Полный текст (8 095 стр.). Показаны 5356–5395 · переход к 5361.
стр. 5356
«فصل: وإن وجد العين بعد خروجها من ملك الملتقط ببيع أو هبة أو نحوهما، لم يكن له الرجوع فيها، وله أخذ بدلها؛ لأنَّ تصرف الملتقط وقع صحيحاً؛ لكونها صارت في ملكه.
وإن صادفها قد رجعت إلى الملتقط بفسخ أو شراء أو غير ذلك، فله أخذها؛ لأنَّه وجد عين ماله في يد ملتقطه، فكان له أخذه كالزوج إذا طلق قبل الدخول فوجد الصداق قد رجع إلى المرأة.
وسائر أحكام الرجوع هاهنا كحكم رجوع الزوج، على ما نذكره في موضعه، إن شاء الله تعالى» اهـ.
قُلْتُ: الزيادة المتصلة في اللقطة تكون لمالكها الأول، وأمَّا الزيادة المنفصلة فإن كانت قبل الحول فهي لمالكها الأول، وإن كانت بعد الحول فهي للملتقط لأنَّها حدثت في ملكه، وهذا مذهب الشافعية والمصحح عند الحنابلة.
٣٠ - واحتج بتسمية النبي ﷺ للقطة وديعة بعد تعريفها على عدم ضمانها إذا لم يحصل تعدٍ من جهة ملتقطها.
قَالَ الْحِافِظُ ابْنُ حَجَرٍ ﵀ فِي [فَتْحِ الْبَارِي] (٥/ ٩١):
«ويستفاد من تسميتها وديعة أنَّها لو تلفت لم يكن عليه ضمانها، وهو اختيار البخاري تبعاً لجماعة من السلف. وقال ابن المنير: يستدل به لأحد الأقوال عند العلماء إذا أتلفها الملتقط بعد التعريف وانقضاء زمنه، ثم أخرج بدلها، ثم هلكت
стр. 5357
أن لا ضمان عليه في الثانية، وإذا ادعى أنَّه أكلها، ثم غرمها، ثم ضاعت قبل قوله أيضاً، وهو الراجح من الأقوال» اهـ.
وَقَالَ الْعَلَّامَةُ ابْنُ قُدَامَةَ ﵀ فِي [الْمُغْنِي] (١٢/ ٣٧٥):
«وجملة ذلك أنَّ اللقطة في الحول أمانة في يد الملتقط، إن تلفت بغير تفريطه أو نقصت، فلا ضمان عليه، كالوديعة.
ومتى جاء صاحبها، فوجدها أخذها بزيادتها المتصلة والمنفصلة؛ لأنَّها نماء ملكه.
وإن أتلفها الملتقط، أو تلفت بتفريطه، ضمنها بمثلها إن كانت من ذوات الأمثال، وبقيمتها إن لم يكن لها مثل. لا أعلم في هذا خلافاً، وإن تلفت بعد الحول، ثبت في ذمته مثلها أو قيمتها بكل حال؛ لأنَّها دخلت في ملكه، وتلفت من ماله، وسواء فرط في حفظها أو لم يفرط.
وإن وجد العين ناقصة، وكان نقصها بعد الحول، أخذ العين وأرش نقصها؛ لأنَّ جميعها مضمون إذا تلفت، فكذلك إذا نقصت.
وهذا قول أكثر الفقهاء الذين حكموا بملكه لها بمضي حول التعريف، وأمَّا من قال: لا يملكها حتى يتملكها. لم يضمنه إياها حتى يتملكها، وحكمها قبل تملكه إياها حكمها قبل مضي حول التعريف.
ومن قال: لا تملك اللقطة بحال لم يضمنه إياها.
стр. 5358
وبهذا قال الحسن، والنخعي، وأبو مجلز والحارث العكلي، ومالك، وأبو يوسف، قالوا: لا يضمن، وإن ضاعت بعد الحول.
وقد ذكرنا فيما تقدم دليل دخولها في ملكه» اهـ.
قُلْتُ: هذا التفصيل هو الذي يظهر لي رجحانه، وحكم النبي ﷺ عليها بأنَّها وديعة بعد استنفاقها يدل على أنَّها وديعة في ذمته، وإنَّما لا يضمن الإنسان الوديعة التي في يده، وأمَّا ما في الذمة فهو مضمون عليه. والله أعلم.
٣١ - أنَّ الطالب يُكتفى منه إلى ذكر علاماتها ولا يحتاج إلى إقامة بينة على ذلك غيرها، ولذلك أُمر الواجد لها بحفظ علاماتها، ولولا أنَّ الحكم متعلق بها لما احتيج إلى حفظها، وأصرح من ذلك ما رواه البخاري (٢٤٣٨) عَنْ زَيْدِ بْنِ خَالِدٍ ﵁: أَنَّ أَعْرَابِيًّا سَأَلَ النَّبِيَّ ﷺ عَنْ اللُّقَطَةِ، قَالَ: «عَرِّفْهَا سَنَةً، فَإِنْ جَاءَ أَحَدٌ يُخْبِرُكَ بِعِفَاصِهَا، وَوِكَائِهَا، وَإِلَّا فَاسْتَنْفِقْ بِهَا».
وفي رواية مسلم (١٧٢٣): «فَإِنْ جَاءَ أَحَدٌ يُخْبِرُكَ بِعَدَدِهَا وَوِعَائِهَا وَوِكَائِهَا، فَأَعْطِهَا إِيَّاهُ».
قَالَ الْحِافِظُ ابْنُ حَجَرٍ ﵀ فِي [فَتْحِ الْبَارِي] (٥/ ٧٩):
«وقد أخذ بظاهرها مالك وأحمد، وقال أبو حنيفة والشافعي: إن وقع في نفسه صدقه جاز أن يدفع إليه ولا يجبر على ذلك إلَّا ببينة؛ لأنَّه قد يصيب الصفة.
وقال الخطابي: إن صحت هذه اللفظة لم يجز مخالفتها وهي فائدة قوله: "أعرف عفاصها" الخ وإلَّا فالاحتياط مع من لم ير الرد إلَّا بالبينة. قال: ويتأول قوله:
стр. 5359
"أعرف عفاصها". على أنَّه أمره بذلك لئلا تختلط بماله، أو لتكون الدعوى فيها معلومة. وذكر غيره من فوائد ذلك أيضاً أن يعرف صدق المدعى من كذبه، وأنَّ فيه تنبيهاً على حفظ الوعاء وغيره؛ لأنَّ العادة جرت بإلقائه إذا أخذت النفقة، وأنَّه إذا نبه على حفظ الوعاء كان فيه تنبيه على حفظ المال من باب الأولى.
قُلْتُ: قد صحت هذه الزيادة فتعين المصير إليها» اهـ.
وقَالَ الْحَافِظُ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِ ﵀ فِي [التَّمْهِيْدِ] (٣/ ١٢١):
«القول بظاهر الحديث أولى ولم يؤمر بأن يعرف عفاصها ووكاءها وعلاماتها إلَّا لذلك وقال ﷺ : "إن عرفها فادفعها إليه" هكذا قال حماد بن سلمة في حديثه ومن كان أسعد بالظاهر أفلح وبالله التوفيق» اهـ.
وَقَالَ الْعَلَّامَةُ ابْنُ الْقَيِّمِ ﵀ فِي [إِعْلَامِ الْمُوَقِعِيْنَ] (١/ ١٠٤):
«ولهذا كان الصحيح الذي دلت عليه السنة التي لا معارض لها أنَّ اللقطة إذا وصفها واصف صفة تدل على صدقه دفعت إليه بمجرد الوصف، فقام وصفه لها مقام الشاهدين، بل وصفه لها بينة تبين صدقه وصحة دعواه، فإنَّ البينة اسم لما يبين الحق» اهـ.
وَقَالَ ﵀ فِي [الْطُرُقِ الْحُكْمِيَّةِ] (ص: ١٣):
стр. 5360
«ومن ذلك أنَّ النَّبي ﷺ أمر الملتقط أن يدفع اللقطة إلى واصفها، وأمره أن يعرف عفاصها ووعاءها ووكاءها كذلك، فجعل وصفه لها قائما مقام البينة بل ربما يكون وصفه لها أظهر وأصدق من البينة» اهـ.
قُلْتُ: وهل تدفع للطالب اللقطة إذا جاء ببعض الصفات، وترك البعض في ذلك نزاع بين العلماء.
قَالَ الْحِافِظُ ابْنُ حَجَرٍ ﵀ فِي [فَتْحِ الْبَارِي] (٥/ ٨١ - ٨٢):
«واختلفوا فيما إذا عرف بعض الصفات دون بعض بناء على القول بوجوب الدفع لمن عرف الصفة قال ابن القاسم: لا بد من ذكر جميعها، وكذا قال أصبغ، لكن قال: لا يشترط معرفة العدد. وقول ابن القاسم أقوى لثبوت ذكر العدد في الرواية الأخرى، وزيادة الحافظ حجة» اهـ.
قُلْتُ: الذي يظهر لي أنَّه لا بد من الإتيان بجميع الصفات التي يبعد جهلها عن مالكها. والله أعلم.
وقد تنازع العلماء فيما إذا جاء رجلان يطلبان اللقطة، واتفقا في الاتيان بصفاتها، وليس لأحدهما بينة يمتاز بها على الآخر، فقال بعض العلماء: تقسم اللقطة بينهما بالسوية، وقال آخرون: يقرع بينهما فمن وقعت عليه القرعة أخذها.
واحتج من قال بالقرعة بما رواه أحمد (١٠٣٥٢)، وأبو داود (٣٦١٦)، وابن ماجة (٢٣٤٦) مِنْ طَرِيْقِ ابْنِ أَبِي عَرُوبَةَ، عَنْ قَتَادَةَ، عَنْ خِلَاسٍ، عَنْ أَبِي رَافِعٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، أَنَّ رَجُلَيْنِ اخْتَصَمَا فِي مَتَاعٍ إِلَى النَّبِيِّ ﷺ لَيْسَ
стр. 5361
لِوَاحِدٍ مِنْهُمَا بَيِّنَةٌ فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ : «اسْتَهِمَا عَلَى الْيَمِينِ مَا كَانَ أَحَبَّا ذَلِكَ أَوْ كَرِهَا».
