Полный текст (8 095 стр.). Показаны 4726–4765 · переход к 4731.
стр. 4726
«قال أهل اللغة: يقال: أبرت النخل أبرته أبراً بالتخفيف كأكلته أكلاً، وأبرته بالتشديد أأبره تأبيراً كعلمته أعلمه تعليماً، وهو أن يشق طلع النخلة ليدر فيه شيء من طلع ذكر النخل، والإبار هو شقه سواء حط فيه شيء أو لا. ولو تأبرت بنفسها أي تشققت فحكمها في البيع حكم المؤبرة بفعل الآدمي، هذا مذهبنا» اهـ.
وَقَالَ الْحِافِظُ ابْنُ حَجَرٍ ﵀ فِي [فَتْحِ الْبَارِي] (٤/ ٤٠٢):
«والتأبير التشقيق والتلقيح ومعناه شق طلع النخلة الأنثى ليذر فيه شيء من طلع النخلة الذكر والحكم مستمر بمجرد التشقيق ولو لم يضع فيه شيئاً» اهـ.
قُلْتُ: وتلحق سائر الأشجار المثمرة بالنخيل، ولعلَّ النبي ﷺ اقتصر على ذكر النخيل لأنَّها غالب أشجار المدينة. والله أعلم.
قَالَ الْعَلَّامَةُ ابْنُ قُدَامَةَ ﵀ فِي [الْمُغْنِي] (٨/ ١١٣ - ١١٤):
«مسألة: قال: "وكذلك بيع الشجر إذا كان فيه ثمر باد". وجملة ذلك، أنَّ الشجر على خمسة أضرب:
أحدها: ما يكون ثمره في أكمامه، ثم تتفتح الأكمام، فيظهر، كالنخل الذي وردت السنة فيه، وبينا حكمه، وهو الأصل، وما عداه مقيس عليه، وملحق به.
ومن هذا الضرب؛ القطن، وما يقصد نوره؛ كالورد، والياسمين، والنرجس، والبنفسج، فإنَّه تظهر أكمامه ثم تتفتح، فيظهر، فهو كالطلع إن تفتح صجنبذه، فهو للبائع، وإلَّا فهو للمشتري.
стр. 4727
الثاني: ما تظهر ثمرته بارزة لا قشر عليها ولا نور، كالتين، والتوت، والجميز، فهنَّ للبائع؛ لأنَّ ظهورها من شجرها بمنزلة ظهور الطلع من قشره.
الثالث: ما يظهر في قشره، ثم يبقى فيه إلى حين الأكل، كالرمان، والموز، فهو للبائع أيضاً بنفس الظهور؛ لأنَّ قشره من مصلحته، ويبقى فيه إلى حين الأكل، فهو كالتين.
ولأنَّ قشره ينزل منزلة أجزائه؛ للزومه إياه، وكونه من مصلحته.
الضرب الرابع: ما يظهر في قشرين، كالجوز، واللوز، فهو للبائع أيضاً بنفس الظهور؛ لأنَّ قشره لا يزول عنه غالباً، إلَّا بعد جزازه، فأشبه الضرب الذي قبله.
ولأنَّ قشر اللوز يؤكل معه، فأشبه التين.
وقال القاضي: إن تشقق القشر الأعلى فهو للبائع، وإن لم يتشقق فهو للمشتري، كالطلع.
ولو اعتبر هذا لم يكن للبائع إلَّا نادراً، ولا يصح قياسه على الطلع؛ لأنَّ الطلع لا بد من تشققه، وتشققه من مصلحته، وهذا بخلافه، فإنَّه لا يتشقق على شجره، وتشققه قبل كماله يفسده.
الخامس: ما يظهر نوره، ثم يتناثر، فتظهر الثمرة، كالتفاح، والمشمش، والإجاص، والخوخ.
فإذا تفتح نوره، وظهرت الثمرة فيه، فهي للبائع، وإن لم تظهر، فهي للمشتري.
стр. 4728
وقيل: ما تناثر نوره، فهو للبائع، وما لا فهو للمشتري؛ لأنَّ الثمرة لا تظهر حتى يتناثر النور.
وقال القاضي: يحتمل أن تكون للبائع بظهور نوره؛ لأنَّ الطلع إذا تشقق كان كنور الشجر، فإن العقد التي في جوف الطلع ليست عين الثمرة، وإنَّما هي أوعية لها، تكبر الثمرة في جوفها، وتظهر، فتصير العقدة في طرفها، وهي قمع الرطبة.
وقول الخرقي يقتضي ما قلناه؛ لأنَّه علق استحقاق البائع لها بكون الثمر بادياً لا يبدو نوره.
ولا يبدو الثمر حتى يتفتح نوره.
وقد يبدو إذا كبر قبل أن ينثر النور، فتعلق ذلك بظهوره.
والعنب بمنزلة ما له نور؛ لأنَّه يبدو في قطوفه شيء صغار كحب الدخن، ثم يتفتح، ويتناثر كتناثر النور، فيكون من هذا القسم. والله أعلم.
وهذا يفارق الطلع؛ لأنَّ الذي في الطلع عين الثمرة ينمو ويتغير، والنور في هذه الثمار يتساقط، ويذهب، وتظهر الثمرة.
ومذهب الشافعي في هذا الفصل جميعه كما ذكرنا هاهنا، أو قريباً منه، وبينهما اختلاف على حسب ما ذكرنا من الخلاف، أو قريباً منه» اهـ.
قُلْتُ: وهذا كلام حسن.
٢ - مفهوم الحديث أنَّ من باع نخلاً لم تؤبر بعد فثمرتها للمشتري.
стр. 4729
قَالَ الْعَلَّامَةُ ابْنُ قُدَامَةَ ﵀ فِي [الْمُغْنِي] (٨/ ١٠٦):
«وبهذا قال مالك، والليث، والشافعي.
وقال ابن أبي ليلى: هي للمشتري في الحالين؛ لأنَّها متصلة بالأصل اتصال خلقة، فكانت تابعة له، كالأغصان.
وقال أبو حنيفة، والأوزاعي: هي للبائع في الحالين» اهـ.
٣ - واحتج به من قال: ليس للبائع أن يشترط لنفسه الثمرة التي لم تؤبر بعد؛ لأنَّ مفهوم الحديث أنَّها للمشتري، وهذا مذهب مالك.
وذهب الجمهور إلى جواز هذا الشرط، وهو الذي يظهر لي لأنَّه استثناء شيء معلوم، فلا محذور في منعه. والله أعلم.
٤ - واحتج به من قال بمنع اشتراط بعض الثمرة المؤبرة؛ لأنَّ الحديث إنَّما ورد في اشتراط الجميع، وليس فيه اشتراط البعض.
قُلْتُ: وهذا تفريق ضعيف، والصحيح جواز ذلك.
قَالَ الْحِافِظُ ابْنُ حَجَرٍ ﵀ فِي [فَتْحِ الْبَارِي] (٨/ ١٠٨ - ١٠٩):
«قوله إلَّا أن يشترط المبتاع المراد بالمبتاع المشتري بقرينه الإشارة إلى البائع بقوله من باع وقد استدل بهذا الإطلاق على أنَّه يصح اشتراط بعض الثمرة كما يصح اشتراط جميعها وكأنَّه قال إلَّا أن يشترط المبتاع شيئاً من ذلك وهذه هي النكتة في حذف المفعول وانفرد ابن القاسم فقال: لا يجوز له شرط بعضها» اهـ.
стр. 4730
٥ - ظاهر الحديث أنَّ البائع إذا استحق الثمرة، أو اشترطها له أن يبقيها على الشجرة إلى وقت نضوجها، وأوان جزها. وهذا مذهب الجمهور، وخالف أبو حنيفة فأوجب قطعها وتفريغ النخل منها؛ لأنَّه مبيع مشغول بملك البائع، فلزم نقله وتفريغه.
قَالَ الْعَلَّامَةُ ابْنُ قُدَامَةَ ﵀ فِي [الْمُغْنِي] (٨/ ١٠٩):
«ولنا، أنَّ النقل والتفريغ للمبيع على حسب العرف والعادة، كما لو باع داراً فيها طعام، لم يجب نقله إلَّا على حسب العادة في ذلك، وهو أن ينقله نهاراً، شيئاً بعد شيء، ولا يلزمه النقل ليلاً، ولا جمع دواب البلد لنقله.
كذلك هاهنا، يفرغ النخل من الثمرة في أوان تفريغها، وهو أوان جزازها، وقياسه حجة لنا؛ لما بيناه.
إذا تقرر هذا، فالمرجع في جزه إلى ما جرت به العادة، فإذا كان المبيع نخلاً، فحين تتناهى حلاوة ثمره، إلَّا أن يكون مما بسره خير من رطبه، أو ما جرت العادة بأخذه بسراً، فإنَّه يجزه حين تستحكم حلاوة بسره؛ لأنَّ هذا هو العادة، فإذا استحكمت حلاوته، فعليه نقله.
وإن قيل: بقاؤه في شجره خير له وأبقى؛ فعليه النقل؛ لأنَّ العادة في النقل قد حصلت، وليس له إبقاؤه بعد ذلك.
стр. 4731
وإن كان المبيع عنباً، أو فاكهة سواه، فأخذه حين يتناهى إدراكه، وتستحكم حلاوته، ويجز مثله.
وهذا قول مالك، والشافعي» اهـ.
٦ - وظاهر الحديث أنَّه إذا أوبر البعض، ولم يؤبر البعض الآخر أنَّ المؤبر للباع، وما لم يؤبر فهو للمشتري، وهذا مذهب أحمد.
وذهب الشافعي ﵀ إلى أنَّ الجميع للبائع لأنَّا إذا لم نجعل الكل للبائع، أدى إلى الإضرار باشتراك الأيدي في البستان، فيجب أن يجعل ما لم يؤبر تبعاً لما أبر، كثمر النخلة الواحدة، فإنَّه لا خلاف في أنَّ تأبير بعض النخلة يجعل جميعها للبائع.
