← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 30178

تحفة السائل في بيان ما في عمدة الأحكام من المسائل

أبو بكر الحمادي

Полный текст (8 095 стр.). Показаны 4691–4730 · переход к 4696.

стр. 4691

المعصية، كإيجاب عوض في مقابلة اللواط، إذ الشارع لم يجعل في مقابلة هذا الفعل عوضاً. فإن قيل: فقد جعل في مقابلة الوطء في الفرج عوضاً، وهو المهر من حيث الجملة، بخلاف اللواطة. قلنا: إنَّما جعل في مقابلته عوضاً، إذا استوفى بعقد أو بشبهة عقد، ولم يجعل له عوضاً إذا استوفى بزنا محض لا شبهة فيه، وبالله التوفيق. ولم يعرف في الإسلام قط أنَّ زانياً قضى عليه بالمهر للمزني بها، ولا ريب أنَّ المسلمين يرون هذا قبيحاً، فهو عند الله قبيح» اهـ. قُلْتُ: ما نقله العلامة ابن القيم ﵀ عن الشافعي من وجوب المهر على من زنا بالأمة المطاوعة فهو خلاف المشهور عن الشافعي ﵀ وأصحابه. قَالَ الْعَلَّامَةُ الْمَاوُرْدِي ﵀ فِي [الْحَاوِي] (٧/ ٣٥٧): «والوجه الثاني: وهو ظاهر مذهب الشافعي ﵁ وقول جمهور أصحابه أنَّه لا مهر لها عليه؛ لأنَّها بالمطاوعة تكون بغي، وقد نهى رسول الله ﷺ عن مهر البغي وخالف قطع اليدين منها؛ لأنَّ القطع نقص دخل على بدنها وقيمتها وليس الوطء نقص في بدنها، ولا قيمتها، ثم إن كانت بكراً فعليه أرش بكارتها بالافتضاض؛ لأنَّه استهلاك جزء منها وهكذا يلزمه غرم ما نقص من قيمتها بالولادة فإن تطاول زمان غصبها حتى يكون لمثلها أجرة فعليه أجرة مثلها» اهـ.

стр. 4692

وَقَالَ الْعَلَّامَةُ الْنَوَوِي ﵀ فِي [الرَّوْضَةِ] (٥/ ٦٠): «وإن كانت طائعة فعليهما الحد ولا يجب المهر على الصحيح المنصوص، وقيل على المشهور» اهـ. قُلْتُ: والذي يظهر لي هو عدم وجوب المهر في الزنا مطلقاً لعدم الدليل على ذلك، ويُكتفى بمجرد الحد الذي جاء به الشرع، وإن كانت بكراً فلها الأرش من أجل زوال بكارتها. وقد ذكر الخلاف في هذه المسألة الْعَلَّامَةُ ابْنُ قُدَامَةَ ﵀ فِي [الْمُغْنِي] (١١/ ٨٣) فقال: «ومن استكره امرأة على الزنا، فعليه الحد دونها؛ لأنَّها معذورة، وعليه مهرها حرة كانت أو أمة، فإن كانت حرة كان المهر لها، وإن كانت أمة كان لسيدها. وبه قال مالك، والشافعي وقال أبو حنيفة لا يجب المهر؛ لأنَّه وطء يتعلق به وجوب الحد، فلم يجب به المهر، كما لو طاوعته» اهـ. وَقَالَ الْعَلَّامَةُ ابْنُ مُفْلِحٍ ﵀ فِي [الْفُرُوْعِ] (٨/ ٣٥٥): «وأطلق شيخنا رواية أنَّه لا مهر لمكرهة، واختارها، وأنَّه خبيث» اهـ. وَقَالَ الْعَلَّامَةُ ابْنُ عُثَيْمِيْنَ ﵀ فِي [الشَّرْحُ الْمُمْتِعِ] (١٢/ ٣١٣): «والصحيح أنَّه لا مهر، لا في هذا، ولا في هذا؛ لأنَّ الله - تعالى - أوجب في الزنا حداً معلوماً، فلا نزيد على ما أوجب الله، ولا يمكن أن نقيس هذا الجماع - الذي

стр. 4693

يعتقد المجامع أنَّه حرام - على الحلال؛ ولكن نقيم عليه الحد، فإن كان الرجل بكراً، أي: لم يتزوج من قبل، فحده مائة جلدة وتغريب عام، وإن كان قد تزوج من قبل وجامع زوجته، وتمت شروط الإحصان فإنَّه يرجم» اهـ. وَقَالَ ﵀ فِي [الشَّرْحُ الْمُمْتِعِ] (١٢/ ٣١٣ - ٣١٤): «وعلى القول الذي رجحنا - وهو أنَّ المزني بها كرهاً أو طوعاً لا مهر لها - نقول: يجب عليه أرش البكارة، إذا كانت بكراً وزنى بها كرهاً؛ لأنَّه أتلف البكارة بسبب يتلفها عادة. وأرش البكارة هو فرق ما بين مهرها ثيباً ومهرها بكراً، فإذا قلنا: إنَّ مهرها ثيباً ألف ريال، ومهرها بكراً ألفان، فيكون الأرش ألف ريال. في الوقت الحاضر ترقى الطب، وصار يمكن أن يجعل لها بكارة صناعية، بواسطة عملية جراحية، فإذا قال: أنا لا أعطيكم دراهم، بل نجري لها عملية ونعيد البكارة، فهل يُمَكَّن؟ الجواب: لا، فإذا قال: الأصل أنَّ المثلي يضمن بمثله، فهو أذهب بكارة فيعيد لها بكارة أخرى؟ فنقول: هذا لا يكفي ولا يُطاع؛ لأنَّه مهما كان من ترقيع فلا يمكن أن يكون كالأصل، مع أننا نرى منع هذه العملية مطلقاً، لأنَّها تفتح باب الشر، فتكون كل امرأة تشتهي أن تزني زنت، وإذا زالت بكارتها أجرت العملية» اهـ. ٣ - وفيه النهي عن حلوان الكاهن وهو ما يتعاطاه الكاهن من أجل كهانته. قَالَ الْحِافِظُ ابْنُ حَجَرٍ ﵀ فِي [فَتْحِ الْبَارِي] (٤/ ٤٢٧):

стр. 4694

«الحكم الرابع: حلوان الكاهن وهو حرام بالإجماع لما فيه من أخذ العوض على أمر باطل وفي معناه التنجيم والضرب بالحصى وغير ذلك مما يتعاناه العرافون من استطلاع الغيب. والحلوان مصدر حلوته حلواناً إذا أعطيته وأصله من الحلاوة شبه بالشيء الحلو من حيث أنَّه يأخذه سهلاً بلا كلفة ولا مشقة، يقال حلوته إذا أطعمته الحلو والحلوان أيضاً الرشوة والحلوان أيضاً أخذ الرجل مهر ابنته لنفسه» اهـ. ٤ - وفيه النهي عن الزنا. ٥ - وفيه النهي عن الكهانة. * * *

стр. 4695

٢٥٩ - عَنْ رَافِعِ بْنِ خَدِيجٍ ﵁ أَنَّ رَسُوْلَ اللهِ ﷺ قَالَ: «ثَمَنُ الْكَلْبِ خَبِيثٌ، وَمَهْرُ الْبَغِيِّ خَبِيثٌ، وَكَسْبُ الْحَجَّامِ خَبِيثٌ». قُلْتُ: هذا الحديث مما انفرد به مسلم (١٥٦٨) دون البخاري. وَفِي الْحَدِيْثِ مَسَائِلُ مِنْهَا: ١ - تحريم ثمن الكلب، وقد مضى القول في ذلك في الحديث السابق. ٢ - تحريم مهر البغي، وقد سبق أيضاً بيان ذلك في الحديث الذي قبل هذا الحديث. ٣ - واحتج به من قال بحرمة أجرة الحجام، وهو مذهب لبعض العلماء، والذي عليه أكثر العلماء عدم تحريم ذلك. قَالَ الْعَلَّامَةُ الْنَوَوِي ﵀ فِي [شَرْحِ مُسْلِمٍ] (٥/ ٤١٩): «وكونه خبيثاً ومن شر الكسب ففيه دليل لمن يقول بتحريمه. وقد اختلف العلماء في كسب الحجام فقال الأكثرون من السلف والخلف: لا يحرم كسب الحجام، ولا يحرم أكله لا على الحر ولا على العبد، وهو المشهور من مذهب أحمد، وقال في رواية عنه قال بها فقهاء المحدثين يحرم على الحر دون العبد، واعتمدوا هذه الأحاديث وشبهها، واحتج الجمهور بحديث ابن عباس ﵄ أنَّ النبي ﷺ احتجم وأعطى الحجام أجره.

стр. 4696

قالوا: ولو كان حراماً لم يعطه. رواه البخاري ومسلم. وحملوا هذه الأحاديث التي في النهي على التنزيه والارتفاع عن دنيء الأكساب، والحث على مكارم الأخلاق ومعالي الأمور. ولو كان حراماً لم يفرق فيه بين الحر والعبد فإنَّه لا يجوز للرجل أن يطعم عبده ما لا يحل» اهـ. قُلْتُ: لكن قَالَ الْعَلَّامَةُ ابْنُ قُدَامَةَ ﵀ فِي [الْمُغْنِي] (١٢/ ٦٢): «وليس عن أحمد نص في تحريم كسب الحجام، ولا الاستئجار عليها، وإنَّما قال: نحن نعطيه كما أعطى النبي ﷺ ونقول له كما قال النبي ﷺ لما سئل عن أكله نهاه، وقال: "اعلفه الناضح والرقيق". وهذا معنى كلامه في جميع الروايات، وليس هذا صريحاً في تحريمه، بل فيه دليل على إباحته، كما في قول النبي ﷺ وفعله، على ما بينا، وأنَّ إعطاءه للحجام دليل على إباحته إذ لا يعطيه ما يحرم عليه، وهو ﵇ يعلم الناس وينهاهم عن المحرمات، فكيف يعطيهم إياها، ويمكنهم منها، وأمره بإطعام الرقيق منها دليل على الإباحة، فيتعين حمل نهيه عن أكلها على الكراهة دون التحريم. وكذلك قول الإمام أحمد، فإنَّه لم يخرج عن قول النبي ﷺ وفعله، وإنَّما قصد اتباعه ﷺ ، وكذلك سائر من كرهه من الأئمة، يتعين حمل كلامهم على هذا، ولا يكون في المسألة قائل بالتحريم» اهـ.