قُلْتُ: إِسْنَادُهُ صَحِيْحٌ.
ورواه البيهقي في [الْكُبْرَى] (٢١٠٢٧) مِنْ طَرِيْقِ أَبَانَ - وهو ابن يزيد العطار - ثنا قَتَادَةُ، عَنْ خِلَاسٍ، عَنْ أَبِي رَافِعٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ: «إِذَا جَاءَ هَذَا بِشَاهِدٍ، وَهَذَا بِشَاهِدٍ أَقْرَعَ بَيْنَهُمْ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ ».
قُلْتُ: ابن أبي عروبة من أثبت الناس في قتادة فحديثه هو المحفوظ، ولم يذكر في حديثه الشهود.
قَالَ الْحِافِظُ الْبَيْهَقِيُّ ﵀ فِي [الْمَعْرِفَةِ] (١٤/ ٣٥٦):
«فيحتمل أن يكون هذا من تتمة القضية الأولى، وكأنَّه ﷺ جعل ذلك بينهما نصفين بحكم اليد، فطلب كل واحد منهما يمين صاحبه في النصف الذي حصل له، فجعل عليهما اليمين فتنازعا في البداية بأخذها، فأمرهما أن يقترعا على اليمين، والله أعلم» اهـ.
قُلْتُ: أصل الحديث في البخاري (٢٦٧٤) مِنْ طَرِيْقِ هَمَّامٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁: «أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ عَرَضَ عَلَى قَوْمٍ اليَمِينَ، فَأَسْرَعُوا فَأَمَرَ أَنْ يُسْهَمَ بَيْنَهُمْ فِي اليَمِينِ أَيُّهُمْ يَحْلِفُ».
стр. 5362
وروى أحمد (٢٦٧٦٠)، وأبو داود (٣٥٨٤) مِنْ طَرِيْقِ أُسَامَةَ بْنِ زَيْدٍ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ رَافِعٍ، عَنْ أُمِّ سَلَمَةَ، قَالَتْ: جَاءَ رَجُلَانِ مِنَ الْأَنْصَارِ يَخْتَصِمَانِ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فِي مَوَارِيثَ بَيْنَهُمَا قَدْ دُرِسَتْ، لَيْسَ بَيْنَهُمَا بَيِّنَةٌ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «إِنَّكُمْ تَخْتَصِمُونَ إِلَيَّ، وَإِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ، وَلَعَلَّ بَعْضَكُمْ أَلْحَنُ بِحُجَّتِهِ، أَوْ قَدْ قَالَ: لِحُجَّتِهِ، مِنْ بَعْضٍ، فَإِنِّمَا أَقْضِي بَيْنَكُمْ عَلَى نَحْوِ مَا أَسْمَعُ، فَمَنْ قَضَيْتُ لَهُ مِنْ حَقِّ أَخِيهِ شَيْئًا، فَلَا يَأْخُذْهُ، فَإِنَّمَا أَقْطَعُ لَهُ قِطْعَةً مِنَ النَّارِ يَأْتِي بِهَا إِسْطَامًا فِي عُنُقِهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ». فَبَكَى الرَّجُلَانِ، وَقَالَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا: حَقِّي لِأَخِي، قَالَ: فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «أَمَا إِذْ قُلْتُمَا، فَاذْهَبَا فَاقْتَسِمَا، ثُمَّ تَوَخَّيَا الْحَقَّ، ثُمَّ اسْتَهِمَا، ثُمَّ لِيَحْلِلْ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْكُمَا صَاحِبَهُ».
قُلْتُ: هَذَا الْحَدِيْثُ ظَاهِرُهُ أنَّهُ حَسَنٌ. لكن روى الحديث مالك في [الْمُوَطَّأِ] (١٣٩٩)، ومِنْ طَرِيْقِه البخاري (٢٦٨٠)، ومسلم (١٧١٣) عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ زَيْنَبَ بِنْتِ أَبِي سَلَمَةَ، عَنْ أُمِّ سَلَمَةَ زَوْجِ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: «إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ. وَإِنَّكُمْ تَخْتَصِمُونَ إِلَيَّ، فَلَعَلَّ بَعْضَكُمْ أَنْ يَكُونَ أَلْحَنَ بِحُجَّتِهِ مِنْ بَعْضٍ. فَأَقْضِيَ لَهُ عَلَى نَحْوِ مَا أَسْمَعُ مِنْهُ، فَمَنْ قَضَيْتُ لَهُ بِشَيْءٍ مِنْ حَقِّ أَخِيهِ، فَلَا يَأْخُذَنَّ مِنْهُ شَيْئًا، فَإِنَّمَا أَقْطَعُ لَهُ قِطْعَةً مِنَ النَّارِ».
قُلْتُ: وليس فيه كما ترى زيادة أسامة بن زيد الليثي، والليثي في حفظه شيء فلا يعتمد عليه في مثل هذه الزيادة. والله أعلم.
стр. 5363
والإسطام: الحديدة التي تحرك بها النار وتسعر.
واحتج من قال بالقسمة بما روى أحمد (١٩٦١٩) حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ، حَدَّثَنَا سَعِيدٍ، عَنْ قَتَادَةَ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ أَبِي بُرْدَةَ، عَنْ أَبِي بُرْدَةَ، عَنْ أَبِيهِ، أَنَّ رَجُلَيْنِ «اخْتَصَمَا إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فِي دَابَّةٍ لَيْسَ لِوَاحِدٍ مِنْهُمَا بَيِّنَةٌ فَجَعَلَهُ بَيْنَهُمَا نِصْفَيْنِ».
قُلْتُ: وقد وقع في بعض النسخ شعبة بدل سعيد، وهو تصحيف، لم يتنبه له العلامة الألباني ﵀ في "الإرواء".
ورواه أبو داود (٣٦١٣، ٣٦١٤) مِنْ طَرِيْقِ يزيد بن زريع، عبد الرحيم بن سليمان، عن ابن أبي عروبة، عن قتادة، عن سعيد بن أبي بردة، عن أبيه، عن جده أبي موسى الأشعري.
ورواه النسائي (٥٤٢٤) مِنْ طَرِيْقِ عبد الأعلى بن عبد الأعلى عن سعيد بن أبي عروبة به.
ورواه ابن ماجة (٢٣٣٠) عن روح بن عبادة عن ابن أبي عروبة به.
ورواه هَمَّامٌ، عَنْ قَتَادَةَ بِمَعْنَى إِسْنَادِهِ: «أَنَّ رَجُلَيْنِ ادَّعَيَا بَعِيرًا عَلَى عَهْدِ النَّبِيِّ ﷺ فَبَعَثَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا شَاهِدَيْنِ فَقَسَمَهُ النَّبِيُّ ﷺ بَيْنَهُمَا نِصْفَيْنِ». أخرجه أبو داود (٣٦١٥)، وابن أبي شيبة في [الْمُصَّنَفِ] (٢٩٧٢٩)، وأبو يعلى في [مُسْنَدِهِ] (٧٢٨٠)، والطحاوي في [شَرْحِ مُشْكِلِ
стр. 5364
الْآثَارِ] (٤٧٥٤، ٤٧٥٥)، والحاكم في [الْمُسْتَدْرَكِ] (٧٠٣٢)، والبيهقي في [الْكُبْرَى] (٢١٠١٧، ٢١٠٢٨، ٢١٧٧٣)، وقال: «وكذلك رواه حجاج بن منهال عن همام وهو من حديث همام بن يحيى عن قتادة بهذا اللفظ محفوظ» اهـ.
قُلْتُ: وأرسله شعبة فرواه عن قتادة عن سعيد بن أبي بردة عن أبيه: «أَنَّ رَجُلَيْنِ اخْتَصَمَا إِلَى نَبِيِّ اللهِ ﷺ فِي دَابَّةٍ لَيْسَ لِوَاحِدٍ مِنْهُمَا بَيِّنَةٌ، فَجَعَلَهَا بَيْنَهُمَا نِصْفَيْنِ». أخرجه البيهقي في [الْكُبْرَى] (٢١٠٠٣). وهذه رواية محمد بن جعفر غندر عنه، ورواه عنه سعيد بن عامر موصولاً، أخرجه البيهقي في [الْكُبْرَى] (٢١٠١٨).
وخالفهم حَمَّادُ بْنُ سَلَمَةَ، عَنْ قَتَادَةَ، عَنْ النَّضْرِ بْنِ أَنَسٍ، عَنْ بَشِيرِ بْنِ نَهِيكٍ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ: «أَنَّ رَجُلَيْنِ ادَّعَيَا دَابَّةً، فَأَقَامَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا شَاهِدَيْنِ، فَقَضَى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بَيْنَهُمَا نِصْفَيْنِ».
رواها ابن حبان (٥٠٦٨) أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدٍ الْأَزْدِيُّ، حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، أَخْبَرَنَا عَبْدُ الصَّمَدِ، حَدَّثَنَا حَمَّادُ بْنُ سَلَمَةَ، عَنْ قَتَادَةَ، عَنْ النَّضْرِ بْنِ أَنَسٍ، عَنْ بَشِيرِ بْنِ نَهِيكٍ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ به.
أخرجه إسحاق بن راهويه في [مُسْنَدِهِ] (١١٤) أَخْبَرَنَا عَبْدُ الصَّمَدُ، نا حَمَّادُ بْنُ سَلَمَةَ، عَنْ قَتَادَةَ، عَنِ النَّضْرِ بْنِ أَنَسٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ أَنَّ رَجُلَيْنِ، ادَّعَيَا دَابَّةً فَأَقَامَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا شَاهِدَيْنِ، «فَقَضَى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بَيْنَهُمَا نِصْفَيْنِ».
