Полный текст (8 095 стр.). Показаны 5321–5360 · переход к 5326.
стр. 5321
وهذا مذهب الشافعي، إلَّا أن أصحابه قالوا: إذا انقضت مدة التعريف، فكان الصبي والمجنون بحيث يستقرض لهما، يتملكه لهما، وإلَّا فلا.
وقال بعضهم: يتملكه لهما بكل حال؛ لأنَّ الظاهر عدم ظهور صاحبه، فيكون تملكه مصلحة له.
ولنا عموم الأخبار، ولو جرى هذا مجرى الاقتراض لما صح التقاط صبي لا يجوز الاقتراض له؛ لأنَّه يكون تبرعاً بحفظ مال غيره من غير فائدة» اهـ.
٦ - لم يبين النبي ﷺ محل تعريف اللقطة، وهو محمول على أماكن تجمع الناس كأبواب المساجد، والأسواق، ونحو ذلك.
قَالَ الْحَافِظُ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِ ﵀ فِي [التَّمْهِيْدِ] (٣/ ١١٧):
«التعريف عند جماعة الفقهاء فيما علمت لا يكون إلَّا في الأسواق وأبواب المساجد ومواضع العامة واجتماع الناس» اهـ.
وَقَالَ الْعَلَّامَةُ ابْنُ قُدَامَةَ ﵀ فِي [الْمُغْنِي] (١٢/ ٣٤٧):
«الفصل الرابع: في مكانه، وهو الأسواق، وأبواب المساجد والجوامع، في الوقت الذي يجتمعون فيه، كأدبار الصلوات في المساجد، وكذلك في مجامع الناس؛ لأنَّ المقصود إشاعة ذكرها، وإظهارها، ليظهر عليها صاحبها، فيجب تحري مجامع الناس، ولا ينشدها في المسجد؛ لأنَّ المسجد لم يبن لهذا.
стр. 5322
وقد روى أبو هريرة، عن النبي ﷺ أنَّه قال: "من سمع رجلاً ينشد ضالة في المسجد، فليقل: لا ردها الله إليك، فإنَّ المساجد لم تبن لهذا".
وأمر عمر واجد اللقطة بتعريفها على باب المسجد» اهـ.
وَقَالَ الْحِافِظُ ابْنُ حَجَرٍ ﵀ فِي [فَتْحِ الْبَارِي] (٥/ ٨٢):
«قال العلماء محل ذلك المحافل كأبواب المساجد والاسواق ونحو ذلك يقول من ضاعت له نفقة أو نحو ذلك من العبارات ولا يذكر شيئاً من الصفات» اهـ.
٧ - وظاهر قوله: «عَرِّفْهَا سَنَةً». أي متوالية، فإن عرفها سنة متفرقة، كأن يعرفها اثنتي عشرة سنة في كل سنة شهراً، فلا يجزؤه ذلك.
٨ - وظاهر الحديث أنَّه يعرفها سنة كاملة، والسنة الكاملة هي اثنا عشر شهراً، فلو أنقص يوماً مثلاً لا يجزؤه. لكن لم يقل بذلك أهل العلم، فإنَّ لا زم ذلك أنَّه لو أنقص ساعة من يوم فلا يجزؤه، وهذا باطل قطعاً.
قَالَ الْحِافِظُ ابْنُ حَجَرٍ ﵀ فِي [فَتْحِ الْبَارِي] (٥/ ٨٢): «وقال العلماء: يعرفها في كل يوم مرتين، ثم مرة، ثم في كل أسبوع، ثم في كل شهر» اهـ.
وَقَالَ الْعَلَّامَةُ ابْنُ قُدَامَةَ ﵀ فِي [الْمُغْنِي] (١٢/ ٣٤٦):
«ويكون ذلك في اليوم الذي وجدها، والأسبوع أكثر؛ لأنَّ الطلب فيه أكثر، ولا يجب فيما بعد ذلك متوالياً» اهـ.
٩ - وظاهر الحديث أنَّه يعرفها بنفسه، وليس ذلك بلازم، بل إذا وكلَّ غيره أجزأه.
стр. 5323
١٠ - وفيه أنَّ من التقط اللقطة وجب عليه تعريفها، وبناءً على ذلك فلا يجوز له ردها إلى موضعها بعد أخذها، فإن أخذها ثم ردها إلى موضعها فتلفت، فهو ضامن.
قَالَ الْعَلَّامَةُ ابْنُ بَطَّالٍ ﵀ في [شَرْحِ الْبُخَارِي] (٦/ ٥٤٩):
«ومن أخذ شيئاً مجمعاً على أخذه ثم أرسله فهو له ضامن، إلَّا أن يأخذه غير مجمع على أخذه مثل: أن يمر رجل في آخر الركب أو آخر الرفقة فيجد شيئاً ساقطاً، فيأخذه وينادى من أمامه: لكم هذا؟ فيقال له: لا، ثم يخليه في مكانة فلا شيء عليه فيه. فهذا قول مالك. قال غيره: وأمَّا إن وجد عرضاً فأخذه وعرفه فلم يجد صاحبه، فلا يجوز له رده إلى الموضع الذي وجده فيه، فإن فعل وتلف ضمنه لصاحبه. وذكر ابن المنذر عن الشافعي إن أخذ بعيراً ضالاً ثم أرسله فتلف فعليه الضمان» اهـ.
قُلْتُ: قوله: «مُجْمِعَاً على أخذه» أي مريداً وقاصداً لذلك.
وَقَالَ الْعَلَّامَةُ ابْنُ قُدَامَةَ ﵀ فِي [الْمُغْنِي] (١٢/ ٣٧٩):
«فصل: إذا أخذ اللقطة، ثم ردها إلى موضعها، ضمنها. روي ذلك عن طاووس. وبه قال الشافعي.
стр. 5324
وقال مالك: لا ضمان عليه؛ لما روى الأثرم، عن القعنبي، عن مالك عن يحيى بن سعيد، عن سليمان بن يسار، عن ثابت بن الضحاك، عن عمر، أنَّه قال لرجل وجد بعيراً: أرسله حيث وجدته.
ولما روي عن جرير بن عبد الله، أنَّه رأى في بقره بقرة قد لحقت بها، فأمر بها فطردت حتى توارت.
ولنا: أنَّها أمانة حصلت في يده، فلزمه حفظها، فإذا ضيعها لزمه ضمانها كما لو ضيع الوديعة.
ولأنَّها لما حصلت في يده، لزمه حفظها، وتركها تضييعها.
فأمَّا حديث عمر فهو في الضالة التي لا تحل.
فأمَّا ما لا يحل التقاطه إذا أخذه، فيحتمل أنَّ له رده إلى مكانه، ولا ضمان عليه لهذه الآثار، ولأنَّه كان واجباً عليه تركه في مكانه ابتداء، فكان له ذلك بعد أخذه، ويحتمل أن لا يبرأ من ضمانه برده، لأنَّه دخل في ضمانه، فلم يبرأ من ضمانه برده إلى مكانه، كالمسروق وما يجوز التقاطه، فعلى هذا لا يبرأ إلَّا برده إلى الإمام أو نائبه.
وأمَّا عمر فهو كان الإمام، فإذا أمر برده كان كأخذه منه.
وحديث جرير لا حجة فيه؛ لأنَّه لم يأخذ البقرة، ولا أخذها غلامه، إنَّما لحقت بالبقر من غير فعله ولا اختياره» اهـ.
قُلْتُ: أثر عمر رواه مالك في [الْمُوَطَّأِ] (١٤٤٧) عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ، عَنْ سُلَيْمَانَ بْنِ يَسَارٍ، أَنَّ ثَابِتَ بْنَ الضَّحَّاكِ الْأَنْصَارِيَّ أَخْبَرَهُ، أَنَّهُ وَجَدَ بَعِيرًا بِالْحَرَّةِ فَعَقَلَهُ، ثُمَّ
стр. 5325
ذَكَرَهُ لِعُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ، «فَأَمَرَهُ عُمَرُ أَنْ يُعَرِّفَهُ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ»، فَقَالَ لَهُ ثَابِتٌ: إِنَّهُ قَدْ شَغَلَنِي عَنْ ضَيْعَتِي، فَقَالَ لَهُ عُمَرُ: «أَرْسِلْهُ حَيْثُ وَجَدْتَهُ».
قُلْتُ: هَذَا أَثَرٌ صَحِيْحٌ. وإنَّما أمره برده إلى مكانه لأنَّه لا يحل التقاطه، وأمَّا ما يحل التقاطه فيجب تعريفه بعد أخذه، ولا يجوز له رده بعد أخذه لعموم الحديث، فإذا رده فهو ضامن. والله أعلم.
ورواه البيهقي في [الْكُبْرَى] (١١٨٥٩)، وقال: «وليس فيه ما يدل على سقوط الضمان عنه إذا أرسلها فهلكت» اهـ.
وحديث جرير رواه أحمد (١٩٢٣٠)، وابن ماجة (٢٥٠٣) مِنْ طَرِيْقِ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ، عَنْ أَبِي حَيَّانَ قَالَ: حَدَّثَنِي الضَّحَّاكُ خَالُ الْمُنْذِرِ بْنُ جَرِيرٍ، عَنْ مُنْذِرِ بْنِ جَرِيرٍ، عَنْ جَرِيرٍ قَالَ: كُنْتُ مَعَ أَبِي جَرِيرٍ بِالْبَوَازِيجِ فِي السَّوَادِ، فَرَاحَتِ الْبَقَرَ، فَرَأَى بَقَرَةً أَنْكَرَهَا فَقَالَ: مَا هَذِهِ الْبَقَرَةُ؟ قَالَ: بَقَرَةٌ لَحِقَتْ بِالْبَقَرِ، فَأَمَرَ بِهَا فَطُرِدَتْ حَتَّى تَوَارَتْ، ثُمَّ قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: «لَا يُؤْوِي الضَّالَّةَ إِلَّا ضَالٌّ».
قُلْتُ: إِسْنَادُهُ ضَعِيْفٌ، الضحاك هو ابن المنذر.
١١ - واحتج به على وجوب التعريف في قليل اللقطة وكثيرها؛ وذلك أنَّ النبي ﷺ لم يفرق في التعريف بين القليل والكثير.
