Полный текст (8 095 стр.). Показаны 5286–5325 · переход к 5291.
стр. 5286
الْمَغْصُوبَ بِمَالِهِ، فَمَلَكَ صَاحِبُهُ أَخْذَ أَجْرِهِ، كَمَا لَوْ تَرَكَ فِي الدَّارِ طَعَامًا أَوْ أَحْجَارًا يَحْتَاجُ فِي نَقْلِهِ إلَى مُدَّةٍ.
وَإِنْ أَحَبَّ أَخْذَ الزَّرْعِ، فَلَهُ ذَلِكَ، كَمَا يَسْتَحِقُّ الشَّفِيعُ أَخْذَ شَجَرِ الْمُشْتَرِي بِقِيمَتِهِ. وَفِيمَا يُرَدُّ عَلَى الْغَاصِبِ رِوَايَتَانِ؛ إحْدَاهُمَا، قِيمَةُ الزَّرْعِ؛ لِأَنَّهُ بَدَلٌ عَنْ الزَّرْعِ. فَيُقَدَّرُ بِقِيمَتِهِ، كَمَا لَوْ أَتْلَفَهُ. وَلِأَنَّ الزَّرْعَ لِلْغَاصِبِ إلَى حِينِ انْتِزَاعِ الْمَالِكِ لَهُ مِنْهُ، بِدَلِيلِ أَنَّهُ لَوْ أَخَذَهُ قَبْلَ انْتِزَاعِ الْمَالِكِ لَهُ، كَانَ مِلْكًا لَهُ.
وَلَوْ لَمْ يَكُنْ مِلْكًا لَهُ لَمَا مَلَكَهُ بِأَخْذِهِ. فَيَكُونُ أَخْذُ الْمَالِكِ لَهُ تَمَلُّكًا لَهُ، إلَّا أَنْ يُعَوِّضَهُ، فَيَجِبُ أَنْ يَكُونَ بِقِيمَتِهِ، كَمَا لَوْ أَخَذَ الشِّقْصَ الْمَشْفُوعَ. وَيَجِبُ عَلَى الْغَاصِبِ أَجْرُ الْأَرْضِ إلَى حِينِ تَسْلِيمِ الزَّرْعِ؛ لِأَنَّ الزَّرْعَ كَانَ مَحْكُومًا لَهُ بِهِ، وَقَدْ شَغَلَ بِهِ أَرْضَ غَيْرِهِ.
وَالرِّوَايَةُ الثَّانِيَةُ، أَنَّهُ يَرُدُّ عَلَى الْغَاصِبِ مَا أَنْفَقَ مِنْ الْبَذْرِ، وَمُؤْنَةِ الزَّرْعِ فِي الْحَرْثِ وَالسَّقْيِ، وَغَيْرِهِ. وَهَذَا الَّذِي ذَكَرَهُ الْقَاضِي. وَهُوَ ظَاهِرُ كَلَامِ الْخِرَقِيِّ وَظَاهِرُ الْحَدِيثُ، لِقَوْلِهِ ﵇ "عَلَيْهِ نَفَقَتُهُ". وَقِيمَةُ الشَّيْءِ لَا تُسَمَّى نَفَقَةً لَهُ.
وَالْحَدِيثُ، مَبْنِيٌّ عَلَى هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ؛ فَإِنَّ أَحْمَدَ إنَّمَا ذَهَبَ إلَى هَذَا الْحُكْمِ اسْتِحْسَانًا، عَلَى خِلَافِ الْقِيَاسِ، فَإِنَّ الْقِيَاسَ أَنَّ الزَّرْعَ لِصَاحِبِ الْبَذْرِ؛ لِأَنَّهُ نَمَاءُ عَيْنِ مَالِهِ، فَأَشْبَهَ مَا لَوْ غَصَبَ دَجَاجَةً فَحَضَنَتْ بَيْضًا لَهُ. أَوْ طَعَامًا فَعَلَفَهُ دَوَابَّ لَهُ، كَانَ النَّمَاءُ لَهُ. وَقَدْ صَرَّحَ بِهِ أَحْمَدُ فَقَالَ: هَذَا شَيْءٌ لَا يُوَافِقُ الْقِيَاسَ، أَسْتَحْسِنُ أَنْ يَدْفَعَ
стр. 5287
إلَيْهِ نَفَقَتَهُ؛ لِلْأَثَرِ. وَلِذَلِكَ جَعَلْنَاهُ لِلْغَاصِبِ إذَا اسْتَحَقَّتْ الْأَرْضُ بَعْدَ أَخْذِ الْغَاصِبِ لَهُ، وَإِذَا كَانَ الْعَمَلُ بِالْحَدِيثِ، فَيَجِبُ أَنْ يُتَّبَعَ مَدْلُولُهُ.
فَصْلٌ: فَإِنْ كَانَ الزَّرْعُ مِمَّا يَبْقَى أُصُولُهُ فِي الْأَرْضِ، وَيُجَزُّ مَرَّةً بَعْدَ أُخْرَى كَالرَّطْبَةِ وَالنَّعْنَاعِ، احْتَمَلَ أَنْ يَكُونَ حُكْمُهُ مَا ذَكَرْنَا؛ لِدُخُولِهِ فِي عُمُومِ الزَّرْعِ، لِأَنَّهُ لَيْسَ لَهُ فَرْعٌ قَوِيٌّ، فَأَشْبَهَ الْحِنْطَةَ وَالشَّعِيرَ. وَاحْتَمَلَ أَنْ يَكُونَ حُكْمُهُ حُكْمَ الْغَرْسِ؛ لِبَقَاءِ أَصْلِهِ وَتَكَرُّرِ أَخْذِهِ، وَلِأَنَّ الْقِيَاسَ يَقْتَضِي أَنْ يَثْبُتَ لِكُلِّ زَرْعٍ مِثْلُ حُكْمِ الْغَرْسِ، وَإِنَّمَا تُرِكَ فِيمَا تَقِلُّ مُدَّتُهُ لِلْأَثَرِ، فَفِيمَا عَدَاهُ يَبْقَى عَلَى قَضِيَّةِ الْقِيَاسِ.
فَصْلٌ: وَإِنْ غَصَبَ أَرْضًا فَغَرَسَهَا فَأَثْمَرَتْ، فَأَدْرَكَهَا رَبُّهَا بَعْدَ أَخْذِ الْغَاصِبِ ثَمَرَتَهَا، فَهِيَ لَهُ. وَإِنْ أَدْرَكَهَا وَالثَّمَرَةُ فِيهَا، فَكَذَلِكَ؛ لِأَنَّهَا ثَمَرَةُ شَجَرِهِ، فَكَانَتْ لَهُ، كَمَا لَوْ كَانَتْ فِي أَرْضِهِ، وَلِأَنَّهَا نَمَاءُ أَصْلٍ مَحْكُومٍ بِهِ لِلْغَاصِبِ، فَكَانَ لَهُ، كَأَغْصَانِهَا وَوَرَقِهَا. وَلَبَنِ الشَّاةِ وَوَلَدِهَا. وَقَالَ الْقَاضِي: هِيَ لِمَالِكِ الْأَرْضِ إنْ أَدْرَكَهَا فِي الْغِرَاسِ؛ لِأَنَّ أَحْمَدَ قَالَ، فِي رِوَايَةِ عَلِيِّ بْنِ سَعِيدٍ: إذَا غَصَبَ أَرْضًا فَغَرَسَهَا، فَالنَّمَاءُ لِمَالِكِ الْأَرْضِ.
قَالَ الْقَاضِي: وَعَلَيْهِ مِنْ النَّفَقَةِ مَا أَنْفَقَهُ الْغَارِسُ مِنْ مُؤْنَةِ الثَّمَرَةِ؛ لِأَنَّ الثَّمَرَةَ فِي مَعْنَى الزَّرْعِ فَكَانَتْ لِصَاحِبِ الْأَرْضِ إذَا أَدْرَكَهُ قَائِمًا فِيهَا، كَالزَّرْعِ. وَالْأَوَّلُ أَصَحُّ؛ لِأَنَّ أَحْمَدَ قَدْ صَرَّحَ بِأَنَّ أَخْذَ رَبِّ الْأَرْضِ الزَّرْعَ شَيْءٌ لَا يُوَافِقُ الْقِيَاسَ، وَإِنَّمَا صَارَ إلَيْهِ لِلْأَثَرِ، فَيَخْتَصُّ الْحُكْمُ بِهِ، وَلَا يُعَدَّى إلَى غَيْرِهِ، وَلِأَنَّ الثَّمَرَةَ تُفَارِقُ الزَّرْعَ مِنْ
стр. 5288
وَجْهَيْنِ؛ أَحَدُهُمَا، أَنَّ الزَّرْعَ نَمَاءُ الْأَرْضِ، فَكَانَ لِصَاحِبِهَا، وَالثَّمَرَةُ نَمَاءُ الشَّجَرِ. فَكَانَ لِصَاحِبِهِ.
الثَّانِي، أَنَّهُ يَرُدُّ عِوَضَ الزَّرْعِ الَّذِي أَخَذَهُ، مِثْلُ الْبَذْرِ الَّذِي نَبَتَ مِنْهُ الزَّرْعُ، مَعَ مَا أَنْفَقَ عَلَيْهِ، وَلَا يُمْكِنُهُ مِثْلُ ذَلِكَ فِي الثَّمَرِ» اهـ.
قُلْتُ: حديث: «لَيْسَ لِعِرْقٍ ظَالِمٍ حَقٌّ».
رواه أبو داود (٣٠٧٣)، والترمذي (١٣٧٨)، والنسائي في [الْكُبْرَى] (٥٧٢٩)
مِنْ طَرِيْقِ عَبْدِ الوَهَّابِ الثَّقَفِيِّ، حَدَّثَنَا أَيُّوبُ، عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ زَيْدٍ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ ، قَالَ: «مَنْ أَحْيَا أَرْضًا مَيْتَةً فَهِيَ لَهُ، وَلَيْسَ لِعِرْقٍ ظَالِمٍ حَقٌّ».
قَالَ التِّرمِذِيُّ ﵀: «هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ غَرِيبٌ وَقَدْ رَوَاهُ بَعْضُهُمْ، عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ، عَنْ أَبِيهِ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ مُرْسَلًا» اهـ.
وَقَالَ النَّسَائِيُّ ﵀: «خَالَفَهُ يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ، وَلَيْثُ بْنُ سَعْدٍ.
أَخْبَرَنَا عِيسَى بْنُ حَمَّادٍ، قَالَ: أَخْبَرَنَا اللَّيْثُ، عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ، عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ بْنِ الزُّبَيْرِ، عَنْ أَبِيهِ، قَالَ: إِنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَالَ: «مَنْ أَحْيَا أَرْضًا مَيِّتَةً، فَهِيَ لَهُ وَلَيْسَ لِعِرْقٍ ظَالِمٍ حَقٌّ».
قَالَ اللَّيْثُ: ثُمَّ كَتَبْتُ إِلَى هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ، فَكَتَبَ إِلَيَّ بِمِثْلِ حَدِيثِ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ» اهـ.
وَقَالَ الْبَزَّارُ ﵀ فِي [مُسْنَدِهِ] (٤/ ٨٧):
стр. 5289
«قَدْ رَوَاهُ جَمَاعَةٌ، عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ، عَنْ أَبِيهِ مُرْسَلًا، وَلَا نَحْفَظُ أَحَدًا، قَالَ: عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ زَيْدٍ إِلَّا عَبْدَ الْوَهَّابِ، عَنْ أَيُّوبَ» اهـ.
قُلْتُ: وهكذا رواه مالك في [الْمُوَطَّأِ] (٢٦) عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ، عَنْ أَبِيهِ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: «مَنْ أَحْيَا أَرْضًا مَيِّتَةً فَهِيَ لَهُ، وَلَيْسَ لِعِرْقٍ ظَالِمٍ حَقٌّ».
