Полный текст (8 095 стр.). Показаны 4761–4800 · переход к 4766.
стр. 4761
أحدها: أنَّه نجس كله حتى شعره كقول الشافعي وأحمد في إحدى الروايتين عنه. والثاني: أنَّه طاهر حتى ريقه كقول مالك في المشهور عنه.
والثالث: أنَّ ريقه نجس وأنَّ شعره طاهر وهذا مذهب أبي حنيفة المشهور عنه وهذه هي الرواية المنصورة عند أكثر أصحابه وهو الرواية الأخرى عن أحمد وهذا أرجح الأقوال. فإذا أصاب الثوب أو البدن رطوبة شعره لم ينجس بذلك وإذا ولغ في الماء أريق وإذا ولغ في اللبن ونحوه: فمن العلماء من يقول يؤكل ذلك الطعام كقول مالك وغيره. ومنهم من يقول يراق كمذهب أبي حنيفة والشافعي وأحمد. فأمَّا إن كان اللبن كثيراً فالصحيح أنَّه لا ينجس.
وله في الشعور النابتة على محل نجس ثلاث روايات:
إحداها: أنَّ جميعها طاهر حتى شعر الكلب والخنزير وهو اختيار أبي بكر عبد العزيز.
والثانية: أنَّ جميعها نجس كقول الشافعي.
والثالثة: أنَّ شعر الميتة إن كانت طاهرة في الحياة كان طاهراً كالشاة والفأرة وشعر ما هو نجس في حال الحياة نجس: كالكلب والخنزير وهذه هي المنصوصة عند أكثر أصحابه. والقول الراجح هو طهارة الشعور كلها: شعر الكلب والخنزير وغيرهما بخلاف الريق وعلى هذا فإذا كان شعر الكلب رطباً وأصاب ثوب الإنسان فلا شيء عليه كما هو مذهب جمهور الفقهاء: كأبي حنيفة ومالك وأحمد
стр. 4762
في إحدى الروايتين عنه: وذلك لأنَّ الأصل في الأعيان الطهارة فلا يجوز تنجيس شيء ولا تحريمه إلَّا بدليل».
إلى أن قَالَ ﵀ كَمَا فِي [مَجْمُوْعِ الْفَتَاوَى] (٢١/ ٦١٩):
«وأمَّا إلحاق الشعر بالريق فلا يمكن؛ لأنَّ الريق متحلل من باطن الكلب بخلاف الشعر فإنَّه نابت على ظهره. والفقهاء كلهم يفرقون بين هذا وهذا. فإنَّ جمهورهم يقولون: إنَّ شعر الميتة طاهر بخلاف ريقها. والشافعي وأكثرهم يقولون: إنَّ الزرع النابت في الأرض النجسة طاهر فغاية شعر الكلب أن يكون نابتاً في منبت نجس كالزرع النابت في الأرض النجسة فإذا كان الزرع طاهراً فالشعر أولى بالطهارة لأنَّ الزرع فيه رطوبة ولين يظهر فيه أثر النجاسة بخلاف الشعر فإنَّ فيه من اليبوسة والجمود ما يمنع ظهور ذلك. فمن قال من أصحاب أحمد كابن عقيل وغيره: إنَّ الزرع طاهر فالشعر أولى، ومن قال: إنَّ الزرع نجس فإنَّ الفرق بينهما ما ذكر، فإنَّ الزرع يلحق بالجلالة التي تأكل النجاسة وهذا أيضاً حجة في المسألة فإنَّ الجلالة التي تأكل النجاسة قد نهى النبي ﷺ عن لبنها فإذا حبست حتى تطيب كانت حلالاً باتفاق المسلمين؛ لأنَّها قبل ذلك يظهر أثر النجاسة في لبنها وبيضها وعرقها فيظهر نتن النجاسة وخبثها فإذا زال ذلك عادت طاهرة فإنَّ الحكم إذا ثبت بعلة زال بزوالها. والشعر لا يظهر فيه شيء من آثار النجاسة أصلاً فلم يكن لتنجيسه معنى.
стр. 4763
وهذا يتبين بالكلام في شعور الميتة كما سنذكره إن شاء الله تعالى. وكل حيوان قيل بنجاسته فالكلام في شعره وريشه كالكلام في شعر الكلب فإذا قيل: بنجاسة كل ذي ناب من السباع وكل ذي مخلب من الطير إلَّا الهرة وما دونها في الخلقة. كما هو مذهب كثير من العلماء: علماء أهل العراق وهو أشهر الروايتين عن أحمد فإنَّ الكلام في ريش ذلك وشعره فيه هذا النزاع: هل هو نجس؟ على روايتين عن أحمد: إحداهما: أنَّه طاهر وهو مذهب الجمهور كأبي حنيفة والشافعي ومالك. والرواية الثانية: أنَّه نجس كما هو اختيار كثير من متأخري أصحاب أحمد والقول بطهارة ذلك هو الصواب. كما تقدم. وأيضاً فالنبي ﷺ رخص في اقتناء كلب الصيد والماشية والحرث ولا بد لمن اقتناه أن يصيبه رطوبة شعوره كما يصيبه رطوبة البغل والحمار وغير ذلك فالقول بنجاسة شعورها والحال هذه من الحرج المرفوع عن الأمة.
وأيضاً فإنَّ لعاب الكلب إذا أصاب الصيد لم يجب غسله في أظهر قولي العلماء وهو إحدى الروايتين عن أحمد؛ لأنَّ النبي ﷺ لم يأمر أحداً بغسل ذلك فقد عفي عن لعاب الكلب في موضع الحاجة وأمر بغسله في غير موضع الحاجة فدل على أنَّ الشارع راعى مصلحة الخلق وحاجتهم والله أعلم» اهـ.
стр. 4764
قُلْتُ: وهذا الذي يظهر لي رجحانه. والله أعلم. لكن ذكره ها هنا أنَّ الشافعي ﵀ ممن يرى طهارة شعور ما لا يؤكل لحمه ليس بصحيح وقد ذكرى فيما مضى أنَّه ممن يذهب إلى نجاستها.
٧ - واحتج به من حرم بيع جلد الميتة بعد دباغه.
قُلْتُ: والصحيح جواز بيعه لأنَّه يصير بعد دباغته طاهراً فلا معنى لحرمة بيعه.
قَالَ الْعَلَّامَةُ ابْنُ الْقَيِّمِ ﵀ فِي [زَادِ الْمَعَادِ] (٥/ ٧٥٧):
«وأمَّا الجلد إذا دبغ، فقد صار عيناً طاهرة ينتفع به في اللبس والفرش، وسائر وجوه الاستعمال، فلا يمتنع جواز بيعه، وقد نص الشافعي في كتابه القديم على أنَّه لا يجوز بيعه، واختلف أصحابه، فقال القفال: لا يتجه هذا إلَّا بتقدير قول يوافق مالكاً في أنَّه يطهر ظاهره دون باطنه، وقال بعضهم: لا يجوز بيعه، وإن طهر ظاهره وباطنه على قوله الجديد، فإنَّه جزء من الميتة حقيقة، فلا يجوز بيعه كعظمها ولحمها.
وقال بعضهم: بل يجوز بيعه بعد الدبغ لأنَّه عين طاهرة ينتفع بها فجاز بيعها كالمذكى.
وقال بعضهم: بل هذا ينبني على أنَّ الدبغ إزالة أو إحالة، فإن قلنا: إحالة، جاز بيعه لأنَّه قد استحال من كونه جزء ميتة إلى عين أخرى، وإن قلنا: إزالة، لم يجزء بيعه، لأنَّ وصف الميتة هو المحرم لبيعه، وذلك باق لم يستحل.
стр. 4765
وبنوا على هذا الخلاف جواز أكله، ولهم فيه ثلاثة أوجه: أكله مطلقاً، وتحريمه مطلقاً، والتفصيل بين جلد المأكول وغير المأكول، فأصحاب الوجه الأول، غلبوا حكم الإحالة، وأصحاب الوجه الثاني، غلبوا حكم الإزالة، وأصحاب الوجه الثالث أجروا الدباغ مجرى الذكاة، فأباحوا بها ما يباح أكله بالذكاة إذا ذكى دون غيره، والقول بجواز أكله باطل مخالف لصريح السنة، ولهذا لم يمكن قائله القول به إلَّا بعد منعه كون الجلد بعد الدبغ ميتة، وهذا منع باطل، فإنَّه جلد ميتة حقيقة وحساً وحكماً، ولم يحدث له حياة بالدبغ ترفع عنه اسم الميتة، وكون الدبغ إحالة باطل حساً، فإنَّ الجلد لم يستحل ذاته وأجزاؤه، وحقيقته بالدباغ، فدعوى أنَّ الدباغ إحالة عن حقيقة إلى حقيقة أخرى، كما تحيل النار الحطب إلى الرماد، والملاحة ما يلقى فيها من الميتات إلى الملح دعوى باطلة.
وأمَّا أصحاب مالك ﵀ ففي "المدونة" لابن القاسم المنع من بيعها وإن دبغت، وهو الذي ذكره صاحب "التهذيب". وقال المازري: هذا هو مقتضى القول بأنَّها لا تطهر بالدباغ. قال: وأمَّا إذا فرعنا على أنَّها تطهر بالدباغ طهارة كاملة، فإنَّا نجيز بيعها لإباحة جملة منافعها.
قُلْتُ: عن مالك في طهارة الجلد المدبوغ روايتان:
إحداهما: يطهر ظاهره وباطنه، وبها قال وهب، وعلى هذه الرواية جوز أصحابه بيعه.
стр. 4766
والثانية: وهي أشهر الروايتين عنه أنَّه يطهر طهارة مخصوصة يجوز معها استعماله في اليابسات، وفي الماء وحده دون سائر المائعات، قال أصحابه: وعلى هذه الرواية لا يجوز بيعه، ولا الصلاة فيه، ولا الصلاة عليه.