стр. 4697

قُلْتُ: حديث "اعلفه الناضح والرقيق". رواه مالك في [الْمُوَطَأِ] (٢٨)، ومن طريقه أحمد (٢٣٦٩٠)، وأبو داود (٣٤٢٢)، والترمذي (١٢٧٧) مِنْ طَرِيْقِ مَالِكٍ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، عَنِ ابْنِ مُحَيِّصَةَ، عَنْ أَبِيهِ، أَنَّهُ اسْتَأْذَنَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ فِي إِجَارَةِ الْحَجَّامِ، فَنَهَاهُ عَنْهَا، فَلَمْ يَزَلْ يَسْأَلْهُ فِيهَا حَتَّى قَالَ لَهُ: «اعْلِفْهُ نَاضِحَكَ، وَأَطْعِمْهُ رَقِيقَكَ». ورواه أحمد (٢٣٦٩٣، ٢٣٦٩٨) مِنْ طَرِيْقِ سُفْيَانَ، وابْنِ أَبِي ذِئْبٍ عَنِ الزُّهْرِيِّ، عَنْ حَرَامِ بْنِ سَعْدِ بْنِ مُحَيِّصَةَ، أَنَّ مُحَيِّصَةَ، سَأَلَ النَّبِيَّ ﷺ عَنْ كَسْبِ حَجَّامٍ لَهُ، فَنَهَاهُ عَنْهُ فَلَمْ يَزَلْ بِهِ يُكَلِّمُهُ حَتَّى قَالَ: «اعْلِفْهُ نَاضِحَكَ وَأَطْعِمْهُ رَقِيقَكَ». ورواه ابن ماجة (٢١٦٦) من طريق ابن أبي ذئب به. قُلْتُ: الحديث حكم عليه ابن عبد البر ﵀ في [التَّمْهِيْدِ] (١١/ ٧٧) بالإرسال. وله شاهد حَسَنٌ عند أحمد (١٥٠٧٩) حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، عَنْ أَبِي الزُّبَيْرِ، سَمِعَ جَابِرًا، يَقُولُ: إِنَّ النَّبِيَّ ﷺ سُئِلَ عَنْ كَسْبِ الْحَجَّامِ، فَقَالَ: «اعْلِفْهُ نَاضِحَكَ». قُلْتُ: الصحيح كراهة أجرة الحجام دون تحريمها، والدليل على عدم تحريمها ما رواه البخاري (٢٢٧٩)، ومسلم (١٢٠٢) عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄، قَالَ: «احْتَجَمَ النَّبِيُّ ﷺ ، وَأَعْطَى الحَجَّامَ أَجْرَهُ».

стр. 4698

وروى البخاري (٢١٠٢)، ومسلم (١٥٧٧) عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ ﵁، قَالَ: «حَجَمَ أَبُو طَيْبَةَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ ، فَأَمَرَ لَهُ بِصَاعٍ مِنْ تَمْرٍ، وَأَمَرَ أَهْلَهُ أَنْ يُخَفِّفُوا مِنْ خَرَاجِهِ». هذا لفظ البخاري، ولفظ مسلم: «فَأَمَرَ لَهُ بِصَاعَيْنِ مِنْ طَعَامٍ». قُلْتُ: ووصف ثمن الحجامة بالخبث في الحديث لدناءة هذا الكسب لا لتحريمه، وقد يأتي الخبث لغير التحريم كما في قول الله تعالى: ﴿وَلا تَيَمَّمُوا الْخَبِيثَ مِنْهُ تُنْفِقُونَ وَلَسْتُمْ بِآخِذِيهِ إِلَّا أَنْ تُغْمِضُوا﴾ [البقرة: ٢٦٧]. وفيما رواه أحمد (١٦٢٩٢)، والنسائي في [الْكُبْرَى] (٦٦٨١) مِنْ طَرِيْقِ خَالِدِ بْنِ مَيْسَرَةَ، قَالَ: حَدَّثَنَا مُعَاوِيَةُ بْنُ قُرَّةَ، عَنْ أَبِيهِ قُرَّةَ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ ، قَالَ: «مَنْ أَكَلَ مِنْ هَاتَيْنِ الشَّجَرَتَيْنِ الْخَبِيثَتَيْنِ فَلَا يَقْرَبَنَّ مَسْجِدَنَا، فَإِنْ كُنْتُمْ لَا بُدَّ آكِلِيهِمَا فَأَمِيتُوهُمَا طَبْخًا». هذا لفظ النسائي. قُلْتُ: هَذَا حَدِيْثٌ حَسَنٌ، والمراد بالشجرتين الخبيثتين الثوم والبصل كما جاء بيان ذلك في رواية أحمد. وروى مسلم (٥٦٥) عَنْ أَبِي نَضْرَةَ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ، قَالَ: لَمْ نَعْدُ أَنْ فُتِحَتْ خَيْبَرُ فَوَقَعْنَا أَصْحَابَ رَسُولِ اللهِ ﷺ فِي تِلْكَ الْبَقْلَةِ الثُّومِ وَالنَّاسُ جِيَاعٌ، فَأَكَلْنَا مِنْهَا أَكْلًا شَدِيدًا، ثُمَّ رُحْنَا إِلَى الْمَسْجِدِ، فَوَجَدَ رَسُولُ اللهِ ﷺ الرِّيحَ فَقَالَ: «مَنْ أَكَلَ مِنْ هَذِهِ الشَّجَرَةِ الْخَبِيثَةِ شَيْئًا، فَلَا يَقْرَبَنَّا فِي

стр. 4699

الْمَسْجِدِ» فَقَالَ النَّاسُ: حُرِّمَتْ، حُرِّمَتْ، فَبَلَغَ ذَاكَ النَّبِيَّ ﷺ فَقَالَ: «أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّهُ لَيْسَ بِي تَحْرِيمُ مَا أَحَلَّ اللهُ لِي، وَلَكِنَّهَا شَجَرَةٌ أَكْرَهُ رِيحَهَا». قُلْتُ: وقد يكون الخبث في الحجامة لملاقاة الحاجم الخَبَث وهو الدم كما سمي الخارج من الإنسان خبيثاً فيما رواه مسلم (٥٦٠) حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبَّادٍ، حَدَّثَنَا حَاتِمٌ هُوَ ابْنُ إِسْمَاعِيلَ، عَنْ يَعْقُوبَ بْنِ مُجَاهِدٍ، عَنِ ابْنِ أَبِي عَتِيقٍ، قَالَ: تَحَدَّثْتُ أَنَا وَالْقَاسِمُ، عِنْدَ عَائِشَةَ ﵂، حَدِيثًا وَكَانَ الْقَاسِمُ رَجُلًا لَحَّانَةً وَكَانَ لِأُمِّ وَلَدٍ، فَقَالَتْ لَهُ عَائِشَةُ: مَا لَكَ لَا تَحَدَّثُ كَمَا يَتَحَدَّثُ ابْنُ أَخِي هَذَا، أَمَا إِنِّي قَدْ عَلِمْتُ مِنْ أَيْنَ أُتِيتَ هَذَا أَدَّبَتْهُ أُمُّهُ، وَأَنْتَ أَدَّبَتْكَ أُمُّكَ، قَالَ: فَغَضِبَ الْقَاسِمُ وَأَضَبَّ عَلَيْهَا، فَلَمَّا رَأَى مَائِدَةَ عَائِشَةَ، قَدْ أُتِيَ بِهَا قَامَ، قَالَتْ: أَيْنَ؟ قَالَ: أُصَلِّي، قَالَتْ: اجْلِسْ، قَالَ: إِنِّي أُصَلِّي، قَالَتْ: اجْلِسْ غُدَرُ، إِنِّي سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ يَقُولُ: «لَا صَلَاةَ بِحَضْرَةِ الطَّعَامِ، وَلَا هُوَ يُدَافِعُهُ الْأَخْبَثَانِ». قَالَ شَيْخُ الْإِسْلَامِ ابْنُ تَيْمِيَّةَ ﵀ كَمَا فِي [مَجْمُوْعِ الْفَتَاوَى] (٣٠/ ١٩٢): «قَالَ الْأَوَّلُونَ: قَدْ ثَبَتَ عَنْهُ أَنَّهُ قَالَ: "مَنْ أَكَلَ مِنْ هَذَيْنِ الشَّجَرَتَيْنِ الْخَبِيثَتَيْنِ فَلَا يَقْرَبَن مَسْجِدَنَا" فَسَمَّاهُمَا خَبِيثَتَيْنِ بِخُبْثِ رِيحِهِمَا وَلَيْسَتَا حَرَامًا. وَقَالَ: "لَا يُصَلِّيَن أَحَدُكُمْ وَهُوَ يُدَافِعُ الْأَخْبَثِينَ" أَيْ: الْبَوْلُ وَالْغَائِطُ. فَيَكُونُ تَسْمِيَتُهُ خَبِيثًا لِمُلَاقَاةِ صَاحِبِهِ النَّجَاسَةَ؛ لَا لِتَحْرِيمِهِ؛ بِدَلِيلِ أَنَّهُ أَعْطَى الْحَجَّامَ أَجْرَهُ وَأَذِنَ لَهُ أَنْ يُطْعِمَهُ الرَّقِيقَ وَالْبَهَائِمَ. وَمَهْرُ الْبَغِيِّ وَحُلْوَانُ الْكَاهِنِ لَا يَسْتَحِقُّهُ وَلَا يُطْعَمُ مِنْهُ رَقِيقٌ وَلَا

