Полный текст (8 095 стр.). Показаны 526–565 · переход к 531.
стр. 526
وقال الحافظ ابن حجر ﵀ في [فتح الباري] (١/ ٣٦٣):
«وَفِيهِ تَقْدِيمُ غَسْلِ الْكَفَّيْنِ عَلَى غَسْلِ الْفَرْجِ لِمَنْ يُرِيدُ الِاغْتِرَافَ لِئَلَّا يُدْخِلَهُمَا فِي الْمَاءِ وَفِيهِمَا مَا لَعَلَّهُ يُسْتَقْذَرُ فَأَمَّا إِذَا كَانَ الْمَاءُ فِي إِبْرِيقٍ مَثَلًا فَالْأَوْلَى تَقْدِيمُ غَسْلِ الْفَرْجِ لِتَوَالِي أَعْضَاءِ الْوُضُوءِ» اهـ.
قلت: الأولى موافقة ظاهر السنة، والنبي ﷺ صب الماء على يديه وغسلهما ثم صب الماء وغسل فرجه ولم يدخل يده في الإناء، ومع هذا فراعى تقديم غسل اليدين على غسل الفرج، وهذا يبطل ما ذكره الحافظ ﵀.
٢ - استحباب غسل الفرج قبل الشروع في غسل الجنابة. وقد احتج بذلك من ذهب إلى نجاسة المني، ورطوبة فرج المرأة، - فأمَّا رطوبة الفرج فهو ماء أبيض متردد بين المذي والعرق -، ولا حجة فيه على نجاستهما وذلك لأنَّ الغسل المجرد عن الأمر لا يدل على النجاسة.
وسيأتي بمشيئة الكلام على المني، وأمَّا رطوبة فرج المرأة، فاحتج القائلون بنجاسته بما رواه البخاري (٢٩٣)، ومسلم (٣٤٦) عَنْ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ قَالَ: سَأَلْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ عَنْ الرَّجُلِ يُصِيبُ مِنْ الْمَرْأَةِ ثُمَّ يُكْسِلُ فَقَالَ: «يَغْسِلُ مَا أَصَابَهُ مِنْ الْمَرْأَةِ ثُمَّ يَتَوَضَّأُ وَيُصَلِّي».
وما رواه البخاري (١٧٩، ٢٩٢)، ومسلم (٣٤٧) عن زيد بن خالد الجهني أنه سأل عثمان فقال: أرأيت إذا جامع الرجل امرأته فلم يمن؟ قال عثمان:
стр. 527
«"يَتَوَضَّأُ كَمَا يَتَوَضَّأُ لِلصَّلَاةِ وَيَغْسِلُ ذَكَرَهُ" قَالَ عُثْمَانُ: سَمِعْتُهُ مِنْ رَسُولِ اللهِ ﷺ ».
قال العلامة النووي ﵀ في [المجموع] (٢/ ٥٧١): «وَهَذَانِ الْحَدِيثَانِ فِي جَوَازِ الصَّلَاةِ بِالْوُضُوءِ بِلَا غُسْلٍ مَنْسُوخَانِ كَمَا سَبَقَ فِي بَابِ مَا يُوجِبُ الْغُسْلَ وَأَمَّا الْأَمْرُ بِغَسْلِ الذَّكَرِ وَمَا أَصَابَهُ مِنْهَا فَثَابِتٌ غَيْرُ مَنْسُوخٍ وَهُوَ ظَاهِرٌ فِي الْحُكْمِ بنجاسة رطوبة الفرج والقائل الآخر يحمله عَلَى الِاسْتِحْبَابِ لَكِنْ مُطْلَقُ الْأَمْرِ لِلْوُجُوبِ عِنْدَ جُمْهُورِ الْفُقَهَاءِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ» اهـ.
قلت: وكلامه قبل هذا يدل على أنَّه يختار الطهارة فقد قال ﵀ (٢/ ٥٧٠): «رُطُوبَةُ الْفَرْجِ مَاءٌ أَبْيَضُ مُتَرَدِّدٌ بَيْنَ الْمَذْيِ وَالْعَرَقِ فَلِهَذَا اُخْتُلِفَ فِيهَا ثُمَّ إنَّ الْمُصَنِّفَ ﵀ رَجَّحَ هُنَا وَفِي التَّنْبِيهِ النَّجَاسَةَ وَرَجَّحَهُ أَيْضًا الْبَنْدَنِيجِيُّ: وَقَالَ الْبَغَوِيّ وَالرَّافِعِيُّ وَغَيْرُهُمَا الْأَصَحُّ الطَّهَارَةُ وَقَالَ صَاحِبُ الْحَاوِي فِي بَابِ مَا يُوجِبُ الْغُسْلَ نَصَّ الشَّافِعِيُّ ﵀ فِي بَعْضِ كُتُبِهِ عَلَى طَهَارَةِ رُطُوبَةِ الْفَرْجِ وَحُكِيَ التَّنْجِيسُ عَنْ ابْنِ سُرَيْجٍ فَحَصَلَ فِي الْمَسْأَلَةِ قَوْلَانِ مَنْصُوصَانِ لِلشَّافِعِيِّ أَحَدُهُمَا مَا نَقَلَهُ الْمُصَنِّفُ وَالْآخَرُ نَقَلَهُ صَاحِبُ الْحَاوِي وَالْأَصَحُّ طهارتها» اهـ.
وهكذا قال في [شرح مسلم] (٣/ ١٩٨):
«وَالْأَظْهَرُ طَهَارَتُهَا» اهـ.
وقال العلامة ابن قدامة ﵀ في [المغني] (٢/ ٢٨٣ - ٢٨٤): «فصل: وفي رطوبة فرج المرأة احتمالان أحدهما: أنَّه نجس لأنَّه في الفرج لا يخلق منه الولد أشبه المذي.
стр. 528
والثاني: طهارته لأنَّ عائشة كانت تفرك المني من ثوب رسول الله ﷺ هو من جماع فإنَّه ما احتلم نبي قط وهو يلاقي رطوبة الفرج ولأننا لو حكمنا بنجاسة فرج المرأة لحكمنا بنجاسة منيها لأنَّه يخرج من فرجها فيتنجس برطوبته.
وقال القاضي: ما أصاب منه في حال الجماع فهو نجس لأنَّه لا يسلم من المذي وهو نجس ولا يصح التعليل فإنَّ الشهوة إذا اشتدت خرج المني دون المذي كحال الاحتلام» اهـ.
قلت: القول بطهارة رطوبة فرج المرأة هو الأقوى، وذلك أنَّ الأحاديث التي استدل بها المنجسون ليست صريحة في مسألة الرطوبة، وذلك أنَّ الأمر بالغسل باعتبار ما يصيبه الذكر من مذيها وهو نجس يجب غسل الذكر منه.
وفي الأحاديث أحتمال آخر وهو أن تحمل تلك الأحاديث على الاستحباب دون الوجوب.
ومما يدل على طهارة هذه الرطوبات أنَّها ملازمة للفرج غالباً، وقد علل الله تعالى حرمة إتيان المرأة في حال حيضها بأنَّه أذى، وأخذ من ذلك العلماء حرمة الوطء في الدبر لأنَّه موضع الأذى فإذا كانت الرطوبة نجسة لما جاز وطؤها في ذلك الموضع لوجود الأذى، وإذا كان أذى الحيض العارض يمنع من الوطء فمن باب أولى الأذى المستمر. والله أعلم.
وقال المنجسون: حديث عائشة في حك المني من ثوب رسول الله ﷺ فيه احتمالان:
стр. 529
الأول: أنَّ ذلك المني كان من احتلام وليس من جماع، والقول بأنَّ الاحتلام ممتنع عن النبي ﷺ لأنَّه من تلاعب الشيطان يحتاج إلى دليل، ولا يلزم أن يكون جميع الاحتلام من تلاعب الشيطان بل الاحتلام منه ما هو فيض زيادة المني يخرج في وقت من الأوقات.
والآخر: أنَّه مني ملاعبة وليس مني جماع.
قال العلامة النووي ﵀ في [شرح مسلم] (١/ ٤٦٧): «وأجاب القائلون بنجاسة رطوبة فرج المرأة بجوابين أحداهما: جواب بعضهم أنَّه يمتنع استحالة الاحتلام منه ﷺ وكونها من تلاعب الشيطان بل الاحتلام منه جائز ﷺ ، وليس هو من تلاعب الشيطان، بل هو فيض زيادة المني يخرج في وقت.
والثاني: أنَّه يجوز أن يكون ذلك المني حصل بمقدمات جماع فسقط منه شيء على الثوب، وأمَّا المتلطخ بالرطوبة فلم يكن على الثوب. والله أعلم» اهـ.
أقول: حمل المني على مني الاحتلام أو الملاعبة من حمل الحديث على أندر معانيه، والأصل حمل الحديث على الأمر الغالب دون النادر، والغالب هو مني الجماع.
وقد فصَّل بعض الشافعية في رطوبة الفرج فقال العلامة ابن حجر الهيتمي ﵀ في [تحفة المحتاج] (١/ ٣٠١):
«وَالْحَاصِلُ أَنَّ رُطُوبَةَ الْفَرْجِ ثَلَاثُ أَقْسَامٍ طَاهِرَةٌ قَطْعًا وَهِيَ مَا تَكُونُ فِي الْمَحَلِّ الَّذِي يَظْهَرُ عِنْدَ جُلُوسِهَا وَهُوَ الَّذِي يَجِبُ غَسْلُهُ فِي الْغُسْلِ وَالِاسْتِنْجَاءِ، وَنَجِسَةٌ
стр. 530
قَطْعًا وَهِيَ مَا وَرَاءَ ذَكَرِ الْمُجَامِعِ، وَطَاهِرَةٌ عَلَى الْأَصَحِّ وَهِيَ مَا يَصِلُهُ ذَكَرُ الْمُجَامِعِ» اهـ.
قلت: ومذهب الحنفية طهارة رطوبة فرج المرأة، ومذهب المالكية نجاستها.
وقال شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ في [شرح عمدة الفقه] (١/ ١١٢):
«وَأَمَّا الرُّطُوبَةُ الَّتِي فِي فَرْجِ الْمَرْأَةِ فَطَاهِرٌ فِي أَقْوَى الرِّوَايَتَيْنِ» اهـ.
قلت: هذا ما يتعلق بطهارة رطوبة فرج المرأة، لكن بقى ما يتعلق بنقضها للوضوء وعدمه.
فأقول: أمَّا بالنسبة لمذهب الإمام مالك فلا أعلم له ولا لأصحابه كلاماً حول رطوبة الفرج هل ينتقض بها الوضوء أو لا، لكنه ﵀ لا يرى النقض بالأمور النادرة الغير معتادة، فقد يقال: إنَّ الرطوبة من الأمور المعتادة لدى النساء فيحصل بذلك النقض عنده، والله أعلم.
وأمَّا علماء الشافعية فقد عدها بعضهم من النواقض فقال العلامة ابن حجر الهيتمي ﵀ في [تحفة المحتاج] (١/ ١٣٠):
«أَوْ خَرَجَتْ رُطُوبَةُ فَرْجِهَا إذَا كَانَتْ مِنْ وَرَاءِ مَا يَجِبُ غَسْلُهُ يَقِينًا وَإِلَّا فَلَا» اهـ.
وأمَّا علماء الحنابلة فلا أعلم لهم كلاماً في رطوبة فرج المرأة هل هي ناقضة أو لا لكن لازم مذهبهم النقض لأنَّهم يرون النقض بكل خارج من السبيلين سواء كان نجساً أو طاهراً.
стр. 531
وهكذا علماء الحنفية فلم أجد لهم كلاماً في ذلك، والأظهر أنَّهم لا يرون الرطوبة ناقضة للوضوء لأنَّها طاهرة عندهم والناقض عندهم لا يخلو من نجاسة حتى الريح فإنَّها تحمل أجزاءً من النجاسة.
وشبيه بهذه المسألة القصة البيضاء.
قال العلامة ابن حجر الهيتمي ﵀ في [تحفة المحتاج] (١/ ٣٠٢):
«ثُمَّ قَالَ فِي قَوْلِ "الْعُبَابِ": نَعَمْ إنْ انْفَصَلَتْ رُطُوبَةُ فَرْجِهَا فَنَجِسَةٌ مَا نَصُّهُ بِأَنْ خَرَجَتْ مِنْ جَوْفِهَا وَلَوْ إلَى دَاخِلِهِ الَّذِي يَجِبُ غَسْلُهُ خِلَافًا لِمَا تُوهِمُهُ عِبَارَتُهُ كَغَيْرِهِ فَالِانْفِصَالُ لَيْسَ بِشَرْطٍ إذْ الرُّطُوبَةُ الْخَارِجَةُ مِنْ الْجَوْفِ طَاهِرَةٌ وَإِنْ انْفَصَلَتْ كَمَا اقْتَضَاهُ إطْلَاقُهُمْ اهـ.