ووكيع عند ابن أبي شيبة في [مُصَنَّفِهِ] (٢٢٣٨٢).
وسفيان بن عيينة عند ابن زنجويه في [الْأَمْوَالِ] (١٠٥٣)، والبيهقي في [الْكُبْرَى] (١١٧٧٤).
وعبد الله بن إدريس عند البيهقي في [الْكُبْرَى] (١١٧٧٤).
وَقَالَ الْحَافِظُ الدَّارَقُطْنِيُّ ﵀ فِي [الْعِلَلِ] (٤/ ٤١٤ - ٤١٥):
«يَرْوِيهِ أَيُّوبُ السَّخْتِيَانِيُّ، عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ زَيْدٍ.
تَفَرَّدَ عَبْدُ الْوَهَّابِ الثَّقَفِيُّ عَنْهُ.
وَاخْتُلِفَ فِيهِ عَلَى هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ، فَرَوَاهُ الثَّوْرِيُّ، عَنْ هِشَامٍ، عَنْ أَبِيهِ، قَالَ: حَدَّثَنِي مَنْ لَا أَتَّهِمُ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ .
وَتَابَعَهُ جَرِيرُ بْنُ عَبْدِ الْحَمِيدِ.
وَقَالَ يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ الْأَنْصَارِيُّ، وَمَالِكُ بْنُ أَنَسٍ، وَعَبْدُ اللَّهِ بْنُ إِدْرِيسَ، وَيَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ الْأُمَوِيُّ، عَنْ هِشَامٍ، عَنْ أَبِيهِ مُرْسَلًا.
стр. 5290
وَرُوِيَ عَنِ الزُّهْرِيِّ، عَنْ عُرْوَةَ، عَنْ عَائِشَةَ.
قَالَهُ سُوَيْدُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ، عَنْ سُفْيَانَ بْنِ حُسَيْنٍ.
وَرَوَاهُ يَحْيَى بْنُ عُرْوَةَ بْنِ الزُّبَيْرِ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ رَجُلٍ مِنْ أَصْحَابِ النَّبِيِّ ﷺ .
وَالْمُرْسَلُ عَنْ عُرْوَةَ أَصَحُّ» اهـ.
لكن للحديث شواهد يتقوى بها منها حديث عبادة بن الصامت عند عبد الله في [زَوَائِدِ الْمُسْنَدِ] (٢٢٧٧٨).
قَالَ الْحِافِظُ ابْنُ حَجَرٍ ﵀ فِي [الْفَتْحِ] (٥/ ١٩):
«وَفِي الْبَابِ عَنْ عَائِشَةَ أَخْرَجَهُ أَبُو دَاوُدَ الطَّيَالِسِيُّ وَعَنْ سَمُرَةَ عِنْدَ أَبِي دَاوُدَ وَالْبَيْهَقِيِّ وَعَنْ عُبَادَةَ وَعَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو عِنْدَ الطَّبَرَانِيِّ وَعَنْ أَبِي أُسَيْدٍ عِنْدَ يَحْيَى بْنِ آدَمَ فِي كِتَابِ الْخَرَاجِ وَفِي أَسَانِيدِهَا مَقَالٌ لَكِنْ يَتَقَوَّى بَعْضُهَا بِبَعْضٍ» اهـ.
قُلْتُ: وحديث: «مَنْ زَرَعَ فِي أَرْضِ قَوْمٍ بِغَيْرِ إذْنِهِمْ، فَلَيْسَ لَهُ مِنْ الزَّرْعِ شَيْءٌ، وَعَلَيْهِ نَفَقَتُهُ». لا يصح بهذا اللفظ، لكن الصحيح الحديث الآخر الذي ذكره وهو ما رواه أبو داود (٣٣٩٩)، والنسائي (٣٨٨٩) مِنْ طَرِيْقِ يَحْيَى - هو القطان-، حَدَّثَنَا أَبُو جَعْفَرٍ الْخَطْمِيُّ وَاسْمُهُ عُمَيْرُ بْنُ يَزِيدَ، قَالَ: بَعَثَنِي عَمِّي أَنَا وَغُلَامًا لَهُ إِلَى سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيَّبِ، قَالَ: فَقُلْنَا لَهُ شَيْءٌ بَلَغَنَا عَنْكَ فِي الْمُزَارَعَةِ؟، قَالَ: كَانَ ابْنُ عُمَرَ، لَا يَرَى بِهَا بَأْسًا حَتَّى بَلَغَهُ عَنْ رَافِعِ بْنِ خَدِيجٍ، حَدِيثٌ فَأَتَاهُ فَأَخْبَرَهُ رَافِعٌ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ أَتَى بَنِي حَارِثَةَ فَرَأَى زَرْعًا فِي أَرْضِ ظُهَيْرٍ، فَقَالَ:
стр. 5291
مَا أَحْسَنَ زَرْعَ ظُهَيْرٍ، قَالُوا: لَيْسَ لِظُهَيْرٍ، قَالَ: أَلَيْسَ أَرْضُ ظُهَيْرٍ؟، قَالُوا: بَلَى، وَلَكِنَّهُ زَرْعُ فُلَانٍ، قَالَ: «فَخُذُوا زَرْعَكُمْ وَرُدُّوا عَلَيْهِ النَّفَقَةَ»، قَالَ رَافِعٌ: «فَأَخَذْنَا زَرْعَنَا وَرَدَدْنَا إِلَيْهِ النَّفَقَةَ».
قُلْتُ: هَذَا حَدِيْثٌ صَحِيْحٌ. وهو محمول على المزارعة الفاسدة.
قَالَ شَيْخُ الْإِسْلَامِ ابْنُ تَيْمِيَّةَ ﵀ كَمَا فِي [مَجْمُوْعِ الْفَتَاوَى] (٢٩/ ١٢٣ - ١٢٤): «وَلَمَّا وَقَعَ مَا وَقَعَ مِنْ رَأْيِ كَثِيرٍ مِنْ الْفُقَهَاءِ: اعْتَقَدُوا أَنَّ الْحَبَّ وَالنَّوَى فِي الزَّرْعِ وَالشَّجَرِ: هُوَ الْأَصْلُ وَالْبَاقِي تَبَعٌ حَتَّى قَضَوْا فِي مَوَاضِعَ بِأَنْ يَكُونَ الزَّرْعُ وَالشَّجَرُ لِرَبِّ النَّوَى وَالْحَبُّ مَعَ قِلَّةِ قِيمَتِهِ وَلِرَبِّ الْأَرْضِ أُجْرَةُ أَرْضِهِ وَالنَّبِيُّ ﷺ إنَّمَا قَضَى بِضِدِّ هَذَا حَيْثُ قَالَ: "مَنْ زَرَعَ فِي أَرْضِ قَوْمٍ بِغَيْرِ إذْنِهِمْ فَلَيْسَ لَهُ مِنْ الزَّرْعِ شَيْءٌ وَلَهُ نَفَقَتُهُ" فَأَخَذَ أَحْمَد وَغَيْرُهُ مِنْ فُقَهَاءِ الْحَدِيثِ بِهَذَا الْحَدِيثِ. وَبَعْضُ مَنْ أَخَذَ بِهِ يَرَى أَنَّهُ خِلَافُ الْقِيَاسِ وَأَنَّهُ مِنْ صُوَرِ الِاسْتِحْسَانِ وَهَذَا لِمَا انْعَقَدَ فِي نَفْسِهِ مِنْ الْقِيَاسِ الْمُتَقَدِّمِ وَهُوَ أَنَّ الزَّرْعَ تَبَعٌ لِلْبَذْرِ وَالشَّجَرَ تَبَعٌ لِلنَّوَى. وَمَا جَاءَتْ بِهِ السُّنَّةُ هُوَ الْقِيَاسُ الصَّحِيحُ الَّذِي تَدُلُّ عَلَيْهِ الْفِطْرَةُ؛ فَإِنَّ إلْقَاءَ الْحَبِّ فِي الْأَرْضِ بِمَنْزِلَةِ إلْقَاءِ الْمَنِيِّ فِي الرَّحِمِ سَوَاءٌ؛ وَلِهَذَا سَمَّى اللَّهُ النِّسَاءَ حَرْثًا فِي قَوْله تَعَالَى: ﴿نِسَاؤُكُمْ حَرْثٌ لَكُمْ﴾ كَمَا سَمَّى الْأَرْضَ الْمَزْرُوعَةَ حَرْثًا وَالْمُغَلَّبُ فِي مِلْكِ الْحَيَوَانِ إنَّمَا هُوَ جَانِبُ الْأُمِّ. وَلِهَذَا تَبِعَ الْوَلَدُ الْآدَمِيُّ أُمَّهُ فِي الْحُرِّيَّةِ وَالرِّقِّ دُونَ أَبِيهِ وَيَكُونُ جَنِينُ الْبَهِيمَةِ لِمَالِكِ الْأُمِّ دُونَ مَالِكِ الْفَحْلِ الَّذِي نُهِيَ عَنْ
стр. 5292
عَسْبِهِ؛ وَذَلِكَ لِأَنَّ الْأَجْزَاءَ الَّتِي اسْتَمَدَّهَا مِنْ الْأُمِّ أَضْعَافُ الْأَجْزَاءِ الَّتِي اسْتَمَدَّهَا مِنْ الْأَبِ. وَإِنَّمَا لِلْأَبِ حَقُّ الِابْتِدَاءِ فَقَطْ وَلَا رَيْبَ أَنَّهُ مَخْلُوقٌ مِنْهُمَا جَمِيعًا. وَكَذَلِكَ الْحَبُّ وَالنَّوَى؛ فَإِنَّ الْأَجْزَاءَ الَّتِي خَلَقَ مِنْهَا الشَّجَرَ وَالزَّرْعَ أَكْثَرُهَا مِنْ التُّرَابِ وَالْمَاءِ وَالْهَوَاءِ وَقَدْ يُؤَثِّرُ ذَلِكَ فِي الْأَرْضِ فَتَضْعُفُ بِالزَّرْعِ فِيهَا؛ لَكِنْ لَمَّا كَانَتْ هَذِهِ الْأَجْزَاءُ تُسْتَخْلَفُ دَائِمًا - فَإِنَّ اللَّهَ سُبْحَانَهُ لَا يَزَالُ يَمُدُّ الْأَرْضَ بِالْمَاءِ وَالْهَوَاءِ وَبِالتُّرَابِ إمَّا مُسْتَحِيلًا مِنْ غَيْرِهِ وَإِمَّا بِالْمَوْجُودِ وَلَا يُؤَثِّرُ فِي الْأَرْضِ نَقْصُ الْأَجْزَاءِ التُّرَابِيَّةِ شَيْئًا إمَّا لِلْخَلَفِ بِالِاسْتِحَالَةِ وَإِمَّا لِلْكَثْرَةِ» اهـ.
قُلْتُ: وهذا الذي يظهر لي صحته، والله أعلم.
٦ - واحتج به على منع الحجز في المساجد لغير سابق إليها ببدنه.
وَقَدْ جَاءَ فِي [فَتَاوَى وَرَسَائِلَ مُحَمَدِ بْنِ إِبْرَاهِيْمَ آل الْشَّيْخِ] (٣/ ٢٤ - ٢٨):
«من محمد بن إبراهيم إلى حضرة المكرم أحمد رمضاني سلمه الله
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته وبعد:
وصلنا كتابكم تاريخ ٢٣/ ٩ الذي تذكرون فيه أنَّ بعض الزمازمة والمطوفين يفرشون بسط وحنابل في المسجد، ويمنعون الناس من الجلوس عليها والصلاة، ويتحجرونها لبعض الحجاج الذين يفدون عليهم.
نفيدكم أنَّ هذا لا يجوز، لأنَّ المساجد لله سبحانه، والسابق أحق من المتأخر، والسبق والتقدم إلى المسجد يكون بالبدن لا بالفراش والوطاء، فمنع الناس والحالة هذه لا يجوز، بل هو ظلم وغصب لتلك البقعة من المسجد بدون حق،
стр. 5293
وعن عائشة ﵂ أنَّ النَّبي ﷺ قال: "من ظلم قيد شبر من الأرض طُوقَ به سبع أرضين يوم القيامة".
