Полный текст (8 095 стр.). Показаны 561–600 · переход к 566.
стр. 561
وقال العلامة ابن مفلح ﵀ في [الفروع] (١/ ١٢٢):
«قَالَ شَيْخُنَا: إذَا كَانَ مُسْتَحَبًّا لَهُ أَنْ يَقْتَصِرَ عَلَى الْبَعْضِ، كَوُضُوءِ ابْنِ عُمَرَ لِنَوْمِهِ جُنُبًا، إلَّا رِجْلَيْهِ» اهـ.
قلت: ما قاله شيخ الإسلام هو الأظهر.
ويشبه هذا ما رواه البخاري (٦٣١٦)، ومسلم (٣٠٤) عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، ﵄، قَالَ: «بِتُّ عِنْدَ مَيْمُونَةَ فَقَامَ النَّبِيُّ ﷺ فَأَتَى حَاجَتَهُ غَسَلَ وَجْهَهُ وَيَدَيْهِ ثُمَّ نَامَ … » الحديث.
قال الحافظ البيهقي ﵀ في [الكبرى] (١/ ٣١٠):
«لَيْسَ يُرِيدُ بِهِ الْوَطْءَ وَإِنَّمَا أَرَادَ بِهِ الْحَدَثَ وَسِيَاقُ الْحَدِيثِ يَدُلُّ عَلَى ذَلِكَ» اهـ.
وقال العلامة النووي ﵀ في [شرح مسلم] (٣/ ٢١٥):
«الظَّاهِرُ وَاللَّهُ أَعْلَمُ أَنَّ الْمُرَادَ بِقَضَاءِ الْحَاجَةِ الْحَدَثُ وَكَذَا قَالَهُ الْقَاضِي عِيَاضٌ وَالْحِكْمَةُ فِي غَسْلِ الْوَجْهِ إِذْهَابُ النُّعَاسِ وَآثَارِ النَّوْمِ وَأَمَّا غسل اليد فقال القاضي لعله كان لشئ نَالَهُمَا» اهـ.
قلت: حمل ذلك على إذهاب النعاس فيه بعد وذلك أنَّ النبي ﷺ رجع إلى نومه.
وقال الحافظ ابن حجر ﵀ في [فتح الباري] (٢/ ٤٨٥) عند ذكره لفوائد الحديث:
«وَاسْتِحْبَابُ غَسْلِ الْوَجْهِ وَالْيَدَيْنِ لِمَنْ أَرَادَ النَّوْمَ وَهُوَ مُحْدِثٌ وَلَعَلَّه المُرَاد بِالْوضُوءِ للْجنب» اهـ.
قلت: الأظهر أنَّ المراد بذلك تخفيف الحدث الأصغر من أجل النوم.
стр. 562
قال العلامة ابن القيم ﵀ في [بدائع الفوائد] (٤/ ٣٠):
«وضابط الباب أن ما لم يكن جزؤه عبادة مشروعة لا يلزمه الإتيان به كإمساك بعض اليوم وما كان جزؤه عبادة مشروعة لزمه الإتيان به كتطهير الجنب بعض أعضائه فإنه يشرع كما عند النوم والأكل والمعاودة يشرع له الوضوء تخفيفا للجنابة.
وعلى هذا جوز الإمام أحمد للجنب أن يتوضأ ويلبث في المسجد كما كان الصحابة يفعلونه وإذا ثبت تخفيف الحدث الأكبر في بعض البدن فكذلك الأصغر» اهـ.
قلت: والسنة لمن أتى مضجعه أيضاً الوضوء لما رواه البخاري (٢٤٧)، ومسلم (٢٧١٠) عَنِ الْبَرَاءِ بْنِ عَازِبٍ قَالَ: قَالَ النَّبِيُّ ﷺ : «إِذَا أَتَيْتَ مَضْجَعَكَ فَتَوَضَّأْ وُضُوءَكَ لِلصَّلَاةِ ثُمَّ اضْطَجِعْ عَلَى شِقِّكَ الأَيْمَنِ ثُمَّ قُلِ اللَّهُمَّ أَسْلَمْتُ وَجْهِي إِلَيْكَ وَفَوَّضْتُ أَمْرِي إِلَيْكَ وَأَلْجَأْتُ ظَهْرِي إِلَيْكَ رَغْبَةً وَرَهْبَةً إِلَيْكَ لَا مَلْجَأَ، وَلَا مَنْجَا مِنْكَ إِلاَّ إِلَيْكَ اللَّهُمَّ آمَنْتُ بِكِتَابِكَ الَّذِي أَنْزَلْتَ وَبِنَبِيِّكَ الَّذِي أَرْسَلْتَ فَإِنْ مُتَّ مِنْ لَيْلَتِكَ فَأَنْتَ عَلَى الْفِطْرَةِ وَاجْعَلْهُنَّ آخِرَ مَا تَتَكَلَّمُ بِهِ». قَالَ: فَرَدَّدْتُهَا عَلَى النَّبِيِّ ﷺ فَلَمَّا بَلَغْتُ: اللَّهُمَّ آمَنْتُ بِكِتَابِكَ الَّذِي أَنْزَلْتَ قُلْتُ وَرَسُولِكَ قَالَ: «لَاَ وَنَبِيِّكَ الَّذِي أَرْسَلْتَ».
* * *
стр. 563
قال المؤلف رحمه الله تعالى:
٣٣ - عَنْ أُمِّ سَلَمَةَ ﵂ زَوْجِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَتْ: «جَاءَتْ أُمُّ سُلَيْمٍ امْرَأَةُ أَبِي طَلْحَةَ - إلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَقَالَتْ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، إنَّ اللَّهَ لا يَسْتَحْيِي مِنْ الْحَقِّ، فَهَلْ عَلَى الْمَرْأَةِ مِنْ غُسْلٍ إذَا هِيَ احْتَلَمَتْ؟ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "نَعَمْ، إذَا رَأَتِ الْمَاءَ"».
قال الحافظ ابن دقيق العيد ﵀ في [إحكام الأحكام] ص (٧١ - ٧٢):
«قولها: "إنَّ الله لا يستحيي من الحق" هذا تمهيد لبسط عذرها في ذكرها ما يستحيي النساء من ذكره وهو أصل فيما يصنعه الكتاب والأدباء في ابتداء مكاتباتهم ومخاطباتهم من التمهيدات لما يأتون به بعد ذلك والذي يحسنه في مثل هذا: أنَّ الذي يعتذر به إذا كان متقدماً على المعتذر منه أدركته النفس صافية من العتب وإذا تأخر العذر استثقلت النفس المعتذر منه فتأثرت بقبحه ثم يأتي العذر رافعاً وعلى الأول يأتي دافعاً» اهـ.
قولها: «إذَا هِيَ احْتَلَمَتْ» الاحتلام وهو ما يراه النائم في نومه. ثم جعل اسماً لما يراه النائم من الجماع فيحدث معه إنزال المني غالباً فغلب لفظ الاحتلام في هذا دون غيره من أنواع المنام لكثرة الاستعمال.
قوله: «نَعَمْ، إذَا رَأَتِ الْمَاءَ» المراد به المني. وماء المرأة مخالف لماء الرجل فماء الرجل أبيض ثخين، وماء المرأة رقيق أصفر.
وفي الحديث مسائل منها:
стр. 564
١ - إثبات صفة الحياء لله كما يليق به من غير مشابهة المخلوقين.
٢ - وفيه بيان أنَّ الاستحياء من الحق ليس من الصفات المحمودة، قال الحسن البصري: لا يتعلم مستح ولا متكبر.
وروى مسلم (٣١٠) عن أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ قَالَ: «جَاءَتْ أُمُّ سُلَيْمٍ وَهِيَ جَدَّةُ إِسْحَقَ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَقَالَتْ لَهُ وَعَائِشَةُ عِنْدَهُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ الْمَرْأَةُ تَرَى مَا يَرَى الرَّجُلُ فِي الْمَنَامِ فَتَرَى مِنْ نَفْسِهَا مَا يَرَى الرَّجُلُ مِنْ نَفْسِهِ فَقَالَتْ عَائِشَةُ: يَا أُمَّ سُلَيْمٍ فَضَحْتِ النِّسَاءَ تَرِبَتْ يَمِينُكِ. فَقَالَ لِعَائِشَةَ: "بَلْ أَنْتِ فَتَرِبَتْ يَمِينُكِ نَعَمْ فَلْتَغْتَسِلْ يَا أُمَّ سُلَيْمٍ إِذَا رَأَتْ ذَاكِ"».
وروى مسلم (٣٣٢) عَنْ عَائِشَةَ: «أَنَّ أَسْمَاءَ سَأَلَتْ النَّبِيَّ ﷺ عَنْ غُسْلِ الْمَحِيضِ فَقَالَ: "تَأْخُذُ إِحْدَاكُنَّ مَاءَهَا وَسِدْرَتَهَا فَتَطَهَّرُ فَتُحْسِنُ الطُّهُورَ ثُمَّ تَصُبُّ عَلَى رَأْسِهَا فَتَدْلُكُهُ دَلْكًا شَدِيدًا حَتَّى تَبْلُغَ شُؤُونَ رَأْسِهَا ثُمَّ تَصُبُّ عَلَيْهَا الْمَاءَ ثُمَّ تَأْخُذُ فِرْصَةً مُمَسَّكَةً فَتَطَهَّرُ بِهَا". فَقَالَتْ أَسْمَاءُ: وَكَيْفَ تَطَهَّرُ بِهَا فَقَالَ: "سُبْحَانَ اللَّهِ تَطَهَّرِينَ بِهَا". فَقَالَتْ: عَائِشَةُ كَأَنَّهَا تُخْفِي ذَلِكَ تَتَبَّعِينَ أَثَرَ الدَّمِ وَسَأَلَتْهُ عَنْ غُسْلِ الْجَنَابَةِ. فَقَالَ: "تَأْخُذُ مَاءً فَتَطَهَّرُ فَتُحْسِنُ الطُّهُورَ أَوْ تُبْلِغُ الطُّهُورَ ثُمَّ تَصُبُّ عَلَى رَأْسِهَا فَتَدْلُكُهُ حَتَّى تَبْلُغَ شُؤُونَ رَأْسِهَا ثُمَّ تُفِيضُ عَلَيْهَا الْمَاءَ". فَقَالَتْ: عَائِشَةُ نِعْمَ النِّسَاءُ نِسَاءُ الْأَنْصَارِ لَمْ يَكُنْ يَمْنَعُهُنَّ الْحَيَاءُ أَنْ يَتَفَقَّهْنَ فِي الدِّينِ».
٣ - فيه دليل على أنَّ إنزال المرأة للماء في حالة النوم موجب للغسل كإنزال الرجل.
стр. 565
قال الحافظ ابن رجب ﵀ في [فتح الباري] (١/ ٣٣٨ - ٣٣٩):
«وهذا الحديث: نص على أنَّ المرأة إذا رأت حلماً في منامها، ورأت الماء في اليقظة أنَّ عليها الغسل.
وإلى هَذا ذهب جمهور العلماء، ولا يعرف فيهِ خلاف، إلَّا عَنْ النخعي وَهوَ شذوذ.
ولعل النخعي أنكر وقوع ذَلِكَ من المرأة كَما أنكرته أم سلمة على أم سليم، حتى قالَ لها النبي ﷺ : "تربت يمينك، وبم يشبهها ولدها".