قُلْتُ: وهذا الذي يظهر لي أنَّه أرجح لما ذكره الإمام الشافعي ﵀، ولأنَّه أقطع لباب النزاع في ذلك. والله أعلم.
٧ - واحتج به من ذهب إلى أنَّ الحكم المذكور مختص بإناث النخل دون ذكوره. وذلك أنَّ التأبير الذي هو التلقيح إنَّما يكون لإناث النخيل دون ذكورها.
وفي هذه المسألة نزاع بين أهل العلم.
قَالَ الْعَلَّامَةُ ابْنُ قُدَامَةَ ﵀ فِي [الْمُغْنِي] (٨/ ١١١):
«فصل: وطلع الفحال كطلع الإناث.
وهو ظاهر كلام الشافعي ويحتمل أن يكون طلع الفحال للبائع قبل ظهوره؛ لأنَّه يؤخذ للأكل قبل ظهوره، فهو كثمرة لا تخلق إلَّا ظاهرة، كالتين، ويكون ظهور طلعه كظهور ثمرة غيره.
стр. 4732
ولنا، أنَّها ثمرة نخل إذا تركت ظهرت، فهي كالإناث، أو يدخل في عموم الخبر.
وما ذكر للوجه الآخر لا يصح؛ فإنَّ أكله ليس هو المقصود منه، وإنَّما يراد للتلقيح به، وهو يكون بعد ظهوره، فأشبه طلع الإناث» اهـ.
٨ - وفيه جواز بيع الثمرة قبل بدو صلاحها تبعاً لأصلها.
٩ - وفيه جواز التأبير.
١٠ - وفيه صحة الشروط التي لا تخالف الشرع.
١١ - منطوق الحديث أنَّ من باع عبداً وله مال فماله للبائع إلَّا أن يشترط المبتاع.
قَالَ الْعَلَّامَةُ ابْنُ قُدَامَةَ ﵀ فِي [الْمُغْنِي] (٨/ ٣١٤ - ٣١٥):
«قال الخرقي: إذا كان قصده للعبد لا للمال.
هذا منصوص أحمد، وهو قول الشافعي، وأبي ثور، وعثمان البتي.
ومعناه، أنَّه لا يقصد بالبيع شراء مال العبد، إنَّما يقصد بقاء المال لعبده، وإقراره في يده، فمتى كان كذلك، صح اشتراطه، ودخل في البيع به، سواء كان المال معلوماً أو مجهولاً، من جنس الثمن أو من غيره، عيناً كان أو ديناً، وسواء كان مثل الثمن أو أقل أو أكثر.
قال البتي: إذا باع عبداً بألف درهم، ومعه ألف درهم، فالبيع جائز إذا كانت رغبة المبتاع في العبد لا في الدراهم؛ وذلك لأنَّه دخل في البيع تبعاً غير مقصود، فأشبه أساسات الحيطان، والتمويه بالذهب في السقوف، فأمَّا إن كان المال
стр. 4733
مقصوداً بالشراء، جاز اشتراطه إذا وجدت فيه شرائط البيع، من العلم به، وأن لا يكون بينه وبين الثمن رباً، كما يعتبر ذلك في العينين المبيعتين؛ لأنَّه مبيع مقصود، فأشبه ما لو ضم إلى العبد عيناً أخرى وباعهما» اهـ.
وَقَالَ الْحِافِظُ ابْنُ حَجَرٍ ﵀ فِي [فَتْحِ الْبَارِي] (٥/ ٥١):
«ويؤخذ من مفهومه أنَّ من باع عبداً ومعه مال وشرطه المبتاع أنَّ البيع يصح لكن بشرط أن لا يكون المال ربوياً فلا يجوز بيع العبد ومعه دراهم بدراهم قاله الشافعي، وعن مالك لا يمنع لإطلاق الحديث وكأنَّ العقد إنَّما وقع على العبد خاصة والمال الذي معه لا مدخل له في العقد» اهـ.
قُلْتُ: وما ذهب إليه الإمام مالك ﵀ وغيره هو ظاهر الحديث.
والذي يظهر لي أنَّ الهبة والصدقة كالبيع في ذلك، وأمَّا العتق فالذي يظهر لي أنَّه ليس كالبيع، بل من أعتق عبداً فماله لمن أعتقه، إلَّا إذا اشترط ذلك المعتق قبل عتقه. والله أعلم.
١٢ - ويشمل الحديث الحلي الذي على الجارية المبيوعة، والثياب التي للزينة وغير ذلك.
قَالَ الْعَلَّامَةُ ابْنُ قُدَامَةَ ﵀ فِي [الْمُغْنِي] (٨/ ٣١٦):
«فصل: وما كان على العبد أو الجارية من الحلي، فهو بمنزلة ماله، على ما ذكرنا.
فأمَّا الثياب فقال أحمد: ما كان يلبسه عند البائع، فهو للمشتري، وإن كانت ثياباً يلبسها فوق ثيابه، أو شيئاً يزينه به، فهو للبائع، إلَّا أن يشترطه المبتاع.
стр. 4734
يعني أنَّ الثياب التي يلبسها عادة للخدمة والبذلة، تدخل في البيع، دون الثياب التي يتجمل بها؛ لأنَّ ثياب البذلة جرت العادة ببيعها معه، ولأنَّها تتعلق بها مصلحته وحاجته، إذ لا غناء له عنها، فجرت مجرى مفاتيح الدار، بخلاف ثياب الجمال، فإنَّها زيادة على العادة، ولا تتعلق بها حاجة العبد، وإنَّما يلبسها إياه لينفقه بها، وهذه حاجة السيد، لا حاجة العبد، ولم تجر العادة بالمسامحة فيها، فجرت مجرى الستور في الدار والدابة التي يركبه عليها، مع دخولها في الخبر، وبقائها على الأصل.
وقال ابن عمر: من باع وليدة، زينها بثياب، فللذي اشتراها ما عليها، إلَّا أن يشترطه الذي باعها.
وبه قال الحسن، والنخعي ولنا، الخبر الذي رواه ابن عمر.
ولأنَّ الثياب لم يتناولها لفظ البيع، ولا جرت العادة ببيعها معه، أشبه سائر مال البائع.
ولأنه زينة للمبيع، فأشبه ما لو زين الدار ببساط أو ستر» اهـ.
وقَالَ الْعَلَّامَةُ الْنَوَوِي ﵀ فِي [شَرْحِ مُسْلِمٍ] (٥/ ٣٦١):
«وفي هذا الحديث دليل للأصح عند أصحابنا أنَّه إذا باع العبد أو الجارية وعليه ثيابه لم تدخل في البيع بل تكون للبائع، إلَّا أن يشترطها المبتاع، لأنَّه مال في الجملة. وقال بعض أصحابنا: تدخل. وقال بعضهم: يدخل ساتر العورة فقط.
стр. 4735
والأصح أنَّه لا يدخل ساتر العورة ولا غيره لظاهر هذا الحديث، ولأنَّ اسم العبد لا يتناول الثياب والله أعلم» اهـ.
قُلْتُ: ما جرت العادة بدخوله في البيع فيدخل فيه، وليس من العادة أن يباع العبد ولا ثوب عليه يستر عورته. والله أعلم.
١٣ - وفي الحديث حجة لمذهب جماهير السلف في أنَّ العبد لا يملك شيئاً إذا لم يملكه سيده، إذ لو كان يملك لكان المال له على كل حال، ولما حل انتزاعه منه بحال لا للبائع ولا للمشتري.
١٤ - واحتج الظاهرية بقوله: «فَمَالُهُ». وبالرواية الأخرى التي عند البخاري (٢٣٧٩): «وَمَنِ ابْتَاعَ عَبْدًا وَلَهُ مَالٌ … ». على أنَّ العبد يملك باعتبار إضافة المال إليه في الرواية الأولى، وباعتبار أنَّ المال في قوله: "لُهُ". للتمليك.
واختلفوا هل يملك العبد بالتمليك، فذهب الشافعي في الجديد، وأحمد في إحدى الروايتين، وأبو حنيفة إلى أنَّه لا يملك بالتمليك، وقالوا: إضافة المال للعبد في هذا الحديث للاختصاص والانتفاع كما يقال: السرج للفرس، وذهب مالك، وأحمد في الرواية الأخرى، والشافعي في القديم إلى أنَّه يملك بالتمليك.
أقول: لو جعلنا العبد يملك مطلقاً لجعلناه وارثاً ومورِّثاً، وهذا خلاف ما تفق عليه العلماء من كونه لا يرث ولا يورَّث، ولو لم نجعله مالكاً بتمليك سيده له لما أبحنا له النكاح لأنَّه داخل في التمليك، وقد قال النَّبي ﷺ
стр. 4736
لبعض أصحابه: «اذْهَبْ فَقَدْ مَلَّكْتُكَهَا بِمَا مَعَكَ مِنَ القُرْآنِ». رواه البخاري (٥٠٣٠)، ومسلم (١٤٢٥) عن سهل بن سعد ﵁.
فالصحيح أنَّ العبد لا يملك ملكاً مطلقاً، وإنَّما يملك بتمليك سيده له ملكاً ناقصاً بحيث أنَّ لسيده أن يأخذ ما لديه من المال متى ما أراد. والله أعلم.
١٥ - وإذا قلنا بأنَّ العبد يملك مطلقاً، أو لا يملك إلَّا بالتمليك أبحنا له التسري وهذا هو الصحيح.