وأيضاً: فعمارة المساجد بطاعة الله فيها من الذكر والقراءة والصلاة كما في حديث أبي سعيد: "إذا رأيتم الرجل يعتاد المسجد فاشهدوا له بالإيمان ثم قرأ: ﴿إِنَّمَا يَعْمُرُ مَسَاجِدَ اللَّهِ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَاليَوْمِ الآخِرِ وَأَقَامَ الصَّلَاةَ وَآتَى الزَّكَاةَ﴾ " الآية. رواه ابن ماجه والترمذي وقال حسن غريب.
ومتحجر تلك البقعة مانع لتلك العمارة المعنوية المطلوبة شرعاً والمرغوب فيها، ولا يبعد دخوله تحت قوله سبحانه: ﴿وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ مَنَعَ مَسَاجِدَ اللَّهِ أَنْ يُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ وَسَعَى فِي خَرَابِهَا﴾ الآية.
ثم إنَّ واضع ذلك الوطاء والفراش ونحوه قد يحمله ذلك على التأني والتأخر عن إتيان المسجد في أول الوقت، ويفوت على نفسه بسبب ذلك خيراً كثيراً، وقد يأتي متأخراً ويتخطى رقاب الناس وهذا حرام كما في الحديث: أنَّ النَّبي ﷺ رأى رجلاً يتخطى رقاب الناس فقال له: "اجلس فقد آذيت".
ولم يكن من عادة السلف الصالح وضع تلك الفراش وتحجر المساجد، بل أنكروا ذلك وعدوه بدعة في الدين، وكل بدعة ضلالة، كما يروون أنَّ عبد الرحمن بن مهدي فرش مصلاه في مسجد الرسول ﷺ فأمر بحبسه، وقال: أما علمت أنَّ هذا في مسجدنا بدعة.
стр. 5294
فإذا علمت ما ذكر فلا شك أنَّ فعل ذلك في المسجد الحرام أعظم تحريماً وأشد منعاً، لعظم حرمة ذلك المسجد، وقد صرحت الأدلة أنَّ المعاصي في الأيام المعظمة والأمكنة المعظمة تغلظ معصيتها وعقابها بقدر فضيلة الزمان والمكان، قال الله سبحانه: ﴿وَمَنْ يُرِدْ فِيهِ بِإِلْحَادٍ بِظُلْمٍ نُذِقْهُ مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ﴾.
قال ابن الحاج في "المدخل": ليس للإنسان في المسجد إلَّا موضع قيامه وسجوده وجلوسه وما زاد على ذلك فلسائر المسلمين، فإذا بسط لنفسه شيئاً ليصلي عليه احتاج لأجل توسعة ثوبه شيئاً كبيراً ليعم ثوبه على سجادته، فيكون في سجادته اتساع خارج فيمسك بسبب ذلك موضع رجلين أو نحوهما إن سلم من الكبر من أنَّه لا ينضم إلى سجادته أحد، فإن لم يسلم من ذلك وولى الناس عنه وتباعدوا منه هيبة لكمه وثوبه وتركهم هو ولم يأمرهم بالقرب إليه فيمسك ما هو أكبر من ذلك فيكون غاضباً لذلك القدر من المسجد، فيقع بسبب ذلك في المحرم المتفق عليه المنصوص عن صاحب الشريعة حيث قال: "من غصب شبراً من الأرض طوقه من سبع أرضين يوم القيامة" وذلك الموضع الذي أمسكه بسبب قماشه وسجادته ليس للمسلمين به حاجة في الغالب إلَّا وقت الصلاة، وهو في وقت الصلاة غاصب له، فيقع في هذا الوعيد بسبب قماشه وسجادته، فإن بعث بسجادته إلى المسجد في أول الوقت أو قبله ففرشت له هناك وقعد هو إلى أن يمتلئ المسجد
стр. 5295
بالناس ثم يأتي كان غاضباً لذلك الموضع الذي عملت السجادة فيه، لأنَّه ليس له أن يحجزه، وليس لأحد فيه إلَّا موضع صلاته. انتهى.
وقال الشيخ تقي الدين ابن تيمية في "الفتاوى المصرية": وأمَّا ما يفعله كثير من الناس من تقديم المفارش إلى المسجد يوم الجمعة أو غيرها قبل ذهابه إلى المسجد فهذا منهي عنه باتفاق المسلمين بل محرم. وهل تصح صلاته على ذلك المفروش، فيه قولان للعلماء لأنَّه غصب بقعة في المسجد في فرش ذلك المفروش فيها، ومنع غيره من المصلين الذين يسبقونه إلى المسجد أن يصلي في ذلك المكان، ومن صلى في بقعة من المسجد مع منع غيره فهل هو كالصلاة في الأرض المغصوبة؟ على وجهين وفي الصلاة في الأرض المغصوبة قولان للعلماء، وهذا مستند من كره الصلاة في المقاصير التي تمنع صلاة عموم الناس، والمشروع في المسجد أنَّ الناس يتمون الصف الأول. كما قال النبي ﷺ : "ألا تصفون كما تصف الملائكة عند ربها" قالوا وكيف تصف الملائكة عند ربها؟ قال: "يتمون الصف الأول فالأول ويتراصون في الصف".
وفي الصحيحين عنه ﷺ أنَّه قال: "لو يعلم الناس ما في النداء والصف الأول ثم لم يجدوا إلا أن يستهموا عليه لاستهموا ولو يعلمون ما في التهجير لاستبقوا إليه". والمأمور أن يسبق الرجل بنفسه إلى المسجد، فإذا قدم المفروش وتأخر فقد خالف الشريعة من وجهين:
стр. 5296
من وجه تأخره وهو مأمور بالتقدم.
ومن جهة غصبه لطائفة من المسجد ومنع السابقين إلى المسجد أن يصلوا فيه وأن يتموا الصف الأول فالأول. ثم أن يتخطى الناس إذا حضروا، وفي الحديث: "الذي يتخطى رقاب الناس يتخذ جسراً إلى جهنم". وقال النبي ﷺ للرجل: "اجلس فقد آذيت" ثم إذا فرش هذا فهل لمن سبق إلى المسجد أن يرفع ذلك ويصلي موضعه؟ فيه قولان:
أحدهما: ليس له ذلك؛ لأنَّه تصرف في ملك الغير بغير إذنه.
والثاني: وهو الصحيح أنَّ لغيره رفعه والصلاة مكانه، لأنَّ هذا السابق يستحق الصلاة في الصف المتقدم، وهو مأمور بذلك أيضاً، ولا يتمكن من فعل هذا المأمور واستيفاء ذلك الحق إلَّا برفع ذلك المفروش، وما لا يتم المأمور إلَّا به فهو مأمور به، وأيضاً فذلك المفروش وضعه هناك على وجه الغصب، وذلك منكر، وقد قال النبي ﷺ : "من رأى منكم منكراً فليغيره بيده فإن لم يستطع فبلسانه فإن لم يستطع فبقلبه وذلك أضعف الإيمان". لكن ينبغي أن يراعى في ذلك أن لا يؤول إلى منكر أعظم منه، وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم» اهـ.
وَلِلْعَلَامَةِ عَبْدِ اللهِ بْنِ عَقِيْلٍ ﵀ فَتْوَى مأخوذة من كلام العلامة محمد بن إبراهيم آل الشيخ ﵀، كما في [فَتَاوَى الشَّيْخِ عَبْدِ اللهِ بْنِ عَقِيْلٍ] (٢/ ١٢٣ - ١٢٥) قال في آخرها:
стр. 5297
«فإن قدَّم صاحبًا له فجلس حتى إذا جاء قام صاحبه وأجلسه مكانه فلا بأس؛ لأنَّ النائب يقوم باختياره، وروي أنَّ محمد بن سيرين كان يرسل غلاماً له يوم الجمعة فيجلس في مكانه، فإذا جاء قام الغلام وجلس محمد. فإن لم يكن نائباً فقام باختياره فلا بأس؛ لأنَّه قام باختياره، وأمَّا إذا قام الرجل من موضعه لعارض لَحِقَه، ثم عاد إليه قريباً، فهو أحق به؛ لما روى مسلم: "إذا قام أحد من مجلسه، ثم رجع إليه فهو أحق به". واللَّه أَعْلَمُ» اهـ.
وَجَاءَ فِي [مَجْمُوعِ فَتَاوَى ابْنِ بَازٍ] (١٢/ ٢٠٨):
«سائل يسأل عن حجز الأماكن يوم الجمعة وحبسها لأناس خلف الإمام ومنع من جاء ليجلس فيها. إلخ، وعن موقف المأمومين خلف الجنازة؟
ج: المسجد لمن سبق، فلا يجوز لأحد أن يحجز مكاناً في المسجد، ولهذا قال النبي ﷺ : "لو يعلم الناس ما في النداء والصف الأول ثم لم يجدوا إلَّا أن يستهموا عليه لاستهموا". أي: لاقترعوا، فحجزه أمر لا يجوز وغصب للمكان ولا حق لمن غصبه، فالسابق أولى منه وأحق به حتى يتقدم الناس إلى الصلاة بأنفسهم» اهـ.
قُلْتُ: وأمَّا من سبق إلى مكان في المسجد ثم أراد الذهاب إلى قضاء الحاجة، أو الوضوء فله أن يحجز مكانه الذي سبق إليه؛ لأنَّه أحق به من غيره، وقد جاء في
стр. 5298
[رَسَائِلَ وَفَتَاوَى الْعَلَّامَةِ عَبْدِ اللهِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ أَبِي بَطِيْنٍ] (ص: ١٨٦ - ١٨٧): «بسم الله الرحمن الرحيم
من عبد الله بن عبد الرحمن (أبا بطين) إلى جناب الأخ المكرم صالح بن عبد الرحمن بن عيسى، سلمه الله تعالى.
سلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
وبعد: فالموجب لتحريره إبلاغ السلام، ومن حال ما سألت عنه، فإذا صار إنسان يجلس في المسجد فلا بأس كونه يجعل عصاه في مكان فاضل، بحيث أنَّه ما يخرج من المسجد إلَّا لما لا بد منه، من نحو وضوء، وكذلك لفطور، وسحور، ونحوه، فلا بأس بجعله عصاه في مكان فاضل. وإن كان يحط عصاه في مكان، ويخرج لأشغاله لنحو: بيع وشراء أو كد ونحوه، فلا ينبغي لمثل هذا يحط عصاه في مكان يحميه عن غيره.
وأمَّا الذي ما يخرج إلَّا لنحو أكل وشرب أو وضوء، فلا بأس بجعله عصاه في مكان فاضل؛ ليجوز فضيلة الصف الأول، أو وسط الصف، وكذلك الجمعة، وغيرها.
وأمَّا من دخل المسجد، ووجد فيه عصى يضعونها أهلها، ويخرجون لغُرضانهم -فلا بأس بتوخيرها، والمجيء في موضعها، فإن حاذرت من شيء يصير في نفس أخ لك، إذا أخرت عصاه، وجلست في مكانه، فالذي أُحِبُّ تركها، والجلوس في مكان آخر» اهـ.
стр. 5299
وَجَاءَ فِي [مُجْمُوعِ فَتَاوَى وَرَسَائِلَ الْعُثَيْمِيْن] (٢٤/ ٤١ - ٤٢):
«سئل فضيلة الشيخ- رحمه الله تعالى-: ما يفعله كثير من الناس من حجز المكان في المسجد الحرام أو في غيره، يضع كرسي أو المصحف مثلاً على مكانه ويأتي بعد ست أو سبع ساعات ويحجز عن غيره من المسلمين الذين يأتون قبله، فهل هذا جائز أم لا؟
فأجاب فضيلته بقوله: الذي نرى في حجز الأماكن في المسجد الحرام أو في غيره من المساجد أنَّه إن حجز وهو في نفس المسجد، أو خرج من المسجد لعارض وسيرجع عن قرب فإنَّه لا بأس بذلك، لكن بشرط إذا اتصلت الصفوف يقوم إلى مكانه ولا يتخطى الرقاب.
