Полный текст (8 095 стр.). Показаны 4971–5010 · переход к 4976.
стр. 4971
وَقَالَ ﵀ كَمَا فِي [الْفَتَاوَى الْكُبْرَى] (٦/ ٥٠ - ٥٢):
«وَأَمَّا إنْ بَاعَهَا لِغَيْرِهِ بَيْعًا ثَابِتًا وَلَمْ تَعُدْ إلَى الْأَوَّلِ بِحَالٍ، فَقَدْ اخْتَلَفَ السَّلَفُ فِي كَرَاهَتِهِ وَيُسَمُّونَهُ التَّوَرُّقَ، لِأَنَّ مَقْصُودَهُ الْوَرِقُ.
وَكَانَ عُمَرُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ يَكْرَهُهُ وَقَالَ: التَّوَرُّقُ أَخْبَثُ الرِّبَا، وَإِيَاسُ بْنُ مُعَاوِيَةَ يُرَخِّصُ فِيهِ، وَعَنْ الْإِمَامِ أَحْمَدَ فِيهِ رِوَايَتَانِ مَنْصُوصَتَانِ وَأَشَارَ فِي رِوَايَةِ الْكَرَاهَةِ إلَى أَنَّهُ مُضْطَرٌّ، وَلَعَلَّ الْحَدِيثَ الَّذِي رَوَاهُ أُسَامَةُ عَنْ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُ قَالَ: "إنَّمَا الرِّبَا فِي النَّسِيئَةِ" أَخْرَجَاهُ فِي الصَّحِيحَيْنِ، إنَّمَا هُوَ إشَارَةٌ إلَى هَذَا أَوْ نَحْوِهِ فَإِنَّ رِبَا النَّسِيئَةِ يَدْخُلُ فِي جَمِيعِ الْأَمْوَالِ فِي عُمُومِ الْأَوْقَاتِ بِخِلَافِ رِبَا الْفَضْلِ فَإِنَّهُ نَادِرٌ لَا يَكَادُ يُفْعَلُ إلَّا عِنْدَ صِفَةِ الْمَالَيْنِ وَهَذَا كَمَا يُقَالُ إنَّمَا الْعَالِمُ زَيْدٌ وَلَا سَيْفَ إلَّا ذُو الْفَقَارِ يَعْنِي أَنَّهُ هُوَ الْكَامِلُ فِي بَابِهِ وَكَذَلِكَ النَّسِيئَةُ هِيَ أَعْظَمُ الرِّبَا وَكُبْرُهُ.
يُؤَيِّدُ هَذَا الْمَعْنَى مَا صَحَّ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّهُ قَالَ: "إذَا اسْتَقَمْت بِنَقْدٍ فَبِعْت بِنَقْدٍ، فَلَا بَأْسَ، وَإِذَا اسْتَقَمْت بِنَقْدٍ فَبِعْته بِنَسِيئَةٍ فَلَا خَيْرَ فِيهِ تِلْكَ وَرِقٌ بِوَرِقٍ" - رَوَاهُ سَعِيدٌ وَغَيْرُهُ - يَعْنِي إذَا قَوَّمْتهَا بِنَقْدٍ ثُمَّ بِعْتهَا نَسِيئًا كَانَ مَقْصُودُ الْمُشْتَرِي اشْتِرَاءَ دَرَاهِمَ مُعَجَّلَةٍ بِدَرَاهِمَ مُؤَجَّلَةٍ وَهَذَا شَأْنُ الْمُوَرِّقِينَ فَإِنَّ الرَّجُلَ يَأْتِيهِ فَيَقُولُ أُرِيدُ أَلْفَ دِرْهَمٍ فَيُخْرِجُ لَهُ سِلْعَةً تُسَاوِي أَلْفَ دِرْهَمٍ وَهَذَا هُوَ الِاسْتِقَامَةُ - يَقُولُ أَقَمْت السِّلْعَةَ وَقَوَّمْتهَا وَاسْتَقَمْتهَا بِمَعْنًى وَاحِدٍ وَهِيَ لُغَةٌ مَكِّيَّةٌ مَعْرُوفَةٌ بِمَعْنَى التَّقْوِيمِ - فَإِذَا قَوَّمْتهَا بِأَلْفٍ قَالَ اشْتَرَيْتهَا بِأَلْفٍ وَمِائَتَيْنِ، أَوْ أَكْثَرَ أَوْ أَقَلَّ فَقَوْلُ ابْنِ
стр. 4972
عَبَّاسٍ يُوَافِقُ قَوْلَ عُمَرَ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ وَكَذَلِكَ قَالَ مُحَمَّدُ بْنُ سِيرِينَ إذَا أَرَادَ أَنْ يَبْتَاعَهُ بِنَقْدٍ فَلْيُسَاوِمْهُ بِنَقْدٍ، وَإِنْ كَانَ يُرِيدُ أَنْ يَبْتَاعَهُ بِنَسْأٍ فَلْيُسَاوِمْهُ بِنَسْإٍ كَرِهُوا أَنْ يُسَاوِمَهُ بِنَقْدٍ ثُمَّ يَبِيعَهُ بِنَسْإٍ لِئَلَّا يَكُونَ الْمَقْصُودُ بَيْعَ الدَّرَاهِمِ بِالدَّرَاهِمِ وَهَذَا مِنْ أَبْيَنِ دَلِيلٍ عَلَى كَرَاهَتِهِمْ، لِمَا هُوَ أَشَدُّ مِنْ ذَلِكَ، وَكَذَلِكَ مَا قَدْ حُفِظَ عَنْ ابْنِ عُمَرَ، وَابْنِ عَبَّاسٍ وَغَيْرِ وَاحِدٍ مِنْ السَّلَفِ أَنَّهُمْ كَرِهُوا بَيْعَ " ده بدوازده "؛ لِأَنَّ لَفْظَهُ: أَبِيعُك الْعَشَرَةَ بِاثْنَيْ عَشَرَ، فَكَرِهُوا هَذَا الْكَلَامَ لِمُشَابَهَتِهِ الرِّبَا، وَمَا يَجُوزُ أَنْ يُقْصَدَ بِهِ ذَلِكَ، مَا رَوَى أَبُو دَاوُد فِي سُنَنِهِ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عُمَرَ، وَعَنْ أَبِي سَلَمَةَ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: "مَنْ بَاعَ بَيْعَتَيْنِ فِي بَيْعَةٍ فَلَهُ أَوْكَسُهُمَا أَوْ الرِّبَا" فَإِنَّ لِلنَّاسِ فِي تَفْسِيرِ الْبَيْعَتَيْنِ فِي بَيْعَةٍ تَفْسِيرَيْنِ:
أَحَدُهُمَا: أَنْ يَقُولَ هُوَ لَك بِنَقْدٍ بِكَذَا وَبِنَسِيئَةٍ بِكَذَا، كَمَا رَوَاهُ سِمَاكُ بْنُ حَرْبٍ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ، عَنْ أَبِيهِ قَالَ: "نَهَى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَنْ صَفْقَتَيْنِ فِي صَفْقَةٍ" قَالَ سِمَاكٌ: الرَّجُلُ يَبِيعُ الْبَيْعَ فَيَقُولُ هُوَ بِنَسْإٍ بِكَذَا وَبِنَقْدٍ بِكَذَا وَكَذَا رَوَاهُ الْإِمَامُ أَحْمَدُ.
وَعَلَى هَذَا فَلَهُ وَجْهَانِ: أَحَدُهُمَا: أَنْ يَبِيعَهُ بِأَحَدِهِمَا مُبْهَمًا وَيَتَفَرَّقَا عَلَى ذَلِكَ وَهَذَا تَفْسِيرُ جَمَاعَةٍ مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ لَكِنَّهُ بَعِيدٌ مِنْ هَذَا الْحَدِيثِ فَإِنَّهُ لَا مَدْخَلَ لِلرِّبَا هُنَا وَلَا صَفْقَتَيْنِ هُنَا، وَإِنَّمَا هِيَ صَفْقَةٌ وَاحِدَةٌ بِثَمَنٍ مُبْهَمٍ.
стр. 4973
وَالثَّانِي: أَنْ يَقُولَ هِيَ بِنَقْدٍ بِكَذَا أَبِيعُكَهَا بِنَسِيئَةٍ كَذَا كَالصُّورَةِ الَّتِي ذَكَرَهَا ابْنُ عَبَّاسٍ، فَيَكُونُ قَدْ جَمَعَ صَفْقَتَيْ النَّقْدِ وَالنَّسِيئَةِ فِي صَفْقَةٍ وَاحِدَةٍ وَجَعَلَ النَّقْدَ مِعْيَارًا لِلنَّسِيئَةِ وَهَذَا مُطَابِقٌ، لِقَوْلِهِ ﷺ : "فَلَهُ أَوْكَسُهُمَا أَوْ الرِّبَا". فَإِنَّ مَقْصُودَهُ حِينَئِذٍ، هُوَ بَيْعُ دَرَاهِمَ عَاجِلَةٍ بِآجِلَةٍ، فَلَا يَسْتَحِقُّ إلَّا رَأْسَ مَالِهِ، وَهُوَ أَوْكَسُ الصَّفْقَتَيْنِ وَهُوَ مِقْدَارُ الْقِيمَةِ الْعَاجِلَةِ فَإِنْ أَخَذَ الزِّيَادَةَ فَهُوَ مُرْبٍ.
التَّفْسِيرُ الثَّانِي: أَنْ يَبِيعَهُ الشَّيْءَ بِثَمَنٍ عَلَى أَنْ يَشْتَرِيَ الْمُشْتَرِي مِنْهُ ذَلِكَ الثَّمَنَ، وَأَوْلَى مِنْهُ أَنْ يَبِيعَهُ السِّلْعَةَ عَلَى أَنْ يَشْتَرِيَهَا الْبَائِعُ بَعْدَ ذَلِكَ، وَهَذَا أَوْلَى بِلَفْظِ الْبَيْعَتَيْنِ فِي بَيْعَةٍ، فَإِنَّهُ بَاعَ السِّلْعَةَ وَابْتَاعَهَا، أَوْ بَاعَ بِالثَّمَنِ وَبَاعَهُ، وَهَذَا صَفْقَتَانِ فِي صَفْقَةٍ حَقِيقَةً، وَهَذَا بِعَيْنِهِ هُوَ الْعِينَةُ الْمُحَرَّمَةُ وَمَا أَشْبَهَهَا، مِثْلُ أَنْ يَبِيعَهُ نَسْئًا، ثُمَّ يَشْتَرِيَ بِأَقَلَّ مِنْهُ نَقْدًا، أَوْ يَبِيعَهُ نَقْدًا، ثُمَّ يَشْتَرِيَ بِأَكْثَرَ مِنْهُ نَسْئًا، وَنَحْوِ ذَلِكَ، فَيَعُودُ حَاصِلُ هَاتَيْنِ الصَّفْقَتَيْنِ إلَى أَنْ يُعْطِيَهُ دَرَاهِمَ وَيَأْخُذَ أَكْثَرَ مِنْهَا وَسِلْعَتُهُ عَادَتْ إلَيْهِ، فَلَا يَكُونُ لَهُ إلَّا أَوْكَسُ الصَّفْقَتَيْنِ، وَهُوَ النَّقْدُ، فَإِنْ ازْدَادَ فَقَدْ أَرْبَى وَمِمَّا يُؤَيِّدُ أَنَّهُ قَصَدَ بِالْحَدِيثِ هَذَا، وَنَحْوُهُ أَنَّ فِي حَدِيثِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو، عَنْ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُ "نَهَى عَنْ بَيْعَتَيْنِ فِي بَيْعَةٍ وَعَنْ سَلَفٍ وَبَيْعٍ" - رَوَاهُ الْإِمَامُ أَحْمَدُ - وَكِلَا هَذَيْنِ الْعَقْدَيْنِ يُؤَوَّلَانِ إلَى الرِّبَا، وَفِي النَّهْيِ عَنْ هَذَا كُلِّهِ أَوْضَحُ دَلَالَةٍ عَنْ النَّهْيِ عَنْ الْحِيَلِ الَّتِي هِيَ فِي الظَّاهِرِ بَيْعٌ وَفِي الْحَقِيقَةِ رِبًا» اهـ.