стр. 4700

بَهِيمَةٌ. وَبِكُلِّ حَالٍ فَحَالُ الْمُحْتَاجِ إلَيْهِ لَيْسَتْ كَحَالِ الْمُسْتَغْنِي عَنْهُ كَمَا قَالَ السَّلَفُ: كَسْبٌ فِيهِ بَعْضُ الدَّنَاءَةِ خَيْرٌ مِنْ مَسْأَلَةِ النَّاسِ» اهـ. وَقَالَ الْعَلَّامَةُ ابْنُ الْقَيِّمِ ﵀ فِي [زَادِ الْمَعَادِ] (٥/ ٧٩٠): «ويدخل فيه الفاصد والشارط، وكل من يكون كسبه من إخراج الدم» اهـ. قُلْتُ: والذي يظهر لي أنَّ كسب المخبري خبيث قياساً على الحجام لأنَّ عمله في الدم والبول والغائط. * * *

стр. 4701

بَابُ الْعَرَايَا وَغَيْرِ ذَلِكَ. ٢٦٠ - عَنْ زَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ ﵁: «أَنَّ رَسُوْلَ اللهِ ﷺ رَخَّصَ لِصَاحِبِ الْعَرِيَّةِ أَنْ يَبِيعَهَا بِخَرْصِهَا». وَلِ "مُسْلِمٍ" «بِخَرْصِهَا تَمْرًا، يَأْكُلُونَهَا رُطَبًا». وَفِي الْحَدِيْثِ مَسَائِلُ مِنْهَا: ١ - الرخصة في المزابنة لأصحاب العرايا للحاجة إلى ذلك. قَالَ شَيْخُ الْإِسْلَامِ ابْنُ تَيْمِيَّةَ ﵀ كَمَا فِي [مَجْمُوْعِ الْفَتَاوَى] (٢٩/ ٤٢٨ - ٤٢٩): «ولفظ "العرايا" معناه في اللغة هي النخلات التي يعيرها الرجل لغيره: أي يعطيه إياها ليأكل ثمرها ثم يعيدها إليه كما قال الشاعر يمدح فيه بالكرم: فليست بسنهاء ولا رجبية … ولكن عراياً في السنين الجوائح. وهذا كما يقال للماشية "المنيحة": مثل أن يعطيه الناقة أو الشاة ليشرب لبنها ثم يعيدها إليه وهو من جنس العارية. وهو أن يعيره داره ليسكنها ثم يعيدها إليه. ومنه إفقار الظهر: وهو أن يعطيه دابته ليركب فقارها ثم يعيدها إليه. فهذا أصل هذه اللفظة؛ لكن حكم العرايا هل هو مخصوص بما كان موهوباً للمشتري؟ أو عام في ذلك وفي غيره؟ فيه قولان للعلماء. والأول: قول مالك.

стр. 4702

والثاني: قول الشافعي وفي مذهب أحمد القولان. والله أعلم» اهـ. وَقَالَ الْعَلَّامَةُ ابْنُ قُدَامَةَ ﵀ فِي [الْمُغْنِي] (٨/ ٩٣): «مسألة؛ قال: "والعرايا التي أرخص فيها رسول الله ﷺ ؛ هو أن يوهب للإنسان من النخل ما ليس فيه خمسة أوسق، فيبيعها بخرصها من التمر لمن يأكلها رطباً". في هذه المسألة فصول خمسة: فصل: أولها، في إباحة بيع العرايا في الجملة. وهو قول أكثر أهل العلم. منهم مالك، وأهل المدينة، والأوزاعي، وأهل الشام، والشافعي، وإسحاق، وابن المنذر. وقال أبو حنيفة: لا يحل بيعها؛ لأنَّ النبي ﷺ نهى عن بيع المزابنة، والمزابنة، بيع الثمر بالثمر. متفق عليه. ولأنَّه يبيع الرطب بالتمر من غير كيل في أحدهما، فلم يحز، كما لو كان على وجه الأرض، أو فيما زاد على خمسة أوسق. ولنا، ما روى أبو هريرة، أنَّ النبي ﷺ رخص في العرايا في خمسة أوسق، أو دون خمسة أوسق. متفق عليه، ورواه زيد بن ثابت، وسهل بن أبي حثمة، وغيرهما. وخرجه أئمة الحديث في كتبهم.

стр. 4703

وحديثهم في سياقه: "إلَّا العرايا". كذلك في المتفق عليه. وهذه زيادة يجب الأخذ بها. ولو قدر تعارض الحديثين، وجب تقديم حديثنا لخصوصه، جمعاً بين الحديثين، وعملا بكلا النصين. وقال ابن المنذر: الذي نهى عن المزابنة هو الذي أرخص في العرايا، وطاعة رسول الله ﷺ أولى. والقياس لا يصار إليه مع النص مع أنَّ في الحديث، أنَّه أرخص في العرايا. والرخصة استباحة المحظور، مع وجود السبب الحاظر، فلو منع وجود السبب من الاستباحة، لم يبق لنا رخصة بحال» اهـ. قُلْتُ: هذا هو الصحيح الذي تدل عليه الأدلة. وأمَّا ما شرطه من الهبة، فلا يظهر اشتراطه إذ لا فرق معقول بين بيع الموهوب له للمحتاجين، وبين بيع صاحب المزرعة للمحتاجين. والله أعلم. وأمَّا الإمام مالك ﵀ فالعرية عنده هو أن يعري الرجلُ، الرجلَ نخلات من حائطه، ثم يكره صاحب الحائط دخول الرجل المعري؛ لأنَّه ربما كان مع أهله في الحائط، فيؤذيه دخول صاحبه عليه، فيجوز أن يشتريها منه بخرصها تمراً إلى الجُذاذ. قَالَ الْعَلَّامَةُ سَحْنُونُ الْمَالِكِيُّ ﵀ فِي [الْمُدَوَنَةِ الْكُبْرَى] (٣/ ٢٨٤):

стр. 4704

«قَالَ مَالِكٌ: الْعَرَايَا فِي النَّخْلِ وَفِي جَمِيعِ الثِّمَارِ كُلُّهَا مِمَّا يَيْبَسُ وَيُدَّخَرُ مِثْلُ الْعِنَبِ وَالتِّينِ وَالْجَوْزِ وَاللَّوْزِ وَمَا أَشْبَهَهُ مِمَّا يَيْبَسُ وَيُدَّخَرُ يَهَبُ ثَمَرَتَهَا صَاحِبُهَا لِلرَّجُلِ ثُمَّ يَبْدُو لِصَاحِبِهَا الَّذِي أَعْرَاهَا أَنْ يَبْتَاعَهَا مِنْ الَّذِي أُعْرِيهَا وَالثَّمَرُ فِي رُءُوسِ النَّخْلِ بَعْدَمَا طَابَتْ أَنَّهَا تَحِلُّ لِصَاحِبِهَا الَّذِي أَعْرَاهَا أَنْ يَشْتَرِيَهَا بِالدَّنَانِيرِ وَالدَّرَاهِمِ وَإِنْ كَانَتْ أَكْثَرَ مِنْ خَمْسَةِ أَوْسُقٍ، وَيَشْتَرِيهَا بِالطَّعَامِ الَّذِي هُوَ مِنْ غَيْرِ صِنْفِهَا إذَا جَدَّهَا مَكَانَهُ أَوْ بِالْعُرُوضِ نَقْدًا أَوْ إلَى أَجَلٍ، وَيَبْتَاعُهَا بِخَرْصِهَا بِصِنْفِهَا إلَى جِدَادِهَا إذَا كَانَتْ خَمْسَةَ أَوْسُقٌ فَأَدْنَى وَإِنْ كَانَتْ أَكْثَرَ مِنْ خَمْسَةِ أَوْسُقٍ لَمْ يَصْلُحْ بَيْعُهَا بِتَمْرٍ إلَى الْجِدَادِ وَلَا يَصْلُحُ بِتَمْرٍ نَقْدًا وَلَا يَنْبَغِي لَهُ أَنْ يَبْتَاعَهَا بِشَيْءٍ مِنْ الطَّعَامِ مُخَالِفًا لَهَا إلَى أَجَلٍ وَلَا بَأْسَ أَنْ يَبْتَاعَهَا فِي قَوْلِ مَالِكٍ بِطَعَامٍ مُخَالِفٍ لَهَا إذَا جَدَّ الثَّمَرُ مَكَانَهُ صَاحِبُهَا الَّذِي يَبْتَاعُهَا وَيَدْفَعُ إلَيْهِ الطَّعَامَ الْمُخَالِفَ لِلثَّمَرَةِ مَكَانَهُ قَبْلَ أَنْ يَفْتَرِقَا وَإِنْ تَفَرَّقَا قَبْلَ أَنْ يَجِدَهَا وَإِنْ دَفَعَ إلَيْهِ الطَّعَامَ فَلَا خَيْرَ فِيهِ، فَهَذَا الَّذِي سَمِعْتُ مِنْ قَوْلِ مَالِكٍ فِي الْعَرَايَا» اهـ. وقد ناقش الْعَلَّامَةُ ابْنُ قُدَامَةَ هذا القول مناقشة طيبة فقال ﵀ في [الْمُغْنِي] (٨/ ٩٧): «ولنا، حديث زيد بن ثابت، وهو حجة على مالك، في تصريحه بجواز بيعها من غير الواهب، ولأنَّه لو كان لحاجة الواهب لما اختص بخمسة أوسق، لعدم اختصاص الحاجة بها.