وأمَّا ما يفعله بعض الناس يحجز ويذهب إلى بيته وينام ويأكل ويشرب، أو إلى تجارته يبيع ويشتري، فهذا حرام ولا يجوز، هذا هو القول الصحيح في هذا المسألة، لكن قد يرد علينا مسألة الحجز في منى فإنَّه يذكر عن النبي ﷺ أنَّه قيل له: ألا نبني بناء يعني في منى، فقال: "منى، مناخ من سبق" فنقول: إذا حجز الناس في منى فأحجز، لأنَّه لو لم تفعل ما وجدت مكاناً، ولو أنَّ الناس كلهم اتقوا الله ، وتركو الحجز، وصار من سبق فهو أحق، فهذا هو الخير، لكن الآن الأمر بالعكس، إلَّا أنَّه بحمد الله في ظني أنَّ ما حصل أخيراً
стр. 5300
من الحملات التي تأخذ أرضاً بإذن المسئولين عن توزيع الأراضي هي أهون بكثير من الحجز؛ لأنَّه بذلك تكون البقاع منظمة، وكل إنسان يعرف مكانه» اهـ.
قُلْتُ: هذا الحديث الذي ذكره العلامة ابن عثيمين ﵀، رواه أحمد (٢٥٧٥٩) ومِنْ طَرِيْقِه أبو داود (٢٠١٩)، ورواه الترمذي (٨٨١)، وابن ماجة (٣٠٠٦) مِنْ طَرِيْقِ إِسْرَائِيلَ، عَنْ إِبْرَاهِيمَ بْنِ مُهَاجِرٍ، عَنْ يُوسُفَ بْنِ مَاهَكَ، عَنْ أُمِّهِ مُسَيْكَةَ، عَنْ عَائِشَةَ قُلْنَا: يَا رَسُولَ اللَّهِ أَلَا نَبْنِي لَكَ بَيْتًا بِمِنًى يُظِلُّكَ؟ قَالَ: «لَا. مِنًى مُنَاخُ لِمَنْ سَبَقَ».
قُلْتُ: هَذَا حَدِيْثٌ ضَعِيْفٌ لجهالة مسيكة.
وَجَاءَ أَيْضَاً فِي [مُجْمُوعِ فَتَاوَى وَرَسَائِلَ الْعُثَيْمِيْن] (١٢/ ٣٢١):
«سئل فضيلة الشيخ - حفظه الله تعالى -: عن حكم حجز المكان في المسجد؟
فأجاب قائلاً: إنَّ حجر الأماكن إذ كان الذي حجزها خرج من المسجد فهذا حرام عليه، ولا يجوز، لأنَّه ليس له حق في هذا المكان، فالمكان إنَّما يكون للأول فالأول، حتى إنَّ بعض فقهاء الحنابلة يقول: إنَّ الإنسان إذا حجز مكاناً وخرج من المسجد فإنَّه إذا رجع وصلى فيه فصلاته باطلة، لأنَّه قد غصب هذا المكان؛ لأنَّه ليس من حقه أن يكون فيه وقد سبقه أحد أليه، والإنسان إنَّما يتقدم ببدنه لا بسجادته أو منديله أو عصاه، ولكن إذا كان الإنسان في المسجد ووضع هذا وهو في المسجد لكن يحب أن يكون في مكان آخر يسمع درساً، أو يتقي عن الشمس ونحو ذلك فهذا لا بأس به بشرط أن لا يتخطى الناس عند رجوعه إلى مكانه،
стр. 5301
فإن كان يلزم من رجوعه تخطي الناس وجب عليه أن يتقدم إلى مكانه إذا حاذاه الصف الذي يليه لئلا يؤذي الناس» اهـ.
قُلْتُ: لكن قد يقال: ليس له الحق في شغل مكانين في المسجد، فيشغل مكاناً ببدنه ومكاناً بعمامته أو بعصاه أو بكتابه أو غير ذلك.
فائدة: روى البخاري في [الْأَدَبِ الْمُفْرَدِ] (١١٤٧)، وابن عساكر في [تَارِيْخِ دِمَشْقَ] (٥٠/ ٥٩) مِنْ طَرِيْقِ مُعَاوِيَةَ بْنِ صَالِحٍ قَالَ: «حَدَّثَنِي أَبُو الزَّاهِرِيَّةِ قَالَ: حَدَّثَنِي كَثِيرُ بْنُ مُرَّةَ قَالَ: دَخَلْتُ الْمَسْجِدَ يَوْمَ الْجُمُعَةِ، فَوَجَدْتُ عَوْفَ بْنَ مَالِكٍ الْأَشْجَعِيَّ جَالِسًا فِي حَلْقَةٍ مَادًّا رِجْلَيْهِ بَيْنَ يَدَيْهِ، فَلَمَّا رَآنِي قَبَضَ رِجْلَيْهِ، ثُمَّ قَالَ لِي: تَدْرِي لِأَيِّ شَيْءٍ مَدَدْتُ رِجْلَيَّ؟ لَيَجِيءَ رَجُلٌ صَالِحٌ فَيَجْلِسَ».
قُلْتُ: إِسْنَادُهُ حَسَنٌ.
قَالَ الْحَافِظُ الذَّهَبِيُّ ﵀ فِي [السِّيَرِ] (٥/ ١٢):
«هَذِهِ مَسْأَلَةٌ حَسَنَةٌ عَنْ صَحَابِيٍّ جَلِيْلٍ» اهـ.
قُلْتُ: ففي ذلك أنَّ حجز الشخص لغيره ببدنه لا يضر وذلك أنَّ للشخص أن يمد رجليه في المسجد وله أن يقبضهما لجلوس من شاء.
فائدة أخرى: قَالَ الْعَلَّامَةُ ابْنُ مُفْلِحٍ ﵀ فِي [الْفُرُوْعِ] (٣/ ١٦٠ - ١٦١):
«ويحرم "و" وَفِي الرِّعَايَةِ: يُكْرَهُ أَنْ يُقِيمَ غَيْرَهُ فَيَجْلِسَ مَكَانَهُ وَلَوْ كَانَ الْغَيْرُ وَلَدَهُ أَوْ عَبْدَهُ، أَوْ عَادَتُهُ يُصَلِّي فِيهِ، حَتَّى الْمُعَلَّمُ وَنَحْوُهُ "ش"؛ لِأَنَّ عِنْدَهُ إذَا حَضَرَ لَمْ يَكُنْ
стр. 5302
لِغَيْرِهِ جُلُوسُهُ فِيهِ، قَالَ أَصْحَابُنَا: إلَّا مَنْ جَلَسَ بِمَكَانٍ يَحْفَظُهُ لِغَيْرِهِ بِإِذْنِهِ أَوْ دونه، قيل: لأنَّه يقوم باختياره، وقيل: لأنَّه جَلَسَ لِحِفْظِهِ لَهُ، وَلَا يَحْصُلُ ذَلِكَ إلَّا بِإِقَامَتِهِ، وَلَمْ يَذْكُرْ جَمَاعَةً: أَوْ دُونَهُ، فَقَالَ صَاحِبُ الْمُحَرَّرِ: لِأَنَّهُ تَوْكِيلٌ فِي اخْتِصَاصٍ بِمُبَاحٍ، كَتَوْكِيلِهِ فِي تَمَلُّكِ الْمُبَاحِ وَمَقَاعِدِ السُّوقِ» اهـ.
فائدة أخرى: قَالَ الْعَلَّامَةُ مَنْصُورُ الْبُهُوتِيُّ الْحَنْبَلِيُّ ﵀ فِي [شَرْحِ مُنْتَهَى الْإِرَادَاتِ] (١/ ٣٢٢):
«(وَ) حَرُمَ أَيْضًا (رَفْعُ مُصَلًّى مَفْرُوشٍ) لِيُصَلِّيَ عَلَيْهِ رَبُّهُ إذَا جَاءَ، لِأَنَّهُ افْتِيَاتٌ عَلَى رَبِّهِ، وَتَصَرُّفٌ فِي مِلْكِهِ بِغَيْرِ إذْنِهِ.
فَيَجُوزُ فَرْشُهُ (مَا لَمْ تَحْضُرْ) أَيْ تُقَمْ (الصَّلَاةُ) وَلَا يَحْضُرُ رَبُّهُ، فَلِغَيْرِهِ رَفْعُهُ وَالصَّلَاةُ مَكَانَهُ فَإِنَّ الْمَفْرُوشَ لَا حُرْمَةَ لَهُ بِنَفْسِهِ، وَرَبُّهُ لَمْ يَحْضُرْ» اهـ.
قُلْتُ: من سبق ببدنه ثم ذهب لحاجة قريبة كالوضوء فلا يزال حجزه إلَّا إذا حضرت الصلاة، ومن أرسل سجادته إلى المسجد ولم يحضر بنفسه فلا حرمة لسجادته لأنَّه متعد بفعله.
فائدة أخرى: جاء في الحجز ما رواه أبو داود (٤٨٥٤) حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ مُوسَى الرَّازِيُّ، حَدَّثَنَا مُبَشِّرٌ الْحَلَبِيُّ، عَنْ تَمَّامِ بْنِ نَجِيحٍ، عَنْ كَعْبٍ الْإِيَادِيِّ، قَالَ: كُنْتُ أَخْتَلِفُ إِلَى أَبِي الدَّرْدَاءِ، فَقَالَ أَبُو الدَّرْدَاءِ: «كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : إِذَا جَلَسَ وَجَلَسْنَا حَوْلَهُ فَقَامَ، فَأَرَادَ الرُّجُوعَ نَزَعَ نَعْلَيْهِ، أَوْ بَعْضَ مَا يَكُونُ عَلَيْهِ، فَيَعْرِفُ ذَلِكَ أَصْحَابُهُ فَيَثْبُتُونَ».
стр. 5303
قُلْتُ: هَذَا حَدِيثٌ ضَعِيْفٌ جِدًّا، فتمام ضعيف الحديث واه، وكعب الأيادي مجهول.
فائدة أخرى: قَالَ الْعَلَّامَةُ الْقُرْطُبِي ﵀ فِي [تَفْسِيْرِهِ] (١٧/ ٢٩٨):
«الرَّابِعَةُ- إِذَا أَمَرَ إِنْسَانٌ إِنْسَانًا أَنْ يُبَكِّرَ إِلَى الْجَامِعِ فَيَأْخُذُ لَهُ مَكَانًا يَقْعُدُ فِيهِ لَا يُكْرَهُ، فَإِذَا جَاءَ الْآمِرُ يَقُومُ مِنَ الْمَوْضِعِ، لِمَا رُوِيَ: أَنَّ ابْنَ سِيرِينَ كَانَ يُرْسِلُ غُلَامَهُ إِلَى مَجْلِسٍ لَهُ فِي يَوْمِ الْجُمُعَةِ فَيَجْلِسُ لَهُ فِيهِ، فَإِذَا جَاءَ قَامَ لَهُ مِنْهُ. فَرْعٌ- وَعَلَى هَذَا مَنْ أَرْسَلَ بِسَاطًا أَوْ سَجَّادَةً فَتُبْسَطُ لَهُ فِي مَوْضِعٍ مِنَ الْمَسْجِدِ» اهـ.
قُلْتُ: إرسال السجاد ونحوه منهي عنه باتفاق المسلمين كما سبق في كلام شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀، وما جاء عن ابن سيرين هو من قبيل السبق بالبدن والسابق له أن يبقى بمكانه وله أن يؤثر به غيره، على أنِّي لم أقف على أثر ابن سيرين مسنداً.