стр. 5365
ولم يذكر بَشِيرَ بْنَ نَهِيكٍ.
وراه البيهقي في [الْكُبْرَى] (٢١٢٣١) أَخْبَرَنَا أَبُو عَبْدِ اللهِ الْحَافِظُ، أنبأ أَبُو الْوَلِيدِ، ثنا عَبْدُ اللهِ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ شِيرَوَيْهِ، ثنا إِسْحَاقُ، أنبأ عَبْدُ الصَّمَدِ بْنُ عَبْدِ الْوَارِثِ، ثنا حَمَّادُ بْنُ سَلَمَةَ، عَنْ قَتَادَةَ، عَنِ النَّضْرِ بْنِ أَنَسٍ، عَنْ بَشِيرِ بْنِ نَهِيكٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ به.
ورواه الطحاوي في [شَرْحِ مُشْكِلِ الْآثَارِ] (٤٧٥٦) مَنْ طَرِيقِ مُحَمَّدِ بْنِ كَثِيرٍ، عَنْ حَمَّادِ بْنِ سَلَمَةَ، عَنْ قَتَادَةَ، عَنِ النَّضْرِ بْنِ أَنَسٍ، عَنْ أَبِي بُرْدَةَ عَنْ أَبِي مُوسَى.
وراها أبو عمر الضرير حفص بن عمر ثنا حماد بن سلمة عن قتادة أخبرهم عن النضر بن أنس عن أبي بردة عن أبي موسى، رواها البيهقي في [الْكُبْرَى] (٢١٢٣٢). وتابعه محمد بن كثير المصيصي عند النسائي في [الْكُبْرَى] (٥٩٥٤)، والطحاوي في [شَرْحِ مُشْكِلِ الْآثَارِ] (٤٧٥٦).
وخالفهم الضَّحَّاكُ بْنُ حُمْرَةَ - بالراء المهملة - فرواه عن قَتَادَةَ، أَنَّ أَبَا مِجْلَزٍ، أَخْبَرَهُ عَنْ أَبِي بُرْدَةَ بْنِ أَبِي مُوسَى، عَنْ أَبِي مُوسَى، «أَنَّ رَجُلَيْنِ، اخْتَصَمَا إِلَى النَّبِيِّ ﷺ فِي بَعِيرٍ، ادَّعَاهُ كِلَاهُمَا أَنَّهُ لَهُ، فَجَاءَ مَعَ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا شَاهِدَانِ يَشْهَدَانِ أَنَّ الْبَعِيرَ لَهُ، فَقَضَى النَّبِيُّ ﷺ أَنَّهُ بَيْنَهُمَا نِصْفَيْنِ».
أخرجه الطبراني في [الْأَوْسَطِ] (٢)، والبيهقي في [الْكُبْرَى] (٢١٠١٩)، والضحاك ضعيف.
стр. 5366
قَالَ الْبَيْهَقِيُّ ﵀ فِي [الْكُبْرَى] (١٠/ ٢٥٧): «والحديث معلول عند أهل الحديث مع الاختلاف في إسناده على قتادة» اهـ.
قُلْتُ: وقد رواه أحمد كما في [الْعِلَلِ وَمَعْرِفَةِ الرَّجَالِ] (٣٦٨) حَدَّثَنَا وَكِيعٌ عَنْ سُفْيَانَ عَنْ سِمَاكِ بْنِ حَرْبٍ عَنْ تَمِيمِ بْنِ طَرَفَةَ: «أَنَّ رَجُلَيْنِ ادَّعَيَا نَاقَةً فَأَقَامَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا الْبَيِّنَةَ أَنَّهَا نَاقَتَهُ فَاخْتَصَمَا إِلَى النَّبِيِّ ﷺ فَقَضَى النَّبِيُّ ﷺ أَنَّهَا بَيْنَهُمَا نِصْفَيْنِ».
وَقَالَ أَيْضاً (٣٧١) حَدَّثَنَا أَبُو كَامِلٍ مُظَفَّرُ بْنُ مُدْرِكٍ قَالَ حَدَّثَنَا حَمَّاد يَعْنِي بْنِ سَلَمَةَ عَنْ قَتَادَةَ عَنْ النَّضْرِ بْنِ أَنَسٍ عَنْ أَبِي بُرْدَةَ بْنِ أَبِي مُوسَى: «أَنَّ رَجُلَيْنِ ادَّعَيَا دَابَّةً وَجَدَاهَا عِنْدَ رَجُلٍ فَأَقَامَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا شَاهِدين أَنَّهَا دَابَّته قضى بِهَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بَيْنَهُمَا».
وَقَالَ حَمَّادٌ قَالَ لِي سِمَاكُ بْنُ حَرْبٍ أَنَا حَدَّثْتُ أَبَا بُرْدَةَ بِهَذَا الحَدِيث.
قُلْتُ: حديث سماك رواه أيضاً عبد الرزاق في [مُصَنَّفِهِ] (١٥٢٠٢)، وابن أبي شيبة في [مُصَنَّفِهِ] (٢٩٦٥٥)، والبيهقي في [الْكُبْرَى] (٢١٠٢٣)، والطحاوي في [شَرْحِ مُشْكِلِ الْآثَارِ] (٤٧٥٨).
ورواه الطبراني في [الْكَبِيْرِ] (١٨٠٦)، مِنْ طَرِيْقِ سويد بن عبد العزيز عن الحجاج بن أرطأة، عن سماك بن حرب، عن تميم بن طرفة، عن جابر بن سمرة.
قُلْتُ: وهذا من منكرات حجاج. وسويد ضعيف والله أعلم.
стр. 5367
وَقَالَ الْحَافِظُ الْتِرْمِذِيُّ ﵀ فِي [الْعِلَلِ الْكَبِيْرِ] (٢٣٤) حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بَكْرٍ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ أَبِي عَرُوبَةَ، عَنْ قَتَادَةَ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ أَبِي بُرْدَةَ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ جَدِّهِ: «أَنَّ رَجُلَيْنِ اخْتَصَمَا إِلَى النَّبِيِّ ﷺ فِي دَابَّةٍ لَيْسَ لِوَاحِدٍ مِنْهُمَا بَيِّنَةٌ فَقَضَى النَّبِيُّ ﷺ بِهَا بَيْنَهُمَا».
فَسَأَلْتُ مُحَمَّدًا عَنْ هَذَا الْحَدِيثِ فَقَالَ:
يَرْجِعُ هَذَا الْحَدِيثُ إِلَى حَدِيثِ سِمَاكِ بْنِ حَرْبٍ عَنْ تَمِيمِ بْنِ طَرَفَةَ. قَالَ مُحَمَّدُ: رَوَى حَمَّادُ بْنُ سَلَمَةَ قَالَ: قَالَ سِمَاكُ بْنُ حَرْبٍ: أَنَا حَدَّثْتُ أَبَا بُرْدَةَ بِهَذَا الْحَدِيثِ.
وَقَالَ الْحَافِظُ الدَّارَقُطْنِيُّ ﵀ فِي [الْعِلَلِ] (٧/ ٢٠٣ - ٢٠٥):
«يرويه قتادة، واختلف عنه؛ فرواه سعيد بن أبي عروبة، عن قتادة، عن سعيد بن أبي بردة، عن أبيه، عن أبي موسى.
وتابعه همام، عن قتادة من رواية عفان عنه.
ورواه عبد الصمد بن عبد الوارث، عن همام، عن قتادة، عن سعيد بن أبي بردة، عن أبيه مرسلاً.
وخالفه الضحاك بن حمرة، فرواه عن قتادة، عن أبي مجلز، عن أبي بردة، عن أبي موسى.
ورواه سعيد بن بشير، عن قتادة، عن أبي بردة، لم يذكر بينهما أحداً.
стр. 5368
واختلف عن حماد بن سلمة، فرواه محمد بن كثير المصيصي، عن حماد، عن قتادة، عن النضر بن أنس، عن أبي بردة، عن أبي موسى.
ورواه أبو كامل مظفر بن مدرك، عن حماد بن سلمة، عن قتادة، عن النضر بن أنس، عن أبي بردة مرسلاً، وقال في آخره: قال لي حماد: فحدثت به سماك بن حرب، فقال: أنا حدثت به أبا بردة.
وهذا الحديث يرويه الثوري، وغيره عن سماك، عن تميم بن طرفة مرسلاً، عن النبي ﷺ .
ويرويه ياسين الزيات، عن سماك، عن تميم بن طرفة، عن جابر بن سمرة.
والمحفوظ حديث أبي كامل، عن حماد، عن قتادة.
ومدار الحديث يرجع إلى سماك بن حرب.
والصحيح عن سماك بن حرب مرسلاً، عن النبي ﷺ » اهـ.
وقَالَ الْحِافِظُ الْبَيْهَقِيُّ ﵀ فِي [الْكُبْرَى] (١٠/ ٢٥٨) - معلقاً على كلام البخاري السابق -:
«وإرسال شعبة هذا الحديث عن قتادة عن سعيد بن أبي بردة عن أبيه في رواية غندر عنه كالدلالة على ذلك. والله أعلم» اهـ.
وَقَالَ الْحِافِظُ ابْنُ حَجَرٍ ﵀ فِي [التَّلْخِيْصِ الْحَبِيْرِ] (٤/ ٤٩٨): «وقال الدارقطني، والبيهقي، والخطيب: الصحيح أنَّه عن سماك مرسلاً» اهـ.
وَقَالَ الْحِافِظُ الْمِزِّيُّ ﵀ فِي [تُحْفَةِ الْأَشْرَافِ] (٦/ ٤٥٣):
стр. 5369
«والصحيح عن سماك بن حرب مرسلاً عن النبي ﷺ والله أعلم» اهـ.