стр. 4705

ولم يجز بيعها بالتمر؛ لأنَّ الظاهر من حال صاحب الحائط الذي له النخيل الكثير يعريه الناس، أنَّه لا يعجز عن أداء ثمن العرية، وفيه حجة على من اشترط كونها موهوبة لبائعها؛ لأنَّ علة الرخصة حاجة المشتري إلى أكل الرطب، ولا ثمن معه سوى التمر، فمتى وجد ذلك، جاز البيع. ولأنَّ اشتراط كونها موهوبة مع اشتراط حاجة المشتري إلى أكلها رطباً، ولا ثمن معه، يفضي إلى سقوط الرخصة، إذ لا يكاد يتفق ذلك. ولأنَّ ما جاز بيعه إذا كان موهوباً، جاز وإن لم يكن موهوباً، كسائر الأموال، وما جاز بيعه لواهبه، جاز لغيره، كسائر الأموال، وإنَّما سمي عرية لتعريه عن غيره، وإفراده بالبيع» اهـ. قُلْتُ: حديث زيد بن ثابت الذي أشار إليه المؤلف ﵀ هو ما رواه الشافعي في [الْأُمِ] (٣/ ٥٤) فقال: «وَقِيلَ لِمَحْمُودِ بْنِ لَبِيدٍ أَوْ قَالَ مَحْمُودُ بْنُ لَبِيدٍ لِرَجُلٍ مِنْ أَصْحَابِ النَّبِيِّ ﷺ إمَّا زَيْدُ بْنُ ثَابِتٍ وَإِمَّا غَيْرُهُ مَا عَرَايَاكُمْ هَذِهِ؟ قَالَ فُلَانٌ وَفُلَانٌ وَسَمَّى رِجَالًا مُحْتَاجِينَ مِنْ الْأَنْصَارِ شَكَوْا إلَى النَّبِيِّ ﷺ أَنَّ الرُّطَبَ يَأْتِي وَلَا نَقْدَ بِأَيْدِيهِمْ يَتَبَايَعُونَ بِهِ رُطَبًا يَأْكُلُونَهُ مَعَ النَّاسِ وَعِنْدَهُمْ فُضُولٌ مِنْ قُوتِهِمْ مِنْ التَّمْرِ فَرَخَّصَ لَهُمْ أَنْ يَتَبَايَعُوا الْعَرَايَا بِخَرْصِهَا مِنْ التَّمْرِ الَّذِي فِي أَيْدِيهِمْ يَأْكُلُونَهَا رُطَبًا» اهـ. وقد رواه مِنْ طَرِيْقِ الشافعي البيهقي في [الْمَعْرِفَةِ] (٣٥١١). قُلْتُ: وهذا الحديث لا يثبت؛ وذلك لأنَّ الشافعي رواه معلقاً ولم يسنده.

стр. 4706

قَالَ الْحَافِظُ ابْنُ عَبْدِ الْهَادِي ﵀ فِي [تَنْقِيْحِ الْتَحْقِيْقِ] (٤/ ٥١): «فإنَّ هذا الحديث لم يخرج في "الصحيحين"، بل ولا في "السنن"، وليس لمحمود بن لبيد رواية عن زيد في شيء من "الكتب الستة"، وليس هذا الحديث في "مسند الإمام أحمد"، ولا "السنن الكبير" للبيهقي، وقد فتشت عليه في كتب كثيرة فلم أر له سنداً. وقد ذكره الشافعي في كتاب البيوع، في باب العرايا، بلا إسناد، وأنكر عليه ابن داود الظاهري، ورد عليه أبو شريح في إنكاره، وقد ذكرت كلامهما في غير هذا الموضع، والله أعلم» اهـ. قُلْتُ: قال ذلك رداً على ابن قدامة ﵀ في "الكافي" حيث عزاه إلى الصحيحين، وهذا وهم من أوهامه ﵀، والذي في الصحيحين هو حديث الباب. ومما احتج به للإمام مالك ما رواه البخاري (٢١٩١) عَنْ سَهْلِ بْنِ أَبِي حَثْمَةَ أَنَّ رَسُوْلَ اللهِ ﷺ : «نَهَى عَنْ بَيْعِ الثَّمَرِ بِالتَّمْرِ وَرَخَّصَ فِي الْعَرِيَّةِ أَنْ تُبَاعَ بِخَرْصِهَا يَأْكُلُهَا أَهْلُهَا رُطَبًا». والشاهد من الحديث قوله: «يَأْكُلُهَا أَهْلُهَا رُطَبًا». قالوا: المراد بأهلها أي أهل النخيل، وأهلها هم ملاكها الذين أعروها.

стр. 4707

قُلْتُ: والجواب أن يقال: إنَّ المراد بأهلها من تصير إليهم بعد ذلك بالشراء. والله أعلم. وذكر الْحِافِظُ ابْنُ حَجَرٍ ﵀ فِي [فَتْحِ الْبَارِي] (٤/ ٣٩١ - ٣٩٢) صوراً للعرايا فقال: «ثم إنَّ صور العرية كثيرة: منها: أن يقول الرجل لصاحب حائط بعني ثمر نخلات بأعيانها بخرصها من التمر فيخرصها ويبيعه ويقبض منه التمر ويسلم إليه النخلات بالتخلية فينتفع برطبها. ومنها: أن يهب صاحب الحائط لرجل نخلات أو ثمر نخلات معلومة من حائطه ثم يتضرر بدخوله عليه فيخرصها ويشتري منه رطبها بقدر خرصه بتمر يعجله له. ومنها: أن يهبه إياها فيتضرر الموهوب له بانتظار صيرورة الرطب تمراً ولا يحب أكلها رطباً لاحتياجه إلى التمر فيبيع ذلك الرطب بخرصه من الواهب أو من غيره بتمر يأخذه معجلاً. ومنها: أن يبيع الرجل ثمر حائطه بعد بدو صلاحه ويستثنى منه نخلات معلومة يبقيها لنفسه أو لعياله وهي التي عفي له عن خرصها في الصدقة وسميت عرايا لأنَّها أعريت من أن تخرص في الصدقة فرخص لأهل الحاجة الذين لا نقد لهم

стр. 4708

وعندهم فضول من تمر قوتهم أن يبتاعوا بذلك التمر من رطب تلك النخلات بخرصها. ومما يطلق عليه اسم عرية أن يعرى رجلاً تمر نخلات يبيح له أكلها والتصرف فيها وهذه هبة مخصوصة ومنها أن يعري عامل الصدقة لصاحب الحائط من حائطه نخلات معلومة لا يخرصها في الصدقة وهاتان الصورتان من العرايا لا يبيع فيها وجميع هذه الصور صحيحة عند الشافعي والجمهور وقصر مالك العرية في البيع على الصورة الثانية وقصرها أبو عبيد على الصورة الأخيرة من صور البيع وزاد أنَّه رخص لهم أن يأكلوا الرطب ولا يشتروه لتجارة ولا ادخار ومنع أبو حنيفة صور البيع كلها وقصر العرية على الهبة وهو أن يعري الرجل تمر نخله من نخله ولا يسلم ذلك له ثم يبدو له في ارتجاع تلك الهبة فرخص له أن يحتبس ذلك ويعطيه بقدر ما وهبه له من الرطب بخرصه تمراً» اهـ. قُلْتُ: الصورة الأولى داخلة في الحديث كما هو ظاهر، وأمَّا الصورة الثانية فلا يظهر لي دخولها في الحديث على ما سبق بيانه. والصورة الثالثة غير داخلة في الحديث، فإنَّ في الحديث أنَّهم يأكلونها رطباً لا تمراً. لكنها جائزة فإنَّ العرية قد أجيزت لحاجة التفكه، فجوازها لحاجة الاقتيات من باب أولى. والصورة الرابعة شبيهة بالأولى.

стр. 4709

٢ - أنَّ الخرص يقوم مقام الكيل عند الحاجة. قُلْتُ: وهذا الخرص مختص بالثمرة التي على النخلة، وأمَّا الطعام الذي يشترى به فلا بد أن يكون معلوماً، لما رواه البخاري (٢١٩٢)، ومسلم (١٥٣٩) عَنْ زَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ ﵃: «أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ رَخَّصَ فِي العَرَايَا أَنْ تُبَاعَ بِخَرْصِهَا كَيْلًا». قَالَ الْعَلَّامَةُ ابْنُ قُدَامَةَ ﵀ فِي [الْمُغْنِي] (٨/ ٩٨): «الفصل الرابع: أنَّه إنَّما يجوز بيعها بخرصها من التمر، لا أقل منه ولا أكثر ويجب أن يكون التمر الذي يشتري به معلوماً بالكيل، ولا يجوز جزافاً. لا نعلم في هذا عند من أباح بيع العرايا اختلافاً» اهـ. ٣ - وظاهر قوله: «بِخَرْصِهَا تَمْرَاً». أنَّ العرايا إنَّما تباع بخرصها تمراً لا رطباً. وما دل عليه الحديث هو الصحيح، فإنَّ من كان معه رطب فلا حاجة له في شراء الرطب التي مازالت على أشجارها وعنده ما يتفكه به، والأصل تحريم المزابنة إلَّا فيما استثناه الدليل. قَالَ الْعَلَّامَةُ ابْنُ قُدَامَةَ ﵀ فِي [الْمُغْنِي] (٨/ ٩٩ - ١٠٠): «فأمَّا إن اشتراها بخرصها رطباً، لم يجز. وهذا أحد الوجوه لأصحاب الشافعي. والثاني يجوز. والثالث، لا يجوز مع اتفاق النوع، ويجوز مع اختلافه.

