Полный текст (8 095 стр.). Показаны 5251–5290 · переход к 5256.
стр. 5251
«واختلف العلماء في كراء الأرض فقال طاووس، والحسن البصري: لا يجوز بكل حال سواء أكراها بطعام، أو ذهب، أو فضة، أو بجزء من زرعها لإطلاق حديث النهي عن كراء الأرض.
وقال الشافعي، وأبو حنيفة، وكثيرون: تجوز إجارتها بالذهب، والفضة، وبالطعام، والثياب، وسائر الأشياء سواء كان من جنس ما يزرع فيها أم من غيره، ولكن لا تجوز إجارتها بجزء ما يخرج منها كالثلث، والربع، وهي المخابرة.
ولا يجوز أيضاً أن يشترط له زرع قطعة معينة.
وقال ربيعة: يجوز بالذهب والفضة فقط، وقال مالك: يجوز بالذهب والفضة وغيرهما إلَّا الطعام، وقال أحمد وأبو يوسف ومحمد بن الحسن وجماعة من المالكية وآخرون: تجوز إجارتها بالذهب والفضة وتجوز المزارعة بالثلث والربع وغيرهما، وبهذا قال ابن شريح وابن خزيمة والخطابي وغيرهم من محققي أصحابنا وهو الراجح المختار» اهـ.
قُلْتُ: وحجة الإمام مالك ما رواه أحمد (١٧٥٧٤)، وأبو داود (٣٣٩٥)، وابن ماجة (٢٤٦٥) مِنْ طَرِيْقِ سَعِيدِ بِنْ أَبِي عَرُبَةَ، عَنْ يَعْلَى بْنِ حَكِيمٍ، عَنْ سُلَيْمَانَ بْنِ يَسَارٍ، أَنَّ رَافِعَ بْنَ خَدِيجٍ، قَالَ: كُنَّا نُخَابِرُ عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ، فَذَكَرَ أَنَّ بَعْضَ عُمُومَتِهِ أَتَاهُ، فَقَالَ: نَهَى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَنْ أَمْرٍ كَانَ لَنَا نَافِعًا، وَطَوَاعِيَةُ اللَّهِ وَرَسُولِهِ أَنْفَعُ لَنَا، وَأَنْفَعُ، قَالَ: قُلْنَا وَمَا ذَاكَ؟
стр. 5252
قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «مَنْ كَانَتْ لَهُ أَرْضٌ فَلْيَزْرَعْهَا، أَوْ فَلْيُزْرِعْهَا أَخَاهُ، وَلَا يُكَارِيهَا بِثُلُثٍ وَلَا بِرُبُعٍ وَلَا بِطَعَامٍ مُسَمًّى».
قُلْتُ: هَذَا حَدِيْثٌ صَحِيْحٌ، وفيه النهي عن الكراء بالثلث والربع وهذا مما لا يجوز؛ لأنَّ الإجارة لا بد أن تكون بمال معلوم، وأمَّا المزارعة بذلك فلا تحرم؛ لأنَّها ليست من قبيل الإجارات بل من قبيل المشاركات، وقد سبق تحرير القول في ذلك.
قَالَ الْعَلَّامَةُ ابْنُ قُدَامَةَ ﵀ فِي [الْمُغْنِي] (١١/ ٣٤٦ - ٣٤٧):
«الثاني: أنَّ خبره ورد في الكراء بثلث أو ربع، والنزاع في المزارعة، ولم يدل حديثه عليها أصلاً» اهـ.
وأمَّا قوله: «وَلَا بِطَعَامٍ مُسَمًّى». فمحمول على الرواية الأخرى، وهو الطعام النابت على الماذيانات، وأقبال الجداول.
قَالَ الْعَلَّامَةُ الْمَاوُرْدِي ﵀ فِي [الْحَاوِي] (٧/ ١١٣٢):
«فأمَّا الجواب عما استدل به الحسن من حديثي رافع في النهي عن كراء الأرض فمحمول على ما فسره في هذا الحديث من كرائها بما على الماذيانات: لأنَّ الروايات عن رافع مختلفة» اهـ.
٥ - وفيه أنَّ الإجارة لا تجوز بأجرة غير معلومة.
* * *
стр. 5253
أَحْكَامُ الْعُمْرَى وَالرُّقْبَى.
٢٨٤ - عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ ﵄ قَالَ: «قَضَى النَّبِيُّ ﷺ بِالْعُمْرَى لِمَنْ وُهِبَتْ لَهُ».
وَفِي لَفْظٍ: «مَنْ أُعْمِرَ عُمْرَى لَهُ وَلِعَقِبِهِ. فَإِنَّهَا لِلَّذِي أُعْطِيَهَا. لا تَرْجِعُ إلَى الَّذِي أَعْطَاهَا; لأَنَّهُ أَعْطَى عَطَاءً وَقَعَتْ فِيهِ الْمَوَارِيثُ».
وَقَالَ جَابِرٌ: «إنَّمَا الْعُمْرَى الَّتِي أَجَازَهَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ، أَنْ يَقُولَ: هِيَ لَكَ وَلِعَقِبِكَ، فَأَمَّا إذَا قَالَ: هِيَ لَك مَا عِشْتَ: فَإِنَّهَا تَرْجِعُ إلَى صَاحِبِهَا».
وَفِي لَفْظٍ لِمُسْلِمٍ: «أَمْسِكُوا عَلَيْكُمْ أَمْوَالَكُمْ وَلا تُفْسِدُوهَا، فَإِنَّهُ مَنْ أَعْمَرَ عُمْرَى فَهِيَ لِلَّذِي أُعْمِرَهَا: حَيّاً، وَمَيِّتاً، وَلِعَقِبِهِ».
قَالَ الْعَلَّامَةُ الْقُرْطُبِي ﵀ فِي [الْمُفْهِم] (١٥/ ٤٤):
«العمرى في اللغة: هي أن يقول الرَّجلُ للرَّجلِ: هذه الدار لك عمرى أو عمرك. وأصلها من العمر؛ قاله أبو عبيد. وقال غيره: أعمرته الدَّار جعلتها له عمره» اهـ.
وقَالَ الْعَلَّامَةُ الْنَوَوِي ﵀ فِي [شَرْحِ مُسْلِمٍ] (٦/ ١١):
стр. 5254
«قال أصحابنا وغيرهم من العلماء: العمرى: قوله: أعمرتك هذه الدار مثلاً، أو جعلتها لك عمرك، أو حياتك، أو ما عشت، أو حييت، أو بقيت، أو ما يفيد هذا المعنى» اهـ.
قُلْتُ: والعقب هم أولاد الإنسان مهما تناسلوا.
وقوله في الرواية الثانية: «لأَنَّهُ أَعْطَى عَطَاءً وَقَعَتْ فِيهِ الْمَوَارِيثُ». مدرج من كلام أبي سلمة كما بيَّن ذلك ابن أبي ذئب، فقد روى مسلم (١٦٢٥) حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ رَافِعٍ، حَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي فُدَيْكٍ، عَنِ ابْنِ أَبِي ذِئْبٍ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، عَنْ أَبِي سَلَمَةَ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، عَنْ جَابِرٍ وَهُوَ ابْنُ عَبْدِ اللهِ، «أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَضَى فِيمَنْ أُعْمِرَ عُمْرَى لَهُ وَلِعَقِبِهِ فَهِيَ لَهُ بَتْلَةً، لَا يَجُوزُ لِلْمُعْطِي فِيهَا شَرْطٌ، وَلَا ثُنْيَا»، قَالَ أَبُو سَلَمَةَ: «لِأَنَّهُ أَعْطَى عَطَاءً وَقَعَتْ فِيهِ الْمَوَارِيثُ، فَقَطَعَتِ الْمَوَارِيثُ شَرْطَهُ» اهـ.
قَالَ الْعَلَّامَةُ ابْنُ قُدَامَةَ ﵀ فِي [الْمُغْنِي] (١٢/ ٣٣٧):
«فهذه الزيادة من كلام أبي سلمة بن عبد الرحمن، كذلك رواه ابن أبي ذئب» اهـ.
وَفِي الْحَدِيْثِ مَسَائِلُ مِنْهَا:
١ - مشروعية العمرى، ومثلها الرقبى.
قَالَ الْعَلَّامَةُ ابْنُ قُدَامَةَ ﵀ فِي [الْمُغْنِي] (١٢/ ٣٣٣):
«العمرى، والرقبى: نوعان من الهبة، يفتقران إلى ما يفتقر إليه سائر الهبات من الإيجاب والقبول والقبض، أو ما يقوم مقام ذلك عند من اعتبره.
стр. 5255
وصورة العمرى أن يقول الرجل: أعمرتك داري هذه، أو هي لك عمرى، أو ما عاشت، أو مدة حياتك، أو ما حييت، أو نحو هذا. سميت عمرى لتقييدها بالعمر.
والرقبى أن يقول: أرقبتك هذه الدار، أو هي لك حياتك، على أنَّك إن مت قبلي عادت إلي، وإن مت قبلك فهي لك ولعقبك. فكأنَّه يقول: هي لآخرنا موتاً. وبذلك سميت رقبى؛ لأنَّ كل واحد منهما يرقب موت صاحبه.
وكلاهما جائز، في قول أكثر أهل العلم، وحكي عن بعضهم أنَّها لا تصح؛ لأنَّ النَّبي ﷺ قال: "لا تعمروا ولا ترقبوا".
ولنا ما روى جابر، قال: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "العمرى جائزة لأهلها، والرقبى جائزة لأهلها". رواه أبو داود، والترمذي. وقال: حديث حسن.
فأمَّا النَّهي، فإنَّما ورد على سبيل الإعلام لهم إنَّكم إن أعمرتم، أو أرقبتم يعد للمعمر والمرقب، ولم يعد إليكم منه شيء.
وسياق الحديث يدل عليه، فإنَّه قال: "فمن أعمر عمرى، فهي لمن أعمرها حياً وميتاً وعقبه"» اهـ.
قُلْتُ: حديث النهي عن العمرى، والرقبى جاء عند وأبي داود (٣٥٥٦)، والنسائي (٣٧٣١) مِنْ طَرِيْقِ سُفْيَانَ، عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ، عَنْ عَطَاءٍ، عَنْ جَابِرٍ، أَنَّ
стр. 5256
النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: «لَا تُرْقِبُوا وَلَا تُعْمِرُوا فَمَنْ أُرْقِبَ شَيْئًا أَوْ أُعْمِرَهُ فَهُوَ لِوَرَثَتِهِ».
قُلْتُ: هَذَا حَدِيْثٌ صَحِيْحٌ.
وقد جاء في إباحة العمرى ما رواه البخاري (٢٦٢٦)، ومسلم (١٦٢٦) عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «العُمْرَى جَائِزَةٌ».
وما رواه مسلم (١٦٢٥) عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللهِ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «الْعُمْرَى جَائِزَةٌ».
بهذا يتبين أنَّ قول النبي ﷺ في الحديث: «أَمْسِكُوا عَلَيْكُمْ أَمْوَالَكُمْ، وَلَا تُفْسِدُوهَا». ليس للوجوب.
قَالَ الْعَلَّامَةُ الْقُرْطُبِي ﵀ فِي [الْمُفْهِم] (١٥/ ٤٨):
«وأمَّا قوله: "أمسكوا عليكم أموالكم، ولا تفسدوها"؛ فإنَّه من باب الإرشاد إلى الأصلح» اهـ.