وأمَّا مذهب الإمام أحمد: فإنَّه لا يصح عنده بيع جلد الميتة قبل دبغه. وعنه في جوازه بعد الدبغ روايتان، هكذا أطلقهما الأصحاب، وهما عندي مبنيتان على اختلاف الرواية عنه في طهارته بعد الدباغ» اهـ.
وَقَالَ الْعَلَّامَةُ ابْنُ قُدَامَةَ ﵀ فِي [الْمُغْنِي] (١/ ١١٣):
«فصل: ويجوز بيعه، وإجارته، والانتفاع به في كل ما يمكن الانتفاع به فيه، سوى الأكل؛ لأنَّه صار بمنزلة المذكى في غير الأكل ولا يجوز بيعه قبل دبغه؛ لأنَّه نجس، متفق على نجاسة عينه، فأشبه الخنزير» اهـ.
٨ - واحتج بالحديث من حرَّم بيع عظام الميتة، وأسنانها، وأظفارها، وأظلافها، وقرونها.
قُلْتُ: وهذا مبني على القول بنجاستها، وفي ذلك نزاع بين أهل العلم، والصحيح طهارة جميع ما ذكر إذا كانت من حيوان طاهر العين.
قَالَ شَيْخُ الْإِسْلَامِ ابْنُ تَيْمِيَّةَ ﵀ كَمَا فِي [مَجْمُوْعِ الْفَتَاوَى] (٢١/ ٩٩ - ١٠١):
стр. 4767
«وأمَّا العظام ونحوها: فإذا قيل: إنَّها داخلة في الميتة لأنَّها تحس وتألم. قيل لمن قال ذلك: أنتم لم تأخذوا بعموم اللفظ؛ فإنَّ ما لا نفس له سائلة كالذباب والعقرب والخنفساء لا ينجس عندكم وعند جمهور العلماء مع أنَّها ميتة موتاً حيوانياً. وقد ثبت في الصحيح أنَّ النبي ﷺ قال: "إذا وقع الذباب في إناء أحدكم فليغمسه ثم لينزعه؛ فإنَّ في أحد جناحيه داء وفي الآخر شفاء". ومن نجس هذا قال في أحد القولين: إنَّه لا ينجس المائعات الواقع فيها لهذا الحديث. وإذا كان كذلك: علم أنَّ علة نجاسة الميتة إنَّما هو احتباس الدم فيها فما لا نفس له سائلة ليس فيه دم سائل فإذا مات لم يحتبس فيه الدم؛ فلا ينجس. فالعظم ونحوه أولى بعدم التنجيس من هذا؛ فإنَّ العظم ليس فيه دم سائل ولا كان متحركاً بالإرادة إلَّا على وجه التبع. فإذا كان الحيوان الكامل الحساس المتحرك بالإرادة لا ينجس لكونه ليس فيه دم سائل: فكيف ينجس العظم الذي ليس فيه دم سائل؟
ومما يبين صحة قول الجمهور: أنَّ الله سبحانه إنَّما حرم علينا الدم المسفوح كما قال تعالى: ﴿قُلْ لَا أَجِدُ فِي مَا أُوحِيَ إِلَيَّ مُحَرَّمًا عَلَى طَاعِمٍ يَطْعَمُهُ إِلَّا أَنْ يَكُونَ مَيْتَةً أَوْ دَمًا مَسْفُوحًا﴾. فإذا عفي عن الدم غير المسفوح مع أنَّه من جنس الدم: علم أنَّه - سبحانه - فرق بين الدم الذي يسيل وبين غيره؛ ولهذا كان المسلمون يضعون اللحم في المرق وخطوط الدم في القدور بين ويأكلون ذلك على عهد
стр. 4768
رسول الله ﷺ كما أخبرت بذلك عائشة ولولا هذا لاستخرجوا الدم من العروق كما يفعل اليهود والله تعالى حرم ما مات حتف أنفه أو بسبب غير جارح محدد فحرم المنخنقة والموقوذة والمتردية والنطيحة. وحرم النبي ﷺ ما صيد بعرض المعراض وقال: "إنَّه وقيذ". دون ما صيد بحده والفرق بينهما إنَّما هو سفح الدم؛ فدل على أنَّ سبب التنجيس هو احتقان الدم واحتباسه وإذا سفح بوجه خبيث بأن يذكر عليه غير اسم الله كان الخبث هنا من جهة أخرى فإنَّ التحريم يكون تارة لوجود الدم وتارة لفساد التذكية كذكاة المجوسي والمرتد والذكاة في غير المحل. وإذا كان كذلك فالعظم والقرن والظفر والظلف وغير ذلك ليس فيه دم مسفوح فلا وجه لتنجيسه وهذا قول جمهور السلف قال الزهري كان خيار هذه الأمة يمتشطون بأمشاط من عظام الفيل وقد روي في العاج حديث معروف لكن فيه نظر ليس هذا موضعه؛ فإنَّا لا نحتاج إلى الاستدلال بذلك.
وأيضاً فقد ثبت في الصحيح عن النبي ﷺ أنَّه قال في شاة ميمونة: "هلا أخذتم إهابها فانتفعتم به". قالوا: إنَّها ميتة؟ قال: "إنَّما حرم أكلها". وليس في صحيح البخاري ذكر الدباغ ولم يذكره عامة أصحاب الزهري عنه ولكن ذكره ابن عيينة ورواه مسلم في صحيحه وقد طعن الإمام أحمد في ذلك وأشار إلى غلط ابن عيينة فيه وذكر أنَّ الزهري وغيره كانوا يبيحون الانتفاع
стр. 4769
بجلود الميتة بلا دباغ لأجل هذا الحديث وحينئذ فهذا النص يقتضي جواز الانتفاع بها بعد الدبغ بطريق الأولى لكن إذا قيل: إنَّ الله حرم بعد ذلك الانتفاع بالجلود حتى تدبغ أو قيل: إنَّها لا تطهر بالدباغ: لم يلزم تحريم العظام ونحوها لأنَّ الجلد جزء من الميتة فيه الدم كما في سائر أجزائها والنبي ﷺ جعل دباغه ذكاته؛ لأنَّ الدباغ ينشف رطوباته؛ فدل على أنَّ سبب التنجيس هو الرطوبات والعظم ليس فيه رطوبة سائلة وما كان فيه منها فإنَّه يجف وييبس وهو يبقى ويحفظ أكثر من الجلد فهو أولى بالطهارة من الجلد» اهـ.
وَقَالَ الْعَلَّامَةُ ابْنُ الْقَيِّمِ ﵀ فِي [زَادِ الْمَعَادِ] (٥/ ٧٥٩ - ٧٦٠):
«وأمَّا عظمها، فمن لم ينجسه بالموت، كأبي حنيفة، وبعض أصحاب أحمد، واختيار ابن وهب من أصحاب مالك، فيجوز بيعه عندهم، وإن اختلف مأخذ الطهارة، فأصحاب أبي حنيفة قالوا: لا يدخل في الميتة، ولا يتناوله اسمها، ومنعوا كون الألم دليل حياته، قالوا: وإنَّما تؤلمه لما جاوره من اللحم لا ذات العظم، وحملوا قوله تعالى: ﴿قَالَ مَنْ يُحْيِ الْعِظَامَ وَهِيَ رَمِيمٌ﴾، على حذف مضاف، أي أصحابها. وغيرهم ضعف هذا المأخذ جداً، وقال: العظم يألم، وألمه أشد من ألم اللحم، ولا يصح حمل الآية على حذف مضاف، لوجهين، أحدهما: أنَّه تقدير ما لا دليل عليه، فلا سبيل إليه.
стр. 4770
الثاني: أنَّ هذا التقدير يستلزم الإضراب عن جواب سؤال السائل الذي استشكل حياة العظام، فإنَّ أبي ابن خلف أخذ عظماً بالياً، ثم جاء به إلى النَّبي ﷺ ، ففته في يده، فقال: يا محمد، أترى الله يحيى هذا بعد ما رم؟ فقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "نعم، ويبعثك، ويدخلك النار".
فمأخذ الطهارة أنَّ سبب تنجيس الميتة منتف في العظام، فلم يحكم بنجاستها، ولا يصح قياسها على اللحم، لأنَّ احتقان الرطوبات والفضلات الخبيثة يختص به دون العظام، كما أنَّ ما لا نفس له سائلة لا ينجس بالموت، وهو حيوان كامل، لعدم سبب التنجيس فيه. فالعظم أولى، وهذا المأخذ أصح وأقوى من الأول، وعلى هذا، فيجوز بيع عظام الميتة إذا كانت من حيوان طاهر العين.
وأمَّا من رأى نجاستها، فإنَّه لا يجوز بيعها، إذ نجاستها عينية، قال ابن القاسم: قال مالك: لا أري أن تشترى عظام الميتة ولا تباع، ولا أنياب الفيل، ولا يتجر فيها، ولا يمتشط بأمشاطها، ولا يدهن بمداهنها، وكيف يجعل الدهن في الميتة ويمشط لحيته الميتة، وهى مبلولة، وكره أن يطبخ بعظام الميتة، وأجاز مطرف، وابن الماجشون بيع أنياب الفيل مطلقاً، وأجازه ابن وهب، وأصبغ إن غليت وسلقت، وجعلا ذلك دباغاً لها» اهـ.
قُلْتُ: وهذا تحرير نفيس لهذه المسألة. وبهذا يتبين أنَّ الجنابي التي يستعملها اليمنيون وغيرهم التي تؤخذ من قرون بعض الحيوان قبل موته ليست بنجسة،
стр. 4771
وهذا مبني على الصحيح من أقوال أهل العلم في هذه المسألة، وهو القول بطهارة قرون الميتة، وهذا مذهب الإمام أحمد في رواية، ومذهب أبي حنيفة، وذهب الإمام مالك، والشافعي، وأحمد في الرواية الأخرى إلى نجاسته.