فبين ﷺ أنَّ للمرأة ماء كما للرجل، وأنَّها إذا رأت الماء في نومها باحتلام، فإنَّه يجب عليها الغسل منهُ. وفي ذَلِكَ تنبيه على أنَّ الرجل كذلك، وأنَّه إذا رأى حلماً ورأى الماء، أنَّهُ يلزمه الغسل. وهذا مما لا اختلاف فيهِ بين العلماء» اهـ.
٤ - قوله: «نَعَمْ، إذَا رَأَتِ الْمَاءَ» دليل على بطلان قول من زعم أنَّ ماء المرأة لا يبرز وإنَّما يعرف إنزالها بشهوتها.
قلت: وأمَّا إذا شك في البلل الذي يراه في ثوبه عند استيقاظه من النوم هل هو مني أم شيء آخر فاختلف في ذلك العلماء.
قال شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ في [شرح العمدة] (١/ ٣٥٣ - ٣٥٤):
«إذا احتلم ولم ير الماء فلا غسل عليه وإن استيقظ فرأى الماء فعليه الغسل وإن استيقظ فرأى بللاً لا يعلم مني هو أم مذي فإن ذكر احتلاماً لزمه الغسل سواء تقدم نومه بفكر أو مسيس أم لا؛ لأنَّ هناك سبباً قريباً يضاف الحكم إليه،
стр. 566
وإن لم يذكر احتلاماً لزمه أيضاً الغسل إلَّا أن يتقدمه بفكر أو نظر أو لمس أو تكون به إبرادة فلا غسل عليه.
وعنه ما يدل على أن لا غسل عليه مطلقاً لأنَّه يجوز أن يكون منياً وأن يكون مذياً وهو طاهر بيقين فلا تزول طهارته بالشك.
والصحيح الأول لما روت عائشة ﵂ عن النبي ﷺ أنَّه سئل عن الرجل يجد البلل ولا يذكر احتلاماً قال: "يغتسل" وعن الرجل يرى أن قد احتلم ولا يجد البلل قال: "لا غسل عليه" رواه أحمد وأبو داود وابن ماجه واحتج به أحمد ولأنَّ هذا الماء لا بد لخروجه من سبب وليس هناك سبب ظاهر إلَّا الاحتلام والماء الذي يخرج بالاحتلام في الغالب إنَّما هو المني فألحقت هذه الصورة المجهولة بالأعم الأغلب ولهذا إذا كان هناك سبب ظاهر يضاف إليه مثل لمس أو تفكير أو إبردة أضفناه إليه وجعلناه مذياً لأنَّ الأصل عدم ما سواه» اهـ.
قلت: حديث عائشة في إسناده عبد الله العمري، وهو ضعيف الحديث.
وقال العلامة ابن القيم ﵀ في [بدائع الفوائد] (٣/ ٧٧٦):
«ومن هذا الباب ما لو استيقظ فرأى في ثوبه بللاً واشتبه عليه أمني هو أم مذي؟ ففي هذه المسألة قولان في كل مذهب من المذاهب الأربعة إلَّا أنَّ أصحاب الإمام أحمد ﵁ قالوا: إن سبق منه سبب يمكن إحالة كونه مذياً عليه مثل القبلة والملاعبة والفكر مع الانتشار فهو مذي إذ الظاهر أنَّ الذكر بعد ذلك إنَّما انكسر به فهو المتيقن وما زاد عليه فمشكوك فيه فلا يجب عليه غسل بالشك، وإن لم يتقدم منه شيء من ذلك فهو مني في الحكم إذ هو الغالب على
стр. 567
النائم ولم يتقدم سبب يعارضه والنوم في مظنة الاحتلام وقد قام شاهد المظنة ظاهر القياس بموجب شهادته وقوة هذا المسلك مما لا يخفي على منصف» اهـ.
قال الحافظ ابن رجب ﵀ في [فتح الباري] (٢/ ٥١ - ٥٢): «ولو رأى الرجل والمرأة بللاً ولم يذكر احتلاماً، فإن كانت أوصاف المني موجودة فيه لزم الغسل، وإن احتمل أن يكون منياً وأن يكون مذياً وغير ذلك ففيه قولان:
أحدهما: عليه الغسل، حكاه الترمذي في كتابه عن غير واحد من أهل العلم من أصحاب النبي ﷺ ، والتابعين، وعن سفيان، وأحمد.
وممن روي عنه أنَّه قال: يغتسل: ابن عباس، وعطاء، والشعبي، والنخعي.
وهو قول أبي حنيفة، وظاهر مذهب أحمد، إلَّا أنَّه استثنى من ذلك أن يكون ثم سبب يقتضي خروج غير المني، مثل أن يكون قد سبق منه ملاعبته لأهله، أو فكر قبل نومه، أو يكون به أبردة فخرج منه بلل بسببها، فلم يوجب الغسل في هذه الصور؛ لأنَّ إحالة البلل الخارج على السبب الموجود المعلوم أولى من إحالته على سبب موهوم.
والقول الثاني: لا غسل عليه بذلك حتى يتيقن أنَّه مني، وهو قول مجاهد، وقتادة، والحكم، وحماد، ومالك، والشافعي، وإسحاق، وأبي يوسف، لأنَّ الأصل الطهارة، فلا يجب الغسل بالشك.
والقول الأول أصح.
ولا يشبه هذا من تيقن الطهارة وشك في الحدث؛ فإنَّ ذاك لم يتيقن شيئاً موجباً لطهارة في ذمته، بل هو مستصحب للطهارة المتيقنة، ولم يتيقن اشتغال ذمته بشيء،
стр. 568
وهذا قد تيقن أنَّ ذمته اشتغلت بطهارة، فلا تبرأ ذمته بدون الإتيان بالوضوء والغسل.
ورجح هذا القول طائفة من محققي الشافعية -أيضاً.
وأمَّا إن رأى الرجل والمرأة احتلاماً، ولم ير بللاً، فلا غسل عليه، كما دل عليه هذا الحديث الصحيح، وحكاه الترمذي عن عامة أهل العلم، وحكاه ابن المنذر إجماعاً عن كل من يحفظ عنه من أهل العلم.
وحكى ابن أبي موسى من أصحابنا رواية عَنْ أحمد: أنَّهُ إذا رأى في منامه احتلاماً ووجد لذة الإنزال في منامه، ولم يجد بللاً عند استيقاظه، أنَّهُ يلزمه الغسل، وبناه على قول الإمام أحمد المشهور عَنهُ: إن المني إذا انتقل من محله، ولم يخرج، فإنَّه يجب الغسل بانتقاله.
وفي هَذا نظر؛ فإنه قَدْ لا يتحقق انتقاله بمجرد وجود اللذة في النوم» اهـ.
قلت: وهذا الذي صححه وصححه شيخ الإسلام ابن تيمية، وتلميذه العلامة ابن القيم، هو الذي يظهر لي أنَّه الصواب والله أعلم.
وصفات المني إن كان رطباً هو البياض والثخونة في مني الرجل، والرقة والاصفرار في مني المرأة.
وريح المني إن كان رطباً كريح الطلع أو العجين، وإن كان يابساً كريح بياض البيض.
٥ - احتج به من قال من أهل العلم: إنَّ المني يجب منه الغسل مطلقاً ولو خرج من غير شهوة.
стр. 569
قلت: المني الذي يوجب الغسل هو المني الذي يخرج بشهوة على الصحيح من أقوال العلماء، وهو قول الجمهور، وخالف في ذلك الإمام الشافعي ﵀، وأمَّا الخارج لمرض من غير شهوة فلا يوجب الغسل، شأنه كشأن دم الاستحاضة مع دم الحيض.
قال شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ في [شرح العمدة] (١/ ٣٥١ - ٣٥٣):
«والمني هو الماء الدافق إذا خرج بشهوة وماء الرجل أبيض غليظ يشبه رائحة طلع النخل ورائحة العجين، ومني المرأة أصفر رقيق. فإن خرج بغير دفق وشهوة مثل أن يخرج لمرض أو إبرادة فلا غسل فيه في المشهور من نصه ومذهبه لأنَّ علي بن أبي طالب ﵁ قال: كنت رجلاً مذاء فسألت رسول الله ﷺ فقال: "إذا خذفت الماء فاغتسل من الجنابة وإذا لم تكن حاذفاً فلا تغتسل" رواه أحمد.
وفي رواية لأحمد وأبي داود: "فإذا رأيت المذي فاعتبر الخذف والفضخ" وهو خروجه بقوة وشدة وعجلة كما تخرج الحصاة من بين يدي الخاذف والنواة من بين مجرى الفاضخ.
وروى سعيد في سننه عن أبي سلمة بن عبد الرحمن ومجاهد وعطاء قالوا: دخلت أم سليم على رسول الله ﷺ فقالت يا رسول الله المرأة ترى في منامها كما يرى الرجل أفيجب عليها الغسل قال: "هل تجد شهوة"؟ قالت: لعله. قال: "وهل ترى بللاً" قالت: لعله. قال: "فلتغتسل".
وهذا تفسير ما جاء من العمومات مثل قوله: "الماء من الماء". وقوله: "إذا رأت المني فلتغتسل" وبيَّن أنَّه ليس بمني لفساده واستحالته، أو وإن كان منياً
стр. 570
لكان لفساده خرج عن حكمه لأنَّه خارج يوجب الغسل فإذا تغير عن صفة الصحة والسلامة لم يوجب كدم الاستحاضة مع دم الحيض وذكر القاضي في الجامع رواية ثانية له يوجب الغسل على أي صفة خرج بشهوة أو بغير شهوة للعمومات فيه وأخذها من نصه على أنَّ من جامع ثم اغتسل ثم أنزل فعليه الغسل مع أنَّ ظاهر حاله أنَّه يخرج بغير شهوة» اهـ.
قلت: حديث علي ﵁ رواه أحمد (٨٤٧) حَدَّثَنَا أَبُو أَحْمَدَ، حَدَّثَنَا رِزَامُ بْنُ سَعِيدٍ التَّيْمِيُّ، عَنْ جَوَّابٍ التَّيْمِيِّ، عَنْ يَزِيدَ بْنِ شَرِيكٍ يَعْنِي التَّيْمِيَّ، عَنْ عَلِيٍّ، قَالَ: «كُنْتُ رَجُلًا مَذَّاءً فَسَأَلْتُ النَّبِيَّ ﷺ فَقَالَ: "إِذَا خَذَفْتَ فَاغْتَسِلْ مِنَ الْجَنَابَةِ، وَإِذَا لَمْ تَكُنْ خَاذِفًا فَلَا تَغْتَسِلْ"».
قلت: هذا حديث حسن. جواب التيمي مختلف فيه ولا ينزل حديثه عن الحسن. والله أعلم.
وروى أحمد (٨٦٨)، وأبو داود (٢٠٦)، والنسائي في [المجتبى] (١٩٣)، [الكبرى] (١٩٩)
من طريق عَبِيدَةَ بْنِ حُمَيْدٍ التَّيْمِيُّ أَبِي عَبْدِ الرَّحْمَنِ، حَدَّثَنِي رُكَيْنٌ، عَنْ حُصَيْنِ بْنِ قَبِيصَةَ، عَنْ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ، قَالَ: «كُنْتُ رَجُلًا مَذَّاءً فَجَعَلْتُ أَغْتَسِلُ فِي الشِّتَاءِ حَتَّى تَشَقَّقَ ظَهْرِي، قَالَ: فَذَكَرْتُ ذَلِكَ لِلنَّبِيِّ ﷺ ، أَوْ ذُكِرَ لَهُ، قَالَ: فَقَالَ: "لَا تَفْعَلْ، إِذَا رَأَيْتَ الْمَذْيَ فَاغْسِلْ ذَكَرَكَ، وَتَوَضَّأْ وُضُوءَكَ لِلصَّلاةِ، فَإِذَا فَضَخْتَ الْمَاءَ فَاغْتَسِلْ"».