وَقَالَ الْعَلَّامَةُ ابْنُ الْقَيِّمِ ﵀ فِي [تَهْذِيْبِ السُّنَنِ] (٢/ ١٥٦):
стр. 4974
«وقد نص أحمد في رواية أبي داود على أنَّها من العينة، وأطلق عليها اسمها. وقد اختلف السلف في كراهيتها، فكان عمر بن عبد العزيز يكرهها، وكان يقول: "التورق أخية الربا". ورخص فيها إياس بن معاوية. وعن أحمد فيها روايتان منصوصتان، وعلل الكراهة في إحداهما بأنَّه بيع مضطر … » اهـ.
وَقَالَ ﵀ فِي [إِعْلَامِ الْمُوَقِعِيْنَ] (٣/ ٢٣٠):
«وأخفها التورق وقد كرهه عمر بن عبد العزيز وقال: هو أخيه الربا، وعن أحمد فيه روايتان، وأشار في رواية الكراهة إلى إنَّه مضطر، وهذا من فقهه ﵁، قال: فإنَّ هذا لا يدخل فيه إلَّا مضطر. وكان شيخنا ﵀ يمنع من مسألة التورق وروجع فيها مراراً وأنا حاضر فلم يرخص فيها، وقال: المعنى الذي لأجله حرم الربا موجود فيها بعينه مع زيادة الكلفة بشراء السلعة وبيعها والخسارة فيها فالشريعة لا تحرم الضرر الأدنى وتبيح ما هو أعلى منه» اهـ.
وَقَالَ ﵀ فِي [إِعْلَامِ الْمُوَقِعِيْنَ] (٣/ ٢٥٧) - على لسان أرباب الحيل في ردهم على الحنابلة -:
«وقالوا بجواز مسألة التورق وهي شقيقة مسألة العينة فأي فرق بين مصير السلعة إلى البائع وبين مصيرها إلى غيره، بل قد يكون عودها إلى البائع أرفق بالمشتري وأقل كلفة عليه وأرفع لخسارته وتعنيه، فكيف تحرمون الضرر اليسير وتبيحون ما هو أعظم منه، والحقيقة في الموضوعين واحدة وهي عشرة بخمسة
стр. 4975
عشر وبينهما حريرة رجعت في إحدى الصورتين إلى مالكها وفي الثانية إلى غيره» اهـ.
وَقَالَ ﵀ فِي [تَهْذِيْبِ السُّنَنِ] (٢/ ١٥٦):
«فأحمد رحمه الله تعالى أشار إلى أنَّ العينة إنَّما تقع من رجل مضطر إلى نقد، لأنَّ الموسر يضن عليه بالقرض، فيضطر إلى أن يشتري منه سلعة ثم يبيعها، فإن اشتراها منه بائعها كانت عينة، وإن باعها من غيره فهي التورق. ومقصوده في الموضعين: الثمن فقد حصل في ذمته ثمن مؤجل مقابل الثمن حال أنقص منه، ولا معنى للربا إلَّا هذا لكنه ربا بسلم، لم يحصل له مقصوده إلَّا بمشقة، ولو لم يقصده كان ربا بسهولة» اهـ.
قُلْتُ: أكثر العلماء من المتقدمين، والمتأخرين على جواز التورق، وقد أفتى بجوازه من العلماء المتأخرين، محمد بن إبراهيم آل الشيخ، وابن باز، وابن عثيمين، والفوزان، وعبد الله بن غديان، وعبد الرزاق عفيفي، وعبد العزيز آل الشيخ، واللجنة الدائمة للإفتاء.
قَالَ العَلَّامَةُ ابْنُ بَازٍ ﵀ كَمَا فِي [مَجْمُوعِ فَتَاوَى ابْنِ بَازٍ] (١٩/ ٥٠ - ٥١):
«لكن إذا كان مقصود المشتري لكيس السكر ونحوه بيعه والانتفاع بثمنه، وليس مقصوده الانتفاع بالسلعة نفسها، فهذه المعاملة تسمى مسألة: (التورق) ويسميها بعض العامة (الوعدة)، وقد اختلف العلماء في جوازها على قولين:
стр. 4976
أحدهما: أنَّها ممنوعة أو مكروهة؛ لأنَّ المقصود منها شراء دراهم بدراهم وإنَّما السلعة المبيعة واسطة غير مقصودة.
والقول الثاني: للعلماء جواز هذه المعاملة لمسيس الحاجة إليها؛ لأنَّه ليس كل أحد اشتدت حاجته إلى النقد يجد من يقرضه بدون ربا؛ لدخولها في عموم قوله سبحانه: ﴿وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ﴾ وقوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا تَدَايَنْتُمْ بِدَيْنٍ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى فَاكْتُبُوهُ﴾، ولأنَّ الأصل في الشرع حل جميع المعاملات إلَّا ما قام الدليل على منعه، ولا نعلم حجة شرعية تمنع هذه المعاملة.
وأمَّا تعليل من منعها أو كرهها بكون المقصود منها هو النقد، فليس ذلك موجباً لتحريمها ولا لكراهتها؛ لأنَّ مقصود التجار غالباً في المعاملات هو تحصيل نقود أكثر بنقود أقل والسلع المبيعة هي الواسطة في ذلك، وإنَّما يمنع مثل هذا العقد إذا كان البيع والشراء من شخص واحد كمسألة العينة. فإنَّ ذلك يتخذ حيلة على الربا، وصورة ذلك أن يشتري شخص سلعة من آخر بثمن في الذمة، ثم يبيعها عليه بثمن أقل ينقده إياه، فهذا ممنوع شرعاً؛ لما فيه من الحيلة على الربا وتسمى هذه المسألة مسألة العينة، وقد ورد فيها من حديث عائشة وابن عمر ﵃ ما يدل على منعها.
أما مسألة التورق التي يسميها بعض الناس الوعدة فهي معاملة أخرى، ليست من جنس مسألة العينة؛ لأنَّ المشتري فيها اشترى السلعة من شخص إلى أجل
стр. 4977
وباعها من آخر نقداً من أجل حاجته للنقد وليس في ذلك حيلة على الربا؛ لأنَّ المشتري غير البائع» اهـ.
قُلْتُ: وما ذكره العلامة ابن باز ﵀ هو الذي يظهر لي رجحانه في مسألة التورق، لكن بشرط ألَّا يزيد في قيمتها نسيئة فإن زاد فلا يشرع كما يدل عليه أثر ابن عباس فإنَّه يكون حينئذ باع دراهم معجلة بدراهم مؤجلة مع الزيادة، وبيان ذلك أنَّ المشتري لا غرض له في البضاعة وإنَّما يريد المال فإذا كان يريد مثلاً عشرة دراهم من البائع فجاءه البائع ببضاعة قيمتها عشرة دراهم حالة وباعها له نسيئة باثني عشر درهماً فكأنَّه باع له عشرة دراهم باثني عشر درهماً، لكن إن قوم البضاعة حالاً بعشرة وباعها له نسيئة بعشرة فهذا محسن وليس بمرابي، ويجوز له حينئذ أن يبيعها لشخص آخر بتسعة دراهم حالة ولا ربا في ذلك ولا احتيال عليه. والله أعلم.
وقد ظهر في هذه الأزمان المتأخرة ما يسمى بـ"التورق المصرفي"، وهو تحصيل النقد بشراء سلعة من البنك وتوكيله في بيعها وتقييد ثمنها في حساب المشتري.
وصورة ذلك: أن يقوم البنك بشراء كمية من البضائع من السوق الدولية، وتبقى في المخازن الدولية، وتحرر الشركة للبنك المشتري شهادة تخزين بمواصفات السلعة وكميتها ورقم صنفها.
ثم يقوم البنك ببيع السلعة إلى العميل بالمرابحة مؤجلة الثمن.
ثم يبيع العميل السلعة بعد تملكها بثمن حال بتوكيل البنك بالبيع.
стр. 4978
قُلْتُ: وهذه المعاملة من المعاملات الباطلة، وهي داخلة عند بعض العلماء في بيع العينة.
قَالَ الْعَلَّامَةُ ابْنُ الْقَيِّمِ ﵀ فِي [تَهْذِيْبِ السُّنَنِ] (٢/ ١٥٦ - ١٥٧):
«وللعينة صورة رابعة - وهي أخت صورها - وهي أن يكون عند الرجل المتاع فلا يبيعه إلَّا نسيئة، ونص أحمد على كراهة ذلك فقال: العينة أن يكون عنده المتاع فلا يبيعه إلَّا بنسيئة، فإن باع بنسيئة ونقد فلا بأس. وقال أيضاً: أكره للرجل أن لا يكون له تجارة غير العينة فلا يبيع بنقد. قال ابن عقيل: إنَّما كره ذلك لمضارعته الربا، فإنَّ البائع بنسيئة يقصد الزيادة غالباً. وعلله شيخنا ابن تيمية ﵁ بأنَّه يدخل في بيع المضطر، فإنَّ غالب من يشتري بنسيئة إنَّما يكون لتعذر النقد عليه، فإذا كان الرجل لا يبيع إلَّا بنسيئة كان ربحه على أهل الضرورة والحاجة، وإذا باع بنقد ونسيئة كان تاجراً من التجار» اهـ.
قُلْتُ: والناظر إلى ما يسمى بـ"التورق المصرفي"، يقطع أنَّهم، لا غرض لهم في التجارة، وإنَّما غرضهم بذلك التحايل على الربا، و"إنَّما الأعمال بالنيات".
أضف إلى ذلك أنَّ التعامل بهذه المعاملة بالبيع والشراء يتم قبل القبض للبضاعة، فالبنك يبيعها لعميله قبل قبضها، والعميل يوكل البنك في بيعها قبل قبضها له.
قُلْتُ: وبيع الشيء قبل قبضه لا يجوز، وهذا مما يدل على أنَّ البضاعة دخلت في هذه المعاملة دخولاً صورياً لا معنى لها، فهي أشبه بالحرف الذي جاء لمعنى في
стр. 4979
غيره، فإنَّما أتي بها لتحليل الربا، كالتيس المستعار الذي يقصد منه تحليل ما حرم من النكاح.
وهناك صورة أخرى من صور العينة، وهي من أشدها، وذلك إذا تواطأ المترابيان على الربا ثم يعمدان إلى رجل عنده متاع فيشتريه منه المحتاج، ثم يبيعه للمربي بثمن حال ويقبضه منه، ثم يبيعه إياه المربي بثمن أكثر مؤجل وهو ما اتفقا عليه ثم يعيد المتاع إلى ربه ويعطيه شيئاً وهذه تسمى الثلاثية.
قَالَ الْعَلَّامَةُ ابْنُ الْقَيِّمِ ﵀ فِي [تَهْذِيْبِ السُّنَنِ] (٢/ ١٥٧): «وهي أقبح صورها وأشدها تحريماً» اهـ.
وَقَالَ ﵀: «وهذه تسمى الثلاثية لأنَّها بين ثلاثة، وإذا كانت السلعة بينهما خاصة فهي الثنائية. وفي الثلاثية: قد أدخلا بينهما محللاً يزعمان أنَّه يحلل لهما ما حرم الله من الربا. وهو كمحلل النكاح. فهذا محلل الربا، وذلك محلل الفروج، والله تعالى لا تخفى عليه خافية. بل يعلم خائنة الأعين وما تخفي الصدور» اهـ.
قُلْتُ: وخلاصة القول: أنَّ للعينة خمسة صور:
الصورة الأولى: أن يبيع السلعة إلى أجل ثم يشتريها من المشتري بأقل من ذلك حالاً. وهذه هي أشهر صورها.
الصورة الثانية: أن يبيع سلعة بنقد ثم يشتريها بأكثر منه نسيئة. وهي عكس الأولى.