٩ - واحتج بعمومه من قال بتحريم بيع لبن الميتة.
قُلْتُ: وهذه المسألة مبنية على اختلافهم في نجاسة اللبن في ضرع البهيمة، أو طهارته.
قَالَ الْعَلَّامَةُ الْنَوَوِي ﵀ فِي [الْمَجْمُوْع] (١/ ٢٤٤):
«قد ذكرنا أنَّ اللبن في ضرع الميتة نجس هذا مذهبنا وهو قول مالك وأحمد وقال أبو حنيفة هو طاهر» اهـ.
قُلْتُ: والأقوى القول بطهارة اللبن ما لم يتغير بنجاسة الميتة.
قَالَ شَيْخُ الْإِسْلَامِ ابْنُ تَيْمِيَّةَ ﵀ كَمَا فِي [مَجْمُوْعِ الْفَتَاوَى] (٢١/ ١٠٢ - ١٠٤): «وأمَّا لبن الميتة وإنفحتها ففيه قولان مشهوران للعلماء:
أحدهما: أنَّ ذلك طاهر. كقول أبي حنيفة وغيره وهو إحدى الروايتين عن أحمد.
والثاني: أنَّه نجس. كقول مالك والشافعي والرواية الأخرى عن أحمد. وعلى هذا النزاع انبنى نزاعهم في جبن المجوس فإنَّ ذبائح المجوس حرام عند جماهير السلف والخلف وقد قيل: إنَّ ذلك مجمع عليه بين الصحابة فإذا صنعوا جبناً - والجبن يصنع بالإنفحة - كان فيه هذان القولان. والأظهر أنَّ جبنهم حلال وأنَّ إنفحة الميتة ولبنها طاهر وذلك لأنَّ الصحابة لما فتحوا بلاد العراق أكلوا جبن
стр. 4772
المجوس وكان هذا ظاهراً شائعاً بينهم وما ينقل عن بعضهم من كراهة ذلك ففيه نظر فإنَّه من نقل بعض الحجازيين وفيه نظر. وأهل العراق كانوا أعلم بهذا فإنَّ المجوس كانوا ببلادهم ولم يكونوا بأرض الحجاز. ويدل على ذلك أنَّ سلمان الفارسي كان هو نائب عمر بن الخطاب على المدائن وكان يدعو الفرس إلى الإسلام وقد ثبت عنه: أنَّه سئل عن شيء من السمن والجبن والفراء؟ فقال: الحلال ما أحل الله في كتابه والحرام ما حرم الله في كتابه وما سكت عنه فهو مما عفى عنه. وقد رواه أبو داود مرفوعاً إلى النبي ﷺ . ومعلوم أنَّه لم يكن السؤال عن جبن المسلمين وأهل الكتاب فإنَّ هذا أمر بين وإنَّما كان السؤال عن جبن المجوس: فدل ذلك على أنَّ سلمان كان يفتي بحلها وإذا كان روي ذلك عن النبي ﷺ انقطع النزاع بقول النبي ﷺ .
وأيضاً فاللبن والإنفحة لم يموتا وإنَّما نجسهما من نجسهما لكونهما في وعاء نجس فيكون مائعاً في وعاء نجس فالتنجيس مبني على مقدمتين على أنَّ المائع لاقى وعاء نجساً وعلى أنَّه إذا كان كذلك صار نجساً. فيقال أولاً: لا نسلم أنَّ المائع ينجس بملاقاة النجاسة وقد تقدم أنَّ السنة دلت على طهارته لا على نجاسته. ويقال ثانياً: إنَّ الملاقاة في الباطن لا حكم لها كما قال تعالى: ﴿نُسْقِيكُمْ مِمَّا فِي بُطُونِهِ مِنْ بَيْنِ فَرْثٍ وَدَمٍ لَبَنًا خَالِصًا سَائِغًا لِلشَّارِبِينَ﴾، ولهذا يجوز حمل الصبي الصغير في الصلاة مع ما في بطنه. والله أعلم» اهـ.
стр. 4773
١٠ - واحتج به من حرَّم بيع بيض الميتة.
قُلْتُ: وهو مبني أيضاً على القول بنجاستها.
قَالَ الْعَلَّامَةُ ابْنُ قُدَامَةَ ﵀ فِي [الْمُغْنِي] (١/ ١٢٢):
«فصل: وإن ماتت الدجاجة، وفي بطنها بيضة قد صلب قشرها، فهي طاهرة.
وهذا قول أبي حنيفة وبعض الشافعية وابن المنذر.
وكرهها علي بن أبي طالب، وابن عمر، وربيعة، ومالك، والليث، وبعض الشافعية؛ لأنَّها جزء من الدجاجة.
ولنا أنَّها بيضة صلبة القشر، طرأت النجاسة عليها، فأشبه ما لو وقعت في ماء نجس.
وقولهم: إنَّها جزء منها. غير صحيح، وإنَّما هي مودعة فيها، غير متصلة بها، فأشبهت الولد إذا خرج حيا من الميتة؛ ولأنَّها خارجة من حيوان يخلق منها مثل أصلها، أشبهت الولد الحي، وكراهة الصحابة لها محمولة على كراهة التنزيه، استقذاراً لها، ولو وضعت البيضة تحت طائر، فصارت فرخاً، كان طاهراً بكل حال.
فإن لم تكمل البيضة، فقال بعض أصحابنا: ما كان قشره أبيض، فهو طاهر. وما لم يبيض قشره فهو نجس؛ لأنَّه ليس عليه حائل حصين.
واختار ابن عقيل أنَّه لا ينجس؛ لأنَّ البيضة عليها غاشية رقيقة كالجلد، وهو القشر قبل أن يقوى، فلا ينجس منها إلَّا ما كان لاقى النجاسة، كالسمن الجامد
стр. 4774
إذا ماتت فيه فأرة، إلَّا أن هذه تطهر إذا غسلها؛ لأنَّ لها من القوة ما يمنع تداخل أجزاء النجاسة فيها، بخلاف السمن» اهـ.
قُلْتُ: الصحيح طهارة بيض الميتة، لأنَّها لا تدخل في مسمى الميتة. والله أعلم.
١١ - واحتج به أيضاً من حرَّم بيع الْإِنْفَحَةُ.
والإنْفَحَةُ: بكسر الهمزة وفتح الفاء والحاء: شيءٌ أصفر يُسْتَخْرَج من بطن الجدي الرضيع قبل أن يأكل يعصر في صوفة مبتلة في اللبن فيغلظ ويجبن.
قُلْتُ: والقول بتحريم بيعها مبني أيضاً على القول بنجاستها.
قَالَ الْعَلَّامَةُ الْنَوَوِي ﵀ فِي [الْمَجْمُوْع] (٢/ ٥٧٠):
«الْإِنْفَحَةُ إن أخذت من السخلة بعد موتها أو بعد ذبحها وقد أكلت غير اللبن فهي نجسة بلا خلاف وإن أخذت من سخلة بحت قبل أن تأكل غير اللبن فوجهان الصحيح الذي قطع به كثيرون طهارتها لأنَّ السلف لم يزالوا يجبنون بها ولا يمتنعون من أكل الجبن المعمول بها.
وحكي العبدري عن مالك وأحمد في أصح الروايتين عنه نجاسة الإنفحة الميتة كمذهبنا: وعن أبي حنيفة وأحمد في الرواية الأخرى أنَّها طاهرة كالبيض» اهـ.
قُلْتُ: الصحيح هو طهارة إنفحة الميتة، فإنَّ غاية أمرها أن تكون كالمائع الطاهر في الإناء النجس، والصحيح طهارته ما لم يتغير بالنجاسة، وقد سبق أن ذكرنا كلام شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ فيها، عند كلامنا على لبن الميتة.
стр. 4775
١٢ - وفيه تحريم بيع الخنزير.
قَالَ الْعَلَّامَةُ ابْنُ الْقَيِّمِ ﵀ فِي [زَادِ الْمَعَادِ] (٥/ ٧٦١):
«وأمَّا تحريم بيع الخنزير، فيتناول جملته، وجميع أجزائه الظاهرة والباطنة، وتأمل كيف ذكر لحمه عند تحريم الأكل إشارة إلى تحريم أكله ومعظمه اللحم، فذكر اللحم تنبيهاً على تحريم أكله دون ما قبله، بخلاف الصيد، فإنَّه لم يقل فيه: وحرم عليكم لحم الصيد، بل حرم نفس الصيد، ليتناول ذلك أكله وقتله. وها هنا لما حرم البيع ذكر جملته، ولم يخص التحريم بلحمه ليتناول بيعه حياً وميتاً» اهـ.
١٣ - وفيه تحريم بيع الأصنام.
قَالَ الْعَلَّامَةُ ابْنُ الْقَيِّمِ ﵀ فِي [زَادِ الْمَعَادِ] (٥/ ٧٦١ - ٧٦٢):
«وأمَّا تحريم بيع الأصنام، فيستفاد منه تحريم بيع كل آلة متخذة للشرك على أي وجه كانت، ومن أي نوع كانت صنماً أو وثناً أو صليباً، وكذلك الكتب المشتملة على الشرك، وعبادة غير الله، فهذه كلها يجب إزالتها وإعدامها، وبيعها ذريعة إلي اقتناعها واتخاذها، فهو أولى بتحريم البيع من كل ما عداها، فإنَّ مفسدة بيعها بحسب مفسدتها في نفسها، والنبي ﷺ لم يؤخر ذكرها لخفة أمرها، ولكنه تدرج من الأسهل إلى ما هو أغلظ منه، فإنَّ الخمر أحسن حالاً من الميتة، فإنَّها تصير مالاً محترماً إذا قلبها الله سبحانه ابتداء خلاً، أو قلبها الآدمي بصنعته عند طائفة من العلماء، وتضمن إذا أتلفت على الذمي عند طائفة بخلاف الميتة، وإنَّما لم يجعل الله في أكل الميتة حداً اكتفاء بالزاجر الذي جعله الله في الطباع
стр. 4776
من كراهتها والنفرة عنها، وإبعادها عنها، بخلاف الخمر. والخنزير أشد تحريماً من الميتة، ولهذا أفرده الله تعالى بالحكم عليه أنَّه رجس في قوله: ﴿قُلْ لَا أَجدُ فِيمَا أُوحِىَ إلىَّ مُحرَّماً عَلى طَاعِمٍ يَطْعَمُهُ إلَّا أَنْ يَكُونَ مَيْتَةً أَوْ دَماً مَسْفُوحاً أَوْ لَحْمَ خِنْزِيرٍ فَإنَّهُ رِجْسٌ أَوْ فِسْقاً﴾، فالضمير في قوله: "فإنَّه" وإن كان عوده إلى الثلاثة المذكورة باعتبار لفظ المحرم، فإنَّه يترجح اختصاص لحم الخنزير به لثلاثة أوجه.
