قولان. أحدهما: يجب، وهو قول الشافعي، وأكثر أصحاب أحمد ﵀. قالوا: لأنَّ
стр. 4690
هذه المنفعة لغيرها، فلا يسقط بدلها مجاناً، كما لو أذنت في قطع طرفها. والصواب المقطوع به: أنَّه لا مهر لها، وهذه هي البغي التي نهى رسول الله ﷺ عن مهرها، وأخبر أنَّه خبيث، وحكم عليه وعلى ثمن الكلب، وأجر الكاهن بحكم واحد، والأمة داخلة في هذا الحكم دخولاً أولياً، فلا يجوز تخصيصها من عمومه لأنَّ الإماء هن اللاتي كن يعرفن بالبغاء، وفيهن وفى ساداتهن أنزل الله تعالى: ﴿وَلَا تُكْرِهُوا فَتَيَاتِكُمْ عَلَى الْبِغَاءِ إِنْ أَرَدْنَ تَحَصُّنًا﴾، فكيف يجوز أن تخرج الإماء من نص أردن به قطعاً، ويحمل على غيرهن.
وأمَّا قولكم: إنَّ منفعتها لسيدها، ولم يأذن في استيفائها، فيقال: هذه المنفعة يملك السيد استيفاءها بنفسه، ويملك المعاوضة عليها بعقد النكاح أو شبهته، ولا يملك المعاوضة عليها إلَّا إذا أذنت، ولم يجعل الله ورسوله للزنا عوضاً قط غير العقوبة، فيفوت على السيد حتى يقضى له، بل هذا تقويم مال أهدره الله ورسوله، وإثبات عوض حكم الشارع بخبثه، وجعله بمنزلة ثمن الكلب، وأجر الكاهن، وإن كان عوضاً خبيثاً شرعاً، لم يجز أن يقضى به.
ولا يقال: فأجر الحجام خبيث، ويقضى له به، لأنَّ منفعة الحجامة منفعة مباحة، وتجوز، بل يجب على مستأجره أن يوفيه أجره، فأين هذا من المنفعة الخبيثة المحرمة التي عوضها من جنسها، وحكمه حكمها، وإيجاب عوض في مقابلة هذه
стр. 4691
المعصية، كإيجاب عوض في مقابلة اللواط، إذ الشارع لم يجعل في مقابلة هذا الفعل عوضاً.
فإن قيل: فقد جعل في مقابلة الوطء في الفرج عوضاً، وهو المهر من حيث الجملة، بخلاف اللواطة.
قلنا: إنَّما جعل في مقابلته عوضاً، إذا استوفى بعقد أو بشبهة عقد، ولم يجعل له عوضاً إذا استوفى بزنا محض لا شبهة فيه، وبالله التوفيق. ولم يعرف في الإسلام قط أنَّ زانياً قضى عليه بالمهر للمزني بها، ولا ريب أنَّ المسلمين يرون هذا قبيحاً، فهو عند الله قبيح» اهـ.
قُلْتُ: ما نقله العلامة ابن القيم ﵀ عن الشافعي من وجوب المهر على من زنا بالأمة المطاوعة فهو خلاف المشهور عن الشافعي ﵀ وأصحابه.
قَالَ الْعَلَّامَةُ الْمَاوُرْدِي ﵀ فِي [الْحَاوِي] (٧/ ٣٥٧):
«والوجه الثاني: وهو ظاهر مذهب الشافعي ﵁ وقول جمهور أصحابه أنَّه لا مهر لها عليه؛ لأنَّها بالمطاوعة تكون بغي، وقد نهى رسول الله ﷺ عن مهر البغي وخالف قطع اليدين منها؛ لأنَّ القطع نقص دخل على بدنها وقيمتها وليس الوطء نقص في بدنها، ولا قيمتها، ثم إن كانت بكراً فعليه أرش بكارتها بالافتضاض؛ لأنَّه استهلاك جزء منها وهكذا يلزمه غرم ما نقص من قيمتها بالولادة فإن تطاول زمان غصبها حتى يكون لمثلها أجرة فعليه أجرة مثلها» اهـ.
стр. 4692
وَقَالَ الْعَلَّامَةُ الْنَوَوِي ﵀ فِي [الرَّوْضَةِ] (٥/ ٦٠):
«وإن كانت طائعة فعليهما الحد ولا يجب المهر على الصحيح المنصوص، وقيل على المشهور» اهـ.
قُلْتُ: والذي يظهر لي هو عدم وجوب المهر في الزنا مطلقاً لعدم الدليل على ذلك، ويُكتفى بمجرد الحد الذي جاء به الشرع، وإن كانت بكراً فلها الأرش من أجل زوال بكارتها.
وقد ذكر الخلاف في هذه المسألة الْعَلَّامَةُ ابْنُ قُدَامَةَ ﵀ فِي [الْمُغْنِي] (١١/ ٨٣) فقال: «ومن استكره امرأة على الزنا، فعليه الحد دونها؛ لأنَّها معذورة، وعليه مهرها حرة كانت أو أمة، فإن كانت حرة كان المهر لها، وإن كانت أمة كان لسيدها.
وبه قال مالك، والشافعي وقال أبو حنيفة لا يجب المهر؛ لأنَّه وطء يتعلق به وجوب الحد، فلم يجب به المهر، كما لو طاوعته» اهـ.
