Полный текст (8 095 стр.). Показаны 5216–5255 · переход к 5221.
стр. 5216
وسئل عن الرجل يعطي الثوب بالثلث ودرهم ودرهمين؟ قال: أكرهه؛ لأنَّ هذا شيء لا يعرف.
والثلث إذا لم يكن معه شيء نراه جائزاً؛ لحديث جابر، أنَّ النبي ﷺ أعطى خيبر على الشطر.
قيل لأبي عبد الله: فإن كان النساج لا يرضى حتى يزاد على الثلث درهماً؟ قال: فليجعل له ثلثاً وعشري ثلث، ونصف عشر وما أشبه.
وروى الأثرم، عن ابن سيرين، والنخعي، والزهري، وأيوب، ويعلى بن حكيم، أنَّهم أجازوا ذلك.
وقال ابن المنذر: كره هذا كله الحسن. وقال أبو ثور وأصحاب الرأي: هذا كله فاسد.
واختاره ابن المنذر وابن عقيل، وقالوا: لو دفع شبكته إلى الصياد ليصيد بها السمك بينهما نصفين، فالصيد كله للصياد، ولصاحب الشبكة أجر مثلها.
وقياس ما نقل عن أحمد صحة الشركة، وما رزق الله بينهما على ما شرطاه؛ لأنَّها عين تنمى بالعمل فيها، فصح دفعها ببعض نمائها كالأرض» اهـ.
قُلْتُ: وأمَّا دفع الرجل دابته إلى من يرعاها بشيء من نسلها، ودرها، فقد أجاز ذلك شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀، وتلميذه العلامة ابن القيم ﵀ كما سبق ذلك في كلامهما.
стр. 5217
وأمَّا الْعَلَّامَةُ ابْنُ قُدَامَةَ ﵀ فَقَدْ قَالَ فِي [الْمُغْنِي] (١١/ ٣٨٧): «فصل: ولو استأجر راعياً لغنم بثلث درها، ونسلها، وصوفها، وشعرها، أو نصفه، أو جميعه، لم يجز.
نص عليه أحمد، في رواية جعفر بن محمد النسائي؛ لأنَّ الأجر غير معلوم، ولا يصلح عوضاً في البيع.
وقال إسماعيل بن سعيد: سألت أحمد عن الرجل يدفع البقرة إلى الرجل، على أن يعلفها ويتحفظها، وما ولدت من ولد بينهما.
فقال: أكره ذلك وبه قال أبو أيوب، وأبو خيثمة. ولا أعلم فيه مخالفاً؛ وذلك لأنَّ العوض مجهول معدوم، ولا يدرى أيوجد أم لا، والأصل عدمه، ولا يصح أن يكون ثمناً.
فإن قيل: فقد جوزتم دفع الدابة إلى من يعمل عليها بنصف ربحها.
قلنا: إنَّما جاز ثَمَّ تشبيها بالمضاربة؛ لأنَّها عين تنمى بالعمل، فجاز اشتراط جزء من النماء، والمساقاة كالمضاربة، وفي مسألتنا لا يمكن ذلك؛ لأنَّ النماء الحاصل في الغنم لا يقف حصوله على عمله فيها، فلم يمكن إلحاقه بذلك» اهـ.
قُلْتُ: لم يظهر لي فرق معتبر بين الثمرة في المساقاة، والمزارعة، وبين الصوف، والشعر، والنسل في المشاركة في الأنعام، وأمَّا الفرق الذي ذكره ابن قدامة ففيه نظر، وذلك أنَّ نماء الصوف والشعر سببه التغذية التي حصلت بواسطة الراعي،
стр. 5218
وهكذا النسل، فإنَّه لولا ما يقوم به الراعي من الاهتمام بتغذية البهيمة، والقيام بسائر شؤونها، وهكذا ما يقوم به من إرسال الفحل عليها، لهلكت البهيمة، ولما حصل النسل.
فالذي يظهر لي هو صحة ما ذهب إليه شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ وتلميذه العلامة ابن القيم رحمهما الله تعالى.
стр. 5219
أَنْوَاعُ الشَّرِكَاتِ.
قُلْتُ: والشركات خمسة أنواع.
النَّوْعُ الْأَوَلُ: شَّرِكَةُ العِنَانِ.
وهي: أن يشترك بدنان بماليهما.
قَالَ الْعَلَّامَةُ ابْنُ قُدَامَةَ ﵀ فِي [الْمُغْنِي] (١٠/ ١٢١):
«وهي شركة متفق عليها» اهـ.
وَقَالَ (١٠/ ١٢٤): «وهي جائزة بالإجماع» اهـ.
وَقَدْ ذَكَرَ الْعَلَّامَةُ ابْنُ قُدَامَةَ ﵀ خلاف العلماء في سبب تسمية هذه الشركة بذلك، فقال في [الْمُغْنِي] (١٠/ ١٢٤): «واختلف في علة تسميتها شركة العنان، فقيل: سميت بذلك لأنَّهما يتساويان في المال والتصرف، كالفارسين إذا سويا بين فرسيهما، وتساويا في السير، فإنَّ عنانيهما يكونان سواء.
وقال الفراء: هي مشتقة من عن الشيء إذا عرض، يقال: عنت لي حاجة. إذا عرضت، فسميت الشركة بذلك؛ لأنَّ كل واحد منهما عن له أن يشارك صاحبه.
وقيل: هي مشتقة من المعاننة، وهي المعارضة، يقال: عاننت فلاناً.
إذا عارضته بمثل ماله وأفعاله.
فكل واحد من الشريكين معارض لصاحبه بماله وفعاله. وهذا يرجع إلى قول الفراء» اهـ.
стр. 5220
قُلْتُ: المشهور أنَّها مأخوذة من عنان الدابة وهو ما تقاد به، كأنَّ كل واحد من الشريكين أخذ بعنان صاحبه، لا يطلقه يتصرف حيث شاء، أو لأنَّهما يتساويان في المال والتصرف، كالفارسين إذا سويا بين فرسيهما، وتساويا في السير، فإنَّ عنانيهما يكونان سواء. على ما ذكره ابن قدامة ﵀.
قُلْتُ: وقسمة الربح بينهما على ما اتفقا عليه.
قَالَ الْعَلَّامَةُ ابْنُ قُدَامَةَ ﵀ فِي [الْمُغْنِي] (١٠/ ١٤٩):
«وأمَّا شركة العنان، وهو أن يشترك بدنان بماليهما، فيجوز أن يجعلا الربح على قدر المالين، ويجوز أن يتساويا مع تفاضلهما في المال، وأن يتفاضلا فيه مع تساويهما في المال.
وبهذا قال أبو حنيفة.
وقال مالك والشافعي: من شرط صحتها كون الربح والخسران على قدر المالين؛ لأنَّ الربح في هذه الشركة تبع للمال، بدليل أنَّه يصح عقد الشركة، وإطلاق الربح، فلا يجوز تغييره بالشرط، كالوضيعة.
ولنا، أنَّ العمل مما يستحق به الربح، فجاز أن يتفاضلا في الربح مع وجود العمل منهما، كالمضاربين لرجل واحد، وذلك لأنَّ أحدهما قد يكون أبصر بالتجارة من الآخر، وأقوى على العمل، فجاز له أن يشترط زيادة في الربح في مقابلة عمله، كما يشترط الربح في مقابلة عمل المضارب.
стр. 5221
يحققه أنَّ هذه الشركة معقودة على المال والعمل جميعاً، ولكل واحد منهما حصة من الربح إذا كان مفرداً، فكذلك إذا اجتمعا، وأمَّا حالة الإطلاق، فإنَّه لما لم يكن بينهما شرط يقسم الربح عليه، ويتقدر به، قدرناه بالمال، لعدم الشرط، فإذا وجد الشرط، فهو الأصل، فيصير إليه» اهـ.
قُلْتُ: وهذا هو الصحيح.
وتجوز بالعروض ويجعل رأس المال فيها قيمتها وقت العقد، وهذا هو الصحيح إذ لا محذور في ذلك.
قَالَ الْعَلَّامَةُ ابْنُ قُدَامَةَ ﵀ فِي [الْمُغْنِي] (١٠/ ١٢٥ - ١٢٦):
«فصل: ولا خلاف في أنَّه يجوز جعل رأس المال الدراهم والدنانير، فإنَّهما قيم الأموال وأثمان البياعات، والناس يشتركون بها من لدن النبي ﷺ إلى زمننا من غير نكير.
فأمَّا العروض، فلا تجوز الشركة فيها، في ظاهر المذهب. نص عليه أحمد، في رواية أبي طالب وحرب.
وحكاه عنه ابن المنذر.
وكره ذلك ابن سيرين، ويحيى بن أبي كثير، والثوري، والشافعي، وإسحاق، وأبو ثور، وأصحاب الرأي؛ لأنَّ الشركة إمِّا أن تقع على أعيان العروض أو قيمتها أو أثمانها، لا يجوز وقوعها على أعيانها؛ لأنَّ الشركة تقتضي الرجوع عند المفاصلة
стр. 5222
برأس المال أو بمثله، وهذه لا مثل لها، فيرجع إليه، وقد تزيد قيمة جنس أحدهما دون الآخر، فيستوعب بذلك جميع الربح أو جميع المال، وقد تنقص قيمته، فيؤدي إلى أن يشاركه الآخر في ثمن ملكه الذي ليس بربح، ولا على قيمتها؛ لأنَّ القيمة غير متحققة القدر، فيفضي إلى التنازع، وقد يقوم الشيء بأكثر من قيمته، ولأنَّ القيمة قد تزيد في أحدهما قبل بيعه، فيشاركه الآخر في العين المملوكة له، ولا يجوز وقوعها على أثمانها؛ لأنَّها معدومة حال العقد ولا يملكانها، ولأنَّه إن أراد ثمنها الذي اشتراها به، فقد خرج عن ملكه وصار للبائع، وإن أراد ثمنها الذي يبيعها به، فإنَّها تصير شركة معلقة على شرط، وهو بيع الأعيان، ولا يجوز ذلك.
وعن أحمد رواية أخرى، أنَّ الشركة والمضاربة تجوز بالعروض، وتجعل قيمتها وقت العقد رأس المال.
قال أحمد: إذا اشتركا في العروض، يقسم الربح على ما اشترطا.
وقال الأثرم: سمعت أبا عبد الله يسأل عن المضاربة بالمتاع؟ فقال: جائز.
فظاهر هذا صحة الشركة بها.
اختار هذا أبو بكر، وأبو الخطاب. وهو قول مالك، وابن أبي ليلى.