وقَالَ الْعَلَّامَةُ الْنَوَوِي ﵀ فِي [شَرْحِ مُسْلِمٍ] (٦/ ١٢):
«المراد به إعلامهم أنَّ العمرى هبة صحيحة ماضية، يملكها الموهوب له ملكاً تاماً لا يعود إلى الواهب أبداً، فإذا علموا ذلك فمن شاء أعمر ودخل على بصيرة، ومن شاء ترك؛ لأنَّهم كانوا يتوهمون أنَّها كالعارية، ويرجع فيها» اهـ.
قُلْتُ: المنع من العمرى يحكى عن داود الظاهري، وبعض أهل الحديث. وفي الرقبى نزاع، والصحيح جوازها.
стр. 5257
قَالَ الْعَلَّامَةُ ابْنُ قُدَامَةَ ﵀ فِي [الْمُغْنِي] (١٢/ ٣٣٧ - ٣٣٨):
«والحكم فيها على ما تقدم ذكره، وأنَّها كالعمرى إذا شرط عودها إلى المعمر.
وقال علي ﵁: العمرى والرقبى سواء.
وقال طاووس: من أرقب شيئاً فهو على سبيل الميراث. وقال الزهري: الرقبى وصية. يعني أنَّ معناها إذا مت فهذا لك.
وقال الحسن، ومالك، وأبو حنيفة: الرقبى باطلة؛ لما روي أنَّ النَّبي ﷺ أجاز العمرى، وأبطل الرقبى.
ولأنَّ معناها أنَّها للآخر منَّا، وهذا تمليك معلق بخطر، ولا يجوز تعليق التمليك بالخطر.
ولنا ما رويناه من الأخبار، وحديثهم لا نعرفه، ولا نسلم أنَّ معناها ما ذكروه، بل معناها أنَّها لك حياتك، فإن مت رجعت إلي فتكون كالعمرى سواء، إلَّا أنَّه زاد شرطها لورثة المرقب، إن مات المرقب قبله، وهذا يبين تأكيدها على العمرى» اهـ.
٢ - الرواية الأولى، والثانية، والأخيرة تدل على أنَّ العمرى لمن وهبت له لا ترجع إلى الذي أعطاها.
قَالَ الْعَلَّامَةُ ابْنُ بَطَّالٍ ﵀ في [شَرْحِ الْبُخَارِي] (٧/ ١٤٢ - ١٤٣):
«اختلف العلماء في العمرى، فقال مالك: إذا قال: أعمرتك داري أو ضيعتي، فإنَّه قد وهب له الانتفاع بذلك مدة حياته، فإذا مات رجعت الرقبة إلى المالك وهو
стр. 5258
المعمر، وإذا قال: قد أعمرتك وعقبك، فإنَّه قد وهب له ولعقبه الانتفاع ما بقى منهم إنسان، فإذا انقضوا رجعت الرقبة إلى المالك المعمر؛ لأنَّه وهب له المنفعة، ولم يهب له الرقبة. وروى مثله عن القاسم بن محمد، ويزيد بن قسيط، وهو أحد قولي الشافعي.
وقال الكوفيون، والشافعي في أحد قوليه، وأحمد بن حنبل: العمرى تصير ملكًا للمعمر ولورثته، ولا تعود ملكًا إلى المعطى أبدًا» اهـ.
وقَالَ الْعَلَّامَةُ الْنَوَوِي ﵀ فِي [شَرْحِ مُسْلِمٍ] (٦/ ١١):
«قال أصحابنا: العمرى ثلاثة أحوال:
أحدها: أن يقول: أعمرتك هذه الدار، فإذا مت فهي لورثتك أو لعقبك، فتصح بلا خلاف ويملك بهذا اللفظ رقبة الدار وهي هبة، لكنها بعبارة طويلة، فإذا مات فالدار لورثته، فإن لم يكن له وارث فلبيت المال، ولا تعود إلى الواهب بحال، خلافاً لمالك.
الثاني: أن يقتصر على قوله: جعلتها لك عمرك، ولا يتعرض لما سواه، ففي صحة هذا العقد قولان للشافعي: أصحهما - وهو الجديد - صحته، وله حكم الحال الأول. والثاني - وهو القديم -: أنَّه باطل، وقال بعض أصحابنا: إنَّما القول القديم أنَّ الدار تكون للمعمر حياته، فإذا مات عادت إلى الواهب أو ورثته؛ لأنَّه خصه بها حياته فقط، وقال بعضهم: القديم أنَّها عارية يستردها الواهب متى شاء، فإذا مات عادت إلى ورثته.
стр. 5259
الثالث: أن يقول: جعلتها لك عمرك، فإذا مت عادت إليَّ، أو إلى ورثتي إن كنت مت، ففي صحته خلاف عند أصحابنا منهم من أبطله، والأصح عندهم صحته، ويكون له حكم الحال الأول، واعتمدوا على الأحاديث الصحيحة المطلقة: "العمرى جائزة" وعدلوا به عن قياس الشروط الفاسدة، والأصح: الصحة في جميع الأحوال، وأنَّ الموهوب له يملكها ملكاً تاماً يتصرف فيها بالبيع وغيره من التصرفات. هذا مذهبنا، وقال أحمد: تصح العمرى المطلقة دون المؤقتة. وقال مالك في أشهر الروايات عنه: العمرى في جميع الأحوال تمليك لمنافع الدار مثلاً، ولا يملك فيها رقبة الدار بحال. وقال أبو حنيفة بالصحة كنحو مذهبنا. وبه قال الثوري والحسن بن صالح وأبو عبيدة، وحجة الشافعي وموافقيه هذه الأحاديث الصحيحة، والله أعلم» اهـ.
قُلْتُ: الصحيح أنَّ العمرى والرقبى لمن وهبت له مطلقاً، وهذا هو الذي تدل عليه عموم الأحاديث.
٣ - وفي الرواية الثالثة التفريق بين قول الرجل: هي لك ولعقبك، فلا ترجع إلى الواهب، وبين ما إذا قال: هي لك ما عشت فإنَّها ترجع إلى صاحبها، وتكون حينئذٍ من باب العارية.
قَالَ الْعَلَّامَةُ ابْنُ قُدَامَةَ ﵀ فِي [الْمُغْنِي] (١٢/ ٣٣٥):
стр. 5260
«فإن شرط أنَّك إذا مت فهي لي. فعن أحمد روايتان؛ إحداهما، صحة العقد والشرط، ومتى مات المعمر رجعت إلى المعمر. وبه قال القاسم بن محمد، وزيد بن قسيط، والزهري، ومالك، وأبو سلمة بن عبد الرحمن، وابن أبي ذئب، وأبو ثور، وداود، وهو أحد قولي الشافعي».
إِلَى أَنْ قَالَ ﵀ (١٢/ ٣٣٦): «والرواية الثانية، أنَّها تكون للمعمر ولورثته، ويسقط الشرط. وهذا قول الشافعي الجديد، وقول أبي حنيفة. وهو ظاهر المذهب. نص عليه أحمد، في رواية أبي طالب؛ للأحاديث المطلقة التي ذكرناها، وقول رسول الله ﷺ : "لا رقبى، فمن أرقب شيئاً، فهو له في حياته وموته"» اهـ.
قُلْتُ: وهذا هو الصحيح.
وَقَالَ الْحِافِظُ ابْنُ حَجَرٍ ﵀ فِي [فَتْحِ الْبَارِي] (٥/ ٢٣٩):
«ثانيها: أن يقول: هي لك ما عشت فإذا مت رجعت إلي فهذه عارية مؤقتة وهي صحيحة، فإذا مات رجعت إلى الذي أعطى، وقد بينت هذه والتي قبلها رواية الزهري، وبه قال أكثر العلماء، ورجحه جماعة من الشافعية، والأصح عند أكثرهم لا ترجع إلى الواهب، واحتجوا بأنَّه شرط فاسد فلغي» اهـ.
قُلْتُ: وقد صحح هذا الشرط شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀، فقد قَالَ الْعَلَّامَةُ الْمَرْدَاوِي ﵀ فِي [الْإِنْصَافِ] (٧/ ١٠٢): «قوله: "وإن شرط رجوعها إلى
стр. 5261
المعمر - بكسر الميم - عند موته أو قال هي لآخرنا موتاً صح الشرط". هذا إحدى الروايتين، اختاره الشيخ تقي الدين ﵀» اهـ.
وَقَالَ شَيْخُ الْإِسْلَامِ ابْنُ تَيْمِيَّةَ ﵀ كَمَا فِي [الْفَتَاوَى الْكُبْرَى] (٥/ ٤٣٥):
«وَتَصِحُّ الْعُمْرَى وَيَكُونُ لِلْمُعَمِّرِ وَلِوَرَثَتِهِ إلَّا أَنْ يَشْتَرِطَ الْمُعَمِّرُ عَوْدَهَا إلَيْهِ فَيَصِحُّ الشَّرْطُ - وَهُوَ بِقَوْلِ طَائِفَةٍ مِنْ الْعُلَمَاءِ وَرِوَايَةٌ عَنْ أَحْمَدَ» اهـ.
لَكِنْ قَالَ الْعَلَّامَةُ الْقُرْطُبِي ﵀ فِي [الْمُفْهِم] (١٥/ ٤٧):
«غير أنَّ كلام النبي ﷺ انتهى عند قوله: "هي لك ولعقبك"، وما بعده من كلام الزهري، على ما قاله محمد بن يحيى الذهلي. وهو مما انفرد به عن الزهري. وخالفه في ذلك سائر من رواه عن الزهري من الأئمة الحفاظ، كالليث، ومالك، وابن أخي الزهري، وابن أبي ذئب. ولم يذكروا ذلك» اهـ.
قُلْتُ: يريد أنَّ معمراً انفرد به عن الزهري، وخالفه كل من روى الحديث عن الزهري، فلم يذكروا هذه الجملة في حديث جابر.
وقد ذكر الْعَلَّامَةُ الطَّحَاوِيُّ أنَّ الوهم من عبد الرزاق فقال ﵀ في [شَرْحِ مُشْكِلِ الْآثَارِ] (١٤/ ٧٠):
«وكان هذا الحديث عند مخالفيهم، إنَّما يدل على كلام الزهري، فغلظ فيه عبد الرزاق، فجعله عن معمر، عن الزهري، عن أبي سلمة، عن جابر بذلك الكلام،
стр. 5262
والدليل عليه: أنَّ من هو أحفظ من عبد الرزاق - وهو ابن المبارك - قد رواه عن معمر بخلاف ذلك» اهـ.
ثم ذكر رواية ابن المبارك بإسناده.
وَأَجَابَ الْعَلَّامَةُ ابْنُ قُدَامَةَ ﵀ فِي [الْمُغْنِي] (١٢/ ٣٣٦) فَقَالَ:
«وأمَّا حديثهم الذي احتجوا به، فمن قول جابر نفسه، وأمَّا نقل لفظ النبي ﷺ قال: "أمسكوا عليكم أموالكم، ولا تفسدوها، فإنَّه من أعمر عمرى فهي للذي أعمرها حياً وميتاً، ولعقبه".
ولأنَّا لو أجزنا هذا الشرط، كانت هبة مؤقتة، والهبة لا يجوز فيها التأقيت» اهـ.
٤ - وظاهر السنة أنَّ العمرى تقتضي تمليك الرقبة، وليس مجرد المنفعة، وخالف في ذلك الإمام مالك ﵀.