قلت: هذا حديث حسن من أجل عبيدة بن حميد.
قال العلامة ابن قدامة ﵀ في [المغني] (١/ ٣٣٣):
«وَالْفَضْخُ: خُرُوجُهُ عَلَى وَجْهِ الشَّدَّةِ.
стр. 571
وَقَالَ إبْرَاهِيمُ الْحَرْبِيُّ: خُرُوجُهُ بِالْعَجَلَةِ» اهـ.
قلت: وقد قال الله في وصف المني الذي خلق منه الإنسان: ﴿خُلِقَ مِنْ مَاءٍ دَافِقٍ (٦)﴾ [الطارق: ٦].
يعني: من ماء مدفوق.
وقال الله : ﴿أَلَمْ يَكُ نُطْفَةً مِنْ مَنِيٍّ يُمْنَى (٣٧)﴾ [القيامة: ٣٧] يمنى أي يراق من الأصلاب في الأرحام.
قلت: فهذا هو المني الذي تتعلق به الأحكام، وهو المدفوق الذي يراق، ولا يكون كذلك إلَّا إذا خرج لشهوة، فأمَّا الذي يسيل سيلاناً من غير شهوة فلا يوجب الغسل. والله أعلم.
وخروج المني بعد الاغتسال لا يوجب إعادة الغسل في المشهور عن الإمام أحمد ﵀.
قال شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ في [شرح العمدة] (١/ ٣٥٥ - ٣٥٦):
«والمشهور عنه أنَّه لا يوجب غسلاً ثانياً حتى أنَّ من أصحابنا من يجعله رواية واحدة لما روى سعيد عن ابن عباس أنَّه سئل عن الجنب يخرج منه المني بعد الغسل قال: يتوضأ وكذلك ذكره الإمام أحمد عن علي ولأنَّه مني واحد فلا يوجب غسلين كما لو ظهر ولأنَّ الموجب هو المني المقترن بالشهوة وهو واحد ولأنَّ الثاني خارج عن غير شهوة فأشبه ما لو خرج لإبردة أو مرض وهذا تعليل الإمام أحمد فقال: لا غسل فيه لأنَّ الشهوة ماضية وإنَّما هو حدث ليس بجنابة أرجو أن يجزئه الوضوء لأنَّه خارج من السبيل.
стр. 572
وعنه أنَّه يوجب الغسل ثانياً لأنَّه مني انتقل لشهوة فأوجب الغسل كالأول وكما لو خرج عقيب انتقاله.
وعنه إن خرج قبل البول اغتسل وإن خرج بعده لم يغتسل لأنَّ ذلك يروى عن علي وقد ضعفه الإمام أحمد ولأنَّ ما قبل البول هو بقية المني الأول وقد انتقل بشهوة وما بعد البول يجوز أن يكون بقية الأول ويجوز أن يكون غيره خرج لإبردة أو مرض وهو الأظهر لأنَّ البول يدفع بقايا المني لأنَّ مخرج المني تحت مخرج البول وبينهما حاجز رقيق فينعصر مخرج المني تحت مخرج البول فيخرج ما فيه والوجوب لا يثبت بالشك» اهـ.
وقال العلامة ابن قدامة ﵀ في [المغني] (١/ ٢٦٣): «فصل: فأمَّا إن احتلم أو جامع فأمنى ثم اغتسل ثم خرج منه مني فالمشهور عن أحمد أنَّه لا غسل عليه. قال الخلال: تواترت الروايات عن أبي عبد الله أنَّه ليس عليه إلَّا الوضوء بال أو لم يبل فعلى هذا استقر قوله، وروى ذلك عن علي وابن عباس وعطاء والزهري ومالك والليث والثوري وإسحاق وقال سعيد بن جبير: لا غسل عليه إلَّا من شهوة.
وفيه رواية ثانية: إن خرج بعد البول فلا غسل فيه وإن خرج قبله اغتسل وهذا قول الأوزاعي وأبي حنيفة ونقل ذلك عن الحسن؛ لأنَّه بقية ماء خرج بالدفق والشهوة فأوجب الغسل كالأول بعد البول خرج بغير دفق وشهوة ولا نعلم أنَّه بقية الأول لأنَّه لو كان بقيته لما تخلف بعد البول.
стр. 573
وقال القاضي: فيه رواية ثالثة عليه الغسل بكل حال وهو مذهب الشافعي لأنَّ الاعتبار بخروجه كسائر الأحداث.
وقال في موضع آخر: لا غسل عليه رواية واحدة لأنَّه جنابة واحدة فلم يجب به غسلان كما لو خرج دفعة واحدة.
والصحيح أنَّه يجب الغسل لأنَّ الخروج يصلح موجباً للغسل ما ذكره يبطل بما إذا جامع فلم ينزل فاغتسل ثم أنزل فإنَّ أحمد قد نص على وجوب الغسل عليه بالإنزال مع وجوبه بالتقاء الختانين» اهـ.
قلت: الذي يظهر لي أنَّ القول بعدم وجوب إعادة الغسل هو الأصح لثلاثة أمور:
الأمر الأول: أنَّ المني الذي يوجب الغسل هو المني المتدفق، لا الذي يسيل سيلاناً.
الأمر الثاني: أنَّ هذا القول هو الموافق لفتوى علي وابن عباس ﵄.
الأمر الثالث: أنَّ إيجاب غسلين من جنابة واحدة يحتاج إلى دليل ظاهر، والأصل أنَّه لا يجب في الجنابة الواحدة إلَّا غسل واحد.
والمسألة التي ذكرها ابن قدامة ﵀ في الذي وطء فلم ينزل ثم اغتسل وأنزل، فالذي يظهر أنَّه إذا أنزل بشهوة متدفقاً فعليه الغسل لأنَّها جنابة جديدة وإلَّا فلا.
٦ - وفي الحديث حجة لمن ذهب من أهل العلم إلى عدم وجوب الغسل في حق من شعر بانتقال المني فأمسك ذكره فلم يخرج المني ذلك الوقت ولا بعد ذلك.
وفي ذلك نزاع بين العلماء.
стр. 574
قال العلامة النووي ﵀ في [المجموع] (٢/ ١٤٠):
«لو قبل امرأة فأحس بانتقال المني ونزوله فَأَمْسَكَ ذَكَرَهُ فَلَمْ يَخْرُجْ مِنْهُ فِي الْحَالِ شئ وَلَا عَلِمَ خُرُوجَهُ بَعْدَ ذَلِكَ فَلَا غُسْلَ عَلَيْهِ عِنْدَنَا وَبِهِ قَالَ الْعُلَمَاءُ كَافَّةً إلَّا أَحْمَدَ فَإِنَّهُ قَالَ فِي أَشْهَرِ الرِّوَايَتَيْنِ عَنْهُ يَجِبُ الْغُسْلُ قَالَ: وَلَا يُتَصَوَّرُ رُجُوعُ الْمَنِيِّ.
دَلِيلُنَا قَوْلُهُ ﷺ : "إنَّمَا الْمَاءُ مِنْ الْمَاءِ" وَلِأَنَّ الْعُلَمَاءَ مُجْمِعُونَ عَلَى أَنَّ مَنْ أَحَسَّ بِالْحَدَثِ كَالْقَرْقَرَةِ وَالرِّيحِ وَلَمْ يخرج منه شئ لَا وُضُوءَ عَلَيْهِ فَكَذَا هُنَا» اهـ.
وقال العلامة ابن قدامة ﵀ في [المغني] (١/ ١٤٧):
«فَصْلٌ: فَإِنْ أَحَسَّ بِانْتِقَالِ الْمَنِيِّ عِنْدَ الشَّهْوَةِ فَأَمْسَكَ ذَكَرَهُ، فَلَمْ يَخْرُجْ فَلَا غُسْلَ عَلَيْهِ فِي ظَاهِرِ قَوْلِ الْخِرَقِيِّ، وَإِحْدَى الرِّوَايَتَيْنِ عَنْ أَحْمَدَ وَقَوْلِ أَكْثَرِ الْفُقَهَاءِ. وَالْمَشْهُورُ عَنْ أَحْمَدَ وُجُوبُ الْغُسْلِ، وَأَنْكَرَ أَنْ يَكُونَ الْمَاءُ يَرْجِعُ، وَأُحِبُّ أَنْ يَغْتَسِلَ.
وَلَمْ يَذْكُرْ الْقَاضِي فِي وُجُوبِ الْغُسْلِ خِلَافًا، قَالَ: لِأَنَّ الْجَنَابَةَ تُبَاعِدُ الْمَاءَ عَنْ مَحَلِّهِ، وَقَدْ وُجِدَ، فَتَكُونُ الْجَنَابَةُ مَوْجُودَةً، فَيَجِبُ الْغُسْلُ بِهَا؛ وَلِأَنَّ الْغُسْلَ تُرَاعَى فِيهِ الشَّهْوَةُ، وَقَدْ حَصَلَتْ بِانْتِقَالِهِ، فَأَشْبَهَ مَا لَوْ ظَهَرَ وَلَنَا أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ عَلَّقَ الِاغْتِسَالَ عَلَى الرُّؤْيَةِ وَفَضْخِهِ، بِقَوْلِهِ: "إذَا رَأَتْ الْمَاءَ" وَ "إذَا فَضَخْت الْمَاءَ فَاغْتَسِلْ" فَلَا يَثْبُتُ الْحُكْمُ بِدُونِهِ، وَمَا ذَكَرَهُ مِنْ الِاشْتِقَاقِ لَا يَصِحُّ؛ لِأَنَّهُ يَجُوزُ أَنْ يُسَمَّى جُنُبًا لِمُجَانَبَتِهِ الْمَاءَ، وَلَا يَحْصُلُ إلَّا بِخُرُوجِهِ مِنْهُ أَوْ لِمُجَانَبَتِهِ
стр. 575
الصَّلَاةَ أَوْ الْمَسْجِدَ أَوْ غَيْرَهُمَا؛ مِمَّا مُنِعَ مِنْهُ، وَلَوْ سُمِّيَ بِذَلِكَ مَعَ الْخُرُوجِ، لَمْ يَلْزَمْهُ وُجُودُ التَّسْمِيَةِ مِنْ غَيْرِ خُرُوجٍ، فَإِنَّ الِاشْتِقَاقَ لَا يَلْزَمُ مِنْهُ الِاطِّرَادُ، وَمُرَاعَاةُ الشَّهْوَةِ لِلْحُكْمِ لَا يَلْزَمُ مِنْهُ اسْتِقْلَالُهَا بِهِ، فَإِنَّ أَحَدَ وَصْفَيْ الْعِلَّةِ وَشَرْطَ الْحُكْمِ مُرَاعًى لَهُ، وَلَا يَسْتَقِلُّ بِالْحُكْمِ، ثُمَّ يَبْطُلُ بِلَمْسِ النِّسَاءِ، وَبِمَا إذَا وُجِدَتْ الشَّهْوَةُ هَاهُنَا مِنْ غَيْرِ انْتِقَالٍ؛ فَإِنَّ الشَّهْوَةَ لَا تَسْتَقِلُّ بِالْحُكْمِ فِي الْمَوْضِعَيْنِ مَعَ مُرَاعَاتِهَا فِيهِ، وَكَلَامُ أَحْمَدَ هَاهُنَا إنَّمَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّ الْمَاءَ إذَا انْتَقَلَ، لَزِمَ مِنْهُ الْخُرُوجُ.