قَالَ الْعَلَّامَةُ ابْنُ الْقَيِّمِ ﵀ فِي [بَدَائِعِ الْفَوَائِدِ] (٤/ ٩٣٠):
«قال أحمد في رواية أبي طالب لا أعلم شيئاً يدفع قول ابن عباس وابن عمر وأحد عشر من التابعين منهم عطاء ومجاهد وأهل السنة وأهل المدينة على تسرى العبد فمن احتج بهذه الآية: ﴿وَالَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حَافِظُونَ (٥) إِلَّا عَلَى أَزْوَاجِهِمْ أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ﴾ وأي ملك للعبد فقد قال النَّبي ﷺ : "من اشترى عبداً وله مال فالمال للسيد"، جعل له مالاً هذا يقوي التسري.
وابن عباس وابن عمر أعلم بكتاب الله ممن احتج بهذه الآية لأنَّهم أصحاب رسول الله وانزل القرآن على رسول الله يعلمون فيما أنزل قالوا: يتسري العبد» اهـ.
وقَالَ الْحَافِظُ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِ ﵀ فِي [التَّمْهِيْدِ] (١٣/ ٢٩٦):
стр. 4737
«وقال مالك وأصحابه يملك ماله كما يملك عصمة نكاحه وجائز له التسري فيما ملك».
إلى أن قال ﵀ (١٣/ ٢٩٦):
«ومن الحجة لمالك أيضاً أنَّ عبد الله بن عمر كان يأذن لعبيده في التسري فيما بأيديهم ولا مخالف له من الصحابة» اهـ.
١٦ - ويحتج به لمن قال من أهل العلم بأنَّ على العبد زكاة في ماله؛ لأنَّه مالك له.
قُلْتُ: الصحيح أنَّه لا زكاة على العبد في ماله؛ لأنَّ ملكه للمال غير تام.
قَالَ الْعَلَّامَةُ ابْنُ قُدَامَةَ ﵀ فِي [الْمُغْنِي] (٥/ ١٦٩):
«مسألة: قال: "والصدقة لا تجب إلَّا على أحرار المسلمين"، وفي بعض النسخ: "إلَّا على الأحرار المسلمين".
ومعناهما واحد، وهو أنَّ الزكاة لا تجب إلَّا على حر مسلم تام الملك، وهو قول أكثر أهل العلم، ولا نعلم فيه خلافاً إلَّا عن عطاء وأبي ثور فإنَّهما قالا: على العبد زكاة ماله.
ولنا، أنَّ العبد ليس بتام الملك، فلم تلزمه زكاة، كالمكاتب» اهـ.
١٧ - قَالَ أَبُو زُرْعَةَ ابْنُ الْحَافِظِ الْعِرَاقِيِّ ﵀ فِي [طَرْحِ الْتَثْرِيْبِ] (٦/ ٣٥٥):
«استدل بقوله: إلَّا أن يشترط المبتاع بدون ضمير على أنَّه يصح أن يشترط المشتري بعض مال العبد إمَّا شيء معين، وإمَّا جزء من المال كالنصف والثلث
стр. 4738
ونحوهما كما تقدم نظيره في ثمرة النخل، وهو مقتضى مذهب الشافعي والجمهور، وقال به ابن حزم الظاهري. قال: ومنع من ذلك مالك وأبو سفيان وقالا: لا يجوز أن يشترط إلَّا الجميع أو يدع» اهـ.
* * *
стр. 4739
٢٦٣ - عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ ﵄: أَنَّ رَسُوْلَ اللهِ ﷺ قَالَ: «مَنِ ابْتَاعَ طَعَامًا، فَلَا يَبِعْهُ حَتَّى يَسْتَوْفِيَهُ».
وَفِي لَفْظٍ: «حَتَّى يَقْبِضَهُ». وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ مِثْلَهُ.
وَفِي الْحَدِيْثِ مَسَائِلُ مِنْهَا:
١ - النهي عن بيع الطعام قبل قبضه.
قَالَ الْعَلَّامَةُ ابْنُ الْقَيِّمِ ﵀ فِي [تَهْذِيْبِ السُّنَنِ] (٢/ ١٧٣):
«قال ابن المنذر: أجمع العلماء على أنَّ من اشترى طعاماً فليس له بيعه حتى يقبضه، وحكي ذلك عن غير واحد من أهل العلم إجماعاً. وأمَّا ما حكي عن عثمان البتي من جوازه فإن صح فلا يعتد به» اهـ.
قُلْتُ: وقد اختلف العلماء في المعنى الذي من أجله نهي عن ذلك، فقَالَ الْعَلَّامَةُ ابْنُ الْقَيِّمِ ﵀ فِي [تَهْذِيْبِ السُّنَنِ] (٢/ ١٨١ - ١٨٤):
«فصل: وقد ذكر للمنع من بيع ما لم يقبض علتان.
إحداهما: ضعف الملك لأنَّه لو تلف انفسخ البيع.
والثانية: أنَّ صحته تفضي إلى توالي الضمانين فإنَّا لو صححناه كان مضموناً للمشتري الأول على البائع الأول والمشتري الثاني على البائع الثاني فكيف يكون الشيء الواحد مضموناً لشخص مضموناً عليه؟ وهذان التعليلان غير مرضيين.
стр. 4740
أمَّا الأول، فيقال: ما تعنون بضعف الملك؟ هل عنيتم به أنَّه لو طرأ عليه سبب يوجب فسخه ينفسخ به، أو أمراً آخر؟ فإن عنيتم الأول فلم قلتم: إنَّه مانع من صحة البيع، وأي ملازمة بين الانفساخ بسبب طارئ، وبين عدم الصحة شرعاً أو عقلاً؟ وإن عنيتم بضعف الملك أمراً آخراً، فعليكم بيانه لننظر فيه.
وأمَّا التعليل الثاني: فكذلك أيضاً، ولا تظهر فيه مناسبة تقتضي الحكم، فإنَّ كون الشيء مضموناً على الشخص بجهة، ومضموناً له بجهة أخرى غير ممتنع شرعاً ولا عقلاً، ويكفي في رده أنَّه لا دليل على امتناعه، كيف وأنتم تجوزون للمستأجر إجارة ما استأجره، والمنفعة مضمونة له على المؤجر، وهي مضمونة عليه للمستأجر الثاني، وكذلك الثمار بعد بدو صلاحها إذا بيعت على أصولها، فهي مضمونة على البائع إذا احتاجت إلى سقي اتفاقاً. وإن تلفت بجائحة فهي مضمونة عليه وله. ولهذا لما رأى أبو المعالي الجويني ضعف هذين التعليلين قال: لا حاجة إلى ذلك، والمعتمد في بطلان البيع إنَّما هو الإخبار، فالشافعي يمنع التصرف في المبيع قبل قبضه، ويجعله من ضمان البائع مطلقاً، وهو رواية عن أحمد وأبي حنيفة كذلك إلَّا في العقار. وأمَّا مالك وأحمد في المشهور من مذهبه: فيقولان: ما يمكن المشتري من قبضه وهو المتعين بالعقد، فهو من ضمان المشتري، ومالك وأحمد يجوزان التصرف فيه، ويقولان: الممكن من القبض جار مجرى القبض على تفصيل في ذلك. فظاهر مذهب أحمد: أنَّ الناقل للضمان إلى
стр. 4741
المشتري، هو التمكن من القبض، لا نفسه وكذلك ظاهر مذهبه: أنَّ جواز التصرف فيه ليس ملازماً للضمان، ولا مبتنياً عليه، ومن ظن ذلك من أصحابه فقد وهم، فإنَّه يجوز التصرف حيث يكون من ضمان البائع، كما ذكرنا في الثمن ومنافع الإجارة، وبالعكس أيضاً، كما في الصبرة المعينة. وقد نص الخرقي على هذا وهذا فقال في المختصر: وإذا وقع المبيع على مكيل أو موزون أو معدود فتلف قبل قبضه. فهو من مال البائع. ثم قال: ومن اشترى ما يحتاج إلى بيعه لم يجز بيعه حتى يقبضه. ثم قال: ومن اشترى صبرة طعام لم يبعها حتى ينقلها. فالصبرة مضمونة على المشتري بالتمكن والتخلية اتفاقاً، ومع هذا لا يبيعها حتى يقبضها، وهذا منصوص أحمد.
فالمأخذ الصحيح في المسألة: أنَّ النهي معلل بعدم تمام الاستيلاء، وعدم انقطاع علاقة البائع عنه، فإنَّه يطمع في الفسخ والامتناع من الإقباض إذا رأى المشتري قد ربح فيه، ويغره الربح وتضيق عينه منه، وربما أفضى إلى التحيل على الفسخ ولو ظلماً، وإلى الخصام والمعاداة، والواقع شاهد بهذا. فمن محاسن الشريعة الكاملة الحكيمة: منع المشتري من التصرف فيه حتى يتم استيلاؤه عليه، وينقطع عن البائع، وينفطم عنه فلا يطمع في الفسخ والامتناع من الإقباض وهذا من المصالح التي لا يهملها الشارع، حتى إنَّ من لا خبرة له من التجار بالشرع يتحرى ذلك ويقصده، لما في ظنه من المصلحة، وسد باب المفسدة. وهذه العلة أقوى من تينك العلتين. وعلى هذا فإذا باعه قبل قبضه من بائعه جاز على الصحيح، لانتفاء هذه
стр. 4742
العلة. ومن علل النهي بتوالي الضمانين يمنع بيعه من بائعه لوجود العلة، فبيعه من بائعه يشبه الإقالة. والصحيح من القولين: جواز الإقالة قبل القبض، وإن قلنا: هي بيع. وعلى هذا خرج حديث ابن عمر في الاستبدال بثمن المبيع، والمصارفة عليه قبل قبضه، فإنَّه استبدال ومصارفة مع العاقد، لا مع غيره، والله أعلم» اهـ.
قُلْتُ: وقبض كل شيء بحسبه فالمكيل بكيله، والموزون بوزنه، والمعدود بعده، والمذروع بذرعه، وما بيع جزافاً فبنقله من مكانه إلى مكان لا علاقة للبائع فيه.