قَالَ الْحَافِظُ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِ ﵀ فِي [التَّمْهِيْدِ] (٧/ ١١٤ - ١١٥):
«وقال مالك: الأمر عندنا أنَّ العمرى ترجع إلى الذي أعمرها إذا لم يقل لك ولعقبك إذا مات المعمر، وكذلك إذا قال: هي لك ولعقبك ترجع إلى صاحبها أيضاً بعد انقراض عقب المعمر؛ لأنَّه على شرطه في عقب المعمر، كما هو على شرطه في المعمر ورقبتها عند مالك وأصحابه على ملك صاحبها أبداً ترجع إليه إن كان حياً، أو إلى ورثته بعده، وضمانها منهم، ولا يملك بلفظ العمرى والأعمار عند مالك رقبة شيء من العطايا، وإنَّما ذلك عنده كلفظ السكنى والإسكان سواء لا يملك بذلك إلَّا المنافع دون الرقاب، وهي ألفاظ عندهم لا يملك بها الرقاب
стр. 5263
وإنَّما يملك بها المنافع منها العمري، والسكنى، والعارية، والإطراق، والمنحة، والأحبال، والأفقار، وما كان مثلها.
قال أبو إسحاق الحربي: سمعت ابن الأعرابي يقول: لم تختلف العرب في أنَّ هذه الأسماء على ملك أربابها ومنافعها لمن جعلت له العمري، والرقبى، والأفقار، والأحبال، والعرية، والسكنى، والإطراق.
ومما احتج به أصحاب مالك فيما ذهبوا إليه من رد حديث جابر هذا بأن قالوا: هو حديث منسوخ ولم يصحبه العمل. وقال بعضهم: لعل حامله وهم. ومثل هذا من القول لا يعترض به الأحاديث الثابتة عند أحد من العلماء إلَّا بأن يتبين النسخ بما لا مدفع فيه» اهـ.
قُلْتُ: قول جابر: «قَضَى النَّبِيُّ ﷺ بِالعُمْرَى، أَنَّهَا لِمَنْ وُهِبَتْ لَهُ». ظاهر في تمليك الرقبة؛ ولهذا قَالَ الْحَافِظُ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِ ﵀ فِي [التَّمْهِيْدِ] (٧/ ١١٧):
«فجعلها هبة، والفائدة في هذا الخطاب في تملكه الرقبة؛ لأنَّ المنافع أوضح من أن يحتاج إلى أن تعرف لمن هي في ذلك. والله أعلم» اهـ.
وهكذا سائر ألفاظ الحديث ظاهرة في ذلك، والله أعلم.
стр. 5264
وَقَالَ الْعَلَّامَةُ الْخَطَّابِي ﵀ فِي [مَعَالِمِ الْسُّنَنِ] (٣/ ١٧٥) - عند شرحه لقول النبي ﷺ : «أَيُّمَا رَجُلٍ أُعْمِرَ عُمْرَى لَهُ وَلِعَقِبِهِ، فَإِنَّهَا لِلَّذِي أُعْطِيَهَا، لَا تَرْجِعُ إِلَى الَّذِي أَعْطَاهَا، لِأَنَّهُ أَعْطَى عَطَاءً وَقَعَتْ فِيهِ الْمَوَارِيثُ». -:
«لا عذر لمالك بعد هذا والله أعلم» اهـ.
وَقَدْ أَجَابَ الْعَلَّامَةُ ابْنُ قُدَامَةَ ﵀ عن كلام ابن الأعرابي فَقَالَ فِي [الْمُغْنِي] (١٢/ ٣٣٥): «وقول ابن الأعرابي: إنَّها عند العرب تمليك المنافع.
لا يضر إذا نقلها الشرع إلى تمليك الرقبة، كما نقل الصلاة من الدعاء إلى الأفعال المنظومة، ونقل الظهار والإيلاء من الطلاق إلى أحكام مخصوصة.
قولهم: إنَّ التمليك لا يتأقت.
قلنا: فلذلك أبطل الشرع تأقيتها، وجعلها تمليكاً مطلقاً» اهـ.
٥ - ولا يدخل في الحديث ما إذا وقَّت الهبة إلى زمن دون العمر؛ لأنَّ الهبة تمليك، والتمليك لا يجوز تأقيته بما دون العمر، فأمَّا تأقيته بالعمر فلا يضر؛ فإنَّ ملك الإنسان لا يتجاوز عمره. فإذا وقتها بدون العمر فهي هبة باطلة، ولا يصح أن يقال بصحتها مع فساد الشرط كالعمرى المقيدة بالعمر، وذلك أنَّ شرط الرجوع في العمرى راجع إلى غير المعمر له، وإنَّما ذلك راجع إلى الورثة من بعده، وهذا شرط على غير الموهوب له، فلهذا لم يصح.
قَالَ الْعَلَّامَةُ ابْنُ قُدَامَةَ ﵀ فِي [الْمُغْنِي] (١٢/ ٣٣٨):
стр. 5265
«فصل: وإن وقت الهبة إلى غير العمرى والرقبى، فقال: وهبتك هذا لسنة، أو إلى أن يقدم الحاج، أو إلى أن يبلغ ولدي، أو مدة حياة فلان. ونحو هذا لم يصح لأنَّها تمليك للرقبة، فلم تصح مؤقتة، كالبيع، وتفارق العمرى والرقبى؛ لأنَّ الإنسان إنَّما يملك الشيء عمره، فإذا ملكه عمره فقد وقته بما هو مؤقت به في الحقيقة، فصار ذلك كالمطلق.
وإن شرط رجوعها إليه بعد ذلك، كان شرطاً على غير الموهوب له، بخلاف غيره» اهـ.
٦ - ولا يدخل في العمرى ما إذا قال: أسكنتك هذه الدار مدة حياتك، بل هي في هذه الصورة عارية مُؤَدَّاةٌ.
قَالَ الْعَلَّامَةُ ابْنُ قُدَامَةَ ﵀ فِي [الْمُغْنِي] (١٢/ ٣٣٩):
«مسألة قال: "وإن قال: سكناها لك عمرك. كان له أخذها أي وقت أحب؛ لأنَّ السكنى ليست كالعمرى والرقبى". أمَّا إذا قال: سكنى هذه الدار لك عمرك، أو اسكنها عمرك. أو نحو ذلك، فليس ذلك بعقد لازم؛ لأنَّه في التحقيق هبة المنافع، والمنافع إنَّما تستوفى بمضي الزمان شيئاً فشيئاً، فلا تلزم إلَّا في قدر ما قبضه منها واستوفاه بالسكنى.
стр. 5266
وللمسكن الرجوع متى شاء، وأيهما مات بطلت الإباحة، وبهذا قال أكثر العلماء، وجماعة أهل الفتوى، منهم؛ الشعبي، والنخعي، والثوري، والشافعي، وإسحاق، وأصحاب الرأي. وروي معنى ذلك عن حفصة.
وقال الحسن، وعطاء، وقتادة: هي كالعمرى، تكون له ولعقبه؛ لأنَّها في معنى العمرى، فيثبت فيها مثل حكمها.
وحكي عن الشعبي أنَّه إذا قال: هي لك، اسكن حتى تموت. فهي له حياته وموته.
وإن قال: داري هذه اسكنها حتى تموت. فإنَّها ترجع إلى صاحبها؛ لأنَّه إذا قال: هي لك. فقد جعل له رقبتها، فتكون عمرى. فإذا قال: اسكن داري هذه. فإنَّما جعل له نفعها دون رقبتها، فتكون عارية.
ولنا أنَّ هذا إباحة المنافع، فلم يقع لازماً كالعارية. وفارق العمرى فإنَّها هبة للرقبة.
فأمَّا إذا قال: هذه لك، اسكنها حتى تموت. فإنَّه يحتمل لك سكناها حتى تموت. وتفسيرها بذلك دليل على أنَّه أراد السكنى، فأشبه ما لو قال: هذه لك سكناها.
وإذا احتمل أن يريد به الرقبة، واحتمل أن يريد السكنى، فلا نزيل ملكه بالاحتمال» اهـ.
* * *
стр. 5267
حُقُوْقُ الْجِيْرَانِ.
٢٨٥ - عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: «لَا يَمْنَعَنَّ جَارٌ جَارَهُ أَنْ يَغْرِزَ خَشَبَهُ فِي جِدَارِهِ».
ثُمَّ يَقُولُ أَبُو هُرَيْرَةَ: «مَا لِي أَرَاكُمْ عَنْهَا مُعْرِضِينَ، وَاللَّهِ لَأَرْمِيَنَّ بِهَا بَيْنَ أَكْتَافِكُمْ».
قَالَ الْحِافِظُ ابْنُ حَجَرٍ ﵀ فِي [فَتْحِ الْبَارِي] (٥/ ١١٠):
«كذا لأبي ذر بالتنوين على إفراد الخشبة ولغيره بصيغة الجمع» اهـ.
وقول أبي هريرة: «وَاللَّهِ لَأَرْمِيَنَّ بِهَا بَيْنَ أَكْتَافِكُمْ».
قَالَ الْعَلَّامَةُ الْنَوَوِي ﵀ فِي [شَرْحِ مُسْلِمٍ] (١١/ ٤٧):
«وقوله: "بين أكتافكم" هو بالتاء المثناة فوق أي بينكم. قال القاضي: قد رواه بعض رواة الموطأ "أكنافكم" بالنون ومعناه أيضاً بينكم والكنف الجانب، ومعنى الأول أنِّي أصرح بها بينكم وأوجعكم بالتقريع بها كما يضرب الإنسان بالشيء بين كتفيه» اهـ.
وَقَالَ الْحِافِظُ ابْنُ حَجَرٍ ﵀ فِي [فَتْحِ الْبَارِي] (٥/ ١١١):
«قوله: "لأرمينها" في رواية أبي داود: "لألقينها" أي: لأشيعنَّ هذه المقالة فيكم، ولأقرعنكم بها كما يضرب الإنسان بالشيء بين كتفيه ليستيقظ من غفلته.
стр. 5268
قوله: "بين أكتافكم". قال ابن عبد البر: رويناه في الموطأ بالمثناة وبالنون والأكناف بالنون جمع كنف بفتحها وهو الجانب.
قال الخطابي: معناه إن لم تقبلوا هذا الحكم وتعملوا به راضين لأجعلنَّها أي الخشبة على رقابكم كارهين.
قال: وأراد بذلك المبالغة وبهذا التأويل جزم إمام الحرمين تبعاً لغيره. وقال: إنَّ ذلك وقع من أبي هريرة حين كان يلي إمرة المدينة، وقد وقع عند ابن عبد البر من وجه آخر: "لأرمين بها بين أعينكم وإن كرهتم" وهذا يرجح التأويل المتقدم» اهـ.
قُلْتُ: هذه الرواية ذكرها الْحَافِظُ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِ ﵀ فِي [التَّمْهِيْدِ] (١٠/ ٢٢٩) فَقَالَ: «قَالَ أَسَدٌ وَحَدَّثَنَا قَيْسُ بْنُ الرَّبِيعِ عَنْ مَنْصُورِ بْنِ دِينَارٍ عن أبي عكرمة المخرومي عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: "لَا يَحِلُّ لِامْرِئٍ مُسْلِمٍ أَنْ يَمْنَعَ جَارَهُ خَشَبَاتٍ يَضَعُهَا عَلَى جِدَارِهِ" ثُمَّ يَقُولُ أَبُو هُرَيْرَةَ لَأَضْرِبَنَّ بِهَا بَيْنَ أَعْيُنِكُمْ وَإِنْ كَرِهْتُمْ» اهـ.