وَإِنَّمَا يَتَأَخَّرُ، وَلِذَلِكَ يَتَأَخَّرُ الْغُسْلُ إلَى حِينِ خُرُوجِهِ، فَعَلَى هَذَا إذَا خَرَجَ الْمَنِيُّ بَعْدَ ذَلِكَ لَزِمَهُ الْغُسْلُ، سَوَاءٌ اغْتَسَلَ قَبْلَ خُرُوجِهِ أَوْ لَمْ يَغْتَسِلْ؛ لِأَنَّهُ مَنِيٌّ خَرَجَ بِسَبَبِ الشَّهْوَةِ، فَأَوْجَبَ الْغُسْلَ، كَمَا لَوْ خَرَجَ حَالَ انْتِقَالِهِ. وَقَدْ قَالَ أَحْمَدُ ﵀، فِي الرَّجُلِ يُجَامِعُ وَلَمْ يُنْزِلْ، فَيَغْتَسِلُ، ثُمَّ يَخْرُجُ مِنْهُ الْمَنِيُّ: عَلَيْهِ الْغُسْلُ. وَسُئِلَ عَنْ رَجُلٍ رَأَى فِي الْمَنَامِ أَنَّهُ يُجَامِعُ فَاسْتَيْقَظَ، فَلَمْ يَجِدْ شَيْئًا، فَلَمَّا مَشَى خَرَجَ مِنْهُ، الْمَنِيُّ، قَالَ: يَغْتَسِلُ. وَقَالَ الْقَاضِي فِي الَّذِي أَحَسَّ بِانْتِقَالِ الْمَنِيِّ، فَأَمْسَكَ ذَكَرَهُ، فَاغْتَسَلَ، ثُمَّ خَرَجَ مِنْهُ الْمَنِيُّ مِنْ غَيْرِ مُقَارَنَةِ شَهْوَةٍ بَعْدَ الْبَوْلِ: فَلَا غُسْلَ عَلَيْهِ. رِوَايَةً وَاحِدَةً.
وَإِنْ كَانَ قَبْلَ الْبَوْلِ فَعَلَى رِوَايَتَيْنِ؛ لِأَنَّهُ بَعْدَ الْبَوْلِ غَيْرُ الْمَنِيِّ الْمُنْتَقِلِ خَرَجَ بِغَيْرِ شَهْوَةٍ، فَأَشْبَهَ الْخَارِجَ لِمَرَضٍ، وَإِنْ كَانَ قَبْلَهُ فَهُوَ ذَلِكَ الْمَنِيُّ الَّذِي انْتَقَلَ.
وَوَجْهُ مَا قُلْنَا، أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ أَمَرَ بِالْغُسْلِ عِنْدَ رُؤْيَةِ الْمَاءِ وَفَضْخِهِ، وَقَدْ وُجِدَ، وَنَصَّ أَحْمَدُ عَلَى وُجُوبِ الْغُسْلِ عَلَى الْمُجَامِعِ الَّذِي يَرَى الْمَاءَ بَعْدَ غُسْلِهِ، وَهَذَا مِثْلُهُ، وَقَدْ دَلَّلْنَا عَلَى أَنَّ مَنْ أَحَسَّ بِانْتِقَالِ الْمَنِيِّ وَلَمْ يَخْرُجْ لَا غُسْلَ
стр. 576
عَلَيْهِ، وَيَلْزَمُ مِنْ ذَلِكَ وُجُوبُ الْغُسْلِ عَلَيْهِ بِظُهُورِهِ، لِئَلَّا يُفْضِيَ إلَى نَفْيِ الْوُجُوبِ عَنْهُ بِالْكُلِّيَّةِ، مَعَ انْتِقَالِ الْمَنِيِّ لِشَهْوَةٍ وَخُرُوجِهِ» اهـ.
وقال شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ في [شرح عمدة الفقه] (١/ ٣٥٤ - ٣٥٥):
«فَإِنْ أَحَسَّ بِانْتِقَالِ الْمَنِيِّ عِنْدَ الشَّهْوَةِ فَأَمْسَكَ ذَكَرَهُ فَلَمْ يَخْرُجْ، وَجَبَ الْغُسْلُ فِي الْمَشْهُورِ مِنَ الرِّوَايَتَيْنِ.
وَفِي الْأُخْرَى: لَا يَجِبُ؛ لِأَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: إِذَا حَذَفْتَ وَفَضَخْتَ وَلَمْ يُوجَدْ ذَلِكَ، وَلِأَنَّهُ مَا لَمْ يَخْرُجْ فَهُوَ فِي حُكْمِ الْبَاطِنِ، فَلَمْ يَجِبْ بِتَنَقُّلِهِ فِيهِ طَهَارَةٌ كَالرِّيحِ الْمُتَنَقِّلَةِ مِنَ الْمَعِدَةِ إِلَى قَرِيبِ الْمَخْرَجِ.
وَوَجْهُ الْأَوَّلِ أَنَّهُ مَنِيٌّ انْعَقَدَ وَأَخَذَ فِي الدَّفْقِ وَالْخُرُوجِ، فَأَشْبَهَ مَا لَوْ خَرَجَ مِنَ الْأَقْلَفِ الْمُرْتَتِقِ إِلَى مَا بَيْنَ الْقَلَفَةِ وَالْحَشَفَةِ، كَالْمَرْأَةِ إِذَا أَنْزَلَتْ وَلَمْ يَخْرُجْ إِلَى ظَاهِرِ فَرْجِهَا؛ وَلِأَنَّ الِانْتِقَالَ مَظِنَّةُ الْإِنْزَالِ وَالْخُرُوجِ، فَأَوْجَبَ الْغُسْلَ كَالْتِقَاءِ الْخِتَانَيْنِ وَأَوْلَى مِنْهُ، لِأَنَّ الِانْتِقَالَ لَا يَتَخَلَّفُ عَنْهُ الْخُرُوجُ، بَلْ لَا بُدَّ أَنْ يَخْرُجَ، بَلْ وَلَا يَعُودَ إِلَى مَحَلِّهِ.
وَمَعْنَى الْحَدِيثِ إِذَا أَخَذْتَ فِي الْحَذْفِ وَالْفَضْخِ؛ لِأَنَّهُ إِذَا ظَهَرَ بَعْدَ ذَلِكَ وَجَبَ الْغُسْلُ إِجْمَاعًا، وَلَا حَذْفَ وَلَا فَضْخَ هَذَا يُخَالِفُ الرِّيحَ الْمُتَرَدِّدَةُ، فَإِنَّهُ لَا بُدَّ مِنْ ظُهُورِهِ، بِخِلَافِ الرِّيحِ، فَإِنَّهَا قَدْ تَعُودُ إِلَى مَحَلِّهَا. فَإِنْ قُلْنَا: لَا يَجِبُ الْغُسْلُ، فَإِذَا خَرَجَ لَزِمَهُ الْغُسْلُ سَوَاءٌ كَانَ قَدِ اغْتَسَلَ أَوْ لَمْ يَغْتَسِلْ قَبْلَ الْبَوْلِ أَوْ بَعْدَهُ؛ لِأَنَّهُ مَنِيٌّ انْتَقَلَ بِشَهْوَةٍ وَخَرَجَ، فَلَا بُدَّ أَنْ يُوجِبَ الْغُسْلَ، كَمَا لَوْ خَرَجَ عَقِيبَ الِانْتِقَالِ،
стр. 577
بِخِلَافِ الَّذِي يَنْتَقِلُ بِلَا شَهْوَةٍ، وَإِذَا قُلْنَا: " يَجِبُ الْغُسْلُ " فَاغْتَسَلَ ثُمَّ خَرَجَ مِنْهُ فَهُوَ كَمَا لَوِ اغْتَسَلَ لِمَنِيٍّ خَرَجَ بَعْضُهُ ثُمَّ خَرَجَ بَاقِيهِ، وَالْمَشْهُورُ عَنْهُ أَنَّهُ لَا يُوجِبُ غُسْلًا ثَانِيًا حَتَّى أَنَّ مِنْ أَصْحَابِنَا مَنْ يَجْعَلُهُ رِوَايَةً وَاحِدَةً، لِمَا رَوَى سَعِيدٌ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّهُ سُئِلَ عَنِ الْجُنُبِ يَخْرُجُ مِنْهُ الْمَنِيُّ بَعْدَ الْغُسْلِ قَالَ: " يَتَوَضَّأُ " وَكَذَلِكَ ذَكَرَهُ الْإِمَامُ أَحْمَدُ عَنْ عَلِيٍّ. وَلِأَنَّهُ مَنِيٌّ وَاحِدٌ فَلَا يُوجِبُ غُسْلَيْنِ كَمَا لَوْ ظَهَرَ، وَلِأَنَّ الْمُوجِبَ هُوَ الْمَنِيُّ الْمُقْتَرِنُ بِالشَّهْوَةِ، وَهُوَ وَاحِدٌ، وَلِأَنَّ الثَّانِيَ خَارِجٌ عَنْ غَيْرِ شَهْوَةٍ فَأَشْبَهَ مَا لَوْ خَرَجَ لِإِبْرِدَةٍ أَوْ مَرَضٍ» اهـ.
٧ - وفيه أنَّ المرأة تحتلم كما يحتلم الرجل لكنه نادر في النساء ولذلك أنكرته أم سلمة.
فروى البخاري (١٣٠)، ومسلم (٣١٣) عَنْ أُمِّ سَلَمَةَ قَالَتْ: «جَاءَتْ أُمُّ سُلَيْمٍ إِلَى رَسُولِ اللهِ ﷺ فَقَالَتْ: يَا رَسُولَ اللهِ إِنَّ اللَّهَ لَا يَسْتَحْيِي مِنَ الْحَقِّ فَهَلْ عَلَى الْمَرْأَةِ مِنْ غُسْلٍ إِذَا احْتَلَمَتْ قَالَ النَّبِيُّ ﷺ : "إِذَا رَأَتِ الْمَاءَ". فَغَطَّتْ أُمُّ سَلَمَةَ - تَعْنِي وَجْهَهَا - وَقَالَتْ: يَا رَسُولَ اللهِ وَتَحْتَلِمُ الْمَرْأَةُ. قَالَ: "نَعَمْ تَرِبَتْ يَمِينُكِ فَبِمَ يُشْبِهُهَا وَلَدُهَا"».