وبه قال في المضاربة طاووس، والأوزاعي، وحماد بن أبي سليمان؛ لأنَّ مقصود الشركة جواز تصرفها في المالين جميعاً، وكون ربح المالين بينهما، وهذا يحصل في العروض كحصوله في الأثمان، فيجب أن تصح الشركة والمضاربة بها، كالأثمان.
стр. 5223
ويرجع كل واحد منهما عند المفاصلة بقيمة ماله عند العقد، كما أننا جعلنا نصاب زكاتها قيمتها.
وقال الشافعي: إن كانت العروض من ذوات الأمثال؛ كالحبوب والأدهان، جازت الشركة بها، في أحد الوجهين؛ لأنَّها من ذوات الأمثال، أشبهت النقود، ويرجع عند المفاصلة بمثلها.
وإن لم تكن من ذوات الأمثال، لم يجز، وجهاً واحداً؛ لأنَّه لا يمكن الرجوع بمثلها.
ولنا، أنَّه نوع شركة، فاستوى فيها ماله مثل من العروض وما لا مثل له، كالمضاربة، وقد سلم أنَّ المضاربة لا تجوز بشيء من العروض، ولأنَّها ليست بنقد، فلم تصح الشركة بها، كالذي لا مثل له» اهـ.
وَقَالَ الْعَلَّامَةُ ابْنُ الْقَيِّمِ ﵀ فِي [إِغَاثَةِ اللَّهْفَانِ] (٢/ ١٩):
«المثال التاسع والعشرون: إذا كان لكل من الرجلين عروض وأرادا أن يشتركا فيها شركة عنان ففي ذلك روايتان:
إحداهما: تصح الشركة وتقوم العروض عند العقد ويكون قيمتها هو رأس المال فيقسم الربح على حسبه أو على ما شرطاه، وإذا أرادا الفسخ رجع كل منهما إلى قيمة عروضه واقتسما الربح على ما شرطاه وهذا القول هو الصحيح» اهـ.
стр. 5224
وَقَالَ ﵀ فِي [إِغَاثَةِ اللَّهْفَانِ] (٢/ ٤٤): «فإن قيل فالشركة عندكم لا تصح بالعروض.
قيل: بل أصح الروايتين صحتها» اهـ.
النَّوْعُ الثَّانِي: شَّرِكَةُ الْمُضَارَبَةِ، وَيُقَالُ لَهَا: الْقِراضُ.
وقد عرَّفها الْعَلَّامَةُ ابْنُ قُدَامَةَ ﵀ فَقَالَ فِي [الْمُغْنِي] (١٠/ ١٤٠):
«أن يشترك بدن ومال. وهذه المضاربة، وتسمى قراضاً أيضاً، ومعناها أن يدفع رجل ماله إلى آخر يتجر له فيه، على أن ما حصل من الربح بينهما حسب ما يشترطانه، فأهل العراق يسمونه مضاربة، مأخوذ من الضرب في الأرض، وهو السفر فيها للتجارة، قال الله تعالى: ﴿وَآخَرُونَ يَضْرِبُونَ فِي الأَرْضِ يَبْتَغُونَ مِنْ فَضْلِ اللَّهِ﴾ [المزمل: ٢٠].
ويحتمل أن يكون من ضرب كل واحد منهما في الربح بسهم. ويسميه أهل الحجاز القراض.
فقيل: هو مشتق من القطع. يقال: قرض الفأر الثوب. إذا قطعه.
فكأنَّ صاحب المال اقتطع من ماله قطعة وسلمها إلى العامل، واقتطع له قطعة من الربح.
وقيل: اشتقاقه من المساواة والموازنة.
يقال: تقارض الشاعران. إذا وازن كل واحد منهما الآخر بشعره.
стр. 5225
وهاهنا من العامل العمل، ومن الآخر المال، فتوازنا.
وأجمع أهل العلم على جواز المضاربة في الجملة» اهـ.
قُلْتُ: وإذا اشترك رجلان في مالين، والعمل من أحدهما، فذلك جائز، وهي عبارة عن شراكة، ومضاربة.
قَالَ الْعَلَّامَةُ ابْنُ قُدَامَةَ ﵀ فِي [الْمُغْنِي] (١٠/ ١٤٣): «القسم الرابع، أن يشترك مالان وبدن صاحب أحدهما.
فهذا يجمع شركة ومضاربة، وهو صحيح».
إِلَى أَنْ قَالَ ﵀: «وبهذا كله قال الشافعي، وقال مالك: لا يجوز أن يضم إلى القراض شركة، كما لا يجوز أن يضم إليه عقد إجارة.
ولنا، أنَّهما لم يجعلا أحد العقدين شرطاً للآخر، فلم نمنع من جمعهما، كما لو كان المال متميزاً» اهـ.
قُلْتُ: لكن لو شرط الشريك الغير العامل أكثر من نصيبه هل يصح أو لا؟ في ذلك نزاع.
وصورتها أن يشترك رجلان في ألفي دينار مثلاً، لكل رجل ألف دينار، على أن يعمل بهما أحدهما، فاشترط الشريك غير العامل أن يكون له ثلثا الربح.
قَالَ الْعَلَّامَةُ ابْنُ قُدَامَةَ ﵀ فِي [الْمُغْنِي] (١٠/ ١٤٤):
«فإن شرط غير العامل لنفسه ثلثي الربح، لم يجز.
стр. 5226
وقال القاضي: يجوز، بناء على جواز تفاضلهما في شركة العنان.
ولنا، أنَّه اشترط لنفسه جزءاً من الربح لا مقابل له، فلم يصح، كما لو شرط ربح مال العامل المنفرد، وفارق شركة العنان؛ لأنَّ فيها عملاً منهما، فجاز أن يتفاضلا في الربح لتفاضلهما في العمل، بخلاف مسألتنا» اهـ.
قُلْتُ: لم يظهر لي مانعاً من ذلك إن تراضوا عليه.
وإن اشترك بدنان فأكثر بمال أحدهم، بحيث يكون المال من أحدهما والعمل منهما، مثل أن يخرج أحدهما ألفاً، ويعملان فيه معاً، والربح بينهما. فهذا جائز أيضاً. وممن أجاز ذلك الإمام أحمد، ومنع من ذلك الجمهور، وقالوا: لا تصح المضاربة حتى يسلم المال إلى العامل، ويخلي بينه وبينه.
قُلْتُ: ولا أعلم لذلك حجة معتبرة، والصحيح مذهب الإمام أحمد. والله أعلم.
النَّوْعُ الثَّالِثُ: شَّرِكَةُ الْوُجُوهِ.
وهي: أن يشترك اثنان فيما يشتريان بجاههما، وثقة التجار بهما، من غير أن يكون لهما رأس مال، على أنَّ ما اشترياه بينهما نصفان، أو ثلث لأحدهما وثلثان للأخر، أو ربع لأحدهما وثلاثة أرباع للأخر، أو نحو ذلك.
قَالَ الْعَلَّامَةُ ابْنُ قُدَامَةَ ﵀ فِي [الْمُغْنِي] (١٠/ ١٢٣):
стр. 5227
«وسميت هذه شركة الوجوه، لأنَّهما يشتركان فيما يشتريان بجاههما، والجاه والوجه واحد، يقال: فلان وجيه إذا كان ذا جاه، قال الله تعالى في موسى ﵇: ﴿وَكَانَ عِنْدَ اللَّهِ وَجِيهًا﴾ [الأحزاب: ٦٩]» اهـ.
قُلْتُ: وَتُسَمَّى شَرِكَةُ الْمَفَالِيسِ.
وقد أجازها الحنفية، ومنعها المالكية والشافعية لأنَّها شركة بغير مال ولا صناعة.
والصحيح جوازها.
النَّوْعُ الرَّابِعُ: شَّرِكَةُ الْأَبْدَانِ.
قَالَ الْعَلَّامَةُ ابْنُ قُدَامَةَ ﵀ فِي [الْمُغْنِي] (١٠/ ١٠٧):
«معنى شركة الأبدان، أن يشترك اثنان أو أكثر فيما يكتسبونه بأيديهم، كالصناع يشتركون على أن يعملوا في صناعتهم، فما رزق الله تعالى فهو بينهم.
وإن اشتركوا فيما يكتسبون من المباح، كالحطب، والحشيش، والثمار المأخوذة من الجبال، والمعادن، والتلصص على دار الحرب، فهذا جائز.
نص عليه أحمد، في رواية أبي طالب، فقال: لا بأس أن يشترك القوم بأبدانهم، وليس لهم مال، مثل الصيادين والنقالين والحمالين.
قد أشرك النبي ﷺ بين عمار وسعد وابن مسعود، فجاء سعد بأسيرين، ولم يجيئا بشيء.
стр. 5228
وفسر أحمد صفة الشركة في الغنيمة، فقال: يشتركان فيما يصيبان من سلب المقتول؛ لأنَّ القاتل يختص به دون الغانمين. وبهذا قال مالك.
وقال أبو حنيفة: يصح في الصناعة، ولا يصح في اكتساب المباح، كالاحتشاش والاغتنام؛ لأنَّ الشركة مقتضاها الوكالة، ولا تصح الوكالة في هذه الأشياء؛ لأنَّ من أخذها ملكها.
وقال الشافعي شركة الأبدان كلها فاسدة؛ لأنَّها شركة على غير مال. فلم تصح، كما لو اختلفت الصناعات.
ولنا، ما روى أبو داود والأثرم بإسنادهما، عن أبي عبيدة، عن عبد الله، قال: اشتركنا أنا وسعد وعمار يوم بدر، فلم أجئ أنا وعمار بشيء، وجاء سعد بأسيرين.
ومثل هذا لا يخفى على رسول الله ﷺ وقد أقرهم عليه، وقال أحمد: أشرك بينهم النبي ﷺ » اهـ.
قُلْتُ: الصحيح جواز ذلك، ولا أعلم لمن منع من ذلك حجة مقبولة.
وأمَّا الحديث الذي أورده المؤلف، فرواه أبو داود (٣٣٨٨)، والنسائي (٤٦٩٧)، وابن ماجة (٢٢٨٨) مِنْ طَرِيْقِ أَبِي إِسْحَاقَ، عَنْ أَبِي عُبَيْدَةَ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بِنْ مَسْعُودٍ، قَالَ: «اشْتَرَكْتُ أَنَا وَعَمَّارٌ، وَسَعْدٌ، فِيمَا نُصِيبُ يَوْمَ بَدْرٍ قَالَ: فَجَاءَ سَعْدٌ بِأَسِيرَيْنِ وَلَمْ أَجِئْ أَنَا وَعَمَّارٌ بِشَيْءٍ».