стр. 4710

ووجه جوازه، ما روى الجوزجاني، عن أبي صالح، عن الليث، عن ابن شهاب، عن سالم، عن ابن عمر، عن زيد بن ثابت، عن رسول الله ﷺ : "أنَّه أرخص بعد ذلك في بيع العرية بالرطب، أو التمر، ولم يرخص في غير ذلك". ولأنَّه إذا جاز بيع الرطب بالتمر مع اختصاص أحدهما بالنقص في ثاني الحال، فلأن يجوز مع عدم ذلك أولى. ولنا، ما روى مسلم بإسناده عن زيد بن ثابت، أَنَّ رَسُوْلَ اللهِ ﷺ أرخص في العرايا أن تؤخذ بمثل خرصها تمراً. وعن سهل بن أبي حثمة أَنَّ رَسُوْلَ اللهِ ﷺ نهى عن بيع الثمر بالتمر، وقال: "ذلك الربا، تلك المزابنة". إلَّا أنَّه رخص في العرية، النخلة والنخلتين، يأخذها أهل البيت بخرصها تمراً، يأكلونها رطباً. ولأنَّه مبيع يجب فيه مثله تمراً، فلم يجز بيعه بمثله رطباً، كالتمر الجاف. ولأنَّ من له رطب فهو مستغن عن شراء الرطب بأكل ما عنده، وبيع العرايا يشترط فيه حاجة المشتري، على ما أسلفناه. وحديث ابن عمر شك في الرطب والتمر، فلا يجوز العمل به مع الشك، سيما وهذه الأحاديث تبينه، وتزيل الشك» اهـ. قُلْتُ: جاء عند النسائي (٤٥٤٠) أَخْبَرَنَا أَبُو دَاوُدَ قَالَ: حَدَّثَنَا يَعْقُوبُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ قَالَ: حَدَّثَنَا أَبِي، عَنْ صَالِحٍ، عَنْ ابْنِ شِهَابٍ، أَنَّ سَالِمًا أَخْبَرَهُ، أَنَّهُ سَمِعَ عَبْدَ اللَّهِ

стр. 4711

بْنَ عُمَرَ يَقُولُ: إِنَّ زَيْدَ بْنَ ثَابِتٍ أَخْبَرَهُ، «أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ رَخَّصَ فِي بَيْعِ الْعَرَايَا بِالرُّطَبِ، وَبِالتَّمْرِ، وَلَمْ يُرَخِّصْ فِي غَيْرِ ذَلِكَ». ورواه البخاري (٢١٨٤)، ومسلم (١٥٣٩) عَنْ سَالِمٍ قَالَ: أَخْبَرَنِي عَبْدُ اللهِ، عَنْ زَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ، عَنْ رَسُولِ اللهِ ﷺ ، «أَنَّهُ رَخَّصَ بَعْدَ ذَلِكَ فِي بَيْعِ الْعَرِيَّةِ بِالرُّطَبِ، أَوْ بِالتَّمْرِ، وَلَمْ يُرَخِّصْ فِي غَيْرِ ذَلِكَ». ورواه البخاري (٢٣٨٠)، ومسلم (١٥٣٩) مِنْ طَرِيْقِ نَافِعٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ، عَنْ زَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ ﵃، قَالَ: «رَخَّصَ النَّبِيُّ ﷺ أَنْ تُبَاعَ العَرَايَا بِخَرْصِهَا تَمْرًا». قَالَ الْحَافِظُ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِ ﵀ فِي [التَّمْهِيْدِ] (٢/ ٣٣٤): «في حديث يونس عن ابن شهاب عن خارجة عن أبيه ذكر بيعها بالرطب وهو ما اختلف فيه فقال قوم منهم أصحاب أبي حنيفة إلى أنَّه جائز بيعها بالرطب خرصاً كما يجوز بالتمر خرصاً. قال أبو عمر: ذكر الرطب في هذا الحديث ليس بمحفوظ إلَّا بهذا الإسناد وقد جعله بعض أهل العلم وهماً وجعل القول به شذوذاً». وَقَالَ ﵀ فِي [التَّمْهِيْدِ] (٢/ ٣٣٥): «قد روى الأوزاعي عن ابن شهاب عن سالم عن أبيه عن زيد في هذا الحديث ذكر الرطب أيضاً إن كان محفوظاً عن الأوزاعي حدثناه محمد بن عبد الله بن حكم قال حدثنا محمد بن معاوية قال حدثنا إسحاق ابن أبي حسان قال حدثنا هشام بن عمار

стр. 4712

قال حدثنا عبد الحميد قال حدثنا الأوزاعي قال حدثني ابن شهاب عن سالم عن أبيه عن زيد بن ثابت أَنَّ رَسُوْلَ اللهِ ﷺ أرخص في بيع العرايا بالرطب لم يرخص في غير ذلك. قال أبو عمر: عبد الحميد كاتب الأوزاعي ليس بالحافظ المتقن ولا ممن يحتج به وقد روى هذا الحديث بهذا الإسناد عن ابن شهاب سفيان بن عيينة فقال فيه: "أَنَّ رَسُوْلَ اللهِ ﷺ أرخص في بيع العرايا لم يقل بالرطب ولا بالتمر وحديث نافع عن ابن عمر عن زيد يدل على أنَّ ذلك بالتمر والله أعلم» اهـ. قُلْتُ: وقد جاء الحديث عن غير واحد من الصحابة بذكر التمر دون الرطب. ٤ - وظاهر الحديث أنَّ الخارص يخرص العرية تمراً لا رطباً، وهذا هو الموافق للنظر؛ وذلك أنَّه إذا خرصها رطباً ثم بيعت بتمر ازداد في ذلك الربا والغرر والأصل المنع من ذلك. وهذا مذهب الشافعي ﵀. ٥ - واحتج بإطلاق الحديث من قال بجواز ذلك لغير حاجة. قَالَ الْعَلَّامَةُ ابْنُ قُدَامَةَ ﵀ فِي [الْمُغْنِي] (٨/ ١٠١): «الفصل الخامس: أنَّه لا يجوز بيعها إلَّا لمحتاج إلى أكلها رطباً، ولا يجوز بيعها لغني.

стр. 4713

وهذا أحد قولي الشافعي، وأباحها في القول الآخر مطلقاً لكل أحد؛ لأنَّ كل بيع جاز للمحتاج، جاز للغني، كسائر البياعات، ولأنَّ حديث أبي هريرة وسهل مطلقان. ولنا حديث زيد بن ثابت، حين سأله، محمود بن لبيد ما عراياكم هذه؟: "فسمى رجالاً محتاجين من الأنصار، شكوا إلى رسول الله ﷺ أنَّ الرطب يأتي ولا نقد بأيديهم يبتاعون به رطباً يأكلونه، وعندهم فضول من التمر، فرخص لهم أن يبتاعوا العرايا بخرصها من التمر يأكلونه رطباً". ومتى خولف الأصل بشرط، لم تجز مخالفته بدون ذلك الشرط. ولأنَّ ما أبيح للحاجة، لم يبح مع عدمها، كالزكاة للمساكين، والترخص في السفر. فعلى هذا، متى كان صاحبها غير محتاج إلى أكل الرطب، أو كان محتاجاً، ومعه من الثمن ما يشتري به العرية، لم يجز له شراؤها بالتمر، وسواء باعها لواهبها تحرزاً من دخول صاحب العرية حائطه كمذهب مالك، أو لغيره، فإنَّه لا يجوز. وقال ابن عقيل يباح. ويحتمله كلام أحمد؛ لأنَّ الحاجة وجدت من الجانبين، فجاز. كما لو كان المشتري محتاجاً إلى أكلها.

стр. 4714

ولنا، حديث زيد الذي ذكرناه، والرخصة لمعنى خاص لا تثبت مع عدمه، ولأنَّ في حديث زيد وسهل: "يأكلها أهلها رطباً". ولو جاز لتخليص المعري لما شرط ذلك» اهـ. قُلْتُ: حديث زيد لم يثبت كما سبق، لكن معناه صحيح، وذلك أنَّ الأصل تحريم المزابنة، والمحرم لا ينتهك إلَّا لحاجة أو ضرورة، فما حرم لذاته كالميتة فلا يباح إلَّا لضرورة، وما حرم لغيره كالحرير، والمزابنة فيباح للحاجة. فإذا أجزنا العرية لغير حاجة ولا ضرورة فقد أجزنا انتهاك المحرم لغير حاجة ولا ضرورة وهذا خلاف قاعدة الشريعة المستنبطة من أدلة الشرع. فائدة/ قَالَ الْعَلَّامَةُ ابْنُ قُدَامَةَ ﵀ فِي [الْمُغْنِي] (٨/ ١٠٢): «فيشترط إذا في بيع العرية شروط خمسة، أن يكون فيما دون خمسة أوسق، وبيعها بخرصها من التمر، وقبض ثمنها قبل التفرق، وحاجة المشتري إلى أكل الرطب، وأن لا يكون معه ما يشتري به سوى التمر» اهـ. ٦ - وظاهر قوله: «يَأْكُلُونَهَا رُطَبًا». أنَّهم إذا تركوها حتى صارت تمراً فلا يحل لهم ذلك. قَالَ الْعَلَّامَةُ ابْنُ قُدَامَةَ ﵀ فِي [الْمُغْنِي] (٨/ ١٠٣): «مسألة؛ قال: فإن تركه المشتري حتى يتمر بطل العقد يعني إن لم يأخذها المشتري رطباً بطل العقد، خلافاً للشافعي في قوله: لا يبطل.