قال الحافظ ابن عبد البر ﵀ في [الاستذكار] (١/ ٢٩٣):
«فِيهِ أَيْضًا دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ النِّسَاءَ لَيْسَ كُلُّهُنَّ يَحْتَلِمْنَ وَلِهَذَا أَنْكَرَتْ عَائِشَةُ وَأُمُّ سَلَمَةَ سُؤَالَ أُمِّ سُلَيْمٍ وَقَدْ يُعْدَمُ الِاحْتِلَامُ فِي بَعْضِ الرِّجَالِ فَالنِّسَاءُ أَحْرَى أَنْ يُعْدَمَ ذَلِكَ فِيهِنَّ
وَقَدْ قِيلَ إِنَّ إِنْكَارَ عَائِشَةَ لِذَلِكَ إِنَّمَا كَانَ لِصِغَرِ سِنِّهَا وَكَوْنِهَا مَعَ زَوْجِهَا لِأَنَّهَا لَمْ تَحِضْ إِلَّا عِنْدَهُ وَلَمْ تَفْقِدْهُ فَقْدًا طَوِيلًا إِلَّا بِمَوْتِهِ ﵇ فَلِذَلِكَ لَمْ تَعْرِفْ فِي
стр. 578
حَيَاتِهِ الِاحْتِلَامَ لِأَنَّ الِاحْتِلَامَ لَا يَعْرِفُهُ النِّسَاءُ وَلَا أَكْثَرُ الرِّجَالِ إِلَّا عِنْدَ عَدَمِ الْجِمَاعِ بَعْدَ الْمَعْرِفَةِ بِهِ فَإِذَا فَقَدَ النِّسَاءُ أَزْوَاجَهُنَّ احْتَلَمْنَ وَالْوَجْهُ الْأَوَّلُ عِنْدِي أَصَحُّ وَأَوْلَى وَاللَّهُ أَعْلَمُ لِأَنَّ أُمَّ سَلَمَةَ فَقَدَتْ زَوْجَهَا وَكَانَتْ كَبِيرَةً عَالِمَةً بِذَلِكَ وَأَنْكَرَتْ مِنْهُ مَا أَنْكَرَتْ عَائِشَةُ رَحِمَهَا اللَّهُ فَدَلَّ ذَلِكَ عَلَى أَنَّ مِنَ النِّسَاءِ مَنْ لَا تُنْزِلُ الْمَاءَ فِي غَيْرِ الْجِمَاعِ الَّذِي يَكُونُ حَقِيقَةً فِي الْيَقَظَةِ وَاللَّهُ أَعْلَمُ» اهـ.
* * *
стр. 579
قال المؤلف رحمه الله تعالى:
٣٤ - عَنْ عَائِشَةَ ﵂ قَالَتْ: «كُنْت أَغْسِلُ الْجَنَابَةَ مِنْ ثَوْبِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَيَخْرُجُ إلَى الصَّلاةِ، وَإِنَّ بُقَعَ الْمَاءِ فِي ثَوْبِهِ».
وَفِي لَفْظٍ لِمُسْلِمٍ: «لَقَدْ كُنْتُ أَفْرُكُهُ مِنْ ثَوْبِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَرْكاً، فَيُصَلِّي فِيهِ».
اللفظ الأول للبخاري دون مسلم.
قولها: «أَغْسِلُ الْجَنَابَةَ» أي أثر الجنابة وهو المني.
قولها: «بُقَعَ الْمَاءِ» بضم الباء وفتح القاف أي مواضعه جمع بقعة وأصلة لون يخالف بعضه بعضاً ومنه الغراب الأبقع الذي فيه بياض وسواد، فأمَّا البقعة من الأرض بفتح الباء وضمها فجمعها بقاع وبقع.
قلت: احتج بغسل عائشة للمني من ثوب رسول الله ﷺ القائلون بنجاسة المني، ولا حجة فيه فإنَّ الغسل المجرد لا يدل على النجاسة، فقد يكون للاستقذار.
واحتج بالحديث الآخر الذي فيه فرك عائشة للمني من ثوب رسول الله ﷺ القائلون بطهارة المني.
وهذه مسألة اختلف فيها العلماء. فذهب الشافعي وأحمد إلى طهارة المني.
وذهب أبو حنيفة ومالك إلى نجاسته.
واختلف أبو حنيفة ومالك في كيفية طهارته. فذهب الإمام مالك رحمه إلى غسله رطباً ويابساً، وذهب أبو حنيفة إلى غسله رطباً وفركه يابساً.
стр. 580
قلت: روى أحمد (٢٦١٠١)، وابن خزيمة (٢٩٤) من طريق مُعَاذِ بْنِ مُعَاذٍ، حَدَّثَنَا عِكْرِمَةُ بْنُ عَمَّارٍ، عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ عُبَيْدِ بْنِ عُمَيْرٍ، عَنْ عَائِشَةَ، قَالَتْ: «كَانَ رَسُولُ اللهِ ﷺ يَسْلُتُ الْمَنِيَّ مِنْ ثَوْبِهِ بِعِرْقِ الإِذْخِرِ، ثُمَّ يُصَلِّي فِيهِ، وَيَحُتُّهُ مِنْ ثَوْبِهِ يَابِسًا، ثُمَّ يُصَلِّي فِيهِ».
قلت: هذا حديث حسن من أجل عكرمة بن عمار فإنَّه حسن الحديث في غير روايته عن يحيى بن أبي كثير.
وفي هذا رد على أبي حنيفة في تفريقه بين الرطب واليابس.
ولشيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ مبحث نفيس في طهارة المني حرر فيه هذه المسألة غاية التحرير، وإليك نص كلامه ﵀.
قال ﵀ كما في [مجموع الفتاوى] (٢١/ ٥٨٧ - ٦٠٣): «الفصل الثاني: في مني الآدمي وفيه أقوال ثلاثة:
أحدها: أنَّه نجس كالبول فيجب غسله رطباً ويابساً من البدن والثوب وهذا قول مالك والأوزاعي والثوري وطائفة.
وثانيها: أنَّه نجس يجزئ فرك يابسه وهذا قول أبي حنيفة، وإسحاق ورواية عن أحمد.
ثم هنا أوجه قيل: يجزئ فرك يابسه ومسح رطبه من الرجل دون المرأة لأنَّه يعفى عن يسيره ومني الرجل يتأتى فركه ومسحه بخلاف مني المرأة فإنَّه رقيق كالمذي وهذا منصوص أحمد.
وقيل: يجزئ فركه فقط منهما لذهابه بالفرك وبقاء أثره بالمسح.
стр. 581
وقيل: بل الجواز مختص بالفرك من الرجل دون المرأة كما جاءت به السنة كما سنذكره.
وثالثها: أنَّه مستقذر كالمخاط والبصاق وهذا قول الشافعي وأحمد في المشهور عنه وهو الذي نصرناه والدليل عليه وجوه:
أحدها: ما أخرج مسلم وغيره عن عائشة قالت: "كنت أفرك المني من ثوب رسول الله ﷺ ثم يذهب فيصلي فيه"- وروي في لفظ الدارقطني - "كنت أفركه إذا كان يابساً وأغسله إذا كان رطباً". فهذا نص في أنَّه ليس كالبول يكون نجساً نجاسة غليظة. فبقي أن يقال: يجوز أن يكون نجساً كالدم أو طاهراً كالبصاق لكن الثاني أرجح؛ لأنَّ الأصل وجوب تطهير الثياب من الأنجاس قليلها وكثيرها فإذا ثبت جواز حمل قليله في الصلاة ثبت ذلك في كثيره؛ فإنَّ القياس لا يفرق بينهما.
فإن قيل: فقد أخرج مسلم في صحيحه عن عائشة: "أنَّ رسول الله ﷺ كان يغسل المني ثم يخرج إلى الصلاة في ذلك الثوب وأنا أنظر إلى أثر الغسل فيه". فهذا يعارض حديث الفرك في مني رسول الله ﷺ والغسل دليل النجاسة فإنَّ الطاهر لا يطهر.
فيقال: هذا لا يخالفه؛ لأنَّ الغسل للرطب والفرك لليابس كما جاء مفسراً في رواية الدارقطني. أو هذا أحياناً وهذا أحياناً. وأمَّا الغسل فإنَّ الثوب قد يغسل من المخاط والبصاق والنخامة استقذاراً لا تنجيساً؛ ولهذا قال سعد بن أبي وقاص. وابن عباس: أمطه عنك ولو بإذخرة فإنَّما هو بمنزلة المخاط والبصاق. الدليل الثاني: ما روى الإمام أحمد في مسنده بإسناد صحيح عن عائشة قالت:
стр. 582
"كان رسول الله ﷺ يسلت المني من ثوبه بعرق الإذخر ثم يصلي فيه ويحته من ثوبه يابساً ثم يصلي فيه". وهذا من خصائص المستقذرات لا من أحكام النجاسات.
فإنَّ عامة القائلين بنجاسته لا يجوزون مسح رطبه.
الدليل الثالث: ما احتج به بعض أولينا بما رواه إسحاق الأزرق عن شريك عن محمد بن عبد الرحمن عن عطاء عن ابن عباس قال: "سئل النبي ﷺ عن المني يصيب الثوب فقال: إنَّما هو بمنزلة المخاط والبصاق وإنما يكفيك أن تمسحه بخرقة أو بإذخرة".
قال الدارقطني: لم يرفعه غير إسحاق الأزرق عن شريك. قالوا: وهذا لا يقدح؛ لأنَّ إسحاق بن يوسف الأزرق أحد الأئمة. وروى عن سفيان وشريك وغيرهما وحدث عنه أحمد ومن في طبقته وقد أخرج له صاحبا الصحيح فيقبل رفعه وما ينفرد به.
وأنا أقول: أمَّا هذه الفتيا فهي ثابتة عن ابن عباس وقبله سعد بن أبي وقاص ذكر ذلك عنهما الشافعي وغيره في كتبهم. وأمَّا رفعه إلى النبي ﷺ فمنكر باطل لا أصل له؛ لأنَّ الناس كلهم رووه عن شريك موقوفاً. ثم شريك ومحمد بن عبد الرحمن - وهو ابن أبي ليلى - ليسا في الحفظ بذاك والذين هم أعلم منهم بعطاء مثل ابن جريج الذي هو أثبت فيه من القطب وغيره من المكيين لم يروه أحد إلَّا موقوفاً وهذا كله دليل على وهم تلك الرواة.
стр. 583
فإن قلت: أليس من الأصول المستقرة أنَّ زيادة العدل مقبولة؟ وأنَّ الحكم لمن رفع لا لمن وقف لأنَّه زائد؟.
قلت: هذا عندنا حق مع تكافؤ المحدثين المخبرين وتعادلهم وأمَّا مع زيادة عدد من لم يزد فقد اختلف فيه أولونا. وفيه نظر.
وأيضاً فإنَّما ذاك إذا لم تتصادم الروايتان وتتعارضا وأمَّا متى تعارضتا يسقط رواية الأقل بلا ريب وها هنا المروي ليس هو مقابلاً بكون النبي ﷺ قد قالها ثم قالها صاحبه تارة. تارة ذاكراً وتارة آثراً وإنَّما هو حكاية حال وقضية عين في رجل استفتى على صورة وحروف مأثورة فالناس ذكروا أنَّ المستفتي ابن عباس وهذه الرواية ترفعه إلى النبي ﷺ وليست القضية إلَّا واحدة إذ لو تعددت القضية لما أهمل الثقات الأثبات ذلك على ما يعرف من اهتمامهم بمثل ذلك. وأيضاً فأهل نقد الحديث والمعرفة به أقعد بذلك وليسوا يشكون في أنَّ هذه الرواية وهم.
الدليل الرابع: أنَّ الأصل في الأعيان الطهارة فيجب القضاء بطهارته حتى يجيئنا ما يوجب القول بأنَّه نجس وقد بحثنا وسبرنا فلم نجد لذلك أصلاً فعلم أنَّ كل ما لا يمكن الاحتراز عن ملابسته معفو عنه ومعلوم أنَّ المني يصيب أبدان الناس وثيابهم وفرشهم بغير اختيارهم أكثر مما يلغ الهر في آنيتهم فهو طواف الفضلات بل قد يتمكن الإنسان من الاحتراز من البصاق والمخاط المصيب ثيابه ولا يقدر على الاحتراز من مني الاحتلام والجماع وهذه المشقة الظاهرة توجب طهارته ولو كان المقتضي للتنجيس قائماً.