ثُمَّ قَالَ: وَتَرَدَّدَ ابْنُ الْعِمَادِ فِي طَهَارَةِ الْقَصَّةِ الْبَيْضَاءِ وَهِيَ الَّتِي تَخْرُجُ عَقِبَ انْقِطَاعِ الْحَيْضِ وَالظَّاهِرُ أَنَّهُ إنْ تَحَقَّقَ خُرُوجُهَا مِنْ بَاطِنِ الْفَرْجِ أَوْ أَنَّهَا نَحْوُ دَمٍ مُتَجَمِّدٍ فَنَجِسَةٌ وَإِلَّا فَطَاهِرَةٌ اهـ» اهـ.
قلت: الذي يظهر لي في جميع ما سبق الطهارة، وحصول النقض بخروجها هو الأحوط والأقوى لخروجه من أحد السبيلين كسائر الأحداث. والله أعلم.
وذهب أبو محمد بن حزم ﵀ إلى عدم النقض بالقصة البيضاء فقال في [المحلى] (١/ ٢٤٠):
«وَيُقَالُ لِلشَّافِعِيَّيْنِ وَالْحَنَفِيِّينَ مَعًا: قَدْ وَجَدْنَا الْخَارِجَ مِنْ الْمَخْرَجَيْنِ مُخْتَلِفَ الْحُكْمِ، فَمِنْهُ مَا يُوجِبُ الْغُسْلَ كَالْحَيْضِ وَالْمَنِيِّ وَدَمِ النِّفَاسِ، وَمِنْهُ مَا يُوجِبُ الْوُضُوءَ فَقَطْ كَالْبَوْلِ وَالْغَائِطِ وَالرِّيحِ وَالْمَذْيِ، وَمِنْهُ مَا لَا يُوجِبُ شَيْئًا كَالْقَصَّةِ الْبَيْضَاءِ، فَمِنْ أَيْنَ لَكُمْ أَنْ تَقِيسُوا مَا اشْتَهَيْتُمْ فَأَوْجَبْتُمْ فِيهِ الْوُضُوءَ قِيَاسًا عَلَى مَا يُوجِبُ الْوُضُوءَ
стр. 532
مِنْ ذَلِكَ، دُونَ أَنْ تُوجِبُوا فِيهِ الْغُسْلَ قِيَاسًا عَلَى مَا يُوجِبُ الْغُسْلَ مِنْ ذَلِكَ، أَوْ دُونَ أَنْ لَا تُوجِبُوا فِيهِ شَيْئًا قِيَاسًا عَلَى مَا لَا يَجِبُ فِيهِ شَيْءٌ مِنْ ذَلِكَ؟ وَهَلْ هَذَا إلَّا التَّحَكُّمُ بِالْهَوَى الَّذِي حَرَّمَ اللَّهُ تَعَالَى الْحُكْمَ بِهِ وَبِالظَّنِّ الَّذِي أَخْبَرَ تَعَالَى أَنَّهُ لَا يُغْنِي مِنْ الْحَقِّ شَيْئًا، وَمَعَ فَسَادِ الْقِيَاسِ وَمُعَارَضَةِ بَعْضِهِ بَعْضًا» اهـ.
قلت: وأمَّا الكدرة والصفرة فهما نجسان لأنَّ الطهر من الحيض لا يكون إلَّا بعد زوالهما، ولأنَّهما إذا اتصلا بالحيض كانا من جملة الحيض، ويبعد أن يقال بطهارتهما إلَّا عند اتصالهما بالحيض فيحكم بنجاستهما وهما هما من قبل ومن بعد.
وقال الخطيب الشربيني الشافعي ﵀ في [مغني المحتاج] (١/ ٢٣٢):
«وَالصُّفْرَةُ وَالْكُدْرَةُ لَيْسَتَا بِدَمٍ وَهُمَا نَجِسَانِ» اهـ.
قلت: والأظهر نقض الوضوء بهما وذهب أبو محمد بن حزم ﵀ إلى عدم النقض بهما فقال في [المحلى] (١/ ٢٤٣):
«وَأَمَّا الصُّفْرَةُ وَالْكُدْرَةُ وَالدَّمُ الْأَحْمَرُ فَسَيُذْكَرُ فِي الْكَلَامِ فِي الْحَيْضِ - إنْ شَاءَ اللَّهُ - حُكْمُهُ وَإِنَّهُ لَيْسَ - حَيْضًا وَلَا عِرْقًا، فَإِذًا لَيْسَ حَيْضًا وَلَا عِرْقًا فَلَا وُضُوءَ فِيهِ. إذْ لَمْ يُوجِبْ فِي ذَلِكَ قُرْآنٌ وَلَا سُنَّةٌ وَلَا إجْمَاعٌ» اهـ.
قلت: ومذهب اللجنة الدائمة نجاسة جميع الإفرازات الخارجة من رحم المرأة وعدها من نواقض الوضوء.
وذهب العلامة ابن عثيمين ﵀ في آخر أقواله إلى طهارتها وعدم نقض الوضوء بها إلَّا ما دل الدليل على النقض به.
стр. 533
٣ - أنَّ غسل الفرج يكون باليد اليسرى، وصب الماء باليد اليمنى، وهذا مأخوذ من رواية البخاري وأبي داود التي سبق ذكرهما.
٤ - تطهير اليد بعد غسل الفرج بالأرض أو على الحائط، ويقوم مقام ذلك تطهيرها بالصابون ونحوه من المطهرات.
ويستحب بعد دلكها أن تغسل بالماء لما رواه البخاري (٢٦٠) عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ عَنْ مَيْمُونَةَ: «أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ اغْتَسَلَ مِنَ الْجَنَابَةِ فَغَسَلَ فَرْجَهُ بِيَدِهِ ثُمَّ دَلَكَ بِهَا الْحَائِطَ ثُمَّ غَسَلَهَا ثُمَّ تَوَضَّأَ وُضُوءَهُ لِلصَّلَاةِ فَلَمَّا فَرَغَ مِنْ غُسْلِهِ غَسَلَ رِجْلَيْهِ».
قال شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ في [شرح عمدة الفقه] (١/ ٣٧٠):
«وَرَابِعُهَا: أَنْ يَغْسِلَ فَرْجَهُ وَيُدَلِّكَ يَدَهُ بَعْدَهُ لِمَعْنَيَيْنِ:
أَحَدُهُمَا: أَنْ يُزِيلَ مَا بِهِ مِنْ أَذًى، وَكَذَلِكَ إِنْ كَانَ عَلَى يَدَيْهِ نَجَاسَةٌ أَزَالَهَا قَبْلَ الِاغْتِسَالِ؛ لِئَلَّا تُمَاعَ بِالْمَاءِ، وَلِئَلَّا يَتَوَقَّفَ ارْتِفَاعُ الْحَدَثِ عَلَى زَوَالِهَا فِي الْمَشْهُورِ.
وَالثَّانِي: أَنَّهُ إِذَا أَخَّرَ غَسْلَ الْفَرْجِ، فَإِنْ مَسَّ انْتَقَضَ وُضُوؤُهُ، وَإِنْ لَمْ يَمَسَّهُ أَخَلَّ بِسُنَّةِ الدَّلْكِ، وَرُبَّمَا لَا يَتَيَقَّنُ وُصُولَ الْمَاءِ إِلَى مَغَابِنِهِ إِلَّا بِالدَّلْكِ، وَكَذَلِكَ لَا يُسْتَحَبُّ لَهُ إِعَادَةُ الْوُضُوءِ بَعْدَ الْغُسْلِ، إِلَّا أَنْ يَكُونَ قَدْ مَسَّ ذَكَرَهُ» اهـ.
قلت: وإذا غسل يده بالماء والصابون بدل دلكها فلا حاجة إلى غسلها بعد ذلك بالماء. والله أعلم.
٥ - المضمضة والاستنشاق في غسل الجنابة، وحكمهما الوجوب كما في الوضوء.
стр. 534
وقد جاء الأمر بهما في الوضوء، وإذا كان حكمهما الوجوب فيه ففي الغسل من باب أولى، وهذا مذهب أحمد وأبي حنيفة.
٦ - أنَّ الرأس في وضوء الجنابة لا يمسح، وإنَّما يغسل لأنَّ الوضوء من جملة الغسل، وليس في الغسل مسح.
٧ - تأخير غسل القدمين إلى آخر الغسل، وقد احتج بذلك من لم ير وجوب المولاة في الوضوء، ولا حجة فيه لأنَّ الوضوء في هذا الموضع ليس بوضوء حدث بل هو من جملة الغسل.
قلت: وإذا اغتسل الإنسان في مكان لا تجتمع فيه الغسالة تحت قدميه كالحمامات المبلطة هل يؤخر غسل قدميه أم يقدهما محل احتمال والأخذ بظاهر السنة أحسن.
قال العلامة السمرقندي الحنفي ﵀ في [تحفة الفقهاء] (١/ ٢٩ - ٣٠):
«ثمَّ إِنَّمَا يُؤَخر غسل الْقَدَمَيْنِ إِذا اغْتسل فِي مَوْضُوع تَجْتَمِع فِيهِ الغسالة تَحت
الْقَدَمَيْنِ فَأَما إِذا لم تَجْتَمِع بِأَنْ اغْتسل على حجر وَنَحْوه فَلَا يُؤَخر لِأَنَّهُ لَا فَائِدَة فِي تَأْخِيره» اهـ.
قلت: الأصل البقاء على ظاهر الحديث لا سيما وقد ذكر بعض العلماء حكمة أخرى لتأخير غسل القدمين.
قال العلامة القرطبي ﵀ في [المفهم] (٤/ ٥٣):
«استحب بعض العلماء أن يؤخر غسل رجليه على ظاهر هذه الأحاديث، وذلك ليكون الافتتاح والاختتام بأعضاء الوضوء» اهـ.
стр. 535
٨ - وقولها: «فَأَتَيْتُهُ بِخِرْقَةٍ فَلَمْ يُرِدْهَا، فَجَعَلَ يَنْفُضُ الْمَاءَ بِيَدِهِ» احتج بها من كره التنشيف، ولا حجة فيه على ذلك لأننا لا ندري ما هو السبب في رد النبي ﷺ له هل لكراهته له أم لعدم الحاجة إليه.
قال العلامة النووي ﵀ في [شرح مسلم] (٣/ ٢٢٢): «فيه استحباب ترك تنشيف الأعضاء وقد اختلف علماء أصحابنا في تنشيف الأعضاء في الوضوء
والغسل على خمسة أوجه أشهرها: أنَّ المستحب تركه ولا يقال فعله مكروه. والثاني: أنَّه مكروه. والثالث: أنَّه مباح يستوي فعله وتركه وهذا هو الذي نختاره فإنَّ المنع والاستحباب يحتاج إلى دليل ظاهر.
والرابع: أنَّه مستحب لما فيه من الاحتراز عن الأوساخ. والخامس: يكره في الصيف دون الشتاء هذا ما ذكره أصحابنا.
وقد اختلف الصحابة وغيرهم في التنشيف على ثلاثة مذاهب أحدها: أنَّه لا بأس به في الوضوء والغسل وهو قول أنس بن مالك والثوري. والثاني: مكروه فيهما وهو قول ابن عمر وابن أبي ليلى.
والثالث: يكره في الوضوء دون الغسل وهو قول ابن عباس ﵄. وقد جاء في ترك التنشيف هذا الحديث والحديث الآخر في الصحيح أنَّه ﷺ "اغتسل وخرج ورأسه يقطر ماء" وأمَّا فعل التنشيف فقد رواه جماعة من الصحابة ﵃ من أوجه لكن أسانيدها ضعيفة.
قال الترمذي: لا يصح في هذا الباب عن النبي ﷺ شيء.
стр. 536
وقد احتج بعض العلماء على إباحة التنشيف بقول ميمونة في هذا الحديث: "وجعل يقول بالماء هكذا يعني ينفضه" قال: فإذا كان النفض مباحاً كان التنشيف مثله أو أولى لاشتراكهما في إزالة الماء والله أعلم» اهـ.