قُلْتُ: أسندها الطحاوي في [شَرْحِ مُشْكِلِ الْآثَارِ] (٢٤٢٢) حَدَّثَنَا الرَّبِيعُ، قَالَ: حَدَّثَنَا أَسَدٌ، قَالَ: حَدَّثَنَا قَيْسُ بْنُ الرَّبِيعِ، عَنْ مَنْصُورِ بْنِ دِينَارٍ، عَنْ أَبِي عِكْرِمَةَ الْمَخْزُومِيِّ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : «لَا يَحِلُّ لِامْرِئٍ مُسْلِمٍ أَنْ يَمْنَعَ جَارَهُ خَشَبَاتِهِ يَضَعُهَا عَلَى جِدَارِهِ».
ثُمَّ يَقُولُ أَبُو هُرَيْرَةَ: «لَأَضْرِبَنَّ بِهَا بَيْنَ أَعْيُنِكُمْ وَإِنْ كَرِهْتُمْ».
стр. 5269
قُلْتُ: الربيع هو ابن سليمان المرادي، وأسد هو ابن موسى، وقيس بن الربيع الأسدي ضعيف، ومنصور بن دينار هو التميمي ضعيف أيضاً، وأبو عكرمة مجهول فلا تصح هذه الرواية.
وَفِي الْحَدِيْثِ مَسَائِلُ مِنْهَا:
١ - تحريم منع الجار لجاره من أن يغرز خشبة في جداره إذا احتاج إلى ذلك ولم يكن في ذلك ضرر عليه.
قَالَ الْحِافِظُ ابْنُ حَجَرٍ ﵀ فِي [فَتْحِ الْبَارِي] (٥/ ١١٠ - ١١١):
«استدل به على أنَّ الجدار إذا كان لواحد وله جار فأراد أن يضع جذعه عليه جاز سواء أذن المالك أم لا فإن امتنع أجبر، وبه قال أحمد، وإسحاق، وغيرهما من أهل الحديث، وابن حبيب من المالكية، والشافعي في "القديم"، وعنه في "الجديد" قولان: أشهرهما اشتراط إذن المالك، فإن أمتنع لم يجبر، وهو قول الحنفية، وحملوا الأمر في الحديث على الندب والنهي على التنزيه جمعاً بينه وبين الأحاديث الدالة على تحريم مال المسلم إلَّا برضاه، وفيه نظر كما سيأتي، وجزم الترمذي وابن عبد البر عن الشافعي بالقول "القديم" وهو نصه في "البويطي".
قال البيهقي: لم نجد في السنن الصحيحة ما يعارض هذا الحكم إلَّا عمومات لا يستنكر أن نخصها وقد حمله الراوي على ظاهره وهو أعلم بالمراد بما حدث به. يشير إلى قول أبي هريرة ما لي أراكم عنها معرضين» اهـ.
стр. 5270
قُلْتُ: ومذهب الإمام مالك اشتراط الإذن.
قَالَ الْعَلَّامَةُ ابْنُ بَطَّالٍ ﵀ فِي [شَرْحِ الْبُخَارِي] (٦/ ٥٨٦):
«وذهب مالك والكوفيون إلى أنَّه لا يغرز خشبة في حائط أحد إلَّا بإذن صاحب الحائط» اهـ.
وَقَالَ الْعَلَّامَةُ ابْنُ دَقِيْقِ الْعِيْدِ ﵀ فِي [إِحْكَامِ الْأَحْكَامِ] (ص: ٣٨١):
«وفي قوله: "ما لي أراكم عنها معرضين"؟ إلى آخره ما يشعر بالوجوب لقوله: "والله لأرمين بها بين أكتافكم". وهذا يقتضي التشديد والخوف والكراهة لهم» اهـ.
قُلْتُ: مذهب أحمد، وإسحاق، وغيرهما هو الصحيح لظاهر الحديث، وأمَّا ما احتج به المانعون من الأدلة فإنَّها أدلة عامة، ودليل المانعين من قبيل الخاص، وهو مقدم على العام، ومخصص له.
وقد تأول بعضهم هذا الحديث تأويلاً بعيداً فقَالَ الْحِافِظُ ابْنُ حَجَرٍ ﵀ فِي [فَتْحِ الْبَارِي] (٥/ ١١١): «ومنهم من حمل الضمير في جداره على صاحب الجذع أي: لا يمنعه أن يضع جذعه على جدار نفسه ولو تضرر به من جهة منع الضوء مثلاً، ولا يخفى بعده» اهـ.
قُلْتُ: وحجته في ذلك رجوع الضمير إلى أقرب مذكور.
٢ - ويلحق بذلك كل ما فيه منفعة للجار، ولا يتضرر من ذلك المالك.
стр. 5271
وقد روى مالك في [الْمُوَطَّأِ] (١٤٣١) عَنْ عَمْرِو بْنِ يَحْيَى الْمَازِنِيِّ، عَنْ أَبِيهِ أَنَّ «الضَّحَّاكَ بْنَ خَلِيفَةَ سَاقَ خَلِيجًا لَهُ مِنَ الْعُرَيْضِ، فَأَرَادَ أَنْ يَمُرَّ بِهِ فِي أَرْضِ مُحَمَّدِ بْنِ مَسْلَمَةَ، فَأَبَى مُحَمَّدٌ، فَقَالَ لَهُ الضَّحَّاكُ: لِمَ تَمْنَعُنِي، وَهُوَ لَكَ مَنْفَعَةٌ تَشْرَبُ بِهِ أَوَّلًا وَآخِرًا، وَلَا يَضُرُّكَ، فَأَبَى مُحَمَّدٌ، فَكَلَّمَ فِيهِ الضَّحَّاكُ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ فَدَعَا عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ مُحَمَّدَ بْنَ مَسْلَمَةَ فَأَمَرَهُ أَنْ يُخَلِّيَ سَبِيلَهُ، فَقَالَ مُحَمَّدٌ: لَا، فَقَالَ عُمَرُ: "لِمَ تَمْنَعُ أَخَاكَ مَا يَنْفَعُهُ، وَهُوَ لَكَ نَافِعٌ، تَسْقِي بِهِ أَوَّلًا وَآخِرًا، وَهُوَ لَا يَضُرُّكَ"، فَقَالَ مُحَمَّدٌ: لَا وَاللَّهِ. فَقَالَ عُمَرُ: "وَاللَّهِ لَيَمُرَّنَّ بِهِ، وَلَوْ عَلَى بَطْنِكَ"، فَأَمَرَهُ عُمَرُ أَنْ يَمُرَّ بِهِ، فَفَعَلَ الضَّحَّاكُ».
قُلْتُ: هَذَا إِسْنَادٌ مُنْقَطِعٌ بين يحيى المازني وعمر.
قَالَ الْحِافِظُ الْبَيْهَقِيُّ ﵀ فِي [الْكُبْرَى] (٦/ ١٥٧): «هذا مرسل» اهـ.
وَقَالَ الْعَلَّامَةُ ابْنُ قُدَامَةَ ﵀ فِي [الْمُغْنِي] (٩/ ٤٦٤):
«فصل: وإذا أراد أن يجري ماء في أرض غيره لغير ضرورة، لم يجز إلَّا بإذنه، وإن كان لضرورة، مثل أن يكون له أرض للزراعة، لها ماء لا طريق له إلَّا أرض جاره، فهل له ذلك؟ على روايتين، إحداهما، لا يجوز؛ لأنَّه تصرف في أرض غيره بغير إذنه، فلم يجز، كما لو لم تدع إليه ضرورة، ولأنَّ مثل هذه الحاجة لا تبيح مال غيره، بدليل أنَّه لا يباح له الزرع في أرض غيره، ولا البناء فيها، ولا الانتفاع بشيء من منافعها المحرمة عليه قبل هذه الحاجة. والأخرى يجوز» اهـ.
стр. 5272
قَالَ شَيْخُ الْإِسْلَامِ ابْنُ تَيْمِيَّةَ ﵀ كَمَا فِي [الْفَتَاوَى الْكُبْرَى] (٥/ ٣٩٧):
«وَإِذَا كَانَ الْجِدَارُ مُخْتَصًّا بِشَخْصٍ لَمْ يَكُنْ لَهُ أَنْ يَمْنَعَ جَارَهُ مِنْ الِانْتِفَاعِ بِمَا يَحْتَاجُ إلَيْهِ الْجَارُ، وَلَا يَضُرُّ بِصَاحِبِ الْجِدَارِ، وَيَجِبُ عَلَى الْجَارِ تَمْكِينُ جَارِهِ مِنْ إجْرَاءِ مَائِهِ فِي أَرْضِهِ إذَا احْتَاجَ إلَى ذَلِكَ، وَلَمْ يَكُنْ عَلَى صَاحِبِ الْأَرْضِ ضَرَرٌ فِي أَصَحِّ الْقَوْلَيْنِ فِي مَذْهَبِ أَحْمَدَ، وَحَكَمَ بِهِ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ ﵁،» اهـ.
قُلْتُ: والصحيح الجواز إذا لم يكن هنالك ضرر على صاحب الأرض، ومثل ذلك في هذه الأيام ما إذا احتاج الجار أن يمر قصبة ماءه في أرض جاره، فإنَّه لا يجوز له منعه من ذلك من غير ضرر عليه.
قَالَ الْحَافِظُ ابْنُ رَجَبٍ ﵀ فِي [جَامِعِ الْعُلُوْمِ] (ص: ٣٠٨):
«وفي الإجبار على ذلك روايتان عن الإمام أحمد، ومذهب أبي ثور الإجبار على إجراء الماء في أرض جاره إذا أجراه في قناة في باطن أرضه» اهـ.
٣ - وألحق بعض العلماء في ذلك المسجد، ونحوه من الأوقاف.
وَقَالَ الْعَلَّامَةُ الْمَرْدَاوِي ﵀ فِي [تَصْحِيْحِ الْفُرُوْعِ] (٦/ ٤٤٤):
«مَسْأَلَةٌ قَوْلُهُ: وَهَلْ جِدَارُ الْمَسْجِدِ كَجَارٍ أَوْ يُمْنَعُ؟ فِيهِ رِوَايَتَانِ، وَقِيلَ: وَجْهَانِ، وَاخْتَارَ أَبُو مُحَمَّدٍ الْجَوْزِيُّ أَنَّهُ لَا يَضَعُ، انْتَهَى. وَأَطْلَقَهُمَا فِي الْكَافِي وَالتَّلْخِيصِ وَالْمُحَرَّرِ وَالشَّرْحُ وَالْفَائِقِ وَغَيْرِهِمْ.
стр. 5273
إحْدَاهُمَا: الْمَنْعُ مِنْهُ، وَإِنْ جَوَّزْنَاهُ فِي حَائِطِ الْجَارِ، اخْتَارَهُ أَبُو بَكْرٍ وَأَبُو مُحَمَّدٍ الْجَوْزِيُّ، كَمَا قَالَ الْمُصَنِّفُ، وَصَحَّحَهُ فِي الرِّعَايَتَيْنِ، وَجَزَمَ بِهِ فِي الْخُلَاصَةِ وَغَيْرِهِ، وَقَدَّمَهُ فِي الْمُذْهَبِ وَغَيْرِهِ.
وَالرِّوَايَةُ الثَّانِيَةُ: حُكْمُهُ حُكْمُ جِدَارِ الْجَارِ، وَهُوَ ظَاهِرُ مَا قَدَّمَهُ الشَّيْخُ فِي كِتَابِ المقنع والحاويين، وهو المذهب عند ابن منجا، وَجَزَمَ بِهِ فِي الْمُنَوِّرِ، وَاخْتَارَهُ فِي الْفُصُولِ وَقَالَ: بَلْ هُوَ أَوْلَى مِنْ جِدَارِ الْجَارِ بالوضع عليه» اهـ.