стр. 584
ألا ترى أنَّ الشارع خفف في النجاسة المعتادة فاجتزأ فيها بالجامد مع أنَّ إيجاب الاستنجاء عند وجود الماء أهون من إيجاب غسل الثياب من المني لا سيما في الشتاء في حق الفقير ومن ليس له إلَّا ثوب واحد.
فإن قيل: الذي يدل على نجاسة المني وجوه:
أحدها: ما روي عن عمار بن ياسر عن - النبي ﷺ أنَّه قال: "إنَّما يغسل الثوب من البول والغائط والمني والقيء" رواه ابن عدي. وحديث عائشة قد مضى في أنَّ النبي ﷺ كان يغسله.
الوجه الثاني: أنَّه خارج يوجب طهارتي الخبث والحدث فكان نجساً كالبول والحيض؛ وذلك لأنَّ إيجاب نجاسة الطهارة دليل على نجس فإنَّ إماطته وتنحيته أخف من التطهر منه فإذا وجب الأثقل فالأخف أولى. لا سيما عند من يقول بوجوب الاستنجاء منه؛ فإنَّ الاستنجاء إماطة وتنحية فإذا وجب تنحيته في مخرجه ففي غير مخرجه أحق وأولى.
الوجه الثالث: أنَّه من جنس المذي فكان نجساً كالمذي وذاك لأنَّ المذي يخرج عند مقدمات الشهوة والمني أصل المذي عند استكمالها وهو يجري في مجراه ويخرج من مخرجه فإذا نجس الفرع فلأن ينجس الأصل أولى.
الوجه الرابع: أنَّه خارج من الذكر أو خارج من القبل فكان نجساً كجميع الخوارج: مثل البول والمذي والودي؛ وذلك لأنَّ الحكم في النجاسة منوط بالمخرج. ألا ترى أنَّ الفضلات الخارجة من أعالي البدن ليست نجسة وفي أسافله تكون نجسة وإن جمعها الاستحالة في البدن؟.
стр. 585
الوجه الخامس: أنَّه مستحيل عن الدم؛ لأنَّه دم قصرته الشهوة ولهذا يخرج عند الإكثار من الجماع أحمر والدم نجس والنجاسة لا تطهر بالاستحالة عندكم.
الوجه السادس: أنَّه يجري في مجرى البول فيتنجس بملاقاة البول فيكون كاللبن في الظرف النجس.
فهذه أدلة كلها تدل على نجاسته.
فنقول: الجواب وعلى الله قصد السبيل:
أمَّا حديث عمار بن ياسر فلا أصل له. في إسناده ثابت بن حماد قال الدارقطني: ضعيف جداً. وقال ابن عدي: له مناكير وحديث عائشة مضى القول فيه.
وأما الوجه الثاني فقولهم: يوجب طهارتي الخبث والحدث أمَّا الخبث فممنوع؛ بل الاستنجاء منه مستحب كما يستحب إماطته من الثوب والبدن وقد قيل: هو واجب كما قد قيل يجب غسل الأنثيين من المذي وكما يجب غسل أعضاء الوضوء إذا خرج الخارج من الفرج فهذا كله طهارة وجبت لخارج وإن لم يكن المقصود بها إماطته وتنجيسه؛ بل سبب آخر كما يغسل منه سائر البدن. فالحاصل أنَّ سبب الاستنجاء منه ليس هو النجاسة؛ بل سبب آخر. فقولهم: يوجب طهارة الخبث وصف ممنوع في الفرع فليس غسله عن الفرج للخبث وليست الطهارات منحصرة في ذلك: كغسل اليد عند القيام من نوم الليل وغسل الميت والأغسال المستحبة وغسل الأنثيين وغير ذلك. فهذه الطهارة إن قيل: بوجوبها فهي من القسم الثالث فيبطل قياسه على البول؛ لفساد الوصف الجامع.
وأمَّا إيجابه طهارة الحدث فهو حق؛ لكن طهارة الحدث ليست أسبابها منحصرة في النجاسات. فإن الصغرى تجب من الريح إجماعاً وتجب بموجب
стр. 586
الحجة من ملامسة الشهوة ومن مس الفرج ومن لحوم الإبل ومن الردة وغسل الميت، وقد كانت تجب في صدر الإسلام من كل ما غيرته النار وكل هذه الأسباب غير نجسة.
وأمَّا الكبرى: فتجب بالإيلاج إذا التقى الختانان ولا نجاسة وتجب بالولادة التي لا دم معها على رأي مختار والولد طاهر. وتجب بالموت ولا يقال هو نجس. وتجب بالإسلام عند طائفة. فقولهم: إنَّما أوجب طهارة الحدث أو أوجب الاغتسال نجس منتقض بهذه الصور الكثيرة فبطل طرده. فإن ضموا إلى العلة كونه خارجاً انتقض بالريح والولد نقضاً قادحاً.
ثم يقال: قولكم خارج وصف طردي فلا يجوز الاحتراز به. ثم إنَّ عكسه أيضاً باطل والوصف عديم التأثير فإنَّ ما لا يوجب طهارة الحدث منه شيء كثير: نجس كالدم الذي لم يسل واليسير من القيء.
وأيضاً فسيأتي الفرق إن شاء الله تعالى. فهذه أوجه ثلاثة أو أربعة.
وأمَّا قولهم: التطهير منه أبعد من تطهيره. فجمع ما بين متفاوتين متباينين فإنَّ الطهارة منه طهارة عن حدث وتطهيره إزالة خبث وهما جنسان مختلفان في الحقيقة والأسباب والأحكام من وجوه كثيرة؛ فإنَّ هذه تجب لها النية دون تلك. وهذه من باب فعل المأمور به وتلك من باب اجتناب المنهي عنه، وهذه مخصوصة بالماء أو التراب، وقد تزال تلك بغير الماء في مواضع بالاتفاق وفي مواضع على رأي، وهذه يتعدى حكمها محل سببها إلى جميع البدن، وتلك يختص حكمها بمحلها، وهذه تجب في غير
стр. 587
محل السبب أو فيه وفي غيره، وتلك تجب في محل السبب فقط، وهذه حسية وتلك عقلية، وهذه جارية في أكثر أمورها على سنن مقايس البحاثين، وتلك مستصعبة على سبر القياس، وهذه واجبة بالاتفاق، وفي وجوب الأخرى خلاف معلوم، وهذه لها بدل وفي بدل تلك في البدن خاصة خلاف ظاهر. وبالجملة فقياس هذه الطهارة على تلك الطهارة كقياس الصلاة على الحج؛ لأنَّ هذه عبادة وتلك عبادة مع اختلاف الحقيقتين.
وأمَّا الوجه الثالث: وهو إلحاقه بالمذي فقد منع الحكم في الأصل على قول بطهارة المذي والأكثرون سلموه وفرقوا بافتراق الحقيقتين؛ فإنَّ هذا يخلق منه الولد الذي هو أصل الإنسان وذلك بخلافه. ألا ترى أنَّ عدم الإمناء عيب يبنى عليه أحكام كثيرة: منشؤها على أنَّه نقص وكثرة الإمذاء ربما كانت مرضاً وهو فضلة محضة لا منفعة فيه كالبول وإن اشتركا في انبعاثهما عن شهوة النكاح فليس الموجب لطهارة المني أنَّه عن شهوة الباءة فقط؛ بل شيء آخر. وإن أجريناه مجراه فنتكلم عليه إن شاء الله تعالى.
وأمَّا كونه فرعاً فليس كذلك؛ بل هو بمنزلة الجنين الناقص: كالإنسان إذا أسقطته المرأة قبل كمال خلقه فإنَّه وإن كان مبدأ خلق الإنسان فلا يناط به من أحكام الإنسان إلَّا ما قل ولو كان فرعاً؛ فإنَّ النجاسة استخباث وليس استخباث الفرع بالموجب خبث أصله: كالفضول الخارجة من الإنسان.
وأمَّا الوجه الرابع: فقياسه على جميع الخارجات بجامع اشتراكهن في المخرج منقوض بالفم فإنَّه مخرج النخامة والبصاق الطاهرين والقيء النجس. وكذلك الدبر مخرج الريح الطاهر والغائط النجس. وكذلك الأنف مخرج المخاط الطاهر
стр. 588
والدم النجس. وإن فصلوا بين ما يعتاد الناس من الأمور الطبيعية وبين ما يعرض لهم لأسباب حادثة.
قلنا: النخامة المعدية - إذا قيل: بنجاستها - معتادة وكذلك الريح.
وأيضاً فإنَّا نقول: لم قلتم إنَّ الاعتبار بالمخرج؟ ولم لا يقال الاعتبار بالمعدن والمستحال فما خلق في أعلى البدن فطاهر وما خلق في أسفله فنجس والمني يخرج من بين الصلب والترائب؛ بخلاف البول والودي. وهذا أشد اطراداً؛ لأنَّ القيء والنخامة المنجسة خارجان من الفم لكن لما استحالا في المعدة كانا نجسين. وأيضاً فسوف نفرق إن شاء الله تعالى.
وأمَّا الوجه الخامس فقولهم: مستحيل عن الدم والاستحالة لا تطهر: عنه عدة أجوبة مستنيرة قاطعة.
أحدها: أنَّه منقوض بالآدمي وبمضغته فإنَّهما مستحيلان عنه وبعده عن العلقة وهي دم ولم يقل أحد بنجاسته وكذلك سائر البهائم المأكولة.
وثانيها: أنَّا لا نسلم أنَّ الدم قبل ظهوره وبروزه يكون نجساً فلا بد من الدليل على تنجيسه ولا يغني القياس عليه إذا ظهر وبرز باتفاق الحقيقة؛ لأنَّا نقول للدليل على طهارته وجوه:
أحدها: أنَّ النجس هو المستقذر المستخبث وهذا الوصف لا يثبت لهذه الأجناس إلَّا بعد مفارقتها مواضع خلقها فوصفها بالنجاسة فيها وصف بما لا تتصف به.
стр. 589
وثانيها: أنَّ خاصة النجس وجوب مجانبته في الصلاة. وهذا مفقود فيها في البدن من الدماء وغيرها.
ألا ترى أنَّ من صلى حاملاً وعاء مسدوداً قد أوعي دماً لم تصح صلاته فلئن قلت: عفي عنه لمشقة الاحتراز. قلت: بل جعل طاهراً لمشقة الاحتراز. فما المانع منه والرسول ﷺ يعلل طهارة الهرة بمشقة الاحتراز حيث يقول: "إنَّها ليست بنجسة إنَّها من الطوافين عليكم والطوافات"؟. بل أقول: قد رأينا جنس المشقة في الاحتراز مؤثراً في جنس التخفيف. فإن كان الاحتراز من جميع الجنس مشقاً عفي عن جميعه فحكم بالطهارة. وإن كان من بعضه عفي عن القدر المشق وهنا يشق الاحتراز من جميع ما في داخل الأبدان فيحكم لنوعه بالطهارة كالهر وما دونها وهذا وجه ثالث.
الوجه الرابع: أنَّ الدماء المستخبثة في الأبدان وغيرها هي أحد أركان الحيوان التي لا تقوم حياته إلَّا بها حتى سميت نفساً فالحكم بأنَّ الله يجعل أحد أركان عباده من الناس والدواب نوعاً نجساً في غاية البعد.