أحدها: قربه منه، والثاني: تذكيره دون قوله، ﴿فَإنَّهُ رِجْسٌ﴾، والثالث: أنَّه أتى "بالفاء" و"إنَّ" تنبيها على علة التحريم لتزجر النفوس عنه، ويقابل هذه العلة ما في طباع بعض الناس من استلذاذه، واستطابته، فنفى عنه ذلك، وأخبر أنَّه رجس، وهذا لا يحتاج إليه في الميتة والدم لأنَّ كونهما رجساً أمر مستقر معلوم عندهم، ولهذا في القرآن نظائر، فتأملها. ثم ذكر بعد تحريم بيع الأصنام، وهو أعظم تحريماً وإثماً، وأشد منافاة للإسلام من بيع الخمر والميتة والخنزير» اهـ.
١٤ - واحتج به من ذهب إلى تحريم الانتفاع بالميتة فيما ذكر.
قُلْتُ: وهذا مبني على أنَّ قوله: «هُوَ حَرِامٌ». عائد إلى الأفعال التي سألوا عنها، والصحيح عوده إلى البيع، فإنَّ السؤال إنَّما ورد عنه.
قَالَ الْعَلَّامَةُ ابْنُ الْقَيِّمِ ﵀ فِي [زَادِ الْمَعَادِ] (٥/ ٧٤٩ - ٧٥٣):
«وهذا موضع اختلف الناس فيه لاختلافهم في فهم مراده ﷺ ، وهو أنَّ قوله: "لَا، هُوَ حَرِامٌ": هل هو عائد إلى البيع، أو عائد إلى الأفعال التي
стр. 4777
سألوا عنها؟ فقال شيخنا: هو راجع إلى البيع، فإنَّه ﷺ لما أخبرهم أنَّه حرم بيع الميتة، قالوا: إنَّ في شحومها من المنافع كذا وكذا، يعنون، فهل ذلك مسوغ لبيعها؟ فقال: "لَا، هُوَ حَرِامٌ".
قُلْتُ: كأنَّهم طلبوا تخصيص الشحوم من جملة الميتة بالجواز، كما طلب العباس ﵁ تخصيص الإذخر من جملة تحريم نبات الحرم بالجواز، فلم يجبهم إلى ذلك، فقال: "لَا، هُوَ حَرِامٌ".
وقال غيره من أصحاب أحمد وغيرهم: التحريم عائد إلى الأفعال المسؤول عنها، وقال: هو حرام، ولم يقل: هي، لأنَّه أراد المذكور جميعه، ويرجح قولهم عود الضمير إلى أقرب مذكور، ويرجحه من جهة المعنى أنَّ إباحة هذه الأشياء ذريعة إلى اقتناء الشحوم وبيعها، ويرجحه أيضاً: أنَّ في بعض ألفاظ الحديث، فقال: "لا، هي حرام"، وهذا الضمير إمَّا أن يرجع إلى الشحوم، وإمَّا إلى هذه الأفعال، وعلى التقديرين، فهو حجة على تحريم الأفعال التي سألوا عنها.
ويرجحه أيضاً قوله في حديث أبي هريرة ﵁ في الفأرة التي وقعت في السمن: "إن كان جامداً فألقوها وما حولها وكلوه، وإن كان مائعاً فلا تقربوه".
وفي الانتفاع به في الاستصباح وغيره قربان له.
ومن رجح الأول يقول: ثبت عن النبي ﷺ أنَّه قال: "إنَّما حرم من الميتة أكلها"، وهذا صريح في أنَّه لا يحرم الانتفاع بها في غير الأكل، كالوقيد،
стр. 4778
وسد البثوق، ونحوهما. قالوا: والخبيث إنَّما تحرم ملابسته باطناً وظاهراً، كالأكل واللبس، وأمَّا الانتفاع به من غير ملابسة، فلأي شيء يحرم؟
قالوا: ومن تأمل سياق حديث جابر، علم أنَّ السؤال إنَّما كان منهم عن البيع، وأنَّهم طلبوا منه أن يرخص لهم في بيع الشحوم، لما فيها من المنافع، فأبى عليهم وقال: "هو حرام"، فإنَّهم لو سألوه عن حكم هذه الأفعال، لقالوا: أرأيت شحوم الميتة، هل يجوز أن يستصبح بها الناس، وتدهن بها الجلود؛ ولم يقولوا: فإنَّه يفعل بها كذا وكذا، فإنَّ هذا إخبار منهم، لا سؤال، وهم لم يخبروه بذلك عقيب تحريم هذه الأفعال عليهم، ليكون قوله: "لا، هو حرام" صريحاً في تحريمها، وإنَّما أخبروه به عقيب تحريم بيع الميتة، فكأنَّهم طلبوا منه أن يرخص لهم في بيع الشحوم لهذه المنافع التي ذكروها، فلم يفعل. ونهاية الأمر أنَّ الحديث يحتمل الأمرين، فلا يحرم ما لم يعلم أنَّ الله ورسوله حرمه.
قالوا: وقد ثبت عنه أنَّه نهاهم عن الاستسقاء من آبار ثمود، وأباح لهم أن يطعموا ما عجنوا منه من تلك الآبار للبهائم، قالوا: ومعلوم أنَّ إيقاد النجاسة والاستصباح بها انتفاع خال عن هذه المفسدة، وعن ملابستها باطناً وظاهراً، فهو نفع محض لا مفسدة فيه. وما كان هكذا، فالشريعة لا تحرمه، فإنَّ الشريعة إنَّما تحرم المفاسد الخالصة أو الراجحة، وطرقها وأسبابها الموصلة إليها.
стр. 4779
قالوا: وقد أجاز أحمد في إحدى الروايتين الاستصباح بشحوم الميتة إذا خالطت دهناً طاهراً، فإنَّه في أكثر الروايات عنه يجوز الاستصباح بالزيت النجس، وطلي السفن به، وهو اختيار طائفة من أصحاب، منهم: الشيخ أبو محمد، وغيره، واحتج بأنَّ ابن عمر أمر أن يستصبح به.
وقال في رواية ابنيه: صالح وعبد الله: لا يعجبني بيع النجس، ويستصبح به إذا لم يمسوه، لأنَّه نجس، وهذا يعم النجس، والمتنجس، ولو قدر أنَّه إنَّما أراد به المتنجس، فهو صريح في القول بجواز الاستصباح بما خالطه نجاسة ميتة أو غيرها، وهذا مذهب الشافعي، وأي فرق بين الاستصباح بشحم الميتة إذا كان منفرداً، وبين الاستصباح به إذا خالطه دهن طاهر فنجسه؟
فإن قيل: إذا كان مفرداً، فهو نجس العين، وإذا خالطه غيره تنجس به، فأمكن تطهيره بالغسل، فصار كالثوب النجس، ولهذا يجوز بيع الدهن المتنجس على أحد القولين دون دهن الميتة.
قيل: لا ريب أنَّ هذا هو الفرق الذي عول عليه المفرقون بينهما، ولكنه ضعيف لوجهين.
أحدهما: أنَّه لا يعرف عن الإمام أحمد، ولا عن الشافعي البتة غسل الدهن النجس، وليس عنهم في ذلك كلمة واحدة، وإنَّما ذلك من فتوى بعض المنتسبين، وقد روى عن مالك، أنَّه يطهر بالغسل، هذه رواية ابن نافع، وابن القاسم عنه.
стр. 4780
الثاني: أنَّ هذا الفرق وإن تأتى لأصحابه في الزيت والشيرج ونحوهما، فلا يتأتى لهم في جميع الأدهان، فإنَّ منها ما لا يمكن غسله، وأحمد والشافعي قد أطلقا القول بجواز الاستصباح بالدهن النجس من غير تفريق.
وأيضاً فإنَّ هذا الفرق لا يفيد في دفع كونه مستعملاً للخبيث والنجاسة، سواء كانت عينية أو طارئة، فإنَّه إن حرم الاستصباح به لما فيه من استعمال الخبيث، فلا فرق، وإن حرم لأجل دخان النجاسة، فلا فرق، وإن حرم لكون الاستصباح به ذريعة إلى اقتنائه، فلا فرق، فالفرق بين المذهبين في جواز الاستصباح بهذا دون هذا لا معنى له.
وأيضاً فقد جوز جمهور العلماء الانتفاع بالسرقين النجس في عمارة الأرض للزرع، والثمر، والبقل مع نجاسة عينه، وملابسة المستعمل له أكثر من ملابسة الموقد، وظهور أثره في البقول والزروع، والثمار، فوق ظهور أثر الوقيد، وإحالة النار أتم من إحالة الأرض، والهواء والشمس للسرقين، فإن كان التحريم لأجل دخان النجاسة، فمن سلم أنَّ دخان النجاسة نجس، وبأي كتاب، أم بأية سنة ثبت ذلك؟ وانقلاب النجاسة إلى الدخان أتم من انقلاب عين السرقين والماء النجس ثمراً أو زرعاً، وهذا أمر لا يشك فيه، بل معلوم بالحس والمشاهدة، حتى جوَّز بعض أصحاب مالك، وأبي حنيفة رحمهما الله بيعه، فقال ابن الماجشون: لا بأس ببيع العذرة، لأنَّ ذلك من منافع الناس.