ويدل على ذلك ما رواه مسلم (١٥٢٥) عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : «مَنِ ابْتَاعَ طَعَامًا فَلَا يَبِعْهُ حَتَّى يَكْتَالَهُ».
وروى مسلم (١٥٢٨) عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَالَ: «مَنِ اشْتَرَى طَعَامًا فَلَا يَبِعْهُ حَتَّى يَكْتَالَهُ».
وروى ابن ماجة (٢٢٢٨) حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ مُحَمَّدٍ قَالَ: حَدَّثَنَا وَكِيعٌ، عَنِ ابْنِ أَبِي لَيْلَى، عَنْ أَبِي الزُّبَيْرِ، عَنْ جَابِرٍ، قَالَ: «نَهَى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَنْ بَيْعِ الطَّعَامِ حَتَّى يَجْرِيَ فِيهِ الصَّاعَانِ، صَاعُ الْبَائِعِ، وَصَاعُ الْمُشْتَرِي».
قُلْتُ: ابن أبي ليلى هو محمد بن عبد الرحمن بن أبي ليلى ضعيف الحديث، وأبي الزبير مدلس وقد عنعن.
ويشهد له ما رواه أحمد (٥٦٠، ٤٤٤)، وابن ماجة (٢٢٣٠) مِنْ طَرِيْقِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ لَهِيعَةَ، حَدَّثَنَا مُوسَى بْنُ وَرْدَانَ، قَالَ: سَمِعْتُ سَعِيدَ بْنَ الْمُسَيِّبِ، يَقُولُ: سَمِعْتُ
стр. 4743
عُثْمَانَ، يَخْطُبُ عَلَى الْمِنْبَرِ وَهُوَ يَقُولُ: كُنْتُ أَبْتَاعُ التَّمْرَ مِنْ بَطْنٍ مِنَ الْيَهُودِ يُقَالُ لَهُمْ بَنُو قَيْنُقَاعَ، فَأَبِيعُهُ بِرِبْحٍ، فَبَلَغَ ذَلِكَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ فَقَالَ: «يَا عُثْمَانُ إِذَا اشْتَرَيْتَ فَاكْتَلْ، وَإِذَا بِعْتَ فَكِلْ».
وفيه ابن لهيعة ضعيف الحديث لكنه حسن بما قبله، وقد روى الحديث البخاري معلقاً فقال: «وَيُذْكَرُ عَنْ عُثْمَانَ ﵁: أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ لَهُ: "إِذَا بِعْتَ فَكِلْ، وَإِذَا ابْتَعْتَ فَاكْتَلْ"» اهـ.
وجاء في الجزاف ما رواه البخاري (٦٨٥٢)، ومسلم (١٥٢٧) عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ: «أَنَّهُمْ كَانُوا يُضْرَبُونَ عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ إِذَا اشْتَرَوْا طَعَامًا جِزَافًا، أَنْ يَبِيعُوهُ فِي مَكَانِهِمْ، حَتَّى يُؤْوُوهُ إِلَى رِحَالِهِمْ».
قَالَ الْعَلَّامَةُ الْقُرْطُبِي ﵀ فِي [الْمُفْهِم] (١٤/ ٢٨):
«وقول ابن عمر ﵄: "كنا في زمن رسول الله ﷺ ، وفي عهد رسول الله ﷺ نبتاع الطعام، فيبعث علينا من يأمرنا بانتقاله"، وفي الأخرى: "جِزَافًا - وأنَّهم كانوا - يُضْرَبُون في أن يبيعوه حتى يؤووه إلى رحالهم"؛ دليل لمن سوَّى بين الجزاف في المكيل من الطعام في المنع من بيع ذلك حتى يقبض، ورأى: أنَّ قبض الجزاف نقلُه. وبه قال الكوفيون، والشافعي، وأبو ثور، وأحمد، وداود» اهـ.
قُلْتُ: وليس النقل إلى الرحال بشرط في ذلك، بل يكفيه أن ينقله إلى مكان لا علاقة للبائع فيه، ويدل عليه ما رواه مسلم (١٥٢٧) عَنِ ابْنِ عُمَرَ، قَالَ: «كُنَّا فِي
стр. 4744
زَمَانِ رَسُولِ اللهِ ﷺ نَبْتَاعُ الطَّعَامَ، فَيَبْعَثُ عَلَيْنَا مَنْ يَأْمُرُنَا بِانْتِقَالِهِ مِنَ الْمَكَانِ الَّذِي ابْتَعْنَاهُ فِيهِ، إِلَى مَكَانٍ سِوَاهُ، قَبْلَ أَنْ نَبِيعَهُ».
وَقَالَ الْعَلَّامَةُ ابْنُ قُدَامَةَ ﵀ فِي [الْمُغْنِي] (٨/ ٢٠٠):
«فصل: وقبض كل شيء بحسبه، فإن كان مكيلاً، أو موزوناً، بيع كيلاً، أو وزناً، فقبضه بكيله ووزنه.
وبهذا قال الشافعي، وقال أبو حنيفة: التخلية في ذلك قبض».
إلى أن قال ﵀ (٨/ ٢٠٠ - ٢٠١):
«وإن كان المبيع دراهم أو دنانير، فقبضها باليد. وإن كان ثياباً، فقبضها نقلها. وإن كان حيواناً، فقبضه تمشيته من مكانه. وإن كان مما لا ينقل ويحول، قبضه التخلية بينه وبين مشتريه لا حائل دونه.
وقد ذكره الخرقي في باب الرهن، فقال: إن كان مما ينقل، فقبضه أخذه إياه من راهنه منقولاً، وإن كان مما لا ينقل، فقبضه تخلية راهنه بينه وبين مرتهنه لا حائل دونه.
ولأنَّ القبض مطلق في الشرع، فيجب الرجوع فيه إلى العرف، كالإحراز، والتفرق. والعادة في قبض هذه الأشياء ما ذكرنا» اهـ.
٢ - واحتج به من قال أنَّ النهي عن بيع الطعام قبل قبضه مختص بالمطعوم دون غيره.
стр. 4745
وقد أجاب عن ذلك الْعَلَّامَةُ ابْنُ الْقَيِّمِ ﵀ فِي [تَهْذِيْبِ السُّنَنِ] (٢/ ١٧٥ - ١٧٦) فقال:
«الجواب الثاني: أنَّ اختصاص الطعام بالمنع هو مستفاد من مفهوم اللقب، وهو لو تجرد لم يكن حجة فكيف وقد عارضه عموم الأحاديث المصرحة بالمنع مطلقاً والقياس المذكور حتى لو لم ترد النصوص العامة لكان قياسه على الطعام دليلاً على المنع».
وَقَالَ ﵀ فِي [تَهْذِيْبِ السُّنَنِ] (٢/ ١٧٦ - ١٧٧):
«قال المخصصون للمنع: تعليق النهي عن ذلك الطعام يدل على أنَّه هو العلة، لأنَّ الحكم لو تعلق بالأعم لكان الأخص عديم التأثير، فكيف يكون المنع عاماً، فيعلقه الشارع بالخاص.
قال المعممون: لا تنافي بين الأمرين فإنَّ تعليق الحكم بعموم المبيعات مستقل بإفادة التعميم، وتعليقه بالخاص يحتمل أن يكون لاختصاص الحكم به فثبت التعارض ويحتمل أن يكون لغرض دعا إلى التعيين من غير اختصاص الحكم به، إمَّا لحاجة المخاطب، وإمَّا لأنَّ غالب التجارة حينئذ كانت بالمدينة فيه، فخرج ذكر الطعام مخرج الغالب فلا مفهوم له، وهذا هو الأظهر فإنَّ غالب تجارتهم بالمدينة كانت في الطعام، ومن عرف ما كان عليه القوم من سيرتهم عرف ذلك، فلم يكن ذكر الطعام لاختصاص الحكم به، ولو لم يكن ذلك هو الأظهر لكان
стр. 4746
محتملاً، فقد تعارض الاحتمالان، والأحاديث العامة لا معارض لها فتعين القول بموجبها» اهـ.
قُلْتُ: وقد ذكر العلامة ابن القيم ﵀ نزاع العلماء في ذلك فقال في [تَهْذِيْبِ السُّنَنِ] (٢/ ١٧٣ - ١٧٤):
«فأمَّا غير الطعام فاختلف فيه الفقهاء على أقوال عديدة.
أحدها: أنَّه يجوز بيعه قبل قبضه، مكيلاً كان أو موزوناً، وهذا مشهور مذهب مالك. واختاره أبو ثور وابن المنذر.
والثاني: أنَّه يجوز بيع الدور والأرض قبل قبضها، وما سوى العقار فلا يجوز بيعه قبل القبض، وهذا مذهب أبي حنيفة وأبي يوسف.
والثالث: ما كان مكيلاً أو موزوناً فلا يصح بيعه قبل القبض، سواء أكان مطعوماً أم لم يكن، وهذا يروى عن عثمان وهو مذهب ابن المسيب والحسن والحكم وحماد والأوزاعي وإسحاق، وهو المشهور من مذهب أحمد بن حنبل.
والرابع: أنَّه لا يجوز بيع شيء من المبيعات قبل قبضه بحال، وهذا مذهب ابن عباس ومحمد بن الحسن، وهو إحدى الروايات عن أحمد. وهذا القول هو الصحيح الذي نختاره» اهـ.