стр. 5326
قُلْتُ: دلت السنة على أنَّ الشيء اليسير لا يجب تعريفه، بل يتملكه واجده من حين وجوده، ومن ذلك ما رواه البخاري (٢٤٣١)، ومسلم (١٠٧١) عَنْ أَنَسٍ ﵁، قَالَ: مَرَّ النَّبِيُّ ﷺ بِتَمْرَةٍ فِي الطَّرِيقِ، قَالَ: «لَوْلَا أَنِّي أَخَافُ أَنْ تَكُونَ مِنَ الصَّدَقَةِ لَأَكَلْتُهَا». ولم يذكر تعريفاً لها.
قَالَ الْعَلَّامَةُ ابْنُ بَطَّالٍ ﵀ في [شَرْحِ الْبُخَارِي] (٦/ ٥٥٥):
«فدل هذا الحديث على إباحة الشيء التافه الملتقط، وأنَّه معفو عنه وخارج من حكم اللقطة؛ لأنَّ صاحبه لا يطلبه» اهـ.
ومن ذلك ما رواه البخاري (٢٢٩١) عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁، عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ : «أَنَّهُ ذَكَرَ رَجُلًا مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ، سَأَلَ بَعْضَ بَنِي إِسْرَائِيلَ أَنْ يُسْلِفَهُ أَلْفَ دِينَارٍ، فَقَالَ: ائْتِنِي بِالشُّهَدَاءِ أُشْهِدُهُمْ، فَقَالَ: كَفَى بِاللَّهِ شَهِيدًا، قَالَ: فَأْتِنِي بِالكَفِيلِ، قَالَ: كَفَى بِاللَّهِ كَفِيلًا، قَالَ: صَدَقْتَ، فَدَفَعَهَا إِلَيْهِ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى، فَخَرَجَ فِي البَحْرِ فَقَضَى حَاجَتَهُ، ثُمَّ التَمَسَ مَرْكَبًا يَرْكَبُهَا يَقْدَمُ عَلَيْهِ لِلْأَجَلِ الَّذِي أَجَّلَهُ، فَلَمْ يَجِدْ مَرْكَبًا، فَأَخَذَ خَشَبَةً فَنَقَرَهَا، فَأَدْخَلَ فِيهَا أَلْفَ دِينَارٍ وَصَحِيفَةً مِنْهُ إِلَى صَاحِبِهِ، ثُمَّ زَجَّجَ مَوْضِعَهَا، ثُمَّ أَتَى بِهَا إِلَى البَحْرِ، فَقَالَ: اللَّهُمَّ إِنَّكَ تَعْلَمُ أَنِّي كُنْتُ تَسَلَّفْتُ فُلَانًا أَلْفَ دِينَارٍ، فَسَأَلَنِي كَفِيلَا، فَقُلْتُ: كَفَى بِاللَّهِ كَفِيلًا، فَرَضِيَ بِكَ، وَسَأَلَنِي شَهِيدًا، فَقُلْتُ: كَفَى بِاللَّهِ شَهِيدًا، فَرَضِيَ بِكَ، وَأَنِّي جَهَدْتُ أَنْ أَجِدَ مَرْكَبًا أَبْعَثُ إِلَيْهِ الَّذِي لَهُ فَلَمْ أَقْدِرْ، وَإِنِّي أَسْتَوْدِعُكَهَا، فَرَمَى بِهَا فِي البَحْرِ حَتَّى وَلَجَتْ فِيهِ، ثُمَّ انْصَرَفَ وَهُوَ فِي ذَلِكَ يَلْتَمِسُ مَرْكَبًا يَخْرُجُ إِلَى بَلَدِهِ،
стр. 5327
فَخَرَجَ الرَّجُلُ الَّذِي كَانَ أَسْلَفَهُ، يَنْظُرُ لَعَلَّ مَرْكَبًا قَدْ جَاءَ بِمَالِهِ، فَإِذَا بِالخَشَبَةِ الَّتِي فِيهَا المَالُ، فَأَخَذَهَا لِأَهْلِهِ حَطَبًا، فَلَمَّا نَشَرَهَا وَجَدَ المَالَ وَالصَّحِيفَةَ، ثُمَّ قَدِمَ الَّذِي كَانَ أَسْلَفَهُ، فَأَتَى بِالأَلْفِ دِينَارٍ، فَقَالَ: وَاللَّهِ مَا زِلْتُ جَاهِدًا فِي طَلَبِ مَرْكَبٍ لِآتِيَكَ بِمَالِكَ، فَمَا وَجَدْتُ مَرْكَبًا قَبْلَ الَّذِي أَتَيْتُ فِيهِ، قَالَ: هَلْ كُنْتَ بَعَثْتَ إِلَيَّ بِشَيْءٍ؟ قَالَ: أُخْبِرُكَ أَنِّي لَمْ أَجِدْ مَرْكَبًا قَبْلَ الَّذِي جِئْتُ فِيهِ، قَالَ: فَإِنَّ اللَّهَ قَدْ أَدَّى عَنْكَ الَّذِي بَعَثْتَ فِي الخَشَبَةِ، فَانْصَرِفْ بِالأَلْفِ الدِّينَارِ رَاشِدًا».
قُلْتُ: وقد رواه البخاري معلقاً في عدة مواضع، ووصله في "باب التجارة في البحر" برقم (٢٠٦٣).
قَالَ الْعَلَّامَةُ ابْنُ بَطَّالٍ ﵀ في [شَرْحِ الْبُخَارِي] (٦/ ٥٥٣):
«وحديث الخشبة الحجة لهذه المقالة، لأنَّ النَّبي أخبر أنَّه أخذها حطباً لأهله، ولم يأخذها ليعرفها، وأقر النبي ﵇ ذلك، ولم يذكر أنَّه فعل ما لا ينبغي له» اهـ.
قُلْتُ: وفي الباب ما رواه أبو داود (١٧١٧) حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ الدِّمَشْقِيُّ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ شُعَيْبٍ، عَنِ الْمُغِيرَةِ بْنِ زِيَادٍ، عَنْ أَبِي الزُّبَيْرِ الْمَكِّيِّ، أَنَّهُ حَدَّثَهُ، عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ، قَالَ: «رَخَّصَ لَنَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فِي الْعَصَا وَالسَّوْطِ وَالْحَبْلِ وَأَشْبَاهِهِ يَلْتَقِطُهُ الرَّجُلُ يَنْتَفِعُ بِهِ».
стр. 5328
قَالَ أَبُو دَاوُدَ: رَوَاهُ النُّعْمَانُ بْنُ عَبْدِ السَّلَامِ، عَنِ الْمُغِيرَةِ أَبِي سَلَمَةَ، بِإِسْنَادِهِ، وَرَوَاهُ شَبَابَةُ، عَنْ مُغِيرَةَ بْنِ مُسْلِمٍ، عَنْ أَبِي الزُّبَيْرِ، عَنْ جَابِرٍ قَالَ: كَانُوا لَمْ يَذْكُرُوا النَّبِيَّ ﷺ .
قُلْتُ: وهو مع الاختلاف في رفعه ووقفه، فيه عنعنة أبي الزبير، وهو من المدلسين.
قَالَ الْعَلَّامَةُ الْبَيْهَقِيُّ ﵀ فِي [الْكُبْرَى] (٦/ ١٩٥):
«في رفع هذا الحديث شك، وفي إسناده ضعف والله أعلم» اهـ.
وَقَالَ الْحِافِظُ ابْنُ حَجَرٍ ﵀ فِي [فَتْحِ الْبَارِي] (٥/ ٨٥): «وفي إسناده ضعف واختلف في رفعه ووقفه» اهـ.
وفي الباب ما رواه أبو داود (١٧١٤) حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْعَلَاءِ، حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ وَهْبٍ، عَنْ عَمْرِو بْنِ الْحَارِثِ، عَنْ بُكَيْرِ بْنِ الْأَشَجِّ، عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ مِقْسَمٍ، حَدَّثَهُ عَنْ رَجُلٍ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ، أَنَّ عَلِيَّ بْنَ أَبِي طَالِبٍ، وَجَدَ دِينَارًا فَأَتَى بِهِ فَاطِمَةَ فَسَأَلَتْ عَنْهُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ ، فَقَالَ: «هُوَ رِزْقُ اللَّهِ »، فَأَكَلَ مِنْهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ، وَأَكَلَ عَلِيٌّ، وَفَاطِمَةُ فَلَمَّا كَانَ بَعْدَ ذَلِكَ أَتَتْهُ امْرَأَةٌ تَنْشُدُ الدِّينَارَ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «يَا عَلِيُّ أَدِّ الدِّينَارَ».
قُلْتُ: هَذَا حَدِيْثٌ ضَعِيْفٌ فيه رجل مبهم.
قَالَ الْعَلَّامَةُ ابْنُ قُدَامَةَ ﵀ فِي [الْمُغْنِي] (١٢/ ٣٥٠ - ٣٥١):
стр. 5329
«ولا نعلم خلافاً بين أهل العلم في إباحة أخذ اليسير والانتفاع به، وقد روي ذلك عن عمر، وعلي، وابن عمر، وعائشة، وبه قال عطاء، وجابر بن زيد، وطاووس، والنخعي، ويحيى بن أبي كثير، ومالك، والشافعي، وأصحاب الرأي.
وليس عن أحمد وأكثر من ذكرنا تحديد اليسير الذي يباح.
وقال مالك، وأبو حنيفة: لا يجب تعريف ما لا يقطع به السارق، وهو ربع دينار عند مالك، وعشرة دراهم عند أبي حنيفة؛ لأنَّ ما دون ذلك تافه، فلا يجب تعريفه، كالكسرة والتمرة، والدليل على أنَّه تافه قول عائشة ﵂: كانوا لا يقطعون في الشيء التافه.
وروي عن علي ﵁، أنَّه وجد ديناراً فتصرف فيه.
وروى الجوزجاني، عن سلمى بنت كعب، قالت: وجدت خاتماً من ذهب، في طريق مكة، فسألت عائشة عنه، فقالت: تمتعي به.
وروى أبو داود، بإسناده عن جابر، قال: رخص لنا رسول الله ﷺ في العصا والسوط والحبل وأشباهه، يلتقطه الرجل ينتفع به.