стр. 4980
الصورة الثالثة: أن يشتري الشخص السلعة إلى أجل، ثم يبيعها لغير بائعها الأول نقداً في الحال بأقل من ثمنها. وهذه هو "التورق".
الصورة الرابعة: أن يتواطأ المترابيان على الربا ثم يعمدان إلى رجل عنده متاع فيشتريه منه المحتاج، ثم يبيعه للمربي بثمن حال ويقبضه منه، ثم يبيعه إياه المربي بثمن أكثر مؤجل وهو ما اتفقا عليه ثم يعيد المتاع إلى ربه ويعطيه شيئاً. وهذه تسمى الثلاثية.
الصورة الخامسة: أن يكون عند الرجل المتاع فلا يبيعه إلَّا نسيئة.
١٠ - وفيه أنَّ من سد على الناس باباً من أبواب الشر أن يفتح لهم باباً من أبواب الخير.
١١ - وفيه أنَّ النية الصالحة لا تصحح العمل الفاسد.
* * *
стр. 4981
٢٧٢ - عَنْ أَبِي الْمِنْهَالِ قَالَ: «سَأَلْتُ الْبَرَاءَ بْنَ عَازِبٍ وَزَيْدَ بْنَ أَرْقَمَ، عَنْ الصَّرْفِ؟ فَكُلُّ وَاحِدٍ يَقُولُ: هَذَا خَيْرٌ مِنِّي. وَكِلاهُمَا يَقُولُ: نَهَى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَنْ بَيْعِ الذَّهَبِ بِالوَرِقِ دَيْنًا».
وَفِي الْحَدِيْثِ مَسَائِلُ مِنْهَا:
١ - تحريم النسيئة في الصرف.
٢ - ما كان عليه أصحاب النبي ﷺ من التواضع.
٣ - الاعتراف بفضل الأكابر.
٤ - أنَّ من سئل عن شيء من العلم، وعنده من هو أعلم منه، فإنَّ من الأدب أن يرد السائل إلى من هو أعلم منه.
٥ - جواز مدح الشخص لغيره من غير مبالغة في ذلك إذا أمنت الفتنة على الشخص الممدوح.
وجاء في ذم التمادح ما رواه مسلم (٣٠٠٢) عَنْ أَبِي مَعْمَرٍ، قَالَ: قَامَ رَجُلٌ يُثْنِي عَلَى أَمِيرٍ مِنَ الْأُمَرَاءِ، فَجَعَلَ الْمِقْدَادُ يَحْثِي عَلَيْهِ التُّرَابَ، وَقَالَ: «أَمَرَنَا رَسُولُ اللهِ ﷺ ، أَنْ نَحْثِيَ فِي وُجُوهِ الْمَدَّاحِينَ التُّرَابَ».
стр. 4982
وروى أحمد (١٦٨٨٣، ١٦٨٩٢، ١٦٩٤٩، ١٦٩٥٠)، وابن ماجة (٣٧٤٣) مِنْ طَرِيْقِ سَعْدِ بْنِ إِبْرَاهِيمَ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ، عَنْ مَعْبَدٍ الْجُهَنِيِّ، عَنْ مُعَاوِيَةَ قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: «إِيَّاكُمْ وَالتَّمَادُحَ فَإِنَّهُ الذَّبْحُ».
قُلْتُ: هَذَا حَدِيْثٌ صَحِيْحٌ.
وروى البخاري (٢٦٦٢)، ومسلم (٣٠٠٠) عَنْ أَبِي بَكْرَةَ قَالَ: أَثْنَى رَجُلٌ عَلَى رَجُلٍ عِنْدَ النَّبِيِّ ﷺ ، فَقَالَ: «وَيْلَكَ قَطَعْتَ عُنُقَ صَاحِبِكَ، قَطَعْتَ عُنُقَ صَاحِبِكَ» مِرَارًا، ثُمَّ قَالَ: «مَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَادِحًا أَخَاهُ لَا مَحَالَةَ، فَلْيَقُلْ أَحْسِبُ فُلَانًا، وَاللَّهُ حَسِيبُهُ، وَلَا أُزَكِّي عَلَى اللَّهِ أَحَدًا أَحْسِبُهُ كَذَا وَكَذَا، إِنْ كَانَ يَعْلَمُ ذَلِكَ مِنْهُ».
قَالَ الْقَاضِي عِيَاضٌ ﵀ فِي [إِكْمَالِ الْمُعْلِمِ] (٨/ ٢٧٧):
«قال أهل العلم: هذا كله في التفاوت في المدح ووصف الإنسان مما ليس فيه، أو لمن يخشى عليه العجب والفساد بسماع المدح دالاً، فقد مدح ﵇ ومدح بحضرته غيره بالنظم والنثر فلم ينكر، بل قد حض كعب بن زهير» اهـ.
وَقَالَ الْعَلَّامَةُ الْنَوَوِي ﵀ فِي [شَرْحِ مُسْلِمٍ] (٩/ ٣٨٢):
«قال العلماء: وطريق الجمع بينها أنَّ النهي محمول على المجازفة في المدح، والزيادة في الأوصاف، أو على من يخاف عليه فتنة من إعجاب ونحوه إذا سمع المدح.
стр. 4983
وأمَّا من لا يخاف عليه ذلك لكمال تقواه، ورسوخ عقله ومعرفته، فلا نهي في مدحه في وجهه إذا لم يكن فيه مجازفة، بل إن كان يحصل بذلك مصلحة كنشطه للخير، والازدياد منه، أو الدوام عليه، أو الاقتداء به، كان مستحباً. والله أعلم» اهـ.
وَقَالَ الْعَلَّامَةُ ابْنُ الْقَيِّمِ ﵀ فِي [زَادِ الْمَعَادِ] (٢/ ٣١٣ - ٣١٤):
«وَهَذَا كَمَا أَنَّ مِنَ الْمَدْحِ مَا يَكُونُ ذَمًّا وَمُوجِبًا لِسُقُوطِ مَرْتَبَةِ الْمَمْدُوحِ عِنْدَ النَّاسِ فَإِنَّهُ يُمْدَحُ بِمَا لَيْسَ فِيهِ فَتُطَالِبُهُ النُّفُوسُ بِمَا مُدِحَ بِهِ وَتَظُنُّهُ عِنْدَهُ فَلَا تَجِدُهُ كَذَلِكَ فَتَنْقَلِبُ ذَمًّا، وَلَوْ تُرِكَ بِغَيْرِ مَدْحٍ لَمْ تَحْصُلْ لَهُ هَذِهِ الْمَفْسَدَةُ وَيُشْبِهُ حَالُهُ حَالَ مَنْ وَلِيَ وِلَايَةً سَيِّئَةً، ثُمَّ عُزِلَ عَنْهَا، فَإِنَّهُ تَنْقُصُ مَرْتَبَتُهُ عَمَّا كَانَ عَلَيْهِ قَبْلَ الْوِلَايَةِ، وَيَنْقُصُ فِي نَفُوسِ النَّاسِ عَمَّا كَانَ عَلَيْهِ قَبْلَهَا، وَفِي هَذَا قَالَ الْقَائِلُ:
إِذَا مَا وَصَفْتَ امْرَأً لِامْرِئٍ … فَلَا تَغْلُ فِي وَصْفِهِ وَاقْصِدْ
فَإِنَّكَ إِنْ تَغْلُ تَغْلُ الظُّنُونُ … فِيهِ إِلَى الْأَمَدِ الْأَبْعَدِ
فَيَنْقُصُ مِنْ حَيْثُ عَظَّمْتَهُ … لِفَضْلِ الْمَغِيبِ عَنِ الْمَشْهَدِ
وَأَمْرٌ آخَرُ: وَهُوَ ظَنُّ الْمُسَمَّى وَاعْتِقَادُهُ فِي نَفْسِهِ أَنَّهُ كَذَلِكَ فَيَقَعُ فِي تَزْكِيَةِ
نَفْسِهِ وَتَعْظِيمِهَا، وَتَرَفُّعِهَا عَلَى غَيْرِهِ» اهـ.
* * *
стр. 4984
٢٧٣ - عَنْ أَبِي بَكْرَةَ قَالَ: «نَهَى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَنْ الْفِضَّةِ بِالْفِضَّةِ، وَالذَّهَبِ بِالذَّهَبِ، إلاَّ سَوَاءً بِسَوَاءٍ، وَأَمَرَنَا: أَنْ نَشْتَرِيَ الْفِضَّةَ بِالذَّهَبِ، كَيْفَ شِئْنَا، وَنَشْتَرِيَ الذَّهَبَ بِالْفِضَّةِ كَيْفَ شِئْنَا، قَالَ: فَسَأَلَهُ رَجُلٌ فَقَالَ: يَدًا بِيَدٍ؟ فَقَالَ: هَكَذَا سَمِعْتُ».
.
وَفِي الْحَدِيْثِ مَسَائِلُ مِنْهَا:
١ - تحريم التفاضل في بيع الذهب بالذهب، والفضة بالفضة.
٢ - جواز التفاضل في بيع الذهب بالفضة والعكس لاختلاف الأجناس.
٣ - ويحتج به على مجيء الأمر، والمراد به الإباحة.
٤ - وفيه إثبات المشيئة للعباد خلافاً للجبرية.
قُلْتُ: قوله: «هَكَذَا سَمِعْتُ». فيها احتمالان.
قَالَ الْقَاضِي عِيَاضٌ ﵀ فِي [إِكْمَالِ الْمُعْلِمِ] (٥/ ١٤٣):
«فيحتمل أن يرجع على قوله: "يداً بيد". كما جاء في الأحاديث الأخر، ويحتمل أن يقول: كذا سمعت ما حدثت به بغير زيادة» اهـ.
فائدة: يحرم الربا بين الوالد وولده، وبين الزوجين، وبين العبد وسيده، وبين المسلم والحربي لعموم الأدلة.
стр. 4985
قَالَ مُحَمَدُ بْنُ عَبْدِ اللهِ بْنِ أَبِي بَكْرٍ الرَّيْمِيُّ ﵀ فِي [الْمَعَانِي الْبَدِيْعَةُ فِي مَعْرِفَةِ اخْتِلَافِ أَهْلِ الشَّرِيْعَةِ] (١/ ٤٦٤):
«مَسْأَلَةٌ: عِنْدَ الشَّافِعِيِّ وكافة العلماء أن الربا يجري بين الولد ووالده، وبين الزوج وزوجته، وبين العبد ومولاه، وبين الذمي والمسلم. وعند الْإِمَامِيَّة لا يجري الربا بين من ذكرناه.
مَسْأَلَةٌ: عِنْدَ الشَّافِعِيِّ وَمَالِك يثبت الربا بين السيد وعبده المأذون له. وعند الزَّيْدِيَّة لا يثبت.
مَسْأَلَةٌ: عِنْدَ الشَّافِعِيِّ وَمَالِك وَأَحْمَد وأَبِي يُوسُفَ وأَكْثَر الْعُلَمَاءِ وسائر الزَّيْدِيَّة يجري حكم الربا في دار الحرب بين المسلمين وبين المسلم والكافر. وعند أَبِي حَنِيفَةَ ومحمد ومن الزَّيْدِيَّة النَّاصِر لا يجري الربا في دار الحرب بين المسلم والحربي، وهل يجري بين المسلمين؟ فيه رِوَايَتَانِ عند أَبِي حَنِيفَةَ» اهـ.
* * *
стр. 4986
بَابُ الرَّهْنِ وَغَيْرِهِ.
٢٧٤ - عَنْ عَائِشَةَ ﵂: «أَنَّ رَسُوْلَ اللهِ ﷺ اشْتَرَى مِنْ يَهُودِيٍّ طَعَاماً، وَرَهَنَهُ دِرْعاً مِنْ حَدِيدٍ».
وَفِي الْحَدِيْثِ مَسَائِلُ مِنْهَا:
١ - مشروعية الرهن.