فائدة أخرى: روى مالك في [الْمُوَطَّأِ] (١٣) عَنْ عَمِّهِ أَبِي سُهَيلِ بْنِ مَالكٍ، عَنْ أَبِيهِ، أَنَّهُ قَالَ: «كُنْتُ أَرَى طِنْفَسَةً لِعَقِيلِ بنِ أَبِي طَالِبٍ، يومَ الْجُمُعَةِ تُطرَحُ إِلى جِدَارِ الْمَسْجِدِ الْغَرْبِيِّ، فَإِذَا غَشِيَ الطِّنْفِسَةَ كُلَّهَا ظِلُّ الْجِدَارِ خَرَجَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ وَصَلَّى الْجُمُعَةَ».
قُلْتُ: إِسْنَادُهُ صَحِيْحٌ.
стр. 5304
واحتج به من قال بمشروعية إرسال البساط للحجز في المسجد، وليس فيه دلالة على ذلك، فلعلها كانت توضع له في مجلس العلم لا الصلاة.
قَالَ الْحَافِظُ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِ ﵀ فِي [الْاسْتِذْكَارِ] (١/ ٥٥):
«الْمَعْنَى فِي طَرْحِ الطِّنْفِسَةِ لِعَقِيلٍ عِنْدَ الْجِدَارِ الْغَرْبِيِّ مِنَ الْمَسْجِدِ وَكَانَ يَجْلِسُ عَلَيْهَا وَيَجْتَمِعُ إِلَيْهِ وَكَانَ نَسَّابَةً عَالِمًا بِأَيَّامِ النَّاسِ» اهـ.
* * *
стр. 5305
بَابُ اللُّقَطَةِ.
٢٨٧ - عَنْ زَيْدِ بْنِ خَالِدٍ الْجُهَنِيِّ ﵁ قَالَ: «سُئِلَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَنْ لُقَطَةِ الذَّهَبِ، أَوْ الْوَرِقِ؟ فَقَالَ: "اعْرِفْ وِكَاءَهَا وَعِفَاصَهَا، ثُمَّ عَرِّفْهَا سَنَةً فَإِنْ لَمْ تُعْرَفْ فَاسْتَنْفِقْهَا وَلْتَكُنْ وَدِيعَةً عِنْدَكَ فَإِنْ جَاءَ طَالِبُهَا يَوْماً مِنْ الدَّهْرِ فَأَدِّهَا إلَيْهِ".
وَسَأَلَهُ عَنْ ضَالَّةِ الإِبِلِ؟ فَقَالَ: "مَا لَك وَلَهَا؟ دَعْهَا فَإِنَّ مَعَهَا حِذَاءَهَا وَسِقَاءَهَا، تَرِدُ الْمَاءَ وَتَأْكُلُ الشَّجَرَ، حَتَّى يَجِدَهَا رَبُّهَا".
وَسَأَلَهُ عَنْ الشَّاةِ؟ فَقَالَ: "خُذْهَا فَإِنَّمَا هِيَ لَكَ، أَوْ لأَخِيك، أَوْ لِلذِّئْبِ"».
قُلْتُ: اللُقَطة: بضم اللام وفتح القاف على المشهور عند أهل اللغة والمحدثين هو الشيء الذي يلتقط.
وَقَالَ الْعَلَّامَةُ ابْنُ قُدَامَةَ ﵀ فِي [الْمُغْنِي] (١٢/ ٣٤١):
«قَالَ الْخَلِيلُ بْنُ أَحْمَدَ اللُّقَطَةُ، بِفَتْحِ الْقَافِ: اسْمٌ لِلْمُلْتَقِطِ، لِأَنَّ مَا جَاءَ عَلَى فُعَّلَةٌ فَهُوَ اسْمٌ لِلْفَاعِلِ، كَقَوْلِهِمْ: هُمَزَةٌ وَلُمَزَةٌ وَضُحَكَةٌ وَهُزَأَةٌ، وَاللُّقْطَةُ، بِسُكُونِ الْقَافِ: الْمَالُ الْمَلْقُوطُ، مِثْلُ الضُّحْكَةِ الَّذِي يُضْحَكُ مِنْهُ، وَالْهُزْأَةُ الَّذِي يُهْزَأُ بِهِ.
وَقَالَ الْأَصْمَعِيُّ وَابْنُ الْأَعْرَابِيِّ وَالْفَرَّاءُ: هِيَ بِفَتْحِ الْقَافِ، اسْمٌ لِلْمَالِ الْمَلْقُوطِ أَيْضًا» اهـ.
стр. 5306
قُلْتُ: والوِكاء بكسر الواو والمد الخيط الذي يشد به الصرة وغيرها.
والعفاص: الوعاء الذي تكون فيه النفقة من جلد كان أو غيره، وهو مأخوذ من العفص، وهو الثني؛ لأنَّ الوعاء يثني على ما فيه، والعفاص أيضاً الجلد الذي يكون على رأس القارورة، وأمَّا الذي يدخل فم القارورة من جلد أو غيره فهو الصمام بكسر الصاد المهملة. ذكره الْحِافِظُ ابْنُ حَجَرٍ ﵀ فِي [فَتْحِ الْبَارِي] (٥/ ٨١).
وأمَّا الضالة فمختصة بالحيوان.
قَالَ الْعَلَّامَةُ ابْنُ قُدَامَةَ ﵀ فِي [الْمُغْنِي] (١٢/ ٣٤١):
«والضالة: اسم للحيوان خاصة، دون سائر اللقطة، والجمع ضوال، ويقال لها أيضاً: الْهَوَامِي وَالْهَوَافِي وَالْهَوَامِلُ» اهـ.
قُلْتُ: قوله في الحديث: «فَإِنَّ مَعَهَا حِذَاءَهَا وَسِقَاءَهَا».
قَالَ الْعَلَّامَةُ ابْنُ قُدَامَةَ ﵀ فِي [الْمُغْنِي] (١٢/ ٣٤١): «قوله: "معها حذاءها" يعني: خفها، فإنَّه لقوته وصلابته يجري مجرى الحذاء، وسقاؤها: بطنها؛ لأنَّها تأخذ فيه ماء كثيراً، فيبقى معها يمنعها العطش» اهـ.
وقوله: «أَوْ لأَخِيك». قد يراد به غيرك من اللاقطين، أو مالك اللقطة.
وَفِي الْحَدِيْثِ مَسَائِلُ مِنْهَا:
стр. 5307
١ - وجوب معرفة علامات اللقطة كالإناء التي هي فيه، وغير ذلك كعددها، ولونها، وجنسها، ونوعها، وقدرها حتى إذا جاء طالبها وذكر علاماتها دفعت إليه.
٢ - وفيه معرفة علاماتها قبل التعريف بها، وقد جاء ما يدل على خلاف ذلك، وهو ما رواه البخاري (٢٤٣٦)، ومسلم (١٧٢٢) عَنْ زَيْدِ بْنِ خَالِدٍ الجُهَنِيِّ ﵁: أَنَّ رَجُلًا سَأَلَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ عَنْ اللُّقَطَةِ، قَالَ: «عَرِّفْهَا سَنَةً، ثُمَّ اعْرِفْ وِكَاءَهَا وَعِفَاصَهَا، ثُمَّ اسْتَنْفِقْ بِهَا، فَإِنْ جَاءَ رَبُّهَا، فَأَدِّهَا إِلَيْهِ».
قَالَ الْعَلَّامَةُ الْنَوَوِي ﵀ فِي [شَرْحِ مُسْلِمٍ] (٦/ ١٥٧):
«هذا ربما أوهم أنَّ معرفة الوكاء والعفاص تتأخر على تعريفها سنة، وباقي الروايات صريحة في تقديم المعرفة على التعريف، فيجاب عن هذه الرواية أنَّ هذه معرفة أخرى، ويكون مأموراً بمعرفتين، فيتعرفها أول ما يلتقطها حتى يعلم صدق واصفها إذا وصفها، ولئلا تختلط وتشتبه، فإذا عرفها سنة وأراد تملكها استحب له أن يتعرفها أيضاً مرة أخرى تعرفاً وافياً محققاً، ليعلم قدرها وصفتها فيردها إلى صاحبها إذا جاء بعد تملكها وتلفها» اهـ.
وَقَالَ الْحِافِظُ ابْنُ حَجَرٍ ﵀ فِي [فَتْحِ الْبَارِي] (٥/ ٨١):
стр. 5308
«ويحتمل أن تكون ثم في الروايتين بمعنى الواو فلا تقتضي ترتيباً، ولا تقتضي تخالفاً يحتاج إلى الجمع، ويقويه كون المخرج واحد، والقصة واحدة، وإنَّما يحسن ما تقدم أن لو كان المخرج مختلفاً فيحمل على تعدد القصة، وليس الغرض إلَّا أن يقع التعرف والتعريف مع قطع النظر عن أيهما أسبق» اهـ.
وَقَالَ الْعَلَّامَةُ ابْنُ قُدَامَةَ ﵀ فِي [الْمُغْنِي] (١٢/ ٣٦٦):
«ففي هذا الحديث أنَّه أمره بمعرفة صفاتها بعد التعريف، وفي غيره أمره بمعرفتها حين التقاطها قبل تعريفها، وهو الأولى؛ ليحصل عنده علم ذلك، فإذا جاء صاحبها فنعتها، غلب على ظنه صدقه فيجوز الدفع إليه حينئذ.
وإن أخر معرفة ذلك إلى حين مجيء باغيها، جاز؛ لأنَّ المقصود يحصل بمعرفتها حينئذ.
وإن لم يجئ طالبها، فأراد التصرف فيها بعد الحول، لم يجز له حتى يعرف صفاتها؛ لأنَّ عينها تنعدم بالتصرف، فلا يبقى له سبيل إلى معرفة صفاتها إذا جاء صاحبها.
وكذلك إن خلطها بماله على وجه لا تتميز منه، فيكون أمر النبي ﷺ لأبي بمعرفة صفاتها عند خلطها بماله أمر إيجاب مضيق، وأمره لزيد بن خالد بمعرفة ذلك حين الالتقاط واجباً موسعاً» اهـ.
قُلْتُ: هذا تفصيل جيد.
وَقَالَ الْحِافِظُ ابْنُ حَجَرٍ ﵀ فِي [فَتْحِ الْبَارِي] (٥/ ٨١):
стр. 5309
«واختلف في هذه المعرفة على قولين للعلماء أظهرهما: الوجوب لظاهر الأمر، وقيل: يستحب، وقال بعضهم: يجب عند الالتقاط، ويستحب بعده» اهـ.
وَقَالَ ﵀ فِي [فَتْحِ الْبَارِي] (٥/ ٨١):
«ويلتحق بما ذكر حفظ الجنس والصفة والقدر والكيل فيما يكال والوزن فيما يوزن والذرع فيما يذرع وقال جماعة من الشافعية يستحب تقييدها بالكتابة خوف النسيان» اهـ.
٣ - وفيه جواز التقاط اللقطة. وهو مذهب الجمهور، وكره ذلك بعض العلماء واحتجوا بما رواه أحمد (١٦٣٥٧)، وابن ماجة (٢٥٠٢)، والنسائي في [الْكُبْرَى] (٥٧٩٠) مِنْ طَرِيْقِ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا حُمَيْدٌ يَعْنِي الطَّوِيلَ، حَدَّثَنَا الْحَسَنُ، عَنْ مُطَرِّفٍ، عَنْ أَبِيهِ، أَنَّ رَجُلًا قَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، هَوَامَّ الْإِبِلِ نُصِيبُهَا؟ قَالَ: «ضَالَّةُ الْمُسْلِمِ حَرَقُ النَّارِ».
قُلْتُ: هَذَا حَدِيْثٌ صَحِيْحٌ.
والمراد بحرق النار أي إحراق النار أي أنَّها من أسباب ذلك في حق من أصابها.