قَالَ الْعَلَّامَةُ ابْنُ قُدَامَةَ ﵀ فِي [الْمُغْنِي] (١٢/ ٣٧٢ - ٣٧٣):
«فصل: فإن وصفها اثنان، أقرع بينهما، فمن وقعت له القرعة حلف أنَّها له، وسلمت إليه.
وهكذا إن أقاما بينتين، أقرع بينهما، فمن وقعت له القرعة حلف، ودفعت إليه. ذكره القاضي.
وقال أبو الخطاب: تقسم بينهما؛ لأنَّهما تساويا فيما يستحق به الدفع، فتساويا فيها، كما لو كانت في أيديهما.
والذي قلناه أصح وأشبه بأصولنا، فيما إذا تداعيا عيناً في يد غيرهما، ولأنَّهما تداعيا عيناً في يد غيرهما، وتساويا في البينة، أو في عدمها، فتكون لمن وقعت له القرعة، كما لو ادعيا وديعة في يد إنسان، فقال: هي لأحدكما، لا أعرفه عيناً.
وفارق ما إذا كانت في أيديهما؛ لأنَّ يد كل واحد منهما على نصفه فرجح قوله فيه.
وإن وصفها إنسان، فأقام آخر البينة أنَّها له، فهي لصاحب البينة؛ لأنَّها أقوى من الوصف، فإن كان الواصف قد أخذها، انتزعت منه، وردت إلى صاحب البينة؛ لأننا تبينا أنَّها له، فإن كانت قد هلكت، فلصاحبها تضمين من شاء من الواصف أو الدافع إليه. وبهذا قال أبو حنيفة، والشافعي.
стр. 5370
ويتخرج أن لا يلزم الملتقط شيء. وهذا قول ابن القاسم صاحب مالك، وأبي عبيد؛ لأنَّه فعل ما أمر به، لأنَّه أمين غير مفرط ولا مقصر، فلا يضمن كما لو دفعها بأمر الحاكم، ولأنَّ الدفع واجب عليه، فصار الدفع بغير اختياره، فلم يضمنها، كما لو أخذها كرهاً.
ولنا أنَّه دفع مال غيره إلى غير مستحقه اختياراً منه، فضمنه، كما لو دفع الوديعة إلى غير مالكها، إذا غلب على ظنه أنَّه مالكها.
فأمَّا إن دفعها بحكم حاكم، لم يملك صاحبها مطالبة الدافع؛ لأنَّها مأخوذة منه على سبيل القهر، فلم يضمنها، كما لو غصبها غاصب.
ومتى ضمن الواصف لم يرجع على أحد؛ لأنَّ العدوان منه والتلف عنده.
فإن ضمن الدافع، رجع على الواصف؛ لأنَّه كان سبب تغريمه، إلَّا أن يكون الملتقط قد أقر للواصف أنَّه صاحبها ومالكها، فإنَّه لا يرجع عليه، لأنَّه اعترف أنَّه صاحبها ومستحقها، وأنَّ صاحب البينة ظلمه بتضمينه، فلا يرجع، به على غير من ظلمه.
وإن كانت اللقطة قد تلفت عند الملتقط، فضمنه إياها، رجع على الواصف بما غرمه، وليس لمالكها تضمين الواصف؛ لأنَّ الذي قبضه إنَّما هو مال الملتقط، لا مال صاحب اللقطة، بخلاف ما إذا سلم العين.
стр. 5371
فأمَّا إن وصفها إنسان، فأخذها، ثم جاء آخر فوصفها وادعاها، لم يستحق شيئاً؛ لأنَّ الأول استحقها لوصفه إياها، وعدم المنازع فيها، وثبتت يده عليها، ولم يوجد ما يقتضي انتزاعها منه، فوجب إبقاؤها له، كسائر ماله» اهـ.
وَقَالَ الْعَلَّامَةُ ابْنُ الْقَيِّمِ ﵀ فِي [الْطُرُقِ الْحُكْمِيَّةِ] (ص: ٤٧٤):
«والذي دلت عليه السنة أنَّ المدعيين إذا كانت أيديهما عليه سواء أو تساوت بينتاهما قسم بينهما نصفين» اهـ.
قُلْتُ: الذي يظهر لي في هذه المسألة أنَّ الرجلين إذا تنازعا في متاع كاللقطة وغيرها ولم يكن لأحدهما بينة فإنَّه يقرع لهما لحديث أبي هريرة الماضي، وأمَّا إذا أقاما البينة على دعواهما فإنَّه يقسم بينهما، فإنَّ إعمال البينة ها هنا أقوى من القرعة، وهذا هو الذي سار عليه العلامة ابن القيم ﵀.
٣٢ - وفيه تأقيت الملك.
قَالَ شَيْخُ الْإِسْلَامِ ابْنُ تَيْمِيَّةَ ﵀ كَمَا فِي [مَجْمُوْعِ الْفَتَاوَى] (٢١/ ٤٣٧ - ٤٣٨): «فالتيمم رافع للحدث مطهر لصاحبه لكن رفع موقت إلى أن يقدر على استعمال الماء فإنَّه بدل عن الماء فهو مطهر ما دام الماء متعذراً كما أنَّ الملتقط يملك اللقطة ما دام لم يأته صاحبها، وكان ملك صاحبها ملكاً موقتاً إلى ظهور المالك؛ فإنَّه كان بدلاً عن المالك، فإذا جاء صاحبها خرجت عن ملك الملتقط إلى ملك صاحبها» اهـ.
стр. 5372
٣٣ - وظاهر قوله: «فَإِنْ جَاءَ طَالِبُهَا يَوْمًا مِنَ الدَّهْرِ فَأَدِّهَا إِلَيْهِ». أنَّها تدفع لطالبها وإن لم يأت بوصفها، وهذا غير مراد قطعاً، إذ لو كان هذا المراد لما كان في أمر النبي ﷺ لحفظ علاماتها معنىً، ويدل على ذلك أيضاً ما رواه البخاري (٢٤٣٨) عَنْ زَيْدِ بْنِ خَالِدٍ ﵁: أَنَّ أَعْرَابِيًّا سَأَلَ النَّبِيَّ ﷺ عَنْ اللُّقَطَةِ، قَالَ: «عَرِّفْهَا سَنَةً، فَإِنْ جَاءَ أَحَدٌ يُخْبِرُكَ بِعِفَاصِهَا، وَوِكَائِهَا، وَإِلَّا فَاسْتَنْفِقْ بِهَا».
وفي رواية مسلم (١٧٢٣): «فَإِنْ جَاءَ أَحَدٌ يُخْبِرُكَ بِعَدَدِهَا وَوِعَائِهَا وَوِكَائِهَا، فَأَعْطِهَا إِيَّاهُ».
قَالَ الْحَافِظُ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِ ﵀ فِي [التَّمْهِيْدِ] (٣/ ١٠٧):
«وأجمعوا على أنَّ صاحبها إذا جاء فهو أحق بها من ملتقطها إذا ثبت له أنَّه صاحبها» اهـ.
قَالَ الْعَلَّامَةُ ابْنُ قُدَامَةَ ﵀ فِي [الْمُغْنِي] (١٢/ ٣٧٤):
«فصل: ولو جاء مدع للقطة، فلم يصفها، ولا أقام بينة أنَّها له، لم يجز دفعها إليه، سواء غلب على ظنه صدقه أو كذبه؛ لأنَّها أمانة، فلم يجز دفعها إلى من لم يثبت أنَّه صاحبها، كالوديعة، فإن دفعها، فجاء آخر فوصفها، أو أقام بينة لزم الواصف غرامتها له؛ لأنَّه فوتها على مالكها بتفريطه، وله الرجوع على مدعيها؛ لأنَّه أخذ مال غيره، ولصاحبها تضمين آخذها، فإذا ضمنه لم يرجع على أحد.
стр. 5373
وإن لم يأت أحد يدعيها فللملتقط مطالبة آخذها بها؛ لأنَّه لا يأمن مجيء صاحبها، فيغرمه إياها، ولأنَّها أمانة في يده، فملك أخذها من غاصبها، كالوديعة» اهـ.
٣٤ - وظاهره أنَّ اللقطة ترد إلى مالكها إذا جاء من غير عوض.
قَالَ الْعَلَّامَةُ ابْنُ قُدَامَةَ ﵀ فِي [الْمُغْنِي] (١٢/ ٤٠٢):
«فصل: ومن رد لقطة أو ضالة، أو عمل لغيره عملاً غير رد الآبق، بغير جعل، لم يستحق عوضاً.
لا نعلم في هذا خلافاً» اهـ.
٣٥ - وفيه أنَّ ضالة الإبل لا تؤخذ، ولا تعرف، وخالف في ذلك بعض العلماء.
قَالَ الْعَلَّامَةُ ابْنُ بَطَّالٍ ﵀ في [شَرْحِ الْبُخَارِي] (٦/ ٥٤٨):
«واختلفوا في ضالة الإبل هل تؤخذ؟ قال مالك، والأوزاعي، والشافعي: لا يأخذها ولا يعرفها؛ لنهيه ﵇ عن ضالة الإبل. وقال الليث: إن وجدها في القرى عرفها، وفي الصحراء لا يقربها. وقال الكوفيون: أخذ ضالة الإبل وتعريفها أفضل؛ لأنَّ تركها سبب لضياعها، قالوا: وأمر عمر بتعريف البعير يدل على جواز ذلك، وإنَّما النهى عن أخذها لمن يأكلها».
إِلَى أَنَ قَالَ ﵀ (٦/ ٥٤٩): «وظاهر الحديث على تركها حيث وجدها، والنهى عن أخذها» اهـ.
قُلْتُ: السنة صريحة في المنع من أخذها.
стр. 5374
وقد تنازع العلماء فيمن إذا أخذها ثم ردها هل يضمنها أو لا.
قَالَ الْعَلَّامَةُ ابْنُ قُدَامَةَ ﵀ فِي [الْمُغْنِي] (١٢/ ٤٢٨):
«فصل: فإن أخذ هذا الحيوان الذي لا يجوز أخذه على سبيل الالتقاط، ضمنه، إماماً كان أو غيره؛ لأنَّه أخذ ملك غيره بغير إذنه، ولا أذن الشارع له، فهو كالغاصب.