قُلْتُ: والرهن في اللغة: يأتي بمعنى الحبس، ومنه قول الله تعالى: ﴿كُلُّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ رَهِينَةٌ﴾ [المدثر: ٣٨]، وقال الله تعالى: ﴿كُلُّ امْرِئٍ بِمَا كَسَبَ رَهِينٌ﴾ [الطور: ٢١]. ويأتي بمعنى الثبوت والدوام. يقال: ماء راهن. أي راكد. ونعمة راهنة. أي ثابتة دائمة.
وشرعاً: احتباس العين وثيقة بالحق.
ولما كان الرهن وثيقة بالحق وقد جعله الله تعالى يقوم مقام الكتاب والشهود فدلَّ ذلك أنَّ الراهن والمرتَهِن إذا اختلفا فالقول قول المرتَهِن مع يمينه لأنَّ بينة الرهن معه ما لم يدع أكثر من الرهن، وهذا مذهب مالك وشيخ الإسلام ابن تيمية، وتلميذه العلامة ابن القيم رحمهم الله تعالى، وخالف في ذلك جمهور الأئمة وجعلوا القول قول الراهن.
قَالَ الْعَلَّامَةُ ابْنُ الْقَيِّمِ ﵀ فِي [الْطُرُقِ الْحُكْمِيَّةِ] (ص: ١٧٩ - ١٨٠):
стр. 4987
«وَمِمَّا يُلْحَقُ بِهَذَا الْبَابِ: شَهَادَةُ الرَّهْنِ بِقَدْرِ الدَّيْنِ، إذَا اخْتَلَفَ الرَّاهِنُ وَالْمُرْتَهِنُ فِي قَدْرِهِ: فَالْقَوْلُ قَوْلُ الْمُرْتَهِنِ مَعَ يَمِينِهِ، مَا لَمْ يَدَّعِ أَكْثَرَ مِنْ قِيمَةِ الرَّهْنِ، عِنْدَ مَالِكٍ وَأَهْلِ الْمَدِينَةِ، وَخَالَفَهُ الْأَكْثَرُونَ. وَمَذْهَبُهُ أَرْجَحُ، وَاخْتَارَهُ شَيْخُنَا ﵀. وَحُجَّتُهُ: أَنَّ اللَّهَ جَعَلَ الرَّهْنَ بَدَلًا مِنْ الْكِتَابِ وَالشُّهُودِ يَحْفَظُ بِهِ الْحَقَّ، فَلَوْ لَمْ يَقْبَلْ قَوْلَ الْمُرْتَهِنِ، وَكَانَ الْقَوْلُ قَوْلَ الرَّاهِنِ، لَمْ تَكُنْ فِي الرَّهْنِ فَائِدَةٌ، وَكَانَ وُجُودُهُ كَعَدَمِهِ إلَّا فِي مَوْضِعٍ وَاحِدٍ، وَهُوَ تَقْدِيمُ الْمُرْتَهِنِ بِدَيْنِهِ عَلَى الْغُرَمَاءِ الَّذِينَ دُيُونُهُمْ بِغَيْرِ رَهْنٍ، وَمَعْلُومٌ أَنَّ الرَّهْنَ لَمْ يُشْرَعْ لِمُجَرَّدِ هَذِهِ الْفَائِدَةِ وَإِنَّمَا ذَكَرَهُ اللَّهُ سُبْحَانَهُ فِي الْقُرْآنِ الْعَظِيمِ قَائِمًا مَقَامَ الْكِتَابِ وَالشُّهُودِ، فَهُوَ شَاهِدٌ بِقَدْرِ الْحَقِّ، وَلَيْسَ فِي الْعُرْفِ أَنْ يَرْهَنَ الرَّجُلُ مَا يُسَاوِي أَلْفَ دِينَارٍ عَلَى دِرْهَمٍ.
وَمَنْ يَقُولُ: الْقَوْلُ قَوْلُ الرَّاهِنِ يُقْبَلُ قَوْلُهُ: إنَّهُ رَهَنَهُ عَلَى ثَمَنِ دِرْهَمٍ أَوْ أَقَلَّ، وَهَذَا مِمَّا يَشْهَدُ الْعُرْفُ بِبُطْلَانِهِ. وَاَلَّذِينَ جَعَلُوا الْقَوْلَ قَوْلَ الرَّاهِنِ: أَلْزَمُوا مُنَازَعِيهِمْ بِأَنَّهُمَا لَوْ اخْتَلَفَا فِي أَصْلِ الرَّهْنِ لَكَانَ الْقَوْلُ قَوْلَ الْمَالِكِ، فَكَذَلِكَ فِي قَدْرِ الدَّيْنِ.
وَفَرَّقَ الْآخَرُونَ بَيْنَ الْمَسْأَلَتَيْنِ بِأَنَّهُ قَدْ ثَبَتَ تَعَلُّقُ الْحَقِّ بِهِ فِي مَسْأَلَةِ النِّزَاعِ، وَالرَّهْنُ شَاهِدُ الْمُرْتَهِنِ، فَمَعَهُ مَا يُصَدِّقُهُ، بِخِلَافِ مَسْأَلَةِ الْإِلْزَامِ» اهـ.
٢ - واحتج به النخعي على جواز الرهن في السلم، وقد بوب البخاري على هذا الحديث بقوله: «باب الرهن في السلم».
قَالَ الْعَلَّامَةُ ابْنُ بَطَّالٍ ﵀ فِي [شَرْحِ الْبُخَارِي] (٦/ ٣٧٠ - ٣٧١):
стр. 4988
«اختلف العلماء في هذا الباب، فقال مالك: لا بأس بالرهن والكفيل في السلم، ولم يبلغني أنَّ أحدًا كرهه غير الحسن البصري، ورخص فيه عطاء والشعبي، وبه قال أبو حنيفة والثوري وأبو يوسف ومحمد والشافعي.
وكره الرهن والكفيل في السلم علي بن أبي طالب وسعيد بن جبير، وقال: ذلك الربح المضمون. وقال زفر: لا يجوز ذلك في السلم، ولا سبيل له على الكفيل. وهو قول الأوزاعي، وأحمد حنبل، وأبي ثور. قال المهلب: وحجة من كرهه أنَّه إن أخذ الرهن في رأس المال، فرأس المال غير الدين، إنَّما دينه ما سلم فيه، ورأس المال مستهلك في الذمة غير مطلوب به، وإن أخذه بالمسلم فيه، فكأنَّه اقتضاه قبل أجله، وهو من باب سلف جر منفعة؛ لأنَّه ينتفع بما يستوثق به من الرهن والضامن.
وحجة من أجازه إجماعهم على إجازة الرهن والكفيل والحوالة في الدين المضمون من ثمن سلعة قبضت، فكذلك السلم.
ووجه احتجاج النخعي بحديث عائشة: أنَّه استدل بأنَّ الرهن لما جاز في الثمن بالنسيئة المجمع عليها، جاز في المثمون وهو المسلم فيه، وبيان ذلك أنَّه لما جاز أن يشترى الرجل طعامًا أو عرضًا بثمن إلى أجل، ويرهن في الثمن رهنًا، كذلك يجوز إذا دفع عينًا سلمًا في غوص طعام أو غيره إلى أجل أن يأخذ في الشيء المسلم فيه رهنًا، ولا فرق بينهما» اهـ.
стр. 4989
قُلْتُ: وما ذهب إليه النخعي، والبخاري، وجمهور العلماء هو الذي يظهر لي صحته، ويدل على ذلك أيضاً عموم قول الله تعالى: ﴿وَإِنْ كُنْتُمْ عَلَى سَفَرٍ وَلَمْ تَجِدُوا كَاتِبًا فَرِهَانٌ مَقْبُوضَةٌ فَإِنْ أَمِنَ بَعْضُكُمْ بَعْضًا فَلْيُؤَدِّ الَّذِي اؤْتُمِنَ أَمَانَتَهُ وَلْيَتَّقِ اللَّهَ رَبَّهُ وَلَا تَكْتُمُوا الشَّهَادَةَ وَمَنْ يَكْتُمْهَا فَإِنَّهُ آثِمٌ قَلْبُهُ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ عَلِيمٌ﴾ [البقرة: ٢٨٣].
قُلْتُ: وليس في هذا اقتضاء السلم قبل أجله، وإنَّما هو مجرد استيثاق بالحق، كاستيثاق الثمن في القرض، ولا فرق، وهب أنَّه من اقتضاء السلم قبل أجله، فما المحذور في ذلك. فَقَدَ قَالَ الْعَلَّامَةُ عَبْدُ السَّلَامِ ابْنِ تَيْمِيَّةَ ﵀ فِي [الْمُحَرِرِ] (١/ ٣٣٤): «وإذا عجل له دين السلم أو الكتابة قبل محله ولا ضرر في أخذه، أو أتاه من جنسه بخير منه لزمه قبوله وإن تضرر بتعجيله أو أتاه بدونه لم يلزمه» اهـ.
وليس هذا أيضاً من القرض الذي جر منفعة، وذلك أنَّ صاحب الحق لا يأخذ أكثر من حقه، وغاية الأمر أنَّه إنَّما استوثق من حقة، ولم يطلب زيادة على ذلك، ولو كان هذا من القرض الذي جر منفعة لمنع من الاستيثاق به في الثمن، إذ لا فرق بين المسألتين. والله أعلم.
وللمانعين حجة أخرى ذكرها الْعَلَّامَةُ ابْنُ قُدَامَةَ ﵀ فِي [الْكَافِي] (٢/ ٧٤) فقال:
«وفي دين السلم روايتان:
стр. 4990
إحداهما: يصح الرهن به للآية والمعنى.
والأخرى: لا يجوز لأنَّه لا يأمن هلاك الرهن بعدوان فيصير مستوفياً حقه من غير المسلم فيه، وقد قال النبي ﷺ : "من أسلم من شيء فلا يصرفه إلى غيره"» اهـ.
قُلْتُ: الحديث رواه أبو داود (٣٤٦٨)، وابن ماجة (٢٢٨٣) مِنْ طَرِيْقِ أَبِي بَدْرٍ، عَنْ زِيَادِ بْنِ خَيْثَمَةَ، عَنْ سَعْدٍ يَعْنِي الطَّائِيَّ، عَنْ عَطِيَّةَ بْنِ سَعْدٍ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «مَنْ أَسْلَفَ فِي شَيْءٍ فَلَا يَصْرِفْهُ إِلَى غَيْرِهِ».
قُلْتُ: هَذَا حَدِيْثٌ ضَعِيْفٌ لضعف عطية هو العوفي.
قَالَ شَيْخُ الْإِسْلَامِ ابْنُ تَيْمِيَّةَ ﵀ كَمَا فِي [مَجْمُوْعِ الْفَتَاوَى] (٢٩/ ٥١٧):
«وأمَّا احتجاج من منع بيع دين السلم بقوله ﷺ : "من أسلف في شيء فلا يصرفه إلى غيره". فعنه جوابان:
أحدهما: أنَّ الحديث ضعيف.
والثاني: المراد به أن لا يجعل السلف سلماً في شيء آخر. فيكون معناه النهي عن بيعه بشيء معين إلى أجل وهو من جنس بيع الدين بالدين. ولهذا قال: "لا يصرفه إلى غيره". أي لا يصرف المسلم فيه إلى مسلم فيه آخر. ومن اعتاض عنه بغيره قابضاً للعوض لم يكن قد جعله سلماً في غيره» اهـ.
٣ - وفيه جواز الرهن في الحضر، وهو قول أكثر العلماء خلافاً لمجاهد، وداود.
стр. 4991
وحجتهم في ذلك الآية السابقة، وقد أجاب عن الاحتجاج بها شَيْخُ الْإِسْلَامِ ابْنُ تَيْمِيَّةَ ﵀ كَمَا فِي [الْفَتَاوَى الْكُبْرَى] (١/ ٤٢٤) فَقَالَ: «فذكر الزمن في هذه الصورة للحاجة» اهـ.