قُلْتُ: هَذَا حَدِيْثٌ صَحِيْحٌ، وعنعنة أبي إسحاق الصحيح أنَّها مقبولة، ورواية أبي عبيدة عن أبيه في حكم المتصل عند كثير من العلماء.
стр. 5229
قَالَ الْحَافِظُ ابْنُ رَجَبٍ ﵀ فِي [شَرْحِ عِلَلِ التِّرْمِذِيِّ] ص (١٨٢):
«قال ابن المديني - في حديث يرويه أبو عبيدة بن عبد الله بن مسعود عن أبيه -: "هو منقطع، وهو حديث ثبت".
قال يعقوب بن شيبة: "إنَّما استجاز أصحابنا أن يدخلوا حديث أبي عبيدة عن أبيه في المسند - يعني في الحديث المتصل - لمعرفة أبي عبيدة بحديث أبيه وصحتها، وأنَّه لم يأت فيها بحديث منكر"» اهـ.
وَقَالَ ﵀ فِي [فَتْحِ الْبَارِي] (٥/ ١٨٧):
«وأبو عبيدة، وإن لم يسمع من أبيه، إلَّا أنَّ أحاديثه عنه صحيحة، تلقاها عن أهل بيته الثقات العارفين بحديث أبيه -: قاله ابن المدني وغيره» اهـ.
وقَالَ شَيْخُ الْإِسْلَامِ ابْنُ تَيْمِيَّةَ ﵀ كَمَا فِي [مَجْمُوْعِ الْفَتَاوَى] (٦/ ٤٠٤)
«ويقال إنَّ أبا عبيدة لم يسمع من أبيه؛ لكن هو عالم بحال أبيه متلق لآثاره من أكابر أصحاب أبيه وهذه حال متكررة من عبد الله ﵁ فتكون مشهورة عند أصحابه فيكثر المتحدث بها ولم يكن في أصحاب عبد الله من يتهم عليه حتى يخاف أن يكون هو الواسطة فلهذا صار الناس يحتجون برواية ابنه عنه وإن قيل إنَّه لم يسمع من أبيه» اهـ.
стр. 5230
وَقَالَ الْحِافِظُ ابْنُ حَجَرٍ ﵀ فِي [النُّكَتِ] (١/ ٣٩٨ - ٣٩٩): «ورأيت لأبي عبد الرحمن النسائي نحو ذلك، فإنَّه روى حديثاً من رواية أبي عبيدة عن أبيه ثم قال: أبو عبيدة لم يسمع من أبيه إلَّا أنَّ هذا الحديث جيد» اهـ.
وَقَالَ الْعَلَّامَةُ أَبُو الْوَلِيْدِ ابْنُ رُشْدٍ ﵀ فِي [الْمُقَدِمَاتِ] (٣/ ٣٨):
«والدليل على صحة قول مالك في إجازة شركة الأبدان بين الصناع وغيرهم ممن لا ضمان عليهم قول الله : ﴿وَاعْلَمُوا أَنَّمَا غَنِمْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَأَنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ وَلِلرَّسُولِ وَلِذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَابْنِ السَّبِيلِ﴾ [الأنفال: ٤١] فجعل الغانمين شركاء فيما غنموا بقتالهم وأفاءت عليهم سيوفهم، وليس هناك مال ولا تجارة، وإنَّما هي شركة أبدان بغير ضمان. فالآية حجة على الشافعي في المنع من شركة الأبدان بكل حال، وعلى أبي حنيفة في المنع من شركة الأبدان فيما لا ضمان فيه كالاحتطاب، والاصطياد» اهـ.
قُلْتُ: ومنعت المالكية شركة الأبدان عند اختلاف عمل الشريكين أو مكانهما.
قَالَ الْحَافِظُ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِ ﵀ فِي [الْكَافِي] (٢/ ٧٨٥):
«ولو اصطاد أحد الصيادين الطير والآخر الحيتان لم يجز وكذلك إن كانت الصنعة واحدة في مكانين مفترقين لم يجز» اهـ.
وَقَالَ الْعَلَّامَةُ ابْنُ جُزَيٍّ الْمَالِكِيُّ ﵀ فِي [الْقَوَانِيْنِ الْفِقْهِيَّةِ] (ص: ١٨٧):
стр. 5231
«وَأما شركَة الْأَبدَان فَهِيَ فِي الصَّنَائِع والأعمال وَهِي جَائِزَة خلافًا للشَّافِعِيّ وَإِنَّمَا تجوز بِشَرْطَيْنِ أَحدهمَا اتِّفَاق الصِّنَاعَة كخياطين وحدادين وَلَا تجوز مَعَ اخْتِلَاف الصِّنَاعَة كخياط ونجار وَالشّرط الثَّانِي اتِّفَاق الْمَكَان الَّذِي يعملان فِيهِ فَإِنْ كَانَا فِي موضِعين لم يجز خلافًا لأبي حنيفَة فِي الشَّرْطَيْنِ» اهـ.
وَقَالَ الْعَلَّامَةُ ابْنُ قُدَامَةَ ﵀ فِي [الْمُغْنِي] (٥/ ٥ - ٦):
«فَصْلٌ: وَتَصِحُّ شَرِكَةُ الْأَبْدَانِ مَعَ اتِّفَاقِ الصَّنَائِعِ.
فَأَمَّا مَعَ اخْتِلَافِهَا، فَقَالَ أَبُو الْخَطَّابِ: لَا تَصِحُّ.
وَهُوَ قَوْلُ مَالِكٍ؛ لِأَنَّ مُقْتَضَاهَا أَنَّ مَا يَتَقَبَّلُهُ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مِنْ الْعَمَلِ يَلْزَمُهُ، وَيَلْزَمُ صَاحِبَهُ، وَيُطَالَبُ بِهِ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا، فَإِذَا تَقَبَّلَ أَحَدُهُمَا شَيْئًا مَعَ اخْتِلَافِ صَنَائِعِهِمَا، لَمْ يُمْكِنْ الْآخَرَ أَنْ يَقُومَ بِهِ، فَكَيْفَ يَلْزَمُهُ عَمَلُهُ، أَمْ كَيْفَ يُطَالَبُ بِمَا لَا قُدْرَةَ لَهُ عَلَيْهِ.
وَقَالَ الْقَاضِي: تَصِحُّ الشَّرِكَةُ؛ لِأَنَّهُمَا اشْتَرَكَا فِي مَكْسَبٍ مُبَاحٍ، فَصَحَّ، كَمَا لَوْ اتَّفَقَتْ الصَّنَائِعُ، وَلِأَنَّ الصَّنَائِعَ الْمُتَّفِقَةَ قَدْ يَكُونُ أَحَدُ الرَّجُلَيْنِ أَحْذَقُ فِيهَا مِنْ الْآخَرِ، فَرُبَّمَا يَتَقَبَّلُ أَحَدُهُمَا مَا لَا يُمْكِنُ الْآخَرَ عَمَلُهُ، وَلَمْ يَمْنَعْ ذَلِكَ صِحَّتَهَا، فَكَذَلِكَ إذَا اخْتَلَفَتْ الصِّنَاعَتَانِ.
وَقَوْلهمْ: يَلْزَمُ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مَا يَتَقَبَّلُهُ صَاحِبُهُ. قَالَ الْقَاضِي: يَحْتَمِلُ أَنْ لَا يَلْزَمَهُ ذَلِكَ؛ لِأَنَّهُمَا كَالْوَكِيلَيْنِ؛ بِدَلِيلِ صِحَّتِهِمَا فِي الْمُبَاحِ، وَلَا ضَمَانَ فِيهَا.
стр. 5232
وَإِنْ قُلْنَا: يَلْزَمُهُ. أَمْكَنَهُ تَحْصِيلُ ذَلِكَ بِالْأُجْرَةِ، أَوْ بِمَنْ يَتَبَرَّعُ لَهُ بِعَمَلِهِ. وَيَدُلُّ عَلَى صِحَّةِ هَذَا، أَنَّهُ لَوْ قَالَ أَحَدُهُمَا: أَنَا أَتَقَبَّلُ وَأَنْتَ تَعْمَلُ. صَحَّتْ الشَّرِكَةُ، وَعَمَلَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا غَيْرَ عَمَلِ صَاحِبِهِ.
فَصْلٌ: وَإِذَا قَالَ أَحَدُهُمَا: أَنَا أَتَقَبَّلُ، وَأَنْت تَعْمَلُ، وَالْأُجْرَةُ بَيْنِي وَبَيْنَك. صَحَّتْ الشَّرِكَةُ. وَقَالَ زُفَرُ: لَا تَصِحُّ، وَلَا يَسْتَحِقُّ الْعَامِلُ الْمُسَمَّى، وَإِنَّمَا لَهُ أُجْرَةُ الْمِثْلِ. وَلَنَا، أَنَّ الضَّمَانَ يُسْتَحَقُّ بِهِ الرِّبْحُ، بِدَلِيلِ شَرِكَةِ الْأَبْدَانِ، وَتَقَبُّلُ الْعَمَلِ يُوجِبُ الضَّمَانَ عَلَى الْمُتَقَبِّلِ، وَيَسْتَحِقُّ بِهِ الرِّبْحَ، فَصَارَ كَتَقَبُّلِهِ الْمَالَ فِي الْمُضَارَبَةِ، وَالْعَمَلُ يَسْتَحِقُّ بِهِ الْعَامِلُ الرِّبْحَ كَعَمَلِ الْمُضَارِبِ، فَيَنْزِلُ بِمَنْزِلَةِ الْمُضَارَبَةِ» اهـ.
وَقَالَ الْعَلَّامَةُ ابْنُ مُفْلِحٍ ﵀ فِي [الْفُرُوْعِ] (٧/ ١١٢):
«وَيَصِحُّ مَعَ اخْتِلَافِ الصَّنْعَةِ، فِي الْأَصَحِّ» اهـ.
قُلْتُ: الأظهر جواز ذلك مع اختلاف الصنعة والمكان ولا أعلم حجة في المنع من ذلك. والله أعلم.
قُلْتُ: واختلف العلماء في بعض أنواع شركة الأبدان ومنها:
شَّرِكَةُ الدَّلَالِيْنَ.
وقد منعها الحنفية والشافعية وبعض الحنابلة.