الوجه الخامس: أنَّ الأصل الطهارة فلا تثبت النجاسة إلَّا بدليل وليس في هذه الدماء المستخبثة شيء من أدلة النجاسة وخصائصها.
الوجه السادس: أنَّا قد رأينا الأعيان تفترق حالها: بين ما إذا كانت في موضع عملها ومنفعتها وبين ما إذا فارقت ذلك. فالماء المستعمل ما دام جارياً في أعضاء المتطهر فهو طهور فإذا انفصل تغيرت حاله.
والماء في المحل النجس ما دام عليه فعمله باق وتطهيره ولا يكون ذلك إلَّا لأنَّه طاهر مطهر فإذا فارق محل عمله فهو إمَّا نجس أو غير مطهر؛ وهذا مع تغير
стр. 590
الأمواه في موارد التطهير تارة بالطاهرات وتارة بالنجاسات فإذا كانت المخالطة التي هي أشد أسباب التغيير لا تؤثر في محل عملنا وانتفاعنا فما ظنك بالجسم المفرد في محل عمله بخلق الله وتدبيره فافهم هذا فإنَّه لباب الفقه.
الوجه الثالث عن أصل الدليل: أنَّا لو سلمنا أن الدم نجس فإنَّه قد استحال وتبدل. وقولهم: الاستحالة لا تطهر. قلنا: من أفتى بهذه الفتوى الطويلة العريضة المخالفة للإجماع فإنَّ المسلمين أجمعوا أنَّ الخمر إذا بدأ الله بإفسادها وتحويلها خلا طهرت وكذلك تحويل الدواب والشجر بل أقول: الاستقراء دلنا أنَّ كل ما بدأ الله بتحويله وتبديله من جنس إلى جنس مثل جعل الخمر خلاً والدم منياً والعلقة مضغة ولحم الجلالة الخبيث طيباً وكذلك بيضها ولبنها، والزرع المسقي بالنجس إذا سقي بالماء الطاهر وغير ذلك فإنَّه يزول حكم التنجيس ويزول حقيقة النجس واسمه التابع للحقيقة وهذا ضروري لا يمكن المنازعة فيه؛ فإنَّ جميع الأجسام المخلوقة في الأرض فإن الله يحولها من حال إلى حال ويبدلها خلقاً بعد خلق ولا التفات إلى موادها وعناصرها. وأمَّا ما استحال بسبب كسب الإنسان كإحراق الروث حتى يصير رماداً ووضع الخنزير في الملاحة حتى يصير ملحاً ففيه خلاف مشهور. وللقول بالتطهير اتجاه وظهور ومسألتنا من القسم الأول ولله الحمد.
الدليل الخامس: أنَّ المني مخالف لجميع ما يخرج من الذكر في خلقه فإنَّه غليظ وتلك رقيقة. وفي لونه فإنَّه أبيض شديد البياض. وفي ريحه فإنَّه طيب كرائحة الطلع وتلك خبيثة. ثم جعله الله أصلاً لجميع أنبيائه وأوليائه وعباده الصالحين والإنسان المكرم فكيف يكون أصله نجساً ولهذا قال ابن عقيل: وقد ناظر بعض
стр. 591
من يقول بنجاسته لرجل قال له: ما بالك وبال هذا؟ قال: أريد أن أجعل أصله طاهراً وهو يأبى إلَّا أن يكون نجساً.
ثم ليس شأنه شأن الفضول بل شأن ما هو غذاء ومادة في الأبدان إذ هو قوام النسل فهو بالأصول أشبه منه بالفضل.
الدليل السادس: وفيه أجوبة:
أحدها: لا نسلم أنَّه يجري في مجرى البول فقد قيل: إن بينهما جلدة رقيقة وإنَّ البول إنَّما يخرج رشحاً وهذا مشهور. وبالجملة فلا بد من بيان اتصالهما وليس ذلك معلوماً إلاَّ في ثقب الذكر وهو طاهر أو معفو عن نجاسته.
الوجه الثاني: أنَّه لو جرى في مجراه فلا نسلم أنَّ البول قبل ظهوره نجس. كما مر تقريره في الدم وهو في الدم أبين منه في البول؛ لأنَّ ذلك ركن وبعض وهذا فضل.
الوجه الثالث: أنَّه لو كان نجساً فلا نسلم أنَّ المماسة في باطن الحيوان موجبة للتنجيس. كما قد قيل في الاستحالة وهو في المماسة أبين. يؤيد هذا قوله تعالى:
﴿مِنْ بَيْنِ فَرْثٍ وَدَمٍ لَبَنًا خَالِصًا سَائِغًا لِلشَّارِبِينَ (٦٦)﴾ [النحل: ٦٦]. ولو كانت المماسة في الباطن للفرث مثلاً موجبة للنجاسة لنجس اللبن.
فإن قيل: فلعل بينهما حاجزاً. قيل: الأصل عدمه على أنَّ ذكره هذا في معرض بيان ذكر الاقتدار بإخراج طيب من بين خبيثين في الاغتذاء ولا يتم إلَّا مع عدم الحاجز وإلَّا فهو مع الحاجز ظاهر في كمال خلقه سبحانه. وكذلك قوله:
стр. 592
﴿خَالِصًا﴾ والخلوص لا بد أن يكون مع قيام الموجب للشوب وبالجملة فخروج اللبن من بين الفرث والدم أشبه شيء بخروج المني من مخرج البول وقد سلك هذا المسلك من رأى إنفحة الميتة ولبنها طاهراً لأنَّه كان طاهراً وإنَّما حدث نجاسة الوعاء فقال: الملاقاة في الباطن غير ظاهر. ومن نجس هذا فرق بينه وبين المني بأنَّ المني ينفصل عن النجس في الباطن أيضاً بخلاف اللبن فإنَّه لا يمكن فصله من الميتة إلَّا بعد إبراز الضرع وحينئذ يصير في حد ما يلحقه النجاسة.
﴿وَاللَّهُ يَقُولُ الْحَقَّ وَهُوَ يَهْدِي السَّبِيلَ (٤)﴾ [الأحزاب: ٤] والحمد لله وسلام على عباده الذين اصطفى. وهذا الذي حضرني في هذا الوقت ولا حول ولا قوة إلَّا بالله العلي العظيم» اهـ.
وقد عقد العلامة ابن القيم ﵀ في [بدائع الفوائد] (٣/ ٦٣٩ - ٦٤٧) مناظرة بين فقيهين في طهارة المني ونجاسته.
فقال ﵀: «قال مدعي الطهارة: المني مبدأ خلق البشر فكان طاهراً كالتراب.
قال الآخر: ما أبعد ما اعتبرت فالتراب وضع طهوراً ومساعداً للطهور في الولوغ ويرفع حكم الحدث على رأى، والحدث نفسه على رأي فأين ما يتطهر به إلى ما يتطهر منه على أنَّ الاستحالات تعمل عملها فأين الثواني من المبادئ، وهل الخمر إلَّا ابنة العنب، والمني إلَّا المتولد من الأغذية في المعدة ذات الإحالة لها إلى النجاسة ثم إلى الدم ثم إلى المني.
стр. 593
قال المطهر: ما ذكرته في التراب صحيح، وكون المني يتطهر منه لا يدل على نجاسته فالجماع الخالي من الإنزال يتطهر منه، ولو كان التطهر منه لنجاسته لاختصت الطهارة بأعضاء الوضوء كالبول، والدم، وأمَّا كون التراب طهوراً دون المني فلعدم تصور التطهير بالمني، وكذلك مساعدته في الولوغ فما أبعد ما اعتبرت من الفرق، وأمَّا دعواك أنَّ الاستحالة تعمل عملها فنعم، وهي تقلب الطيب إلى الخبيث كالأغذية إلى البول، والعذرة، والدم، والخبيث إلى الطيب كدم الطمث ينقلب لبناً، وكذلك خروج اللبن من بين الفرث، والدم فالاستحالة من أكبر حجتنا عليك لأنَّ المني دم قصرته الشهوة وأحالته النجسة وانقلابه عنها إلى عين أخرى فلو أعطيت الاستحالة حقها لحكمت بطهارته.
قال مدعي النجاسة: المذي مبدأ المني، وقد دل الشرع على نجاسته حيث أمر بغسل الذكر، وما أصابه منه، وإذا كان مبدؤه نجساً فكيف بنهايته ومعلوم أنَّ المبدأ موجود في الحقيقة بالفعل.
قال المطهر: هذا دعوى لا دليل عليها ومن أين لك أنَّ المذي مبدأ المني، وهما حقيقتان مختلفتان في الماهية، والصفات، والعوارض، والرائحة، والطبيعة فدعواك أنَّ المذي مبدأ المني وأنَّه مني لم تستحكم طبخه دعوى مجردة عن دليل نقلي، وعقلي، وحسي فلا تكون مقبولة، ثم لو سلمت لك لم يفدك شيئاً البتة فإنَّ للمبادئ أحكاماً تخالفها أحكام الثواني فهذا الدم مبدأ اللبن، وحكمهما مختلف بل هذا المني نفسه مبدأ الآدمي طاهر العين، ومبدأه عندك نجس العين فهذا منا ظهر ما يفسد دليلك، ويوضح تناقضك، وهذا مما لا حيلة في دفعة فإنَّ المني لو كان نجس العين لم يكن الآدمي طاهراً لأنَّ النجاسة عندك لا تطهر بالاستحالة فلا بد
стр. 594
من نقض أحد أصليك فإمَّا أن تقول بطهارة المني أو تقول النجاسة تطهر بالاستحالة، وإمَّا أن تقول المني نجس، والنجاسة لا تطهر بالاستحالة ثم تقول بعد ذلك بطهارة الآدمي فتناقض مالنا إلَّا النكير له.
قال المنجس: لا ريب أنَّ المني فضله مستحيلة عن الغذاء يخرج من مخرج البول فكانت نجسه كهو أي كالبول، ولا يرد على البصاق، والمخاط، والدمع، والعرق لأنَّها لا تخرج من مخرج البول.
قال المطهر: حكمك بالنجاسة إمَّا أن يكون للاستحالة عن الغذاء أو للخروج من مخرج البول أو لمجموع الأمرين فالأول باطل إذ مجرد استحالة الفضلة عن الغذاء لا يوجب الحكم بنجاستها كالدمع، والمخاط، والبصاق، وإن كان لخروجه من مخرج البول فهذا إنَّما يفيدك أنَّه متنجس لنجاسة مجراه لا أنَّه نجس العين كما هو أحد الأقوال فيه، وهو فاسد فإنَّ المجرى والمقر الباطن لا يحكم عليه بالنجاسة وإنَّما يحكم بالنجاسة بعد الخروج والانفصال ويحكم بنجاسة المنفصل لخبثه وعينه لا لمجراه مقره وقد علم بهذا بطلان الاستناد إلى مجموع الأمرين، والذي يوضح هذا أنَّا رأينا الفضلات المستحلة عن الغذاء تنقسم إلى: طاهر كالبصاق، والعرق، والمخاط، ونجس كالبول، والغائط فدل على أنَّ جهة الاستحالة غير مقتضية للنجاسة ورأينا أنَّ النجاسة دارت مع الخبث وجوداً وعدماً فالبول، والغائط ذاتان خبيثتان منتنتان مؤذيتان متميزتان عن سائر فضلات الآدمي بزيادة الخبث، والنتن، والاستقذار تنفر منهما النفوس، وتنأى
стр. 595
عنهما، وتباعدهما عنها أقصى ما يمكن ولا كذلك هذه الفضلة الشريفة التي هي مبدأ خيار عباد الله وساداتهم.