стр. 4781
وقال ابن القاسم: لا بأس ببيع الزبل. قال اللخمي: وهذا يدل من قوله على أنَّه يرى بيع العذرة.
وقال أشهب في الزبل: المشترى أعذر فيه من البائع، يعني في اشترائه. وقال ابن عبد الحكم: لم يعذر الله واحداً منهما، وهما سيان في الإثم.
قُلْتُ: وهذا هو الصواب، وأنَّ بيع ذلك حرام وإن جاز الانتفاع به، والمقصود: أنَّه لا يلزم من تحريم بيع الميتة تحريم الانتفاع بها في غير ما حرم الله ورسوله منها كالوقيد، وإطعام الصقور والبزاة وغير ذلك. وقد نص مالك على جواز الاستصباح بالزيت النجس في غير المساجد، وعلى جواز عمل الصابون منه، وينبغي أن يعلم أنَّ باب الانتفاع أوسع من باب البيع، فليس كل ما حرم بيعه حرم الانتفاع به، بل لا تلازم بينهما، فلا يؤخذ تحريم الانتفاع من تحريم البيع» اهـ.
قُلْتُ: وهذا تحرير نفيس من هذا الإمام ﵀. ولفظه: «لَا، هِيَ حَرِامٌ». رواها أبو عوانة في [مُسْتَخْرَجِهِ] (٤٣٥٠)، وابن المنذر في [الْأَوْسَطِ] (٨٣٧) من حديث جابر، وَإِسْنَادُهَا صَحِيْحٌ.
وجاءت من حديث عبد لله بن عمرو بن العاص عند أحمد (٦٩٩٧)، والبيهقي في [الْكُبْرَى] (١٩٤١٥)، وَإِسْنَادُهَا حَسَنٌ.
قُلْتُ: والضمير: «هِيَ». عائد على الميتة، والمراد هي حرام لا يجوز بيع شحمها من أجل ذلك. والله أعلم.
قَالَ الْعَلَّامَةُ الْنَوَوِي ﵀ فِي [شَرْحِ مُسْلِمٍ] (٥/ ٤٤٢):
стр. 4782
«هذا هو الصحيح عند الشافعي وأصحابه أنَّه يجوز الانتفاع بشحم الميتة في طلي السفن والاستصباح بها، وغير ذلك مما ليس بأكل ولا في بدن الآدمي، وبهذا قال أيضاً عطاء بن أبي رباح ومحمد بن جرير الطبري، وقال الجمهور: لا يجوز الانتفاع به في شيء أصلاً لعموم النهي عن الانتفاع بالميتة إلَّا ما خص، وهو الجلد المدبوغ.
وأمَّا الزيت والسمن ونحوهما من الأدهان التي أصابتها نجاسة فهل يجوز الاستصباح بها ونحوه من الاستعمال في غير الأكل وغير البدن، أو يجعل من الزيت صابوناً أو يطعم العسل المتنجس للنحل، أو يطعم الميتة لكلابه، أو يطعم الطعام النجس لدوابه فيه خلاف بين السلف، الصحيح من مذهبنا: جواز جميع ذلك، ونقله القاضي عياض عن مالك وكثير من الصحابة والشافعي والثوري وأبي حنيفة وأصحابه والليث بن سعد، قال: وروي نحوه عن علي وابن عمر وأبي موسى والقاسم بن محمد وسالم بن عبد الله بن عمر، قال: وأجاز أبو حنيفة وأصحابه والليث وغيرهم بيع الزيت النجس إذا بينه، وقال عبد الملك بن الماجشون وأحمد بن حنبل وأحمد بن صالح: لا يجوز الانتفاع بشيء من ذلك كله في شيء من الأشياء، والله أعلم» اهـ.
قُلْتُ: الصحيح جواز الانتفاع بشحم الميتة في غير الأشياء الملامسة لبدن الشخص، أو ثوبه لعدم الدليل على المنع من ذلك. والله أعلم.
стр. 4783
١٥ - وفيه تحريم الحيل.
قَالَ الْعَلَّامَةُ ابْنُ الْقَيِّمِ ﵀ فِي [إِعْلَامِ الْمُوَقِعِيْنَ] (٣/ ١١٢):
«قال الخطابي في هذا الحديث بطلان كل حيلة يحتال بها المتوسل إلى المحرم فإنَّه لا يتغير حكمه بتغير هيئته وتبديل اسمه.
قال شيخنا ﵁: ووجه الدلالة ما أشار إليه أحمد أنَّ اليهود لما حرم الله عليهم الشحوم أرادوا الاحتيال على الانتفاع بها على وجه لا يقال في الظاهر إنَّهم انتفعوا بالشحم فجملوه وقصدوا بذلك أن يزول عنه اسم الشحم، ثم انتفعوا بثمنه بعد ذلك لئلا يكون الانتفاع في الظاهر بعين المحرم، ثم مع كونهم احتالوا بحيلة خرجوا بها في زعمهم من ظاهر التحريم من هذين الوجهين لعنهم الله على لسان رسول الله ﷺ على هذا الاستحلال نظراً إلى المقصود وأنَّ حكمة التحريم لا تختلف سواء كان جامداً أو مائعاً وبذل الشيء يقوم مقامه ويسد مسده فإذا حرم الله الانتفاع بشيء حرم الاعتياض عن تلك المنفعة، وأمَّا ما أبيح الانتفاع به من وجه دون وجه كالخمر مثلاً فإنَّه يجوز بيعها لمنفعة الظهر المباحة لا لمنفعة اللحم المحرمة وهذا معنى حديث ابن عباس الذي رواه أبو داود وصححه الحاكم وغيره: "لعن الله اليهود حرمت عليهم الشحوم فباعوها وأكلوا أثمانها وإنَّ الله إذا حرم على قوم أكل شيء حرم عليهم ثمنه". يعنى ثمنه المقابل لمنفعة الأكل فإذا كان فيه منفعة أخرى وكان الثمن في مقابلتها لم يدخل في هذا» اهـ.
* * *
стр. 4784
بَابُ السَّلَمِ.
٢٦٥ - عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبَّاسٍ ﵄ قَالَ: قَدِمَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ الْمَدِينَةَ، وَهُمْ يُسْلِفُونَ فِي الثِّمَارِ: السَّنَةَ وَالسَّنَتَيْنِ وَالثَّلَاثَ.
стр. 4785
فَقَالَ: «مَنْ أَسْلَفَ فِي شَيْءٍ فَلْيُسْلِفْ فِي كَيْلٍ مَعْلُومٍ، وَوَزْنٍ مَعْلُومٍ، إلَى أَجَلٍ مَعْلُومٍ».
وَفِي الْحَدِيْثِ مَسَائِلُ مِنْهَا:
١ - جواز بيع السلم بشروطه الشرعية.
والسلم بيع موصوف في الذمة إلى أجل معلوم بثمن حال.
وسمي سلماً لتسليم رأس المال في مجلس العقد، ويطلق عليه السلف لتقديم رأس المال.
قَالَ الْعَلَّامَةُ ابْنُ الْقَيِّمِ ﵀ فِي [زَادِ الْمَعَادِ] (٥/ ٨١٤) - ناقلاً عن شيخه شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ أنَّه قال:
«فَإِذَا عَجَّلَ لَهُ الثَّمَنَ قِيلَ لَهُ: سَلَفٌ؛ لِأَنَّ السَّلَفَ هُوَ الَّذِي تَقَدَّمَ، وَالسَّالِفُ الْمُتَقَدِّمُ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿فَجَعَلْنَاهُمْ سَلَفًا وَمَثَلًا لِلْآخِرِينَ﴾ [الزُّخْرُفِ: ٥٦].
وَالْعَرَبُ تُسَمِّي أَوَّلَ الرَّوَاحِلِ السَّالِفَةَ، وَمِنْهُ قَوْلُ النَّبِيِّ ﷺ : "الْحَقِي بِسَلَفِنَا الصَّالِحِ عُثْمَانَ بْنِ مَظْعُونٍ". وَقَوْلُ الصِّدِّيقِ ﵁: لَأُقَاتِلَنَّهُمْ حَتَّى تَنْفَرِدَ سَالِفَتِي. وَهِيَ الْعُنُقُ.
стр. 4786
وَلَفْظُ السَّلَفِ يَتَنَاوَلُ الْقَرْضَ وَالسَّلَمَ؛ لِأَنَّ الْمُقْرِضَ أَيْضًا أَسْلَفَ الْقَرْضَ، أَيْ: قَدَّمَهُ، وَمِنْهُ هَذَا الْحَدِيثُ: "لَا يَحِلُّ سَلَفٌ وَبَيْعٌ"، وَمِنْهُ الْحَدِيثُ الْآخَرُ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ اسْتَسْلَفَ بَكْرًا وَقَضَى جَمَلًا رَبَاعِيًا» اهـ.
قُلْتُ: وقد دلَّ القران أيضاً على مشروعية بيع السلم قال الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا تَدَايَنْتُمْ بِدَيْنٍ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى فَاكْتُبُوهُ﴾ [البقرة: ٢٨٢].