وقال العلامة ابن دقيق العيد ﵀ في [شرح عمدة الأحكام] ص (٧٠):
«أخذ من رده ﷺ الخرقة: أنَّه لا يستحب تنشيف الأعضاء من ماء الطهارة واختلفوا هل يكره؟ والذين أجازوا التنشيف استدلوا بكونه ﷺ جعل ينفض الماء فلو كره التنشيف لكره النفض فإنَّه إزالة. وأمَّا رد المنديل: فواقعه حال يتطرق إليها الاحتمال فيجوز أن يكون لا لكراهة التنشيف بل لأمر يتعلق بالخرقة أو غير ذلك والله أعلم» اهـ.
وقال الحافظ ابن رجب ﵀ في [فتح الباري] (١/ ٣٢٤ - ٣٢٥):
«واستدل بعضهم، برد النبي ﷺ الثوب على ميمونة، على كراهة التنشيف، ولا دلالة فيهِ على الكراهة، بل على أن التنشيف ليس مستحباً، ولا أنَّ فعله هوَ أولى، لا دلالة للحديث على أكثر من ذَلِكَ، كذا قاله الإمام أحمد وغيره من العلماء.
وأكثر العلماء على أن التنشيف من الغسل والوضوء غير مكروه.
وقد روي فعله عن جماعة من الصحابة، منهم: عمر وعثمان وعلي ﵃، وعن خلق من التابعين، وهو قول الشعبي والثوري والأوزاعي ومالك وأبي حنيفة وأحمد - في المشهور عنه - وإسحاق وغيرهم.
وهو المشهور عندَ الشافعية، وليس للشافعي في المسألة نص.
стр. 537
وكرهه طائفة من التابعين، وهو قول الحسن بن صالح وابن مهدي، ورواية عن أحمد، وأنكرها الخلال ولم يثبتها.
وكرهه ابن عباس، في الوضوء دون الغسل.
عمدة من كرهه: أنَّه أثر عبادة على البدن، فكره إزالته، كخلوف فم الصائم.
والخلوف، مختلف فيهِ - أيضاً.
وكان مكحول يتنشف بطرف ثوبه، ويرد المنديل، ويقول: إنَّ فضل الوضوء بركة، فأريد أن يكون ذَلِكَ في ثيابي.
خرجه حرب الكرماني» اهـ.
قلت: وجاء في التنشيف ما رواه ابن ماجه (٤٦٨) حَدَّثَنَا الْعَبَّاسُ بْنُ الْوَلِيدِ، وَأَحْمَدُ بْنُ الأَزْهَرِ، قَالَا: حَدَّثَنَا مَرْوَانُ بْنُ مُحَمَّدٍ، حَدَّثَنَا يَزِيدُ بْنُ السِّمْطِ، حَدَّثَنَا الْوَضِينُ بْنُ عَطَاءٍ، عَنْ مَحْفُوظِ بْنِ عَلْقَمَةَ، عَنْ سَلْمَانَ الْفَارِسِيِّ: «أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ تَوَضَّأَ، فَقَلَبَ جُبَّةَ صُوفٍ كَانَتْ عَلَيْهِ، فَمَسَحَ بِهَا وَجْهَهُ».
قلت: الوضين حوله كلام، وفي سماع محفوظ من سلمان نظر.
وروى الترمذي (٥٤) حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ، قَالَ: حَدَّثَنَا رِشْدِينُ بْنُ سَعْدٍ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ زِيَادِ بْنِ أَنْعُمٍ، عَنْ عُتْبَةَ بْنِ حُمَيْدٍ، عَنْ عُبَادَةَ بْنِ نُسَيٍّ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ غَنْمٍ، عَنْ مُعَاذِ بْنِ جَبَلٍ، قَالَ: «رَأَيْتُ النَّبِيَّ ﷺ إِذَا تَوَضَّأَ مَسَحَ وَجْهَهُ بِطَرَفِ ثَوْبِهِ».
قال أبو عيسى: «هَذَا حَدِيثٌ غَرِيبٌ وَإِسْنَادُهُ ضَعِيفٌ، وَرِشْدِينُ بْنُ سَعْدٍ، وَعَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ زِيَادِ بْنِ أَنْعُمٍ الأَفْرِيقِيُّ يُضَعَّفَانِ فِي الحَدِيثِ.
стр. 538
وَقَدْ رَخَّصَ قَوْمٌ مِنْ أَهْلِ العِلْمِ مِنْ أَصْحَابِ النَّبِيِّ ﷺ ، وَمَنْ بَعْدَهُمْ فِي التَّمَنْدُلِ بَعْدَ الوُضُوءِ.
وَمَنْ كَرِهَهُ إِنَّمَا كَرِهَهُ مِنْ قِبَلِ أَنَّهُ قِيلَ: إِنَّ الوُضُوءَ يُوزَنُ وَرُوِيَ ذَلِكَ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيَّبِ، وَالزُّهْرِيِّ:
حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ حُمَيْدٍ، قال: حَدَّثَنَا جَرِيرٌ، قَالَ: حَدَّثَنِيهِ عَلِيُّ بْنُ مُجَاهِدٍ عَنِّي، وَهُوَ عِنْدِي ثِقَةٌ، عَنْ ثَعْلَبَة، عَنِ الزُّهْرِيِّ، قَالَ: إِنَّمَا كُرِهَ الْمِنْدِيلُ بَعْدَ الوُضُوءِ لأَنَّ الوُضُوءَ يُوزَنُ» اهـ.
قلت: وهذان الحديثان يقوي بعضهما بعضاً.
وروى أحمد (١٥٥١٤) حَدَّثَنَا الْوَلِيدُ بْنُ مُسْلِمٍ، حَدَّثَنَا الأَوْزَاعِيُّ، قَالَ: سَمِعْتُ يَحْيَى بْنَ أَبِي كَثِيرٍ، يَقُولُ: حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَسْعَدَ بْنِ زُرَارَةَ، عَنْ قَيْسِ بْنِ سَعْدٍ، قَالَ: «زَارَنَا رَسُولُ اللهِ ﷺ فِي مَنْزِلِنَا، فَقَالَ: "السَّلَامُ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَةُ اللهِ". قَالَ: فَرَدَّ سَعْدٌ رَدًّا خَفِيًّا، قَالَ قَيْسٌ: فَقُلْتُ: أَلَا تَأْذَنُ لِرَسُولِ اللهِ ﷺ ؟ قَالَ: ذَرْهُ يُكْثِرْ عَلَيْنَا مِنَ السَّلَامَ ثُمَّ قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : "السَّلَامُ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَةُ اللهِ". فَرَدَّ سَعْدٌ رَدًّا خَفِيًّا، فَرَجَعَ رَسُولُ اللهِ ﷺ ، وَاتَّبَعَهُ سَعْدٌ، فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ، قَدْ كُنْتُ أَسْمَعُ تَسْلِيمَكَ، وَأَرُدُّ عَلَيْكَ رَدًّا خَفِيًّا لِتُكْثِرَ عَلَيْنَا مِنَ السَّلَامِ، قَالَ: فَانْصَرَفَ مَعَهُ رَسُولُ اللهِ ﷺ ، فَأَمَرَ لَهُ سَعْدٌ بِغُسْلٍ فَوُضِعَ، فَاغْتَسَلَ، ثُمَّ نَاوَلَهُ، أَوْ قَالَ: نَاوَلُوهُ - مِلْحَفَةً مَصْبُوغَةً بِزَعْفَرَانٍ، وَوَرْسٍ فَاشْتَمَلَ بِهَا، ثُمَّ رَفَعَ رَسُولُ اللهِ ﷺ يَدَيْهِ وَهُوَ يَقُولُ: "اللَّهُمَّ اجْعَلْ صَلَوَاتِكَ، وَرَحْمَتَكَ عَلَى
стр. 539
آلِ سَعْدِ بْنِ عُبَادَةَ". قَالَ: ثُمَّ أَصَابَ مِنَ الطَّعَامِ، فَلَمَّا أَرَادَ الاِنْصِرَافَ قَرَّبَ إِلَيْهِ سَعْدٌ حِمَارًا قَدْ وَطَّأَ عَلَيْهِ بِقَطِيفَةٍ، فَرَكِبَ رَسُولُ اللهِ ﷺ ، فَقَالَ سَعْدٌ: يَا قَيْسُ، اصْحَبْ رَسُولَ اللهِ ﷺ ، قَالَ قَيْسٌ: فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : "ارْكَبْ". فَأَبَيْتُ، ثُمَّ قَالَ: "إِمَّا أَنْ تَرْكَبَ، وَإِمَّا أَنْ تَنْصَرِفَ". قَالَ: فَانْصَرَفْتُ».
ورواه أبو داود (٥١٨٧)، والنسائي في [الكبرى] (١٠١٥٧) من طريق الوليد به.
قَالَ أَبُو دَاوُدَ: «رَوَاهُ عُمَرُ بْنُ عَبْدِ الْوَاحِدِ وَابْنُ سَمَاعَةَ عَنِ الأَوْزَاعِىِّ مُرْسَلاً وَلَمْ يَذْكُرَا قَيْسَ بْنَ سَعْدٍ» اهـ.
قلت: ابن سماعة هو إسماعيل بن عبد الله بن سماعة القرشي العدوي.
وهذا الحديث كما ترى مختلف في وصله وإرساله.
ورواه أحمد (٢٣٨٩٥) حَدَّثَنَا وَكِيعٌ، حَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي لَيْلَى، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ سَعْدِ بْنِ زُرَارَةَ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ شُرَحْبِيلَ، عَنْ قَيْسِ بْنِ سَعْدٍ، قَالَ: «أَتَانَا النَّبِيُّ ﷺ ، فَوَضَعْنَا لَهُ غِسْلاً فَاغْتَسَلَ، ثُمَّ أَتَيْنَاهُ بِمِلْحَفَةٍ وَرْسِيَّةٍ، فَاشْتَمَلَ بِهَا، فَكَأَنِّي أَنْظُرُ إِلَى أَثَرِ الْوَرْسِ عَلَى عُكَنِهِ، ثُمَّ أَتَيْنَاهُ بِحِمَارٍ لِيَرْكَبَ، فَقَالَ: "صَاحِبُ الْحِمَارِ أَحَقُّ بِصَدْرِ حِمَارِهِ". فَقُلْنَا: يَا رَسُولَ اللهِ، فَالْحِمَارُ لَكَ».
ورواه ابن ماجه (٤٦٦) من طريق وكيع به.
قلت: ابن أبي ليلى هو محمد بن عبد الرحمن بن أبي ليلى الأنصاري، وهو ضعيف الحديث، ومحمد بن شرحبيل مجهول.
стр. 540
٩ - يدل الحديث على جواز نفض الماء بعد غسل الجنابة، ومثله في ذلك الوضوء.
قال العلامة النووي ﵀ في [شرح مسلم] (٣/ ٢٢٣): «فيه دليل على أنَّ نفض اليد بعد الوضوء والغسل لا بأس به وقد اختلف أصحابنا فيه على أوجه أشهرها: أنَّ المستحب تركه ولا يقال أنَّه مكروه. والثاني: أنَّه مكروه. والثالث: أنَّه مباح يستوي فعله وتركه. وهذا هو الأظهر المختار فقد جاء هذا الحديث الصحيح في الإباحة ولم يثبت في النهي شيء أصلاً والله أعلم» اهـ.
قال العلامة ابن دقيق العيد ﵀ في [شرح عمدة الأحكام] ص (٧٠):
«ذكر بعض الفقهاء في صفة الوضوء: أن لا ينفض أعضاءه وهذا الحديث دليل على جواز نفض الماء عن الأعضاء في الغسل والوضوء مثله، وما استدل به على كراهة النفض - وهو ما ورد: "لا تنفضوا أيديكم فإنَّها مراوح الشيطان" حديث ضعيف لا يقاوم هذا الصحيح والله أعلم» اهـ.
١٠ - وفيه حجة لمن قال: إنَّ مس الفرج لا يؤثر في غسل الجنابة، ولا يلزم من مس فرجه أن يعيد الوضوء.