قَالَ الْعَلَّامَةُ ابْنُ مُفْلِحٍ ﵀ فِي [الْفُرُوْعِ] (٧/ ١١٣):
«وَلَا تَصِحُّ شَرِكَةُ الدَّلَّالِينَ، قَالَهُ فِي التَّرْغِيبِ وَغَيْرِهِ، لِأَنَّهُ لَا بُدَّ فِيهَا مِنْ وَكَالَةٍ، وَهِيَ عَلَى هَذَا الْوَجْهِ لَا تَصِحُّ، كَآجِرْ دَابَّتَك وَالْأُجْرَةُ بَيْنَنَا، وَفِي الْمُوجَزِ: تَصِحُّ.
стр. 5233
وَقَالَهُ فِي الْمُحَرَّرِ إنْ قِيلَ: لِلْوَكِيلِ التَّوْكِيلُ، وَهُوَ مَعْنَى الْمُجَرَّدِ. وَقَالَ شَيْخُنَا: وَتَسْلِيمُ الْأَمْوَالِ إلَيْهِمْ مَعَ الْعِلْمِ بِالشَّرِكَةِ إذْنٌ لَهُمْ» اهـ.
وَقَالَ الْعَلَّامَةُ الْمَرْدَاوِي ﵀ فِي [الْإِنْصَافِ] (٥/ ٤٦٢ - ٤٦٣):
«وَقَدْ نَصَّ الْإِمَامُ أَحْمَدُ ﵀ عَلَى جَوَازِهَا. فَقَالَ فِي رِوَايَةِ أَبِي دَاوُد وَقَدْ سُئِلَ عَنْ الرَّجُلِ يَأْخُذُ الثَّوْبَ لِيَبِيعَهُ، فَيَدْفَعَهُ إلَى آخَرَ لِيَبِيعَهُ وَيُنَاصِفَهُ مَا يَأْخُذُ مِنْ الْكِرَاءِ؟ قَالَ: الْكِرَاءُ لِلَّذِي بَاعَهُ، إلَّا أَنْ يَكُونَا يَشْتَرِكَانِ فِيمَا أَصَابَا. انْتَهَى.
وَذَكَرَ الْمُصَنِّفُ: أَنَّ قِيَاسَ الْمَذْهَبِ جَوَازُهَا.
وَقَالَ فِي الْمُحَرَّرِ، وَالنَّظْمِ: يَجُوزُ إنْ قِيلَ " لِلْوَكِيلِ التَّوْكِيلُ " وَهُوَ مَعْنَى كَلَامِهِ فِي الْمُجَرَّدِ. قَالَهُ فِي الْفُرُوعِ. وَقَالَ فِي الرِّعَايَةِ الْكُبْرَى بَعْدَ أَنْ حَكَى الْقَوْلَ الثَّانِي قُلْت: هَذَا إذَا أَذِنَ زَيْدٌ لِعَمْرٍو فِي النِّدَاءِ عَلَى شَيْءٍ، أَوْ وَكَّلَهُ فِي بَيْعِهِ، وَلَمْ يَقُلْ "لَا يَفْعَلُهُ إلَّا أَنْتَ" فَفَعَلَهُ بَكْرٌ بِإِذْنِ عَمْرٍو. فَإِنْ صَحَّ: فَالْأُجْرَةُ لَهُمَا عَلَى مَا شَرَطَاهُ. وَإِنْ لَمْ تَصِحَّ: فَلِبَكْرٍ أُجْرَةُ مِثْلِهِ عَلَى عَمْرٍو.
وَإِنْ اشْتَرَكَا ابْتِدَاءً فِي النِّدَاءِ عَلَى شَيْءٍ مُعَيَّنٍ، أَوْ عَلَى مَا يَأْخُذَانِهِ، أَوْ عَلَى مَا يَأْخُذُهُ أَحَدُهُمَا مِنْ مَتَاعِ النَّاسِ، أَوْ فِي بَيْعِهِ: صَحَّ. وَالْأُجْرَةُ لَهُمَا عَلَى مَا شَرَطَاهُ. وَإِلَّا اسْتَوَيَا فِيهَا، وَبِالْجُعْلِ جَعَالَةٌ. انْتَهَى.
وَقَالَ الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ ﵀: تَسْلِيمُ الْأَمْوَالِ إلَيْهِمْ، مَعَ الْعِلْمِ بِالشَّرِكَةِ: إذْنٌ لَهُمْ. قَالَ: وَإِنْ بَاعَ كُلُّ وَاحِدٍ مَا أَخَذَ، وَلَمْ يُعْطِ غَيْرَهُ، وَاشْتَرَكَا فِي الْكَسْبِ:
стр. 5234
جَازَ فِي أَظْهَرِ الْوَجْهَيْنِ كَالْمُبَاحِ، وَلِئَلَّا تَقَعَ مُنَازَعَةٌ. وَقَالَ الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ أَيْضًا: نَقَلْت مِنْ خَطِّ ابْنِ الصَّيْرَفِيِّ مِمَّا عَلَّقَهُ عَلَى عُمَدِ الْأَدِلَّةِ قَالَ: ذَهَبَ الْقَاضِي إلَى أَنَّ شَرِكَةَ الدَّلَّالِينَ لَا تَصِحُّ؛ لِأَنَّهُ تَوْكِيلٌ فِي مَالِ الْغَيْرِ. وَقَالَ الشَّرِيفُ أَبُو جَعْفَرٍ وَابْنُ عَقِيلٍ: تَصِحُّ الشَّرِكَةُ، عَلَى مَا قَالَهُ فِي مَنَافِعِ الْبَهَائِمِ. انْتَهَى.
وَقَالَ الْقَاضِي وَأَصْحَابُهُ: إذَا قَالَ " أَنَا أَتَقَبَّلُ الْعَمَلَ وَتَعْمَلُ أَنْتَ، وَالْأُجْرَةُ بَيْنَنَا " جَازَ، جَعْلًا لِضَمَانِ الْمُتَقَبِّلِ كَالْمَالِ» اهـ.
قَالَ شَيْخُ الْإِسْلَامِ ابْنُ تَيْمِيَّةَ ﵀ كَمَا فِي [الْفَتَاوَى الْكُبْرَى] (٥/ ٤٠٤):
«وَقَدْ نَصَّ أَحْمَدُ عَلَى جَوَازِهَا فَقَالَ فِي رِوَايَةِ أَبِي دَاوُد وَقَدْ سُئِلَ عَنْ الرَّجُلِ يَأْخُذُ الثَّوْبَ لِيَبِيعَهُ فَيَدْفَعَهُ إلَى الْآخَرِ يَبِيعُهُ وَيُنَاصِفُهُ فِيمَا يَأْخُذُ مِنْ الْكِرَاءِ، لِلَّذِي بَاعَهُ إلَّا أَنْ يَكُونَ يَشْتَرِكَانِ فِيمَا أَصَابَا، وَوَجْهُ صِحَّتِهَا أَنَّ بَيْعَ الدَّلَّالِ وَشِرَاءَهُ بِمَنْزِلَةِ خِيَاطَةِ الْخَيَّاطِ وَتِجَارَةِ التُّجَّارِ وَسَائِرِ الْأُجَرَاءِ الْمُشْتَرِكِينَ. وَلِكُلٍّ مِنْهُمْ أَنْ يَسْتَنِيبَ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ لِلْوَكِيلِ أَنْ يُوَكِّلَ، وَمَأْخَذُ مَنْ مَنَعَ أَنَّ الدَّلَالَةَ مِنْ بَابِ الْوَكَالَةِ، وَسَائِرُ الصِّنَاعَاتِ مِنْ بَابِ الْإِجَارَةِ وَلَيْسَ الْأَمْرُ كَذَلِكَ، وَمَحَلُّ الْخِلَافِ فِي شَرِكَةِ الدَّلَّالِينَ الَّتِي فِيهَا عَقْدٌ.
فَأَمَّا مُجَرَّدُ النِّدَاءِ وَالْعَرْضِ وَإِحْضَارِ الدُّيُونِ فَلَا خِلَافَ فِي جَوَازِهِ، وَتَسْلِيمِ الْأَمْوَالِ إلَى الدَّلَّالِينَ مَعَ الْعِلْمِ بِاشْتِرَاكِهِمْ إذْنٌ لِهُمْ وَلَوْ بَاعَ كُلُّ وَاحِدٍ مَا أَخَذَهُ وَلَمْ يُعْطِ غَيْرَهُ وَاشْتَرَكَا فِي الْكَسْبِ جَازَ فِي أَظْهَرْ الْوَجْهَيْنِ، وَمُوجِبُ الْعَقْدِ الْمُطْلَقِ التَّسَاوِي فِي الْعَمَلِ، وَأَمَّا بِإِعْطَائِهِ زِيَادَةً فِي الْأُجْرَةِ بِقَدْرِ عَمَلٍ. وَإِنْ اتَّفَقُوا عَلَى أَنْ يَشْتَرِطُوا لَهُ
стр. 5235
زِيَادَةً جَازَ، وَلَيْسَ لِوَلِيِّ الْأَمْرِ الْمَنْعُ بِمُقْتَضَى مَذْهَبِهِ فِي شَرِكَةِ الْأَبَدَانِ وَالْوُجُوهِ وَالْمُسَاقَاةِ وَالْمُزَارَعَةِ وَنَحْوِهَا مِمَّا يُشْرَعُ فِيهِ الِاجْتِهَادُ» اهـ.