فإن رده إلى موضعه، لم يبرأ من الضمان. وبهذا قال الشافعي.
وقال مالك: يبرأ؛ لأنَّ عمر ﵁ قال: أرسله في الموضع الذي أصبته فيه.
وجرير طرد البقرة التي لحقت ببقره ولنا أن ما لزمه ضمانه لا يزول عنه إلَّا برده إلى صاحبه أو نائبه، كالمسروق والمغصوب.
وأمَّا حديث جرير، فإنَّه لم يأخذ البقرة، ولا أخذها راعيه، إنَّما لحقت بالبقر، فطردها عنها، فأشبه ما لو دخلت داره فأخرجها.
فعلى هذا، متى لم يأخذها بحيث ثبتت يده عليها، لا يلزمه ضمانها، سواء طردها أو لم يطردها.
وإن أخذها فلزمه ضمانها، فدفعها إلى الإمام أو نائبه، زال عنه الضمان؛ لأنَّ له نظرا في ضوال الناس، بدليل أنَّ له أخذها، فكان نائباً عن أصحابها فيها» اهـ.
قُلْتُ: أثر جرير لا يصح كما سبق بيان ذلك، وأثر عمر صحيح وقد سبق ذكره، والعمدة عليه في هذه المسألة. والله أعلم.
стр. 5375
٣٦ - ويستثنى من النهي عن أخذها ما إذا وجدها في موضع يخشى فيه من هلاكها.
قَالَ الْعَلَّامَةُ ابْنُ قُدَامَةَ ﵀ فِي [الْمُغْنِي] (١٢/ ٤٣٠):
«وإن وجدها في موضع يخاف عليها به، مثل أن يجدها بأرض مسبعة، يغلب على الظن أنَّ الأسد يفترسها إن تركت به، أو فرساً من دار الحرب، يخاف عليها من أهلها، أو بموضع يستحل أهله أموال المسلمين، كوادي التيم، أو في برية لا ماء بها ولا مرعى، فالأولى جواز أخذها للحفظ، ولا ضمان على آخذها؛ لأنَّ فيه إنقاذها من الهلاك، فأشبه تخليصها من غرق أو حريق فإذا حصلت في يده، سلمها إلى نائب الإمام، وبرئ من ضمانها، ولا يملكها بالتعريف؛ لأنَّ الشرع لم يرد بذلك فيها» اهـ.
٣٧ - وألحق جمع من العلماء بمعنى الحديث ما كان ممتنعاً عن السباع إمَّا بقوته، كالبقر، وإمَّا بعدوه، كالضباء، وإمَّا بطيرانه، كالطيور.
قَالَ الْعَلَّامَةُ ابْنُ قُدَامَةَ ﵀ فِي [الْمُغْنِي] (١٢/ ٤٢٣):
«وجملة ذلك أنَّ كل حيوان يقوى على الامتناع من صغار السباع، وورود الماء، لا يجوز التقاطه، ولا التعرض له، سواء كان لكبر جثته، كالإبل، والخيل، والبقر، أو لطيرانه كالطيور كلها، أو لسرعته، كالظباء والصيود، أو بنابه كالكلاب والفهود» اهـ.
стр. 5376
وَقَالَ الْعَلَّامَةُ ابْنُ عُثَيْمِيْنَ ﵀ فِي [الشَّرْحُ الْمُمْتِعِ] (١٠/ ٣٦٥):
«أمَّا البغل فإنَّه يمتنع وكذلك الحصان، وكذلك ما يمتنع من السبع الصغير بعَدْوِهِ كالظباء فإنَّه يمتنع من السبع الصغير بسرعته، وكذلك ما يمتنع من السبع الصغير بطيرانه كالحمام، إذاً ما امتنع من السبع الصغير لكبر جسمه أو لعَدْوه أو لطيرانه فإنَّه يحرم أخذه، هذا هو الضابط» اهـ.
قُلْتُ: وفي الحمر نزاع بين العلماء، وإلحاقها بالشاة أصح.
قَالَ الْعَلَّامَةُ ابْنُ قُدَامَةَ ﵀ فِي [الْمُغْنِي] (١٢/ ٤٢٦):
«أمَّا الحمر، فجعلها أصحابنا من هذا القسم الذي لا يجوز التقاطه؛ لأنَّ لها أجساماً عظيمة، فأشبهت البغال والخيل، ولأنَّها من الدواب، فأشبهت البغال.
والأولى إلحاقها بالشاة؛ لأنَّ النَّبي ﷺ علل الإبل بأنَّ معها حذاءها وسقاءها.
يريد شدة صبرها عن الماء؛ لكثرة ما توعي في بطونها منه، وقوتها على وروده.
وفي إباحة ضالة الغنم بأنَّها معرضة لأخذ الذئب إياها، بقوله: "هي لك، أو لأخيك، أو للذئب".
والحمر مساوية للشاة في علتها، فإنَّها لا تمتنع من الذئب، ومفارقة للإبل في علتها، فإنَّها لا صبر لها عن الماء، ولهذا يضرب المثل بقلة صبرها عنه، فيقال: ما بقي من مدته إلَّا ظمأُ حمار.
стр. 5377
وإلحاق الشيء بما ساواه في علة الحكم وفارقه في الصورة، أولى من إلحاقه بما قاربه في الصورة وفارقه في العلة» اهـ.
قُلْتُ: وفي البقر نزاع بين العلماء، وإلحاقها بالإبل أصح.
قَالَ الْعَلَّامَةُ ابْنُ بَطَّالٍ ﵀ في [شَرْحِ الْبُخَارِي] (٦/ ٥٤٩):
«قال ابن المنذر: وممن رأى أنَّ ضالة البقر كضالة الإبل: طاووس، والأوزاعي، والشافعي. وقال مالك والشافعي في ضالة البقر: إن وجدت بموضع يخاف عليها فهي بمنزلة الشاة، وإن كانت بموضع لا يخاف عليها فهي بمنزلة البعير. قال ابن حبيب: والخيل والبغال والعبيد وكل ما يستقل بنفسه ويذهب هو داخل في اسم الضالة، وقد شدد رسول الله في أخذ كل ما يرجى أن يصل إلى صاحبه» اهـ.
وَقَالَ الْعَلَّامَةُ ابْنُ قُدَامَةَ ﵀ فِي [الْمُغْنِي] (١٢/ ٤٢٦):
«فصل: والبقرة كالإبل. نص عليه أحمد. وهو قول الشافعي، وأبي عبيد.
وحكي عن مالك أنَّ البقرة كالشاة ولنا، خبر جرير فإنَّه طرد البقرة ولم يأخذها، ولأنَّها تمتنع عن صغار السباع، وتجزئ في الأضحية والهدي عن سبعة، فأشبهت الإبل» اهـ.
قُلْتُ: ويلحق بالإبل الأشياء الكبيرة التي لا تكاد تضيع عن صاحبها، كالسيارات، واسطوانات الغاز، والمولدات الكهربائية، وغير ذلك.
قَالَ الْعَلَّامَةُ ابْنُ قُدَامَةَ ﵀ فِي [الْمُغْنِي] (١٢/ ٤٢٦ - ٤٢٧):
стр. 5378
«فأمَّا غير الحيوان، فما كان منه ينحفظ بنفسه، كأحجار الطواحين، والكبير من الخشب، وقدور النحاس، فهو كالإبل في تحريم أخذه، بل أولى منه؛ لأنَّ الإبل تتعرض في الجملة للتلف.
إمَّا بالأسد، وإمَّا بالجوع أو العطش، وغير ذلك، وهذه بخلاف ذلك، ولأنَّ هذه لا تكاد تضيع عن صاحبها ولا تبرح من مكانها بخلاف الحيوان، فإذا حرم أخذ الحيوان، فهذه أولى» اهـ.
٣٨ - وفيه جواز أخذ ضالة الغنم.
وقد جاء الأمر بأخذها في حديث الباب في قوله: «خُذْهَا فَإِنَّمَا هِيَ لَكَ أَوْ لِأَخِيكَ أَوْ لِلذِّئْبِ».
وفيه رد على إحدى الروايتين عن الإمام أحمد في قوله بترك التقاط الشاة.
قُلْتُ: ويلحق بذلك كل ما لا يمتنع من الحيوان.
قَالَ الْعَلَّامَةُ ابْنُ قُدَامَةَ ﵀ فِي [الْمُغْنِي] (١٢/ ٤١٦):
«مسألة قال: "وإذا وجد الشاة بمصر، أو بمهلكة، فهي لقطة". يعني أنَّه يباح أخذها والتقاطها، وحكمها إذا أخذها حكم الذهب والفضة، في التعريف والملك بعده.
هذا الصحيح من مذهب أحمد، وقول أكثر أهل العلم.
قال ابن عبد البر: أجمعوا على أنَّ ضالة الغنم في الموضع المخوف عليها له أكلها، وكذلك الحكم في كل حيوان لا يمتنع بنفسه من صغار السباع، وهي الثعلب،
стр. 5379
وابن آوى، والذئب، وولد الأسد ونحوها فما لا يمتنع منها، كفصلان الإبل، وعجول البقر، وأفلاء الخيل، والدجاج، والإوز ونحوها، يجوز التقاطه.
ويروى عن أحمد رواية أخرى، ليس لغير الإمام التقاطها.
وقال الليث بن سعد: لا أحب أن يقربها، إلا أن يحوزها لصاحبها؛ لقول رسول الله ﷺ : "لا يؤوي الضالة إلَّا ضال".
ولأنَّه حيوان أشبه الإبل.
ولنا قول النبي ﷺ لما سئل عن الشاة: "خذها، فإنَّما هي لك أو لأخيك أو للذئب".