قُلْتُ: ومما يدل على أنَّ هذا الحكم غير مختص بالمطعوم، ولا بالمكيل أو الموزون ما رواه الطبراني في [الْكَبِيْرِ] (٣٠٣٨)، والبيهقي في [الْكُبْرَى] (١٠٤٦٦) مِنْ طَرِيْقِ
стр. 4747
شَيْبَانَ، عَنْ يَحْيَى بْنِ أَبِي كَثِيرٍ، عَنْ يَعْلَى بْنِ حَكِيمٍ، عَنْ يُوسُفَ بْنِ مَاهَكَ، عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ عِصْمَةَ، عَنْ حَكِيمِ بْنِ حِزَامٍ، قَالَ: قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللهِ، إِنِّي رَجُلٌ أَبْتَاعُ هَذِهِ الْبُيُوعَ وَأَبِيعُهَا، فَمَا يَحِلُّ لِي مِنْهَا، وَمَا يَحْرُمُ عَلَيَّ مِنْهَا؟ قَالَ: «لَا تَبِيعَنَّ شَيْئًا حَتَّى تَقْبِضَهُ».
ورواه النسائي (٤٦٠٢) مِنْ طَرِيْقِ عبد الله بن عصمة.
قُلْتُ: وعبد الله بن عصمة هذا مجهول الحال.
ويشهد له ما رواه أبو داود (٣٤٩٩) حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَوْفٍ الطَّائِيُّ، حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ خَالِدٍ الْوَهْبِيُّ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ إِسْحَاقَ، عَنْ أَبِي الزِّنَادِ، عَنْ عُبَيْدِ بْنِ حُنَيْنٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ، قَالَ: ابْتَعْتُ زَيْتًا فِي السُّوقِ، فَلَمَّا اسْتَوْجَبْتُهُ لِنَفْسِي، لَقِيَنِي رَجُلٌ فَأَعْطَانِي بِهِ رِبْحًا حَسَنًا، فَأَرَدْتُ أَنْ أَضْرِبَ عَلَى يَدِهِ، فَأَخَذَ رَجُلٌ مِنْ خَلْفِي بِذِرَاعِي فَالْتَفَتُّ، فَإِذَا زَيْدُ بْنُ ثَابِتٍ، فَقَالَ: لَا تَبِعْهُ حَيْثُ ابْتَعْتَهُ، حَتَّى تَحُوزَهُ إِلَى رَحْلِكَ، «فَإِنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ نَهَى أَنْ تُبَاعَ السِّلَعُ حَيْثُ تُبْتَاعُ، حَتَّى يَحُوزَهَا التُّجَّارُ إِلَى رِحَالِهِمْ».
قُلْتُ: وفيه عنعنة ابن إسحاق، لكنه صرَّح بالتحديث عند أحمد (٢١٧١٢) فَالْحَدِيْثُ حَسَنٌ.
وروى البخاري (٢١٣٥) عَنِ ابْنَ عَبَّاسٍ ﵄، قَالَ: «أَمَّا الَّذِي نَهَى عَنْهُ النَّبِيُّ ﷺ فَهُوَ الطَّعَامُ أَنْ يُبَاعَ حَتَّى يُقْبَضَ»، قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: «وَلَا أَحْسِبُ كُلَّ شَيْءٍ إِلَّا مِثْلَهُ».
стр. 4748
ولفظ مسلم (١٥٢٥) عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : «مَنِ ابْتَاعَ طَعَامًا فَلَا يَبِعْهُ حَتَّى يَقْبِضَهُ»، قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: «وَأَحْسِبُ كُلَّ شَيْءٍ بِمَنْزِلَةِ الطَّعَامِ».
٣ - وهذا الحكم مختص بالبيع كما هو ظاهر الحديث، وأمَّا سائر التصرفات كالهبة، والصدقة، والعتق، والإقالة، والوقف، والشركة فكلها جائزة على الصحيح.
قَالَ شَيْخُ الْإِسْلَامِ ابْنُ تَيْمِيَّةَ ﵀ كَمَا فِي [الْفَتَاوَى الْكُبْرَى] (٥/ ٣٩١):
«وَكُلُّ مَا مُلِكَ بِعَقْدٍ سِوَى الْبَيْعِ فَإِنَّهُ يَجُوزُ التَّصَرُّفُ فِيهِ قَبْلَ قَبْضِهِ بِالْبَيْعِ وَغَيْرِهِ لِعَدَمِ قَصْدِ الرِّبْحِ، وَإِذَا تَعَيَّنَ مِلْكُ إنْسَانٍ فِي مَوْرُوثٍ أَوْ وَصِيَّةٍ أَوْ غَنِيمَةٍ لَمْ يُعْتَبَرْ لِصِحَّةِ تَصَرُّفِهِ قَبْضُهُ بِلَا خِلَافٍ» اهـ.
وقد روى عبد الرزاق في [مُصَنَّفِهِ] (١٤٢٥٧) قَالَ: أَخْبَرَنَا مَعْمَرٌ، عَنْ رَبِيعَةَ، عَنِ ابْنِ الْمُسَيِّبِ، أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: «التَّوْلِيَةُ، وَالْإِقَالَةُ، وَالشِّرْكَةُ سَوَاءٌ لَا بَأْسَ بِهِ».
وَأَمَّا ابْنُ جُرَيْجٍ فَقَالَ: أَخْبَرَنِي رَبِيعَةُ بْنُ أَبِي عَبْدِ الرَّحْمَنِ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ حَدِيثًا مُسْتَفَاضًا بِالْمَدِينَةِ قَالَ: «مَنِ ابْتَاعَ طَعَامًا فَلَا يَبِعْهُ حَتَّى يَقْبِضَهُ وَيَسْتَوْفِيَهُ إِلَّا أَنْ يُشْرَكَ فِيهِ أَوْ يُوَلِّيَهُ أَوْ يُقِيلَهُ».
قُلْتُ: هَذَا مُرْسَلٌ صَحِيْحٌ إِلَى ابْنِ الْمُسَّيَبِ، ويعضده مرسل ربيعه.
стр. 4749
وقد جاء في الهبة قبل قبضها ما رواه البخاري (٢١١٥) عَنِ ابْنِ عُمَرَ ﵄، قَالَ: كُنَّا مَعَ النَّبِيِّ ﷺ فِي سَفَرٍ، فَكُنْتُ عَلَى بَكْرٍ صَعْبٍ لِعُمَرَ، فَكَانَ يَغْلِبُنِي، فَيَتَقَدَّمُ أَمَامَ القَوْمِ، فَيَزْجُرُهُ عُمَرُ وَيَرُدُّهُ، ثُمَّ يَتَقَدَّمُ، فَيَزْجُرُهُ عُمَرُ وَيَرُدُّهُ، فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ لِعُمَرَ: «بِعْنِيهِ»، قَالَ: هُوَ لَكَ يَا رَسُولَ اللَّهِ، قَالَ: «بِعْنِيهِ» فَبَاعَهُ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ، فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ : «هُوَ لَكَ يَا عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عُمَرَ، تَصْنَعُ بِهِ مَا شِئْتَ».
قَالَ فِي [طَرْحِ الْتَثْرِيْبِ] (٦/ ٣٣٨): «الذي في الحديث منع البيع قبل القبض وليس فيه تعرض لغيره من التصرفات، وقد اختلف العلماء في ذلك على أقوال:
أحدها: قصر ذلك على البيع وتجويز غيره من التصرفات قبل القبض قاله ابن حزم الظاهري قال: والشركة والتولية والإقالة كلها بيوع مبتدأة لا يجوز في شيء منها إلَّا ما يجوز في سائر البيوع.
القول الثاني: أنَّ سائر التصرفات في المنع قبل القبض كالبيع، وهذا هو الذي فهمته من مذهب الحنابلة لإطلاق ابن تيمية في المحرر التصرف من غير استثناء شيء منه.
القول الثالث: طرد المنع في كل معاوضة فيها حق توفية من كيل أو شبهه بخلاف القرض والهبة والصدقة، وهذا مذهب مالك وأرخص في الإقالة والتولية والشركة مع كونها معاوضات فيها حق توفية».
إلى أن قال ﵀ (٦/ ٣٣٩):
стр. 4750
«القول الرابع: المنع من سائر التصرفات كالبيع إلَّا العتق، والاستيلاد، والتزويج، والقسمة؛ هذا حاصل الفتوى في مذهب الشافعي مع الخلاف في أكثر الصور.
وأمَّا الوقف فقال المتولي في "التتمة": إن قلنا إنَّ الوقف يفتقر إلى القبول فهو كالبيع، وإلَّا فهو كالإعتاق وبه قطع الماوردي في "الحاوي" وقال: يصير قابضاً حتى لو لم يرفع البائع يده عنه صار مضموناً عليه بالقيمة فمن قصر المنع على البيع اقتصر على مورد النص ومن عداه إلى غيره فبالقياس وذلك متوقف على فهم العلة في ذلك ووجودها في الفرع المقيس والله أعلم» اهـ.
٤ - ويختص هذا الحديث بما تملكه الإنسان عن طريق البيع، فلا يبعه حتى يقبضه، وأمَّا ما تملكه عن غير البيع كالميراث، والوصية، وقسمة الغنائم، والهبة، والصدقة فيجوز بيعه قبل قبضه فإنَّ لفظ الحديث وعلته لا تتناول هذه الصور. والله أعلم.
وهذا لا خلاف فيه كما سبق في كلام شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀.
٥ - واحتج به على تحريم بيع الصكاك.
وقد روى مسلم (١٥٢٨) عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، أَنَّهُ قَالَ لِمَرْوَانَ: أَحْلَلْتَ بَيْعَ الرِّبَا، فَقَالَ مَرْوَانُ: مَا فَعَلْتُ؟ فَقَالَ أَبُو هُرَيْرَةَ: «أَحْلَلْتَ بَيْعَ الصِّكَاكِ، وَقَدْ نَهَى رَسُولُ اللهِ ﷺ عَنْ بَيْعِ الطَّعَامِ حَتَّى يُسْتَوْفَى»، قَالَ: فَخَطَبَ مَرْوَانُ النَّاسَ، «فَنَهَى عَنْ بَيْعِهَا»، قَالَ سُلَيْمَانُ: فَنَظَرْتُ إِلَى حَرَسٍ يَأْخُذُونَهَا مِنْ أَيْدِي النَّاسِ.