وقَالَ ﵀ كَمَا فِي [مَجْمُوْعِ الْفَتَاوَى] (٣٠/ ٩٨):
«الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ، أَمَّا إذَا كَانَ التَّاجِرُ الَّذِي يُسَلِّمُ مَالَهُ إلَى الدَّلَالِ قَدْ عَلِمَ أَنَّهُ يُسَلِّمُهُ إلَى غَيْرِهِ مِنْ الدَّلَّالِينَ وَرَضِيَ بِذَلِكَ لَمْ يَكُنْ بِذَلِكَ بَأْسٌ بِلَا رَيْبٍ؛ فَإِنَّ الدَّلَالَ وَكِيلُ التَّاجِرِ. وَالْوَكِيلُ لَهُ أَنْ يُوَكِّلَ غَيْرَهُ كَالْمُوَكِّلِ بِاتِّفَاقِ الْعُلَمَاءِ. وَإِنَّمَا تَنَازَعُوا فِي جَوَازِ تَوْكِيلِهِ بِلَا إذْنِ الْمُوَكِّلِ. عَلَى قَوْلَيْنِ مَشْهُورَيْنِ لِلْعُلَمَاءِ. وَعَلَى هَذَا تَنَازَعُوا فِي شَرِكَةِ الدَّلَّالِينَ؛ لِكَوْنِهِمْ وُكَلَاءَ. فَبَنَوْا ذَلِكَ عَلَى جَوَازِ تَوْكِيلِ الْوَكِيلِ. وَإِذَا كَانَ هُنَاكَ عُرْفٌ مَعْرُوفٌ أَنَّ الدَّلَّالَ يُسَلِّمُ السِّلْعَةَ إلَى مَنْ يَأْتَمِنُهُ كَانَ الْعُرْفُ الْمَعْرُوفُ كَالشَّرْطِ الْمَشْرُوطِ وَلِهَذَا ذَهَبَ جُمْهُورُ أَئِمَّةِ الْمُسْلِمِينَ: كَمَالِكِ وَأَبِي حَنِيفَةَ وَأَحْمَد وَغَيْرِهِمْ إلَى جَوَازِ "شَرِكَةِ الْأَبْدَانِ" كَمَا قَالَ ابْنُ مَسْعُودٍ: اشْتَرَكْت أَنَا وَسَعْدُ بْنُ أَبِي وَقَّاصٍ وَعَمَّارٌ يَوْمَ بَدْرٍ فَجَاءَ سَعْدٌ بِأَسِيرَيْنِ وَلَمْ أَجِئْ أَنَا وَعَمَّارٌ بِشَيْءِ.
و"شَرِكَةُ الْأَبْدَانِ" فِي مَصَالِحِ الْمُسْلِمِينَ فِي عَامَّةِ الْأَمْصَارِ وَكَثِيرٌ مِنْ مَصَالِحِ الْمُسْلِمِينَ لَا يَنْتَظِمُ بِدُونِهَا. كَالصُّنَّاعِ الْمُشْتَرِكِينَ فِي الْحَوَانِيتِ؛ مِنْ الدَّلَّالِينَ وَغَيْرِهِمْ؛ فَإِنَّ أَحَدَهُمْ لَا يَسْتَقِلُّ بِأَعْمَالِ النَّاسِ فَيَحْتَاجُ إلَى مُعَاوِنٍ وَالْمُعَاوِنُ لَا يُمْكِنُ أَنْ تُقَدَّرَ أُجْرَتُهُ وَعَمَلُهُ كَمَا لَا يُمْكِنُ مِثْلُهُ ذَلِكَ فِي الْمُضَارَبَةِ؛ وَنَحْوِهَا فَيَحْتَاجُونَ إلَى الِاشْتِرَاكِ» اهـ.
стр. 5236
النَّوْعُ الْخَامِسُ: شَّرِكَةُ الْمُفَاوَضَةِ.
قَالَ الْعَلَّامَةُ ابْنُ قُدَامَةَ ﵀ فِي [الْمُغْنِي] (١٠/ ١٤٧):
«وأمَّا شركة المفاوضة فنوعان؛ أحدهما، أن يشتركا في جميع أنواع الشركة، مثل أن يجمعا بين شركة العنان، والوجوه، والأبدان، فيصح ذلك، لأنَّ كل نوع منها يصح على انفراده، فصح مع غيره.
والثاني، أن يدخلا بينهما في الشركة الاشتراك فيما يحصل لكل واحد منهما من ميراث، أو يجده من ركاز أو لقطة، ويلزم كل واحد منهما ما يلزم الآخر من أرش جناية، وضمان غصب، وقيمة متلف، وغرامة الضمان، أو كفالة، فهذا فاسد.
وبهذا قال الشافعي، وأجازه الثوري، والأوزاعي، وأبو حنيفة وحكي ذلك عن مالك» اهـ.
قُلْتُ: والصحيح جواز الصورة الأولى دون الثانية؛ لما فيها من الغرر.
قَالَ الْعَلَّامَةُ ابْنُ قُدَامَةَ ﵀ فِي [الْمُغْنِي] (١٠/ ١٤٧):
«ولأنَّ فيه غرراً، فلم يصح، كبيع الغرر، وبيان غرره أنَّه يلزم كل واحد ما لزم الآخر، وقد يلزمه شيء لا يقدر على القيام به، وقد أدخلا فيه الأكساب النادرة» اهـ.
وَقَالَ الْعَلَّامَةُ ابْنُ هُبَيْرَةَ ﵀ فِي [اخْتِلافِ الأَئِمَةِ الْعُلَمَاءِ] (١/ ٤٤٦ - ٤٤٧):
«وَقَالَ أَحْمد: كلهَا صَحِيحَة إِلَّا شركَة الْمُفَاوضَة فَإِنَّهَا بَاطِلَة.
стр. 5237
وَقَالَ مَالك: تصح شركَة الْمُفَاوضَة فِي الْجُمْلَة وَشركَة الْأَبدَان إِلَّا مَعَ اخْتِلَاف الصناعين كقصار وحداد فَلَا تصح، وَكَذَلِكَ شَرط أَيْضا اتِّفَاق الْمَكَان فِيهَا وابطل شركَة الْوُجُوه وَحدهَا.
وَقَالَ الشَّافِعِي: كلهَا بَاطِلَة سوى شركَة الْعَنَان وَحدهَا.
وَأما شركَة الْمُفَاوضَة الَّتِي أجازها أَبُو حنيفَة وَمَالك وأبطلها الشَّافِعِي وَأحمد إِلَّا أَبَا حنيفَة أجازها بِشُرُوط الجائزي التَّصَرُّف، وَلَا يجوز بَين حر وَعبد، وَلَا بَين صبي وَبَالغ، وَلَا بَين مُسلم وَكَافِر، وَيكون المالان مِنْهُمَا متساويين وتصرفهما جَمِيعًا متساو، وَإِنْ يتساويا فِي الرِّبْح، وَأَنْ لَا يبقيا من جنس مَال الشّركَة شَيْئا، إِلَّا ويدخلاه فِي الشّركَة وَأَنْ يضمن كل وَاحِد مِنْهُمَا مَا ضمنه صَاحبه بِعقد ضَمَان أَوْ غصب أَوْ شِرَاء فَاسد وَمَا اشْتَرَاهُ كل وَاحِد مِنْهُمَا يكون على الشّركَة إِلَّا طَعَام أَهله وكسوتهم وتنعقد على الْكفَالَة وَالْوكَالَة فَمَتَى اخْتَلَّ شَيْء من هَذِه الْأَوْصَاف بطلت الْمُفَاوضَة وَصَارَت شركَة عنان إِلَّا أَنه لَا يُطَالب الْوَاحِد مِنْهُمَا بِمن كفله الآخر بِبدنِهِ، وَلَا يُشَارِكهُ فِيمَا ملكه بالاحتشاش والاحتطاب والاصطياد وَالْوَصِيَّة وَالْإِرْث وَالْهِبَة والمعدن والركاز وَالْمهْر لَكِن مَتى ملك أَحدهمَا بِهَذِهِ الْأَقْسَام شَيْئا من جنس مَال الشّركَة بطلت الْمُفَاوضَة وَصَارَت شركَة عنان.
قَالَ مَالك: تصح شركَة الْمُفَاوضَة وصفتها عِنْده أَنْ يُفَوض كل مِنْهُمَا إِلَى الآخر التَّصَرُّف مَعَ حُضُوره وغيبته وَتَكون يَده كَبِيرَة، وَلَا تكون شركَة إِلَّا بِمَا يعقدان
стр. 5238
الشّركَة عَلَيْهِ، وَلَا يشْتَرط أَنْ يتساوى المالان، وَلَا أَنْ لَا يبقي أَحدهمَا مَالا إِلَّا ويدخله فِي الشّركَة» اهـ.
قُلْتُ: والوضيعة في جميع الشركات على قدر مال كل شريك، إلَّا في المضاربة فإنَّها من رأس المال.
هذا إذا لم يمكن جبرها من الربح.
قَالَ الْعَلَّامَةُ ابْنُ قُدَامَةَ ﵀ فِي [الْمُغْنِي] (١٠/ ١٦٠):
«مسألة؛ قال: "والوضيعة على قدر المال". يعني الخسران في الشركة على كل واحد منهما بقدر ماله، فإن كان مالهما متساوياً في القدر، فالخسران بينهما نصفين، وإن كان أثلاثاً، فالوضيعة أثلاثاً.
لا نعلم في هذا خلافاً بين أهل العلم. وبه يقول أبو حنيفة، والشافعي وغيرهما.
وفي شركة الوجوه تكون الوضيعة على قدر ملكيهما في المشترى، سواء كان الربح بينهما كذلك أو لم يكن، وسواء كانت الوضيعة لتلف، أو نقصان في الثمن عمَّا اشتريا به، أو غير ذلك.
والوضيعة في المضاربة على المال خاصة، ليس على العامل منها شيء؛ لأنَّ الوضيعة عبارة عن نقصان رأس المال، وهو مختص بملك ربه، لا شيء للعامل فيه، فيكون نقصه من ماله دون غيره؛ وإنَّما يشتركان فيما يحصل من النماء، فأشبه المساقاة والمزارعة، فإنَّ رب الأرض والشجر يشارك العامل فيما يحدث من الزرع والتمر.
стр. 5239
وإن تلف الشجر، أو هلك شيء من الأرض بغرق أو غيره، لم يكن على العامل شيء» اهـ.
وَقَالَ ﵀ فِي [الْمُغْنِي] (١٠/ ١٩٤): «مسألة؛ قال: "وليس للمضارب ربح حتى يستوفي رأس المال". يعني أنَّه لا يستحق أخذ شيء من الربح حتى يسلم رأس المال إلى ربه، ومتى كان في المال خسران، وربح، جبرت الوضيعة من الربح، سواء كان الخسران والربح في مرة واحدة، أو الخسران في صفقة والربح في أخرى، أو أحدهما في سفرة والآخر في أخرى؛ لأنَّ معنى الربح هو الفاضل عن رأس المال، وما لم يفضل فليس بربح. ولا نعلم في هذا خلافاً» اهـ.
قُلْتُ: وبهذا يعلم خطأ كثير من أصحاب التجارات حين يجعلون للمضارب نسبة معلومة من جميع المبيعات دون نظر إلى الربح والخسارة، والطريقة الشرعية في ذلك أن تكون النسبة من الأرباح دون رأس المال فإذا لم يوجد ربح فلا شيء للمضارب، وإذا وقعت خسارة في رأس المال فالوضيعة من الربح.
وَقَدْ جَاءَ فِي [فَتَاوَى الْلَّجْنَةِ الْدَّائِمَةِ] (١٤/ ٣١٩):
«س ٩: هل يجوز عقد شركة كالتالي: أحد الطرفين يدخل برأس المال، والثاني يدخل بجهده وخبرته، ويعطي الطرف الأول نسبة ثابتة من المبيعات، بغض النظر عن الربح أو الخسارة.