والمعنى أنَّ الحاجة إلى الرهن في السفر أكثر من الحضر، وذلك لتوفر الشهود، والكتَّاب في الحضر.
وَقَالَ الْعَلَّامَةُ ابْنُ الْقَيِّمِ ﵀ فِي [إِغَاثَةِ اللَّهْفَانِ] (٢/ ٤٩):
«ثم ذكر ما تحفظ به الحقوق عند عدم القدرة على الكتاب والشهود وهو السفر في الغالب فقال: ﴿وَإِنْ كُنْتُمْ عَلَى سَفَرٍ وَلَمْ تَجِدُوا كاتِباً فَرِهَانٌ مَقبُوضَةٌ﴾، فدل ذلك دلالة بينة أنَّ الرهان قائمة مقام الكتاب والشهود شاهدة مخبرة بالحق كما يخبر به الكتاب والشهود.
وهذا والله أعلم سر تقييد الرهن بالسفر لأنَّه حال يتعذر فيها الكتاب الذي ينطق بالحق غالباً فقام الرهن مقامه وناب منابه وأكد ذلك بكونه مقبوضاً للمرتهن حتى لا يتمكن الراهن من جحده، فلا أحسن من هذه النصيحة وهذا الإرشاد والتعليم الذي لو أخذ به الناس لم يضع في الأكثر حق أحد، ولم يتمكن المبطل من الجحود والنسيان.
فهذا حكمه سبحانه المتضمن لمصالح العباد في معاشهم ومعادهم» اهـ.
стр. 4992
٤ - ويدل الحديث على جواز معاملة اليهود وإن كانوا يستحلون من المكاسب ما هو محرم.
قَالَ الْعَلَّامَةُ الْنَوَوِي ﵀ فِي [شَرْحِ مُسْلِمٍ] (٥/ ٤٧٨):
«وأمَّا اشتراء النبي ﷺ الطعام من اليهودي ورهنه عنده دون الصحابة، فقيل: فعله بياناً لجواز ذلك، وقيل: لأنَّه لم يكن هناك طعام فاضل عن حاجة صاحبه إلَّا عنده، وقيل: لأنَّ الصحابة لا يأخذون رهنه ﷺ ، ولا يقبضون منه الثمن، فعدل إلى معاملة اليهودي لئلا يضيق على أحد من أصحابه» اهـ.
٥ - مباشرة الشريف والإمام والعالم شراء الحوائج بنفسه وإن كان له من يكفيه؛ إيثارًا للتواضع.
قال الله تعالى: ﴿وَقَالُوا مَالِ هَذَا الرَّسُولِ يَأْكُلُ الطَّعَامَ وَيَمْشِي فِي الْأَسْوَاقِ لَوْلَا أُنْزِلَ إِلَيْهِ مَلَكٌ فَيَكُونَ مَعَهُ نَذِيرًا (٧) أَوْ يُلْقَى إِلَيْهِ كَنْزٌ أَوْ تَكُونُ لَهُ جَنَّةٌ يَأْكُلُ مِنْهَا وَقَالَ الظَّالِمُونَ إِنْ تَتَّبِعُونَ إِلَّا رَجُلًا مَسْحُورًا (٨) انْظُرْ كَيْفَ ضَرَبُوا لَكَ الْأَمْثَالَ فَضَلُّوا فَلَا يَسْتَطِيعُونَ سَبِيلًا (٩) تَبَارَكَ الَّذِي إِنْ شَاءَ جَعَلَ لَكَ خَيْرًا مِنْ ذَلِكَ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ وَيَجْعَلْ لَكَ قُصُورًا﴾ [الفرقان: ٧ - ١٠].
стр. 4993
وقال الله تعالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا قَبْلَكَ مِنَ الْمُرْسَلِينَ إِلَّا إِنَّهُمْ لَيَأْكُلُونَ الطَّعَامَ وَيَمْشُونَ فِي الْأَسْوَاقِ وَجَعَلْنَا بَعْضَكُمْ لِبَعْضٍ فِتْنَةً أَتَصْبِرُونَ وَكَانَ رَبُّكَ بَصِيرًا﴾ [الفرقان: ٢٠].
٦ - وفيه الرد على من يوجب مقاطعة البضائع الواردة من الكافرين.
قَالَ الْقَاضِي عِيَاضٌ ﵀ فِي [إِكْمَالِ الْمُعْلِمِ] (٥/ ١٥٩):
«أجمع العلماء على جواز معاملة أهل الذمة وجواز معاملة المشركين، إلَّا ما يتقوى به أهل الحرب على محاربة المسلمين كسلاح الحرب وآلاتها وما تصرف فيها، أو ما يستعين به جميعهم على إقامة شريعتهم، واظهار تصرفهم وما لا يجوز تملكه لهم لحرمته كالمسلم والمصحف» اهـ.
قُلْتُ: والعجيب أنَّ هؤلاء الذين يدعون إلى مقاطعة البضائع الآتية من الكافرين، إنَّما يقاطعون ما أتى من جهة الكافرين من الطيبات، ولا يقاطعون ما جاء من جهتهم من المحرمات، كالديمقراطية، وما جاءت به من الانتخابات، والحريات، والحزبيات، وهكذا لا يقاطعون ما جاؤوا به من الدشوش، والتلفزيونات، ولا يقاطعون ملابسهم التي اختصوا بها، ولا قصات شعورهم وغير ذلك من أنواع المحرمات.
٧ - وفيه جواز رهن آلات الحرب عند أهل العهد.
قَالَ الْقَاضِي عِيَاضٌ ﵀ فِي [إِكْمَالِ الْمُعْلِمِ] (٥/ ١٥٩):
стр. 4994
«ورهن النبي ﷺ الدرع عند اليهودي أنَّه لم يكن من أهل الحرب، وممن كان بين ظهري الإسلام، وإلَّا فرهنها ممن يخشى منه التقوى بها كبيعها» اهـ.
وَقَالَ الْعَلَّامَةُ ابْنُ الْقَيِّمِ ﵀ فِي [أَحْكَامِ أَهْلِ الذِّمَةِ] (١/ ١٤٦ - ١٤٧):
«وأمَّا رهن النبي ﷺ درعه عند اليهودي فلعله من اليهود الذين كانوا يقدمون المدينة بالميرة والتجارة من حولها، أو من أهل خيبر، وإلَّا فيهود المدينة كانوا ثلاث طوائف: بني قينقاع، وبني النضير، وبني قريظة.
فأمَّا بنو قينقاع فحاربهم أولاً، ثم منَّ عليهم. وأمَّا بنو النضير فأجلاهم إلى خيبر، وأجلى بني قينقاع أيضاً، وقتل بني قريظة، وأجلى كل يهودي كان بالمدينة، فهذا اليهودي المرتهن الظاهر أنَّه من أهل العهد قدم المدينة بطعام، أو كان ممن لم يحارب فبقي على أمانه فالله أعلم» اهـ.
قُلْتُ: وشأن الدرع أخف من غيره فإنَّه مما يتقى به ولا يقاتل به.
٨ - وفيه ما كان ﵊ من التقلل من الدنيا.
٩ - وفيه جواز اتخاذ الدروع للتحصن بها، وأنَّ ذلك لا ينافي التوكل على الله .
١٠ - وفيه أنَّ الكافر يملك ما في يده.
١١ - وفيه جواز الشراء بالثمن المؤجل، وهذا محمول على ما اختلف فيه العلل، كالأثمان مع سائر الأشياء.
стр. 4995
١٢ - وفيه جواز تمكين الكفار من الدخول إلى جزيرة العرب للتجارة ونحوها، وأمَّا تمكينهم من الاستيطان فيها فلا يجوز، لما رواه البخاري (٣٠٥٣)، ومسلم (١٦٣٧) عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄: أَنَّهُ قَالَ: يَوْمُ الخَمِيسِ وَمَا يَوْمُ الخَمِيسِ؟ ثُمَّ بَكَى حَتَّى خَضَبَ دَمْعُهُ الحَصْبَاءَ، فَقَالَ: اشْتَدَّ بِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَجَعُهُ يَوْمَ الخَمِيسِ، فَقَالَ: «ائْتُونِي بِكِتَابٍ أَكْتُبْ لَكُمْ كِتَابًا لَنْ تَضِلُّوا بَعْدَهُ أَبَدًا»، فَتَنَازَعُوا، وَلَا يَنْبَغِي عِنْدَ نَبِيٍّ تَنَازُعٌ، فَقَالُوا: هَجَرَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ، قَالَ: «دَعُونِي، فَالَّذِي أَنَا فِيهِ خَيْرٌ مِمَّا تَدْعُونِي إِلَيْهِ»، وَأَوْصَى عِنْدَ مَوْتِهِ بِثَلَاثٍ: «أَخْرِجُوا المُشْرِكِينَ مِنْ جَزِيرَةِ العَرَبِ، وَأَجِيزُوا الوَفْدَ بِنَحْوِ مَا كُنْتُ أُجِيزُهُمْ»، وَنَسِيتُ الثَّالِثَةَ.
وروى مسلم (١٧٦٧) عَنْ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ، أَنَّهُ سَمِعَ رَسُولَ اللهِ ﷺ يَقُولُ: «لَأُخْرِجَنَّ الْيَهُودَ، وَالنَّصَارَى مِنْ جَزِيرَةِ الْعَرَبِ حَتَّى لَا أَدَعَ إِلَّا مُسْلِمًا».
قَالَ الْإِمَامُ الشَّافِعِيُّ ﵀ فِي [الْأُمِّ] (٤/ ١٧٨):
«وأحب إلي أن لا يدخل الحجاز مشرك بحال لما وصفت من أمر النَّبي ﷺ .
قال: ولا يبين لي أن يحرم أن يمر ذمي بالحجاز ماراً لا يقيم ببلد منها أكثر من ثلاث ليال، وذلك مقام مسافر؛ لأنَّه قد يحتمل أمر النَّبي ﷺ
стр. 4996
بإجلائهم عنها أن لا يسكنوها، ويحتمل لو ثبت عنه "لا يبقين دينان بأرض العرب". لا يبقين دينان مقيمان، ولولا أنَّ عمر ولي الخراج أهل الذمة لما ثبت عنده من أنَّ أمر رسول الله ﷺ محتمل ما رأى عمر من أنَّ أجل من قدم من أهل الذمة تاجراً ثلاث لا يقيم فيها بعد ذلك لرأيت أن لا يصالحوا بدخولها بكل حال.
قال الشافعي رحمه الله تعالى: ولا يتخذ ذمي شيئاً من الحجاز داراً، ولا يصالح على دخولها إلَّا مجتازاً إن صولح ....
قال الشافعي رحمه الله تعالى: فإذا أذن لهم أن يدخلوا الحجاز فذهب لهم بها مال أو عرض بها شغل قيل لهم: وكلوا بها من شئتم من المسلمين، وأخرجوا ولا يقيمون بها أكثر من ثلاث.
وأمَّا مكة فلا يدخل الحرم أحد منهم بحال أبداً كان لهم بها مال أو لم يكن وإن غفل عن رجل منهم فدخلها فمرض أخرج مريضاً، أو مات أخرج ميتاً ولم يدفن بها، وإن مات منهم ميت بغير مكة دفن حيث يموت، أو مرض فكان لا يطيق أن يحمل إلَّا بتلف عليه أو زيادة في مرضه ترك حتي يطيق الحمل ثم يحمل» اهـ.
وَقَالَ الْعَلَّامَةُ ابْنُ الْقَيِّمِ ﵀ فِي [أَحْكَامِ أَهْلِ الذِّمَةِ] (١/ ١٤٨):
«وَأَمَّا مَذْهَبُ أَحْمَدَ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى فَعِنْدَهُ يَجُوزُ لَهُمْ دُخُولُ الْحِجَازِ لِلتِّجَارَةِ; لِأَنَّ النَّصَارَى كَانُوا يَتَّجِرُونَ إِلَى الْمَدِينَةِ فِي زَمَنِ عُمَرَ ﵁ كَمَا تَقَدَّمَ.