قَالَ الْعَلَّامَةُ الْقُرْطُبِي ﵀ فِي [الْمُفْهِم] (١٤/ ٢٩ - ٣٠):
стр. 4751
«و"الصكوك": جمع صَك. وهي: التواقيع السُّلطانية بالأرزاق. وهذا البيع الذي أنكره أبو هريرة للصُّكوك إنَّما هو بيع من اشتراه من رزقه، لا بيع من رزقه؛ لأنَّ الذي رزقه وصل إليه الطعام على جهة العطاء، لا المعاوضة. ودليل ذلك ما ذكره مالك في "الموطأ"، قال: إنَّ صكوك الجار خرجت للناس في زمن مروان من طعام الجار، فتبايع الناس تلك الصكوك بينهم قبل أن يستوفوها، وذكر الحديث في "الموطأ" أيضًا: أنَّ حكيم بن حزام ابتاع طعامًا أمر به عمر للناس، فباع حكيم الطعام حتى يستوفيه، فبلغ ذلك عمر، فردَّه، وقال: لا تبع طعامًا ابتعته قبل أن تستوفيه.
إن قيل: فما في "الموطأ" يدل على فسخ البيعين: بيع المعطى له، وبيع المشترى منه؛ إذ فيه: أنَّ مروان بعث الحرس لينتزعوا الصكوك من أيدي الناس، ولم يفرق. فالجواب ما قد بينه بتمام الحديث، حيث قال: ويردُّونها إلى من ابتاعها. وكذلك فعل عمر بحكيم، فإنَّه ردَّ الطعام عليه؛ لأنَّه هو الذي كان اشتراه من الذي أعطيه، فباعه قبل أن يستوفيه كما قد نصَّ عليه فيه. والجار موضع معروف بالسَّاحل كان يجتمع فيه الطعام فيُرزق الناس منه» اهـ.
وقَالَ الْعَلَّامَةُ الْنَوَوِي ﵀ فِي [شَرْحِ مُسْلِمٍ] (٥/ ٣٣٣):
«وقد اختلف العلماء في ذلك؛ والأصح عند أصحابنا وغيرهم جواز بيعها؛ والثاني: منعها فمن منعها أخذ بظاهر قول أبي هريرة وبحجته ومن أجازها تأول قضية أبي هريرة على أنَّ المشتري ممن خرج له الصك باعه لثالث، قبل أن يقبضه
стр. 4752
المشتري فكان النهي عن البيع الثاني لا عن الأول، لأنَّ الذي خرجت له مالك لذلك ملكاً مستقراً وليس هو بمشتر فلا يمتنع بيعه قبل القبض، كما لا يمتنع بيعه ما ورثه قبل قبضه، قال القاضي عياض بعد أن تأوله على نحو ما ذكرته: وكانوا يتبايعونها ثم يبيعها المشترون قبل قبضها فنهوا عن ذلك، قال: فبلغ ذلك عمر بن الخطاب فرده عليه وقال: لا تبع طعاماً ابتعه حتى تستوفيه. انتهى هذا تمام الحديث في "الموطأ". وكذا جاء الحديث مفسراً في "الموطأ" أنَّ صكوكاً خرجت للناس في زمن مروان بطعام فتبايع الناس تلك الصكوك قبل أن يستوفوها، وفي "الموطأ" ما هو أبين من هذا، وهو أنَّ حكيم بن حزام ابتاع طعاماً أمر به عمر بن الخطاب ﵁ فباع حكيم الطعام الذي اشتراه قبل قبضه. والله أعلم» اهـ.
* * *
стр. 4753
٢٦٤ - عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ ﵄ أَنَّهُ سَمِعَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ عَامَ الْفَتْحِ:
«إنَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ حَرَّمَ بَيْعَ الْخَمْرِ وَالْمَيْتَةِ وَالْخِنْزِيرِ وَالأَصْنَامِ».
فَقِيلَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، أَرَأَيْتَ شُحُومَ الْمَيْتَةِ؟ فَإِنَّهُ يُطْلَى بِهَا السُّفُنُ، وَيُدْهَنُ بِهَا الْجُلُودُ. وَيَسْتَصْبِحُ بِهَا النَّاسُ. فَقَالَ: «لا، هُوَ حَرَامٌ».
ثُمَّ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ عِنْدَ ذَلِكَ: «قَاتَلَ اللَّهُ الْيَهُودَ. إنَّ اللَّهَ لَمَّا حَرَّمَ عَلَيْهِمْ شُحُومَهَا، جَمَلُوهُ ثُمَّ بَاعُوهُ فَأَكَلُوا ثَمَنَهُ».
جَمَلُوهُ: أَذَابُوهُ.
وَفِي الْحَدِيْثِ مَسَائِلُ مِنْهَا:
١ - إضافة العام إلى أهم الحوادث الحاصلة فيه.
٢ - ترك النبي ﷺ الجمع في الخطاب بينه وبين ربه في ضمير واحد، فلم يقل: حرما بضمير التثنية.
قُلْتُ: والجمع بين الله ورسوله في ضمير واحد جائز، كما تدل على ذلك عدة أحاديث من ذلك ما رواه البخاري (١٦)، ومسلم (٤٣) عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ ﵁، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «ثَلَاثٌ مَنْ كُنَّ فِيهِ وَجَدَ حَلَاوَةَ الإِيمَانِ: أَنْ يَكُونَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَحَبَّ إِلَيْهِ مِمَّا سِوَاهُمَا … ». الحديث.
стр. 4754
وقال الله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ﴾ [الأحزاب: ٥٦].
قُلْتُ: ويمكن أن يقال: لما كان النبي ﷺ لا يحرم إلَّا ما حرم الله استقام إفراد الضمير، ومثيل هذا الحديث قول الله : ﴿وَاللَّهُ وَرَسُولُهُ أَحَقُّ أَنْ يُرْضُوهُ إِنْ كَانُوا مُؤْمِنِينَ﴾ [التوبة: ٦٢].
قَالَ شَيْخُ الْإِسْلَامِ ابْنُ تَيْمِيَّةَ ﵀ فِي [مِنْهَاجِ السُّنَّةِ النَّبَوِيَّةِ] (٨/ ٤٩١ - ٤٩٣): «فلما كان إرضاؤهما لا يحصل أحدهما إلَّا مع الآخر وهما يحصلان بشيء واحد والمقصود بالقصد الأول إرضاء الله وإرضاء الرسول تابع وحد الضمير في قوله: ﴿أَحَقُّ أَنْ يُرْضُوهُ﴾ وكذلك وحد الضمير في قوله: ﴿فَأَنْزَلَ اللَّهُ سَكِينَتَهُ عَلَيْهِ وَأَيَّدَهُ بِجُنُودٍ لَمْ تَرَوْهَا﴾، لأنَّ نزول ذلك على أحدهما يستلزم مشاركة الآخر له إذ محال أن ينزل ذلك على الصاحب دون المصحوب أو على المصحوب دون الصاحب الملازم فلما كان لا يحصل ذلك إلَّا مع الآخر وحد الضمير وأعاده إلى الرسول فإنَّه هو المقصود والصاحب تابع له ولو قيل فأنزل السكينة عليهما وأيدهما لأوهم أنَّ أبا بكر شريك في النبوة كهارون مع موسى حيث قال: ﴿سَنَشُدُّ عَضُدَكَ بِأَخِيكَ وَنَجْعَلُ لَكُمَا سُلْطَانًا﴾. وقال: ﴿وَلَقَدْ مَنَنَّا عَلَى مُوسَى وَهَارُونَ (١١٤) وَنَجَّيْنَاهُمَا وَقَوْمَهُمَا مِنَ الْكَرْبِ الْعَظِيمِ (١١٥) وَنَصَرْنَاهُمْ فَكَانُوا هُمُ الْغَالِبِينَ (١١٦) وَآتَيْنَاهُمَا الْكِتَابَ الْمُسْتَبِينَ (١١٧) وَهَدَيْنَاهُمَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ﴾. فذكرهما أولاً وقومهما فيما يشركونهما فيه كما قال:
стр. 4755
﴿فَأَنْزَلَ اللَّهُ سَكِينَتَهُ عَلَى رَسُولِهِ وَعَلَى الْمُؤْمِنِينَ﴾. إذا ليس في الكلام ما يقتضي حصول النجاة والنصر لقومهما إذا نصرا ونجيا ثم فيما يختص بهما ذكرهما بلفظ التثنية إذا كانا شريكين في النبوة لم يفرد موسى كما أفرد الرب نفسه بقوله: ﴿وَاللَّهُ وَرَسُولُهُ أَحَقُّ أَنْ يُرْضُوهُ﴾. وقوله: ﴿أَحَبَّ إِلَيْكُمْ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَجِهَادٍ فِي سَبِيلِهِ﴾. فلو قيل: أنزل الله سكينته عليهما وأيدهما لأوهم الشركة بل عاد الضمير إلى الرسول المتبوع وتأييده تأييد لصاحبه التابع له الملازم بطريق الضرورة، ولهذا لم يُنصر النبي ﷺ قط في موطن إلَّا كان أبو بكر ﵁ أعظم المنصورين بعده ولم يكن أحد من الصحابة أعظم يقيناً وثباتاً في المخاوف منه» اهـ.
وَقَالَ الْعَلَّامَةُ ابْنُ الْقَيِّمِ ﵀ فِي [بَدَائِعِ الْفَوَائِدِ] (٣/ ٥٤١):
«المعنى والله أحق أن يرضوه ورسوله كذلك فاستغنى بإعادة الضمير إلى الله إذ إرضاؤه هو إرضاء رسوله فلم يحتج أن يقول يرضوهما» اهـ.