стр. 5240
ج ٩: لا يجوز، وإنَّما المشروع أن يكون، نصيب العامل جزءاً مشاعاً من الربح؛ كالنصف والثلث ونحوهما. وبالله التوفيق، وصلى الله على نبينا محمد وآله وصحبه وسلم.
اللجنة الدائمة للبحوث العلمية والإفتاء
نائب الرئيس … الرئيس
عبد الرزاق عفيفي … عبد العزيز بن عبد الله بن باز» اهـ.
قُلْتُ: وإذا قبض رب المال ماله، أو حاسب العامل حساباً كالقبض، ثم شرعا بعد ذلك في مضاربة أخرى، فإذا طرأت الخسارة في المضاربة الأخرى فلا يستوفى رأس المال من أرباح المضاربة الأولى؛ لأنَّها صارت مضاربة مستقلة لا تعلق لها بما قبلها، وأمَّا إذا لم يقبض رب المال رأس ماله، أو لم يحاسب العمل محاسبة شبيهة بالقبض، فإنَّ الوضيعة لا تزال من الربح، حتى لو قبض العامل شيئاً من ربحه لزمه رده.
قَالَ الْعَلَّامَةُ ابْنُ قُدَامَةَ ﵀ فِي [الْمُغْنِي] (١٠/ ٢٠٢ - ٢٠٣):
«فصل: قال الأثرم: سمعت أبا عبد الله يسأل عن المضارب بربح، ويضع مراراً.
فقال: يرد الوضيعة على الربح، إلَّا أن يقبض المال صاحبه، ثم يرده إليه، فيقول: اعمل به ثانية.
стр. 5241
فما ربح بعد ذلك لا تجبر به وضيعة الأول، فهذا ليس في نفسي منه شيء، وأمَّا ما لم يدفع إليه، فحتى يحتسبا حساباً كالقبض، كما قال ابن سيرين. قيل: وكيف يكون حساباً كالقبض؟ قال: يظهر المال.
يعني ينض ويجيء، فيحتسبان عليه، فإن شاء صاحب المال قبضه.
قيل له: فيحتسبان على المتاع؟ فقال: لا يحتسبان إلَّا على الناض؛ لأنَّ المتاع قد ينحط سعره ويرتفع.
قال أبو طالب: قيل لأحمد رجل دفع إلى رجل عشرة آلاف درهم مضاربة، فوضع، بقيت ألف، فحاسبه صاحبها، ثم قال له: اذهب فاعمل بها. فربح؟ قال: يقاسمه ما فوق الألف.
يعني إذا كانت الألف ناضة حاضرة، إن شاء صاحبها قبضها.
فهذا الحساب الذي كالقبض، فيكون أمره بالمضاربة بها في هذه الحال ابتداء مضاربة ثانية، كما لو قبضها منه ثم ردها إليه.
فأمَّا قبل ذلك، فلا شيء للمضارب حتى يكمل عشرة آلاف، ولو أنَّ رب المال والمضارب اقتسما الربح، أو أخذ أحدهما منه شيئاً بإذن صاحبه، والمضاربة بحالها، ثم سافر المضارب به، فخسر، كان على المضارب رد ما أخذه من الربح؛ لأننا تبينا أنَّه ليس بربح، ما لم تنجبر الخسارة» اهـ.
قُلْتُ: النَّاض من المال: النَّقْدُ. ونض المال، أي صار عيناً بعدما كان متاعاً.
стр. 5242
وَقَالَ ﵀ فِي [الْمُغْنِي] (١٠/ ٢٠٨):
«فصل: وإن طلب أحدهما قسمة الربح دون رأس المال، وأبى الآخر، قدم قول الممتنع؛ لأنَّه إن كان رب المال، فلأنَّه لا يأمن الخسران في رأس المال، فيجبره بالربح، وإن كان العامل فإنَّه لا يأمن أن يلزمه رد ما أخذ في وقت لا يقدر عليه.
وإن تراضيا على ذلك، جاز؛ لأنَّ الحق لهما، وسواء اتفقا على قسمة جميعه أو بعضه، أو على أن يأخذ كل واحد منهما شيئاً معلوماً ينفقه.
ثم متى ظهر في المال خسران، أو تلف كله، لزم العامل رد أقل الأمرين مما أخذه، أو نصف خسران المال، إذا اقتسما الربح نصفين، وبهذا قال الثوري، والشافعي، وإسحاق، وقال أبو حنيفة: لا تجوز القسمة حتى يستوفي رب المال ماله.
قال ابن المنذر إذا اقتسما الربح، ولم يقبض رب المال رأس ماله، فأكثر أهل العلم يقولون: يرد العامل الربح حتى يستوفي رب المال ماله.
ولنا، على جواز القسمة، أن المال لهما، فجاز لهما أن يقتسما بعضه، كالشريكين.
أو نقول: إنَّهما شريكان، فجاز لهما قسمة الربح قبل المفاضلة، كشريكي العنان» اهـ.
فرع: قَالَ الْعَلَّامَةُ ابْنُ قُدَامَةَ ﵀ فِي [الْمُغْنِي] (١٠/ ٢٠٢):
«فصل: وإذا دفع إليه ألفا مضاربة، ثم دفع إليه ألفا آخر مضاربة، وأذن له في ضم أحدهما إلى الآخر قبل التصرف في الأول، جاز، وصارا مضاربة واحدة، كما لو دفعهما إليه مرة واحدة.
стр. 5243
وإن كان بعد التصرف في الأول في شراء المتاع، لم يجز؛ لأنَّ حكم الأول استقر، فكان ربحه وخسرانه مختصاً به، فضم الثاني إليه يوجب جبران خسران أحدهما بربح الآخر، فإذا شرط ذلك في الثاني فسد.
فإن نض، الأول، جاز ضم الثاني إليه لزوال هذا المعنى.
وإن لم يأذن له في ضم الثاني إلى الأول، لم يجز له ذلك.
نص عليه أحمد.
وقال إسحاق له ذلك قبل أن يتصرف في الأول.
ولنا، أنَّه أفرد كل واحد بعقد، فكانا عقدين لكل عقد حكم نفسه، ولا تجبر وضيعة أحدهما بربح الآخر، كما لو نهاه عن ذلك» اهـ.
* * *
стр. 5244
٢٨٣ - عَنْ رَافِعِ بْنِ خَدِيجٍ قَالَ: «كُنَّا أَكْثَرَ الأنْصَارِ حَقْلاً. وَكُنَّا نُكْرِي الأرْضَ، عَلَى أَنَّ لَنَا هَذِهِ، وَلَهُمْ هَذِهِ فَرُبَّمَا أَخْرَجَتْ هَذِهِ، وَلَمْ تُخْرِجْ هَذِهِ فَنَهَانَا عَنْ ذَلِكَ. فَأَمَّا بِالْوَرِقِ: فَلَمْ يَنْهَنَا».
وَلِمُسْلِمٍ عَنْ حَنْظَلَةَ بْنِ قَيْسٍ قَالَ: سَأَلْتُ رَافِعَ بْنَ خَدِيجٍ عَنْ كِرَاءِ الأَرْضِ بِالذَّهَبِ وَالْوَرِقِ؟ فَقَالَ: «لا بَأْسَ بِهِ. إنَّمَا كَانَ النَّاسُ يُؤَاجِرُونَ عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ بِمَا عَلَى الْمَاذِيَانَاتِ، وَأَقْبَالِ الْجَدَاوِلِ، وَأَشْيَاءَ مِنْ الزَّرْعِ فَيَهْلِكُ هَذَا، وَيَسْلَمُ هَذَا وَلَمْ يَكُنْ لِلنَّاسِ كِرَاءٌ إلَّا هَذَا. وَلِذَلِكَ زَجَرَ عَنْهُ. فَأَمَّا شَيْءٌ مَعْلُومٌ مَضْمُونٌ: فَلا بَأْسَ بِهِ».
الْمَاذِيَانَات: الأَنْهَارُ الْكِبَارُ وَالْجَدْوَلُ النَّهَرُ الصَّغِيرُ.
.
قوله: «وَأَقْبَالِ الْجَدَاوِلِ» فبفتح الهمزة أي أوائلها.
والحقل هو: الأرض البيضاء التي تزرع.
وَفِي الْحَدِيْثِ مَسَائِلُ مِنْهَا:
١ - تحريم المزارعة إذا اشترط فيها ما ينبت في بقعة معينة من الأرض، ومثل ذلك إذا اشترط مقدار معيناً مما يخرج منها، كالصاع ونحوه.
٢ - وأخذ من ذلك أهل العلم عدم جواز اشتراط فضل دراهم في المضاربة.
قَالَ الْعَلَّامَةُ ابْنُ قُدَامَةَ ﵀ فِي [الْمُغْنِي] (١٠/ ١٦١):
стр. 5245
«مسألة؛ قال: "ولا يجوز أن يجعل لأحد من الشركاء فضل دراهم". وجملته أنَّه متى جعل نصيب أحد الشركاء دراهم معلومة، أو جعل مع نصيبه دراهم، مثل أن يشترط لنفسه جزءاً وعشرة دراهم، بطلت الشركة.
قال ابن المنذر: أجمع كل من نحفظ عنه من أهل العلم على إبطال القراض إذا شرط أحدهما أو كلاهما لنفسه دراهم معلومة.
وممن حفظنا ذلك عنه مالك، والأوزاعي، والشافعي، وأبو ثور، وأصحاب الرأي.
والجواب فيما لو قال: لك نصف الربح إلَّا عشرة دراهم، أو نصف الربح وعشرة دراهم، كالجواب فيما إذا شرط دراهم مفردة.
وإنَّما لم يصح ذلك لمعنيين: أحدهما، أنَّه إذا شرط دراهم معلومة، احتمل أن لا يربح غيرها، فيحصل على جميع الربح، واحتمل أن لا يربحها، فيأخذ من رأس المال جزءاً.
وقد يربح كثيراً، فيستضر من شرطت له الدراهم.
والثاني، أنَّ حصة العامل ينبغي أن تكون معلومة بالأجزاء، لما تعذر كونها معلومة بالقدر، فإذا جهلت الأجزاء، فسدت، كما لو جهل القدر فيما يشترط أن يكون معلوماً به.
стр. 5246
ولأنَّ العامل متى شرط لنفسه دراهم معلومة، ربما توانى في طلب الربح؛ لعدم فائدته فيه وحصول نفعه لغيره، بخلاف ما إذا كان له جزء من الربح».