قال الحافظ ابن رجب ﵀ في [فتح الباري] (١/ ٢٧٦ - ٢٧٧):
«ونص أحمد في إعادة غسل اليدين ثلاثاً بعد الاستنجاء إنَّما هوَ في الوضوء من غير الجنابة، فإنَّ الوضوء من الحدث الأصغر ينتقض بمس الفرج، فلذلك لا [ … ] فيهِ على غسل اليدين قبله، وأمَّا غسل الجنابة، فإذا غسل كفيه ثلاثاً، ثم غسل فرجه لم يحتج إلى إعادة غسل يديه بعده؛ لأنَّ مس الفرج لا يؤثر في غسل الجنابة،
стр. 541
فإنَّه من حين نوى وسمى وغسل كفيه ثلاثاً قد بدأ غسل الجنابة، ولذلك لا يحتاج إلى إعادة غسل فرجه عندَ غسل جسده، بل يكتفى بغسله أولاً» اهـ.
وقال شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ في [شرح عمدة الفقه] (١/ ٣٧٠):
«وَرَابِعُهَا: أَنْ يَغْسِلَ فَرْجَهُ وَيُدَلِّكَ يَدَهُ بَعْدَهُ لِمَعْنَيَيْنِ:
أَحَدُهُمَا: أَنْ يُزِيلَ مَا بِهِ مِنْ أَذًى، وَكَذَلِكَ إِنْ كَانَ عَلَى يَدَيْهِ نَجَاسَةٌ أَزَالَهَا قَبْلَ الِاغْتِسَالِ؛ لِئَلَّا تُمَاعَ بِالْمَاءِ، وَلِئَلَّا يَتَوَقَّفَ ارْتِفَاعُ الْحَدَثِ عَلَى زَوَالِهَا فِي الْمَشْهُورِ.
وَالثَّانِي: أَنَّهُ إِذَا أَخَّرَ غَسْلَ الْفَرْجِ، فَإِنْ مَسَّ انْتَقَضَ وُضُوؤُهُ، وَإِنْ لَمْ يَمَسَّهُ أَخَلَّ بِسُنَّةِ الدَّلْكِ، وَرُبَّمَا لَا يَتَيَقَّنُ وُصُولَ الْمَاءِ إِلَى مَغَابِنِهِ إِلَّا بِالدَّلْكِ، وَكَذَلِكَ لَا يُسْتَحَبُّ لَهُ إِعَادَةُ الْوُضُوءِ بَعْدَ الْغُسْلِ، إِلَّا أَنْ يَكُونَ قَدْ مَسَّ ذَكَرَهُ» اهـ.
وقال العلامة الباجي ﵀ في [المنتقى] (١/ ٩٥):
«وَقَوْلُهُ ثُمَّ غَسَلَ فَرْجَهُ بَدَأَ بِغَسْلِ فَرْجِهِ قَبْلَ وُضُوئِهِ لِمَا فِيهِ مِنْ إزَالَةِ نَجَاسَةٍ إنْ كَانَتْ عَلَيْهِ وَإِنَّمَا تَكُونُ طَهَارَةُ الْحَدَثِ بَعْدَ إزَالَةِ النَّجَاسَةِ وَتَطْهِيرِ الْأَعْضَاءِ مِنْهَا وَلِأَنَّ فِي غَسْلِ الْفَرْجِ مِنْ الذَّكَرِ يَجِبُ أَنْ يُقَدَّمَ ذَلِكَ قَبْلَ الْوُضُوءِ لِأَنَّ مَسَّ الذَّكَرِ بَعْدَ الْوُضُوءِ نَاقِضٌ لِلطَّهَارَةِ عِنْدَ جَمَاعَةٍ مِنْ الْفُقَهَاءِ وَمِمَّا يَجِبُ التَّوَقِّي مِنْهُ عِنْدَ سَائِرِهِمْ لِلْخِلَافِ فِي ذَلِك» اهـ.
قلت: الذي يظهر لي أنَّ مس الفرج في أول غسل الجنابة لا يوجب الوضوء، لكن إن مسه بعد ذلك فيستحب أو يجب عليه الوضوء على النزاع في ذلك.
ومن أحدث في أثناء غسله لا يلزمه إعادة الغسل، ويكفيه أن يتوضأ لرفع الحدث الأصغر.
قال الحافظ ابن رجب ﵀ في [فتح الباري] (١/ ٢٧٧):
стр. 542
«وقد روي عن ابن سيرين، في الجنب يحدث بين ظهراني غسله من الجنابة.
قالَ: الغسل من الجنابة، والوضوء من الحدث.
وعن الحسن، في الجنب يغسل بعض جسده، ثم يبول؟ قالَ: يغسل ما بقي من جسده.
خرجه الخلال في "الجامع" من طريق حنبل.
قالَ حنبل: سمعت أبا عبد الله يقول: يبدأ فيتوضأ وضوءه للصلاة ثم يغتسل؛ لأنَّ الغسل ياتي على طهارة الوضوء، وهذا حدث يوجب الوضوء.
وظاهر كلام أحمد وابن سيرين: أنَّه يعيد الوضوء والغسل؛ لياتي بسنة الغسل بكاملها، وتقديم الوضوء على الغسل، وليس ذَلِكَ على الوجوب.
وروي - أيضاً - عن ابن عمر، بإسناد فيهِ ضعف، أنَّه يعيد الغسل.
خرجه ابن أبي شيبة» اهـ.
١١ - وفي الحديث خدمة المرأة لزوجها.
وقد اختلف العلماء في خدمة المرأة لزوجها في بيتها كالطبخ والغسل، والعجن والخبز والكنس ونحوها فالجمهور على استحباب ذلك وعدم وجوبه، وهو مذهب الظاهرية.
قال العلامة ابن حزم ﵀ في [المحلى] (٩/ ٢٢٧ - ٢٢٨):
«مَسْأَلَةٌ: وَلَا يَلْزَمُ الْمَرْأَةَ أَنْ تَخْدِمَ زَوْجَهَا فِي شَيْءٍ أَصْلًا، لَا فِي عَجْنٍ، وَلَا طَبْخٍ، وَلَا فَرْشٍ، وَلَا كَنْسٍ، وَلَا غَزْلٍ، وَلَا نَسْجٍ، وَلَا غَيْرِ ذَلِكَ أَصْلًا - وَلَوْ أَنَّهَا فَعَلَتْ
стр. 543
لَكَانَ أَفْضَلَ لَهَا وَعَلَى الزَّوْجِ أَنْ يَأْتِيَهَا بِكِسْوَتِهَا مَخِيطَةً تَامَّةً، وَبِالطَّعَامِ مَطْبُوخًا تَامًّا وَإِنَّمَا عَلَيْهَا أَنْ تُحْسِنَ عِشْرَتَهُ، وَلَا تَصُومَ تَطَوُّعًا وَهُوَ حَاضِرٌ إلَّا بِإِذْنِهِ، وَلَا تُدْخِلُ
بَيْتَهُ مَنْ يَكْرَهُ، وَأَنْ لَا تَمْنَعَهُ نَفْسَهَا مَتَى أَرَادَ، وَأَنْ تَحْفَظَ مَا جَعَلَ عِنْدَهَا مِنْ مَالِهِ» اهـ.
قلت: وذهب أبو بكر بن أبي شيبة وأبو إسحاق الجوزجاني وأبو ثور وشيخ الإسلام ابن تيمية وتلميذه العلامة ابن القيم ﵏ إلى وجوب ذلك عليها، وهذا هو الصحيح، لقول الله تعالى: ﴿وَلَهُنَّ مِثْلُ الَّذِي عَلَيْهِنَّ بِالْمَعْرُوفِ وَلِلرِّجَالِ عَلَيْهِنَّ دَرَجَةٌ وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ (٢٢٨)﴾ [البقرة: ٢٢٨].
فأثبت الله حقاً عليهنَّ بالمعروف، والقيام في أمور البيت من المعروف الذي جرت به العادة.
وقال الله تعالى: ﴿الرِّجَالُ قَوَّامُونَ عَلَى النِّسَاءِ بِمَا فَضَّلَ اللَّهُ بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ وَبِمَا أَنْفَقُوا مِنْ أَمْوَالِهِمْ (٣٤)﴾ [النساء: ٣٤].
وإذا كان أمر البيت من الطبخ والخبز والطحن والكنس والغسل على الرجل دون المرأة فإنَّ القوامة لها دونه.
ومما يدل على أنَّ المرأة يجب عليها الخدمة في البيت أنَّ فاطمة بنت رسول الله ﷺ اشتكت إلى رسول الله ﷺ ما تجده من المشقة في ذلك وطلبت منه خادماً فلم يجب طلبها، ولو لم تكن الخدمة واجبة عليها لبيَّن لها أنَّ ذلك من الواجبات على زوجها دونها ولأزم علياً بذلك.
стр. 544
فروى البخاري (٣٧٠٥)، ومسلم (٢٧٢٧) عَنْ ابْنِ أَبِي لَيْلَى قَالَ: حَدَّثَنَا عَلِيٌّ «أَنَّ فَاطِمَةَ ﵍ شَكَتْ مَا تَلْقَى مِنْ أَثَرِ الرَّحَا فَأَتَى النَّبِيَّ ﷺ سَبْىٌ فَانْطَلَقَتْ فَلَمْ تَجِدْهُ فَوَجَدَتْ عَائِشَةَ فَأَخْبَرَتْهَا فَلَمَّا جَاءَ النَّبِيُّ ﷺ أَخْبَرَتْهُ عَائِشَةُ بِمَجِيءِ فَاطِمَةَ فَجَاءَ النَّبِيُّ ﷺ إِلَيْنَا وَقَدْ أَخَذْنَا مَضَاجِعَنَا فَذَهَبْتُ لأَقُومَ فَقَالَ: "عَلَى مَكَانِكُمَا" فَقَعَدَ بَيْنَنَا حَتَّى وَجَدْتُ بَرْدَ قَدَمَيْهِ عَلَى صَدْرِي. وَقَالَ: "أَلَا أُعَلِّمُكُمَا خَيْرًا مِمَّا سَأَلْتُمَانِي إِذَا أَخَذْتُمَا مَضَاجِعَكُمَا تُكَبِّرَا أَرْبَعًا وَثَلَاثِينَ وَتُسَبِّحَا ثَلَاثًا وَثَلَاثِينَ وَتَحْمَدَا ثَلَاثَةً وَثَلَاثِينَ فَهْوَ خَيْرٌ لَكُمَا مِنْ خَادِمٍ"».
قال العلامة ابن القيم ﵀ في [زاد المعاد] (٥/ ١٧٠ - ١٧١):
«فَاخْتَلَفَ الْفُقَهَاءُ فِي ذَلِكَ، فَأَوْجَبَ طَائِفَةٌ مِنَ السَّلَفِ وَالْخَلَفِ خِدْمَتَهَا لَهُ فِي مَصَالِحِ الْبَيْتِ، وَقَالَ أَبُو ثَوْرٍ: عَلَيْهَا أَنْ تَخْدِمَ زَوْجَهَا فِي كُلِّ شَيْءٍ، وَمَنَعَتْ طَائِفَةٌ وُجُوبَ خِدْمَتِهِ عَلَيْهَا فِي شَيْءٍ، وَمِمَّنْ ذَهَبَ إِلَى ذَلِكَ مالك وَالشَّافِعِيُّ وأبو حنيفة وَأَهْلُ الظَّاهِرِ، قَالُوا: لِأَنَّ عَقْدَ النِّكَاحِ إِنَّمَا اقْتَضَى الِاسْتِمْتَاعَ لَا الِاسْتِخْدَامَ وَبَذْلَ الْمَنَافِعِ، قَالُوا: وَالْأَحَادِيثُ الْمَذْكُورَةُ إِنَّمَا تَدُلُّ عَلَى التَّطَوُّعِ وَمَكَارِمِ الْأَخْلَاقِ فَأَيْنَ الْوُجُوبُ مِنْهَا؟.
وَاحْتَجَّ مَنْ أَوْجَبَ الْخِدْمَةَ بِأَنَّ هَذَا هُوَ الْمَعْرُوفُ عِنْدَ مَنْ خَاطَبَهُمُ اللَّهُ سُبْحَانَهُ بِكَلَامِهِ، وَأَمَّا تَرْفِيهُ الْمَرْأَةِ وَخِدْمَةُ الزَّوْجِ وَكَنْسُهُ وَطَحْنُهُ وَعَجْنُهُ وَغَسِيلُهُ وَفَرْشُهُ وَقِيَامُهُ بِخِدْمَةِ الْبَيْتِ فَمِنَ الْمُنْكَرِ، وَاللَّهُ تَعَالَى يَقُولُ: ﴿وَلَهُنَّ مِثْلُ الَّذِي عَلَيْهِنَّ
стр. 545
بِالْمَعْرُوفِ (٢٢٨)﴾ [الْبَقَرَةِ: ٢٢٨]، وَقَالَ: ﴿الرِّجَالُ قَوَّامُونَ عَلَى النِّسَاءِ (٣٤)﴾ [النِّسَاءِ: ٣٤] وَإِذَا لَمْ تَخْدِمْهُ الْمَرْأَةُ، بَلْ يَكُونُ هُوَ الْخَادِمَ لَهَا، فَهِيَ الْقَوَّامَةُ عَلَيْهِ.