стр. 4715

وعن أحمد مثله؛ لأنَّ كل ثمرة جاز بيعها رطباً، لا يبطل العقد إذا صارت تمراً، كغير العرية. ولنا، قول النبي ﷺ : "يأكلها أهلها رطباً". ولأنَّ شراءها إنَّما جاز للحاجة إلى أكل الرطب، فإذا أتمرت تبينا عدم الحاجة، فيبطل العقد» اهـ. ٧ - وذكر التمر في الحديث دليل على أنَّ العرية تكون في النخيل. وقد تنازع العلماء في ثبوت العرية في غير النخيل كالعنب وغيرها. فمنع من ذلك الحنابلة، والليث بن سعد وغيرهم، وأجاز ذلك الشافعي في النخل والعنب دون غيرهما، وأجاز الإمام مالك في سائر الثمار. قَالَ شَيْخُ الْإِسْلَامِ ابْنُ تَيْمِيَّةَ ﵀ كَمَا فِي [مَجْمُوْعِ الْفَتَاوَى] (٢٠/ ٥٥٥): «ولهذا كان الصحيح أنَّ العرايا يلحق بها ما كان في معناها» اهـ. وَقَالَ الْعَلَّامَةُ الْمَرْدَاوِي ﵀ فِي [الْإِنْصَافِ] (٥/ ٢٩): «قوله: "ولا يجوز في سائر الثمار في أحد الوجهين". وهو المذهب اختاره ابن حامد وابن عقيل والمصنف والشارح وصححه في التصحيح والنظم وجزم به في المحرر وتذكره ابن عبدوس وهو ظاهر كلام الخرقي والوجيز وقدمه في المغني، والشَّرْحُ. والوجه الثاني: يجوز قاله القاضي وهو مقتضى اختيار الشيخ تقي الدين.

стр. 4716

قُلْتُ: وهو الصواب عند من يتعاده وقدمه ابن رزين في شرحه وأطلقهما في الهداية والمذهب ومسبوك الذهب والمستوعب والخلاصة والكافي والتلخيص والبلغة والرعايتين والحاويين والفروع والفائق» اهـ. وَقَالَ الْعَلَّامَةُ ابْنُ عُثَيْمِيْنَ ﵀ فِي [الشَّرْحُ الْمُمْتِعِ] (٨/ ٤٢٢): «فإن قال قائل: وهل تجوز العرايا في غير النخل؟ كإنسان عنده زبيب وأراد أن يشتري به عنباً يتفكه به، فهل يجوز أو لا؟ فالجواب: في هذا خلاف بين العلماء، منهم من قال: إنَّه يجوز قياساً على التمر، والزبيب طعام كما في حديث أبي سعيد الخدري ﵁ في زكاة الفطر قال: "وكان طعامنا يومئذ التمر والشعير والزبيب والأقط"، فهو طعام، فإذا احتاج الإنسان إلى عنب، وليس عنده إلَّا زبيب فلا بأس بالشروط التي ذكرنا في العرية، وهذا - أيضاً - أقرب إلى الصواب من المنع واختاره شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀؛ لأنَّ العلة التي من أجلها رخص في عرايا النخل موجودة في عرايا العنب، وهكذا ما كان مثله مما يحتاج الناس للتفكه به وليس عندهم مال» اهـ. وَقَالَ الْعَلَّامَةُ الْقُرْطُبِي ﵀ فِي [الْمُفْهِم] (١٤/ ٣٩): «ثم هل تقتصر على التمر والزبيب، أو يلحق بهما ما في معناهما مما يُدَّخر للقوت؟ قولان؛ وقد تقدَّما. والأولى: التعدية، والإلحاق؛ لأنَّ المنصوص عليه في الحديث التمر، وقد ألحق بها الزبيب قولاً واحدًا عندنا، وليس منصوصًا عليه، ولا سبب

стр. 4717

للإلحاق إلَّا أنَّ الزبيب في معنى التمر، فيلحق بهما كل ما في معناهما من المدخر للقوت» اهـ. قُلْتُ: وهذا هو الراجح. وبيان ذلك أنَّه لم يأت عن النبي ﷺ ما يدل على الحصر، والمعنى يقتضي عدم الحصر فإنَّ حاجة الناس للتفكه غير منحصرة بالرطب، فما كان مثيلاً للرطب من فواكه الناس التي يمكن فيها الخرص فلها حكم الرطب، ولعل النبي ﷺ ذكر الرطب دون غيره لأنَّه فاكهة أهل المدينة لا لاختصاص الحكم به. والله أعلم. فائدة/ قَالَ الْعَلَّامَةُ الْمَرْدَاوِي ﵀ فِي [الْإِنْصَافِ] (٥/ ٢٧): «ومفهوم كلام المصنف أنَّ البائع لو احتاج إلى أكل التمر ولا تمر معه إلَّا الرطب أنَّه لا يجوز له ذلك وهو الصحيح وهو المذهب وعليه أكثر الأصحاب وهو ظاهر ما جزم به في "المغنى" و"الشَّرْحُ" وغيرهما وقدمه في "الفروع". وقيل يجوز ذلك وعللوه فقالوا جواز ذلك بطريق التنبيه لأنَّه إذا جاز مخالفة الأصل لحاجة التفكه فلحاجة الاقتيات أولى اختاره أبو بكر في التنبيه وجزم به في المحرر والوجيز والرعاية الصغرى والحاويين والنظم وتذكره ابن عبدوس والفائق والمنور ومنتخب الأزجي وقدمه في الرعاية الكبرى» اهـ. وقَالَ شَيْخُ الْإِسْلَامِ ابْنُ تَيْمِيَّةَ ﵀ كَمَا فِي [مَجْمُوْعِ الْفَتَاوَى] (٢٩/ ٤٢٨): «وأباح ذلك في العرايا لأجل الحاجة؛ لأنَّ المشتري يحتاج إلى أكل الرطب بالتمر خرصاً؛ لأجل حاجته إلى ذلك. ورخص في ذلك في القليل الذي تدعو إليه

стр. 4718

الحاجة وهو ما دون النصاب وهو ما دون خمسة أوسق. وكذلك يجوز لحاجة البائع إلى البيع. كما قد بسط ذلك في موضعه» اهـ. قُلْتُ: الذي يظهر لي رجحانه جواز أن يبيع البائع بعض ما معه من الرطب بالتمر المكيل إذا احتاج إلى الاقتيات بالتمر وليس عنده من المال غير الرطب؛ فإنَّ حاجة الاقتيات أولى من حاجة التفكه. والله أعلم. * * *

стр. 4719

٢٦١ - عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁: «أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ رَخَّصَ فِي بَيْعِ العَرَايَا فِي خَمْسَةِ أَوْسُقٍ، أَوْ دُونَ خَمْسَةِ أَوْسُقٍ». قُلْتُ: هذا الشك الوارد في الحديث من قبل داود بن حصين، فقد روى البخاري (٢٣٨٢) حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ قَزَعَةَ، أَخْبَرَنَا مَالِكٌ، عَنْ دَاوُدَ بْنِ حُصَيْنٍ، عَنْ أَبِي سُفْيَانَ مَوْلَى ابْنِ أَبِي أَحْمَدَ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁، قَالَ: «رَخَّصَ النَّبِيُّ ﷺ فِي بَيْعِ العَرَايَا بِخَرْصِهَا مِنَ التَّمْرِ، فِيمَا دُونَ خَمْسَةِ أَوْسُقٍ، أَوْ فِي خَمْسَةِ أَوْسُقٍ» شَكَّ دَاوُدُ فِي ذَلِكَ. ورواه مسلم (١٥٤١) حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ مَسْلَمَةَ بْنِ قَعْنَبٍ، حَدَّثَنَا مَالِكٌ، ح وحَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ يَحْيَى، وَاللَّفْظُ لَهُ، قَالَ: قُلْتُ لِمَالِكٍ: حَدَّثَكَ دَاوُدُ بْنُ الْحُصَيْنِ، عَنْ أَبِي سُفْيَانَ، مَوْلَى ابْنِ أَبِي أَحْمَدَ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، «أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ رَخَّصَ فِي بَيْعِ الْعَرَايَا بِخَرْصِهَا فِيمَا دُونَ خَمْسَةِ أَوْسُقٍ، أَوْ فِي خَمْسَةِ»، يَشُكُّ دَاوُدُ، قَالَ: خَمْسَةٌ أَوْ دُونَ خَمْسَةٍ، قَالَ: نَعَمْ. وَفِي الْحَدِيْثِ مَسَائِلُ مِنْهَا: ١ - الحديث شك فيه داود كما سبق والأخذ بالأقل هو الراجح؛ وذلك أنَّ الأصل في المزابنة الحرمة، والأصل في الخمسة الأوسق الحرمة لدخولها في المزابنة، وأمَّا ما دون الخمسة الأوسق فهو متيقن جوازه.