وروى أحمد (٢٠٧٧٣)، والنسائي في [الْكُبْرَى] (٥٧٩٢، ٥٨١٠) مِنْ طَرِيْقِ سَعِيدٍ الْجُرَيْرِيُّ، عَنْ أَبِي الْعَلَاءِ بْنِ الشِّخِّيرِ، عَنْ مُطَرِّفٍ، قَالَ: حَدِيثَانِ بَلَغَانِي عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ قَدْ عَرَفْتُ أَنِّي قَدْ صَدَّقْتُهُمَا، لَا أَدْرِي أَيُّهُمَا قَبْلَ صَاحِبِهِ؟ حَدَّثَنَا أَبُو مُسْلِمٍ الْجَذْمِيُّ، جَذِيمَةُ عَبْدِ الْقَيْسِ، حَدَّثَنَا الْجَارُودُ، قَالَ: بَيْنَمَا
стр. 5310
نَحْنُ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فِي بَعْضِ أَسْفَارِهِ وَفِي الظَّهْرِ قِلَّةٌ، إِذْ تَذَاكَرَ الْقَوْمُ الظَّهْرَ، فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، قَدْ عَلِمْتُ مَا يَكْفِينَا مِنَ الظَّهْرِ، فَقَالَ: «وَمَا يَكْفِينَا؟» قُلْتُ: ذَوْدٌ نَأْتِي عَلَيْهِنَّ فِي جُرُفٍ فَنَسْتَمْتِعُ بِظُهُورِهِمْ، قَالَ: «لَا، ضَالَّةُ الْمُسْلِمُ حَرَقُ النَّارِ، فَلَا تَقْرَبَنَّهَا، ضَالَّةُ الْمُسْلِمِ حَرَقُ النَّارِ، فَلَا تَقْرَبَنَّهَا، ضَالَّةُ الْمُسْلِمِ حَرَقُ النَّارِ، فَلَا تَقْرَبَنَّهَا»، وَقَالَ فِي اللُّقَطَةِ: «الضَّالَّةُ تَجِدُهَا فَانْشُدَنَّهَا، وَلَا تَكْتُمْ، وَلَا تُغَيِّبْ، فَإِنْ عُرِفَتْ فَأَدِّهَا، وَإِلَّا فَمَالُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشَاءُ». هذا لفظ أحمد.
قُلْتُ: أبو مسلم الجذمي لا يعرف حاله.
ورواه أحمد (٢٠٧٧٤)، والنسائي في [الْكُبْرَى] (٥٧٩٣) مِنْ طَرِيْقِ سُفْيَانَ الثُّورِيِّ، عَنْ خَالِدٍ الْحَذَّاءِ، عَنْ يَزِيدَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الشِّخِّيرِ، عَنْ مُطَرِّفِ بْنِ الشِّخِّيرِ، عَنِ الْجَارُودِ الْعَبْدِيِّ، يَرْفَعُهُ إِلَى النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «ضَالَّةُ الْمُسْلِمِ حَرَقُ النَّارِ، فَلَا تَقْرَبَنَّهَا».
قُلْتُ: هَذَا حَدِيْثٌ إِسْنَادُهُ صَحِيْحٌ. لكن رواه شعبة عن خالد الحذاء عن يزيد بن عبد الله بن الشخير عن أبي مسلم الجذمي عن الجارود. وحديثه عند النسائي في [الْكُبْرَى] (٥٧٩٤)، وتابعه عبد الوهاب بن عبد المجيد الثقفي عند أحمد (٢٠٧٧٥)، والنسائي في [الْكُبْرَى] (٥٧٩٥)، فزيادتهما زيادة مقبولة، وأبو مسلم الجذمي لا يعرف حاله كما سبق. لا سيما وقد روى أحمد (٢٠٧٧٦، ٢٠٧٧٨)، والنسائي في [الْكُبْرَى] (٥٧٩٦) هذا الحديث مِنْ طَرِيْقِ قتادة، عن يزيد بن عبد
стр. 5311
الله بن الشخير، عن أبي مسلم الجذمي، عن الجارود بن معلى العبدي به. فزاد قتادة كما ترى أبا مسلم الجذمي.
وهكذا رواه أحمد (٢٠٧٧٧)، والنسائي في [الْكُبْرَى] (٥٧٩٧) حماد يعنى بن زيد عن أيوب عن أبي العلاء وهو يزيد بن عبد الله بن الشخير عن أبي مسلم وهو الجذمي عن الجارود به. فزاد أيوب السختياني أبا مسلم أيضاً، فالصحيح إثباته في الإسناد.
قُلْتُ: الجذمي لا يعرف حاله كما سبق.
وقد خالف حماداً جرير بن حازم، فروى النسائي في [الْكُبْرَى] (٥٧٩٨) مِنْ طَرِيْقِ جرير بن حازم عن أيوب عن أبي مسلم عن الجارود. ولم يذكر أبا العلاء. وحديث حماد أصح. والله أعلم.
وللحديث طريق أخرى إلى الجارود، وهو ما رواه البزار في [مُسْنَدِهِ] (٤٣٥٠) حدثناه بشر بن آدم، قال: حدثنا حبان بن هلال، قال: حدثنا سكين بن عبد العزيز، قال: حدثني حفص بن خالد، قال: حدثني أبو القموص زيد بن علي، قال: حدثني الجارود به.
قُلْتُ: حفص، وأبو القموص لم يوثقهما معتبر.
وهذا الحديث محمول على ضالة الإبل، أو على من تملكها ولم يعرفها.
стр. 5312
واحتجوا أيضاً بما رواه أحمد (١٩٢٠٧، ١٩٢٣٠)، وأبو داود (١٧٢٠)، وابن ماجة (٢٥٠٣)، والنسائي في [الْكُبْرَى] (٥٧٩٩، ٥٨٠٠، ٥٨٠١)
مِنْ طَرِيْقِ الْمُنْذِرِ بْنِ جَرِيرٍ، قَالَ: كُنْتُ مَعَ جَرِيرٍ بِالْبَوَازِيجِ فَجَاءَ الرَّاعِي بِالْبَقَرِ وَفِيهَا بَقَرَةٌ لَيْسَتْ مِنْهَا فَقَالَ لَهُ جَرِيرٌ: مَا هَذِهِ؟ قَالَ: لَحِقَتْ بِالْبَقَرِ لا نَدْرِي لِمَنْ هِيَ، فَقَالَ جَرِيرٌ: أَخْرِجُوهَا، فَقَدْ سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: «لَا يَأْوِي الضَّالَّةَ إِلَّا ضَالٌّ». هذا لفظ أبي داود.
قُلْتُ: وقد اختلف في إسناد هذا الحديث، فَقَالَ الْحَافِظُ الدَّارَقُطْنِيُّ ﵀ فِي [الْعِلَلِ] (١٣/ ٤٦٥):
«يرويه أبو حيان التيمي: يحيى بن سعيد بن حيان واختلف عنه؛ فرواه يحيى القطان، وابن نمير، وابن أبي زائدة، وابن علية، عن أبي حيان، عن الضحاك بن المنذر عن المنذر بن جرير، عن جرير.
وخالفهم إبراهيم بن عيينة، فرواه عن أبي حيان، عن أبي زرعة، عن المنذر.
ورواه روح بن القاسم، واختلف عنه؛ فرواه صفوان بن رستم، عن روح، عن أبي حيان، عن المنذر بن جرير، عن جرير. ولم يذكر: الضحاك.
وخالفه مخلد بن يزيد رواه عن روح بن القاسم، عن أبي حيان، عن الضحاك بن المنذر، عن رجل، عن جرير. وهو أشبه بالصواب.
ورواه ابن المبارك، عن أبي حيان، عن الضحاك، عن جرير. ولم يقل: عن المنذر.
ورواه شعبة، عن أبي حيان.
стр. 5313
والأشبه بالصواب عن أبي حيان ما قاله يحيى القطان، ومن تابعه، وهو الصحيح» اهـ.
قُلْتُ: الضحاك، والمنذر لم يوثقهما معتبر.
وهذا محمول على فرض صحته على من تملكها ولم يعرفها، ويدل عليه ما رواه مسلم (١٧٢٥) عَنْ زَيْدِ بْنِ خَالِدٍ الْجُهَنِيِّ، عَنْ رَسُولِ اللهِ ﷺ أَنَّهُ قَالَ: «مَنْ آوَى ضَالَّةً فَهُوَ ضَالٌّ، مَا لَمْ يُعَرِّفْهَا».
قَالَ الْعَلَّامَةُ ابْنُ بَطَّالٍ ﵀ فِي [شَرْحِ الْبُخَارِي] (٦/ ٥٦٢ - ٥٦٣):
«اختلف العلماء في اللقطة هل أخذها أفضل أم تركها؟ فكرهت طائفة أخذها، ورأوا تركها أفضل، روى ذلك عن ابن عمر وابن عباس، وهو قول عطاء، وروى ابن القاسم عن مالك أنَّه كره أخذ اللقطة والآبق، فإن أخذ ذلك وضاعت اللقطة وأبق الآبق من غير تضييعه لم يضمن، وكره أحمد بن حنبل أخذ اللقطة أيضاً. وقالت طائفة: أخذها وتعريفها أفضل من تركها. هذا قول سعيد بن المسيب، وقال أبو حنيفة وأصحابه: تركها سبب لضياعها. وبه قال الشافعي، وروي عن مالك: إن كان شيء له بال فأخذه وتعريفه أحب إلي.
وحجة القول الأول حديث جرير أنَّ النبي ﵇ قال: "لا يأوي الضالة إلَّا ضال". وحديث الجارود أنَّ النبي ﷺ قال: "ضالة المؤمن حرق النار".
стр. 5314
وحجة من رأى أنَّ تعريفها أفضل قول النبي ﵇ للذي سأله عن اللقطة: "أعرف عفاصها ووكاءها"، فأمره بتعريفها ولم يقل له: لم أخذتها؟ وذلك دليل على أنَّ الفضل في أخذها وتعريفها؛ لأنَّ تركها عون على ضياعها ومن الحق النصيحة للمسلم، وأن يحوطه في ماله بما أمكنه، وتأويل قوله ﵇: "لا يأوي الضالة إلَّا ضال". و"ضالة المؤمن حرق النار" أنَّ المراد بذلك من لم يعرفها وأراد الانتفاع بها حتى لا تتضاد الأخبار» اهـ.
وقَالَ الْحَافِظُ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِ ﵀ فِي [التَّمْهِيْدِ] (٣/ ١٠٨):
«فمن ذلك أنَّ في الحديث دليلاً على إباحة التقاط اللقطة وأخذ الضالة ما لم تكن إبلاً؛ لأنَّه ﵇ أجاب السائل عن اللقطة بأن قال: "أعرف عفاصها ووكاءها". كأنَّه قال: أحفظها على صاحبها واعرف من العلامات ما تستحق به إذا طلبت.
وقال في الشاة: "هي لك، أو لأخيك، أو للذئب". يقول: خذها فإنَّما هي لك أو لأخيك أو للذئب إن لم تأخذها كأنَّه يحضه على أخذها، ولم يقل في شيء من ذلك دعوه حتى يضيع أو يأتيه ربه، ولو كان ترك اللقطة أفضل لأمر به رسول الله ﷺ فيها كما قال في ضالة الإبل والله أعلم.
ومعلوم أنَّ أهل الأمانات لو اتفقوا على ترك اللقطة لم ترجع لقطة ولا ضالة إلى صاحبها أبداً» اهـ.
стр. 5315
قُلْتُ: الذي يظهر لي أنَّ من وجد في نفسه أمانة وقدرة على التعريف فالتقاطها أفضل من تركها، لما في ذلك من رد الحقوق إلى أهلها، لا سيما أنَّه لو تركها أخذها من لا يُعرِّفها لفساد أحوال الناس إلَّا من رحم الله تعالى، وأمَّا إذا خاف من نفسه الخيانة فالسلامة لا يعادلها شيء. والله أعلم.
٤ - وجوب تعريف اللقطة سنة كاملة.
قَالَ الْحَافِظُ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِ ﵀ فِي [التَّمْهِيْدِ] (٣/ ١٠٧):
«وأجمعوا أنَّ اللقطة ما لم تكن تافهاً يسيراً أو شيئاً لا بقاء له فإنَّها تعرف حولاً كاملاً» اهـ.