وَأَيْضًا: فَإِنَّ الْمَهْرَ فِي مُقَابَلَةِ الْبُضْعِ، وَكُلٌّ مِنَ الزَّوْجَيْنِ يَقْضِي وَطَرَهُ مِنْ صَاحِبِهِ، فَإِنَّمَا أَوْجَبَ اللَّهُ سُبْحَانَهُ نَفَقَتَهَا وَكُسْوَتَهَا وَمَسْكَنَهَا فِي مُقَابَلَةِ اسْتِمْتَاعِهِ بِهَا وَخِدْمَتِهَا، وَمَا جَرَتْ بِهِ عَادَةُ الْأَزْوَاجِ.
وَأَيْضًا فَإِنَّ الْعُقُودَ الْمُطْلَقَةَ إِنَّمَا تَنْزِلُ عَلَى الْعُرْفِ، وَالْعُرْفُ خِدْمَةُ الْمَرْأَةِ وَقِيَامُهَا بِمَصَالِحِ الْبَيْتِ الدَّاخِلَةِ، وَقَوْلُهُمْ: إِنَّ خِدْمَةَ فاطمة وأسماء كَانَتْ تَبَرُّعًا وَإِحْسَانًا يَرُدُّهُ أَنَّ فاطمة كَانَتْ تَشْتَكِي مَا تَلْقَى مِنَ الْخِدْمَةِ، فَلَمْ يَقُلْ لعلي: لَا خِدْمَةَ عَلَيْهَا، وَإِنَّمَا هِيَ عَلَيْكَ وَهُوَ ﷺ لَا يُحَابِي فِي الْحُكْمِ أَحَدًا، وَلَمَّا رَأَى أسماء وَالْعَلَفَ عَلَى رَأْسِهَا، والزبير مَعَهُ لَمْ يَقُلْ: لَهُ لَا خِدْمَةَ عَلَيْهَا، وَأَنَّ هَذَا ظُلْمٌ لَهَا، بَلْ أَقَرَّهُ عَلَى اسْتِخْدَامِهَا، وَأَقَرَّ سَائِرَ أَصْحَابِهِ عَلَى اسْتِخْدَامِ أَزْوَاجِهِمْ مَعَ عِلْمِهِ بِأَنَّ مِنْهُنَّ الْكَارِهَةَ وَالرَّاضِيَةَ هَذَا أَمْرٌ لَا رَيْبَ فِيهِ.
وَلَا يَصِحُّ التَّفْرِيقُ بَيْنَ شَرِيفَةٍ وَدَنِيئَةٍ وَفَقِيرَةٍ وَغَنِيَّةٍ فَهَذِهِ أَشْرَفُ نِسَاءِ الْعَالَمِينَ، كَانَتْ تَخْدِمُ زَوْجَهَا وَجَاءَتْهُ ﷺ تَشْكُو إِلَيْهِ الْخِدْمَةَ، فَلَمْ يُشْكِهَا، وَقَدْ سَمَّى النَّبِيُّ ﷺ فِي الْحَدِيثِ الصَّحِيحِ الْمَرْأَةَ عَانِيَةً، فَقَالَ: "اتَّقُوا اللَّهَ فِي النِّسَاءِ فَإِنَّهُنَّ عَوَانٌ عِنْدَكُمْ".
وَالْعَانِي: الْأَسِيرُ، وَمَرْتَبَةُ الْأَسِيرِ خِدْمَةُ مَنْ هُوَ تَحْتَ يَدِهِ وَلَا رَيْبَ أَنَّ النِّكَاحِ نَوْعٌ مِنَ الرِّقِّ، كَمَا قَالَ بَعْضُ السَّلَفِ: النِّكَاحُ رِقٌّ فَلْيَنْظُرْ أَحَدُكُمْ عِنْدَ مَنْ يُرِقُّ كَرِيمَتَهُ، وَلَا يَخْفَى عَلَى الْمُنْصِفِ الرَّاجِحُ مِنَ الْمَذْهَبَيْنِ وَالْأَقْوَى مِنَ الدَّلِيلَيْنِ» اهـ.
стр. 546
قلت: وهذا كلام نفيس لا مزيد عليه.
وأمَّا مذهب الإمام أحمد فقد قَالَ الْعَلَّامَةُ ابْنُ قُدَامَةَ ﵀ فِي [الْمُغْنِي] (٧/ ٢٩٥):
«فَصْلٌ: وَلَيْسَ عَلَى الْمَرْأَةِ خِدْمَةُ زَوْجِهَا، مِنْ الْعَجْنِ، وَالْخَبْزِ، وَالطَّبْخِ وَأَشْبَاهِهِ. نَصَّ عَلَيْهِ أَحْمَدُ» اهـ.
١٢ - وفي الحديث استحباب التنحي إلى موضع آخر من أجل غسل القدمين، وذلك حتى لا يرجع القذر الذي وقع في الأرض إلى القدمين عند صب الماء عليهما. والله أعلم.
وبناء على هذا فإنَّ الحمامات المبلطة في هذه الأزمان لا يبقى القذر ولا النجس في موضع الاغتسال فلا بأس بغسل القدم في نفس الموضع. والله أعلم.
* * *
стр. 547
فصل في بيان صفة الغسل الكامل.
أقول:
الصفة الكاملة في الغسل هي ما اشتملت على إحدى عشرة خصلة وهي كالتالي:
الخصلة الأولى: النية.
الخصلة الثانية: التسمية.
الخصلة الثالثة: غسل الكفين ثلاثاً قبل إدخالهما في الإناء.
الخصلة الرابعة: غسل الفرج باليد اليسرى.
ومما ينبه له أنَّ الغسل يشمل القبل والدبر فإنَّ حلقة الدبر وما بين الإليتين مما يجب غسله لأنَّ ذلك في حكم الظاهر.
الخصلة الخامسة: دلك اليد في الأرض، أو على الحائط، ويقوم مقام ذلك غسلهما بالصابون.
وبعد دلك يده يقوم بغسلها.
الخصلة السادسة: البداءة بغسل أعضاء الوضوء مع المضمضة والاستنشاق.
الخصلة السابعة: تخليل شعر الرأس بالماء حتى يظن أنَّه قد أروى بشرته.
وهكذا يجب غسل الأذنين دون مسحهما لكن يغسل ما كان في حكم الظاهر ولا يدخل الماء إلى داخل أذنه.
الخصلة الثامنة: إفاضة الماء على الرأس ثلاث مرات يبدأ بالشق الأيمن، ثم الأيسر، ثم وسط الرأس.
стр. 548
ويدل على ذلك ما رواه البخاري (٢٥٨)، ومسلم (٧٢٣) واللفظ له عن عائشة قالت: «كَانَ النَّبِيُّ ﷺ إِذَا اغْتَسَلَ مِنَ الْجَنَابَةِ دَعَا بِشَيْءٍ نَحْوَ الْحِلَابِ فَأَخَذَ بِكَفِّهِ فَبَدَأَ بِشِقِّ رَأْسِهِ الأَيْمَنِ ثُمَّ الأَيْسَرِ فَقَالَ بِهِمَا عَلَى رَأْسِهِ».
الخصلة التاسعة: إفاضة الماء على سائر الجسد مرة واحدة يبدأ بالشق الأيمن، ثم الأيسر، لأنَّ النبي ﷺ كان يعجبه التيمن في كل شيء.
الخصلة: العاشرة: التنحي عن مكان الاغتسال وغسل القدمين بعد الانتهاء من الغسل.
الخصلة الحادية عشر: أن يدلك بدنه بيده عند الغسل.
وأمَّا الصفة المجزئة في غسل الجنابة فهي أن يفيض الماء على جميع بدنه مع المضمضة والاستنشاق.
* * *
стр. 549
قال المؤلف رحمه الله تعالى:
٣٢ - عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ: أَنَّ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ ﵁ قَالَ: «يَا رَسُولَ اللَّهِ، أَيَرْقُدُ أَحَدُنَا وَهُوَ جُنُبٌ؟ قَالَ: "نَعَمْ، إذَا تَوَضَّأَ أَحَدُكُمْ فَلْيَرْقُدْ"».
قلت: الحديث يدل على استحباب الوضوء للجنب إذا أراد النوم، وهو قول أكثر العلماء، وخالف في ذلك الظاهرية والإمام مالك في أحد قوليه فذهبوا إلى الوجوب. حكاه عنه الحافظ ابن دقيق العيد ﵀ في [شرح العمدة] ص (٧١) حيث قال ﵀: «وضوء الجنب قبل النوم: مأمور به والشافعي حمله على الاستحباب وفي مذهب مالك قولان أحدهما: الوجوب» اهـ.
وقال العلامة ابن بطال ﵀ في [شرح البخاري] (١/ ٤٣٤): «واختلف العلماء في نوم الجنب، فقالت طائفة: بظاهر خبر رسول الله ﷺ ، أنَّه توضأ وضوءه للصلاة، وكذلك ينام، روى هذا عن علي، وابن عباس، وعائشة، وأبي سعيد الخدري، ومن التابعين: النخعي، وطاووس، والحسن، وبه قال: مالك، والليث، وأبو حنيفة، والشافعي، وأحمد، وإسحاق، كلهم يستحبون الوضوء، ويأمرون به.
وشذ أهل الظاهر، فأوجبوا عليه الوضوء فرضاً، وهذا قول مهجور لم يتابعهم عليه أحد، فلا معنى له، وروى عن سعيد بن المسيب أنَّه قال: إن شاء أن ينام قبل أن يتوضأ، وإليه ذهب أبو يوسف، فقال: لا بأس أن ينام الجنب قبل أن يتوضأ، لأنَّ الوضوء لا يخرجه من حال الجنابة إلى حال الطهارة، ومن حجته ما رواه الأعمش، عن أبي إسحاق، عن الأسود بن يزيد، عن عائشة قالت: "كان رسول
стр. 550
الله ﷺ يجنب ثم ينام ولا يمس ماء، حتى يقوم بعد ذلك فيغتسل"
قال الطحاوي: هذا الحديث غلط، اختصره أبو إسحاق من حديث طويل فأخطأ فيه، وذلك ما حدثنا فهد، قال: حدثنا أبو غسان، قال: حدثنا زهير، قال: حدثنا أبو إسحاق، قال: أتيت الأسود بن يزيد فقلت: حدثني ما حدثتك عائشة عن صلاة رسول الله ﷺ قال: قالت: كان ينام أول الليل، ويحيى آخره، ثم إن كانت له حاجة، قضى حاجته، ثم ينام قبل أن يمس ماء، فإذا كان عند النداء الأول، أفاض عليه الماء، وإن نام جنبا توضأ وضوء الرجل للصلاة، فهذا الأسود بن يزيد قد بان في حديثه أنه كان إذا أراد أن ينام، وهو جنب، توضأ للصلاة، وبان أنَّ قولها: ثم ينام قبل أن يمس ماء، يعنى الغسل لا الوضوء، والدليل على صحة ذلك ما رواه البخاري عن عمر، وعائشة، وعلى هذا التأويل لا تتضاد الأخبار» اهـ.
وقال الحافظ ابن رجب ﵀ في [فتح الباري] (٢/ ٦٠ - ٦١):
«ورخص آخرون في نوم الجنب مِنْ غير وضوء، مِنهُم: سعيد بن المسيب، وربيعة، وأبو حنيفة، وسفيان الثوري، والحسن بنِ حي، ووكيع.
وروى أبو حنيفة، عَنْ حماد، عَنْ إبراهيم، قال: كانوا ينامون وهم جنب- يعني: قبل الوضوء.
стр. 551
وقد ورد حديث يدل على الرخصة، مِنْ رواية أبي إسحاق، عَنْ الأسود، عَنْ عائشة، قالت: "كانَ النبي ﷺ ينام وَهوَ جنب، ولا يمس ماء".
خرجه الإمام أحمد، وأبو داود، والنسائي، وابن ماجه، والترمذي.
وقال: قَدْ روى غير واحد عَنْ الأسود، عَنْ عائشة، أنَّ النبي ﷺ : "كانَ يتوضأ قبل أن ينام -يعني: جنباً".