وَقَالَ ﵀ عند ذكره للشروط الفاسدة في المضاربة (١٠/ ٢١٩): «أو يشترط لأحدهما دراهم معلومة بجميع حقه أو ببعضه» اهـ.
وقَالَ شَيْخُ الْإِسْلَامِ ابْنُ تَيْمِيَّةَ ﵀ كَمَا فِي [مَجْمُوْعِ الْفَتَاوَى] (٢٨/ ٨٣ - ٨٤):
«والذي نهى عنه النبي ﷺ من المخابرة وكراء الأرض قد جاء مفسراً بأنَّهم كانوا يشترطون لرب الأرض زرع بقعة معينة، ومثل هذا الشرط باطل بالنص وإجماع العلماء، وهو كما لو شرط في المضاربة لرب المال دراهم معينة فإنَّ هذا لا يجوز بالاتفاق؛ لأنَّ المعاملة مبناها على العدل وهذه المعاملات من جنس المشاركات؛ والمشاركة إنَّما تكون إذا كان لكل من الشريكين جزء شائع كالثلث والنصف، فإذا جعل لأحدهما شيء مقدر لم يكن ذلك عدلاً؛ بل كان ظلماً» اهـ.
وَقَالَ ﵀ (٢٠/ ٥٠٨): «ولهذا لا يجوز أن يخص أحدهما بربح مقدر؛ لأنَّ هذا يخرجهما عن العدل الواجب في الشركة. وهذا هو الذي نهى عنه ﷺ من المزارعة، فإنَّهم كانوا يشرطون لرب المال زرع بقعة بعينها وهو ما ينبت على الماذيانات وإقبال الجداول ونحو ذلك فنهى النبي ﷺ عن ذلك. ولهذا قال الليث بن سعد وغيره: إنَّ الذي نهى عنه صلى الله عليه
стр. 5247
وسلم هو أمر إذا نظر فيه ذو البصر بالحلال والحرام علم أنَّه لا يجوز؛ أو كان قال. فبين أنَّ النهي عن ذلك موجب القياس، فإنَّ مثل هذا لو شرط في المضاربة لم يجز؛ لأنَّ مبنى المشاركات على العدل بين الشريكين فإذا خص أحدهما بربح دون الآخر لم يكن هذا عدلاً بخلاف ما إذا كان لكل منهما جزء شائع فإنَّهما يشتركان في المغنم وفي المغرم، فإن حصل ربح اشتركا في المغنم، وإن لم يحصل ربح اشتركا في الحرمان وذهب نفع بدن هذا كما ذهب نفع مال هذا؛ ولهذا كانت الوضيعة على المال لأنَّ ذلك في مقابلة ذهاب نفع العامل» اهـ.
وَقَالَ الْعَلَّامَةُ ابْنُ الْقَيِّمِ ﵀ فِي [إِعْلَامِ الْمُوَقِعِيْنَ] (١/ ٤٣٤):
«وأمَّا النوع الثالث: فهو مالا يقصد فيه العمل بل المقصود فيه المال وهو المضاربة، فإنَّ رب المال ليس له قصد في نفس عمل العامل كالمجاعل والمستأجر له قصد في عمل العامل، ولهذا لو عمل ما عمل ولم يربح شيئاً لم يكن له شيء، وإن سمى هذه جعالة بجزء مما يحصل من العمل كان نزاعاً لفظياً، بل هذه مشاركة هذا بنفع ماله وهذا بنفع بدنه وما قسم الله من ربح كان بينهما على الإشاعة، ولهذا لا يجوز أن يختص أحدهما بربح مقدر؛ لأنَّ هذا يخرجهما عن العدل الواجب في الشركة وهذا هو الذي نهى عنه النبي ﷺ من المزارعة فإنَّهم كانوا يشترطون لرب الأرض زرع بقعة بعينها وهو ما ثبت على الماذيانات وأقبال الجداول ونحو ذلك فنهى النبي ﷺ عنه،
стр. 5248
ولهذا قال الليث بن سعد وغيره: إنَّ الذي نهى عنه النبي ﷺ أمر لو نظر فيه ذو البصيرة بالحلال والحرام علم أنَّه لا يجوز، فتبين أنَّ النهي عن ذلك موجب القياس، فإنَّ هذا لو شرط في المضاربة لم يجز، فإنَّ مبنى المشاركات على العدل بين الشريكين، فإذا خص أحدهما بربح دون الآخر لم يكن ذلك عدلاً بخلاف ما إذا كان لكل منهما جزء شائع فإنَّهما يشتركان في المغنم والمغرم، فإن حصل ربح اشتركا فيه، وإن لم يحصل شيء اشتركا في المغرم، وذهب نفع بدن هذا كما ذهب نفع مال هذا، ولهذا كانت الوضيعة على المال؛ لأنَّ ذلك في مقابلة ذهاب نفع المال» اهـ.
وَجَاءَ فِي [فَتَاوَى الْلَّجْنَةِ الْدَّائِمَةِ] (١٤/ ٣٣٢):
«ج: أولاً: الاتفاق على أجر نقدي معلوم مع زيادة نسبة معلومة من الأرباح لا يجوز» اهـ.
قُلْتُ: وأجاز أحمد في رواية جعل دراهم معينة مع النسبة في غير المضاربة لكنها خلاف المشهور عنه.
قَالَ الْعَلَّامَةُ ابْنُ قُدَامَةَ ﵀ فِي [الْمُغْنِي] (٥/ ٩):
«قَالَ إِسْحَاقُ بْنُ إبْرَاهِيمَ: قَالَ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ: إذَا كَانَ عَلَى النِّصْفِ وَالرُّبْعِ، فَهُوَ جَائِزٌ. وَبِهِ قَالَ الْأَوْزَاعِيُّ. وَنَقَلَ أَحْمَدُ بْنُ سَعِيدٍ، عَنْ أَحْمَدَ، فِي مَنْ دَفَعَ عَبْدَهُ إلَى رَجُلٍ لِيَكْسِبَ عَلَيْهِ، وَيَكُونَ لَهُ ثُلُثُ ذَلِكَ أَوْ رُبْعه، فَجَائِزٌ، وَالْوَجْهُ فِيهِ مَا ذَكَرْنَاهُ فِي مَسْأَلَةِ الدَّابَّةِ. وَإِنْ دَفَعَ ثَوْبَهُ إلَى خَيَّاطٍ لِيُفَصِّلَهُ قُمْصَانًا يَبِيعُهَا، وَلَهُ نِصْفُ رِبْحِهَا
стр. 5249
بِحَقِّ عَمَلِهِ، جَازَ. نَصَّ عَلَيْهِ فِي رِوَايَةِ حَرْبٍ، وَإِنْ دَفَعَ غَزْلًا إلَى رَجُلٍ يَنْسِجُهُ ثَوْبًا بِثُلُثِ ثَمَنِهِ أَوْ رُبُعِهِ، جَازَ. نَصَّ عَلَيْهِ.
وَلَمْ يُجِزْ مَالِكٌ وَأَبُو حَنِيفَةَ وَالشَّافِعِيُّ شَيْئًا مِنْ ذَلِكَ؛ لِأَنَّهُ عِوَضٌ مَجْهُولٌ وَعَمَلٌ مَجْهُولٌ. وَقَدْ ذَكَرْنَا وَجْهَ جَوَازِهِ. وَإِنْ جَعَلَ لَهُ مَعَ ذَلِكَ دَرَاهِمَ مَعْلُومَةً، لَمْ يَجُزْ. نَصَّ عَلَيْهِ. وَعَنْهُ الْجَوَازُ. وَالصَّحِيحُ الْأَوَّلُ. وَقَالَ أَبُو بَكْرٍ: هَذَا قَوْلٌ قَدِيمٌ، وَمَا رُوِيَ غَيْرُ هَذَا فَعَلَيْهِ الْمُعْتَمَدُ» اهـ.
٣ - جواز كرى الأرض بالذهب والفضة وغيرها من الأثمان، ومثل ذلك كراءها بالعروض المعلومة.
قَالَ الْعَلَّامَةُ ابْنُ قُدَامَةَ ﵀ فِي [الْمُغْنِي] (١١/ ٣٦٤):
«قال أحمد: فلما اختلفوا في الذهب والورق.
وقال ابن المنذر: أجمع عوام أهل العلم على أنَّ اكتراء الأرض وقتاً معلوماً جائز بالذهب والفضة.
روينا هذا القول عن سعد، ورافع بن خديج، وابن عمر، وابن عباس.
وبه قال سعيد بن المسيب، وعروة، والقاسم، وسالم، وعبد الله بن الحارث، ومالك، والليث، والشافعي، وإسحاق، وأبو ثور، وأصحاب الرأي.
وروي عن طاووس، والحسن كراهة ذلك» اهـ.
стр. 5250
٤ - الحديث حجة في جواز كراء الأرض بالطعام المعلوم، لقوله: «فَأَمَّا شَيْءٌ مَعْلُومٌ مَضْمُونٌ، فَلَا بَأْسَ بِهِ». فإنَّ عموم العلة تقتضي جواز ذلك بكل معلوم، فيدخل في ذلك الطعام وغيره.
قَالَ الْعَلَّامَةُ ابْنُ بَطَّالٍ ﵀ في [شَرْحِ الْبُخَارِي] (٦/ ٤٨٥):
«فإنَّ العلماء اختلفوا في كراء الأرض بالطعام، فقال أبو حنيفة، والأوزاعي، والثوري، والشافعي، وأبو ثور: يجوز أن تكرى الأرض بالطعام كله إذا كان معلومًا في ذمة المكتري، قالوا: وكل ما جاز أن يكون ثمنًا لشيء جاز أن تكرى به الأرض ما لم يكن مجهولاً أو غررًا. وروى ذلك عن النخعي. وعكرمة، وسعيد بن جبير، والحجة لهم حديث الأوزاعي عن ربيعة، عن حنظلة ابن قيس قال: سألت رافع بن خديج عن كراء الأرض بالذهب والورق، فقال: لا بأس به، إنَّما كان الناس على عهد رسول الله يؤاجرون الأرض بما على الماذيانات وإقبال الجداول، فيهلك هذا، ويسلم هذا، فزجر عنه رسول الله، فأمَّا شيء معلوم مضمون فلا.
قالوا: فقد أخبر رافع بالعلة التي لها نهى رسول الله عن ذلك، وهو جهل البدل، وأخبر أنَّ كراها جائز بكل شيء معلوم. قال ابن المنذر: إنَّ أكراها بطعام معلوم يكون في ذمة المكتري، أو بطعام حاضر يقبضه: فذلك جائز» اهـ.