٣ - وفي الحديث تحريم بيع الخمر.
قَالَ الْعَلَّامَةُ ابْنُ الْقَيِّمِ ﵀ فِي [زَادِ الْمَعَادِ] (٥/ ٧٤٧ - ٧٤٨):
«فأمَّا تحريم بيع الخمر، فيدخل فيه تحريم بيع كل مسكر، مائعاً كان، أو جامداً، عصيراً، أو مطبوخاً، فيدخل فيه عصير العنب، وخمر الزبيب، والتمر، والذرة، والشعير، والعسل والحنطة، واللقمة الملعونة، لقمة الفسق والقلب التي تحرك
стр. 4756
القلب الساكن إلى أخبث الأماكن، فإنَّ هذا كله خمر بنص رسول الله ﷺ الصحيح الصريح الذي لا مطعن في سنده، ولا إجمال في متنه، إذ صح عنه قوله: "كل مسكر خمر".
وصح عن أصحابه ﵃ الذين هم أعلم الأمة بخطابه ومراده: أنَّ الخمر ما خامر العقل، فدخول هذه الأنواع تحت اسم الخمر، كدخول جميع أنواع الذهب والفضة، والبر والشعير، والتمر والزبيب، تحت قوله: "لا تبيعوا الذهب بالذهب، والفضة بالفضة، والبر بالبر، والشعير بالشعير، والتمر، والملح بالملح إلا مثلا بمثل".
فكما لا يجوز إخراج صنف من هذه الأصناف عن تناول اسمه له، فهكذا لا يجوز إخراج صنف من أصناف المسكر عن اسم الخمر، فإنَّه يتضمن محذورين.
أحدهما: أن يخرج من كلامه ما قصد دخوله فيه.
والثاني: أن يشرع لذلك النوع الذي أخرج حكم غير حكمه، فيكون تغييراً لألفاظ الشارع ومعانيه، فإنَّه إذا سمى ذلك النوع بغير الاسم الذي سماه به الشارع، أزال عنه حكم ذلك المسمى، وأعطاه حكماً آخر. ولما علم النَّبي ﷺ أنَّ من أمته من يبتلى بهذا، كما قال: "ليشربن ناس من أمتي الخمر يسمونها بغير اسمها". قضى قضية كلية عامة لا يتطرق إليها إجمال، ولا احتمال، بل هي شافية كافية، فقال: "كل مسكر خمر"، هذا ولو أنَّ أبا عبيدة، والخليل
стр. 4757
وأضرابهما من أئمة اللغة ذكروا هذه الكلمة هكذا، لقالوا: قد نص أئمة اللغة على أنَّ كل مسكر خمر، وقولهم حجة» اهـ.
قُلْتُ: وسيأتي الكلام على سائر الأحكام المتعلقة بالخمر بمشيئة الله في كتاب الحدود، والأشربة.
٤ - أنَّ النهي عن بيع الخمر يشمل من باشر بيعها، أو وكل ذمياً في بيعها خلافاً لأبي حنيفة.
قَالَ الْعَلَّامَةُ ابْنُ قُدَامَةَ ﵀ فِي [الْمُغْنِي] (٨/ ٤١٦):
«فصل: ولا يجوز بيع الخمر، ولا التوكيل في بيعه، ولا شراؤه.
قال ابن المنذر أجمع أهل العلم على أنَّ بيع الخمر غير جائز.
وقال أبو حنيفة: يجوز للمسلم أن يوكل ذمياً في بيعها وشرائها» اهـ.
٥ - وفيه تحريم بيع الميتة.
قَالَ الْعَلَّامَةُ ابْنُ الْقَيِّمِ ﵀ فِي [زَادِ الْمَعَادِ] (٥/ ٧٤٩):
«وأمَّا تحريم بيع الميتة، فيدخل فيه كل ما يسمى ميتة، سواء مات حتف أنفه، أو ذكى ذكاة لا تفيد حله. ويدخل فيه أبعاضها أيضاً» اهـ.
٦ - واحتج به من أدخل شعور الميتة، وريشها، ووبرها، وصوفها في حرمة بيعها.
قُلْتُ: الصحيح من أقوال العلماء أنَّه لا يدخل في تحريم بيع الميتة بيع شعرها ووبرها وصوفها وريشها.
قَالَ الْعَلَّامَةُ ابْنُ الْقَيِّمِ ﵀ فِي [زَادِ الْمَعَادِ] (٥/ ٧٥٣ - ٧٥٤):
стр. 4758
«ويدخل في تحريم بيع الميتة بيع أجزائها التي تحلها الحياة، وتفارقها بالموت، كاللحم والشحم والعصب، وأمَّا الشعر والوبر والصوف، فلا يدخل في ذلك، لأنَّه ليس بميتة، ولا تحله الحياة. وكذلك قال جمهور أهل العلم: إنَّ شعور الميتة وأصوافها وأوبارها طاهرة إذا كانت من حيوان طاهر، هذا مذهب مالك وأبي حنيفة وأحمد بن حنبل، والليث، والأوزاعي، والثوري، وداود، وابن المنذر، والمزني، ومن التابعين: الحسن، وابن سيرين، وأصحاب عبد الله بن مسعود، وانفرد الشافعي بالقول بنجاستها … » اهـ.
وقال ﵀ (٥/ ٧٥٥) في تقرير حجج المطهرين:
«قالوا: ولأنَّه لو أخذ حال الحياة، لكان طاهراً فلم ينجس بالموت كالبيض، وعكسه الأعضاء.
قالوا: ولأنَّه لما لم ينجس بجزه في حال حياة الحيوان بالإجماع دل على أنَّه ليس جزءاً من الحيوان، وأنَّه لا روح فيه؛ لأنَّ النبي ﷺ قال: "ما أبين من حي، فهو ميتة"، رواه أهل السنن.
ولأنَّه لا يتألم بأخذه، ولا يحس بمسه، وذلك دليل عدم الحياة فيه، وأمَّا النماء، فلا يدل على الحياة والحيوانية التي يتنجس الحيوان بمفارقتها، فإنَّ مجرد النماء لو دل على الحياة، ونجس المحل بمفارقة هذه الحياة، لتنجس الزرع بيبسه، لمفارقة حياة النمو والاغتذاء له.
стр. 4759
قالوا: فالحياة نوعان: حياة حس وحركة، وحياة نمو واغتذاء، فالأولى: هي التي يؤثر فقدها في طهارة الحي دون الثانية.
قالوا: واللحم إنَّما ينجس لاحتقان الرطوبات والفضلات الخبيثة فيه، والشعور والأصواف بريئة من ذلك» اهـ.
وَقَالَ شَيْخُهُ شَيْخُ الْإِسْلَامِ ابْنُ تَيْمِيَّةَ ﵀ كَمَا فِي [مَجْمُوْعِ الْفَتَاوَى] (٢١/ ٩٧ - ٩٨):
«والثالث: أنَّ الجميع طاهر. كقول أبي حنيفة؛ وهو قول في مذهب مالك وأحمد. وهذا القول هو الصواب؛ وذلك لأنَّ الأصل فيها الطهارة؛ ولا دليل على النجاسة. وأيضاً فإنَّ هذه الأعيان هي من الطيبات ليست من الخبائث فتدخل في آية التحليل؛ وذلك لأنَّها لم تدخل فيما حرمه الله من الخبائث لا لفظاً ولا معنى؛ فإنَّ الله تعالى حرم الميتة وهذه الأعيان لا تدخل فيما حرمه الله لا لفظاً ولا معنى: أمَّا اللفظ فلأنَّ قوله تعالى: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ﴾، لا يدخل فيها الشعور وما أشبهها؛ وذلك لأنَّ الميت ضد الحي والحياة نوعان: حياة الحيوان وحياة النبات، فحياة الحيوان خاصتها الحس والحركة الإرادية، وحياة النبات خاصتها النمو والاغتذاء. وقوله: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ﴾. إنَّما هو بما فارقته الحياة الحيوانية دون النباتية؛ فإنَّ الشجر والزرع إذا يبس لم ينجس باتفاق المسلمين وقد قال تعالى: ﴿وَاللَّهُ أَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَحْيَا بِهِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا﴾. وقال: ﴿اعْلَمُوا
стр. 4760
أَنَّ اللَّهَ يُحْيِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا﴾. فموت الأرض لا يوجب نجاستها باتفاق المسلمين وإنَّما الميتة المحرمة: ما فارقها الحس والحركة الإرادية. وإذا كان كذلك فالشعر حياته من جنس حياة النبات؛ لا من جنس حياة الحيوان؛ فإنَّه ينمو ويغتذي ويطول كالزرع وليس فيه حس ولا يتحرك بإرادته فلا تحله الحياة الحيوانية حتى يموت بمفارقتها فلا وجه لتنجيسه.
وأيضاً فلو كان الشعر جزءاً من الحيوان لما أبيح أخذه في حال الحياة فإنَّ النبي ﷺ سئل عن قوم يحبون أسنمة الإبل وأليات الغنم؟ فقال: "ما أبين من البهيمة وهي حية فهو ميت". رواه أبو داود وغيره. وهذا متفق عليه بين العلماء، فلو كان حكم الشعر حكم السنام والألية لما جاز قطعه في حال الحياة، ولا كان طاهراً حلالاً. فلما اتفق العلماء على أنَّ الشعر والصوف إذا جز من الحيوان كان طاهراً حلالاً: علم أنَّه ليس مثل اللحم» اهـ.
قُلْتُ: هذا تقرير صحيح، وبناءً على هذا فيجوز بيع هذه الأجزاء لعدم تناول الحديث لها.