قالَ: وهذا أصح مِنْ حديث أبي إسحاق، عَنْ الأسود.
قالَ: ويرون أن هَذا غلط مِنْ أبي إسحاق.
وقد تقدم حديث الحكم، عَنْ إبراهيم، عَنْ الأسود، عَنْ عائشة بخلاف هَذا.
خرجه مسلم.
وكذلك رواه حجاج بنِ أرطاة، عَنْ عبد الرحمن بنِ الأسود، عَنْ أبيه عَنْ عائشة.
خرج حديثه الإمام أحمد، ولفظه: "كانَ النبي ﷺ يجنب مِنْ الليل، ثُمَّ يتوضأ وضوءه للصلاة حتى يصبح، ولا يمس ماء".
وخرجه بقي بنِ مخلد مِنْ طريق أبي إسحاق، عَنْ عبد الرحمن بنِ الأسود، عَنْ أبيه، قالَ: سألت عائشة: كيف كانَ رسول الله ﷺ يصنع إذا أراد أن ينام وهو جنب؟ قالت: "يتوضأ وضوءه للصلاة، ثُمَّ ينام".
وهذا الحديث مما اتفق أئمة الحديث مِنْ السلف على إنكاره على أبي إسحاق، مِنهُم: إسماعيل بنِ أبي خالد، وشعبة، ويزيد بن هارون، وأحمد بنِ حنبل، وأبو
стр. 552
بكر بنِ أبي شيبة، ومسلم بنِ حجاج، وأبو بكر الأثرم، والجوزاني، والترمذي، وحكى ابن عبد البر عَنْ سفيان الثوري، أنَّهُ قالَ: هوَ خطأ.
وعزاه إلى "كِتابِ أبي داود"، والموجود في كتابه هَذا الكلام عَنْ يزيد بن هارون، لا عَنْ سفيان.
وقال أحمد بنِ صالح المصري الحافظ: لا يحل أن يروي هَذا الحديث.
يعني: أنَّهُ خطأ مقطوع بهِ، فلا تحل روايته مِنْ دونَ بيان علته.
وأمَّا الفقهاء المتأخرون، فكثير مِنهُم نظر إلى ثقة رجاله، فظن صحته، وهؤلاء يظنون أنَّ كل حديث رواة ثقة فَهوَ صحيح، ولا يتفطنون لدقائق علم علل الحديث.
ووافقهم طائفة مِنْ المحدثين المتأخرين كالطحاوي والحاكم والبيهقي، والدارقطني» اهـ.
قلت: ويستحب غسل الفرج أيضاً لما رواه البخاري (٢٨٩)، ومسلم (٣٠٦) عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ عُمَرَ أَنَّهُ قَالَ: ذَكَرَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ لِرَسُولِ اللهِ ﷺ أَنَّهُ تُصِيبُهُ الْجَنَابَةُ مِنَ اللَّيْلِ فَقَالَ لَهُ رَسُولُ اللهِ ﷺ :
«تَوَضَّأْ وَاغْسِلْ ذَكَرَكَ ثُمَّ نَمْ».
وما رواه البخاري (٢٨٨) عن عائشة قالت: «كَانَ النَّبِيُّ ﷺ إِذَا أَرَادَ أَنْ يَنَامَ وَهْوَ جُنُبٌ غَسَلَ فَرْجَهُ وَتَوَضَّأَ لِلصَّلَاةِ».
стр. 553
قلت: وقد جاء في وضوء الجنب إذا أراد أن يأكل ما رواه مسلم (٣٠٥) عَنْ عائشة، قالت: «كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إِذَا كَانَ جُنُبًا فَأَرَادَ أَنْ يَأْكُلَ أَوْ يَنَامَ تَوَضَّأَ وُضُوءَهُ لِلصَّلَاةِ».
لكن قال الحافظ ابن رجب ﵀ في [فتح الباري] (٢/ ٥٦):
«قال الإمام أحمد: قال يحيى بن سعيد: رجع شعبة عن قوله: "يأكل"، قال أحمد: وذلك لأنَّه ليس أحد يقوله غيره، إنَّما هو في النوم. انتهى» اهـ.
وروى أبو داود (٢٢٥)، والترمذي (٦١٣) من طريق حَمَّادِ بْنِ سَلَمَةَ أَخْبَرَنَا عَطَاءٌ الْخُرَاسَانِىُّ عَنْ يَحْيَى بْنِ يَعْمَرَ عَنْ عَمَّارِ بْنِ يَاسِرٍ: «أَنَّ النَّبِىَّ ﷺ رَخَّصَ لِلْجُنُبِ إِذَا أَكَلَ أَوْ شَرِبَ أَوْ نَامَ أَنْ يَتَوَضَّأَ».
قلت: هذا إسناد منقطع بين يحيى بن يعمر وعمار بن ياسر.
قال أبو داود: «بَيْنَ يَحْيَى بْنِ يَعْمَرَ وَعَمَّارِ بْنِ يَاسِرٍ فِى هَذَا الْحَدِيثِ رَجُلٌ» اهـ.
قال الحافظ ابن رجب ﵀ في [فتح الباري] (٢/ ٥٦): «وإسناده منقطع؛ فإنَّ يحيى بن يعمر لَم يسمع من عمار بن ياسر -: قاله ابن معين، وأبو داود، والدارقطني وغيرهم» اهـ.
وروى الطبراني في [الكبير] (١٢٠١٦) حدثنا محمد بن عبدوس بن كامل ثنا عبيد الله بن عمر القواريري ثنا يوسف بن خالد السمتي عن عيسى بن هلال السدوسي عن عكرمة عن ابن عباس: «أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ رَخَّصَ لِلْجُنُبِ إِذَا أَرَادَ أَنْ يَأْكُلَ، أَوْ يَنَامَ أَنْ يَتَوَضَّأَ».
قلت: هذا إسناد شديد الضعف فيه يوسف بن خالد السمتي كذبه الحافظ ابن معين.
стр. 554
وروى ابن ماجه (٥٩٢) حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عُمَرَ بْنِ هَيَّاجٍ، حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ صَبِيحٍ، حَدَّثَنَا أَبُو أُوَيْسٍ، عَنْ شُرَحْبِيلَ بْنِ سَعْدٍ، عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللهِ، قَالَ:
«سُئِلَ النَّبِيُّ ﷺ عَنِ الْجُنُبِ، هَلْ يَنَامُ، أَوْ يَأْكُلُ، أَوْ يَشْرَبُ؟ قَالَ: "نَعَمْ، إِذَا تَوَضَّأَ وُضُوءَهُ لِلصَّلَاةِ"».
قلت: وإسناده ضعيف لضعف شرحبيل بن سعد، لكنه يتقوى بحديث عمار ويرتقي لمرتبة الحسن لغيره. والله أعلم.
قال الحافظ ابن رجب ﵀ في [فتح الباري] (٢/ ٥٧): «وقد اختلف العلماء في الجنب إذا أراد الأكل:
فقالت طائفة منهم: يتوضأ، منهم: علي، وابن عمر، وابن سيرين، وأبو جعفر محمد بن علي، والنخعي، ورخص في الشرب بغير وضوء دون الأكل.
واستحباب الوضوء للأكل قول الشافعي، وأحمد في رواية، وقال مع هذا: لا يكره تركه.
وقال القاضي أبو يعلى من أصحابنا: يكره تركه.
وقالت طائفة: المستحب للجنب إذا أراد الأكل أن يغسل كفيه- ومنهم من قال: ويمضمض -، وروي هذا عن ابن المسيب، ومجاهد، والزهري، والأوزاعي، وأبي حنيفة، وهو رواية عن أحمد، وزعم الخلال أنَّ أحمد رجع إليها أخيراً.
وأنكرت طائفة الوضوء وغسل اليد للأكل، روي عن مالك، وقال: لا يغسل يده إلَّا أن يكون فيها قذر» اهـ.
стр. 555
وأمَّا ما يتعلق بغسل اليد للجنب إذا أراد الأكل فروى أحمد (٢٥٦٣٩)، والنسائي في [الكبرى] (٩٠٤٥) من طريق صَالِح بْنِ أَبِي الأَخْضَرِ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، عَنْ عُرْوَةَ وَأَبِي سَلَمَةَ، عَنْ عَائِشَةَ: «أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ كَانَ إِذَا أَرَادَ أَنْ يَأْكُلَ وَهُوَ جُنُبٌ، غَسَلَ يَدَيْهِ».
قلت: صالح بن أبي الأخضر ضعيف الحديث. وقد خالفه يونس بن يزيد الأيلي بذكر عروة.
فروى أبو داود (٢٢٣)، وابن ماجه (٥٩٣) من طريق عَبْدِ اللهِ بْنِ الْمُبَارَكِ، عَنْ يُونُسَ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، عَنْ أَبِي سَلَمَةَ، عَنْ عَائِشَةَ: «أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ كَانَ إِذَا أَرَادَ أَنْ يَأْكُلَ وَهُوَ جُنُبٌ، غَسَلَ يَدَيْهِ».
قال أبو داود ﵀: «وَرَوَاهُ ابْنُ وَهْبٍ، عَنْ يُونُسَ، فَجَعَلَ قِصَّةَ الأَكْلِ قَوْلَ عَائِشَةَ مَقْصُورًا، وَرَوَاهُ صَالِحُ بْنُ أَبِي الأَخْضَرِ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، كَمَا قَالَ ابْنُ الْمُبَارَكِ، إِلاَّ أَنَّهُ قَالَ: عَنْ عُرْوَةَ، أَوْ أَبِي سَلَمَةَ، وَرَوَاهُ الأَوْزَاعِيُّ، عَنْ يُونُسَ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ كَمَا، قَالَ ابْنُ الْمُبَارَكِ» اهـ.
قلت: الذي يظهر لي ثبوت الرفع في الحديث، وأنها من قبيل الزيادة المقبولة. والله أعلم.
стр. 556
قلت: وبهذا يتبين أنَّ الجنب إذا أراد النوم فالأفضل له أن يغتسل، وله أن يكتفي بالوضوء مع غسل الفرج.
وإذا أراد الأكل أو الشرب فالأفضل له أن يتوضأ وله أن يكتفي بغسل يده، وقد صحت السنة بكل ذلك والله أعلم.
قلت: وهذا الحكم يختص بحدث الجنابة دون الحيض والنفاس لكن إن انقطع الدم عنهما فهما في حكم الجنب في ذلك، والله أعلم.
قال العلامة الشيرازي ﵀ في [المهذب] (١/ ٦٤):
«ولا يستحب ذلك للحائض لأنَّ الوضوء لا يؤثر في حدثها ويؤثر في حدث الجنابة لأنَّه يخففه ويزيله عن أعضاء الوضوء» اهـ.
وقال العلامة النووي ﵀ في [المجموع] (٢/ ١٥٦):
«وَلَا يُسْتَحَبُّ هَذَا الْوُضُوءُ لِلْحَائِضِ وَالنُّفَسَاءِ نَصَّ عَلَيْهِ الشَّافِعِيُّ فِي الْبُوَيْطِيِّ وَاتَّفَقَ عَلَيْهِ الْأَصْحَابُ وَدَلِيلُهُ مَا ذَكَرَهُ الْمُصَنِّفُ أَنَّ الْوُضُوءَ لَا يُؤَثِّرُ فِي حَدَثِهَا لِأَنَّهُ مُسْتَمِرٌّ فَلَا تَصِحُّ الطَّهَارَةُ مَعَ اسْتِمْرَارِهِ وَهَذَا مَا دَامَتْ حَائِضًا فَأَمَّا إذَا انْقَطَعَ حَيْضُهَا فَتَصِيرُ كَالْجُنُبِ يُسْتَحَبُّ لَهَا الْوُضُوءُ فِي هَذِهِ الْمَوَاضِعِ لِأَنَّهُ يُؤَثِّرُ فِي حَدَثِهَا كَالْجُنُبِ وَهَذَا الَّذِي قُلْنَاهُ وَقَالَهُ الْمُصَنِّفُ وَالْأَصْحَابُ إنَّ الْوُضُوءَ يُؤَثِّرُ فِي حَدَثِ الْجُنُبِ وَيُزِيلُهُ عَنْ أَعْضَاءِ الْوُضُوءِ هُوَ الصَّحِيحُ الَّذِي قَطَعَ بِهِ الْجُمْهُورُ وَخَالَفَ فِيهِ إمَامُ الْحَرَمَيْنِ فَقَالَ لَا يرتفع شئ مِنْ الْحَدَثِ حَتَّى تَكْمُلَ الطَّهَارَةُ وَقَدْ سَبَقَ بَيَانُ هَذِهِ الْمَسَائِلِ فِي الْمَسَائِلِ الزَّوَائِدِ فِي آخِرِ صِفَةِ الْوُضُوءِ» اهـ.