والحبل قد يكون قيمته دراهم، وعن ابن ماجه بإسناده، عن سويد بن غفلة، قال: خرجت مع سلمان بن ربيعة، وزيد بن صوحان، حتى إذا كنا بالعذيب، التقطت سوطاً، فقالا لي: ألقه. فأبيت، فلما قدمنا المدينة، أتيت أبي بن كعب، فذكرت ذلك له، فقال: أصبت.
стр. 5330
قال الترمذي: هذا حديث حسن صحيح.
وللشافعية فيه ثلاثة أوجه كالمذاهب الثلاثة.
ولنا على إبطال تحديده بما ذكروه، أنَّ حديث زيد بن خالد عام في كل لقطة، فيجب إبقاؤه على عمومه، إلَّا ما خرج منه بالدليل، ولم يرد بما ذكروه نص، ولا هو في معنى ما ورد النص به؛ ولأنَّ التحديد والتقدير لا يعرف بالقياس، وإنَّما يؤخذ من نص أو إجماع، وليس فيما ذكروه نص ولا إجماع.
وأمَّا حديث علي، فهو ضعيف، رواه أبو داود وقال: طرقه كلها مضطربة.
ثم هو مخالف لمذهبهم ولسائر المذاهب، فتعين حمله على وجه من الوجوه غير اللقطة، إمَّا لكونه مضطراً إليه أو غير ذلك، وحديث عائشة قضية في عين، لا يدرى كم قدر الخاتم، ثم هو قول صحابي، وكذلك حديث علي، وهم لا يرون ذلك حجة، وسائر الأحاديث ليس فيها تقدير، لكن يباح أخذ ما ذكره النبي ﷺ وخص في أخذه من السوط والعصا والحبل، وما قيمته كقيمة ذلك، وقدره الشيخ أبو الفرج في كتابه بما دون القيراط، ولا يصح تحديده لما ذكرنا» اهـ.
وَقَالَ الْعَلَّامَةُ الْمَرْدَاوِي ﵀ فِي [الْإِنْصَافِ] (٦/ ٢٨٩ - ٢٩٠):
«قوله: "وتنقسم ثلاثة أقسام أحدها ما لا تتبعه الهمة".
يعني: همة أوساط الناس ولو كثر، وهذا المذهب، وعليه جماهير الأصحاب. وجزم به في الوجيز وغيره وقدمه في الفروع وغيره.
стр. 5331
ومثله المصنف "بالسوط والشسع والرغيف".
ومثله في "الإرشاد"، و"تذكرة ابن عقيل"، و"الهداية"، و"المذهب"، و"المستوعب" وجماعة بالتمرة والكسرة وشسع النعل وما أشبهه.
ومثله في "المغني" "بالعصا والحبل" وما قيمته كقيمة ذلك.
قال الحارثي: "ما لا تتبعه الهمة" نص الإمام أحمد ﵀ في رواية عبد الله، وحنبل: أنَّه ما كان مثل التمرة والكسرة والخرقة وما لا خطر له فلا بأس» اهـ.
وقد فَسَّرَ الْعَلَّامَةُ ابْنُ عُثَيْمِيْنَ ﵀ أواسط الناس فَقَالَ فِي [الشَّرْحُ الْمُمْتِعِ] (١٠/ ٣٦٢):
«إذاً أوساط الناس خُلُقاً ومالاً، خلقاً يعني ليس من الكرماء الذين لا يهتمون بالأمور، ولا من البخلاء الذين همتهم تتبع كل شيء، فهذا المال لواجده إلَّا إذا كان يعلم صاحبه».
إِلَى أَنْ قَالَ ﵀ (١٠/ ٣٦٣):
«وقوله: "تتبعه همة أوساط الناس" الذي تتبعه همة أوساط الناس يختلف باختلاف الأحوال والأماكن والأزمان، فيما سبق الدرهم الواحد تتبعه همة أوساط الناس؛ لأنَّه يحصل به شيء كثير، يعني يمكن أن الدرهم الواحد يشتري به الإنسان شاة ويشتري به - أيضاً - حباً يطبخه ويكفي ضَيْفَه.
стр. 5332
والآن - والحمد لله - الدرهم لا يهتم به أحد، وكذا خمسة دراهم، وكذا عشرة، والخمسون يهتم بها أوساط الناس، إذاً يقدر هذا بحسب الأحوال، والأحوال يختلف فيها الناس.
لكن لو قال قائل: لعل هذا الذي لا تتبعه همة أوساط الناس تتبعه همة فاقِدِهِ؟ فيقال: العبرة بالأغلب، يعني رب قلم لا يساوي درهماً، وعند صاحبه يساوي مائة درهم؛ لأنه تعوَّد عليه وكتابته به سهلة وجميلة، وهذا شيء مشاهد، بعض الأشياء تكون عند صاحبها غالية، وعند الناس ليست غالية، فيقال: العبرة بالأغلب» اهـ.
قُلْتُ: وهذا الضابط هو الذي يظهر لي رجحانه، فإنَّ يسير اللقطة لم تضبط بالشرع، وما لا يضبط بالشرع رجع في ضبطه إلى العرف، وأمَّا من حدد ذلك بنصاب القطع فليس في قوله ظهور. والله أعلم.
١٢ - واحتج بعموم الأمر بتعريف اللقطة، من قال: إنَّ من أخذ ماله ووجد مكانه مالاً آخر أنَّه يجب عليه تعريفه، ولا يجوز له أن يأخذه عوضاً عن ماله.
قَالَ الْعَلَّامَةُ ابْنُ قُدَامَةَ ﵀ فِي [الْمُغْنِي] (١٢/ ٣٨٧ - ٣٨٨):
«فصل: ومن أخذت ثيابه من الحمام، ووجد بدلها، وأخذ مداسه، وترك له بدله، لم يملكه بذلك.
قال أبو عبد الله، في من سرقت ثيابه ووجد غيرها: لم يأخذها، فإن أخذها عرفها سنة، ثم تصدق بها.
стр. 5333
إنَّما قال ذلك؛ لأنَّ سارق الثياب لم تجر بينه وبين مالكها معاوضة تقتضي زوال ملكه عن ثيابه، فإذا أخذها فقد أخذ مال غيره، ولم يعرف صاحبه، فيعرفه كاللقطة.
ويحتمل أن ينظر في هذا، فإن كانت ثم قرينة تدل على السرقة، بأن تكون ثيابه أو مداسه خيراً من المتروكة، وكانت مما لا تشتبه على الآخذ بثيابه ومداسه، فلا حاجة إلى التعريف؛ لأنَّ التعريف إنَّما جعل في المال الضائع عن ربه، ليعلم به ويأخذه، وتارك هذا عالم به راض ببدله عوضاً عمَّا أخذه، ولا يعترف أنَّه له، فلا يحصل في تعريفه فائدة، فإذا ليس هو بمنصوص عليه، ولا في معنى المنصوص، وفيما يصنع بها ثلاثة أوجه:
أحدها: أنَّه يتصدق به على ما ذكرنا.
الثاني: أنَّه يباح له أخذها؛ لأنَّ صاحبها في الظاهر تركها له باذلاً إياها له عوضاً عمَّا أخذه، فصار كالمبيح له أخذها بلسانه، فصار كمن قهر إنساناً على أخذ ثوبه، ودفع إليه درهماً.
الثالث: أنَّه يرفعها إلى الحاكم، ليبيعها، ويدفع إليه ثمنها عوضاً عن ماله.
والوجه الثاني أقرب إلى الرفق بالناس؛ لأنَّ فيه نفعاً لمن سرقت ثيابه، بحصول عوض عنها، ونفعاً للسارق بالتخفيف عنه من الإثم، وحفظاً لهذه الثياب المتروكة من الضياع، وقد أباح بعض أهل العلم لمن له على إنسان حق من دين أو
стр. 5334
غصب، أن يأخذ من مال من عليه الحق بقدر ما عليه، إذا عجز عن استيفائه بغير ذلك، فهنا مع رضاء من عليه الحق بأخذه أولى.
وإن كانت ثم قرينة دالة على أنَّ الآخذ للثياب إنَّما أخذها ظناً منه أنَّها ثيابه، مثل أن تكون المتروكة خيراً من المأخوذة أو مثلها، وهي مما تشتبه بها، فينبغي أن يعرفها هاهنا؛ لأنَّ صاحبها لم يتركها عمداً، فهي بمنزلة الضائعة منه.
والظاهر أنَّه إذا علم بها، أخذها ورد ما كان أخذه فتصير كاللقطة في المعنى، وبعد التعريف إذا لم تعرف، ففيها الأوجه التي ذكرناها إلَّا أننا إذا قلنا يأخذها أو يبيعها الحاكم ويدفع إليه ثمنها، فإنَّما يأخذ بقدر قيمة ثيابه، لا يزيد عليها؛ لأنَّ الزائد فاضل عمَّا يستحقه، ولم يرض صاحبها بتركها عوضاً عمَّا أخذه، فإنَّه لم يأخذ غيرها اختياراً منه لتركها، ولا رضى بالمعاوضة بها.
وإذا قلنا: إنَّه يدفعها إلى الحاكم ليبيعها، ويدفع إليه ثمنها.
فله أن يشتريها بثمن في ذمته، ويسقط عنه من ثمنها ما قابل ثيابه، ويتصدق بالباقي. والله أعلم» اهـ.
قُلْتُ: ما جاء به العلامة ابن قدامة من التفصيل في هذه المسألة، أصح، وأحسن. والله أعلم.
١٣ - واحتج بعمومه من أوجب التعريف ولو وجدت في دار الحرب.
قَالَ الْعَلَّامَةُ ابْنُ قُدَامَةَ ﵀ فِي [الْمُغْنِي] (١٢/ ٣٩١):
стр. 5335
«فصل: ومن وجد لقطة في دار الحرب، فإن كان في الجيش، فقال أحمد: يعرفها سنة في دار الإسلام، ثم يطرحها في المقسم.
إنَّما عرفها في دار الإسلام؛ لأنَّ أموال أهل الحرب مباحة، ويجوز أن تكون لمسلم، ولأنَّه قد لا يمكنه المقام في دار الحرب لتعريفها.