وَقَالَ الْعَلَّامَةُ ابْنُ عُثَيْمِيْنَ ﵀ فِي [الشَّرْحُ الْمُمْتِعِ] (٩/ ٢٦٢):
«قوله: "وكذلك المسجد" أي: أنَّ المسجد كالجار، فإذا احتاج جار المسجد إلى أن يضع خشبه على جدار المسجد، أو أن يغرزها فيه غرزاً، فلا بأس بالشرطين المذكورين وهما الضرورة، وعدم الضرر على الجدار.
ولا يُقال: إنَّ المسجد وقف عام للمسلمين، بل يُقال: إنَّ العلة هي مصلحة الطرفين، وهذا لا يضر المسجد وهو مصلحة للجار.
قوله: "وغيره" أي: كالمدارس والرُّبُط وبيوت الأيتام وما أشبه ذلك من الأوقاف العامة، فإنَّه يضع خشبه عليها كما يضع على جدار الجار بالشرطين المذكورين، وهما الضرورة إلى وضع الخشب، وعدم الضرر على الجدار» اهـ.
٤ - قَالَ الْعَلَّامَةُ الْقُرْطُبِي ﵀ فِي [الْمُفْهِم] (١٤/ ١٤٥):
стр. 5274
«ففيه من الفقه: تبليغ العلم لمن لم يرده، ولا استدعاه؛ إذا كان من الأمور المهمة» اهـ.
قُلْتُ: وهذا يستقيم على أحد المعنيين الذين فسر بهما الحديث، وهو: لأحدثنكم بتلك المقالة التي استثقلتم سماعها من غير مبالاة بكم، ولأوجعنكم بالتقريع بها، كما يضرب الإنسان بالشيء بين كتفيه.
والمعنى الآخر: أنَّكم إذا منعتم جيرانكم من وضع أخشابهم على جدرانكم، لأجعلنَّ تلك الأخشاب على أعتافكم بدلاً من جدرانكم.
* * *
стр. 5275
الْغَصْبُ.
٢٨٦ - عَنْ عَائِشَةَ ﵂: أَنَّ رَسُوْلَ اللهِ ﷺ قَالَ: «مَنْ ظَلَمَ قِيدَ شِبْرٍ مِنَ الأَرْضِ طُوِّقَهُ مِنْ سَبْعِ أَرَضِينَ».
قُلْتُ: قوله: «قِيدَ شِبْرٍ». بكسر القاف، أي: قدر شبر.
والشبر هو: ما بين طرفي الخنصر والإبهام عند التفريج بينهما.
وذكر أهل العلم للتطويق عدة معانٍ:
منها: أن يكلف بنقل ما ظلم من الأرض في يوم القيامة إلى المحشر، ثم بعد حمله يصير كالطوق في عنقه.
والآخر: معناه أنَّه يعاقب بالخسف إلي سبع أرضين أي: فتكون كل أرض في تلك الحالة طوقاً في عنقه.
ويدل على المعنى الأول ما رواه الطبري في [تَهْذِيْبِ الْآثَارِ] (١٥٤٧)، والطبراني في [الْكَبِيْرِ] (٣١٠١)، وابن قانع في [مُعْجَمِ الصَّحَابَةِ] (٢٣٩)، وأبو نعيم في [مَعْرِفَةِ الْصَّحَابَةِ] (١٩١١)، وابن سعد في [الطَّبَقَاتِ] (٨٦١١)، وأبو يعلى (١٤٧٤) كما في [الْمَطَالِبِ الْعَالِيَةِ] (٧/ ٤١٤) لابن حجر، وابن عدي في [الْكَامِلِ] (٦/ ٢٤٧ - ٢٤٨) مِنْ طَرِيْقِ عَطِيَّةَ الدَّعَّاءِ، عَنِ الْحَكَمِ بْنِ الْحَارِثِ
стр. 5276
السُّلَمِيِّ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : «مَنْ أَخَذَ مِنْ طَرِيقِ الْمُسْلِمِينَ شِبْرًا جَاءَ بِهِ يَحْمِلُهُ مِنْ سَبْعِ أَرَضِينَ».
قُلْتُ: إِسْنَادُهُ ضَعِيْفٌ لجهالة حال عطية، وهو ابن سعد الدَّعاء.
وروى أحمد (١٧٦٠٧) حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدٍ، - قَالَ عَبْدُ اللَّهِ: وَسَمِعْتُهُ أَنَا مِنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ أَبِي شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا حُسَيْنُ بْنُ عَلِيٍّ، عَنْ زَائِدَةَ، عَنْ الرَّبِيعِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ، عَنْ أَيْمَنَ بْنِ نَابِلٍ، عَنْ يَعْلَى بْنِ مُرَّةَ، قَالَ: سَمِعْتُ النَّبِيَّ ﷺ يَقُولُ: «أَيُّمَا رَجُلٍ ظَلَمَ شِبْرًا مِنَ الْأَرْضِ، كَلَّفَهُ اللَّهُ أَنْ يَحْفِرَهُ حَتَّى يَبْلُغَ آخِرَ سَبْعِ أَرَضِينَ، ثُمَّ يُطَوَّقَهُ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ حَتَّى يُقْضَى بَيْنَ النَّاسِ».
قُلْتُ: وقد اختلف في الراوي عن يعلى بن مرة، هل هو أيمن بن نابل، الثقة، أم أيمن بن ثابت، وهو حسن الحديث، فجاء عند أحمد، وعبد بن حميد في [الْمُنْتَخَبِ] (٤٠٧)، والخرائطي في [مَسَاوِئِ الْأَخْلَاقِ] (٦٣٣) تسميته بابن نابل، وجاء عند الطبراني في [الْكَبِيْرِ] (١٨١٤٦)، وابن حبان في [صَحِيْحِهِ] (٥١٦٤) تسميته أيمن بن ثابت. وهذا الاختلاف لا يضر فكلاهما ممن يحتج بحديثه، والظاهر أنَّه ابن ثابت، فإنَّ هذا يروي عن يعلى، ويروي عنه الربيع بخلاف الأول.
قَالَ الْحِافِظُ ابْنُ حَجَرٍ ﵀ فِي [تَعْجِيْلِ الْمَنْفِعَةِ] (١/ ٥٢٣):
стр. 5277
«الربيع بن عبد الله عن أيمن بن نابل عن يعلى بن مرة بحديث في غصب الأرض، روى عنه زائدة بن قدامة، ذكره بن حبان في "الثقات"، لكنه قال: يروي عن أيمن بن ثابت فأصاب، ثم جوز أنَّه الربيع بن خطاف، وهو بعيد» اهـ.
قُلْتُ: فتبقى علة الحديث في الربيع فإنَّه ممن يجهل، ولا يعتمد على ذكر ابن حبان له في "الثقات" فقد أدخل في كتابه هذا عدد كبير من المجهولين.
ورواه أحمد (١٧٥٩٤) حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ مُحَمَّدٍ وَهُوَ أَبُو إِبْرَاهِيمَ الْمُعَقِّبُ، حَدَّثَنَا مَرْوَانُ يَعْنِي الْفَزَارِيَّ، حَدَّثَنَا أَبُو يَعْفُورٍ، عَنْ أَبِي ثَابِتٍ، قَالَ: سَمِعْتُ يَعْلَى بْنَ مُرَّةَ الثَّقَفِيَّ، يَقُولُ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: «مَنْ أَخَذَ أَرْضًا بِغَيْرِ حَقٍّ، كُلِّفَ أَنْ يَحْمِلَ تُرَابَهَا إِلَى الْمَحْشَرِ».
قُلْتُ: إسماعيل المعقب ترجم له الْحِافِظُ ابْنُ حَجَرٍ ﵀ فِي [تَعْجِيْلِ الْمَنْفِعَةِ] (١/ ٣١٠): «روى عنه أحمد وابنه عبد الله بن أحمد، وقال: كان من خيار الناس. كان أبي يحدث عنه وهو حي». ولم يزد على ذلك.
وأبو يعفور هو: عبد الرحمن بن عبيد، وأبو ثابت هو: أيمن بن ثابت.
ورواه الطبراني في [الْكَبِيْرِ] (١٨١٤٤)، والطحاوي في [شَرْحِ مُشْكِلِ الْآثَارِ] (٦١٥٠)، والطبري في [تَهْذِيْبِ الْآثَارِ] (١٥٤١).
стр. 5278
مِنْ طَرِيْقِ عَبْدِ الْوَاحِدِ بْنِ زِيَادٍ، ثنا أَبُو يَعْفُورَ، حَدَّثَنِي أَبُو ثَابِتٍ، عَنْ يَعْلَى بْنِ مُرَّةَ: أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ ، قَالَ: «مَنْ أَخَذَ مِنَ الْأَرْضِ شَيْئًا ظُلْمًا جَاءَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ يَحْمِلُ تُرَابَهَا إِلَى الْمَحْشَرِ».
قُلْتُ: هَذَا حَدِيْثٌ حَسَنٌ.
ورواه ابن أبي شيبة في [مُصَنَّفِهِ] (٢٢٤٤٥)، ومِنْ طَرِيْقِه عبد بن حميد في [الْمُنْتَخَبِ] (٤٠٦)، والطبراني في [الْكَبِيْرِ] (١٨١٤٥) حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ أَبِي زَائِدَةَ، عَنْ أَبِي يَعْفُورَ، عَنْ أَيْمَنَ، قَالَ: سَمِعْتُ يَعْلَى، يَقُولُ: سَمِعْتُ النَّبِيَّ ﷺ يَقُولُ: «مَنْ أَخَذَ أَرْضًا بِغَيْرِ حَقِّهَا كُلِّفَ أَنْ يَحْمِلَ تُرَابَهَا إِلَى الْمَحْشَرِ».
قُلْتُ: هَذَا حَدِيْثٌ حَسَنٌ.
وأمَّا المعنى الآخر: فيدل عليه ما رواه البخاري (٢٤٥٤) عَنِ ابْنِ عُمَرَ ﵁ قَالَ: قَالَ النَّبِيُّ ﷺ : «مَنْ أَخَذَ مِنَ الْأَرْضِ شَيْئًا بِغَيْرِ حَقِّهِ خُسِفَ بِهِ يَوْمَ القِيَامَةِ إِلَى سَبْعِ أَرَضِينَ».
وهناك أقوال أخرى في معنى التطويق منها: أنَّه من تطويق التَّكْلِيف لَا من تطويق التَّقْلِيد فيكلَّف حمله وليس بقادر. ومنها: أنَّه يلزمه إثم ذلك كلزوم الطوق.
وَفِي الْحَدِيْثِ مَسَائِلُ مِنْهَا:
١ - تحريم ظلم الناس في أموالهم، ولو كان شيئاً يسيراً.
ويدل عليه أيضاً ما رواه مسلم (١٣٧) عَنْ أَبِي أُمَامَةَ، أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَالَ: «مَنِ اقْتَطَعَ حَقَّ امْرِئٍ مُسْلِمٍ بِيَمِينِهِ، فَقَدْ أَوْجَبَ اللهُ لَهُ النَّارَ،
стр. 5279
وَحَرَّمَ عَلَيْهِ الْجَنَّةَ». فَقَالَ لَهُ رَجُلٌ: وَإِنْ كَانَ شَيْئًا يَسِيرًا يَا رَسُولَ اللهِ؟ قَالَ: «وَإِنْ قَضِيبًا مِنْ أَرَاكٍ».