وقال العلامة ابن قدامة ﵀ في [الكافي] (١/ ١١٣):
«فأمَّا الحائض فلا يستحب لها شيء من ذلك، لأنَّ الوضوء لا يؤثر في حدثها، ولا يصح منها» اهـ.
وقال في [المغني] (١/ ١٠٨):
«فَأَمَّا الْحَائِضُ إذَا تَوَضَّأَتْ فَلَا يُبَاحُ لَهَا اللُّبْثُ؛ لِأَنَّ وُضُوءَهَا لَا يَصِحُّ» اهـ.
قلت: وهذا الوضوء للجنب لا ينتقض بنواقض الوضوء، وإنَّما ينتقض بالإيلاج أو الإنزال.
стр. 557
قال العلامة السيوطي ﵀ في [تنوير الحوالك] (١/ ٥٣):
«قَالَ الْبَاجِيّ: وَلَا يبطل هَذَا الْوضُوء ببول وَلَا غَائِط قَالَه مَالك فِي الْمَجْمُوعَة وَلَا يبطل بِشَيْء إِلَّا بمعاودة الْجِمَاع فَإِنْ جَامع بعد وضوئِهِ أعَاد الْوضُوء لِأَنَّ الْجِمَاع الثَّانِي يحْتَاج من إِحْدَاث الْوضُوء مثل مَا احتاجه الأول.
قلت: وَيخرج من هَذَا لغز لطيف فَيُقَال لنا وضوء لَا يُبطلهُ الْحَدث وَإِنَّمَا يُبطلهُ الْجِمَاع وَقد نظمته فَقلت:
قل للفقيه وللمفيد … وَلكُل ذِي بَاعَ مديد
مَا قلت فِي متوضئ … قد جَاءَ بِالْأَمر السديد
لَا ينقضون وضوءه … مهما تغوط أَوْ يزِيد
ووضوؤه لم ينْتَقض … إِلَّا بإيلاج جَدِيد» اهـ.
قلت: وفائدة وضوء الجنب تخفيف الجنابة.
قال شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ في [شرح عمدة الفقه] (١/ ٣٧١):
«وَلِذَلِكَ كَانَ وُضُوءُ الْجُنُبِ مُؤَثِّرًا فِي نَوْمِهِ وَأَكْلِهِ وَجِمَاعِهِ وَجُلُوسِهِ فِي الْمَسْجِدِ» اهـ.
قلت: ولا يبيح هذا الوضوء مس المصحف ولا الصلاة.
قال شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ كما في [مجموع الفتاوى] (٢١/ ٣٤٥):
«وَإِذَا كَانَ الْجُنُبُ يَتَوَضَّأُ عِنْدَ النَّوْمِ وَالْمَلَائِكَةُ تَشْهَدُ جِنَازَتَهُ حِينَئِذٍ عُلِمَ أَنَّ النَّوْمَ لَا يُبْطِلُ الطَّهَارَةَ الْحَاصِلَةَ بِذَلِكَ وَهُوَ تَخْفِيفُ الْجَنَابَةِ وَحِينَئِذٍ فَيَجُوزُ أَنْ يَنَامَ فِي الْمَسْجِدِ حَيْثُ يَنَامُ غَيْرُهُ وَإِذَا كَانَ النَّوْمُ الْكَثِيرُ يَنْقُضُ الْوُضُوءَ فَذَاكَ هُوَ الْوُضُوءُ
стр. 558
الَّذِي يَرْفَعُ الْحَدَثَ الْأَصْغَرَ وَوُضُوءُ الْجُنُبِ هُوَ تَخْفِيفُ الْجَنَابَةِ وَإِلَّا فَهَذَا الْوُضُوءُ لَا يُبِيحُ لَهُ مَا يَمْنَعُهُ الْحَدَثُ الْأَصْغَرُ: مِنْ الصَّلَاةِ وَالطَّوَافِ وَمَسِّ الْمُصْحَفِ» اهـ.
قلت: ولا يبيح هذا الوضوء أيضاً المسح على الخفين.
فإذا إذا أدخل الشخص قدميه في خفيه وهما طاهرتان ثم أجنب فتوضأ لتخفيف الجنابة فليس له أن يمسح على قدميه بل يغسلهما، وذلك أنَّ الجنابة تزيل حكم المسح، ولأنَّ وضوء الجنب لتخفيف الجنابة يرفع حدث الجنابة عن أعضاء الوضوء ولا يرتفع حدث الجنابة عن القدم بمجرد المسح على الخفين.
قال العلامة الدردير المالكي ﵀ في [الشَّرْحُ الكبير] (١/ ١٤٥):
«"وَبَطَلَ" الْمَسْحُ أَيْ حُكْمُهُ أَيْ انْتَهَى حُكْمُهُ "بِغُسْلٍ وَجَبَ" وَإِنْ لَمْ يَغْتَسِلْ بِالْفِعْلِ فَلَا يَمْسَحُ إذَا أَرَادَ الْوُضُوءَ لِلنَّوْمِ وَهُوَ جُنُبٌ فَلَوْ قَالَ بِمُوجِبِ غُسْلٍ كَانَ أَظْهَرَ فِي إفَادَةِ الْمُرَادِ» اهـ.
قلت: وأجاز ذلك العلامة ابن عثيمين ﵀ في "لقاء الباب المفتوح".
وقال العلامة ابن عابدين ﵀ في [حاشيته] (١/ ٢٧١):
«"قوله خرج الناقص" أقول: وخرج أيضاً ما لو توضأ الجنب ثم تخفف ثم أحدث ثم غسل باقي بدنه لا يمسح. أمَّا على الصحيح من عدم تجزي الحدث ثبوتاً وزوالاً فظاهر. وأمَّا على مقابله فلعدم التمام، ولم أر من تعرض لهذه المسألة من أئمتنا تأمل» اهـ.
стр. 559
قلت: الذي يظهر لي في المسألة التي ذكرها ابن عابدين جواز المسح على الخفين، وذلك أنَّ الطهارة حاصلة لقدميه داخل الخفين فلا معنى لخلع الخفين وإعادة لبسهما. والله أعلم.
قلت: ومن توضأ لتخفيف الجنابة فإنَّ الحدث يرتفع عن أعضاء الوضوء، ولهذا إذا اغتسل قبل ذلك فلا يلزمه أن يعيد غسل أعضاء الوضوء مرة أخرى.
قال شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ في [شرح عمدة الفقه] (١/ ٣٩١):
«وَهَذَا لِأَنَّ الْوُضُوءَ يَرْفَعُ الْحَدَثَيْنِ عَنْ أَعْضَاءِ الْوُضُوءِ، وَيَرْفَعُ حُكْمَ الْحَدَثِ الْأَصْغَرِ عَنْ سَائِرِ الْبَدَنِ فَيُقَارِبُ مَنْ عَلَيْهِ الْحَدَثُ الْأَصْغَرُ فَقَطْ» اهـ. أي يقارب المسجد.
ومضى قول وقال العلامة النووي ﵀ في [المجموع] (٢/ ١٥٦):
«وَهَذَا الَّذِي قُلْنَاهُ وَقَالَهُ الْمُصَنِّفُ وَالْأَصْحَابُ إنَّ الْوُضُوءَ يُؤَثِّرُ فِي حَدَثِ الْجُنُبِ وَيُزِيلُهُ عَنْ أَعْضَاءِ الْوُضُوءِ هُوَ الصَّحِيحُ الَّذِي قَطَعَ بِهِ الْجُمْهُورُ وَخَالَفَ فِيهِ إمَامُ الْحَرَمَيْنِ فَقَالَ لَا يرتفع شئ مِنْ الْحَدَثِ حَتَّى تَكْمُلَ الطَّهَارَةُ وَقَدْ سَبَقَ بَيَانُ هَذِهِ الْمَسَائِلِ فِي الْمَسَائِلِ الزَّوَائِدِ فِي آخِرِ صِفَةِ الْوُضُوءِ» اهـ.
قلت: وهذا مبني على أنَّ الموالاة لا تجب في الغسل وهو مذهب أكثر العلماء.
قال العلامة ابن قدامة ﵀ في [المغني] (١/ ١٦٢):
«وَأَكْثُرُ أَهْلِ الْعِلْمِ لَا يَرَوْنَ تَفْرِيقَ الْغُسْلِ مُبْطِلًا لَهُ، إلَّا أَنَّ رَبِيعَةَ قَالَ: مَنْ تَعَمَّدَ ذَلِكَ فَأَرَى عَلَيْهِ أَنْ يُعِيدَ الْغُسْلَ. وَبِهِ قَالَ اللَّيْثُ وَاخْتُلِفَ فِيهِ عَنْ مَالِكٍ، وَفِيهِ وَجْهٌ لِأَصْحَابِ الشَّافِعِيِّ. وَمَا عَلَيْهِ الْجُمْهُورُ أَوْلَى؛ لِأَنَّهُ غُسْلٌ لَا يَجِبُ فِيهِ التَّرْتِيبُ، فَلَا تَجِبُ الْمُوَالَاةُ، كَغَسْلِ النَّجَاسَةِ» اهـ.
стр. 560
قلت: وهل يشرع الاقتصار على غسل أعضاء الوضوء دون غسل القدمين أو لا يشرع ذلك؟.
أقول: جاء في ذلك ما رواه مالك في [الموطأ] (١٢٠) عَنْ نَافِعٍ: «أَنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عُمَرَ كَانَ إِذَا أَرَادَ أَنْ يَنَامَ أَوْ يَطْعَمَ وَهُوَ جُنُبٌ غَسَلَ وَجْهَهُ، وَيَدَيْهِ إِلَى الْمِرْفَقَيْنِ، وَمَسَحَ بِرَأْسِهِ، ثُمَّ طَعِمَ أَوْ نَامَ».
قلت: هذا أثر صحيح.
وروى عبد الرزاق في [مصنفه] (١٠٧٤)، ومن طريقه أحمد في [المسند] (٤٩٢٩) عَنْ عُبْيدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ، عَنْ نَافِعٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ، عَنْ عُمَرَ، أَنَّهُ سَأَلَ النَّبِيَّ ﷺ : هَلْ يَنَامُ أَحَدُنَا أَوْ يَطْعَمُ وَهُوَ جُنُبٌ؟ فَقَالَ: «نَعَمْ، يَتَوَضَّأَ وُضُوءَهُ لِلصَّلَاةِ». قَالَ نَافِعٌ: فَكَانَ ابْنُ عُمَرَ «إِذَا أَرَادَ أَنْ يَفْعَلَ شَيْئًا مِنْ ذَلِكَ تَوَضَّأَ وُضُوءَهُ لِلصَّلَاةِ مَا خَلَا رِجْلَيْهِ».
قال الحافظ ابن عبد البر ﵀ في [الاستذكار] (١/ ٢٧٩):
«وَلَمْ يعجب مالكاً فعل بن عُمَرَ وَأَظُنُّهُ أَدْخَلَهُ إِعْلَامًا أَنَّ ذَلِكَ الْوُضُوءَ لَيْسَ بِلَازِمٍ وَمَا أَعْلَمُ أَحَدًا مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ أَوْجَبَهُ فَرْضًا إِلَّا طَائِفَةٌ مِنْ أَهْلِ الظَّاهِرِ وَأَمَّا سَائِرُ الْفُقَهَاءِ بِالْأَمْصَارِ فَلَا يُوجِبُونَهُ وَأَكْثَرُهُمْ يَأْمُرُونَ بِهِ وَيَسْتَحِبُّونَهُ
وَهُوَ قَوْلُ مَالِكٍ وَالشَّافِعِيِّ وَأَحْمَدَ وَإِسْحَاقَ وَجَمَاعَةِ الصَّحَابَةِ وَالتَّابِعِينَ» اهـ.
وقال الحافظ ابن حجر ﵀ في [فتح الباري] (١/ ٣٩٤):
«وَيُحْمَلُ ترك بن عُمَرَ لِغَسْلِ رِجْلَيْهِ عَلَى أَنَّ ذَلِكَ كَانَ لِعُذْرٍ» اهـ.
قلت: وهذه تعليلات لا يخفى ضعفها.