متفق عليه؛ ولأنَّه يخشى عليه التلف والضياع، فأشبه لقطة غير الحيوان، وحديثنا أخص من حديثهم، فنخصه به، والقياس على الإبل لا يصح؛ فإنَّ النبي ﷺ علل منع التقاطها بأنَّ معها حذاءها وسقاءها، وهذا معدوم في الغنم، ثم قد فرق النبي ﷺ بينهما في خبر واحد، فلا يجوز الجمع بين ما فرق الشارع بينهما، ولا قياس ما أمر بالتقاطه على ما منع ذلك فيه» اهـ.
قُلْتُ: ويلحق بذلك أيضاً العبد الآبق من حيث الالتقاط، لا الامتلاك بعد التعريف.
قَالَ الْعَلَّامَةُ ابْنُ قُدَامَةَ ﵀ فِي [الْمُغْنِي] (١٢/ ٤٠٦):
стр. 5380
«فصل: ويجوز أخذ الآبق لمن وجده. وبهذا قال مالك، والشافعي، وأصحاب الرأي.
ولا نعلم فيه خلافاً؛ وذلك لأنَّ العبد لا يؤمن لحاقه بدار الحرب، وارتداده، واشتغاله بالفساد في سائر البلاد، بخلاف الضوال التي تحفظ نفسها.
فإذا أخذه فهو أمانة في يده، إن تلف بغير تفريطه، فلا ضمان عليه، وإن وجد صاحبه، دفعه إليه إذا أقام به البينة، أو اعترف العبد أنَّه سيده.
وإن لم يجد سيده، دفعه إلى الإمام أو نائبه، فيحفظه لصاحبه، أو يبيعه إن رأى المصلحة في بيعه، ونحو ذلك قال مالك، وأصحاب الرأي، ولا نعلم فيه مخالفاً، وليس لملتقطه بيعه ولا تملكه بعد تعريفه؛ لأنَّ العبد ينحفظ بنفسه، فهو كضوال الإبل.
فإن باعه، فالبيع فاسد، في قول عامة أهل العلم، منهم؛ أبو حنيفة والشافعي.
وإن باعه الإمام لمصلحة رآها في بيعه، فجاء سيده فاعترف أنَّه كان أعتقه، قبل منه؛ لأنَّه لا يجر إلى نفسه بهذا نفعاً، ولا يدفع عنها ضرراً.
ويحتمل أن لا يقبل؛ لأنَّه ملك لغيره، فلا يقبل إقراره في ملك غيره، كما لو باعه السيد ثم أقر بعتقه.
فعلى هذا ليس لسيده أخذ ثمنه؛ لأنَّه يقر أنَّه حر ولا يستحق ثمنه، ولكن يؤخذ إلى بيت المال؛ لأنَّه لا مستحق له، فهو كتركة من مات ولا وارث له.
فإن عاد السيد فأنكر العتق، وطلب المال، دفع إليه؛ لأنَّه مال لا منازع له فيه» اهـ.
стр. 5381
قُلْتُ: وأمَّا إذا كان الملتقط صغيراً فهو محكوم بحريته.
قَالَ الْعَلَّامَةُ ابْنُ قُدَامَةَ ﵀ فِي [الْمُغْنِي] (١٢/ ٤٣٥):
«فصل: ذكر القاضي فيما إذا التقط عبدا صغيراً، أو جارية، أنَّ قياس المذهب أنَّه لا يملك بالتعريف.
وقال الشافعي: يملك العبد دون الجارية، لأنَّ التملك بالتعريف عنده اقتراض، والجارية عنده لا تملك بالقرض.
وهذه المسألة فيها نظر؛ فإنَّ اللقيط محكوم بحريته، فإن كان ممن يعبر عن نفسه، فأقر بأنَّه مملوك، لم يقبل إقراره؛ لأنَّ الطفل لا قول له، ولو اعتبر قوله في ذلك، لاعتبر في تعريفه سيده. والله أعلم» اهـ.
قُلْتُ: هذا قول جيد. والله أعلم.
٣٩ - واحتج به على أنَّه لا يجب التعريف في ضالة الغنم.
وذهب الجمهور إلى وجوبه.
قَالَ الْعَلَّامَةُ ابْنُ قُدَامَةَ ﵀ فِي [الْمُغْنِي] (١٢/ ٤١٦ - ٤١٧):
«إذا ثبت هذا، فلا فرق بين أن يجدها بمصر أو بمهلكة.
وقال مالك، وأبو عبيد، وابن المنذر، في الشاة توجد في الصحراء: اذبحها، وكلها.
وفي المصر: ضمها حتى يجدها صاحبها؛ لأنَّ النبي ﷺ قال: "هي لك، أو لأخيك، أو للذئب". والذئب لا يكون في المصر.
стр. 5382
ولنا أنَّ النبي ﷺ قال: "خذها". ولم يفرق، ولم يستفصل، ولو افترق الحال لسأل واستفصل، ولأنَّها لقطة، فاستوى فيها المصر والصحراء، كسائر اللقطات.
وقولهم: إنَّ الذئب لا يكون إلَّا في الصحراء.
قلنا: كونها للذئب في الصحراء لا يمنع كونها لغيره في المصر» اهـ.
وقد سبق قول الْعَلَّامَةِ ابْنِ قُدَامَةَ ﵀ فِي [الْمُغْنِي] (١٢/ ٤١٦):
«مسألة قال: "وإذا وجد الشاة بمصر، أو بمهلكة، فهي لقطة". يعني أنَّه يباح أخذها والتقاطها، وحكمها إذا أخذها حكم الذهب والفضة، في التعريف والملك بعده.
هذا الصحيح من مذهب أحمد، وقول أكثر أهل العلم».
إِلِى أَنْ قَالَ: «ويروى عن أحمد رواية أخرى، ليس لغير الإمام التقاطها.
وقال الليث بن سعد: لا أحب أن يقربها، إلَّا أن يحوزها لصاحبها» اهـ.
قُلْتُ: الصحيح وجوب التعريف كما يدل عليه ما رواه أحمد (٦٦٨٣، ٦٨٩١)، وأبو داود (١٧١٣) مِنْ طَرِيْقِ ابْنِ إِسْحَاقَ، عَنْ عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ جَدِّهِ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ بِهَذَا، قَالَ فِي ضَالَّةِ الشَّاءِ: «فَاجْمَعْهَا حَتَّى يَأْتِيَهَا بَاغِيهَا». أي اجمعها مع غنمك.
قُلْتُ: فيه عنعنة ابن إسحاق. لكن تابعه الوليد بن كثير عند البيهقي في [الْكُبْرَى] (١١٨٤٨) فَالْحَدِيْثُ حَسَنٌ. ولابن إسحاق متابعة أخرى، فقد رواه الدارقطني
стр. 5383
في [سُنَنِهِ] (٤٥٧٠)، والبيهقي في [الْكُبْرَى] (٧٤٣٠)، والطحاوي في [شَرْحِ مُشْكِلِ الآثَارِ] (٤٧٣٠)، و [شَرْحِ مَعَانِي الآثَارِ] (٦٠٧١) مِنْ طَرِيْقِ عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ أَنَّ رَجُلًا مِنْ مُزَيْنَةَ أَتَى رَسُولَ اللهِ ﷺ فَسَأَلَهُ فَقَالَ لَهُ: يَا نَبِيَّ اللهِ كَيْفَ تَرَى فِي ضَالَّةِ الْغَنَمِ؟. فَقَالَ: «طَعَامٌ مَأْكُولٌ لَكَ أَوْ لِأَخِيكَ أَوْ لِلذِّئْبِ احْبِسْ عَلَى أَخِيكَ ضَالَّتَهُ».
قُلْتُ: إِسْنَادُهُ حَسَنٌ.
وهذا يدل على أنَّ حق صاحب الشاة ما زال باقياً بعد التقاطها، فإذا كان كذلك وجب تعريفها حتى يسهل معرفة مالكها لها.
ويدل على ذلك أيضاً ما رواه مسلم (١٧٢٥) عَنْ زَيْدِ بْنِ خَالِدٍ الْجُهَنِيِّ، عَنْ رَسُولِ اللهِ ﷺ أَنَّهُ قَالَ: «مَنْ آوَى ضَالَّةً فَهُوَ ضَالٌّ، مَا لَمْ يُعَرِّفْهَا».
٤٠ - وقوله في الحديث: «هِيَ لَكَ». يدل على جواز أكلها بعد أخذها، وذلك لأنَّ النبي ﷺ جعلها لآخذها في الحال ولم يعلق ذلك بالتعريف.
قَالَ الْعَلَّامَةُ ابْنُ قُدَامَةَ ﵀ فِي [الْمُغْنِي] (١٢/ ٤١٨):
«فصل: ويتخير ملتقطها بين ثلاثة أشياء؛ أكلها في الحال.
وبهذا قال مالك، وأبو حنيفة، والشافعي، وغيرهم.
قال ابن عبد البر: أجمعوا على أنَّ ضالة الغنم، في الموضع المخوف عليها، له أكلها.
стр. 5384
والأصل في ذلك قول النبي ﷺ : "هي لك، أو لأخيك، أو للذئب".
فجعلها له في الحال، وسوى بينه وبين الذئب، والذئب لا يستأني بأكلها، ولأنَّ في أكلها في الحال إغناء عن الإنفاق عليها، وحراسة لماليتها على صاحبها إذا جاء.
فإنَّه يأخذ قيمتها بكمالها من غير نقص، وفي إبقائها تضييع للمال بالإنفاق عليها، والغرامة في علفها، فكان أكلها أولى» اهـ.
قُلْتُ: وبقية الثلاثة الأشياء ذكرها بعد ذلك فقال (١٢/ ٤١٩ - ٤٢٠):
«الثاني، أن يمسكها على صاحبها، وينفق عليها من ماله، ولا يتملكها.