٢ - أنَّ ظلم الناس في أموالهم من كبائر الذنوب، ويؤخذ هذا من الوعيد بالعقوبة.
٣ - أنَّ الأرض سبع طباق.
ويدل على ذلك من القرآن قول الله تعالى: ﴿اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ وَمِنَ الْأَرْضِ مِثْلَهُنَّ يَتَنَزَّلُ الْأَمْرُ بَيْنَهُنَّ لِتَعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ وَأَنَّ اللَّهَ قَدْ أَحَاطَ بِكُلِّ شَيْءٍ عِلْمًا﴾ [الطلاق: ١٢].
٤ - أنَّ ملك الشخص للأرض يتعدى إلى قرارها، ولذلك لا يجوز لشخص أن يجعل له نفقاً يمر به من تحت أرض غيره إلَّا بإذن مالك الأرض.
٥ - إمكان غصب الأرض، وهو قول الجمهور، وخالف أبو حنيفة فذهب إلى عدم إمكان ذلك.
قَالَ الْعَلَّامَةُ ابْنُ قُدَامَةَ ﵀ فِي [الْمُغْنِي] (١١/ ٣٠):
«أحدها، أنَّه يتصور غصب العقار من الأراضي والدور، ويجب ضمانها على غاصبها.
هذا ظاهر مذهب أحمد وهو المنصوص عن أصحابه، وبه قال مالك والشافعي ومحمد بن الحسن.
стр. 5280
وروى ابن منصور، عن أحمد في من غصب أرضاً فزرعها، ثم أصابها غرق من الغاصب، غرم قيمة الأرض، وإن كان شيئاً من السماء، لم يكن عليه شيء.
وظاهر هذا أنَّها لا تضمن بالغصب.
وقال أبو حنيفة وأبو يوسف لا يتصور غصبها، ولا تضمن بالغصب، وإن أتلفها، ضمنها بالإتلاف؛ لأنَّه لا يوجد فيها النقل والتحويل، فلم يضمنها، كما لو حال بينه وبين متاعه، فتلف المتاع؛ لأنَّ الغصب إثبات اليد على المال عدواناً على وجه تزول به يد المالك، ولا يمكن ذلك في العقار.
ولنا، قول النبي ﷺ : "من ظلم قيد شبر من الأرض، طوقه يوم القيامة من سبع أرضين". رواه البخاري عن عائشة. وفي لفظ: "من غصب شبراً من الأرض".
فأخبر النبي ﷺ أنَّه يغصب ويظلم فيه.
ولأنَّ ما ضمن في البيع، وجب ضمانه في الغصب، كالمنقول، ولأنَّه يمكن الاستيلاء عليه على وجه يحول بينه وبين مالكه، مثل أن يسكن الدار ويمنع مالكها من دخولها، فأشبه ما لو أخذ الدابة والمتاع» اهـ.
قُلْتُ: الحديث الذي أورده المؤلف: «مَنْ غَصَبَ أَرْضًا» لا يثبت.
قَالَ الْعَلَّامَةُ ابْنُ الْمُلَقِّنِ ﵀ في [الْبَدْرِ الْمُنِيْرِ] (٦/ ٧٦٥ - ٧٦٦) - بعد ذكره لألفاظ الحديث -:
стр. 5281
«إذا عرفت هذه الطرق وتأملتها حكمت على رواية الرافعي تبعاً للغزالي: "من غصب" بالغرابة، وإن كان لفظ أحمد: "أخذ"، و"ظلم" ونحوهما مما تقدم شاملات للغصب بالعموم، نعم في "الطبراني الكبير" من حديث عبد الملك بن عمير، عن علقمة بن وائل، عن أبيه قال: قال رسول الله ﷺ : "من غصب رجلاً أرضاً ظلماً لقي الله وهو عليه غضبان". وروينا من حديث إبراهيم بن موسى، أبنا عبد الله بن عمر القواريري، ثنا قزعة، عن يحيى بن جرجة، عن الزهري، عن محمود بن لبيد، عن شداد بن أوس يرفعه: "من غصب شبراً من الأرض طوقه الله من سبع أرضين" ويحيى هذا روى عنه ابن جريج مجهول، كذا في "المغني" للذهبي، وفي "الميزان": يحيى بن جرجة لا يعرف، حدث عن الزهري بحديث معروف. وقال ابن عدي: أرجو أنَّه لا بأس به. ثم قال الذهبي: ما حدث عنه غير ابن جريج.
قُلْتُ: يروي عنه قزعة كما تراه هنا» اهـ.
قُلْتُ: حديث الطبراني هو عنده برقم (١٧٤٩٤) وَإِسْنَادُهُ مُنْقَطِعٌ بين علقمة بن وائل وأبيه.
قُلْتُ: وفي غصب الأرض مسائل:
المسألة الأولى: أن يغصب الأرض ويغرس فيها غرساً.
стр. 5282
فإذا طلب صاحب الأرض من الغاصب قلع الغرس، وتسوية التراب، مع دفع قيمة النقص إن حصل فيها، فله ذلك.
وإذا أراد صاحب الأرض تملك الغراس ويدفع للغاصب نفقته فالأظهر أنَّ له ذلك، كما سيأتي معنا في كلام شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ عند الكلام على زرع الغاصب للأرض، وهي رواية لأحمد كما سيأتي.
المسألة الثانية: إذا كان الغراس لصاحب الأرض فله أن يبقيه وليس للغاصب شيء، وله أن يطلب من الغاصب قلع الغراس إذا لم تكن له مصلحة فيه، ويضمن كل ما حصل من التلف والنقص في الأرض والغراس.
المسألة الثالثة: البناء في الأرض يأخذ أحكام الغراس فيما سبق.
وإذا كان التراب والحجارة وسائر مواد البناء مغصوبة وهي لصاحب الأرض وأراد صاحب الأرض إبقاء البناء فله ذلك كالغراس إذا كان لصاحب الأرض، وليس للغاصب شيء.
المسألة الرابعة: قَالَ الْعَلَّامَةُ ابْنُ قُدَامَةَ ﵀ فِي [الْمُغْنِي] (٥/ ١٨٢ - ١٨٣):
«فَصْلٌ: وَإِنْ غَصَبَ أَرْضًا، فَحَفَرَ فِيهَا بِئْرًا فَطَالَبَهُ الْمَالِكُ بِطَمِّهَا، لَزِمَهُ ذَلِكَ؛ لِأَنَّهُ يَضُرُّ بِالْأَرْضِ، وَلِأَنَّ التُّرَابَ مِلْكُهُ، نَقَلَهُ مِنْ مَوْضِعِهِ، فَلَزِمَهُ رَدُّهُ، كَتُرَابِ الْأَرْضِ. وَكَذَلِكَ إنْ حَفَرَ فِيهَا نَهْرًا، أَوْ حَفَرَ بِئْرًا فِي مِلْكِ رَجُلٍ بِغَيْرِ إذْنِهِ.
стр. 5283
وَإِنْ أَرَادَ الْغَاصِبُ طَمَّهَا، فَمَنَعَهُ الْمَالِكُ، نَظَرْنَا؛ فَإِنْ كَانَ لَهُ غَرَضٌ فِي طَمِّهَا، بِأَنْ يَسْقُطَ عَنْهُ ضَمَانُ مَا يَقَعُ فِيهَا، أَوْ يَكُونَ قَدْ نَقَلَ تُرَابَهَا إلَى مِلْكِ نَفْسِهِ، أَوْ مِلْكِ غَيْرِهِ، أَوْ طَرِيقٌ يَحْتَاجُ إلَى تَفْرِيغِهِ، فَلَهُ الرَّدُّ؛ لِمَا فِيهِ مِنْ الْغَرَضِ.
وَبِهَذَا قَالَ الشَّافِعِيُّ وَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ غَرَضٌ فِي طَمِّ الْبِئْرِ، مِثْلُ أَنْ يَكُونَ قَدْ وَضَعَ التُّرَابَ فِي مِلْكِ الْمَغْصُوبِ مِنْهُ، وَأَبْرَأَهُ الْمَغْصُوبُ مِنْهُ مِمَّا حَفَرَ، وَأَذِنَ فِيهِ، لَمْ يَكُنْ لَهُ طَمُّهَا، فِي أَحَدِ الْوَجْهَيْنِ؛ لِأَنَّهُ إتْلَافٌ لَا نَفْعَ فِيهِ، فَلَمْ يَكُنْ لَهُ فِعْلُهُ، كَمَا لَوْ غَصَبَ نُقْرَةً، فَطَبَعَهَا دَرَاهِمَ، ثُمَّ أَرَادَ جَعْلَهَا نُقْرَةً. وَبِهَذَا قَالَ أَبُو حَنِيفَةَ وَالْمُزَنِيُّ وَبَعْضُ الشَّافِعِيَّةِ.
وَقَالَ بَعْضُهُمْ: لَهُ طَمُّهَا. وَهُوَ الْوَجْهُ الثَّانِي لَنَا؛ لِأَنَّهُ لَا يَبْرَأُ مِنْ الضَّمَانِ بِإِبْرَاءِ الْمَالِكِ، لِأَنَّهُ إبْرَاءٌ مِمَّا لَمْ يَجِبْ بَعْدُ، وَهُوَ أَيْضًا إبْرَاءٌ مِنْ حَقِّ غَيْرِهِ وَهُوَ الْوَاقِعُ فِيهَا. وَلَنَا، أَنَّ الضَّمَانَ إنَّمَا لَزِمَهُ لِوُجُودِ التَّعَدِّي، فَإِذَا رَضِيَ صَاحِبُ الْأَرْضِ، زَالَ التَّعَدِّي، فَزَالَ الضَّمَانُ، وَلَيْسَ هَذَا إبْرَاءً مِمَّا لَمْ يَجِبْ، وَإِنَّمَا هُوَ إسْقَاطُ التَّعَدِّي بِرِضَائِهِ بِهِ. وَهَكَذَا يَنْبَغِي أَنْ يَكُونَ إذَا لَمْ يَتَلَفَّظْ بِالْإِبْرَاءِ، وَلَكِنْ مَنَعَهُ مِنْ طَمِّهَا؛ لِأَنَّهُ يَتَضَمَّنُ رِضَاهُ بِذَلِكَ» اهـ.
قُلْتُ: الصحيح أنَّه ليس للغاصب أن يطم البئر لغير غرض صحيح إذا طلب مالك الأرض إبقاءه لما في ذلك من السفه.
стр. 5284
المسألة الخامسة: على الغاصب أن يدفع إجارة الأرض مدة الغصب سواء انتفع بها أولا.
المسألة السادسة: في زرع الأرض المغصوبة.
قَالَ الْعَلَّامَةُ ابْنُ قُدَامَةَ ﵀ فِي [الْمُغْنِي] (٥/ ١٨٨ - ١٩٠):
«مَسْأَلَةٌ؛ قَالَ: (وَإِنْ كَانَ زَرَعَهَا، فَأَدْرَكَهَا رَبُّهَا وَالزَّرْعُ قَائِمٌ، كَانَ الزَّرْعُ لِصَاحِبِ الْأَرْضِ، وَعَلَيْهِ النَّفَقَةُ، وَإِنْ اُسْتُحِقَّتْ بَعْدَ أَخْذِ الْغَاصِبِ الزَّرْعَ، فَعَلَيْهِ أُجْرَةُ الْأَرْضِ) قَوْلُهُ: "فَأَدْرَكَهَا رَبُّهَا" يَعْنِي اسْتَرْجَعَهَا مِنْ الْغَاصِبِ، أَوْ قَدَرَ عَلَى أَخْذِهَا مِنْهُ. وَهُوَ مَعْنَى قَوْلِهِ: " اُسْتُحِقَّتْ ". يَعْنِي أَخَذَهَا مُسْتَحِقُّهَا. فَمَتَى كَانَ هَذَا بَعْدَ حَصَادِ الْغَاصِبِ الزَّرْعَ، فَإِنَّهُ لِلْغَاصِبِ، لَا نَعْلَمُ فِيهِ خِلَافًا؛ وَذَلِكَ لِأَنَّهُ نَمَاءُ مَالِهِ، وَعَلَيْهِ الْأُجْرَةُ إلَى وَقْتِ التَّسْلِيمِ وَضَمَانُ النَّقْصِ.