стр. 4997
وَحَكَى أَبُو عَبْدِ اللَّهِ بْنُ حَمْدَانَ عَنْهُ رِوَايَةً: أَنَّ حَرَمَ الْمَدِينَةِ كَحَرَمِ مَكَّةَ فِي امْتِنَاعِ دُخُولِهِ.
وَالظَّاهِرُ أَنَّهَا غَلَطٌ عَلَى أَحْمَدَ فَإِنَّهُ لَمْ يَخْفَ عَلَيْهِ دُخُولُهُمْ بِالتِّجَارَةِ فِي زَمَنِ عُمَرَ ﵁ وَبَعْدَهُ وَتَمْكِينُهُمْ مِنْ ذَلِكَ.
وَلَا يُؤْذَنُ لَهُ فِي الْإِقَامَةِ أَكْثَرَ مِنْ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ.
وَقَالَ الْقَاضِي: أَرْبَعَةٌ وَهِيَ حَدُّ مَا يُتِمُّ الْمُسَافِرُ الصَّلَاةَ.
وَإِذَا مَرِضَ بِالْحِجَازِ جَازَتْ لَهُ الْإِقَامَةُ لِمَشَقَّةِ الِانْتِقَالِ عَلَى الْمَرِيضِ.
وَيَجُوزُ أَنْ يُقِيمَ مَعَهُ مَنْ يُمَرِّضُهُ.
وَإِنْ كَانَ لَهُ دَيْنٌ عَلَى أَحَدٍ وَكَانَ حَالًّا أُجْبِرَ غَرِيمُهُ عَلَى وَفَائِهِ، فَإِنْ تَعَذَّرَ وَفَاؤُهُ لِمَطْلٍ أَوْ غَيْبَةٍ مُكِّنَ مِنَ الْإِقَامَةِ لِيَسْتَوْفِيَ دَيْنَهُ، وَفِي إِخْرَاجِهِ ذَهَابُ مَالِهِ.
وَإِنْ كَانَ الدَّيْنُ مُؤَجَّلًا لَمْ يُمَكَّنْ مِنَ الْإِقَامَةِ، وَيُوَكِّلُ مَنْ يَسْتَوْفِيهِ; لِأَنَّ التَّفْرِيطَ مِنْهُ فَإِنْ أَرَادَ أَنْ يَضَعَ وَيَتَعَجَّلَ فَهَلْ يَجُوزُ ذَلِكَ؟ عَلَى رِوَايَتَيْنِ مَنُصُوصَتَيْنِ أَشْهَرُهُمَا الْمَنْعُ، وَأَصَحُّهُمَا عِنْدَ شَيْخِنَا الْجَوَازُ.
وَالْمَنْعُ قَوْلُ ابْنِ عُمَرَ ﵄، وَالْجَوَازُ قَوْلُ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄.
وَرَوَى ابْنُ عَبَّاسٍ ﵄ فِي ذَلِكَ حَدِيثًا رَوَاهُ الدَّارَقُطْنِيُّ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ لَمَّا أَجْلَى يَهُودَ بَنِي النَّضِيرِ قَالُوا: إِنْ لَنَا دُيُونًا لَمْ تَحِلَّ فَقَالَ: "ضَعُوا وَتَعَجَّلُوا".
стр. 4998
وَإِسْنَادُهُ حَسَنٌ لَيْسَ فِيهِ إِلَّا مُسْلِمُ بْنُ خَالِدٍ الزَّنْجِيُّ وَحَدِيثُهُ لَا يَنْحَطُّ عَنْ رُتْبَةِ الْحَسَنِ.
فَإِنْ دَعَتِ الْحَاجَةُ إِلَى الْإِقَامَةِ لِبَيْعِ بِضَاعَتِهِ فَوْقَ ثَلَاثٍ فَفِيهِ وَجْهَانِ:
أَحَدُهُمَا: يَجُوزُ لَهُ ذَلِكَ; لِأَنَّ فِي تَكْلِيفِهِ تَرْكَهَا أَوْ حَمْلَهَا مَعَهُ ضَيَاعَ مَالِهِ، وَذَلِكَ يَمْنَعُ الدُّخُولَ بِالْبَضَائِعِ وَيَضُرُّ بِأَهْلِ الْحِجَازِ وَيَقْطَعُ الْجَلْبَ عَنْهُمْ، وَهَذَا هُوَ الصَّحِيحُ.
وَالثَّانِي: يُمْنَعُ مِنَ الْإِقَامَةِ; لِأَنَّ لَهُ مِنْهَا بُدًّا، فَإِنْ أَرَادَ الِانْتِقَالَ إِلَى مَكَانٍ آخَرَ مِنَ الْحِجَازِ جَازَ وَيُقِيمُ فِيهِ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ أَوْ أَرْبَعَةً، وَلَا يَدْخُلُونَ إِلَّا بِإِذْنٍ مِنَ الْإِمَامِ أَوْ نَائِبِهِ وَقِيلَ: يَكْفِي إِذْنُ آحَادِ الْمُسْلِمِينَ: هَذَا حُكْمُ غَيْرِ الْحَرَمِ.
قَالَ أَصْحَابُ الْإِمَامِ أَحْمَدَ رَحِمَهُمُ اللَّهُ تَعَالَى: وَلَا يُمْنَعُونَ مِنْ تَيْمَاءَ وَفَيْدَ وَنَجْرَانَ وَنَحْوِهِنَّ.
وَقَدْ تَقَدَّمَ الْحَدِيثُ الْمُصَرِّحُ بِأَنَّ نَجْرَانَ مِنْ جَزِيرَةِ الْعَرَبِ.
قَالُوا: فَإِنْ دَخَلُوا غَيْرَ الْحَرَمِ لَمْ يَجُزْ إِلَّا بِإِذْنِ مُسْلِمٍ.
وَأَمَّا الْحَرَمُ فَيُمْنَعُونَ دُخُولَهُ بِكُلِّ حَالٍ وَلَا يَجُوزُ لِلْإِمَامِ أَنْ يَأْذَنَ فِي دُخُولِهِ، فَإِنْ دَخَلَ أَحَدُهُمْ فَمَرِضَ أَوْ مَاتَ أُخْرِجَ وَإِنْ دُفِنَ نُبِشَ.
وَهَلْ يُمْنَعُونَ مِنْ حَرَمِ الْمَدِينَةِ؟ حُكِيَ عَنْ أَحْمَدَ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى فِيهِ رِوَايَتَانِ كَمَا تَقَدَّمَ، وَقَدْ صَحَّ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُ أَنْزَلَ وَفْدَ نَصَارَى نَجْرَانَ
стр. 4999
فِي مَسْجِدِهِ وَحَانَتْ صَلَاتُهُمْ فَصَلُّوا فِيهِ. وَذَلِكَ عَامَ الْوُفُودِ بَعْدَ نُزُولِ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿إِنَّمَا الْمُشْرِكُونَ نَجَسٌ فَلَا يَقْرَبُوا الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ بَعْدَ عَامِهِمْ هَذَا﴾» اهـ.
وقال ﵀ (١/ ١٤٩): «وَأَمَّا تَفْصِيلُ مَذْهَبِ مَالِكٍ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى، فَإِنَّهُمْ يُقَرُّونَ عِنْدَهُ فِي جَمِيعِ الْبِلَادِ إِلَّا جَزِيرَةَ الْعَرَبِ: وَهِيَ مَكَّةُ وَالْمَدِينَةُ وَمَا وَالَاهُمَا» اهـ.
وقال ﵀ (١/ ١٤٩): «وَأَمَّا أَبُو حَنِيفَةَ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى فَعِنْدَهُ: لَهُمْ دُخُولُ الْحَرَمِ كُلِّهِ حَتَّى الْكَعْبَةِ نَفْسِهَا، وَلَكِنْ لَا يَسْتَوْطِنُونَ بِهِ.
وَأَمَّا الْحِجَازُ فَلَهُمُ الدُّخُولُ إِلَيْهِ وَالتَّصَرُّفُ فِيهِ وَالْإِقَامَةُ بِقَدْرِ قَضَاءِ حَوَائِجِهِمْ، وَكَأَنَّ أَبَا حَنِيفَةَ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى قَاسَ دُخُولَهُمْ مَكَّةَ عَلَى دُخُولِهِمْ مَسْجِدَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ، وَلَا يَصِحُّ هَذَا الْقِيَاسُ فَإِنَّ لِحَرَمِ مَكَّةَ أَحْكَامًا يُخَالِفُ بِهَا الْمَدِينَةَ، عَلَى أَنَّهَا لَيْسَتْ عِنْدَهُ حَرَمًا» اهـ.
قُلْتُ: جزيرة العرب المرادة بهذا الحديث هي: الحجاز، ونجران، لا عموم الجزيرة، والحجاز يشمل مكة، والمدينة، واليمامة، وخيبر، وينبع، وفدك، وتبوك، والعلى، ومخاليف هذه البلاد.
وهل تدخل في ذلك نجران، في ذلك نزاع بين العلماء، والصواب دخولها، لما رواه أحمد (١٦٩١) عَنْ أَبِي عُبَيْدَةَ، قَالَ: آخِرُ مَا تَكَلَّمَ بِهِ النَّبِيُّ ﷺ : «أَخْرِجُوا يَهُودَ أَهْلِ الْحِجَازِ، وَأَهْلِ نَجْرَانَ مِنْ جَزِيرَةِ الْعَرَبِ، وَاعْلَمُوا أَنَّ شِرَارَ النَّاسِ الَّذِينَ اتَّخَذُوا قُبُورَ أَنْبِيَائِهِمْ مَسَاجِدَ».
стр. 5000
قُلْتُ: هَذَا حَدِيْثٌ صَحِيْحٌ.
ورواه أحمد (١٦٩٩) مِنْ طَرِيْقِ وكيع حدثني إبراهيم بن ميمون مولى آل سمرة عن إسحاق بن سعد بن سمرة عن أبيه عن أبي عبيدة بن الجراح به.
قُلْتُ: الصواب ما رواه يحيى بن سعيد القطان، وقد تابعه على ذلك محمد بن بشر العبدي عند الطحاوي في [شَرْحِ مُشْكِلِ الْآثَارِ] (٢٧٥٩).
قَالَ الْحِافِظُ ابْنُ حَجَرٍ ﵀ فِي [تَعْجِيْلِ الْمَنْفِعَةِ] (١/ ٢٩١ - ٢٩٢):
«قُلْتُ: تفرد وكيع عن إبراهيم بقوله عن إسحاق بن سعد ورواه يحيى القطان وأبو أحمد الزبيري عن إبراهيم عن سعد بن سمرة عن أبيه عن أبي عبيدة ووقع في رواية أحمد التصريح بان الراوي عن أبي عبيدة هو سمرة وهو المعتمد فكأن وكيعاً كنى إبراهيم أبا إسحاق فوقع في روايته تغيير فإنِّي لم أر لإسحاق بن سعد ترجمة» اهـ.
قُلْتُ: وهذا الحديث يدل أيضاً على أنَّ نجران ليست من الحجاز، فإنَّ العطف يقتضي المغايرة.
قَالَ الْعَلَّامَةُ الْنَوَوِي ﵀ فِي [تَهْذِيْبِ الْأَسْمَاءِ وَاللُّغَاتِ] (ص: ١٤٦٠):
«نجران: مذكورة في باب عقد الذمة من المهذب في قوله ﷺ : "أخرجوا اليهود من الحجاز وأهل نجران من جزيرة العرب" هي بفتح النون وإسكان الجيم، وهي بلدة معروفة كانت منزلا للأنصار، وهي بين مكة واليمن على نحو سبع مراحل من مكة. قال في المهذب: وأمَّا نجران فليست من الحجاز،
стр. 5001
ولكن صالحهم رسول الله ﷺ على أن لا يأكلوا الربا فأكلوه ونقضوا العهد فأمر بإخراجهم، فأجلاهم عمر رضي الله تعالى عنه، وهذا الذي قاله في المهذب هو الصواب. وأنَّها ليست من الحجاز الذي هو مكة والمدينة واليمامة ومحالفيها» اهـ.