روى عبد الرزاق في [مُصَنَّفِهِ] (١٤٠٦٤)، وابن أبي شيبة في [مُصَنَّفِهِ] (٢٢٧٥٨)، والشافعي كما في [الْمُسْنَد] (٥٩٧)، والحاكم في [الْمُسْتَدْرَكِ] (٣١٣٠)، والبيهقي في [الْكُبْرَى] (١٠٨٦٤، ١٠٨٧٠)، و [الْصُغْرَى] (١٩٨٨)، و [الْمَعْرِفَةِ] (٣٦٢٧)، والطبري في [تَفْسِيْرِهِ] (٦٣٦٠) مِنْ طَرِيْقِ قَتَادَةَ، عَنْ أَبِي حَسَّانَ الْأَعْرَجِ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، قَالَ: «أَشْهَدُ أَنَّ السَّلَفَ الْمَضْمُونَ، إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى، إِنَّ اللَّهَ أَحَلَّهُ وَأَذِنَ فِيهِ» ثُمَّ قَرَأَ: ﴿إِذَا تَدَايَنْتُمْ بِدَيْنٍ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى فَاكْتُبُوهُ﴾ [البقرة: ٢٨٢].
قُلْتُ: هَذَا أَثَرٌ صَحِيْحٌ.
وقد قام الإجماع على جواز السلم. وليس فيه ما يخالف القياس، قَالَ شَيْخُ الْإِسْلَامِ ابْنُ تَيْمِيَّةَ ﵀ كَمَا فِي [مَجْمُوْعِ الْفَتَاوَى] (٢٠/ ٥٢٩ - ٥٣٠):
«وأمَّا قولهم: السلم على خلاف القياس فقولهم هذا من جنس ما رووا عن النَّبي ﷺ أنَّه قال: "لا تبع ما ليس عندك، وأرخص في السلم"، وهذا لم
стр. 4787
يرو في الحديث وإنَّما هو من كلام بعض الفقهاء وذلك أنَّهم قالوا: السلم بيع الإنسان ما ليس عنده فيكون مخالفاً للقياس.
ونهي النَّبي ﷺ حكيم بن حزام عن بيع ما ليس عنده: إمَّا أن يراد به بيع عين معينة فيكون قد باع مال الغير قبل أن يشتريه وفيه نظر. وإمَّا أن يراد به بيع ما لا يقدر على تسليمه وإن كان في الذمة وهذا أشبه؛ فيكون قد ضمن له شيئاً لا يدري هل يحصل أو لا يحصل؟ وهذا في السلم الحال إذا لم يكن عنده ما يوفيه، والمناسبة فيه ظاهرة. فأمَّا السلم المؤجل فإنَّه دين من الديون وهو كالابتياع بثمن مؤجل، فأي فرق بين كون أحد العوضين مؤجلاً في الذمة وكون العوض الآخر مؤجلاً في الذمة؟ وقد قال تعالى:
﴿إِذَا تَدَايَنْتُمْ بِدَيْنٍ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى فَاكْتُبُوهُ﴾، وقال ابن عباس: أشهد أنَّ السلف المضمون في الذمة حلال في كتاب الله وقرأ هذه الآية فإباحة هذا على وفق القياس لا على خلافه» اهـ.
٢ - وفيه أنَّ من شروط بيع السلم معرفة مقدار المبيع، بالكيل إن كان مكيلاً، وبالوزن إن كان موزوناً، وشبيه ذلك العد إذا كان معدوداً، وإن كان مقداره يعرف بطوله حدد طوله بالذرع أو عن طريق مقاييس الطول المعروفة. وإنَّما خُصَ الكيل والوزن باعتبار الغالب. والله أعلم.
٣ - وفيه أنَّ من شروط السلم أن يكون إلى أجل معلوم.
стр. 4788
٤ - واحتج به من قال أنَّه لا بد من الأجل في السلم، وأخذوا من ذلك المنع في السلم الحال لقوله: «إِلَى أَجَلٍ مَعْلُومٍ».
قَالَ الْعَلَّامَةُ ابْنُ قُدَامَةَ ﵀ فِي [الْمُغْنِي] (٩/ ٤٤):
«أحدها: أنَّه يشترط لصحة السلم كونه مؤجلاً، ولا يصح السلم الحال.
قال أحمد، في رواية المروذي: لا يصح حتى يشترط الأجل. وبهذا قال أبو حنيفة، ومالك، والأوزاعي.
وقال الشافعي، وأبو ثور، وابن المنذر: يجوز السلم حالاً؛ لأنَّه عقد يصح مؤجلاً، فصح حالاً، كبيوع الأعيان، ولأنَّه إذا جاز مؤجلاً فحالاً أجوز، ومن الغرر أبعد» اهـ.
قُلْتُ: وهذا الذي ذهب إليه الإمام الشافعي ﵀ وغيره هو الذي يظهر لي رجحانه، لكن بشرط أن يكون المبيع في ملكه، لما رواه أحمد (١٥٣٤٦، ١٥٣٤٧، ١٥٣٥٠، ١٥٦١١) أبو داود (٣٥٠٣)، والترمذي (١٢٣٢)، والنسائي (٤٦١٣)، وابن ماجة (٢١٨٧) مِنْ طَرِيْقِ أَبِي بِشْرٍ، عَنْ يُوسُفَ بْنِ مَاهَكَ، عَنْ حَكِيمِ بْنِ حِزَامٍ، قَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، يَأْتِينِي الرَّجُلُ فَيُرِيدُ مِنِّي الْبَيْعَ لَيْسَ عِنْدِي أَفَأَبْتَاعُهُ لَهُ مِنَ السُّوقِ؟ فَقَالَ: «لَا تَبِعْ مَا لَيْسَ عِنْدَكَ».
قُلْتُ: الصَّحِيْحُ فِي هَذَا الْحَدِيْثِ الانْقِطَاعُ بين يوسف بن مَاهَك وحكيم بن حزام، والواسطة بينهما عبد الله بن عصمة وهو مجهول الحال. لكن يشهد له ما
стр. 4789
رواه أحمد (٦٦٧١)، وأبو داود (٣٥٠٤)، والنسائي (٤٦١١)، والترمذي (١٢٣٤) عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو، قَالَ، قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «لَا يَحِلُّ سَلَفٌ وَبَيْعٌ، وَلَا شَرْطَانِ فِي بَيْعٍ، وَلَا بَيْعُ مَا لَيْسَ عِنْدَكَ».
قُلْتُ: هَذَا حَدِيْثٌ حَسَنٌ.
والشاهد من الحديث أنَّ النبي ﷺ لم ينه عن السلم الحال مطلقاً، وإنَّما نهى ما ليس عند البائع، ومفهومه جواز ذلك إذا كان عنده.
وأمَّا ذكر الأجل في الحديث فالمراد به: إن كان إلى أجل فليكن معلوماً. ويشبهه في ذلك ذكر الكيل والوزن في الحديث، مع أنَّه ليس المراد من ذكرهما حصر السلم فيهما، ولكن المراد من ذكرهما أنَّه إذا باع ما يكال فليكن بكيل معلوم، وإذا باع ما يوزن فليكن بوزن معلوم، مع جواز السلم في غير المكيل والموزون كالمعدود، والمذروع مثلاً. والله أعلم.
قَالَ شَيْخُ الْإِسْلَامِ ابْنُ تَيْمِيَّةَ ﵀ كَمَا فِي [الْاخْتِيَارِاتِ الْفِقْهِيَةِ] (ص: ٤٧٦):
«ويصح السلم حالاً إن كان المسلم فيه موجوداً في ملكه وإلَّا فلا» اهـ.
وَقَالَ الْعَلَّامَةُ ابْنُ الْقَيِّمِ ﵀ فِي [زَادِ الْمَعَادِ] (٥/ ٨١١ - ٨١٦) - عند كلامه على حديث حكيم بن حزام: «لَا تَبِعْ مَا لَيْسَ عِنْدَكَ». -:
«ورأيت لشيخنا في هذا الحديث فصلاً مفيداً وهذه سياقته.
قال: للناس في هذا الحديث أقوال:
стр. 4790
قيل: المراد بذلك أن يبيع السلعة المعينة التي هي مال الغير، فيبيعها، ثم يتملكها، ويسلمها إلى المشتري، والمعنى: لا تبع ما ليس عندك من الأعيان، ونقل هذا التفسير عن الشافعي، فإنَّه يجوز السلم الحال، وقد لا يكون عند المسلم إليه ما باعه، فحمله على بيع الأعيان، ليكون بيع ما في الذمة غير داخل تحته سواء كان حالاً أو مؤجلاً.
وقال آخرون: هذا ضعيف جداً، فإنَّ حكيم بن حزام ما كان يبيع شيئاً معيناً هو ملك لغيره، ثم ينطلق فيشتريه منه، ولا كان الذين يأتونه يقولون: نطلب عبد فلان، ولا دار فلان، وإنَّما الذي يفعله الناس أن يأتيه الطالب، فيقول: أريد طعاماً كذا وكذا، أو ثوباً كذا وكذا، أو غير ذلك، فيقول: نعم أعطيك، فيبيعه منه، ثم يذهب، فيحصله من عند غيره إذا لم يكن عنده، هذا هو الذي يفعله من يفعله من الناس، ولهذا قال: "يأتيني فيطلب مني المبيع ليس عندي" لم يقل يطلب مني ما هو مملوك لغيري، فالطالب طلب الجنس لم يطلب شيئاً معيناً، كما جرت به عادة الطالب لما يؤكل ويلبس ويركب، إنَّما يطلب جنس ذلك، ليس له غرض في ملك شخص بعينه دون ما سواه، مما هو مثله أو خير منه، ولهذا صار الإمام أحمد وطائفة إلى القول الثاني، فقالوا: الحديث على عمومه يقتضي النهي عن بيع ما في الذمة إذا لم يكن عنده، وهو يتناول النهي عن السلم إذا لم يكن عنده، لكن جاءت الأحاديث بجواز السلم المؤجل، فبقي هذا في السلم الحال.