وهي من أشرف جواهر الإنسان، وأفضل الأجزاء المنفصلة عنه، ومعها من روح الحياة ما تميزت به عن سائر الفضلات فقياسها على العذرة أفسد قياس في العالم، وأبعده عن الصواب.
والله تعالى أحكم من أن يجعل محال، وحيه، ورسالاته، وقربه مبادئهم نجسه فهو أكرم من ذلك.
وأيضاً: فإنَّ الله تعالى أخبر عنه هذا الماء، وكرر الخبر عنه في القرآن، ووصفه مرة بعد مرة، وأخبر أنَّه دافق يخرج من بين الصلب، والترائب، وأنَّه استودعه في قرار مكين، ولم يكن الله تعالى ليكرر ذكر شيء كالعذرة، والبول، ويعيده، ويبديه، ويخبر بحفظه في قرار مكين ويصفه بأحسن صفاته من الدفق، وغيره ولم يصفه بالمهانة إلَّا لإظهار قدرته البالغة أنَّه خلق من هذا الماء الضعيف هذا البشر القوي السوي فالمهين هنا الضعيف ليس هو النجس الخبيث.
وأيضاً: فلو كان المني نجساً وكل نجس خبيث لما جعله الله تعالى مبدأ خلق الطيبين من عبادة والطيبات ولهذا لا يتكون من البول، والغائط طيب فلقد أبعد النجعة من جعل أصول بني آدم كالبول، والغائط في الخبث، والنجاسة، والناس إذا سبوا الرجل قالوا أصله خبيث، وهو خبيث الأصل فلو كانت أصول الناس نجسة، وكل نجس خبيث لكان هذا السب بمنزلة أن يقال أصله نطفة أو أصله ماء، ونحو ذلك، وإن كانوا إنَّما يريدون بخبث الأصل كون النطفة وضعت في
стр. 596
غير حالها فذاك خبث على خبث، ولم يجعل الله في أصول خواص عبادة شيئاً من الخبث بوجه ما.
قال المنجسون: قد أكثرتم علينا من التشنيع بنجاسة أصل الآدمي، وأطلتم القول، وأغرضتم وتلك الشناعة مشتركة الإلزام بيننا وبينكم فإنَّه كما أنَّ الله يجعل خواص عباده ظروفاً وأوعية للنجاسة كالبول والغائط، والدم، والمذي، ولا يكون ذلك عائداً عليهم بالعيب والذم فكذلك خلقه لهم من المني النجس وما الفرق؟!.
قال المطهرون: لقد تعلقتم بما لا متعلق لكم به واستروحتم إلى خيال باطل فليسوا ظروفاً للنجاسة البتة وإنَّما تصير الفضلة بولاً وغائطاً إذا فارقت محلها فحينئذٍ يحكم عليها بالنجاسة وإلَّا فما دامت في محلها فهي طعام وشراب طيب غير خبيث وإنَّما يصير خبيثاً بعد قذفه وإخراجه وكذلك الدم إنَّما هو نجس إذا سفح، وخرج فأمَّا إذا كان في بدن الحيوان وعروقه فليس بنجس فالمؤمن لا ينجس ولا يكون ظرفاً للخبائث والنجاسات.
قالوا: والذي يقطع دابر القول بالنجاسة أنَّ النبي صلى الله عليه وسل علم أنَّ الأمة شديدة البلوى في أبدانهم وثيابهم وفرشهم ولحفهم، ولم يأمرهم فيه يوماً ما بغسل ما أصابه لا من بدن ولا من ثوب البتة ويستحيل أن يكون كالبول ولم يتقدم إليهم بحرف واحد في الأمر بغسله، وتأخير البيان عن وقت الحاجة إليه ممتنع عليه.
стр. 597
قالوا: ونساء النبي ﷺ أعلم الأمة بحكم هذه المسألة، وقد ثبت عن عائشة أنَّها أنكرت على رجل أعارته ملحفة صفراء، ونام فيها فاحتلم فغسلها فأنكرت عليه غسلها، وقالت: إنَّما كان يكفيه أن يفركه بإصبعه ربما فركته من ثوب رسول الله بإصبعي ذكره ابن أبي شيبة.
حدثنا أبو معاوية عن الأعمش عن إبراهيم عن همام قال: نزل بعائشة ضيف فذكره.
وقال أيضاً حدثنا هشيم عن مغيرة عن إبراهيم عن الأسود عن عائشة قالت: "لقد رأيتني أجده في ثوب رسول الله عنه" تعنى المني، وهذا قول عائشة، وسعد ابن أبي، وقاص، وعبد الله بن عباس.
قال ابن أبي شيبة ثنا هشيم عن حصين عن مصعب بن سعد عن سعد أنَّه كان يفرك الجنابة من ثوبه ثنا جرير عن منصور عن مجاهد عن مصعب ابن سعد عن سعد أنَّه كان يفرك الجنابة من ثوبه.
حدثنا وكيع عن سفيان عن حبيب عن سعيد بن جبير عن ابن عباس في المني قال: امسحه بإذخرة.
ثنا هشيم أنبأنا حجاج وابن أبي ليلى عن عطاء عن ابن عباس في الجنابة تصيب الثوب قال: "إنَّما هو كالنخامة، أو النخاعة أمطه عنك بخرقة أو بأذخرة".
قالوا: وقد روى الإمام أحمد بن حنبل في مسنده من حديث عائشة ﵂ قالت: "كان رسول الله يسلت المني من ثوبه بعرق الأذخر ثم يصلي فيه، ويحته من ثوبه يابساً ثم يصلى فيه" وهذا صريح في طهارته لا يحتمل تأويلاً البتة.
стр. 598
قالوا: وقد روى الدارقطني من حديث إسحاق بن يوسف الأزرق ثنا شريك عن محمد بن عبد الرحمن عن عطاء عن أبن عباس ﵄ قال: سئل النبي ﷺ عن المني يصيب الثوب فقال: "إنَّما هو بمنزلة البصاق والمخاط وإنَّما يكفيك أن تمسحه بخرقة أو بإذخرة" قالوا هذا إسناد صحيح فإنَّ إسحاق الأزرق حديثه مخرج في الصحيحين وكذلك شريك وإن كان قد علل بتفرد إسحاق الأزرق به فإسحاق ثقة يحتج به في الصحيحين وعندكم تفرد الثقة بالزيادة مقبول.
قال المنجس: صح عن عائشة ﵂ أنَّها كانت تغسله من ثوب رسول الله وثبت ابن عباس ﵄ أنَّه أمر بغسله.
قال أبو بكر ابن أبي شيبة حدثنا أبو الأحوص عن سماك عن عكرمة عن ابن عباس قال: إذا أجنب الرجل في ثوبه ورأى فيه أثراً فليغسله وإن لم ير فيه أثراً فلينضحه.
ثنا عبد الأعلى عن معمر عن الزهري عن طلحة بن عبد الله بن عوف عن أبي هريرة ﵁ أنه كان يقول في الجنابة في الثوب: إن رأيت أثره فاغسله وإن علمت أنه قد أصابه وخفي عليك فاغسل الثوب مكانه وعلم أنه قد أصابه غسل الثوب كله.
ثنا وكيع عن هشام عن أبيه عن زيد بن الصلت أنَّ عمر بن الخطاب غسل ما رأى، ونضح ما لم ير وأعاده بعدما أضحى متمكناً.
стр. 599
ثنا وكيع عن السري بن يحيى عن عبد الكريم بن رشيد عن أنس في رجل أجنب في ثوبه فلم ير أثره قال: يغسله كله.
ثنا جابر ثنا حفص عن أشعت عن الحكم أن ابن مسعود كان يغسل أثر الاحتلام من ثوبه.
ثنا حسين بن علي عن جعفر بن برقان عن خالد بن أبي عزة قال سأل رجل عمر بن الخطاب فقال: إني احتلمت على طنفسة فقال: "إن كان رطباً فاغسله وإن كان يابساً فاحككه، وإن خفي عليك فارششه".
قالوا: وقد ثبت تسمية المني أذى كما سمى دم الحيض أذى، والأذى هو النجس فقال الطحاوي: ثنا ربيع الحيرى ثنا إسحاق بن بكر بن مضر قال حدثني أبي عن جعفر بن ربيعة عن يزيد بن أبي حبيب عن سويد بن قيس عن معاوية بن حديج عن معاوية بن أبي سفيان أنه سأل أخته أم حبيبة زوج النبي ﷺ كان النبي ﷺ يصلي في الثوب الذي يضاجعك فيه قالت: "نعم إذا لم يصبه أذى" وفي هذا دليل من وجه آخر وهو ترك الصلاة فيه.
وقد روى محمد بن عبد الله بن شقيق عن عائشة قالت: " كان رسول الله يصلي في لحف نسائه".
قالوا: وأَّما ما ذكرتم من الآثار على مسحه بإذخرة وفركه فإنَّما هي في ثياب النوم لا في ثياب الصلاة.
قالوا: وقد رأينا الثياب النجسة بالغائط، والبول، والدم لا بأس بالنوم فيها ولا تجوز الصلاة فيها فقد يجوز أن يكون المني كذلك.
стр. 600
قالوا: وإنَّما تكون تلك الآثار حجة علينا لو كنا نقول لا يصح النوم في الثوب النجس فإذا كنا نبيح ذلك، ونوافق ما رويتم ما رويتهم عن النبي ﷺ ذلك ونقول من بعد لا تصلح الصلاة في ذلك فلم يخالف شيئاً مما روي في ذلك عن النبي ﷺ .
قالوا: وإذا كانت الآثار قد اختلفت في هذا الباب، ولم يكن فيها دليل على حكم المني كيف هو اعتبرنا ذلك من طريق النظر فوجدنا خروج المني حدثاً أغلظ الأحداث لأنَّه يوجب أكبر الطهارات فأردنا أن ننظر في الأشياء التي خروجها حدث كيف حكمها في نفسها فرأينا الغائط، والبول خروجهما حدث، وهما نجسان في أنفسهما، وكذلك دم الحيض والاستحاضة هما حدث وهما نجسان في أنفسهما، ودم العروق كذلك في النظر فلما ثبت بما ذكرنا أن كل ما خروجه حدث فهو نجس في نفسه وقد ثبت أن خروج المني حدث ثبت أيضاً أنَّه في نفسه نجس فهذا هو النظر فيه.
قال المطهر: ليس في شيء مما ذكرت دليل على نجاسته أمَّا كون عائشة كانت تغسله من ثوب رسول الله ﷺ فلا ريب أنَّ الثوب يغسل من القذر، والوسخ. والنجاسة فلا يدل مجرد غسل الثوب منه على نجاسته فقد كانت تغسله تارة. وتمسحه أخرى. وتفركه أحياناً ففركه ومسحه دليل على طهارته وغسله لا يدل على النجاسة فلو أعطيتم الأدلة حقها لعلمتم توافقها وتصادقها لا تناقضها، واختلافها، وأمَّا أمر ابن عباس بغسله فقد ثبت عنه أنَّه قال: "إنَّما هو بمنزله المخاط، والبصاق فأمطه عنك، ولو بإذخرة"، وأمره بغسله للاستقذار،
следующие страницы →