وَقَالَ الْعَلَّامَةُ ابْنُ مُفْلِحٍ ﵀ فِي [الْفُرُوْعِ] (٨/ ٣٥٥):
«وأطلق شيخنا رواية أنَّه لا مهر لمكرهة، واختارها، وأنَّه خبيث» اهـ.
وَقَالَ الْعَلَّامَةُ ابْنُ عُثَيْمِيْنَ ﵀ فِي [الشَّرْحُ الْمُمْتِعِ] (١٢/ ٣١٣):
«والصحيح أنَّه لا مهر، لا في هذا، ولا في هذا؛ لأنَّ الله - تعالى - أوجب في الزنا حداً معلوماً، فلا نزيد على ما أوجب الله، ولا يمكن أن نقيس هذا الجماع - الذي
стр. 4693
يعتقد المجامع أنَّه حرام - على الحلال؛ ولكن نقيم عليه الحد، فإن كان الرجل بكراً، أي: لم يتزوج من قبل، فحده مائة جلدة وتغريب عام، وإن كان قد تزوج من قبل وجامع زوجته، وتمت شروط الإحصان فإنَّه يرجم» اهـ.
وَقَالَ ﵀ فِي [الشَّرْحُ الْمُمْتِعِ] (١٢/ ٣١٣ - ٣١٤):
«وعلى القول الذي رجحنا - وهو أنَّ المزني بها كرهاً أو طوعاً لا مهر لها - نقول: يجب عليه أرش البكارة، إذا كانت بكراً وزنى بها كرهاً؛ لأنَّه أتلف البكارة بسبب يتلفها عادة. وأرش البكارة هو فرق ما بين مهرها ثيباً ومهرها بكراً، فإذا قلنا: إنَّ مهرها ثيباً ألف ريال، ومهرها بكراً ألفان، فيكون الأرش ألف ريال.
في الوقت الحاضر ترقى الطب، وصار يمكن أن يجعل لها بكارة صناعية، بواسطة عملية جراحية، فإذا قال: أنا لا أعطيكم دراهم، بل نجري لها عملية ونعيد البكارة، فهل يُمَكَّن؟ الجواب: لا، فإذا قال: الأصل أنَّ المثلي يضمن بمثله، فهو أذهب بكارة فيعيد لها بكارة أخرى؟
فنقول: هذا لا يكفي ولا يُطاع؛ لأنَّه مهما كان من ترقيع فلا يمكن أن يكون كالأصل، مع أننا نرى منع هذه العملية مطلقاً، لأنَّها تفتح باب الشر، فتكون كل امرأة تشتهي أن تزني زنت، وإذا زالت بكارتها أجرت العملية» اهـ.
٣ - وفيه النهي عن حلوان الكاهن وهو ما يتعاطاه الكاهن من أجل كهانته.
قَالَ الْحِافِظُ ابْنُ حَجَرٍ ﵀ فِي [فَتْحِ الْبَارِي] (٤/ ٤٢٧):
стр. 4694
«الحكم الرابع: حلوان الكاهن وهو حرام بالإجماع لما فيه من أخذ العوض على أمر باطل وفي معناه التنجيم والضرب بالحصى وغير ذلك مما يتعاناه العرافون من استطلاع الغيب.
والحلوان مصدر حلوته حلواناً إذا أعطيته وأصله من الحلاوة شبه بالشيء الحلو من حيث أنَّه يأخذه سهلاً بلا كلفة ولا مشقة، يقال حلوته إذا أطعمته الحلو والحلوان أيضاً الرشوة والحلوان أيضاً أخذ الرجل مهر ابنته لنفسه» اهـ.
٤ - وفيه النهي عن الزنا.
٥ - وفيه النهي عن الكهانة.
* * *
стр. 4695
٢٥٩ - عَنْ رَافِعِ بْنِ خَدِيجٍ ﵁ أَنَّ رَسُوْلَ اللهِ ﷺ قَالَ: «ثَمَنُ الْكَلْبِ خَبِيثٌ، وَمَهْرُ الْبَغِيِّ خَبِيثٌ، وَكَسْبُ الْحَجَّامِ خَبِيثٌ».
قُلْتُ: هذا الحديث مما انفرد به مسلم (١٥٦٨) دون البخاري.
وَفِي الْحَدِيْثِ مَسَائِلُ مِنْهَا:
١ - تحريم ثمن الكلب، وقد مضى القول في ذلك في الحديث السابق.
٢ - تحريم مهر البغي، وقد سبق أيضاً بيان ذلك في الحديث الذي قبل هذا الحديث.
٣ - واحتج به من قال بحرمة أجرة الحجام، وهو مذهب لبعض العلماء، والذي عليه أكثر العلماء عدم تحريم ذلك.
قَالَ الْعَلَّامَةُ الْنَوَوِي ﵀ فِي [شَرْحِ مُسْلِمٍ] (٥/ ٤١٩):
«وكونه خبيثاً ومن شر الكسب ففيه دليل لمن يقول بتحريمه. وقد اختلف العلماء في كسب الحجام فقال الأكثرون من السلف والخلف: لا يحرم كسب الحجام، ولا يحرم أكله لا على الحر ولا على العبد، وهو المشهور من مذهب أحمد، وقال في رواية عنه قال بها فقهاء المحدثين يحرم على الحر دون العبد، واعتمدوا هذه الأحاديث وشبهها، واحتج الجمهور بحديث ابن عباس ﵄ أنَّ النبي ﷺ احتجم وأعطى الحجام أجره.
следующие страницы →