وأدخل شَيْخُ الْإِسْلَامِ ابْنُ تَيْمِيَّةَ ﵀ في ذلك شعر غير مأكول اللحم، فقَالَ ﵀ كَمَا فِي [مَجْمُوْعِ الْفَتَاوَى] (٢١/ ٦١٦ - ٦١٧):
«أمَّا الكلب فللعلماء فيه ثلاثة أقوال معروفة:
стр. 4761
أحدها: أنَّه نجس كله حتى شعره كقول الشافعي وأحمد في إحدى الروايتين عنه. والثاني: أنَّه طاهر حتى ريقه كقول مالك في المشهور عنه.
والثالث: أنَّ ريقه نجس وأنَّ شعره طاهر وهذا مذهب أبي حنيفة المشهور عنه وهذه هي الرواية المنصورة عند أكثر أصحابه وهو الرواية الأخرى عن أحمد وهذا أرجح الأقوال. فإذا أصاب الثوب أو البدن رطوبة شعره لم ينجس بذلك وإذا ولغ في الماء أريق وإذا ولغ في اللبن ونحوه: فمن العلماء من يقول يؤكل ذلك الطعام كقول مالك وغيره. ومنهم من يقول يراق كمذهب أبي حنيفة والشافعي وأحمد. فأمَّا إن كان اللبن كثيراً فالصحيح أنَّه لا ينجس.
وله في الشعور النابتة على محل نجس ثلاث روايات:
إحداها: أنَّ جميعها طاهر حتى شعر الكلب والخنزير وهو اختيار أبي بكر عبد العزيز.
والثانية: أنَّ جميعها نجس كقول الشافعي.
والثالثة: أنَّ شعر الميتة إن كانت طاهرة في الحياة كان طاهراً كالشاة والفأرة وشعر ما هو نجس في حال الحياة نجس: كالكلب والخنزير وهذه هي المنصوصة عند أكثر أصحابه. والقول الراجح هو طهارة الشعور كلها: شعر الكلب والخنزير وغيرهما بخلاف الريق وعلى هذا فإذا كان شعر الكلب رطباً وأصاب ثوب الإنسان فلا شيء عليه كما هو مذهب جمهور الفقهاء: كأبي حنيفة ومالك وأحمد
стр. 4762
في إحدى الروايتين عنه: وذلك لأنَّ الأصل في الأعيان الطهارة فلا يجوز تنجيس شيء ولا تحريمه إلَّا بدليل».
إلى أن قَالَ ﵀ كَمَا فِي [مَجْمُوْعِ الْفَتَاوَى] (٢١/ ٦١٩):
«وأمَّا إلحاق الشعر بالريق فلا يمكن؛ لأنَّ الريق متحلل من باطن الكلب بخلاف الشعر فإنَّه نابت على ظهره. والفقهاء كلهم يفرقون بين هذا وهذا. فإنَّ جمهورهم يقولون: إنَّ شعر الميتة طاهر بخلاف ريقها. والشافعي وأكثرهم يقولون: إنَّ الزرع النابت في الأرض النجسة طاهر فغاية شعر الكلب أن يكون نابتاً في منبت نجس كالزرع النابت في الأرض النجسة فإذا كان الزرع طاهراً فالشعر أولى بالطهارة لأنَّ الزرع فيه رطوبة ولين يظهر فيه أثر النجاسة بخلاف الشعر فإنَّ فيه من اليبوسة والجمود ما يمنع ظهور ذلك. فمن قال من أصحاب أحمد كابن عقيل وغيره: إنَّ الزرع طاهر فالشعر أولى، ومن قال: إنَّ الزرع نجس فإنَّ الفرق بينهما ما ذكر، فإنَّ الزرع يلحق بالجلالة التي تأكل النجاسة وهذا أيضاً حجة في المسألة فإنَّ الجلالة التي تأكل النجاسة قد نهى النبي ﷺ عن لبنها فإذا حبست حتى تطيب كانت حلالاً باتفاق المسلمين؛ لأنَّها قبل ذلك يظهر أثر النجاسة في لبنها وبيضها وعرقها فيظهر نتن النجاسة وخبثها فإذا زال ذلك عادت طاهرة فإنَّ الحكم إذا ثبت بعلة زال بزوالها. والشعر لا يظهر فيه شيء من آثار النجاسة أصلاً فلم يكن لتنجيسه معنى.
стр. 4763
وهذا يتبين بالكلام في شعور الميتة كما سنذكره إن شاء الله تعالى. وكل حيوان قيل بنجاسته فالكلام في شعره وريشه كالكلام في شعر الكلب فإذا قيل: بنجاسة كل ذي ناب من السباع وكل ذي مخلب من الطير إلَّا الهرة وما دونها في الخلقة. كما هو مذهب كثير من العلماء: علماء أهل العراق وهو أشهر الروايتين عن أحمد فإنَّ الكلام في ريش ذلك وشعره فيه هذا النزاع: هل هو نجس؟ على روايتين عن أحمد: إحداهما: أنَّه طاهر وهو مذهب الجمهور كأبي حنيفة والشافعي ومالك. والرواية الثانية: أنَّه نجس كما هو اختيار كثير من متأخري أصحاب أحمد والقول بطهارة ذلك هو الصواب. كما تقدم. وأيضاً فالنبي ﷺ رخص في اقتناء كلب الصيد والماشية والحرث ولا بد لمن اقتناه أن يصيبه رطوبة شعوره كما يصيبه رطوبة البغل والحمار وغير ذلك فالقول بنجاسة شعورها والحال هذه من الحرج المرفوع عن الأمة.
وأيضاً فإنَّ لعاب الكلب إذا أصاب الصيد لم يجب غسله في أظهر قولي العلماء وهو إحدى الروايتين عن أحمد؛ لأنَّ النبي ﷺ لم يأمر أحداً بغسل ذلك فقد عفي عن لعاب الكلب في موضع الحاجة وأمر بغسله في غير موضع الحاجة فدل على أنَّ الشارع راعى مصلحة الخلق وحاجتهم والله أعلم» اهـ.
стр. 4764
قُلْتُ: وهذا الذي يظهر لي رجحانه. والله أعلم. لكن ذكره ها هنا أنَّ الشافعي ﵀ ممن يرى طهارة شعور ما لا يؤكل لحمه ليس بصحيح وقد ذكرى فيما مضى أنَّه ممن يذهب إلى نجاستها.
٧ - واحتج به من حرم بيع جلد الميتة بعد دباغه.
قُلْتُ: والصحيح جواز بيعه لأنَّه يصير بعد دباغته طاهراً فلا معنى لحرمة بيعه.
قَالَ الْعَلَّامَةُ ابْنُ الْقَيِّمِ ﵀ فِي [زَادِ الْمَعَادِ] (٥/ ٧٥٧):
«وأمَّا الجلد إذا دبغ، فقد صار عيناً طاهرة ينتفع به في اللبس والفرش، وسائر وجوه الاستعمال، فلا يمتنع جواز بيعه، وقد نص الشافعي في كتابه القديم على أنَّه لا يجوز بيعه، واختلف أصحابه، فقال القفال: لا يتجه هذا إلَّا بتقدير قول يوافق مالكاً في أنَّه يطهر ظاهره دون باطنه، وقال بعضهم: لا يجوز بيعه، وإن طهر ظاهره وباطنه على قوله الجديد، فإنَّه جزء من الميتة حقيقة، فلا يجوز بيعه كعظمها ولحمها.
وقال بعضهم: بل يجوز بيعه بعد الدبغ لأنَّه عين طاهرة ينتفع بها فجاز بيعها كالمذكى.
وقال بعضهم: بل هذا ينبني على أنَّ الدبغ إزالة أو إحالة، فإن قلنا: إحالة، جاز بيعه لأنَّه قد استحال من كونه جزء ميتة إلى عين أخرى، وإن قلنا: إزالة، لم يجزء بيعه، لأنَّ وصف الميتة هو المحرم لبيعه، وذلك باق لم يستحل.
стр. 4765
وبنوا على هذا الخلاف جواز أكله، ولهم فيه ثلاثة أوجه: أكله مطلقاً، وتحريمه مطلقاً، والتفصيل بين جلد المأكول وغير المأكول، فأصحاب الوجه الأول، غلبوا حكم الإحالة، وأصحاب الوجه الثاني، غلبوا حكم الإزالة، وأصحاب الوجه الثالث أجروا الدباغ مجرى الذكاة، فأباحوا بها ما يباح أكله بالذكاة إذا ذكى دون غيره، والقول بجواز أكله باطل مخالف لصريح السنة، ولهذا لم يمكن قائله القول به إلَّا بعد منعه كون الجلد بعد الدبغ ميتة، وهذا منع باطل، فإنَّه جلد ميتة حقيقة وحساً وحكماً، ولم يحدث له حياة بالدبغ ترفع عنه اسم الميتة، وكون الدبغ إحالة باطل حساً، فإنَّ الجلد لم يستحل ذاته وأجزاؤه، وحقيقته بالدباغ، فدعوى أنَّ الدباغ إحالة عن حقيقة إلى حقيقة أخرى، كما تحيل النار الحطب إلى الرماد، والملاحة ما يلقى فيها من الميتات إلى الملح دعوى باطلة.
وأمَّا أصحاب مالك ﵀ ففي "المدونة" لابن القاسم المنع من بيعها وإن دبغت، وهو الذي ذكره صاحب "التهذيب". وقال المازري: هذا هو مقتضى القول بأنَّها لا تطهر بالدباغ. قال: وأمَّا إذا فرعنا على أنَّها تطهر بالدباغ طهارة كاملة، فإنَّا نجيز بيعها لإباحة جملة منافعها.
قُلْتُ: عن مالك في طهارة الجلد المدبوغ روايتان:
إحداهما: يطهر ظاهره وباطنه، وبها قال وهب، وعلى هذه الرواية جوز أصحابه بيعه.
следующие страницы →