стр. 561
وقال العلامة ابن مفلح ﵀ في [الفروع] (١/ ١٢٢):
«قَالَ شَيْخُنَا: إذَا كَانَ مُسْتَحَبًّا لَهُ أَنْ يَقْتَصِرَ عَلَى الْبَعْضِ، كَوُضُوءِ ابْنِ عُمَرَ لِنَوْمِهِ جُنُبًا، إلَّا رِجْلَيْهِ» اهـ.
قلت: ما قاله شيخ الإسلام هو الأظهر.
ويشبه هذا ما رواه البخاري (٦٣١٦)، ومسلم (٣٠٤) عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، ﵄، قَالَ: «بِتُّ عِنْدَ مَيْمُونَةَ فَقَامَ النَّبِيُّ ﷺ فَأَتَى حَاجَتَهُ غَسَلَ وَجْهَهُ وَيَدَيْهِ ثُمَّ نَامَ … » الحديث.
قال الحافظ البيهقي ﵀ في [الكبرى] (١/ ٣١٠):
«لَيْسَ يُرِيدُ بِهِ الْوَطْءَ وَإِنَّمَا أَرَادَ بِهِ الْحَدَثَ وَسِيَاقُ الْحَدِيثِ يَدُلُّ عَلَى ذَلِكَ» اهـ.
وقال العلامة النووي ﵀ في [شرح مسلم] (٣/ ٢١٥):
«الظَّاهِرُ وَاللَّهُ أَعْلَمُ أَنَّ الْمُرَادَ بِقَضَاءِ الْحَاجَةِ الْحَدَثُ وَكَذَا قَالَهُ الْقَاضِي عِيَاضٌ وَالْحِكْمَةُ فِي غَسْلِ الْوَجْهِ إِذْهَابُ النُّعَاسِ وَآثَارِ النَّوْمِ وَأَمَّا غسل اليد فقال القاضي لعله كان لشئ نَالَهُمَا» اهـ.
قلت: حمل ذلك على إذهاب النعاس فيه بعد وذلك أنَّ النبي ﷺ رجع إلى نومه.
وقال الحافظ ابن حجر ﵀ في [فتح الباري] (٢/ ٤٨٥) عند ذكره لفوائد الحديث:
«وَاسْتِحْبَابُ غَسْلِ الْوَجْهِ وَالْيَدَيْنِ لِمَنْ أَرَادَ النَّوْمَ وَهُوَ مُحْدِثٌ وَلَعَلَّه المُرَاد بِالْوضُوءِ للْجنب» اهـ.
قلت: الأظهر أنَّ المراد بذلك تخفيف الحدث الأصغر من أجل النوم.
стр. 562
قال العلامة ابن القيم ﵀ في [بدائع الفوائد] (٤/ ٣٠):
«وضابط الباب أن ما لم يكن جزؤه عبادة مشروعة لا يلزمه الإتيان به كإمساك بعض اليوم وما كان جزؤه عبادة مشروعة لزمه الإتيان به كتطهير الجنب بعض أعضائه فإنه يشرع كما عند النوم والأكل والمعاودة يشرع له الوضوء تخفيفا للجنابة.
وعلى هذا جوز الإمام أحمد للجنب أن يتوضأ ويلبث في المسجد كما كان الصحابة يفعلونه وإذا ثبت تخفيف الحدث الأكبر في بعض البدن فكذلك الأصغر» اهـ.
قلت: والسنة لمن أتى مضجعه أيضاً الوضوء لما رواه البخاري (٢٤٧)، ومسلم (٢٧١٠) عَنِ الْبَرَاءِ بْنِ عَازِبٍ قَالَ: قَالَ النَّبِيُّ ﷺ : «إِذَا أَتَيْتَ مَضْجَعَكَ فَتَوَضَّأْ وُضُوءَكَ لِلصَّلَاةِ ثُمَّ اضْطَجِعْ عَلَى شِقِّكَ الأَيْمَنِ ثُمَّ قُلِ اللَّهُمَّ أَسْلَمْتُ وَجْهِي إِلَيْكَ وَفَوَّضْتُ أَمْرِي إِلَيْكَ وَأَلْجَأْتُ ظَهْرِي إِلَيْكَ رَغْبَةً وَرَهْبَةً إِلَيْكَ لَا مَلْجَأَ، وَلَا مَنْجَا مِنْكَ إِلاَّ إِلَيْكَ اللَّهُمَّ آمَنْتُ بِكِتَابِكَ الَّذِي أَنْزَلْتَ وَبِنَبِيِّكَ الَّذِي أَرْسَلْتَ فَإِنْ مُتَّ مِنْ لَيْلَتِكَ فَأَنْتَ عَلَى الْفِطْرَةِ وَاجْعَلْهُنَّ آخِرَ مَا تَتَكَلَّمُ بِهِ». قَالَ: فَرَدَّدْتُهَا عَلَى النَّبِيِّ ﷺ فَلَمَّا بَلَغْتُ: اللَّهُمَّ آمَنْتُ بِكِتَابِكَ الَّذِي أَنْزَلْتَ قُلْتُ وَرَسُولِكَ قَالَ: «لَاَ وَنَبِيِّكَ الَّذِي أَرْسَلْتَ».
* * *
стр. 563
قال المؤلف رحمه الله تعالى:
٣٣ - عَنْ أُمِّ سَلَمَةَ ﵂ زَوْجِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَتْ: «جَاءَتْ أُمُّ سُلَيْمٍ امْرَأَةُ أَبِي طَلْحَةَ - إلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَقَالَتْ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، إنَّ اللَّهَ لا يَسْتَحْيِي مِنْ الْحَقِّ، فَهَلْ عَلَى الْمَرْأَةِ مِنْ غُسْلٍ إذَا هِيَ احْتَلَمَتْ؟ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "نَعَمْ، إذَا رَأَتِ الْمَاءَ"».
قال الحافظ ابن دقيق العيد ﵀ في [إحكام الأحكام] ص (٧١ - ٧٢):
«قولها: "إنَّ الله لا يستحيي من الحق" هذا تمهيد لبسط عذرها في ذكرها ما يستحيي النساء من ذكره وهو أصل فيما يصنعه الكتاب والأدباء في ابتداء مكاتباتهم ومخاطباتهم من التمهيدات لما يأتون به بعد ذلك والذي يحسنه في مثل هذا: أنَّ الذي يعتذر به إذا كان متقدماً على المعتذر منه أدركته النفس صافية من العتب وإذا تأخر العذر استثقلت النفس المعتذر منه فتأثرت بقبحه ثم يأتي العذر رافعاً وعلى الأول يأتي دافعاً» اهـ.
قولها: «إذَا هِيَ احْتَلَمَتْ» الاحتلام وهو ما يراه النائم في نومه. ثم جعل اسماً لما يراه النائم من الجماع فيحدث معه إنزال المني غالباً فغلب لفظ الاحتلام في هذا دون غيره من أنواع المنام لكثرة الاستعمال.
قوله: «نَعَمْ، إذَا رَأَتِ الْمَاءَ» المراد به المني. وماء المرأة مخالف لماء الرجل فماء الرجل أبيض ثخين، وماء المرأة رقيق أصفر.
وفي الحديث مسائل منها:
стр. 564
١ - إثبات صفة الحياء لله كما يليق به من غير مشابهة المخلوقين.
٢ - وفيه بيان أنَّ الاستحياء من الحق ليس من الصفات المحمودة، قال الحسن البصري: لا يتعلم مستح ولا متكبر.
وروى مسلم (٣١٠) عن أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ قَالَ: «جَاءَتْ أُمُّ سُلَيْمٍ وَهِيَ جَدَّةُ إِسْحَقَ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَقَالَتْ لَهُ وَعَائِشَةُ عِنْدَهُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ الْمَرْأَةُ تَرَى مَا يَرَى الرَّجُلُ فِي الْمَنَامِ فَتَرَى مِنْ نَفْسِهَا مَا يَرَى الرَّجُلُ مِنْ نَفْسِهِ فَقَالَتْ عَائِشَةُ: يَا أُمَّ سُلَيْمٍ فَضَحْتِ النِّسَاءَ تَرِبَتْ يَمِينُكِ. فَقَالَ لِعَائِشَةَ: "بَلْ أَنْتِ فَتَرِبَتْ يَمِينُكِ نَعَمْ فَلْتَغْتَسِلْ يَا أُمَّ سُلَيْمٍ إِذَا رَأَتْ ذَاكِ"».
وروى مسلم (٣٣٢) عَنْ عَائِشَةَ: «أَنَّ أَسْمَاءَ سَأَلَتْ النَّبِيَّ ﷺ عَنْ غُسْلِ الْمَحِيضِ فَقَالَ: "تَأْخُذُ إِحْدَاكُنَّ مَاءَهَا وَسِدْرَتَهَا فَتَطَهَّرُ فَتُحْسِنُ الطُّهُورَ ثُمَّ تَصُبُّ عَلَى رَأْسِهَا فَتَدْلُكُهُ دَلْكًا شَدِيدًا حَتَّى تَبْلُغَ شُؤُونَ رَأْسِهَا ثُمَّ تَصُبُّ عَلَيْهَا الْمَاءَ ثُمَّ تَأْخُذُ فِرْصَةً مُمَسَّكَةً فَتَطَهَّرُ بِهَا". فَقَالَتْ أَسْمَاءُ: وَكَيْفَ تَطَهَّرُ بِهَا فَقَالَ: "سُبْحَانَ اللَّهِ تَطَهَّرِينَ بِهَا". فَقَالَتْ: عَائِشَةُ كَأَنَّهَا تُخْفِي ذَلِكَ تَتَبَّعِينَ أَثَرَ الدَّمِ وَسَأَلَتْهُ عَنْ غُسْلِ الْجَنَابَةِ. فَقَالَ: "تَأْخُذُ مَاءً فَتَطَهَّرُ فَتُحْسِنُ الطُّهُورَ أَوْ تُبْلِغُ الطُّهُورَ ثُمَّ تَصُبُّ عَلَى رَأْسِهَا فَتَدْلُكُهُ حَتَّى تَبْلُغَ شُؤُونَ رَأْسِهَا ثُمَّ تُفِيضُ عَلَيْهَا الْمَاءَ". فَقَالَتْ: عَائِشَةُ نِعْمَ النِّسَاءُ نِسَاءُ الْأَنْصَارِ لَمْ يَكُنْ يَمْنَعُهُنَّ الْحَيَاءُ أَنْ يَتَفَقَّهْنَ فِي الدِّينِ».
٣ - فيه دليل على أنَّ إنزال المرأة للماء في حالة النوم موجب للغسل كإنزال الرجل.
стр. 565
قال الحافظ ابن رجب ﵀ في [فتح الباري] (١/ ٣٣٨ - ٣٣٩):
«وهذا الحديث: نص على أنَّ المرأة إذا رأت حلماً في منامها، ورأت الماء في اليقظة أنَّ عليها الغسل.
وإلى هَذا ذهب جمهور العلماء، ولا يعرف فيهِ خلاف، إلَّا عَنْ النخعي وَهوَ شذوذ.
ولعل النخعي أنكر وقوع ذَلِكَ من المرأة كَما أنكرته أم سلمة على أم سليم، حتى قالَ لها النبي ﷺ : "تربت يمينك، وبم يشبهها ولدها".
فبين ﷺ أنَّ للمرأة ماء كما للرجل، وأنَّها إذا رأت الماء في نومها باحتلام، فإنَّه يجب عليها الغسل منهُ. وفي ذَلِكَ تنبيه على أنَّ الرجل كذلك، وأنَّه إذا رأى حلماً ورأى الماء، أنَّهُ يلزمه الغسل. وهذا مما لا اختلاف فيهِ بين العلماء» اهـ.
٤ - قوله: «نَعَمْ، إذَا رَأَتِ الْمَاءَ» دليل على بطلان قول من زعم أنَّ ماء المرأة لا يبرز وإنَّما يعرف إنزالها بشهوتها.
قلت: وأمَّا إذا شك في البلل الذي يراه في ثوبه عند استيقاظه من النوم هل هو مني أم شيء آخر فاختلف في ذلك العلماء.
قال شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ في [شرح العمدة] (١/ ٣٥٣ - ٣٥٤):
«إذا احتلم ولم ير الماء فلا غسل عليه وإن استيقظ فرأى الماء فعليه الغسل وإن استيقظ فرأى بللاً لا يعلم مني هو أم مذي فإن ذكر احتلاماً لزمه الغسل سواء تقدم نومه بفكر أو مسيس أم لا؛ لأنَّ هناك سبباً قريباً يضاف الحكم إليه،
следующие страницы →