قُلْتُ: ويشكل على هذا ما رواه البخاري (٢٤٣٧)، ومسلم (١٧٢٣) عَنْ سُوَيْدِ بْنِ غَفَلَةَ، قَالَ: كُنْتُ مَعَ سَلْمَانَ بْنِ رَبِيعَةَ وَزَيْدِ بْنِ صُوحَانَ فِي غَزَاةٍ، فَوَجَدْتُ سَوْطًا، فَقَالَا لِي: أَلْقِهِ، قُلْتُ: لَا، وَلَكِنْ إِنْ وَجَدْتُ صَاحِبَهُ، وَإِلَّا اسْتَمْتَعْتُ بِهِ، فَلَمَّا رَجَعْنَا حَجَجْنَا، فَمَرَرْتُ بِالْمَدِينَةِ، فَسَأَلْتُ أُبَيَّ بْنَ كَعْبٍ ﵁، فَقَالَ: وَجَدْتُ صُرَّةً عَلَى عَهْدِ النَّبِيِّ ﷺ فِيهَا مِائَةُ دِينَارٍ، فَأَتَيْتُ بِهَا النَّبِيَّ ﷺ فَقَالَ: «عَرِّفْهَا حَوْلًا» فَعَرَّفْتُهَا حَوْلًا، ثُمَّ أَتَيْتُ، فَقَالَ: «عَرِّفْهَا حَوْلًا» فَعَرَّفْتُهَا حَوْلًا، ثُمَّ أَتَيْتُهُ، فَقَالَ: «عَرِّفْهَا حَوْلًا» فَعَرَّفْتُهَا حَوْلًا، ثُمَّ أَتَيْتُهُ الرَّابِعَةَ: فَقَالَ: «اعْرِفْ عِدَّتَهَا، وَوِكَاءَهَا وَوِعَاءَهَا، فَإِنْ جَاءَ صَاحِبُهَا، وَإِلَّا اسْتَمْتِعْ بِهَا».
стр. 5316
فهذا الحديث يدل على تعريف اللقطة ثلاث سنين.
قَالَ الْحِافِظُ ابْنُ حَجَرٍ ﵀ فِي [فَتْحِ الْبَارِي] (٥/ ٧٩ - ٨٠):
«وجمع بعضهم بين حديث أبي هذا وحديث زيد بن خالد الآتي في الباب الذي يليه فإنَّه لم يختلف عليه في الاقتصار على سنة واحدة، فقال: يحمل حديث أبي بن كعب على مزيد الورع عن التصرف في اللقطة والمبالغة في التعفف عنها، وحديث زيد على ما لا بد منه، أو لاحتياج الأعرابي واستغناء أبي.
قال المنذري: لم يقل أحد من أئمة الفتوى أنَّ اللقطة تعرف ثلاثة أعوام إلَّا شيء جاء عن عمر انتهى.
وقد حكاه الماوردي عن شواذ من الفقهاء، وحكى ابن المنذر عن عمر أربعة أقوال: يعرفها ثلاثة أحوال عاماً واحداً، ثلاثة أشهر، ثلاثة أيام، ويحمل ذلك على عظم اللقطة وحقارتها. وزاد ابن حزم عن عمر قولاً خامساً وهو: أربعة أشهر. وجزم ابن حزم وابن الجوزي بأنَّ هذه الزيادة غلط، قال: والذي يظهر أنَّ سلمة أخطأ فيها ثم تثبت واستذكر واستمر على عام واحد ولا يؤخذ إلَّا بما لم يشك فيه راويه.
وقال ابن الجوزي: يحتمل أن يكون ﷺ عرف أن تعريفها لم يقع على الوجه الذي ينبغي فأمر أبياً بإعادة التعريف كما قال للمسيء صلاته: "ارجع فصل فإنَّك لم تصل". انتهى. ولا يخفى بعد هذا على مثل أبي مع كونه من فقهاء الصحابة وفضلائهم. وقد حكى صاحب "الهداية" من الحنفية رواية عندهم أنَّ
стр. 5317
الأمر في التعريف مفوض لأمر الملتقط فعليه أن يعرفها إلى أن يغلب على ظنه أن صاحبها لا يطلبها بعد ذلك والله أعلم» اهـ.
قُلْتُ: وقد جاء في البخاري (٢٤٢٦، ٢٤٣٧) مِنْ طَرِيْقِ شُعْبَةَ، عَنْ سَلَمَةَ، بِهَذَا قَالَ: فَلَقِيتُهُ بَعْدُ بِمَكَّةَ، فَقَالَ: «لَا أَدْرِي أَثَلَاثَةَ أَحْوَالٍ أَوْ حَوْلًا وَاحِدًا».
ورواه مسلم (١٧٢٣) مِنْ طَرِيْقِ شُعْبَةَ، أَخْبَرَنِي سَلَمَةُ بْنُ كُهَيْلٍ، أَوْ أَخْبَرَ الْقَوْمَ وَأَنَا فِيهِمْ، قَالَ: سَمِعْتُ سُوَيْدَ بْنَ غَفَلَةَ، قَالَ: خَرَجْتُ مَعَ زَيْدِ بْنِ صُوحَانَ، وَسَلْمَانَ بْنِ رَبِيعَةَ، فَوَجَدْتُ سَوْطًا، وَاقْتَصَّ الْحَدِيثَ بِمِثْلِهِ إِلَى قَوْلِهِ، فَاسْتَمْتَعْتُ بِهَا، قَالَ شُعْبَةُ: فَسَمِعْتُهُ بَعْدَ عَشْرِ سِنِينَ، يَقُولُ: عَرَّفَهَا عَامًا وَاحِدًا.
قُلْتُ: وهذا يدل أنَّ سلمة وهم أولاً بذكر الثلاثة الأعوام ثم رجع عن ذلك. والله أعلم.
وما نقله المنذري عن عمر لا يثبت، وقد رواه عبد الرزاق في [مُصَنَّفِهِ] (١٨٦١٨) عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ، قَالَ: قَالَ مُجَاهِدٌ: وَجَدَ سُفْيَانُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ الثَّقَفِيُّ عَيْبَةً فِيهَا مَالٌ عَظِيمٌ فَجَاءَ بِهَا عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ فَأَخْبَرَهُ خَبَرَهَا، فَقَالَ عُمَرُ: «هِيَ لَكَ» فَقَالَ: يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ، لَا حَاجَةَ لِي فِيهَا غَيْرِي أَحْوَجُ إِلَيْهَا مِنِّي، قَالَ: «فَعَرِّفْهَا سَنَةً» فَفَعَلَ، ثُمَّ جَاءَهُ بِهَا، فَقَالَ عُمَرُ: «هِيَ لَكَ» فَقَالَ مِثْلَ قَوْلِهِ الْأَوَّلِ فَقَالَ عُمَرُ: «عَرِّفْهَا سَنَةً» فَفَعَلَ ثُمَّ جَاءَهُ بِهَا فَقَالَ عُمَرُ: «هِيَ لَكَ» فَقَالَ سُفْيَانُ مِثْلَ قَوْلِهِ الْأَوَّلِ فَقَالَ عُمَرُ: «عَرِّفْهَا سَنَةً» فَفَعَلَ، ثُمَّ جَاءَهُ بِهَا، فَقَالَ عُمَرُ: «هِيَ لَكَ»
стр. 5318
فَقَالَ مِثْلَ قَوْلِهِ الْأَوَّلِ فَقَالَ عُمَرُ: «عَرِّفْهَا سَنَةً» فَفَعَلَ فَلَمَّا أَبَى سُفْيَانُ جَعَلَهَا عُمَرُ فِي بَيْتِ مَالِ الْمُسْلِمِينَ.
قُلْتُ: هَذَا أَثَرٌ ضَعِيْفٌ ابن جريج مدلس، ولم يصرح بالتحديث، وحديث مجاهد عن عمر منقطع. ولا حجة فيه على فرض ثبوته، وذلك أنَّ عمر كرر له التعريف ثلاث سنين لأنَّه أبى أن يتملك اللقطة بعد السنة الأولى، والثانية، والثالثة، فأمره بزيادة التعريف لعله يجد صاحبها بعد أن أبى أن يتملكها بعد انقضاء السنة الأولى.
وقد صح عنه ما يوافق السُنَّة، وهو ما رواه ابن أبي شيبة في [مُصَنَّفِهِ] (٢٢٠٥٦) حَدَّثَنَا وَكِيعٌ، قَالَ: حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، عَنْ إِبْرَاهِيمَ بْنِ عَبْدِ الْأَعْلَى، عَنْ سُوَيْدٍ، قَالَ: «كَانَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ يَأْمُرُ أَنْ تُعَرَّفَ اللُّقَطَةُ سَنَةً، فَإِنْ جَاءَ صَاحِبُهَا وَإِلَّا تُصُدِّقَ بِهَا، فَإِنْ جَاءَ صَاحِبُهَا خُيِّرَ».
قُلْتُ: هَذَا أَثَرٌ صَحِيْحٌ.
قَالَ الْعَلَّامَةُ ابْنُ قُدَامَةَ ﵀ فِي [الْمُغْنِي] (١٢/ ٣٤٤):
«الفصل الثاني: في قدر التعريف، وذلك سنة. روي ذلك عن عمر، وعلي، وابن عباس. وبه قال ابن المسيب، والشعبي، ومالك، والشافعي، وأصحاب الرأي.
وروي عن عمر، رواية أخرى، أنَّه يعرفها ثلاثة أشهر. وعنه ثلاثة أعوام؛ لأنَّ أبي بن كعب روى أَنَّ رَسُوْلَ اللهِ ﷺ أمره بتعريف مائة الدينار ثلاثة
стр. 5319
أعوام. وقال أبو أيوب الهاشمي: ما دون الخمسين درهماً يعرفها ثلاثة أيام إلى سبعة أيام.
وقال الحسن بن صالح: ما دون عشرة دراهم يعرفها ثلاثة أيام.
وقال الثوري في الدرهم: يعرفه أربعة أيام.
وقال إسحاق: ما دون الدينار يعرفه جمعة أو نحوها.
وروى أبو إسحاق الجوزجاني، بإسناده، عن يعلى بن أمية قال: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "من التقط درهماً، أو حبلاً، أو شبه ذلك، فليعرفه ثلاثة أيام، فإنَّ كان فوق ذلك، فليعرفه سبعة أيام".
ولنا: حديث زيد بن خالد الصحيح فإنَّ النَّبي ﷺ أمره بعام واحد، ولأنَّ السنة لا تتأخر عنها القوافل، ويمضي فيها الزمان الذي تقصد فيه البلاد، من الحر والبرد والاعتدال، فصلحت قدراً كمدة أجل العين.
وأمَّا حديث أبي، فقد قال الراوي: لا أدري ثلاثة أعوام أو عاماً واحداً. قال أبو داود: شك الراوي في ذلك.
وحديث يعلى لم يقل به قائل على وجهه، وحديث زيد وأبي أصح منه وأولى» اهـ.
قُلْتُ: حديث يعلى رواه أحمد (١٧٦٠٢) حَدَّثَنَا يَزِيدُ بْنُ هَارُونَ، أَخْبَرَنَا إِسْرَائِيلُ بْنُ يُونُسَ، حَدَّثَنِي عُمَرُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ يَعْلَى، عَنْ جَدَّتِهِ حُكَيْمَةَ، عَنْ أَبِيهَا يَعْلَى - قَالَ يَزِيدُ: فِيمَا يَرْوِي يَعْلَى بْنُ مُرَّةَ - قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ :
стр. 5320
«مَنِ الْتَقَطَ لُقَطَةً يَسِيرَةً، دِرْهَمًا أَوْ حَبْلًا أَوْ شِبْهَ ذَلِكَ، فَلْيُعَرِّفْهُ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ، فَإِنْ كَانَ فَوْقَ ذَلِكَ فَلْيُعَرِّفْهُ سِتَّةَ أَيَّامٍ».