ومعناه - والله أعلم - يتمم التعريف في دار الإسلام، فأمَّا ابتداء التعريف فيكون في الجيش الذي هو فيه؛ لأنَّه يحتمل أن تكون لأحدهم، فإذا قفل أتم التعريف في دار الإسلام.
فأمَّا إن كان دخل دارهم بأمان، فينبغي أن يعرفها في دارهم؛ لأنَّ أموالهم محرمة عليه، فإذا لم تعرف، ملكها كما يملكها في دار الإسلام وإن كان في الجيش، طرحها في المقسم بعد التعريف؛ لأنَّه وصل إليها بقوة الجيش، فأشبهت مباحات دار الحرب إذا أخذ منها شيئاً.
وإن دخل إليهم متلصصاً، فوجد لقطة، عرفها في دار الإسلام؛ لأنَّ أموالهم مباحة له، ثم يكون حكمها حكم غنيمته.
ويحتمل أن تكون غنيمة له، لا تحتاج إلى تعريف؛ لأنَّ الظاهر أنَّها من أموالهم، وأموالهم غنيمة» اهـ.
قُلْتُ: وهذا الأخير هو الذي يظهر لي رجحانه. والله أعلم.
стр. 5336
١٤ - وظاهر الحديث وجوب تعريف اللقطة سواء أراد الآخذ لها تملكها بعد تعريفها، أو أراد حفظها لمالكها؛ فإنَّ النبي ﷺ لم يستثن شيئاً من ذلك. وخالف في ذلك الإمام الشافعي ﵀ فلم يوجب تعريفها لمن أراد حفظها.
قَالَ الْعَلَّامَةُ ابْنُ قُدَامَةَ ﵀ فِي [الْمُغْنِي] (١٢/ ٣٤٣):
«أمَّا وجوبه، فإنَّه واجب على كل ملتقط، سواء أراد تملكها، أو حفظها لصاحبها.
وقال الشافعي: لا تجب على من أراد حفظها لصاحبها. ولنا أنَّ النَّبي ﷺ أمر به زيد بن خالد وأبي بن كعب، ولم يفرق، ولأنَّ حفظها لصاحبها إنَّما يقيد بإيصالها إليه وطريقه التعريف، أمَّا بقاؤها في يد الملتقط من غير وصولها إلى صاحبها، فهو وهلاكها سيان، ولأنَّ إمساكها من غير تعريف، تضييع لها عن صاحبها، فلم يجز، كردها إلى موضعها، أو إلقائها في غيره، ولأنَّه لو لم يجب التعريف، لما جاز الالتقاط؛ لأنَّ بقاءها في مكانها إذاً أقرب إلى وصولها إلى صاحبها، إمَّا بأن يطلبها في الموضع الذي ضاعت فيه فيجدها، وإمَّا بأن يجدها من يعرفها، وأخذه لها يفوت الأمرين، فيحرم، فلما جاز الالتقاط وجب التعريف، كي لا يحصل هذا الضرر؛ ولأنَّ التعريف واجب على من أراد تملكها، فكذلك على من أراد حفظها، فإن التملك غير واجب، فلا تجب الوسيلة إليه، فيلزم أن يكون الوجوب في المحل المتفق عليه، لصيانتها عن الضياع عن صاحبها، وهذا موجود في محل النزاع» اهـ.
стр. 5337
١٥ - وظاهر الحديث أنَّ تعريفها يكون عقب أخذها، وذلك أنَّ قوله: «ثُمَّ عَرِّفْهَا سَنَةً». أي من حين أخذها، والمعنى يقتضي ذلك؛ فأنَّ فاقدها إنَّما يبحث عنها إثر فقدانها، فلا تمر عليه سنة إلَّا وقد يئس من وجدانها غالباً، فلا يبحث عنها بعد ذلك.
قُلْتُ: وليست "ثم" للتراخي.
قَالَ الْعَلَّامَةُ ابْنُ الْمُلَّقِنِ ﵀ فِي [الْإِعْلَامِ] (٧/ ٥٢٠): «إتيان ثم هنا يدل على المبالغة وشدة التثبت في معرفة العفاص والوكاء، إذ كان وضعها للتراخي والمهلة، فكأنَّه عبارة عن قوله: لا تعجل وتثبت في عرفان ذلك. نبه عليه الفاكهي» اهـ.
قَالَ الْعَلَّامَةُ ابْنُ قُدَامَةَ ﵀ فِي [الْمُغْنِي] (١٢/ ٣٤٤ - ٣٤٥):
«إذا ثبت هذا، فإنَّه يجب أن تكون هذه السنة تلي الالتقاط، وتكون متوالية في نفسها؛ لأنَّ النبي ﷺ أمر بتعريفها حين سئل عنها، والأمر يقتضي الفور، ولأنَّ القصد بالتعريف وصول الخبر إلى صاحبها، وذلك يحصل بالتعريف عقيب ضياعها متوالياً؛ لأنَّ صاحبها في الغالب إنَّما يتوقعها ويطلبها عقيب ضياعها، فيجب تخصيص التعريف به» اهـ.
قُلْتُ: وإن أخرها فلا يخلو من حالين:
стр. 5338
الأولى: أن يكون بغير عذر، والأخرى: بعذر، فإن أخرها بغير عذر وجب عليه التعريف حولاً آخرَ، وليس له أن يتملك اللقطة بعد ذلك لإخلاله بالتعريف الواجب، فإنَّ الواجب عليه أن يعرف اللقطة إثر أخذها، فإنَّ تأخيرها عن ذلك من أسباب تعمية حالها عن صاحبها، فلأجل ذلك منع من تملكها؛ فإنَّه لا حق له في تملكها إلَّا إذا عرفها التعريف الواجب، فإذا تبين هذا فإنَّه يجب عليه أن يتصدق بها بعد تعريفها حولاً بنية صاحبها.
وأمَّا إذا أخر تعريفها لعذر شرعي، فالذي يظهر لي أنَّه يجب عليه أن يعرفها عند زوال العذر حولاً، وله أن يستنفقها بعد انقضاء الحول لعدم تعديه في ذلك. والله أعلم.
قَالَ الْعَلَّامَةُ ابْنُ قُدَامَةَ ﵀ فِي [الْمُغْنِي] (١٢/ ٣٥٢):
«فصل: إذا أخر التعريف عن الحول الأول، مع إمكانه أثم؛ لأنَّ النبي ﷺ أمر به فيه، والأمر يقتضي الوجوب.
وقال في حديث عياض بن حمار: "لا يكتم ولا يغيب". ولأنَّ ذلك وسيلة إلى أن لا يعرفها صاحبها، فإنَّ الظاهر أنَّه بعد الحول ييأس منها، ويسلو عنها، ويترك طلبها.
ويسقط التعريف بتأخيره عن الحول الأول، في المنصوص عن أحمد؛ لأنَّ حكمة التعريف لا تحصل بعد الحول الأول، وإن تركه في بعض الحول، عرف بقيته.
стр. 5339
ويتخرج أن لا يسقط التعريف بتأخره؛ لأنَّه واجب، فلا يسقط بتأخيره عن وقته، كالعبادات وسائر الواجبات.
ولأنَّ التعريف في الحول الثاني يحصل به المقصود على نوع من القصور، فيجب الإتيان به؛ لقول النبي ﷺ : "إذا أمرتكم بأمر فأتوا منه ما استطعتم". فعلى هذا إن أخر التعريف بعض الحول، أتى بالتعريف في بقيته، وأتمه من الحول الثاني.
وعلى كلا القولين، لا يملكها بالتعريف فيما عدا الحول الأول؛ لأنَّ شرط الملك التعريف في الحول الأول، ولم يوجد.
وهل له أن يتصدق بها أو يحبسها عنده أبداً؟ على روايتين.
ويحتمل أن يلزمه دفعها إلى الحاكم، كقولنا فيما إذا التقط ما لا يجوز التقاطه.
ولو ترك التعريف في بعض الحول الأول، لم يملكها أيضاً بالتعريف فيما بعده؛ لأنَّ الشرط لم يكمل، وعدم بعض الشرط كعدم جميعه، كما لو أخل ببعض الطهارة، أو ببعض السترة في الصلاة» اهـ.
أقول: التصدق بها أولى من حبسها؛ فإنَّه لا مصلحة في حبسها لا للفقراء، ولا لصاحبها، وإذا ما تُصدق بها انتفع الفقراء بها، وانتفع صاحبها بأجرها، والعثور على صاحبها بعد الحول من الأمور النادرة فلا اعتبار بذلك؛ ولهذا أذن النبي ﷺ باستنفاقها بعد مضي الحول.
стр. 5340
وأمَّا دفعها للسلطان فيمكن إذا كان السلطان ممن يتقي الله ويضعها في مواضعها، وأمَّا مع فساد السلطان فإيصالها إلى مستحقيها هو الأولى. والله أعلم.
وَقَالَ ﵀ فِي [الْمُغْنِي] (١٢/ ٣٥٣):
«فصل: وإن ترك التعريف في الحول الأول؛ لعجزه عنه، مثل أن يتركه لمرض أو حبس أو نسيان ونحوه، ففيه وجهان:
أحدهما: أنَّ حكمه حكم ما لو تركه مع إمكانه؛ لأنَّ تعريفه في الحول سبب الملك، والحكم ينتفي لانتفاء سببه، سواء انتفى لعذر أو غير عذر.
والثاني: أنَّه يعرفه في الحول الثاني، ويملكه؛ لأنَّه لم يؤخر التعريف عن وقت إمكانه، فأشبه ما لو عرفه في الحول الأول» اهـ.
١٦ - وظاهر الحديث استواء الليل والنهار في التعريف، لكن قَالَ الْعَلَّامَةُ ابْنُ قُدَامَةَ ﵀ فِي [الْمُغْنِي] (١٢/ ٣٤٦):
«الفصل الثالث: في زمانه وهو النهار دون الليل؛ لأنَّ النهار مجمع الناس وملتقاهم دون الليل» اهـ.
قُلْتُ: هذا هو المعنى المعقول؛ فإنَّ التعريف بالليل لا يحصل به المقصود.
١٧ - وظاهر أمر النبي ﷺ بتعريف اللقطة على ملتقطها أنَّ كل ما يحصل من نفقه من أجل التعريف فهي على الملتقط، ولا يرجع بها على مالك اللقطة.