وَلَوْ لَمْ يَزْرَعْهَا، فَنَقَصَتْ لِتَرْكِ الزِّرَاعَةِ، كَأَرَاضِي الْبَصْرَةِ، أَوْ نَقَصَتْ لِغَيْرِ ذَلِكَ، ضَمِنَ نَقْصَهَا أَيْضًا؛ لِمَا قَدَّمْنَا فِي الْمَسْأَلَةِ الَّتِي قَبْلَ هَذِهِ.
فَأَمَّا إنْ أَخَذَهَا صَاحِبُهَا وَالزَّرْعُ قَائِمٌ فِيهَا، لَمْ يَمْلِكْ إجْبَارَ الْغَاصِبِ عَلَى قَلْعِهِ، وَخُيِّرَ الْمَالِكُ بَيْنَ أَنْ يُقِرُّ الزَّرْع فِي الْأَرْضِ إلَى الْحَصَادِ، وَيَأْخُذَ مِنْ الْغَاصِبِ أَجْرَ الْأَرْضِ وَأَرْشَ نَقْصِهَا، وَبَيْنَ أَنْ يَدْفَعَ إلَيْهِ نَفَقَتَهُ وَيَكُونَ الزَّرْعُ لَهُ.
وَبِهَذَا قَالَ أَبُو عُبَيْدٍ، وَقَالَ أَكْثَرُ الْفُقَهَاءِ: يَمْلِكُ إجْبَارَ الْغَاصِبِ عَلَى قَلْعِهِ، وَالْحُكْمُ فِيهِ كَالْغَرْسِ سَوَاءٌ، لِقَوْلِهِ ﵇: "لَيْسَ لِعِرْقِ ظَالِمٍ حَقٌّ". وَلِأَنَّهُ زَرَعَ فِي أَرْضِ غَيْرِهِ ظُلْمًا، أَشْبَهَ الْغِرَاسَ.
стр. 5285
وَلَنَا، مَا رَوَى رَافِعُ بْنُ خَدِيجٍ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ: ﷺ "مَنْ زَرَعَ فِي أَرْضِ قَوْمٍ بِغَيْرِ إذْنِهِمْ، فَلَيْسَ لَهُ مِنْ الزَّرْعِ شَيْءٌ، وَعَلَيْهِ نَفَقَتُهُ" رَوَاهُ أَبُو دَاوُد، وَالتِّرْمِذِيُّ، وَقَالَ: حَدِيثٌ حَسَنٌ. فِيهِ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ الْغَاصِبَ لَا يُجْبَرُ عَلَى قَلْعِهِ؛ لِأَنَّهُ مِلْكٌ لِلْمَغْصُوبِ مِنْهُ. وَرُوِيَ "أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ رَأَى زَرْعًا فِي أَرْضِ ظُهَيْرٍ، فَأَعْجَبَهُ، فَقَالَ: مَا أَحْسَنَ زَرْعَ ظُهَيْرٍ. فَقَالَ: إنَّهُ لَيْسَ لِظُهَيْرٍ، وَلَكِنَّهُ لِفُلَانٍ. قَالَ: فَخُذُوا زَرْعَكُمْ، وَرُدُّوا عَلَيْهِ نَفَقَتَهُ. قَالَ رَافِعٌ: فَأَخَذْنَا زَرْعَنَا، وَرَدَدْنَا عَلَيْهِ نَفَقَتَهُ".
وَلِأَنَّهُ أَمْكَنَ رَدُّ الْمَغْصُوبِ إلَى مَالِكِهِ مِنْ غَيْرِ إتْلَافِ مَالِ الْغَاصِبِ، عَلَى قُرْبٍ مِنْ الزَّمَانِ، فَلَمْ يَجُزْ إتْلَافُهُ، كَمَا لَوْ غَصَبَ سَفِينَةً، فَحَمَلَ فِيهَا مَالَهُ. وَأَدْخَلَهَا الْبَحْرَ، أَوْ غَصَبَ لَوْحًا. فَرَقَّعَ بِهِ سَفِينَةً، فَإِنَّهُ لَا يُجْبَرُ عَلَى رَدِّ الْمَغْصُوبِ فِي اللُّجَّةِ، وَيُنْتَظَرُ حَتَّى تُرْسَى، صِيَانَةً لِلْمَالِ عَنْ التَّلَفِ. كَذَا هَاهُنَا. وَلِأَنَّهُ زَرْعٌ حَصَلَ فِي مِلْكِ غَيْرِهِ، فَلَمْ يُجْبَرْ عَلَى قَلْعِهِ عَلَى وَجْهٍ يَضُرُّ بِهِ. كَمَا لَوْ كَانَتْ الْأَرْضُ مُسْتَعَارَةً أَوْ مَشْفُوعَةً. وَفَارَقَ الشَّجَرَ وَالنَّخْلَ؛ لِأَنَّ مُدَّتَهُ تَتَطَاوَلُ، وَلَا يُعْلَمُ مَتَى يَنْقَطِعُ مِنْ الْأَرْضِ، فَانْتِظَارُهُ يُؤَدِّي إلَى تَرْكِ رَدِّ الْأَصْلِ بِالْكُلِّيَّةِ.
وَحَدِيثُهُمْ وَرَدَ فِي الْغَرْسِ، وَحَدِيثُنَا فِي الزَّرْعِ، فَيُجْمَعُ بَيْنَ الْحَدِيثَيْنِ، وَيُعْمَلُ بِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا فِي مَوْضِعِهِ. وَذَلِكَ أَوْلَى مِنْ إبْطَالِ أَحَدِهِمَا. إذَا ثَبَتَ هَذَا، فَمَتَى رَضِيَ الْمَالِكُ بِتَرْكِ الزَّرْعِ لِلْغَاصِبِ. وَيَأْخُذُ مِنْهُ أَجْرَ الْأَرْضِ. فَلَهُ ذَلِكَ؛ لِأَنَّهُ شَغَلَ
стр. 5286
الْمَغْصُوبَ بِمَالِهِ، فَمَلَكَ صَاحِبُهُ أَخْذَ أَجْرِهِ، كَمَا لَوْ تَرَكَ فِي الدَّارِ طَعَامًا أَوْ أَحْجَارًا يَحْتَاجُ فِي نَقْلِهِ إلَى مُدَّةٍ.
وَإِنْ أَحَبَّ أَخْذَ الزَّرْعِ، فَلَهُ ذَلِكَ، كَمَا يَسْتَحِقُّ الشَّفِيعُ أَخْذَ شَجَرِ الْمُشْتَرِي بِقِيمَتِهِ. وَفِيمَا يُرَدُّ عَلَى الْغَاصِبِ رِوَايَتَانِ؛ إحْدَاهُمَا، قِيمَةُ الزَّرْعِ؛ لِأَنَّهُ بَدَلٌ عَنْ الزَّرْعِ. فَيُقَدَّرُ بِقِيمَتِهِ، كَمَا لَوْ أَتْلَفَهُ. وَلِأَنَّ الزَّرْعَ لِلْغَاصِبِ إلَى حِينِ انْتِزَاعِ الْمَالِكِ لَهُ مِنْهُ، بِدَلِيلِ أَنَّهُ لَوْ أَخَذَهُ قَبْلَ انْتِزَاعِ الْمَالِكِ لَهُ، كَانَ مِلْكًا لَهُ.
وَلَوْ لَمْ يَكُنْ مِلْكًا لَهُ لَمَا مَلَكَهُ بِأَخْذِهِ. فَيَكُونُ أَخْذُ الْمَالِكِ لَهُ تَمَلُّكًا لَهُ، إلَّا أَنْ يُعَوِّضَهُ، فَيَجِبُ أَنْ يَكُونَ بِقِيمَتِهِ، كَمَا لَوْ أَخَذَ الشِّقْصَ الْمَشْفُوعَ. وَيَجِبُ عَلَى الْغَاصِبِ أَجْرُ الْأَرْضِ إلَى حِينِ تَسْلِيمِ الزَّرْعِ؛ لِأَنَّ الزَّرْعَ كَانَ مَحْكُومًا لَهُ بِهِ، وَقَدْ شَغَلَ بِهِ أَرْضَ غَيْرِهِ.
وَالرِّوَايَةُ الثَّانِيَةُ، أَنَّهُ يَرُدُّ عَلَى الْغَاصِبِ مَا أَنْفَقَ مِنْ الْبَذْرِ، وَمُؤْنَةِ الزَّرْعِ فِي الْحَرْثِ وَالسَّقْيِ، وَغَيْرِهِ. وَهَذَا الَّذِي ذَكَرَهُ الْقَاضِي. وَهُوَ ظَاهِرُ كَلَامِ الْخِرَقِيِّ وَظَاهِرُ الْحَدِيثُ، لِقَوْلِهِ ﵇ "عَلَيْهِ نَفَقَتُهُ". وَقِيمَةُ الشَّيْءِ لَا تُسَمَّى نَفَقَةً لَهُ.
وَالْحَدِيثُ، مَبْنِيٌّ عَلَى هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ؛ فَإِنَّ أَحْمَدَ إنَّمَا ذَهَبَ إلَى هَذَا الْحُكْمِ اسْتِحْسَانًا، عَلَى خِلَافِ الْقِيَاسِ، فَإِنَّ الْقِيَاسَ أَنَّ الزَّرْعَ لِصَاحِبِ الْبَذْرِ؛ لِأَنَّهُ نَمَاءُ عَيْنِ مَالِهِ، فَأَشْبَهَ مَا لَوْ غَصَبَ دَجَاجَةً فَحَضَنَتْ بَيْضًا لَهُ. أَوْ طَعَامًا فَعَلَفَهُ دَوَابَّ لَهُ، كَانَ النَّمَاءُ لَهُ. وَقَدْ صَرَّحَ بِهِ أَحْمَدُ فَقَالَ: هَذَا شَيْءٌ لَا يُوَافِقُ الْقِيَاسَ، أَسْتَحْسِنُ أَنْ يَدْفَعَ
стр. 5287
إلَيْهِ نَفَقَتَهُ؛ لِلْأَثَرِ. وَلِذَلِكَ جَعَلْنَاهُ لِلْغَاصِبِ إذَا اسْتَحَقَّتْ الْأَرْضُ بَعْدَ أَخْذِ الْغَاصِبِ لَهُ، وَإِذَا كَانَ الْعَمَلُ بِالْحَدِيثِ، فَيَجِبُ أَنْ يُتَّبَعَ مَدْلُولُهُ.