قُلْتُ: ويدل الحديث أيضاً على أنَّ نجران من جزيرة العرب التي أُمر بإخراج اليهود، والنصارى، والمشركين منها.
قَالَ الْعَلَّامَةُ ابْنُ الْقَيِّمِ ﵀ فِي [أَحْكَامِ أَهْلِ الذِّمَةِ] (١/ ١٤٣):
«وحديث أبي عبيدة صريح في أنَّ أرض نجران من جزيرة العرب» اهـ.
قُلْتُ: ولا تدخل في ذلك الشام.
قَالَ شَيْخُ الْإِسْلَامِ ابْنُ تَيْمِيَّةَ ﵀ كَمَا فِي [مَجْمُوْعِ الْفَتَاوَى] (٢٨/ ٦٣٠ - ٦٣١):
«وقد أمر النبي ﷺ في مرض موته: أن تخرج اليهود والنصارى من جزيرة العرب - وهي الحجاز - فأخرجهم عمر بن الخطاب ﵁ من المدينة، وخيبر، وينبع، واليمامة، ومخاليف هذه البلاد؛ ولم يخرجهم من الشام؛ بل لما فتح الشام أقر اليهود والنصارى بالأردن وفلسطين وغيرهما كما أقرهم بدمشق وغيرها. وتربة الشام تخالف تربة الحجاز كما يوجد الفرق بينهما عند المنحنى الذي يسمى: عقبة الصوان. فإنَّ الإنسان يجد تلك التربة مخالفة لهذه
стр. 5002
التربة كما تختلف تربة الشام ومصر. فما كان دون وادي المنحنى فهو من الشام: مثل معان. وأمَّا العلى، وتبوك، ونحوهما: فهو من أرض الحجاز. والله أعلم» اهـ.
قُلْتُ: ولا تدخل اليمن أيضاً في هذا الحديث.
قَالَ الْعَلَّامَةُ ابْنُ الْقَيِّمِ ﵀ فِي [أَحْكَامِ أَهْلِ الذِّمَةِ] (١/ ١٤٧):
«وَقَالَ الشَّافِعِيُّ: يُمْنَعُونَ مِنَ الْحِجَازِ، وَهُوَ مَكَّةُ وَالْمَدِينَةُ وَالْيَمَامَةُ وَمَخَالِيفِهَا وَهِيَ قُرَاهَا.
أَمَّا غَيْرُ الْحَرَمِ مِنْهُ فَيُمْنَعُ الْكِتَابِيُّ وَغَيْرُهُ مِنَ الِاسْتِيطَانِ وَالْإِقَامَةِ بِهِ وَلَهُ الدُّخُولُ بِإِذْنِ الْإِمَامِ لِمَصْلَحَةٍ كَأَدَاءِ رِسَالَةٍ أَوْ حَمْلِ مَتَاعٍ يَحْتَاجُ إِلَيْهِ الْمُسْلِمُونَ، وَإِنْ دَخَلَ لِتِجَارَةٍ لَيْسَ فِيهَا كَثِيرُ حَاجَةٍ، لَمْ يُؤْذَنْ لَهُ إِلَّا بِشَرْطِ أَنْ يَأْخُذَ مِنْ تِجَارَتِهِ شَيْئًا، وَلَا يُمَكَّنْ مِنَ الْإِقَامَةِ أَكْثَرَ مِنْ ثَلَاثٍ.
وَقَدْ أَدْخَلَ بَعْضُ أَصْحَابِ الشَّافِعِيِّ الْيَمَنَ فِي جَزِيرَةِ الْعَرَبِ، وَمَنَعَهُمْ مِنَ الْإِقَامَةِ فِيهَا وَهَذَا وَهْمٌ؛ فَإِنَّ النَّبِيَّ ﷺ بَعَثَ مُعَاذًا قَبْلَ مَوْتِهِ إِلَى الْيَمَنِ وَأَمَرَهُ أَنْ يَأْخُذَ مِنْ كُلِّ حَالِمٍ دِينَارًا، وَأَقَرَّهُمْ فِيهَا وَأَقَرَّهُمْ أَبُو بَكْرٍ بَعْدَهُ، وَأَقَرَّهُمْ عُمَرُ وَعُثْمَانُ وَعَلِيٌّ ﵃، وَلَمْ يُجْلُوهُمْ مِنَ الْيَمَنِ مَعَ أَمْرِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ بِإِخْرَاجِ الْيَهُودِ وَالنَّصَارَى مِنْ جَزِيرَةِ الْعَرَبِ فَلَمْ يُعْرَفْ عَنْ إِمَامٍ أَنَّهُ أَجْلَاهُمْ مِنَ الْيَمَنِ.
стр. 5003
وَإِنَّمَا قَالَ الشَّافِعِيُّ وَأَحْمَدُ: يُخْرَجُونَ مِنْ مَكَّةَ وَالْمَدِينَةِ وَالْيَمَامَةِ وَخَيْبَرَ وَيَنْبُعَ وَمَخَالِيفِهَا وَلَمْ يَذْكُرَا الْيَمَنَ، وَلَمْ يُجْلُوا مِنْ تَيْمَاءَ أَيْضًا وَكَيْفَ يَكُونُ الْيَمَنُ مِنْ جَزِيرَةِ الْعَرَبِ وَهِيَ وَرَاءَ الْبَحْرِ فَالْبَحْرُ بَيْنَهَا وَبَيْنَ الْجَزِيرَةِ؟ فَهَذَا الْقَوْلُ غَلَطٌ مَحْضٌ» اهـ.
قُلْتُ: قول العلامة ابن القيم ﵀: «وَكَيْفَ يَكُونُ الْيَمَنُ مِنْ جَزِيرَةِ الْعَرَبِ وَهِيَ وَرَاءَ الْبَحْرِ فَالْبَحْرُ بَيْنَهَا وَبَيْنَ الْجَزِيرَةِ؟ فَهَذَا الْقَوْلُ غَلَطٌ مَحْضٌ». من الخطأ المحض، فليس هناك بحر يفصل اليمن من جزيرة العرب، وإنَّما يفصل اليمن عن أرض الحبش، والسودان، وما جاورهما من البلدان.
ولعل ابن القيم ﵀ قال ذلك لأنَّ قدمه لم تطأ أرض اليمن. والله أعلم.
فائدة: قَالَ الْعَلَّامَةُ ابْنُ قُدَامَةَ ﵀ فِي [الْمُغْنِي] (٩/ ٣٥٧):
«وَإِنَّمَا سُمِّيَ حِجَازًا، لِأَنَّهُ حَجَزَ بَيْنَ تِهَامَةَ وَنَجْدٍ» اهـ.
فائدة أخرى: قَالَ الْحِافِظُ ابْنُ حَجَرٍ ﵀ فِي [فَتْحِ الْبَارِي] (٦/ ١٧١):
«وَقَالَ الْخَلِيلُ بْنُ أَحْمَدَ سُمِّيَتْ جَزِيرَةُ الْعَرَبِ لِأَنَّ بَحْرَ فَارِسَ وَبَحْرَ الْحَبَشَةِ وَالْفُرَاتَ وَدِجْلَةَ أَحَاطَتْ بِهَا وَهِيَ أَرْضُ الْعَرَبِ وَمَعْدِنُهَا» اهـ.
١٣ - وفي الحديث أنَّ النبي ﷺ رهن اليهودي درع الحديث، وليس فيه أنَّه ملكه الدرع عند حلول الأجل إذا لم يقضه.
وفي ذلك نزاع بين العلماء والأكثر على المنع لأنَّه من قبيل البيع المعلق على شرط.
وأجازه بعض العلماء.
стр. 5004
قَالَ الْعَلَّامَةُ ابْنُ الْقَيِّمِ ﵀ فِي [إِعْلَامِ الْمُوَقِعِيْنَ] (٣/ ٢٨١ - ٢٨٢):
«الْمِثَالُ الثَّانِي وَالثَّلَاثُونَ: إذَا رَهَنَهُ رَهْنًا بِدَيْنٍ، وَقَالَ: "إنْ وَفَيْتُك الدَّيْنَ إلَى كَذَا وَكَذَا، وَإِلَّا فَالرَّهْنُ لَك بِمَا عَلَيْهِ" صَحَّ ذَلِكَ، وَفَعَلَهُ الْإِمَامُ أَحْمَدُ، وَقَالَ أَصْحَابُنَا: لَا يَصِحُّ، وَهُوَ الْمَشْهُورُ مِنْ مَذَاهِبِ الْأَئِمَّةِ الثَّلَاثَةِ، وَاحْتَجُّوا بِقَوْلِهِ: "أَلَّا يُغْلَقَ الرَّهْنُ" وَلَا حُجَّةَ لَهُمْ فِيهِ؛ فَإِنَّ هَذَا كَانَ مُوجِبَهُ فِي الْجَاهِلِيَّةِ أَنَّ الْمُرْتَهِنَ يَتَمَلَّكُ الرَّهْنَ بِغَيْرِ إذْنِ الْمَالِكِ إذَا لَمْ يُوفِهِ؛ فَهَذَا هُوَ غَلْقُ الرَّهْنِ الَّذِي أَبْطَلَهُ النَّبِيُّ ﷺ ، وَأَمَّا بَيْعُهُ لِلْمُرْتَهِنِ بِمَا عَلَيْهِ عِنْدَ الْحُلُولِ فَلَمْ يُبْطِلْهُ كِتَابٌ وَلَا سُنَّةٌ وَلَا إجْمَاعٌ وَلَا قِيَاسٌ صَحِيحٌ وَلَا مَفْسَدَةٌ ظَاهِرَةٌ، وَغَايَةُ مَا فِيهِ أَنَّهُ بَيْعٌ عُلِّقَ عَلَى شَرْطٍ، وَنَعَمْ فَكَانَ مَاذَا؟ وَقَدْ تَدْعُو الْحَاجَةُ وَالْمَصْلَحَةُ إلَى هَذَا مِنْ الْمُرْتَهِنَيْنِ، وَلَا يُحَرَّمُ عَلَيْهِمَا مَا لَمْ يُحَرِّمْهُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ، وَلَا رَيْبَ أَنَّ هَذَا خَيْرٌ لِلرَّاهِنِ وَالْمُرْتَهِنِ مِنْ تَكْلِيفِهِ الرَّفْعَ إلَى الْحَاكِمِ، وَإِثْبَاتِهِ الرَّهْنَ، وَاسْتِئْذَانِهِ فِي بَيْعِهِ وَالتَّعَبِ الطَّوِيلِ الَّذِي لَا مَصْلَحَةَ فِيهِ سِوَى الْخَسَارَةِ وَالْمَشَقَّةِ، فَإِذَا اتَّفَقَا عَلَى أَنَّهُ لَهُ بِالدَّيْنِ عِنْدَ الْحُلُولِ كَانَ أَصْلَحَ لَهُمَا وَأَنْفَعَ وَأَبْعَدَ مِنْ الضَّرَرِ وَالْمَشَقَّةِ وَالْخَسَارَةِ» اهـ.
وَقَالَ ﵀ فِي [بَدَائِعِ الْفَوَائِدِ] (٤/ ٩٥ - ٩٦):
«فصل: إذا قال الراهن للمرتهن: إن جئت بحقك إلى كذا وإلَّا فالرهن لك بالدين الذي أخذته منك فقد فعله الإمام أحمد في حجته، ومنع منه أصحابه وقالوا نص في رواية حرب على خلافه فقال: "باب الرهن يكتب شراء".
стр. 5005
قيل لأحمد المتبايعان بينهما رهن فيكتبان شراء فكرهه كراهة شديدة وقال: "أول شيء أنَّه يكذب هو رهن يكتب شراء فكرهه جداً" قال ابن عقيل: "ومعنى هذا أن المرتهن يكتب شراء لموافقة بينه وبين الراهن وإن لم يأته بالحق إلى وقت كذا يكون الرهن مبيعا فهو باطل من حيث تعليق البيع على الشرط وحرام من حيث أنه كذب وأكل مال بالباطل".