قَالَ الْعَلَّامَةُ ابْنُ قُدَامَةَ ﵀ فِي [الْمُغْنِي] (١٢/ ٣٤٨):
стр. 5341
«الفصل الخامس: فيمن يتولاه، وللملتقط أن يتولى ذلك بنفسه، وله أن يستنيب فيه، فإن وجد متبرعاً بذلك، وإلَّا إن احتاج إلى أجر، فهو على الملتقط. وبهذا قال الشافعي وأصحاب الرأي.
واختار أبو الخطاب أنَّه إن قصد الحفظ لصاحبها دون تملكها، رجع بالأجر على مالكها.
وكذلك قال ابن عقيل، فيما لا يملك بالتعريف؛ لأنَّه من مؤنة إيصالها إلى صاحبها، فكان على مالكها، كأجر مخزنها ورعيها وتجفيفها ولنا أنَّ هذا أجر واجب على المعرف، فكان عليه، كما لو قصد تملكها، ولأنَّه لو وليه بنفسه، لم يكن له أجر على صاحبها، فكذلك إذا استأجر عليه لا يلزم صاحبها شيء، ولأنَّه سبب لتملكها، فكان على الملتقط، كما لو قصد تملكها.
وقال مالك: إن أعطى منها شيئاً لمن عرفها، فلا غرم عليه، كما لو دفع منها شيئاً لمن حفظها.
وقد ذكرنا الدليل على ذلك» اهـ.
١٨ - وظاهر الحديث عدم التفريق في تعريف اللقطة بين القرى المعمورة، وغير المعمورة، وبين الطرق المسلوكة، وغير المسلوكة.
وقد جاء ما يدل على خلاف ذلك، وهو ما رواه النسائي (٢٤٩٤) أَخْبَرَنَا قُتَيْبَةُ، قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو عَوَانَةَ، عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ الْأَخْنَسِ، عَنْ عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ، عَنْ أَبِيهِ،
стр. 5342
عَنْ جَدِّهِ، قَالَ: سُئِلَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَنِ اللُّقَطَةِ؟ فَقَالَ: «مَا كَانَ فِي طَرِيقٍ مَأْتِيٍّ أَوْ فِي قَرْيَةٍ عَامِرَةٍ فَعَرِّفْهَا سَنَةً، فَإِنْ جَاءَ صَاحِبُهَا وَإِلَّا فَلَكَ، وَمَا لَمْ يَكُنْ فِي طَرِيقٍ مَأْتِيٍّ وَلَا فِي قَرْيَةٍ عَامِرَةٍ فَفِيهِ وَفِي الرِّكَازِ الْخُمْسُ».
قُلْتُ: هَذَا حَدِيْثٌ ظَاهِرُهُ أنَّه حَسَنٌ.
ورواه أبو داود (١٧١٠) حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ، حَدَّثَنَا اللَّيْثُ، عَنِ ابْنِ عَجْلَانَ، عَنْ عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ جَدِّهِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ، عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ أَنَّهُ سُئِلَ عَنِ الثَّمَرِ الْمُعَلَّقِ؟ فَقَالَ: «مَنْ أَصَابَ بِفِيهِ مِنْ ذِي حَاجَةٍ غَيْرَ مُتَّخِذٍ خُبْنَةً فَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ، وَمَنْ خَرَجَ بِشَيْءٍ مِنْهُ فَعَلَيْهِ غَرَامَةُ مِثْلَيْهِ وَالْعُقُوبَةُ، وَمَنْ سَرَقَ مِنْهُ شَيْئًا بَعْدَ أَنْ يُؤْوِيَهُ الْجَرِينُ فَبَلَغَ ثَمَنَ الْمِجَنِّ فَعَلَيْهِ الْقَطْعُ» وَذَكَرَ فِي ضَالَّةِ الْإِبِلِ وَالْغَنَمِ كَمَا ذَكَرَهُ غَيْرُهُ، قَالَ: وَسُئِلَ عَنِ اللُّقَطَةِ، فَقَالَ: «مَا كَانَ مِنْهَا فِي طَرِيقِ الْمِيتَاءِ أَوِ الْقَرْيَةِ الْجَامِعَةِ فَعَرِّفْهَا سَنَةً، فَإِنْ جَاءَ طَالِبُهَا فَادْفَعْهَا إِلَيْهِ، وَإِنْ لَمْ يَأْتِ فَهِيَ لَكَ، وَمَا كَانَ فِي الْخَرَابِ يَعْنِي فَفِيهَا وَفِي الرِّكَازِ الْخُمُسُ».
قُلْتُ: والمراد بالقرية الخراب الجاهلي، وما لا يعلم له مالك. والله أعلم.
قَالَ الْعَلَّامَةُ ابْنُ مُفْلِحٍ ﵀ فِي [الْفُرُوْعِ] (٤/ ١٨٥):
«وألحق شيخنا بالمدفون حكماً الموجود ظاهراً بخراب جاهلي، أو طريق غير مسلوك» اهـ.
وَقَالَ الْعَلَّامَةُ ابْنُ قُدَامَةَ ﵀ فِي [الْمُغْنِي] (٥/ ٣٩٣):
стр. 5343
«الفصل الثاني، في موضعه، ولا يخلو من أربعة أقسام: أحدها، أن يجده في موات، أو ما لا يعلم له مالك، مثل الأرض التي يوجد فيها آثار الملك، كالأبنية القديمة، والتلول، وجدران الجاهلية، وقبورهم.
فهذا فيه الخمس بغير خلاف، سوى ما ذكرناه.
ولو وجده في هذه الأرض على وجهها، أو في طريق غير مسلوك، أو قرية خراب، فهو كذلك في الحكم؛ لما روى عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده، قال: سئل رسول الله ﷺ عن اللقطة؟ فقال: ما كان في طريق مأتي، أو في قرية عامرة، فعرفها سنة، فإن جاء صاحبها، وإلَّا فلك، وما لم يكن في طريق مأتي، ولا في قرية عامرة، ففيه وفي الركاز الخمس رواه النسائي» اهـ.
١٩ - وظاهر الحديث استواء لقطة الحل والحرم في تملكها بعد تعريفها.
وهذا مذهب مالك وأبو حنيفة وأحد القولين للشافعي وأحمد.
قُلْتُ: سبق الكلام على هذه المسألة في شرح حديث ابن عباس من كتاب الحج، وبيَّنا هنالك استثناء لقطة الحرم من تملكها بعد تعريفها كما هو القول الآخر للشافعي وأحمد، وقد روى البخاري (١١٢)، ومسلم (١٣٥٥) عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ عَنِ النَّبِّي ﷺ أنَّه قَالَ: «وَلَا تُلْتَقَطُ سَاقِطَتُهَا إِلَّا لِمُنْشِدٍ».
стр. 5344
وروى البخاري (١٨٣٤)، ومسلم (١٣٥٣) عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «وَلَا يَلْتَقِطُ لُقَطَتَهُ إلَّا مَنْ عَرَّفَهَا».
٢٠ - وعمومه يشمل الذمي في تملكها بعد تعريفها.
قَالَ الْعَلَّامَةُ ابْنُ قُدَامَةَ ﵀ فِي [الْمُغْنِي] (١٢/ ٤١٤):
«فصل: والذمي في الالتقاط كالمسلم.
ومن أصحاب الشافعي من قال: ليس له الالتقاط في دار الإسلام؛ لأنَّه ليس من أهل الأمانة.
ولنا أنَّها نوع اكتساب، فكان من أهلها، كالحش والاحتطاب.
وما ذكروه يبطل بالصبي والمجنون، فإنَّه يصح التقاطهما، مع عدم الأمانة.
إذا ثبت هذا، فإنَّه إن عرف اللقطة حولاً كاملاً، ملكها كالمسلم، وإن علم بها الحاكم أو السلطان، أقرها في يده.
وضم إليه مشرفاً عدلاً يشرف عليه، ويعرفها؛ لأننا لا نأمن الكافر على تعريفها، ولا نأمنه أن يخل في التعريف بشيء من الواجب عليه فيه، وأجر المشرف عليه، فإذا تم حول التعريف ملكها الملتقط.
ويحتمل أن تنزع من يد الذمي، وتوضع على يد عدل؛ لأنَّه غير مأمون عليها» اهـ.
٢١ - وعمومه أيضاً يشمل من لم يكن أميناً، فإنَّه يملك اللقطة بعد تعريفها.
قَالَ الْعَلَّامَةُ ابْنُ قُدَامَةَ ﵀ فِي [الْمُغْنِي] (١٢/ ٤١٥):
стр. 5345
«فصل: ويستحب لمن ليس بأمين أن لا يأخذ اللقطة؛ لأنَّه يعرض نفسه للأمانة، وليس هو من أهلها، فإن التقط صح التقاطه؛ لأنَّها جهة من جهات الكسب، وهو من أهل الكسب، ولأنَّه إذا صح التقاط الكافر، فالمسلم أولى، فإذا التقطها فعرفها حولاً، ملكها كالعدل.
وإن علم الحاكم أو السلطان بها، أقرها في يده، وضم إليه مشرفاً يشرف عليه، ويتولى تعريفها كما قلنا في الذمي؛ لأنَّه لا نأمنه عليها.
وبهذا قال أبو حنيفة، والشافعي في أحد قوليه، وقال في الآخر: ينزعها من يده، ويضعها في يد عدل.
ولنا أنَّ من خلى بينه وبين الوديعة، لم تزل يده عن اللقطة، كالعدل، والحفظ يحصل بضم المشرف إليه، وإن لم يمكن المشرف حفظها منه، انتزعت من يده، وتركت في يد عدل، فإذا عرفها وتمت السنة، ملكها ملتقطها؛ لأنَّ سبب الملك وجد منه» اهـ.
٢٢ - وقوله: «فإن لَمْ تَعْرِفْ». أي صاحبها، دليل على أنَّه إذا عرف صاحبها حرم عليه استنفاقها، وإن غاب عنه زمناً طويلاً.