فَصْلٌ: فَإِنْ كَانَ الزَّرْعُ مِمَّا يَبْقَى أُصُولُهُ فِي الْأَرْضِ، وَيُجَزُّ مَرَّةً بَعْدَ أُخْرَى كَالرَّطْبَةِ وَالنَّعْنَاعِ، احْتَمَلَ أَنْ يَكُونَ حُكْمُهُ مَا ذَكَرْنَا؛ لِدُخُولِهِ فِي عُمُومِ الزَّرْعِ، لِأَنَّهُ لَيْسَ لَهُ فَرْعٌ قَوِيٌّ، فَأَشْبَهَ الْحِنْطَةَ وَالشَّعِيرَ. وَاحْتَمَلَ أَنْ يَكُونَ حُكْمُهُ حُكْمَ الْغَرْسِ؛ لِبَقَاءِ أَصْلِهِ وَتَكَرُّرِ أَخْذِهِ، وَلِأَنَّ الْقِيَاسَ يَقْتَضِي أَنْ يَثْبُتَ لِكُلِّ زَرْعٍ مِثْلُ حُكْمِ الْغَرْسِ، وَإِنَّمَا تُرِكَ فِيمَا تَقِلُّ مُدَّتُهُ لِلْأَثَرِ، فَفِيمَا عَدَاهُ يَبْقَى عَلَى قَضِيَّةِ الْقِيَاسِ.
فَصْلٌ: وَإِنْ غَصَبَ أَرْضًا فَغَرَسَهَا فَأَثْمَرَتْ، فَأَدْرَكَهَا رَبُّهَا بَعْدَ أَخْذِ الْغَاصِبِ ثَمَرَتَهَا، فَهِيَ لَهُ. وَإِنْ أَدْرَكَهَا وَالثَّمَرَةُ فِيهَا، فَكَذَلِكَ؛ لِأَنَّهَا ثَمَرَةُ شَجَرِهِ، فَكَانَتْ لَهُ، كَمَا لَوْ كَانَتْ فِي أَرْضِهِ، وَلِأَنَّهَا نَمَاءُ أَصْلٍ مَحْكُومٍ بِهِ لِلْغَاصِبِ، فَكَانَ لَهُ، كَأَغْصَانِهَا وَوَرَقِهَا. وَلَبَنِ الشَّاةِ وَوَلَدِهَا. وَقَالَ الْقَاضِي: هِيَ لِمَالِكِ الْأَرْضِ إنْ أَدْرَكَهَا فِي الْغِرَاسِ؛ لِأَنَّ أَحْمَدَ قَالَ، فِي رِوَايَةِ عَلِيِّ بْنِ سَعِيدٍ: إذَا غَصَبَ أَرْضًا فَغَرَسَهَا، فَالنَّمَاءُ لِمَالِكِ الْأَرْضِ.
قَالَ الْقَاضِي: وَعَلَيْهِ مِنْ النَّفَقَةِ مَا أَنْفَقَهُ الْغَارِسُ مِنْ مُؤْنَةِ الثَّمَرَةِ؛ لِأَنَّ الثَّمَرَةَ فِي مَعْنَى الزَّرْعِ فَكَانَتْ لِصَاحِبِ الْأَرْضِ إذَا أَدْرَكَهُ قَائِمًا فِيهَا، كَالزَّرْعِ. وَالْأَوَّلُ أَصَحُّ؛ لِأَنَّ أَحْمَدَ قَدْ صَرَّحَ بِأَنَّ أَخْذَ رَبِّ الْأَرْضِ الزَّرْعَ شَيْءٌ لَا يُوَافِقُ الْقِيَاسَ، وَإِنَّمَا صَارَ إلَيْهِ لِلْأَثَرِ، فَيَخْتَصُّ الْحُكْمُ بِهِ، وَلَا يُعَدَّى إلَى غَيْرِهِ، وَلِأَنَّ الثَّمَرَةَ تُفَارِقُ الزَّرْعَ مِنْ
стр. 5288
وَجْهَيْنِ؛ أَحَدُهُمَا، أَنَّ الزَّرْعَ نَمَاءُ الْأَرْضِ، فَكَانَ لِصَاحِبِهَا، وَالثَّمَرَةُ نَمَاءُ الشَّجَرِ. فَكَانَ لِصَاحِبِهِ.
الثَّانِي، أَنَّهُ يَرُدُّ عِوَضَ الزَّرْعِ الَّذِي أَخَذَهُ، مِثْلُ الْبَذْرِ الَّذِي نَبَتَ مِنْهُ الزَّرْعُ، مَعَ مَا أَنْفَقَ عَلَيْهِ، وَلَا يُمْكِنُهُ مِثْلُ ذَلِكَ فِي الثَّمَرِ» اهـ.
قُلْتُ: حديث: «لَيْسَ لِعِرْقٍ ظَالِمٍ حَقٌّ».
رواه أبو داود (٣٠٧٣)، والترمذي (١٣٧٨)، والنسائي في [الْكُبْرَى] (٥٧٢٩)
مِنْ طَرِيْقِ عَبْدِ الوَهَّابِ الثَّقَفِيِّ، حَدَّثَنَا أَيُّوبُ، عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ زَيْدٍ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ ، قَالَ: «مَنْ أَحْيَا أَرْضًا مَيْتَةً فَهِيَ لَهُ، وَلَيْسَ لِعِرْقٍ ظَالِمٍ حَقٌّ».
قَالَ التِّرمِذِيُّ ﵀: «هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ غَرِيبٌ وَقَدْ رَوَاهُ بَعْضُهُمْ، عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ، عَنْ أَبِيهِ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ مُرْسَلًا» اهـ.
وَقَالَ النَّسَائِيُّ ﵀: «خَالَفَهُ يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ، وَلَيْثُ بْنُ سَعْدٍ.
أَخْبَرَنَا عِيسَى بْنُ حَمَّادٍ، قَالَ: أَخْبَرَنَا اللَّيْثُ، عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ، عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ بْنِ الزُّبَيْرِ، عَنْ أَبِيهِ، قَالَ: إِنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَالَ: «مَنْ أَحْيَا أَرْضًا مَيِّتَةً، فَهِيَ لَهُ وَلَيْسَ لِعِرْقٍ ظَالِمٍ حَقٌّ».
قَالَ اللَّيْثُ: ثُمَّ كَتَبْتُ إِلَى هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ، فَكَتَبَ إِلَيَّ بِمِثْلِ حَدِيثِ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ» اهـ.
وَقَالَ الْبَزَّارُ ﵀ فِي [مُسْنَدِهِ] (٤/ ٨٧):
стр. 5289
«قَدْ رَوَاهُ جَمَاعَةٌ، عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ، عَنْ أَبِيهِ مُرْسَلًا، وَلَا نَحْفَظُ أَحَدًا، قَالَ: عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ زَيْدٍ إِلَّا عَبْدَ الْوَهَّابِ، عَنْ أَيُّوبَ» اهـ.
قُلْتُ: وهكذا رواه مالك في [الْمُوَطَّأِ] (٢٦) عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ، عَنْ أَبِيهِ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: «مَنْ أَحْيَا أَرْضًا مَيِّتَةً فَهِيَ لَهُ، وَلَيْسَ لِعِرْقٍ ظَالِمٍ حَقٌّ».
ووكيع عند ابن أبي شيبة في [مُصَنَّفِهِ] (٢٢٣٨٢).
وسفيان بن عيينة عند ابن زنجويه في [الْأَمْوَالِ] (١٠٥٣)، والبيهقي في [الْكُبْرَى] (١١٧٧٤).
وعبد الله بن إدريس عند البيهقي في [الْكُبْرَى] (١١٧٧٤).
وَقَالَ الْحَافِظُ الدَّارَقُطْنِيُّ ﵀ فِي [الْعِلَلِ] (٤/ ٤١٤ - ٤١٥):
«يَرْوِيهِ أَيُّوبُ السَّخْتِيَانِيُّ، عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ زَيْدٍ.
تَفَرَّدَ عَبْدُ الْوَهَّابِ الثَّقَفِيُّ عَنْهُ.
وَاخْتُلِفَ فِيهِ عَلَى هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ، فَرَوَاهُ الثَّوْرِيُّ، عَنْ هِشَامٍ، عَنْ أَبِيهِ، قَالَ: حَدَّثَنِي مَنْ لَا أَتَّهِمُ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ .
وَتَابَعَهُ جَرِيرُ بْنُ عَبْدِ الْحَمِيدِ.
وَقَالَ يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ الْأَنْصَارِيُّ، وَمَالِكُ بْنُ أَنَسٍ، وَعَبْدُ اللَّهِ بْنُ إِدْرِيسَ، وَيَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ الْأُمَوِيُّ، عَنْ هِشَامٍ، عَنْ أَبِيهِ مُرْسَلًا.
стр. 5290
وَرُوِيَ عَنِ الزُّهْرِيِّ، عَنْ عُرْوَةَ، عَنْ عَائِشَةَ.
قَالَهُ سُوَيْدُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ، عَنْ سُفْيَانَ بْنِ حُسَيْنٍ.
وَرَوَاهُ يَحْيَى بْنُ عُرْوَةَ بْنِ الزُّبَيْرِ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ رَجُلٍ مِنْ أَصْحَابِ النَّبِيِّ ﷺ .
وَالْمُرْسَلُ عَنْ عُرْوَةَ أَصَحُّ» اهـ.
لكن للحديث شواهد يتقوى بها منها حديث عبادة بن الصامت عند عبد الله في [زَوَائِدِ الْمُسْنَدِ] (٢٢٧٧٨).
قَالَ الْحِافِظُ ابْنُ حَجَرٍ ﵀ فِي [الْفَتْحِ] (٥/ ١٩):
«وَفِي الْبَابِ عَنْ عَائِشَةَ أَخْرَجَهُ أَبُو دَاوُدَ الطَّيَالِسِيُّ وَعَنْ سَمُرَةَ عِنْدَ أَبِي دَاوُدَ وَالْبَيْهَقِيِّ وَعَنْ عُبَادَةَ وَعَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو عِنْدَ الطَّبَرَانِيِّ وَعَنْ أَبِي أُسَيْدٍ عِنْدَ يَحْيَى بْنِ آدَمَ فِي كِتَابِ الْخَرَاجِ وَفِي أَسَانِيدِهَا مَقَالٌ لَكِنْ يَتَقَوَّى بَعْضُهَا بِبَعْضٍ» اهـ.
قُلْتُ: وحديث: «مَنْ زَرَعَ فِي أَرْضِ قَوْمٍ بِغَيْرِ إذْنِهِمْ، فَلَيْسَ لَهُ مِنْ الزَّرْعِ شَيْءٌ، وَعَلَيْهِ نَفَقَتُهُ». لا يصح بهذا اللفظ، لكن الصحيح الحديث الآخر الذي ذكره وهو ما رواه أبو داود (٣٣٩٩)، والنسائي (٣٨٨٩) مِنْ طَرِيْقِ يَحْيَى - هو القطان-، حَدَّثَنَا أَبُو جَعْفَرٍ الْخَطْمِيُّ وَاسْمُهُ عُمَيْرُ بْنُ يَزِيدَ، قَالَ: بَعَثَنِي عَمِّي أَنَا وَغُلَامًا لَهُ إِلَى سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيَّبِ، قَالَ: فَقُلْنَا لَهُ شَيْءٌ بَلَغَنَا عَنْكَ فِي الْمُزَارَعَةِ؟، قَالَ: كَانَ ابْنُ عُمَرَ، لَا يَرَى بِهَا بَأْسًا حَتَّى بَلَغَهُ عَنْ رَافِعِ بْنِ خَدِيجٍ، حَدِيثٌ فَأَتَاهُ فَأَخْبَرَهُ رَافِعٌ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ أَتَى بَنِي حَارِثَةَ فَرَأَى زَرْعًا فِي أَرْضِ ظُهَيْرٍ، فَقَالَ:
следующие страницы →