стр. 4791
والقول الثالث - وهو أظهر الأقوال -: أنَّ الحديث لم يرد به النهي عن السلم المؤجل، ولا الحال مطلقاً، وإنَّما أريد به أن يبيع ما في الذمة مما ليس هو مملوكاً له، ولا يقدر على تسليمه، ويربح فيه قبل أن يملكه، ويضمنه، ويقدر على تسليمه، فهو نهي عن السلم الحالي إذا لم يكن عند المستسلف ما باعه، فليزم ذمته بشيء حال، ويربح فيه، وليس هو قادراً على إعطائه، وإذا ذهب يشتريه، فقد يحصل وقد لا يحصل، فهو من نوع الغرر والمخاطرة، وإذا كان السلم حالاً، وجب عليه تسليمه في الحال، وليس بقادر على ذلك، ويربح فيه على أن يملكه ويضمنه، وربما أحاله على الذي ابتاع منه، فلا يكون قد عمل شيئاً، بل أكل المال بالباطل، وعلى هذا فإذا كان السلم الحال والمسلم إليه قادراً على الإعطاء، فهو جائز، وهو كما قال الشافعي إذا جاز المؤجل، فالحال أولى بالجواز.
ومما يبين أنَّ هذا مراد النَّبي ﷺ أنَّ السائل إنَّما سأله عن بيع شيء مطلق في الذمة كما تقدم، لكن إذا لم يجز بيع ذلك، فبيع المعين الذي لم يملكه أولى بالمنع، وإذا كان إنَّما سأله عن بيع شيء في الذمة، فإنَّما سأله عن بيعه حالاً، فإنَّه قال: أبيعه، ثم أذهب فأبتاعه، فقال له: "لَا تَبِعْ مَا لَيْسَ عِنْدَكَ"، فلو كان السلف الحال لا يجوز مطلقاً، لقال له ابتداء: لا تبع هذا سواء كان عنده أو ليس عنده، فإنَّ صاحب هذا القول يقول: بيع ما في الذمة حالاً لا يجوز، ولو كان عنده ما يسلمه، بل إذا كان عنده، فإنَّه لا يبيع إلَّا معيناً لا يبيع شيئاً في الذمة، فلما لم ينه النَّبي ﷺ عن ذلك مطلقاً، بل قال: "لَا تَبِعْ مَا لَيْسَ عِنْدَكَ"، علم
стр. 4792
أنَّه ﷺ فرق بين ما هو عنده ويملكه ويقدر على تسليمه، وما ليس كذلك، وإن كان كلاهما في الذمة.
ومن تدبر هذا تبين له أنَّ القول الثالث هو الصواب، فإن قيل: إن بيع المؤجل جائز للضرورة وهو بيع المفاليس، لأنَّ البائع احتاج أن يبيع إلى أجل، وليس عنده ما يبيعه الآن، فأمَّا الحال، فيمكنه أن يحضر المبيع فيراه، فلا حاجة إلى بيع موصوف في الذمة، أو بيع عين غائبة موصوفة لا يبيع شيئاً مطلقاً؟.
قيل: لا نسلم أنَّ السلم على خلاف الأصل، بل تأجيل المبيع كتأجيل الثمن، كلاهما من مصالح العالم.
والناس لهم في مبيع الغائب ثلاثة أقوال: منهم من يجوزه مطلقاً، ولا يجوزه معيناً موصوفاً كالشافعي في المشهور عنه، ومنهم من يجوزه معيناً موصوفاً، ولا يجوزه مطلقاً كأحمد وأبي حنيفة، والأظهر جواز هذا وهذا، ويقال للشافعي مثل ما قال هو لغيره: إذا جاز بيع المطلق الموصوف في الذمة، فالمعين الموصوف أولى بالجواز، فإنَّ المطلق فيه من الغرر والخطر والجهل أكثر مما في المعين، فإذا جاز بيع حنطة مطلقة بالصفة، فجواز بيعها معينة بالصفة أولى، بل لو جاز بيع المعين بالصفة، فللمشتري الخيار إذا رآه، جاز أيضاً، كما نقل عن الصحابة، وهو مذهب أبي حنيفة وأحمد في إحدى الروايتين، وقد جوز القاضي وغيره من أصحاب أحمد السلم الحال بلفظ البيع.
стр. 4793
والتحقيق: أنَّه لا فرق بين لفظ ولفظ، فالاعتبار في العقود بحقائقها ومقاصدها لا بمجرد ألفاظها، ونفس بيع الأعيان الحاضرة التي يتأخر قبضها يسمى سلفاً إذا عجل له الثمن، كما في "المسند" عن النَّبي ﷺ : "أنَّه نهى أن يسلم في الحائط بعينه إلَّا أن يكون قد بدا صلاحه"، فإذا بدا صلاحه، وقال: أسلمت إليك في عشرة أوسق من تمر هذا الحائط، جاز كما يجوز أن يقول: ابتعت عشرة أوسق من هذه الصبرة، ولكن الثمن يتأخر قبضه إلى كمال صلاحه، فإذا عجل له الثمن قيل له: سلف، لأنَّ السلف هو الذي تقدم، والسالف المتقدم قال الله تعالى ﴿فَجَعَلْنَاهُمْ سَلَفًا وَمَثَلًا لِلْآخِرِينَ﴾ [الزُّخْرُفِ: ٥٦] والعرب تسمي أول الرواحل السالفة، ومنه قول النبي ﷺ : "ألحق بسلفنا الصالح عثمان بن مظعون". وقول الصديق ﵁: لأقاتلنهم حتى تنفرد سالفتي. وهي العنق.
ولفظ السلف يتناول القرض والسلم، لأنَّ المقرض أيضاً أسلف القرض، أي: قدمه، ومنه هذا الحديث "لا يحل سلف وبيع" ومنه الحديث الآخر: "أنَّ النَّبي ﷺ استسلف بكراً، وقضى جملاً رباعياً" والذي يبيع ما ليس عنده لا يقصد إلَّا الربح، وهو تاجر، فيستلف بسعر، ثم يذهب فيشتري بمثل ذلك الثمن، فإنَّه يكون قد أتعب نفسه لغيره بلا فائدة، وإنَّما يفعل هذا من يتوكل لغيره فيقول: أعطني، فأنا أشتري لك هذه السلعة، فيكون أميناً، أمَّا أنَّه يبيعها
стр. 4794
بثمن معين يقبضه، ثم يذهب فيشتريها بمثل ذلك الثمن من غير فائدة في الحال، فهدا لا يفعله عاقل، نعم إذا كان هناك تاجر، فقد يكون محتاجاً إلى الثمن، فيستسلفه وينتفع به مدة إلى أن يحصل تلك السلعة، فهذا يقع في السلم المؤجل، وهو الذي يسمى بيع المفاليس، فإنَّه يكون محتاجاً إلى الثمن وهو مفلس، وليس عنده في الحال ما يبيعه، ولكن له ما ينتظره من مغل أو غيره، فيبيعه في الذمة، فهذا يفعل مع الحاجة، ولا يفعل بدونها إلَّا أن يقصد أن يتجر بالثمن في الحال، أو يرى أنَّه يحصل به من الربح أكثر مما يفوت بالسلم، فإنَّ المستسلف يبيع السلعة في الحال بدون ما تساوي نقداً، والمسلف يرى أن يشتريها إلى أجل بأرخص مما يكون عند حصولها، وإلَّا فلو علم أنَّها عند طرد الأصل تباع بمثل رأس مال السلم لم يسلم فيها، فيذهب نفع ماله بلا فائدة، وإذا قصد الأجر، أقرضه ذلك قرضاً، ولا يجعل ذلك سلماً إلَّا إذا ظن أنَّه في الحال أرخص منه وقت حلول الأجل، فالسلم المؤجل في الغالب لا يكون إلَّا مع حاجة المستسلف إلى الثمن، وأمَّا الحال، فإن كان عنده، فقد يكون محتاجاً إلى الثمن، فيبيع ما عنده معيناً تارة، وموصوفاً أخرى، وأمَّا إذا لم يكن عنده، فإنَّه لا يفعله إلَّا إذا قصد التجارة والربح، فيبيعه بسعر، ويشتريه بأرخص منه.
ثم هذا الذي قدره قد يحصل كما قدره، وقد لا يحصل له تلك السلعة التي يسلف فيها إلَّا بثمن أغلى مما أسلف فيندم، وإن حصلت بسعر أرخص من ذلك، قدم
стр. 4795
السلف إذ كان يمكنه أن يشتريه هو بذلك الثمن، فصار هذا من نوع الميسر والقمار والمخاطرة، كبيع العبد الآبق، والبعير الشارد يباع بدون ثمنه، فإن حصل، ندم البائع، وإن لم يحصل، ندم المشتري، وكذلك بيع حبل الحبلة، وبيع الملاقيح والمضامين، ونحو ذلك مما قد يحصل، وقد لا يحصل، فبائع ما ليس عنده من جنس بائع الغرر الذي قد يحصل، وقد لا يحصل وهو من جنس القمار والميسر.
والمخاطرة مخاطرتان: مخاطرة التجارة وهو أن يشتري السلعة بقصد أن يبيعها ويربح ويتوكل على الله في ذلك، والخطر الثاني: الميسر الذي يتضمن أكل المال بالباطل، فهذا الذي حرمه الله تعالى ورسوله مثل بيع الملامسة والمنابذة، وحبل الحبلة والملاقيح والمضامين، وبيع الثمار قبل بدو صلاحها، ومن هذا النوع يكون أحدهما قد قمر الآخر، وظلمه، ويتظلم أحدهما من الآخر بخلاف التاجر الذي قد اشترى السلعة، ثم بعد هذا نقص سعرها، فهذا من الله سبحانه ليس لأحد فيه حيلة، ولا يتظلم مثل هذا من البائع، وبيع ما ليس عنده من قسم القمار والميسر، لأنَّه قصد أن يربح على هذا لما باعه ما ليس عنده، والمشتري لا يعلم أنَّه يبيعه، ثم يشتري من غيره، وأكثر الناس لو علموا ذلك لم يشتروا منه، بل يذهبون ويشترون من حيث اشترى هو، وليست هذه المخاطرة مخاطرة التجار بل مخاطرة المستعجل بالبيع قبل القدرة على التسليم، فإذا اشترى التاجر السلعة، وصارت عنده ملكاً وقبضاً، فحينئذ دخل في خطر التجارة، وباع بيع التجارة كما أحله الله بقوله: ﴿لَا
стр. 4796
تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ إِلَّا أَنْ تَكُونَ تِجَارَةً عَنْ تَرَاضٍ مِنْكُمْ﴾ [النِّسَاءِ ٢٩]، والله أعلم» اهـ.