وإن أحب أن ينفق عليها محتسباً بالنفقة على مالكها، وأشهد على ذلك، فهل له أن يرجع بالنفقة؟ على روايتين إحداهما: يرجع به نص عليه، في رواية المروذي، في طيرة أفرخت عند قوم، فقضى أنَّ الفراخ لصاحب الطيرة، ويرجع بالعلف إذا لم يكن متطوعاً.
وقضى عمر بن عبد العزيز في من وجد ضالة، فأنفق عليها، وجاء ربها، بأنَّه يغرم له ما أنفق؛ وذلك لأنَّه أنفق على اللقطة لحفظها، فكان من مال صاحبها، كمؤنة الرطب والعنب.
والرواية الثانية، لا يرجع بشيء. وهو قول الشعبي، والشافعي.
ولم يعجب الشعبي قضاء عمر بن عبد العزيز؛ لأنَّه أنفق على مال غيره بغير إذنه، فلم يرجع.
стр. 5385
كما لو بني داره، ويفارق العنب والرطب، فإنَّه ربما كان تجفيفه والإنفاق عليه في ذلك أحظ لصاحبه؛ لأنَّ النفقة لا تتكرر، والحيوان يتكرر الإنفاق عليه، فربما استغرق قيمته، فكان بيعه أو أكله أحظ، فلذلك لم يحتسب المنفق عليها بما أنفق.
الثالث: أن يبيعها ويحفظ ثمنها لصاحبها، وله أن يتولى ذلك بنفسه.
وقال بعض أصحاب الشافعي: يبيعها بإذن الإمام.
ولنا أنَّه إذا جاز له أكلها بغير إذن، فبيعها أولى.
ولم يذكر أصحابنا لها تعريفاً في هذه المواضع وهذا قول مالك؛ لحديث زيد بن خالد؛ فإنَّه ﷺ قال: "خذها، فإنَّما هي لك، أو لأخيك، أو للذئب".
ولم يأمر بتعريفها، كما أمر في لقطة الذهب والورق.
ولنا أنَّها لقطة لها خطر، فوجب تعريفها، كالمطعوم الكثير، وإنَّما ترك ذكر تعريفها لأنَّه ذكرها بعد بيانه التعريف فيما سواها، فاستغني بذلك عن ذكره فيها، ولا يلزم من جواز التصرف فيها في الحول سقوط التعريف، كالمطعوم» اهـ.
قُلْتُ: الذي يظهر لي أنَّه إذا أراد حفظها حتى يأتي صاحبها فإنَّه لا يرجع عليه بالنفقة، وله أن ينتفع بلبنها وصوفها، وظهرها مقابل نفقته عليها، ويشبه ذلك ما رواه البخاري (٢٥١٢) عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى
стр. 5386
اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «الرَّهْنُ يُرْكَبُ بِنَفَقَتِهِ، إِذَا كَانَ مَرْهُونًا، وَلَبَنُ الدَّرِّ يُشْرَبُ بِنَفَقَتِهِ، إِذَا كَانَ مَرْهُونًا، وَعَلَى الَّذِي يَرْكَبُ وَيَشْرَبُ النَّفَقَةُ» والله أعلم.
قَالَ الْحَافِظُ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِ ﵀ فِي [التَّمْهِيْدِ] (٣/ ١٢٤):
«قال مالك: ولا أرى بأساً أن يصيب من نسلها ولبنها بنحو قيامه عليها» اهـ.
قُلْتُ: ويشكل على القول بجواز أكلها ما سبق في قول النبي ﷺ : «فَاجْمَعْهَا حَتَّى يَأْتِيَهَا بَاغِيهَا». أي اجمعها مع غنمك. فإنَّه يدل على عدم التصرف بها ببيع، ولا أكل، ولا غير ذلك.
ويمكن حمل الحديث على ما إذا لم يكن هناك ضرر في إبقائها، فإمَّا إذا وجد الضرر في إبقائها من حيث كلفة النفقة عليها فله حينئذٍ أكلها، أو بيعها والاحتفاظ بثمنها، أو يقال الأمر بجمعها على سبيل الاستحباب لا الوجوب، وقد جاء في بعض ألفاظ حديث عبد الله بن عمرو بن العاص: «طَعَامٌ مَأْكُولٌ لَكَ أَوْ لِأَخِيكَ أَوْ لِلذِّئْبِ، احْبِسْ عَلَى أَخِيكَ ضَالَّتَهُ». وَهُوَ حَدِيْثٌ حَسَنٌ، وقد مضى القول فيه.
فقوله: «طَعَامٌ مَأْكُولٌ لَكَ» يدل على جواز أكلها، وقوله بعد ذلك: «احْبِسْ عَلَى أَخِيكَ ضَالَّتَهُ». محمول على حبس قيمتها بعد أكلها. والله أعلم.
وَقَالَ الْعَلَّامَةُ ابْنُ الْقَيِّمِ ﵀ فِي [زَادِ الْمَعَادِ] (٣/ ٦٥٩ - ٦٦٢):
«واستدل بهذا بعض أصحابنا على أنَّ الشاة ونحوها مما يجوز التقاطه يخير الملتقط بين أكله في الحال، وعليه قيمته، وبين بيعه وحفظ ثمنه، وبين تركه والإنفاق عليه من ماله، وهل يرجع به؟ على وجهين، لأنَّه ﷺ جعلها له، إلَّا
стр. 5387
أن يظهر صاحبها، وإذا كانت له، خير بين هذه الثلاثة، فإذا ظهر صاحبها، دفعها إليه أو قيمتها، وأمَّا متقدمو أصحاب أحمد، فعلى خلاف هذا، قال أبو الحسين: لا يتصرف فيها قبل الحول رواية واحدة، قال: وإن قلنا: يأخذ ما لا يستقل بنفسه كالغنم، فإنَّه لا يتصرف بأكل ولا غيره رواية واحدة، وكذلك قال ابن عقيل، ونص أحمد في رواية أبي طالب في الشاة: يعرفها سنة، فإن جاء صاحبها ردها إليه، وكذلك قال الشريفان: لا يملك الشاة قبل الحول رواية واحدة. وقال أبو بكر: وضالة الغنم إذا أخذها يعرفها سنة، وهو الواجب، فإذا مضت السنة ولم يعرف صاحبها، كانت له، والأول أفقه وأقرب إلى مصلحة الملتقط والمالك، إذ قد يكون تعريفها سنة مستلزماً لتغريم مالكها أضعاف قيمتها إن قلنا: يرجع عليه بنفقتها، وإن قلنا: لا يرجع، استلزم تغريم الملتقط ذلك، وإن قيل: يدعها ولا يلتقطها، كانت للذئب وتلفت، والشارع لا يأمر بضياع المال.
فإن قيل: فهذا الذي رجحتموه مخالف لنصوص أحمد وأقوال أصحابه، وللدليل أيضاً.
أمَّا مخالفة نصوص أحمد، فمما تقدم حكايته في رواية أبي طالب، ونص أيضاً في روايته في مضطر وجد شاة مذبوحة وشاة ميتة، قال: يأكل من الميتة، ولا يأكل من المذبوحة، الميتة أحلت، والمذبوحة لها صاحب قد ذبحها، يريد أن يعرفها، ويطلب صاحبها، فإذا أوجب إبقاء المذبوحة على حالها، فإبقاء الشاة الحية بطريق
стр. 5388
الأولى، وأمَّا مخالفة كلام الأصحاب فقد تقدم، وأمَّا مخالفة الدليل، ففي حديث عبد الله بن عمرو: يا رسول الله؛ كيف ترى في ضالة الغنم؟ فقال: "هي لك، أو لأخيك، أو للذئب، احبس على أخيك ضالته". وفى لفظ: "رد على أخيك ضالته"، وهذا يمنع البيع والذبح.
قيل: ليس في نص أحمد أكثر من التعريف، ومن يقول: إنَّه مخير بين أكلها وبيعها وحفظها، لا يقول بسقوط التعريف، بل يعرفها مع ذلك، وقد عرف شيتها وعلامتها، فإن ظهر صاحبها أعطاه القيمة. فقول أحمد: يعرفها أعم من تعريفها وهي باقية، أو تعريفها وهي مضمونة في الذمة لمصلحة صاحبها وملتقطها، ولا سيما إذا التقطها في السفر، فإنَّ في إيجاب تعريفها سنة من الحرج والمشقة ما لا يرضى به الشارع، وفي تركها من تعريضها للإضاعة والهلاك ما ينافي أمره بأخذها، وإخباره أنَّه إن لم يأخذها كانت للذئب، فيتعين ولا بد: إمَّا بيعها وحفظ ثمنها، وإمَّا أكلها وضمان قيمتها أو مثلها.
وأمَّا مخالفة الأصحاب، فالذي اختار التخيير من أكبر أئمة الأصحاب، ومن يقاس بشيوخ المذهب الكبار الأجلاء، وهو أبو محمد المقدسي قدس الله روحه، ولقد أحسن في اختياره التخيير كل الإحسان.
وأمَّا مخالفة الدليل، فأين في الدليل الشرعي المنع من التصرف في الشاة الملتقطة في المفازة وفي السفر بالبيع والأكل، وإيجاب تعريفها والإنفاق عليها سنة مع الرجوع بالإنفاق، أو مع عدمه؟ هذا ما لا تأتي به شريعة فضلاً أن يقوم عليه دليل، وقوله
стр. 5389
ﷺ : "احبس على أخيك ضالته" صريح في أنَّ المراد به أن لا يستأثر بها دونه، ويزيل حقه، فإذا كان بيعها وحفظ ثمنها خيراً له من تعريفها سنة، والإنفاق عليها، وتغريم صاحبها أضعاف قيمتها، كان حبسها وردها عليه هو بالتخيير الذي يكون له فيه الحظ، والحديث يقتضيه بفحواه وقوته، وهذا ظاهر. وبالله التوفيق» اهـ.