٢٣ - قُلْتُ: ومن باب أولى إذا لم يكن لها صاحب فلا يلزمه تعريفها، وله أن يستنفقها، كالدُرَّةِ التي يجدها الصياد في بطن السمكة بشرط أن لا يكون فيها ما يدل على أنَّ لها مالكاً، كأن تكون مثقوبة مثلاً.
стр. 5346
قَالَ الْعَلَّامَةُ ابْنُ قُدَامَةَ ﵀ فِي [الْمُغْنِي] (١٢/ ٣٨٢ - ٣٨٣):
«فصل: ومن اصطاد سمكة، فوجد فيها دُرَّةً، فهي للصياد؛ لأنَّ الدر يكون في البحر، بدليل قول الله تعالى: ﴿وَتَسْتَخْرِجُوا مِنْهُ حِلْيَةً تَلْبَسُونَهَا﴾ [النحل: ١٤].
فتكون لآخذها، فإن باعها الصياد ولم يعلم، فوجدها المشتري في بطنها، فهي للصياد.
نص عليه أحمد؛ لأنَّه إذا لم يعلم ما في بطنها فلم يبعه، ولم يرض بزوال ملكه عنه، فلم يدخل في البيع، كمن باع داراً له مال مدفون فيها.
وإن وجد في بطنها عنبرة أو شيئاً مما يكون في البحر، فهو للصياد؛ لما ذكرنا. وحكمه حكم الجوهرة، وإن وجد دراهم أو دنانير، فهي لقطة؛ لأنَّ ذلك لا يخلق في البحر، ولا يكون إلَّا لآدمي، فيكون لقطة، كما لو وجده في البحر.
وكذلك الحكم في الدرة إذا كان فيها أثر لآدمي، مثل أن تكون مثقوبة أو متصلة بذهب أو فضة أو غيرهما، فإنَّها تكون لقطة لا يملكها الصياد؛ لأنَّها لم تقع في البحر حتى تثبت اليد عليها، فهي كالدينار.
وكذلك الحكم في العنبرة إذا كانت موصولة بذهب أو فضة، أو مصنوعة، كالتفاحة مثقوبة، ونحو ذلك مما لا يخلق عليه في البحر، فهي لقطة وإن وجدها الصياد فعليه تعريفها؛ لأنَّه ملتقطها، وإن وجدها المشتري، فالتعريف عليه؛ لأنَّه
стр. 5347
واجدها، ولا حاجة إلى البداية بالبائع، فإنَّه لا يحتمل أن تكون السمكة ابتلعت ذلك بعد اصطيادها وملك الصياد لها، فاستوى هو وغيره.
فأمَّا إن اشترى شاة، ووجد في بطنها درة أو عنبرة أو دنانير أو دراهم، فهي لقطة يعرفها، ويبدأ بالبائع؛ لأنَّه يحتمل أن تكون ابتلعتها من ملكه فيبدأ به، كقولنا في مشتري الدار إذا وجد فيها مالاً مدفوناً، وإن اصطاد السمكة من غير البحر، كالنهر والعين، فحكمها حكم الشاة، في أن ما وجد في بطنها من ذلك فهو لقطة، درة كانت أو غيرها؛ لأنَّ ذلك لا يكون إلَّا في البحر بحكم العادة.
ويحتمل أن تكون الدرة للصياد؛ لقول الله تعالى: ﴿وَمِنْ كُلٍّ تَأْكُلُونَ لَحْمًا طَرِيًّا وَتَسْتَخْرِجُونَ حِلْيَةً تَلْبَسُونَهَا﴾ [فاطر: ١٢]» اهـ.
وَقَالَ ﵀ فِي [الْمُغْنِي] (١٢/ ٣٨٤):
«فصل: وإن وجد عنبرة على ساحل البحر، فهي له؛ لأنَّه يمكن أن يكون البحر ألقاها، والأصل عدم الملك فيها، فكانت مباحة لآخذها، كالصيد» اهـ.
٢٤ - وفيه أنَّه إذا عرفها سنة فله أن ينفقها.
قُلْتُ: ولا فرق بين الأثمان، والعروض، ولم يأت من فرق بينهما بحجة مقبولة.
قَالَ الْعَلَّامَةُ ابْنُ قُدَامَةَ ﵀ فِي [الْمُغْنِي] (١٢/ ٣٦٠):
«فصل: وكل ما جاز التقاطه، ملك بالتعريف عند تمامه، أثماناً كانت أو غيرها، هذا كلام الخرقي، فإنَّ لفظه عام في كل لفظه. وقد نقل ذلك عن أحمد، فإنَّ محمد
стр. 5348
بن الحكم، روى عنه في الصياد يقع في شصه الكيس أو النحاس: يعرفه سنة، فإن جاء صاحبه، وإلَّا فهو كسائر ماله. وهذا نص في النحاس.
وقال الشريف بن أبي موسى: هل حكم العروض في التعريف، وجواز التصرف فيها بعد ذلك، حكم الأثمان؟ على روايتين، أظهرهما أنَّها كالأثمان، ولا أعلم بين أكثر أهل العلم فرقاً بين الأثمان والعروض في ذلك، وقال أكثر أصحابنا: لا تملك العروض بالتعريف.
قال القاضي: نص أحمد على هذا، في رواية الجماعة.
واختلفوا فيما يصنع بها، فقال أبو بكر، وابن عقيل: يعرفها أبداً.
وقال القاضي: هو بالخيار بين أن يقيم على تعريفها حتى يجيء صاحبها، وبين دفعها إلى الحاكم ليرى رأيه فيها.
وهل له بيعها بعد الحول، ويتصدق بها؟ على روايتين، وقال الخلال: كل ما روي عن أحمد، أنَّه يعرفه سنة، ويتصدق به، والذي نقل أنَّه يعرف أبداً قول قديم، رجع عنه» اهـ.
٢٥ - وظاهره أنَّه ليس له أن يستنفقها قبل ذلك، لكن يستثنى من ذلك ما لا يبقى عاماً.
قَالَ الْعَلَّامَةُ ابْنُ قُدَامَةَ ﵀ فِي [الْمُغْنِي] (١٢/ ٤٢١ - ٤٢٢):
«فصل: وإذا التقط ما لا يبقى عاماً، فذلك نوعان:
стр. 5349
أحدهما: ما لا يبقى بعلاج ولا غيره، كالطبيخ، والبطيخ، والفاكهة التي لا تجفف، والخضراوات. فهو مخير بين أكله، وبيعه وحفظ ثمنه، ولا يجوز إبقاؤه؛ لأنَّه يتلف.
فإن تركه حتى تلف، فهو من ضمانه؛ لأنَّه فرط في حفظه، فلزمه ضمانه، كالوديعة.
فإن أكله ثبتت القيمة في ذمته، على ما ذكرناه في لقطة الغنم. وإن باعه وحفظ ثمنه، جاز وهذا ظاهر مذهب الشافعي.
وله أن يتولى بيعه بنفسه. وعن أحمد، أن له بيع اليسير، وإن كان كثيراً دفعه إلى السلطان.
وقال أصحاب الشافعي: ليس له بيعه إلَّا بإذن الحاكم، فإن عجز عنه، جاز البيع بنفسه؛ لأنَّه حال ضرورة، فأمَّا مع القدرة على استئذانه، فلا يجوز من غير إذنه؛ لأنَّه مال معصوم، لا ولاية عليه، فلم يجز لغير الحاكم بيعه، كغير اللقطة.
ولنا أنَّه مال أبيح للملتقط أكله، فأبيح له بيعه، كماله، ولأنَّه مال أبيح له بيعه عند العجز عن الحاكم، فجاز عند القدرة عليه، كماله.
إذا ثبت هذا، فإنَّه متى أراد أكله أو بيعه، حفظ صفاته، ثم عرفه عاماً، فإذا جاء صاحبه، فإن كان قد باعه وحفظ ثمنه، دفعه إليه، وإن كان قد أكله أو أكل ثمنه، غرمه له بقيمته يوم أكله.
стр. 5350
وإن تلف الثمن بغير تفريط قبل تملكه، أو نقص أو تلفت العين، أو نقصت من غير تفريطه، فلا ضمان على الملتقط.
وإن تلفت أو نقصت أو نقص الثمن لتفريطه، فعلى الملتقط ضمانه، وكذلك إن تلف الثمن بعد تملكه، أو نقص، ضمنه.
النوع الثاني: ما يمكن إبقاؤه بالعلاج، كالعنب والرطب، فينظر ما فيه الحظ لصاحبه.
فإن كان في التجفيف جففه، ولم يكن له إلَّا ذلك؛ لأنَّه مال غيره، فلزمه ما فيه الحظ لصاحبه، كولي اليتيم، وإن احتاج في التجفيف إلى غرامة، باع بعضه في ذلك.
وإن كان الحظ في بيعه، باعه، وحفظ ثمنه، كالطعام والرطب، فإن تعذر بيعه، ولم يمكن تجفيفه، تعين أكله، كالبطيخ.
وإن كان أكله أنفع لصاحبه. فله أكله أيضاً؛ لأنَّ الحظ فيه.
ويقتضي قول أصحابنا: إنَّ العروض لا تملك بالتعريف أن هذا كله لا يجوز له أكله، لكن يخير بين الصدقة به وبين بيعه.
وقد قال أحمد في من يجد في منزله طعاماً لا يعرفه: يعرفه ما لم يخش فساده، فإن خشي فساده، تصدق به، فإن جاء صاحبه غرمه.
وكذلك قال مالك، وأصحاب الرأي، في لقطة ما لا يبقى سنة: يتصدق به.
وقال الثوري: يبيعه، ويتصدق بثمنه.
стр. 5351
ولنا على جواز أكله قول النَّبي ﷺ في ضالة الغنم: "خذها، فإنَّما هي لك، أو لأخيك، أو للذئب". وهذا تجويز للأكل، فإذا جاز فيما هو محفوظ بنفسه، ففيما يفسد ببقائه أولى» اهـ.