قُلْتُ: واختلف المشترطون للأجل في بيع السلم عن أقله، فمنهم من حده بشهر، ومنهم بثلاثة أيام ومنهم بساعة، وليس لهذه التحديدات حجة ظاهرة، وأي أجل ذكره مما يوجد فيه المبيع ويقدر على تسليمه فإنَّه يصح.
قَالَ الْعَلَّامَةُ ابْنُ قُدَامَةَ ﵀ فِي [الْمُغْنِي] (٩/ ٤٩):
«ومن شرط الأجل أن يكون مدة لها وقع في الثمن، كالشهر وما قاربه.
وقال أصحاب أبي حنيفة: لو قدره بنصف يوم، جاز.
وقدره بعضهم بثلاثة أيام، وهو قول الأوزاعي؛ لأنَّها مدة يجوز فيها خيار الشرط، ولأنَّها آخر حد القلة، ويتعلق بها عندهم إباحة رخص السفر.
وقال الآخرون: إنَّما اعتبر التأجيل لأنَّ المسلم فيه معدوم في الأصل، لكون السلم إنَّما ثبت رخصة في حق المفاليس، فلا بد من الأجل ليحصل ويسلم؛ وهذا يتحقق بأقل مدة يتصور تحصيله فيها، ولنا أنَّ الأجل إنَّما اعتبر ليتحقق المرفق الذي شرع من أجله السلم، ولا يحصل ذلك بالمدة التي لا وقع لها في الثمن، ولا يصح اعتباره بمدة الخيار؛ لأنَّ الخيار يجوز ساعة، وهذا لا يجوز، والأجل يجوز أن يكون أعواماً، وهم لا يجيزون الخيار أكثر من ثلاث، وكونها آخر حد القلة، لا يقتضي التقدير بها.
стр. 4797
وقولهم: إنَّ المقصود يحصل بأقل مدة. غير صحيح؛ فإنَّ السلم إنَّما يكون لحاجة المفاليس الذين لهم ثمار أو زروع أو تجارات ينتظرون حصولها، ولا تحصل هذه في المدة اليسيرة» اهـ.
٥ - احتج به على جواز السلم في اللحم.
قَالَ الْعَلَّامَةُ ابْنُ قُدَامَةَ ﵀ فِي [الْمُغْنِي] (٩/ ٢٢):
«فصل: ويصح السلم في اللحم. وبه قال مالك، والشافعي.
وقال أبو حنيفة: لا يجوز؛ لأنَّه يختلف.
ولنا، قول النبي ﷺ : "من أسلم فليسلم في كيل معلوم، أو وزن معلوم".
وظاهره إباحة السلم في كل موزون. ولأننا قد بينا جواز السلم في الحيوان، فاللحم أولى» اهـ.
قُلْتُ: الصحيح جواز السلم فيه. والله أعلم.
٦ - وفيه ما يدل على جواز السلم في المعدوم عند العقد، ووجه الشاهد أنَّ من أسلف في الثمار سنة أو سنتين أو ثلاث فقد أسلم في معدوم عند العقد، والنبي ﷺ لم ينههم عن ذلك، وهذا مذهب الجمهور، وخالف أبو حنيفة فذهب إلى أنَّه لا بد من وجود المسلم به عند العقد.
قَالَ الْعَلَّامَةُ ابْنُ قُدَامَةَ ﵀ فِي [الْمُغْنِي] (٩/ ٥٣):
стр. 4798
«فصل: ولا يشترط كون المسلم فيه موجوداً حال السلم، بل يجوز أن يسلم في الرطب في أوان الشتاء، وفي كل معدوم إذا كان موجوداً في المحل. وهذا قول مالك، والشافعي، وإسحاق، وابن المنذر.
وقال الثوري، والأوزاعي، وأصحاب الرأي: لا يجوز حتى يكون جنسه موجوداً حال العقد إلى حين المحل؛ لأنَّ كل زمن يجوز أن يكون محلاً للمسلم فيه لموت المسلم إليه، فاعتبر وجوده فيه كالمحل ولنا، أنَّ النَّبي ﷺ قدم المدينة وهم يسلفون في الثمار السنة والسنتين، فقال: "من أسلف فليسلف في كيل معلوم، ووزن معلوم، إلى أجل معلوم".
ولم يذكر الوجود، ولو كان شرطاً لذكره، ولنهاهم عن السلف سنتين؛ لأنَّه يلزم منه انقطاع المسلم فيه أوسط السنة، ولأنَّه يثبت في الذمة، ويوجد في محله غالباً، فجاز السلم فيه، كالموجود، ولا نسلم أن الدين يحل بالموت، وإن سلمنا فلا يلزم أن يشترط ذلك الوجود، إذ لو لزم أفضى إلى أن تكون آجال السلم مجهولة، والمحل ما جعله المتعاقدان محلاً، وها هنا لم يجعلاه» اهـ.
وَقَالَ الْعَلَّامَةُ ابْنُ الْقَيِّمِ ﵀ فِي [إِعْلَامِ الْمُوَقِعِيْنَ] (١/ ٤٥٢):
«والذين شرطوا أن يكون دائم الجنس غير منقطع قصدوا به إبعاده من الغرر بإمكان التسليم، لكن ضيقوا ما وسع الله، وشرطوا ما لم يشرطه، وخرجوا عن موجب القياس والمصلحة.
стр. 4799
أمَّا القياس فإنَّه أحد العوضين، فلم يشترط دوامه ووجوده كالثمن، وأمَّا المصلحة فإنَّ في اشتراط ذلك تعطيل مصالح الناس، إذ الحاجة التي لأجلها شرع الله ورسوله السلم الارتفاق من الجانبين، هذا يرتفق بتعجيل الثمن، وهذا يرتفق برخص الثمن، وهذا قد يكون في منقطع الجنس كما قد يكون في متصله فالذي جاءت به الشريعة أكمل شيء وأقومه بمصالح العباد» اهـ.
٧ - وفيه تسليم رأس المال في مجلس العقد، وهو مأخوذ من معنى السلف، والسلم لغةً. فلو أجل الثمن فلا يصح السلم، ويصير من بيع الكالئ بالكالئ، ومعناه بيع الدين بالدين.
قَالَ الْعَلَّامَةُ ابْنُ قُدَامَةَ ﵀ فِي [الْمُغْنِي] (٩/ ٥٧):
«مسألة: قال: "ويقبض الثمن كاملاً وقت السلم قبل التفرق" هذا الشرط السادس، وهو أن يقبض رأس مال السلم في مجلس العقد، فإن تفرقا قبل ذلك بطل العقد. وبهذا قال أبو حنيفة والشافعي.
وقال مالك: يجوز أن يتأخر قبضه يومين وثلاثة وأكثر، ما لم يكن ذلك شرطاً؛ لأنَّه معاوضة لا يخرج بتأخير قبضه من أن يكون سلماً، فأشبه ما لو تأخر إلى آخر المجلس» اهـ.
وقَالَ شَيْخُ الْإِسْلَامِ ابْنُ تَيْمِيَّةَ ﵀ كَمَا فِي [مَجْمُوْعِ الْفَتَاوَى] (٢٠/ ٥١٢):
стр. 4800
«والكالئ هو المؤخر الذي لم يقبض بالمؤخر الذي لم يقبض وهذا كما لو أسلم شيئاً في شيء في الذمة وكلاهما مؤخر فهذا لا يجوز بالاتفاق وهو بيع كالئ بكالئ» اهـ.
وَقَالَ ﵀ كَمَا فِي [مَجْمُوْعِ الْفَتَاوَى] (٣٠/ ٢٦٤):
«ولهذا نهي عن بيع الكالئ بالكالئ؛ لأنَّه عقد وإيجاب على النفوس بلا حصول مقصود لأحد الطرفين ولا لهما» اهـ.
وَقَالَ الْعَلَّامَةُ ابْنُ الْقَيِّمِ ﵀ فِي [إِعْلَامِ الْمُوَقِعِيْنَ] (١/ ٤٥٢):
«فثبت أنَّ إباحة السلم على وفق القياس والمصلحة وشرع على أكمل الوجوه وأعدلها فشرط فيه قبض الثمن في الحال إذ لو تأخر لحصل شغل الذمتين بغير فائدة، ولهذا سمي سلماً لتسليم الثمن فإذا أخر الثمن دخل في حكم الكالئ بالكالئ بل هو نفسه وكثرت المخاطرة ودخلت المعاملة في حد الغرر ولذلك منع الشارع أن يشترط فيه كونه من حائط معين لأنه قد يتخلف فيمتنع التسليم» اهـ.
وَقَالَ ﵀ فِي [إِغَاثَةِ اللَّهْفَانِ] (١/ ٣٦٤):
«ونهى عن بيع الكالئ بالكالئ، وهو الدين المؤخر بالدين المؤخر، لأنَّه ذريعة إلى ربا النسيئة» اهـ.
قُلْتُ: وإن أخر بعض الثمن، فيبطل من السلم بمقدار ما لم يقبض.
قَالَ الْعَلَّامَةُ الْنَوَوِي ﵀ فِي [رَوْضَةِ الطَّالِبِيْنَ] (٤/ ٣):
следующие страницы →