قُلْتُ: هَذَا حَدِيْثٌ شَدِيْدُ الضَّعْفِ، عمر بن عبد الله بن يعلى شديد الضعف، وجدته حكيمة مجهولة، لم يوثقها معتبر.
٥ - ويدخل في وجوب التعريف اللقطة التي التقطها من لم يكن مكلفاً كالصبي والمجنون والسفيه، لكن يجب ذلك على وليهما، فإذا عرفه حولاً كاملاً صارت ملكاً لواجدها.
قَالَ الْعَلَّامَةُ ابْنُ قُدَامَةَ ﵀ فِي [الْمُغْنِي] (١٢/ ٤٠٩):
«وجملة ذلك أنَّ الصبي والمجنون والسفيه، إذا التقط أحدهم لقطة، ثبتت يده عليها؛ لعموم الأخبار، ولأنَّ هذا تكسب، فصح منه، كالاصطياد والاحتطاب.
وإن تلفت في يده بغير تفريط، فلا ضمان عليه؛ لأنَّه أخذ ما له أخذه.
وإن تلفت بتفريطه، ضمنها في ماله.
وإذا علم بها وليه، لزمه أخذها؛ لأنَّه ليس من أهل الحفظ والأمانة، فإن تركها في يده ضمنها؛ لأنَّه يلزمه حفظ ما يتعلق به حق الصبي.
وهذا يتعلق به حقه، فإذا تركها في يده كان مضيعاً لها، وإذا أخذها الولي، عرفها؛ لأنَّ واجدها ليس من أهل التعريف، فإذا انقضت مدة التعريف، دخلت في ملك واجدها؛ لأنَّ سبب الملك تم شرطه، فيثبت الملك له، كما لو اصطاد صيداً.
стр. 5321
وهذا مذهب الشافعي، إلَّا أن أصحابه قالوا: إذا انقضت مدة التعريف، فكان الصبي والمجنون بحيث يستقرض لهما، يتملكه لهما، وإلَّا فلا.
وقال بعضهم: يتملكه لهما بكل حال؛ لأنَّ الظاهر عدم ظهور صاحبه، فيكون تملكه مصلحة له.
ولنا عموم الأخبار، ولو جرى هذا مجرى الاقتراض لما صح التقاط صبي لا يجوز الاقتراض له؛ لأنَّه يكون تبرعاً بحفظ مال غيره من غير فائدة» اهـ.
٦ - لم يبين النبي ﷺ محل تعريف اللقطة، وهو محمول على أماكن تجمع الناس كأبواب المساجد، والأسواق، ونحو ذلك.
قَالَ الْحَافِظُ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِ ﵀ فِي [التَّمْهِيْدِ] (٣/ ١١٧):
«التعريف عند جماعة الفقهاء فيما علمت لا يكون إلَّا في الأسواق وأبواب المساجد ومواضع العامة واجتماع الناس» اهـ.
وَقَالَ الْعَلَّامَةُ ابْنُ قُدَامَةَ ﵀ فِي [الْمُغْنِي] (١٢/ ٣٤٧):
«الفصل الرابع: في مكانه، وهو الأسواق، وأبواب المساجد والجوامع، في الوقت الذي يجتمعون فيه، كأدبار الصلوات في المساجد، وكذلك في مجامع الناس؛ لأنَّ المقصود إشاعة ذكرها، وإظهارها، ليظهر عليها صاحبها، فيجب تحري مجامع الناس، ولا ينشدها في المسجد؛ لأنَّ المسجد لم يبن لهذا.
стр. 5322
وقد روى أبو هريرة، عن النبي ﷺ أنَّه قال: "من سمع رجلاً ينشد ضالة في المسجد، فليقل: لا ردها الله إليك، فإنَّ المساجد لم تبن لهذا".
وأمر عمر واجد اللقطة بتعريفها على باب المسجد» اهـ.
وَقَالَ الْحِافِظُ ابْنُ حَجَرٍ ﵀ فِي [فَتْحِ الْبَارِي] (٥/ ٨٢):
«قال العلماء محل ذلك المحافل كأبواب المساجد والاسواق ونحو ذلك يقول من ضاعت له نفقة أو نحو ذلك من العبارات ولا يذكر شيئاً من الصفات» اهـ.
٧ - وظاهر قوله: «عَرِّفْهَا سَنَةً». أي متوالية، فإن عرفها سنة متفرقة، كأن يعرفها اثنتي عشرة سنة في كل سنة شهراً، فلا يجزؤه ذلك.
٨ - وظاهر الحديث أنَّه يعرفها سنة كاملة، والسنة الكاملة هي اثنا عشر شهراً، فلو أنقص يوماً مثلاً لا يجزؤه. لكن لم يقل بذلك أهل العلم، فإنَّ لا زم ذلك أنَّه لو أنقص ساعة من يوم فلا يجزؤه، وهذا باطل قطعاً.
قَالَ الْحِافِظُ ابْنُ حَجَرٍ ﵀ فِي [فَتْحِ الْبَارِي] (٥/ ٨٢): «وقال العلماء: يعرفها في كل يوم مرتين، ثم مرة، ثم في كل أسبوع، ثم في كل شهر» اهـ.
وَقَالَ الْعَلَّامَةُ ابْنُ قُدَامَةَ ﵀ فِي [الْمُغْنِي] (١٢/ ٣٤٦):
«ويكون ذلك في اليوم الذي وجدها، والأسبوع أكثر؛ لأنَّ الطلب فيه أكثر، ولا يجب فيما بعد ذلك متوالياً» اهـ.
٩ - وظاهر الحديث أنَّه يعرفها بنفسه، وليس ذلك بلازم، بل إذا وكلَّ غيره أجزأه.
стр. 5323
١٠ - وفيه أنَّ من التقط اللقطة وجب عليه تعريفها، وبناءً على ذلك فلا يجوز له ردها إلى موضعها بعد أخذها، فإن أخذها ثم ردها إلى موضعها فتلفت، فهو ضامن.
قَالَ الْعَلَّامَةُ ابْنُ بَطَّالٍ ﵀ في [شَرْحِ الْبُخَارِي] (٦/ ٥٤٩):
«ومن أخذ شيئاً مجمعاً على أخذه ثم أرسله فهو له ضامن، إلَّا أن يأخذه غير مجمع على أخذه مثل: أن يمر رجل في آخر الركب أو آخر الرفقة فيجد شيئاً ساقطاً، فيأخذه وينادى من أمامه: لكم هذا؟ فيقال له: لا، ثم يخليه في مكانة فلا شيء عليه فيه. فهذا قول مالك. قال غيره: وأمَّا إن وجد عرضاً فأخذه وعرفه فلم يجد صاحبه، فلا يجوز له رده إلى الموضع الذي وجده فيه، فإن فعل وتلف ضمنه لصاحبه. وذكر ابن المنذر عن الشافعي إن أخذ بعيراً ضالاً ثم أرسله فتلف فعليه الضمان» اهـ.
قُلْتُ: قوله: «مُجْمِعَاً على أخذه» أي مريداً وقاصداً لذلك.
وَقَالَ الْعَلَّامَةُ ابْنُ قُدَامَةَ ﵀ فِي [الْمُغْنِي] (١٢/ ٣٧٩):
«فصل: إذا أخذ اللقطة، ثم ردها إلى موضعها، ضمنها. روي ذلك عن طاووس. وبه قال الشافعي.
стр. 5324
وقال مالك: لا ضمان عليه؛ لما روى الأثرم، عن القعنبي، عن مالك عن يحيى بن سعيد، عن سليمان بن يسار، عن ثابت بن الضحاك، عن عمر، أنَّه قال لرجل وجد بعيراً: أرسله حيث وجدته.
ولما روي عن جرير بن عبد الله، أنَّه رأى في بقره بقرة قد لحقت بها، فأمر بها فطردت حتى توارت.
ولنا: أنَّها أمانة حصلت في يده، فلزمه حفظها، فإذا ضيعها لزمه ضمانها كما لو ضيع الوديعة.
ولأنَّها لما حصلت في يده، لزمه حفظها، وتركها تضييعها.
فأمَّا حديث عمر فهو في الضالة التي لا تحل.
فأمَّا ما لا يحل التقاطه إذا أخذه، فيحتمل أنَّ له رده إلى مكانه، ولا ضمان عليه لهذه الآثار، ولأنَّه كان واجباً عليه تركه في مكانه ابتداء، فكان له ذلك بعد أخذه، ويحتمل أن لا يبرأ من ضمانه برده، لأنَّه دخل في ضمانه، فلم يبرأ من ضمانه برده إلى مكانه، كالمسروق وما يجوز التقاطه، فعلى هذا لا يبرأ إلَّا برده إلى الإمام أو نائبه.
وأمَّا عمر فهو كان الإمام، فإذا أمر برده كان كأخذه منه.
وحديث جرير لا حجة فيه؛ لأنَّه لم يأخذ البقرة، ولا أخذها غلامه، إنَّما لحقت بالبقر من غير فعله ولا اختياره» اهـ.
قُلْتُ: أثر عمر رواه مالك في [الْمُوَطَّأِ] (١٤٤٧) عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ، عَنْ سُلَيْمَانَ بْنِ يَسَارٍ، أَنَّ ثَابِتَ بْنَ الضَّحَّاكِ الْأَنْصَارِيَّ أَخْبَرَهُ، أَنَّهُ وَجَدَ بَعِيرًا بِالْحَرَّةِ فَعَقَلَهُ، ثُمَّ
стр. 5325
ذَكَرَهُ لِعُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ، «فَأَمَرَهُ عُمَرُ أَنْ يُعَرِّفَهُ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ»، فَقَالَ لَهُ ثَابِتٌ: إِنَّهُ قَدْ شَغَلَنِي عَنْ ضَيْعَتِي، فَقَالَ لَهُ عُمَرُ: «أَرْسِلْهُ حَيْثُ وَجَدْتَهُ».
قُلْتُ: هَذَا أَثَرٌ صَحِيْحٌ. وإنَّما أمره برده إلى مكانه لأنَّه لا يحل التقاطه، وأمَّا ما يحل التقاطه فيجب تعريفه بعد أخذه، ولا يجوز له رده بعد أخذه لعموم الحديث، فإذا رده فهو ضامن. والله أعلم.
ورواه البيهقي في [الْكُبْرَى] (١١٨٥٩)، وقال: «وليس فيه ما يدل على سقوط الضمان عنه إذا أرسلها فهلكت» اهـ.
وحديث جرير رواه أحمد (١٩٢٣٠)، وابن ماجة (٢٥٠٣) مِنْ طَرِيْقِ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ، عَنْ أَبِي حَيَّانَ قَالَ: حَدَّثَنِي الضَّحَّاكُ خَالُ الْمُنْذِرِ بْنُ جَرِيرٍ، عَنْ مُنْذِرِ بْنِ جَرِيرٍ، عَنْ جَرِيرٍ قَالَ: كُنْتُ مَعَ أَبِي جَرِيرٍ بِالْبَوَازِيجِ فِي السَّوَادِ، فَرَاحَتِ الْبَقَرَ، فَرَأَى بَقَرَةً أَنْكَرَهَا فَقَالَ: مَا هَذِهِ الْبَقَرَةُ؟ قَالَ: بَقَرَةٌ لَحِقَتْ بِالْبَقَرِ، فَأَمَرَ بِهَا فَطُرِدَتْ حَتَّى تَوَارَتْ، ثُمَّ قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: «لَا يُؤْوِي الضَّالَّةَ إِلَّا ضَالٌّ».
قُلْتُ: إِسْنَادُهُ ضَعِيْفٌ، الضحاك هو ابن المنذر.
١١ - واحتج به على وجوب التعريف في قليل اللقطة وكثيرها؛ وذلك أنَّ النبي ﷺ لم يفرق في التعريف بين القليل والكثير.
следующие страницы →