قُلْتُ: وشَذَّ ابْنُ حَزْمٍ فَقَالَ فِي [الْمُحَلَّى] (٧/ ١١٠ - ١١١):
«فَإِنْ كَانَ مَا وَجَدَ شَيْئًا وَاحِدًا كَدِينَارٍ وَاحِدٍ، أَوْ دِرْهَمٍ وَاحِدٍ، أَوْ لُؤْلُؤَةٍ وَاحِدَةٍ، أَوْ ثَوْبٍ وَاحِدٍ، أَوْ أَيِّ شَيْءٍ كَانَ كَذَلِكَ لَا رِبَاطَ لَهُ، وَلَا وِعَاءَ، وَلَا عِفَاصَ -: فَهُوَ لِلَّذِي يَجِدُهُ مِنْ حِينِ يَجِدُهُ وَيُعَرِّفُهُ أَبَدًا طُولَ حَيَاتِهِ، فَإِنْ جَاءَ مَنْ يُقِيمُ عَلَيْهِ بَيِّنَةً قَطُّ: ضَمِنَهُ لَهُ فَقَطْ - هُوَ أَوْ وَرَثَتُهُ بَعْدَهُ - وَإِلَّا فَهُوَ لَهُ، أَوْ لِوَرَثَتِهِ يَفْعَلُ فِيهِ مَا شَاءَ مِنْ بَيْعٍ أَوْ غَيْرِهِ، وَكَذَلِكَ وَرَثَتُهُ بَعْدَهُ وَلَا يُرَدُّ مَا أَنَفَذُوا فِيهِ» اهـ.
٢٦ - وظاهره أنَّه لا فرق بين الغني والفقير في ذلك وهذا مذهب أكثر العلماء، وهو الصحيح، وقال أبو حنيفة: إن كان غنياً تصدق بها. ثم إذا جاء صاحبها يوماً من الدهر خير بين إمضاء الصدقة وتغريمه.
٢٧ - وعموم الحديث يشمل من التقطها لتملكها، فإنَّه لو عرفها بعد ذلك عاماً حلت له.
قَالَ الْعَلَّامَةُ ابْنُ قُدَامَةَ ﵀ فِي [الْمُغْنِي] (١٢/ ٣٦٥):
«فصل: إذا التقط لقطة، عازماً على تملكها بغير تعريف، فقد فعل محرماً، ولا يحل له أخذها بهذه النية، فإذا أخذها لزمه ضمانها، سواء تلفت بتفريط أو بغير تفريط،
стр. 5352
ولا يملكها وإن عرفها؛ لأنَّه أخذ مال غيره على وجه لا يجوز له أخذه، فأشبه الغاصب.
نص على هذا أحمد، ويحتمل أن يملكها؛ لأنَّ ملكها بالتعريف والالتقاط، وقد وجد، فيملكها به، كالاصطياد والاحتشاش، فإنَّه لو دخل حائطاً لغيره بغير إذنه، فاحتش أو اصطاد منه صيداً، ملكه، وإن كان دخوله محرماً، كذا هاهنا؛ ولأنَّ عموم النص يتناول هذا الملتقط، فيثبت حكمه فيه، ولأننا لو اعتبرنا نية التعريف وقت الالتقاط، لافترق الحال بين العدل والفاسق والصبي والسفيه؛ لأنَّ الغالب على هؤلاء الالتقاط للتملك من غير تعريف» اهـ.
٢٨ - من وجد لقطة ثم ضاعت منه فالتقطها آخر فعرفها حولاً فهي للثاني الذي عرفها للعموم الحديث، فإنَّ النبي ﷺ أذن باستنفاقها لمن وجدها وعرفها من غير استثناء صورة من الصور.
قَالَ الْعَلَّامَةُ ابْنُ قُدَامَةَ ﵀ فِي [الْمُغْنِي] (١٢/ ٣٨٠):
«فصل: وإن ضاعت اللقطة من ملتقطها بغير تفريط، فلا ضمان عليه؛ لأنَّها أمانة في يده، فأشبهت الوديعة.
فإن التقطها آخر، فعرف أنَّها ضاعت من الأول، فعليه ردها إليه؛ لأنَّه قد ثبت له حق التمول وولاية التعريف والحفظ، فلا يزول ذلك بالضياع.
فإن لم يعلم الثاني بالحال حتى عرفها حولاً، ملكها؛ لأنَّ سبب الملك وجد منه من غير عدوان، فيثبت الملك به كالأول، ولا يملك الأول انتزاعها؛ لأنَّ الملك مقدم
стр. 5353
على حق التملك، وإذا جاء صاحبها فله أخذها من الثاني، وليس له مطالبة الأول؛ لأنَّه لم يفرط، وإن علم الثاني بالأول، فردها إليه، فأبى أخذها، وقال: عرفها أنت فعرفها، ملكها أيضاً؛ لأنَّ الأول ترك حقه فسقط» اهـ.
٢٩ - وفيه أنَّ اللقطة بعد السنة وديعة في ذمة الملتقط، فلو جاء صاحبها يوماً من الدهر ردها إليه.
وقَالَ الْحَافِظُ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِ ﵀ فِي [التَّمْهِيْدِ] (٣/ ١٠٧ - ١٠٨):
«وأجمعوا أنَّ ملتقطها إن أكلها بعد الحول وأراد صاحبها أن يضمنه فإنَّ ذلك له، وإن تصدق بها فصاحبها مخير بين التضمين وبين أن ينزل على أجرها، فأي ذلك تخير كان ذلك له بإجماع» اهـ.
قُلْتُ: لا إجماع في ذلك.
قَالَ الْحِافِظُ ابْنُ حَجَرٍ ﵀ فِي [فَتْحِ الْبَارِي] (٥/ ٨٤ - ٨٥):
«واختلف العلماء فيما إذا تصرف في اللقطة بعد تعريفها سنة ثم جاء صاحبها هل يضمنها له أم لا، فالجمهور على وجوب الرد إن كانت العين موجودة، أو البدل أن كانت استهلكت، وخالف في ذلك الكرابيسي صاحب الشافعي، ووافقه صاحباه البخاري، وداود بن علي إمام الظاهرية، لكن وافق داود الجمهور إذا كانت العين قائمة، ومن حجة الجمهور قوله في الرواية الماضية: "ولتكن وديعة عندك". وقوله أيضاً عند مسلم في رواية بشر بن سعيد عن زيد بن خالد: "فاعرف
стр. 5354
عفاصها ووكاءها، ثم كلها، فإن جاء صاحبها فأدها إليه". فإنَّ ظاهر قوله: "فإن جاء صاحبها" الخ بعد قوله: "كلها". يقتضي وجوب ردها بعد أكلها فيحمل على رد البدل، ويحتمل أن يكون في الكلام حذف يدل عليه بقية الروايات، والتقدير: فاعرف عفاصها ووكاءها، ثم كلها إن لم يجيء صاحبها، فإن جاء صاحبها فأدها إليه، وأصرح من ذلك رواية أبي داود من هذا الوجه بلفظ: "فإن جاء باغيها فأدها إليه، وإلَّا فاعرف عفاصها ووكاءها، ثم كلها، فإن جاء باغيها فأدها إليه". فأمر بأدائها إليه قبل الإذن في أكلها وبعده، وهي أقوى حجة للجمهور، وروى أبو داود أيضاً مِنْ طَرِيْقِ عبد الله بن يزيد مولى المنبعث عن أبيه عن زيد بن خالد في هذا الحديث: "فإن جاء صاحبها دفعتها إليه، وإلَّا عرفت وكاءها وعفاصها، ثم اقبضها في مالك، فإن جاء صاحبها فادفعها إليه". وإذا تقرر هذا أمكن حمل قول المصنف في الترجمة: فهي لمن وجدها. أي في إباحة التصرف فيها حينئذ، وأمَّا أمر ضمانها بعد ذلك فهو ساكت عنه.
قال النووي: إن جاء صاحبها قبل أن يتملكها الملتقط أخذها بزوائدها المتصلة والمنفصلة، وأمَّا بعد التملك فإن لم يجيء صاحبها فهي لمن وجدها، ولا مطالبة عليه في الآخرة، وإن جاء صاحبها فإن كانت موجودة بعينها استحقها بزوائدها المتصلة، ومهما تلف منها لزم الملتقط غرامته للمالك، وهو قول الجمهور، وقال بعض السلف: لا يلزمه وهو ظاهر اختيار البخاري والله أعلم» اهـ.
وقَالَ الْعَلَّامَةُ ابْنُ بَطَّالٍ ﵀ في [شَرْحِ الْبُخَارِي] (٦/ ٥٥٢):
стр. 5355
«وأجمع أئمة الفتوى على أنَّ اللقطة إذا عرفها سنة وانتفع بها وأنفقها بعد السنة ثم جاء صاحبها أنَّه يرد عليها قيمتها ويضمنها له، وليس قوله: "فشأنك بها". يبيح له أخذها ويسقط عنه ضمانها؛ لما ثبت عنه ﵇ في اللقطة: "فإن جاء صاحبها بعد السنة أدها إليه"؛ لأنَّها وديعة عند ملتقطها وسيأتي تمام القول في ذلك في بابه - إن شاء الله - وخرق الإجماع رجل نُسب إلى العلم يعرف بداود بن علي، فقال: إذا جاء صاحبها بعد السنة لم يضمنها ملتقطها؛ لأنَّ النبي ﵇ أطلقه على ملكها بقوله: "فشأنك بها". فلا ضمان عليه، ولا سلف له في ذلك إلَّا اتباع الهوى والجرأة على مخالفة الجماعة التي لا يجوز عليها تحريف التأويل ولا الخطأ فيه، أعاذنا الله من اتباع والابتداع في دينه مما لم يأذن فيه » اهـ.
قُلْتُ: وأمَّا إذا باعها بعد الحول، وجاء صاحبها بعد بيعها فلا تنتزع من يد المشتري، وتضمن لصاحبها بمثلها، إن كانت من ذوي الأمثال، أو بقيمتها يوم ملكها إن لم تكن من ذوي الأمثال.
قَالَ شَيْخُ الْإِسْلَامِ ابْنُ تَيْمِيَّةَ ﵀ كَمَا فِي [الْاخْتِيَارِاتِ الْفِقْهِيَةِ] (ص: ٥٠٥):
«وتضمن اللقطة بالمثل كبدل القرض، وإذا قلنا بالقيمة فالقيمة يوم ملكها الملتقط قطع به ابن أبي موسى وغيره، خلافاً للقاضي أبي البركات، فإذا باع الملتقط اللقطة بعد الحول ثم جاء ربها فالأشبه أن الملك لا يملك انتزاعها من المشتري» اهـ.