قلت: وهذا لا يناقض فعله وهذا شيء وما فعله شيء فإنَّ الراهن والمرتهن قد اتفقا على أنَّه رهن ثم كتبا أنَّه عقد تبايع في الحال وتواطئا على أنَّه رهن فهو شراء في الكتابة رهن في الباطن فأين هذا من قولهما ظاهراً وباطناً إن جئتك بحقك في محله وإلَّا فهو لك بحقك ألا ترى أن أحمد قال: "هذا كذب" ومعلوم أنَّ العقد إذا وقع على جهة الشرط فليس بكذب وليس في الأدلة الشرعية ولا القواعد الفقهية ما يمنع تعليق البيع بالشرط والحق جوازه فإنَّ المسلمين على شروطهم إلَّا شرطاً أحل حراماً أو حرم حلالاً وهذا لم يتضمن واحداً من الأمرين فالصواب جواز هذا العقد وهو اختيار شيخنا على عادته حمل ذلك وفعل إمامنا» اهـ.
قُلْتُ: أكثر العلماء على منع ذلك.
قَالَ الْعَلَّامَةُ ابْنُ قُدَامَةَ ﵀ فِي [الْمُغْنِي] (٤/ ٢٨٧):
«فَصْلٌ: وَإِنْ شَرَطَ أَنَّهُ مَتَى حَلَّ الْحَقُّ وَلَمْ يُوَفِّنِي فَالرَّهْنُ لِي بِالدَّيْنِ أَوْ: فَهُوَ مَبِيعٌ لِي بِالدَّيْنِ الَّذِي عَلَيْك. فَهُوَ شَرْطٌ فَاسِدٌ. رُوِيَ ذَلِكَ عَنْ ابْنِ عُمَرَ وَشُرَيْحٍ وَالنَّخَعِيِّ،
стр. 5006
وَمَالِكٍ وَالثَّوْرِيِّ وَالشَّافِعِيِّ وَأَصْحَابِ الرَّأْيِ. وَلَا نَعْلَمُ أَحَدًا خَالَفَهُمْ. وَالْأَصْلُ فِي ذَلِكَ مَا رَوَى مُعَاوِيَةُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ جَعْفَرٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "لَا يُغْلَقُ الرَّهْنُ" رَوَاهُ الْأَثْرَمُ. قَالَ الْأَثْرَمُ قُلْت: لِأَحْمَدْ مَا مَعْنَى قَوْله: "لَا يُغْلَقُ الرَّهْنُ"؟ قَالَ: لَا يَدْفَعُ رَهْنًا إلَى رَجُلٍ، وَيَقُولُ: إنْ جِئْتُك بِالدَّرَاهِمِ إلَى كَذَا وَكَذَا، وَإِلَّا فَالرَّهْنُ لَك» اهـ.
قُلْتُ: ورجح الجواز العلامة محمد بن إبراهيم آل الشيخ، والعلامة العثيمين رحمهما الله تعالى.
السلامة ترك ذلك فإنَّ هذا البيع لا يخلوا من مفسدة، وذلك أنَّ الرهن قد يزيد وقد ينقص وقد يتغير فيحصل بسبب ذلك النزاع.
* * *
стр. 5007
أَحْكَامِ الْحَوَالَةِ.
٢٧٥ - عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁: أَنَّ رَسُوْلَ اللهِ ﷺ قَالَ: «مَطْلُ الغَنِيِّ ظُلْمٌ، فَإِذَا أُتْبِعَ أَحَدُكُمْ عَلَى مَلِيٍّ فَلْيَتْبَعْ».
وَفِي الْحَدِيْثِ مَسَائِلُ مِنْهَا:
١ - تحريم مماطلة الغني، وأصل المطل في اللغة: المد يقال: مطلت الحديدة إذا مددتها لتطول، وكل ممدود ممطول، والمراد بذلك في هذا الحديث تأخير أداء الحق بغير عذر.
والمراد بالغنى في هذا الحديث القدرة على الأداء، ولو كان الشخص فقيراً.
قَالَ الْحِافِظُ ابْنُ حَجَرٍ ﵀ فِي [فَتْحِ الْبَارِي] (٤/ ٤٦٥):
«والغنى مختلف في تفريعه، ولكن المراد به هنا من قدر على الأداء فأخره ولو كان فقيراً» اهـ.
قُلْتُ: فيخرج بذلك الفقير الذي لا يقدر على الأداء، ومن كان ذا مال لكنه ليس متمكناً من الأداء لغيبة المال أو لغير ذلك.
٢ - ويدل بمفهومه أنَّ تأخير أداء الحق من قبل العاجز ليس بظلم.
٣ - وفيه أنَّ المدين إذا أحال دائنه على غني باذل وجب عليه أن يحتال إليه.
стр. 5008
وحمله الجمهور على الاستحباب، وقال بالوجوب أكثر الحنابلة وأبو ثور وابن جرير وأهل الظاهر.
وهذه المسألة هي التي يسميها العلماء "الحوالة" وهي تحويل الدين من ذمة إلى ذمة.
والحوالة من قبيل الاستيفاء، لا من قبيل بيع الدين بالدين خلافاً لمن زعم ذلك، ثم ادعى بعد ذلك أنَّ الحوالة خلاف القياس.
قَالَ شَيْخُ الْإِسْلَامِ ابْنُ تَيْمِيَّةَ ﵀ كَمَا فِي [مَجْمُوْعِ الْفَتَاوَى] (٢٠/ ٥١٢):
«الوجه الثاني: أنَّ الحوالة من جنس إيفاء الحق لا من جنس البيع. فإنَّ صاحب الحق إذا استوفى من المدين ماله كان هذا استيفاء فإذا أحاله على غيره كان قد استوفى ذلك الدين عن الدين الذي له في ذمة المحيل» اهـ.
٤ - قَالَ الْحِافِظُ ابْنُ حَجَرٍ ﵀ فِي [فَتْحِ الْبَارِي] (٤/ ٤٦٦):
«واستدل به على أنَّ الحوالة إذا صحت ثم تعذر القبض بحدوث حادث كموت أو فلس لم يكن للمحتال الرجوع على المحيل، لأنَّه لو كان له الرجوع لم يكن لاشتراط الغني فائدة، فلما شرطت علم أنَّه انتقل انتقالاً لا رجوع له كما لو عوضه عن دينه بعوض ثم تلف العوض في يد صاحب الدين فليس له رجوع. وقال الحنفية: يرجع عند التعذر وشبهوه بالضمان» اهـ.
قُلْتُ: وبيان ذلك: أنَّ المحتال لو كان له الرجوع مطلقاً لما احتيج إلى اشتراط الغنى، بل لاستوى الغني وغيره في هذا، وإذا لم يمكنه أن يستوفي حقه من المعسر
стр. 5009
أو الغني فإنَّه يرجع إلى المحال واستوفى حقه منه، فلما اشترط النبي ﷺ في وجوب قبول الإحالة أن يكون المحتال إليه غنياً دلَّ ذلك على أنَّ الحوالة تقتضي الانتقال التام إلى المحال إليه من غير رجوع إلى المحيل. والله أعلم.
وَقَالَ الْعَلَّامَةُ الْقُرْطُبِي ﵀ فِي [الْمُفْهِم] (١٤/ ٧٣) عند كلامه على الحوالة:
«فإذا كملت شروطها برئت ذمة المحيل بانتقال الحق الذي كان عليه إلى ذمة المحال عليه. فلا يكون للمحال الرُّجوع على المحيل، وإن أفلس المحال عليه، أو مات. وهذا قول الجمهور.
وقد ذهب أبو حنيفة إلى رجوعه عليه، إن تعذر أخذ الدين من المحال عليه. والأول الصحيح؛ لأنَّ الحوالة عقد معاوضة، فلا يرجع بطلب أحد العوضين بعد التسليم، كسائر عقود المعاوضات؛ ولأنَّ ذمة المحيل قد برئت من الحق المحال به بنفس الحوالة، فلا تعود مشتغلةً به إلَّا بعقد آخر، ولا عقد، فلا شغل. غير أنَّ مالكًا قال: إن غرَّ المحيل المحال بذمَّة المحال عليه كان له الرُّجوع على المحيل. وهذا لا ينبغي أن يختلف فيه؛ لوضوحه» اهـ.
٥ - قَالَ الْحِافِظُ ابْنُ حَجَرٍ ﵀ فِي [فَتْحِ الْبَارِي] (٤/ ٤٦٦):
«واستدل به على اعتبار رضى المحيل والمحتال دون المحال عليه لكونه لم يذكر في الحديث، وبه قال الجمهور، وعن الحنفية يشترط أيضاً، وبه قال الإصطخري من الشافعية» اهـ.
стр. 5010
قُلْتُ: وهل يجبر المدين على الحوالة إن كان معسراً، وله دين عند غني باذل؟
الذي يظهر لي في ذلك أنَّه يلزم بأحد أمرين: إمَّا الإحالة، وإمَّا أن يقبض المال بنفسه من غريمه ثم يوفي دينه، لأننا إن لم نلزمه بذلك ضاعت الحقوق.
وأمَّا المحتال، فالصحيح أنَّه لا يعتبر رضاه إذا أحيل على مليء يمكن مطالبته، وقولي: "يمكن مطالبته" لإخراج المماطل، ومن لا يمكن إحضاره إلى مجلس الحكم كالوالد، والسلطان.
وإنَّما لم نعتبر رضا المحتال لأمر النبي ﷺ له أن يحتال. والله أعلم.
قَالَ الْعَلَّامَةُ ابْنُ قُدَامَةَ ﵀ فِي [الْمُغْنِي] (٤/ ٣٩٤ - ٣٩٥):
«فَإِذَا أُحِيلَ عَلَى مَنْ هَذِهِ صِفَتُهُ لَزِمَ الْمُحْتَالَ وَالْمُحَالَ عَلَيْهِ الْقَبُولُ، وَلَمْ يُعْتَبَرْ رِضَاهُمَا. وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ: يُعْتَبَرُ رِضَاهُمَا؛ لِأَنَّهَا مُعَاوَضَةٌ، فَيُعْتَبَرُ الرِّضَا مِنْ الْمُتَعَاقِدَيْنِ. وَقَالَ مَالِكٌ وَالشَّافِعِيُّ: يُعْتَبَرُ رِضَى الْمُحْتَالِ؛ لِأَنَّ حَقَّهُ فِي ذِمَّةِ الْمُحِيلِ، فَلَا يَجُوزُ نَقْلُهُ إلَى غَيْرِهَا بِغَيْرِ رِضَاهُ، كَمَا لَا يَجُوزُ أَنْ يُجْبِرَهُ عَلَى أَنْ يَأْخُذَ بِالدَّيْنِ عَرْضًا.
فَأَمَّا الْمُحَالُ عَلَيْهِ، فَقَالَ مَالِكٌ: لَا يُعْتَبَرُ رِضَاهُ، إلَّا أَنْ يَكُونَ الْمُحْتَالُ عَدُوَّهُ. وَلِلشَّافِعِي فِي اعْتِبَارِ رِضَائِهِ قَوْلَانِ؛ أَحَدُهُمَا: يُعْتَبَرُ. وَهُوَ يَحْكِي عَنْ الزُّهْرِيِّ؛ لِأَنَّهُ أَحَدُ مَنْ تَتِمُّ بِهِ الْحَوَالَةُ، فَأَشْبَهَ الْمُحِيلَ. وَالثَّانِي: لَا يُعْتَبَرُ؛ لِأَنَّهُ أَقَامَهُ فِي الْقَبْضِ مَقَامَ نَفْسِهِ، فَلَمْ يَفْتَقِرْ إلَى رِضَى مَنْ عَلَيْهِ الْحَقُّ كَالتَّوْكِيلِ. وَلَنَا، قَوْلُ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ
следующие страницы →