стр. 4720

وما فوق الخمسة الأوسق قد تقين تحريمه، والخمسة مشكوك فيها. قُلْتُ: ومما يرجح أنَّ قوله: «أَوْ دُونَ خَمْسَةِ أَوْسُقٍ» أصح الشكين ما رواه أحمد (١٤٩١١) حَدَّثَنَا يَعْقُوبُ، حَدَّثَنَا أَبِي، عَنْ ابْنِ إِسْحَاقَ، حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ يَحْيَى بْنِ حَبَّانَ، عَنْ عَمِّهِ وَاسِعِ بْنِ حَبَّانَ، عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ الْأَنْصَارِيِّ، قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ حِينَ أَذِنَ لِأَصْحَابِ الْعَرَايَا أَنْ يَبِيعُوهَا بِخَرْصِهَا، يَقُولُ: «الْوَسْقَ، وَالْوَسْقَيْنِ، وَالثَّلَاثَةَ، وَالْأَرْبَعَةَ». قُلْتُ: هَذَا حَدِيْثٌ حَسَنٌ. ولم يذكر النبي ﷺ في هذا الحديث الخمسة الأوسق فدل ذلك على أنَّ قوله: «أَوْ دُونَ خَمْسَةِ أَوْسُقٍ». هو أرجح الشكين. والله أعلم. قَالَ الْعَلَّامَةُ ابْنُ قُدَامَةَ ﵀ فِي [الْمُغْنِي] (٨/ ٩٤): «الفصل الثاني، أنَّها لا تجوز في زيادة على خمسة أوسق، بغير خلاف نعلمه، وتجوز فيما دون خمسة أوسق، بغير خلاف بين القائلين بجوازها. فأمَّا في خمسة أوسق، فلا يجوز عند إمامنا ﵀. وبه قال ابن المنذر، والشافعي في أحد قوليه. وقال مالك، والشافعي في قول: يجوز.

стр. 4721

ورواه إسماعيل بن سعيد عن أحمد؛ لأنَّ في حديث زيد وسهل أنَّه رخص في العرية، مطلقاً، ثم استثنى ما زاد على الخمسة في حديث أبي هريرة، وشك في الخمسة فاستثنى اليقين، وبقي المشكوك فيه على مقتضى الإباحة. ولنا، أنَّ النبي ﷺ نهى عن المزابنة. والمزابنة: بيع الرطب بالتمر، ثم أرخص في العرية فيما دون خمسة أوسق، وشك في الخمسة، فيبقى على العموم في التحريم. ولأنَّ العرية رخصة بنيت على خلاف النص والقياس فيما دون الخمسة، والخمسة مشكوك فيها، فلا تثبت إباحتها مع الشك وروى ابن المنذر، بإسناده، أنَّ النبي ﷺ رخص في بيع العرية في الوسق والوسقين والثلاثة والأربعة. والتخصيص بهذا يدل على أنَّه لا تجوز الزيادة في العدد عليه، كما اتفقنا على أنَّه لا تجوز الزيادة على الخمسة؛ لتخصيصه إياها بالذكر. وروى مسلم عن سهل، أَنَّ رَسُوْلَ اللهِ ﷺ رخص في بيع العرية؛ النخلة والنخلتين» اهـ. ٢ - وظاهر الحديث يتناول تحريم الزيادة على ما دون خمسة أوسق سواء كان ذلك في صفقة واحدة أو صفقات، وهكذا سواء كان ذلك من بائع واحد أو أكثر، فالغرض أنَّه لا يجمع في ملكه أكثر من دون خمسة أوسق. وهذا هو الصحيح. قَالَ الْعَلَّامَةُ ابْنُ قُدَامَةَ ﵀ فِي [الْمُغْنِي] (٨/ ٩٦):

стр. 4722

«فصل: ولا يجوز أن يشتري أكثر من خمسة أوسق، فيما زاد على صفقة، سواء اشتراها من واحد أو من جماعة. وقال الشافعي: يجوز للإنسان بيع جميع ثمر حائطه عرايا، من رجل واحد، ومن رجال، في عقود متكررة؛ لعموم حديث زيد وسهل، ولأنَّ كل عقد جاز مرة، جاز أن يتكرر، كسائر البيوع. ولنا، عموم النهي عن المزابنة، استثنى منه العرية فيما دون خمسة أوسق، فما زاد يبقى على العموم في التحريم. ولأنَّ ما لا يجوز عليه العقد مرة إذا كان نوعاً واحداً، لا يجوز في عقدين، كالذي على وجه الأرض، وكالجمع بين الأختين، فأمَّا حديث سهل فإنَّه مقيد بالنخلة والنخلتين؛ بدليل ما روينا، فيدل على تحريم الزيادة عليهما، ثم إنَّ المطلق يحمل على المقيد كما في العقد الواحد» اهـ. قُلْتُ: أمَّا إذا نفذ ما عنده، وأراد أن يشتري غيره فله ذلك، وإنَّما الممنوع أن يجتمع عنده أكثر من دون خمسة أوسق. والله أعلم. ٣ - واحتج بعمومه من منع ذلك أيضاً في جانب البائع، والذي يظهر لي أنَّه يجوز للبائع أن يعقد لرجلين فأكثر، ما زاد على هذا المقدار، فإنَّ الغرض في هذه المعاملة سد حاجة المشتري على الصحيح، فللبائع الواحد أن يسد حاجة الجماعة من الرجال وإن تجاوزت هذا المقدار باعتبار المجموع. والله أعلم.

стр. 4723

قَالَ الْعَلَّامَةُ ابْنُ قُدَامَةَ ﵀ فِي [الْمُغْنِي] (٨/ ٩٦): «فأمَّا إن باع رجل عريتين من رجلين فيهما أكثر من خمسة أوسق جاز. وقال أبو بكر والقاضي: لا يجوز؛ لما ذكرنا في المشتري. ولنا أنَّ المغلب في التجويز حاجة المشتري» اهـ. قُلْتُ: لكن إن كانت الحاجة للبائع دون المشتري كأن يكون البائع محتاجاً للتمر وعنده رطب في النخيل وليس عنده ما يشتري به تمراً غير الرطب جاز له في دون خمسة أو سق وليس له أن يبيع من رجلين ما فيه خمسة أوسق أو أكثر. ٤ - وإذا كان الرطب قد قطع من النخيل فهل يجوز للمحتاجين أن يشتروا منه بما دون خمسة أوسق أو لا يجوز ذلك. المسألة فيها تردد، وذلك أنَّنا إذا نظرنا إلى أنَّ الغرر ومظنة الفضل في المكيل من الرطب أقل من المخروص على أصول النخيل قلنا بجواز ذلك بطريق الأولى. وإذا نظرنا إلى نهي النبي ﷺ عن بيع التمر بالرطب، قلنا: الأصل في ذلك الحرمة وإنَّما جاء الاستثناء في الرطب الذي في النخيل فإنَّه يتفكه به شيئاً فشيئاً، بخلاف ما قطع فهو عرضة للتلف. قُلْتُ: الأصل في ذلك المنع فلا يخرج عنه إلَّا بأمر بيِّن، أضف إلى ذلك أنِّي لم أقف على من قال بجواز ذلك. * * *

стр. 4724

٢٦٢ - عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ ﵄: أَنَّ رَسُوْلَ اللهِ ﷺ قَالَ: «مَنْ بَاعَ نَخْلًا قَدْ أُبِّرَتْ، فَثَمَرَتُهَا لِلْبَائِعِ، إِلَّا أَنْ يَشْتَرِطَ المُبْتَاعُ». وَلِ "مُسْلِمٍ": «وَمَنِ ابْتَاعَ عَبْدًا فَمَالُهُ لِلَّذِي بَاعَهُ، إِلَّا أَنْ يَشْتَرِطَ الْمُبْتَاعُ». قُلْتُ: الرواية التي عزاها المؤلف لمسلم رواها أيضاً البخاري (٢٣٧٩) ولفظ الحديث عنده: «مَنِ ابْتَاعَ نَخْلًا بَعْدَ أَنْ تُؤَبَّرَ، فَثَمَرَتُهَا لِلْبَائِعِ إِلَّا أَنْ يَشْتَرِطَ المُبْتَاعُ، وَمَنِ ابْتَاعَ عَبْدًا وَلَهُ مَالٌ، فَمَالُهُ لِلَّذِي بَاعَهُ، إِلَّا أَنْ يَشْتَرِطَ المُبْتَاعُ». قَالَ الْحِافِظُ ابْنُ حَجَرٍ ﵀ فِي [فَتْحِ الْبَارِي] (٥/ ٥١): «هكذا ثبتت قصة العبد في هذا الحديث في جميع نسخ البخاري وصنيع صاحب "العمدة" يقتضي أنَّها من أفراد مسلم فإنَّه أورده في باب العرايا فقال: عن عبد الله بن عمر فذكر من باع نخلاً ثم قال: ولمسلم "من ابتاع عبداً فماله للذي باعه إلا أن يشترط المبتاع". وكأنَّه لما نظر كتاب البيوع من البخاري فلم يجده فيه توهم أنَّها من أفراد مسلم. واعتذر الشارح ابن العطار عن صاحب "العمدة" فقال: هذه الزيادة أخرجها الشيخان من رواية سالم عن أبيه عن عمر. قال: فالمصنف لما نسب الحديث لابن عمر أحتاج أن ينسب الزيادة لمسلم وحده انتهى ملخصاً. وبالغ شيخنا ابن الملقن في الرد عليه لأنَّ الشيخين لم يذكرا في طريق سالم عمر بل هو عندهما جميعاً عن ابن عمر عن النَّبي ﷺ بغير واسطة عمر

стр. 4725

لكن مسلم والبخاري ذكراه في البيوع والشرب فتعين أنَّ سبب وهم المقدسي ما ذكرته» اهـ. وَفِي الْحَدِيْثِ مَسَائِلُ مِنْهَا: ١ - منطوق الحديث أنَّ من باع نخلاً قد أبرت فثمرتها للبائع، إلَّا أن يشترطها المبتاع. قَالَ الْحَافِظُ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِ ﵀ فِي [التَّمْهِيْدِ] (١٣/ ٢٩١): «الأبار عند أهل العلم في النخل التلقيح وهو أن يؤخذ شيء من طلع النخل فيدخل بين ظهراني طلع الإناث ومعنى ذلك في سائر الثمار ظهور الثمرة من التين وغيره حتى تكون الثمرة مرئية منظوراً إليها» اهـ. وَقَالَ الْحِافِظُ ابْنُ حَجَرٍ ﵀ فِي [فَتْحِ الْبَارِي] (٤/ ٤٠١): «وقوله: "أُبِرَت" بضم الهمزة وكسر الموحدة مخففاً على المشهور ومشدداً والراء مفتوحة» اهـ. قُلْتُ: هذا الحكم المذكور بالحديث مختص بما إذا تشقق طلعها، وإن لم يتم التلقيح بعد. قَالَ الْعَلَّامَةُ ابْنُ قُدَامَةَ ﵀ فِي [الْمُغْنِي] (٨/ ١٠٦): «والحكم متعلق بالظهور، دون نفس التلقيح، بغير اختلاف بين العلماء» اهـ. وقَالَ الْعَلَّامَةُ الْنَوَوِي ﵀ فِي [شَرْحِ مُسْلِمٍ] (٥/ ٣٦٠):