وقَالَ الْعَلَّامَةُ الْنَوَوِي ﵀ فِي [شَرْحِ مُسْلِمٍ] (٥/ ٣٦٨):
стр. 5251
«واختلف العلماء في كراء الأرض فقال طاووس، والحسن البصري: لا يجوز بكل حال سواء أكراها بطعام، أو ذهب، أو فضة، أو بجزء من زرعها لإطلاق حديث النهي عن كراء الأرض.
وقال الشافعي، وأبو حنيفة، وكثيرون: تجوز إجارتها بالذهب، والفضة، وبالطعام، والثياب، وسائر الأشياء سواء كان من جنس ما يزرع فيها أم من غيره، ولكن لا تجوز إجارتها بجزء ما يخرج منها كالثلث، والربع، وهي المخابرة.
ولا يجوز أيضاً أن يشترط له زرع قطعة معينة.
وقال ربيعة: يجوز بالذهب والفضة فقط، وقال مالك: يجوز بالذهب والفضة وغيرهما إلَّا الطعام، وقال أحمد وأبو يوسف ومحمد بن الحسن وجماعة من المالكية وآخرون: تجوز إجارتها بالذهب والفضة وتجوز المزارعة بالثلث والربع وغيرهما، وبهذا قال ابن شريح وابن خزيمة والخطابي وغيرهم من محققي أصحابنا وهو الراجح المختار» اهـ.
قُلْتُ: وحجة الإمام مالك ما رواه أحمد (١٧٥٧٤)، وأبو داود (٣٣٩٥)، وابن ماجة (٢٤٦٥) مِنْ طَرِيْقِ سَعِيدِ بِنْ أَبِي عَرُبَةَ، عَنْ يَعْلَى بْنِ حَكِيمٍ، عَنْ سُلَيْمَانَ بْنِ يَسَارٍ، أَنَّ رَافِعَ بْنَ خَدِيجٍ، قَالَ: كُنَّا نُخَابِرُ عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ، فَذَكَرَ أَنَّ بَعْضَ عُمُومَتِهِ أَتَاهُ، فَقَالَ: نَهَى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَنْ أَمْرٍ كَانَ لَنَا نَافِعًا، وَطَوَاعِيَةُ اللَّهِ وَرَسُولِهِ أَنْفَعُ لَنَا، وَأَنْفَعُ، قَالَ: قُلْنَا وَمَا ذَاكَ؟
стр. 5252
قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «مَنْ كَانَتْ لَهُ أَرْضٌ فَلْيَزْرَعْهَا، أَوْ فَلْيُزْرِعْهَا أَخَاهُ، وَلَا يُكَارِيهَا بِثُلُثٍ وَلَا بِرُبُعٍ وَلَا بِطَعَامٍ مُسَمًّى».
قُلْتُ: هَذَا حَدِيْثٌ صَحِيْحٌ، وفيه النهي عن الكراء بالثلث والربع وهذا مما لا يجوز؛ لأنَّ الإجارة لا بد أن تكون بمال معلوم، وأمَّا المزارعة بذلك فلا تحرم؛ لأنَّها ليست من قبيل الإجارات بل من قبيل المشاركات، وقد سبق تحرير القول في ذلك.
قَالَ الْعَلَّامَةُ ابْنُ قُدَامَةَ ﵀ فِي [الْمُغْنِي] (١١/ ٣٤٦ - ٣٤٧):
«الثاني: أنَّ خبره ورد في الكراء بثلث أو ربع، والنزاع في المزارعة، ولم يدل حديثه عليها أصلاً» اهـ.
وأمَّا قوله: «وَلَا بِطَعَامٍ مُسَمًّى». فمحمول على الرواية الأخرى، وهو الطعام النابت على الماذيانات، وأقبال الجداول.
قَالَ الْعَلَّامَةُ الْمَاوُرْدِي ﵀ فِي [الْحَاوِي] (٧/ ١١٣٢):
«فأمَّا الجواب عما استدل به الحسن من حديثي رافع في النهي عن كراء الأرض فمحمول على ما فسره في هذا الحديث من كرائها بما على الماذيانات: لأنَّ الروايات عن رافع مختلفة» اهـ.
٥ - وفيه أنَّ الإجارة لا تجوز بأجرة غير معلومة.
* * *
стр. 5253
أَحْكَامُ الْعُمْرَى وَالرُّقْبَى.
٢٨٤ - عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ ﵄ قَالَ: «قَضَى النَّبِيُّ ﷺ بِالْعُمْرَى لِمَنْ وُهِبَتْ لَهُ».
وَفِي لَفْظٍ: «مَنْ أُعْمِرَ عُمْرَى لَهُ وَلِعَقِبِهِ. فَإِنَّهَا لِلَّذِي أُعْطِيَهَا. لا تَرْجِعُ إلَى الَّذِي أَعْطَاهَا; لأَنَّهُ أَعْطَى عَطَاءً وَقَعَتْ فِيهِ الْمَوَارِيثُ».
وَقَالَ جَابِرٌ: «إنَّمَا الْعُمْرَى الَّتِي أَجَازَهَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ، أَنْ يَقُولَ: هِيَ لَكَ وَلِعَقِبِكَ، فَأَمَّا إذَا قَالَ: هِيَ لَك مَا عِشْتَ: فَإِنَّهَا تَرْجِعُ إلَى صَاحِبِهَا».
وَفِي لَفْظٍ لِمُسْلِمٍ: «أَمْسِكُوا عَلَيْكُمْ أَمْوَالَكُمْ وَلا تُفْسِدُوهَا، فَإِنَّهُ مَنْ أَعْمَرَ عُمْرَى فَهِيَ لِلَّذِي أُعْمِرَهَا: حَيّاً، وَمَيِّتاً، وَلِعَقِبِهِ».
قَالَ الْعَلَّامَةُ الْقُرْطُبِي ﵀ فِي [الْمُفْهِم] (١٥/ ٤٤):
«العمرى في اللغة: هي أن يقول الرَّجلُ للرَّجلِ: هذه الدار لك عمرى أو عمرك. وأصلها من العمر؛ قاله أبو عبيد. وقال غيره: أعمرته الدَّار جعلتها له عمره» اهـ.
وقَالَ الْعَلَّامَةُ الْنَوَوِي ﵀ فِي [شَرْحِ مُسْلِمٍ] (٦/ ١١):
стр. 5254
«قال أصحابنا وغيرهم من العلماء: العمرى: قوله: أعمرتك هذه الدار مثلاً، أو جعلتها لك عمرك، أو حياتك، أو ما عشت، أو حييت، أو بقيت، أو ما يفيد هذا المعنى» اهـ.
قُلْتُ: والعقب هم أولاد الإنسان مهما تناسلوا.
وقوله في الرواية الثانية: «لأَنَّهُ أَعْطَى عَطَاءً وَقَعَتْ فِيهِ الْمَوَارِيثُ». مدرج من كلام أبي سلمة كما بيَّن ذلك ابن أبي ذئب، فقد روى مسلم (١٦٢٥) حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ رَافِعٍ، حَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي فُدَيْكٍ، عَنِ ابْنِ أَبِي ذِئْبٍ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، عَنْ أَبِي سَلَمَةَ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، عَنْ جَابِرٍ وَهُوَ ابْنُ عَبْدِ اللهِ، «أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَضَى فِيمَنْ أُعْمِرَ عُمْرَى لَهُ وَلِعَقِبِهِ فَهِيَ لَهُ بَتْلَةً، لَا يَجُوزُ لِلْمُعْطِي فِيهَا شَرْطٌ، وَلَا ثُنْيَا»، قَالَ أَبُو سَلَمَةَ: «لِأَنَّهُ أَعْطَى عَطَاءً وَقَعَتْ فِيهِ الْمَوَارِيثُ، فَقَطَعَتِ الْمَوَارِيثُ شَرْطَهُ» اهـ.
قَالَ الْعَلَّامَةُ ابْنُ قُدَامَةَ ﵀ فِي [الْمُغْنِي] (١٢/ ٣٣٧):
«فهذه الزيادة من كلام أبي سلمة بن عبد الرحمن، كذلك رواه ابن أبي ذئب» اهـ.
وَفِي الْحَدِيْثِ مَسَائِلُ مِنْهَا:
١ - مشروعية العمرى، ومثلها الرقبى.
قَالَ الْعَلَّامَةُ ابْنُ قُدَامَةَ ﵀ فِي [الْمُغْنِي] (١٢/ ٣٣٣):
«العمرى، والرقبى: نوعان من الهبة، يفتقران إلى ما يفتقر إليه سائر الهبات من الإيجاب والقبول والقبض، أو ما يقوم مقام ذلك عند من اعتبره.
стр. 5255
وصورة العمرى أن يقول الرجل: أعمرتك داري هذه، أو هي لك عمرى، أو ما عاشت، أو مدة حياتك، أو ما حييت، أو نحو هذا. سميت عمرى لتقييدها بالعمر.
والرقبى أن يقول: أرقبتك هذه الدار، أو هي لك حياتك، على أنَّك إن مت قبلي عادت إلي، وإن مت قبلك فهي لك ولعقبك. فكأنَّه يقول: هي لآخرنا موتاً. وبذلك سميت رقبى؛ لأنَّ كل واحد منهما يرقب موت صاحبه.
وكلاهما جائز، في قول أكثر أهل العلم، وحكي عن بعضهم أنَّها لا تصح؛ لأنَّ النَّبي ﷺ قال: "لا تعمروا ولا ترقبوا".
ولنا ما روى جابر، قال: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "العمرى جائزة لأهلها، والرقبى جائزة لأهلها". رواه أبو داود، والترمذي. وقال: حديث حسن.
فأمَّا النَّهي، فإنَّما ورد على سبيل الإعلام لهم إنَّكم إن أعمرتم، أو أرقبتم يعد للمعمر والمرقب، ولم يعد إليكم منه شيء.
وسياق الحديث يدل عليه، فإنَّه قال: "فمن أعمر عمرى، فهي لمن أعمرها حياً وميتاً وعقبه"» اهـ.
قُلْتُ: حديث النهي عن العمرى، والرقبى جاء عند وأبي داود (٣٥٥٦)، والنسائي (٣٧٣١) مِنْ طَرِيْقِ سُفْيَانَ، عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ، عَنْ عَطَاءٍ، عَنْ جَابِرٍ، أَنَّ
следующие страницы →