وَقَالَ الْعَلَّامَةُ ابْنُ قُدَامَةَ ﵀ فِي [الْمُغْنِي] (١٢/ ٣٧٨):
стр. 5356
«فصل: وإن وجد العين بعد خروجها من ملك الملتقط ببيع أو هبة أو نحوهما، لم يكن له الرجوع فيها، وله أخذ بدلها؛ لأنَّ تصرف الملتقط وقع صحيحاً؛ لكونها صارت في ملكه.
وإن صادفها قد رجعت إلى الملتقط بفسخ أو شراء أو غير ذلك، فله أخذها؛ لأنَّه وجد عين ماله في يد ملتقطه، فكان له أخذه كالزوج إذا طلق قبل الدخول فوجد الصداق قد رجع إلى المرأة.
وسائر أحكام الرجوع هاهنا كحكم رجوع الزوج، على ما نذكره في موضعه، إن شاء الله تعالى» اهـ.
قُلْتُ: الزيادة المتصلة في اللقطة تكون لمالكها الأول، وأمَّا الزيادة المنفصلة فإن كانت قبل الحول فهي لمالكها الأول، وإن كانت بعد الحول فهي للملتقط لأنَّها حدثت في ملكه، وهذا مذهب الشافعية والمصحح عند الحنابلة.
٣٠ - واحتج بتسمية النبي ﷺ للقطة وديعة بعد تعريفها على عدم ضمانها إذا لم يحصل تعدٍ من جهة ملتقطها.
قَالَ الْحِافِظُ ابْنُ حَجَرٍ ﵀ فِي [فَتْحِ الْبَارِي] (٥/ ٩١):
«ويستفاد من تسميتها وديعة أنَّها لو تلفت لم يكن عليه ضمانها، وهو اختيار البخاري تبعاً لجماعة من السلف. وقال ابن المنير: يستدل به لأحد الأقوال عند العلماء إذا أتلفها الملتقط بعد التعريف وانقضاء زمنه، ثم أخرج بدلها، ثم هلكت
стр. 5357
أن لا ضمان عليه في الثانية، وإذا ادعى أنَّه أكلها، ثم غرمها، ثم ضاعت قبل قوله أيضاً، وهو الراجح من الأقوال» اهـ.
وَقَالَ الْعَلَّامَةُ ابْنُ قُدَامَةَ ﵀ فِي [الْمُغْنِي] (١٢/ ٣٧٥):
«وجملة ذلك أنَّ اللقطة في الحول أمانة في يد الملتقط، إن تلفت بغير تفريطه أو نقصت، فلا ضمان عليه، كالوديعة.
ومتى جاء صاحبها، فوجدها أخذها بزيادتها المتصلة والمنفصلة؛ لأنَّها نماء ملكه.
وإن أتلفها الملتقط، أو تلفت بتفريطه، ضمنها بمثلها إن كانت من ذوات الأمثال، وبقيمتها إن لم يكن لها مثل. لا أعلم في هذا خلافاً، وإن تلفت بعد الحول، ثبت في ذمته مثلها أو قيمتها بكل حال؛ لأنَّها دخلت في ملكه، وتلفت من ماله، وسواء فرط في حفظها أو لم يفرط.
وإن وجد العين ناقصة، وكان نقصها بعد الحول، أخذ العين وأرش نقصها؛ لأنَّ جميعها مضمون إذا تلفت، فكذلك إذا نقصت.
وهذا قول أكثر الفقهاء الذين حكموا بملكه لها بمضي حول التعريف، وأمَّا من قال: لا يملكها حتى يتملكها. لم يضمنه إياها حتى يتملكها، وحكمها قبل تملكه إياها حكمها قبل مضي حول التعريف.
ومن قال: لا تملك اللقطة بحال لم يضمنه إياها.
стр. 5358
وبهذا قال الحسن، والنخعي، وأبو مجلز والحارث العكلي، ومالك، وأبو يوسف، قالوا: لا يضمن، وإن ضاعت بعد الحول.
وقد ذكرنا فيما تقدم دليل دخولها في ملكه» اهـ.
قُلْتُ: هذا التفصيل هو الذي يظهر لي رجحانه، وحكم النبي ﷺ عليها بأنَّها وديعة بعد استنفاقها يدل على أنَّها وديعة في ذمته، وإنَّما لا يضمن الإنسان الوديعة التي في يده، وأمَّا ما في الذمة فهو مضمون عليه. والله أعلم.
٣١ - أنَّ الطالب يُكتفى منه إلى ذكر علاماتها ولا يحتاج إلى إقامة بينة على ذلك غيرها، ولذلك أُمر الواجد لها بحفظ علاماتها، ولولا أنَّ الحكم متعلق بها لما احتيج إلى حفظها، وأصرح من ذلك ما رواه البخاري (٢٤٣٨) عَنْ زَيْدِ بْنِ خَالِدٍ ﵁: أَنَّ أَعْرَابِيًّا سَأَلَ النَّبِيَّ ﷺ عَنْ اللُّقَطَةِ، قَالَ: «عَرِّفْهَا سَنَةً، فَإِنْ جَاءَ أَحَدٌ يُخْبِرُكَ بِعِفَاصِهَا، وَوِكَائِهَا، وَإِلَّا فَاسْتَنْفِقْ بِهَا».
وفي رواية مسلم (١٧٢٣): «فَإِنْ جَاءَ أَحَدٌ يُخْبِرُكَ بِعَدَدِهَا وَوِعَائِهَا وَوِكَائِهَا، فَأَعْطِهَا إِيَّاهُ».
قَالَ الْحِافِظُ ابْنُ حَجَرٍ ﵀ فِي [فَتْحِ الْبَارِي] (٥/ ٧٩):
«وقد أخذ بظاهرها مالك وأحمد، وقال أبو حنيفة والشافعي: إن وقع في نفسه صدقه جاز أن يدفع إليه ولا يجبر على ذلك إلَّا ببينة؛ لأنَّه قد يصيب الصفة.
وقال الخطابي: إن صحت هذه اللفظة لم يجز مخالفتها وهي فائدة قوله: "أعرف عفاصها" الخ وإلَّا فالاحتياط مع من لم ير الرد إلَّا بالبينة. قال: ويتأول قوله:
стр. 5359
"أعرف عفاصها". على أنَّه أمره بذلك لئلا تختلط بماله، أو لتكون الدعوى فيها معلومة. وذكر غيره من فوائد ذلك أيضاً أن يعرف صدق المدعى من كذبه، وأنَّ فيه تنبيهاً على حفظ الوعاء وغيره؛ لأنَّ العادة جرت بإلقائه إذا أخذت النفقة، وأنَّه إذا نبه على حفظ الوعاء كان فيه تنبيه على حفظ المال من باب الأولى.
قُلْتُ: قد صحت هذه الزيادة فتعين المصير إليها» اهـ.
وقَالَ الْحَافِظُ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِ ﵀ فِي [التَّمْهِيْدِ] (٣/ ١٢١):
«القول بظاهر الحديث أولى ولم يؤمر بأن يعرف عفاصها ووكاءها وعلاماتها إلَّا لذلك وقال ﷺ : "إن عرفها فادفعها إليه" هكذا قال حماد بن سلمة في حديثه ومن كان أسعد بالظاهر أفلح وبالله التوفيق» اهـ.
وَقَالَ الْعَلَّامَةُ ابْنُ الْقَيِّمِ ﵀ فِي [إِعْلَامِ الْمُوَقِعِيْنَ] (١/ ١٠٤):
«ولهذا كان الصحيح الذي دلت عليه السنة التي لا معارض لها أنَّ اللقطة إذا وصفها واصف صفة تدل على صدقه دفعت إليه بمجرد الوصف، فقام وصفه لها مقام الشاهدين، بل وصفه لها بينة تبين صدقه وصحة دعواه، فإنَّ البينة اسم لما يبين الحق» اهـ.
وَقَالَ ﵀ فِي [الْطُرُقِ الْحُكْمِيَّةِ] (ص: ١٣):
стр. 5360
«ومن ذلك أنَّ النَّبي ﷺ أمر الملتقط أن يدفع اللقطة إلى واصفها، وأمره أن يعرف عفاصها ووعاءها ووكاءها كذلك، فجعل وصفه لها قائما مقام البينة بل ربما يكون وصفه لها أظهر وأصدق من البينة» اهـ.
قُلْتُ: وهل تدفع للطالب اللقطة إذا جاء ببعض الصفات، وترك البعض في ذلك نزاع بين العلماء.
قَالَ الْحِافِظُ ابْنُ حَجَرٍ ﵀ فِي [فَتْحِ الْبَارِي] (٥/ ٨١ - ٨٢):
«واختلفوا فيما إذا عرف بعض الصفات دون بعض بناء على القول بوجوب الدفع لمن عرف الصفة قال ابن القاسم: لا بد من ذكر جميعها، وكذا قال أصبغ، لكن قال: لا يشترط معرفة العدد. وقول ابن القاسم أقوى لثبوت ذكر العدد في الرواية الأخرى، وزيادة الحافظ حجة» اهـ.
قُلْتُ: الذي يظهر لي أنَّه لا بد من الإتيان بجميع الصفات التي يبعد جهلها عن مالكها. والله أعلم.
وقد تنازع العلماء فيما إذا جاء رجلان يطلبان اللقطة، واتفقا في الاتيان بصفاتها، وليس لأحدهما بينة يمتاز بها على الآخر، فقال بعض العلماء: تقسم اللقطة بينهما بالسوية، وقال آخرون: يقرع بينهما فمن وقعت عليه القرعة أخذها.
واحتج من قال بالقرعة بما رواه أحمد (١٠٣٥٢)، وأبو داود (٣٦١٦)، وابن ماجة (٢٣٤٦) مِنْ طَرِيْقِ ابْنِ أَبِي عَرُوبَةَ، عَنْ قَتَادَةَ، عَنْ خِلَاسٍ، عَنْ أَبِي رَافِعٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، أَنَّ رَجُلَيْنِ اخْتَصَمَا فِي مَتَاعٍ إِلَى النَّبِيِّ ﷺ لَيْسَ
следующие страницы →