стр. 4726

«قال أهل اللغة: يقال: أبرت النخل أبرته أبراً بالتخفيف كأكلته أكلاً، وأبرته بالتشديد أأبره تأبيراً كعلمته أعلمه تعليماً، وهو أن يشق طلع النخلة ليدر فيه شيء من طلع ذكر النخل، والإبار هو شقه سواء حط فيه شيء أو لا. ولو تأبرت بنفسها أي تشققت فحكمها في البيع حكم المؤبرة بفعل الآدمي، هذا مذهبنا» اهـ. وَقَالَ الْحِافِظُ ابْنُ حَجَرٍ ﵀ فِي [فَتْحِ الْبَارِي] (٤/ ٤٠٢): «والتأبير التشقيق والتلقيح ومعناه شق طلع النخلة الأنثى ليذر فيه شيء من طلع النخلة الذكر والحكم مستمر بمجرد التشقيق ولو لم يضع فيه شيئاً» اهـ. قُلْتُ: وتلحق سائر الأشجار المثمرة بالنخيل، ولعلَّ النبي ﷺ اقتصر على ذكر النخيل لأنَّها غالب أشجار المدينة. والله أعلم. قَالَ الْعَلَّامَةُ ابْنُ قُدَامَةَ ﵀ فِي [الْمُغْنِي] (٨/ ١١٣ - ١١٤): «مسألة: قال: "وكذلك بيع الشجر إذا كان فيه ثمر باد". وجملة ذلك، أنَّ الشجر على خمسة أضرب: أحدها: ما يكون ثمره في أكمامه، ثم تتفتح الأكمام، فيظهر، كالنخل الذي وردت السنة فيه، وبينا حكمه، وهو الأصل، وما عداه مقيس عليه، وملحق به. ومن هذا الضرب؛ القطن، وما يقصد نوره؛ كالورد، والياسمين، والنرجس، والبنفسج، فإنَّه تظهر أكمامه ثم تتفتح، فيظهر، فهو كالطلع إن تفتح صجنبذه، فهو للبائع، وإلَّا فهو للمشتري.

стр. 4727

الثاني: ما تظهر ثمرته بارزة لا قشر عليها ولا نور، كالتين، والتوت، والجميز، فهنَّ للبائع؛ لأنَّ ظهورها من شجرها بمنزلة ظهور الطلع من قشره. الثالث: ما يظهر في قشره، ثم يبقى فيه إلى حين الأكل، كالرمان، والموز، فهو للبائع أيضاً بنفس الظهور؛ لأنَّ قشره من مصلحته، ويبقى فيه إلى حين الأكل، فهو كالتين. ولأنَّ قشره ينزل منزلة أجزائه؛ للزومه إياه، وكونه من مصلحته. الضرب الرابع: ما يظهر في قشرين، كالجوز، واللوز، فهو للبائع أيضاً بنفس الظهور؛ لأنَّ قشره لا يزول عنه غالباً، إلَّا بعد جزازه، فأشبه الضرب الذي قبله. ولأنَّ قشر اللوز يؤكل معه، فأشبه التين. وقال القاضي: إن تشقق القشر الأعلى فهو للبائع، وإن لم يتشقق فهو للمشتري، كالطلع. ولو اعتبر هذا لم يكن للبائع إلَّا نادراً، ولا يصح قياسه على الطلع؛ لأنَّ الطلع لا بد من تشققه، وتشققه من مصلحته، وهذا بخلافه، فإنَّه لا يتشقق على شجره، وتشققه قبل كماله يفسده. الخامس: ما يظهر نوره، ثم يتناثر، فتظهر الثمرة، كالتفاح، والمشمش، والإجاص، والخوخ. فإذا تفتح نوره، وظهرت الثمرة فيه، فهي للبائع، وإن لم تظهر، فهي للمشتري.

стр. 4728

وقيل: ما تناثر نوره، فهو للبائع، وما لا فهو للمشتري؛ لأنَّ الثمرة لا تظهر حتى يتناثر النور. وقال القاضي: يحتمل أن تكون للبائع بظهور نوره؛ لأنَّ الطلع إذا تشقق كان كنور الشجر، فإن العقد التي في جوف الطلع ليست عين الثمرة، وإنَّما هي أوعية لها، تكبر الثمرة في جوفها، وتظهر، فتصير العقدة في طرفها، وهي قمع الرطبة. وقول الخرقي يقتضي ما قلناه؛ لأنَّه علق استحقاق البائع لها بكون الثمر بادياً لا يبدو نوره. ولا يبدو الثمر حتى يتفتح نوره. وقد يبدو إذا كبر قبل أن ينثر النور، فتعلق ذلك بظهوره. والعنب بمنزلة ما له نور؛ لأنَّه يبدو في قطوفه شيء صغار كحب الدخن، ثم يتفتح، ويتناثر كتناثر النور، فيكون من هذا القسم. والله أعلم. وهذا يفارق الطلع؛ لأنَّ الذي في الطلع عين الثمرة ينمو ويتغير، والنور في هذه الثمار يتساقط، ويذهب، وتظهر الثمرة. ومذهب الشافعي في هذا الفصل جميعه كما ذكرنا هاهنا، أو قريباً منه، وبينهما اختلاف على حسب ما ذكرنا من الخلاف، أو قريباً منه» اهـ. قُلْتُ: وهذا كلام حسن. ٢ - مفهوم الحديث أنَّ من باع نخلاً لم تؤبر بعد فثمرتها للمشتري.

стр. 4729

قَالَ الْعَلَّامَةُ ابْنُ قُدَامَةَ ﵀ فِي [الْمُغْنِي] (٨/ ١٠٦): «وبهذا قال مالك، والليث، والشافعي. وقال ابن أبي ليلى: هي للمشتري في الحالين؛ لأنَّها متصلة بالأصل اتصال خلقة، فكانت تابعة له، كالأغصان. وقال أبو حنيفة، والأوزاعي: هي للبائع في الحالين» اهـ. ٣ - واحتج به من قال: ليس للبائع أن يشترط لنفسه الثمرة التي لم تؤبر بعد؛ لأنَّ مفهوم الحديث أنَّها للمشتري، وهذا مذهب مالك. وذهب الجمهور إلى جواز هذا الشرط، وهو الذي يظهر لي لأنَّه استثناء شيء معلوم، فلا محذور في منعه. والله أعلم. ٤ - واحتج به من قال بمنع اشتراط بعض الثمرة المؤبرة؛ لأنَّ الحديث إنَّما ورد في اشتراط الجميع، وليس فيه اشتراط البعض. قُلْتُ: وهذا تفريق ضعيف، والصحيح جواز ذلك. قَالَ الْحِافِظُ ابْنُ حَجَرٍ ﵀ فِي [فَتْحِ الْبَارِي] (٨/ ١٠٨ - ١٠٩): «قوله إلَّا أن يشترط المبتاع المراد بالمبتاع المشتري بقرينه الإشارة إلى البائع بقوله من باع وقد استدل بهذا الإطلاق على أنَّه يصح اشتراط بعض الثمرة كما يصح اشتراط جميعها وكأنَّه قال إلَّا أن يشترط المبتاع شيئاً من ذلك وهذه هي النكتة في حذف المفعول وانفرد ابن القاسم فقال: لا يجوز له شرط بعضها» اهـ.

стр. 4730

٥ - ظاهر الحديث أنَّ البائع إذا استحق الثمرة، أو اشترطها له أن يبقيها على الشجرة إلى وقت نضوجها، وأوان جزها. وهذا مذهب الجمهور، وخالف أبو حنيفة فأوجب قطعها وتفريغ النخل منها؛ لأنَّه مبيع مشغول بملك البائع، فلزم نقله وتفريغه. قَالَ الْعَلَّامَةُ ابْنُ قُدَامَةَ ﵀ فِي [الْمُغْنِي] (٨/ ١٠٩): «ولنا، أنَّ النقل والتفريغ للمبيع على حسب العرف والعادة، كما لو باع داراً فيها طعام، لم يجب نقله إلَّا على حسب العادة في ذلك، وهو أن ينقله نهاراً، شيئاً بعد شيء، ولا يلزمه النقل ليلاً، ولا جمع دواب البلد لنقله. كذلك هاهنا، يفرغ النخل من الثمرة في أوان تفريغها، وهو أوان جزازها، وقياسه حجة لنا؛ لما بيناه. إذا تقرر هذا، فالمرجع في جزه إلى ما جرت به العادة، فإذا كان المبيع نخلاً، فحين تتناهى حلاوة ثمره، إلَّا أن يكون مما بسره خير من رطبه، أو ما جرت العادة بأخذه بسراً، فإنَّه يجزه حين تستحكم حلاوة بسره؛ لأنَّ هذا هو العادة، فإذا استحكمت حلاوته، فعليه نقله. وإن قيل: بقاؤه في شجره خير له وأبقى؛ فعليه النقل؛ لأنَّ العادة في النقل قد حصلت، وليس له إبقاؤه بعد ذلك.
следующие страницы →