٤١ - قَالَ الْحِافِظُ ابْنُ حَجَرٍ ﵀ فِي [فَتْحِ الْبَارِي] (٥/ ٨٢):
«وتمسك به مالك في أنَّه يملكها بالأخذ ولا يلزمه غرامة ولو جاء صاحبها، واحتج له بالتسوية بين الذئب والملتقط والذئب لا غرامة عليه فكذلك الملتقط، وأجيب بأنَّ اللام ليست للتمليك لأنَّ الذئب لا يملك، وإنَّما يملكها الملتقط على شرط ضمانها، وقد أجمعوا على أنَّه لو جاء صاحبها قبل أن يأكلها الملتقط لأخذها فدل على أنَّها باقية على ملك صاحبها، ولا فرق بين قوله في الشاة: "هي لك، أو لأخيك، أو للذئب"، وبين قوله في اللقطة: "شأنك بها"، أو: "خذها". بل هو أشبه بالتملك لأنَّه لم يشرك معه ذئباً، ولا غيره، ومع ذلك فقالوا في النفقة: يغرمها إذا تصرف فيها ثم جاء صاحبها» اهـ.
وقَالَ الْحَافِظُ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِ ﵀ فِي [التَّمْهِيْدِ] (٣/ ١٢٦ - ١٢٧):
«ومن حجة مالك قوله ﷺ : "هي لك أو لأخيك" لأنَّه يحتمل أن يريد بذكر الأخ صاحبها ويحتمل أن يريد لك أو لغيرك من الناس الواجدين لها
стр. 5390
وأي الوجهين كان فالظاهر من قوله: "أو للذئب". يوجب تلفها، أي: إن لم تأخذها أنت ولا مثلك أكلها الذئب، وأنت ومثلك أولى من الذئب، فكان النبي ﷺ جعلها طعمة لمن وجدها فإذا كان ذلك كذلك، فلا وجه للضمان في طعمة أطعمها رسول الله ﷺ . وقد شبهها بعض المتأخرين من أصحابه بالركاز وهذا بعيد لأنَّ الركاز لم يصح عليه ملك لأحد قبل.
ويجوز أن يحتج أيضاً لمالك في ترك تضمين آكلها بإجماعهم على إباحة أكلها واختلافهم في ضمانها والاختلاف لا يوجب فرضاً لم يكن واجباً وهذا الاحتجاج مخالف لأصول مالك ومذهبه، وقد قال ﷺ : "هي لك، أو لأخيك، أو للذئب". ولم يقل ذلك في الإبل ولا في اللقطة وذلك فرق بين إن شاء الله.
هذا مما يمكن أن يحتج به لمالك في ذلك، وفي المسألة نظر والصحيح ما قدمت لك وبالله التوفيق» اهـ.
قُلْتُ: والذي قدمه هو قوله (٣/ ١٢٦):
«في قوله ﷺ : "رد على أخيك ضالته" من حديث عبد الله بن عمرو بن العاص دليل على أنَّ الشاة على ملك صاحبها، وذلك يوجب الضمان على آكلها» اهـ.
وَقَالَ الْعَلَّامَةُ ابْنُ قُدَامَةَ ﵀ فِي [الْمُغْنِي] (١٢/ ٤١٨ - ٤١٩):
стр. 5391
«ومتى أراد أكلها حفظ صفتها، فمتى جاء صاحبها غرمها له، في قول عامة أهل العلم، إلَّا مالكاً، فإنَّه قال: كلها، ولا غرم عليك لصاحبها ولا تعريف؛ لقول النبي ﷺ : "هي لك".
ولم يوجب فيها تعريفاً ولا غرماً، وسوى بينه وبين الذئب، والذئب لا يعرف ولا يغرم.
قال ابن عبد البر: لم يوافق مالكاً أحد من العلماء على قوله.
وقول النبي ﷺ في حديث عبد الله بن عمرو: "رد على أخيك ضالته" دليل على أنَّ الشاة على ملك صاحبها، ولأنَّها لقطة لها قيمة، وتتبعها النفس، فتجب غرامتها لصاحبها إذا جاء كغيرها، ولأنَّها ملك لصاحبها، فلم يجز تملكها عليه بغير عوض من غير رضاه، كما لو كانت بين البنيان، ولأنَّها عين يجب ردها مع بقائها، فوجب غرمها إذا أتلفها، كلقطة الذهب.
وقول النبي ﷺ : "هي لك". لا يمنع وجوب غرامتها، فإنَّه قد أذن في لقطة الذهب والورق بعد تعريفها، في أكلها وإنفاقها، وقال: "هي كسائر مالك".
ثم أجمعنا على وجوب غرامتها، كذلك الشاة، ولا فرق في إباحة أكلها بين وجدانها في الصحراء أو في المصر. وقال مالك، وأبو عبيد، وأصحاب الشافعي، وابن المنذر: ليس له أكلها في المصر؛ لأنَّه يمكن بيعها، بخلاف الصحراء.
стр. 5392
ولنا أن ما جاز أكله في الصحراء، أبيح في المصر، كسائر المأكولات، ولأنَّ النبي ﷺ قال: "هي لك".
ولم يفرق، ولأنَّ أكلها معلل بما ذكرنا من الاستغناء عن الإنفاق عليها، وهذا في المصر أشد منه في الصحراء» اهـ.
قُلْتُ: القول بلزوم الغرامة إن جاء صاحبها، هو الأقوى، ويدل عليه حديث عبد الله بن عمرو بن العاص الذي سبق ذكره في الفقرة الماضية. والله أعلم.
وَقَالَ الْعَلَّامَةُ ابْنُ بَطَّالٍ ﵀ فِي [شَرْحِ الْبُخَارِي] (٦/ ٥٥١) - بعد ذكره لحديث عبد الله بن عمرو بن العاص -:
«فهذا دليل على أنَّ الشاة على ملك صاحبها. وأجمع العلماء أنَّ صاحبها لو جاء قبل أن يأكلها الواجد لها أخذها منه، وكذلك لو ذبحها أخذها منه مذبوحة، وكذلك لو أكل بعضها أخذ ما وجد منها، فدل على أنَّها على ملك صاحبها في الفلوات وغيرها، ولا يزول ملكه عنها إلَّا بإجماع، ولا فرق بين قوله في الشاة: "هي لك، أو لأخيك، أو للذئب" وبين قوله في اللقطة: "فشأنك بها" بل هذا أشبه بالتمليك؛ لأنَّه لم يشرك معه في لفظ التمليك ذئباً ولا غيره» اهـ.
٤٢ - وظاهر الحديث أنَّه لا يجب الإشهاد على اللقطة لعدم الأمر بذلك.
قُلْتُ: وقد جاء الأمر بذلك في حديث آخر، وهو ما رواه أحمد (١٧٥١٦، ١٨٣٦٩)، وأبو داود (١٧٠٩)، وابن ماجة (٢٥٠٥)، والنسائي في [الْكُبْرَى] (٥٩٦٨) مِنْ طَرِيْقِ خَالِدٌ، عَنْ يَزِيدَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الشِّخِّيرِ، عَنْ أَخِيهِ مُطَرِّفِ بْنِ
стр. 5393
عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الشِّخِّيرِ، عَنْ عِيَاضِ بْنِ حِمَارٍ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «مَنْ وَجَدَ لُقَطَةً، فَلْيُشْهِدْ ذَوَيْ عَدْلٍ، وَلْيَحْفَظْ عِفَاصَهَا وَوِكَاءَهَا، فَإِنْ جَاءَ صَاحِبُهَا، فَلَا يَكْتُمْ، وَهُوَ أَحَقُّ بِهَا، وَإِنْ لَمْ يَجِئْ صَاحِبُهَا، فَإِنَّهُ مَالُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشَاءُ».
قُلْتُ: هَذَا حَدِيْثٌ صَحِيْحٌ. وخالد هو ابن مهران الحذاء.
قَالَ الْعَلَّامَةُ الْخَطَّابِي ﵀ فِي [مَعَالِمِ الْسُّنَنِ] (٢/ ٩٠):
«قوله: "فليشهد". أمر تأديب وإرشاد وذلك لمعنيين:
أحدهما: ما يتخوفه في العاجل من تسويل النفس وانبعاث الرغبة فيها فتدعوه إلى الخيانة بعد الأمانة، والآخر ما لا يؤمن من حدوث المنية به فيدعيها ورثته ويحوزونها في جملة تركته» اهـ.
وَقَالَ الْعَلَّامَةُ الْقُرْطُبِي ﵀ فِي [الْمُفْهِم] (١٦/ ٩٧):
«وقوله: "فليشهد ذوي عدلٍ"؛ أمرٌ للملتقط بأن يشهد على نفسه بأنَّه وجد كذا على جهة الاحتياط للُّقطة مخافة شيءٍ يطرأ على الملتقط من موت، أو آفة، أو طروء خاطر خيانةٍ» اهـ.
وَقَالَ الْعَلَّامَةُ ابْنُ قُدَامَةَ ﵀ فِي [الْمُغْنِي] (١٢/ ٣٦٨):
«فصل: ويستحب أن يشهد عليها حين يجدها.
قال أحمد، ﵀: لا أحب أن يمسها حتى يشهد عليها.
стр. 5394
فظاهر هذا أنَّه مستحب غير واجب، وأنَّه إن لم يشهد عليها لا ضمان عليه. وبهذا قال مالك والشافعي.
وقال أبو حنيفة: إذا لم يشهد عليها ضمنها؛ لقول رسول الله ﷺ : "من وجد لقطة، فليشهد ذا عدل، أو ذوي عدل".
وهذا أمر يقتضي الوجوب، ولأنَّه إذا لم يشهد كان الظاهر أنَّه أخذها لنفسه.
ولنا خبر زيد بن خالد، وأبي بن كعب، فإنَّه أمرهما بالتعريف دون الإشهاد، ولا يجوز تأخير البيان عن وقت الحاجة، فلو كان واجباً لبينه النبي ﷺ سيما وقد سئل عن حكم اللقطة فلم يكن ليخل بذكر الواجب فيها، فيتعين حمل الأمر في حديث عياض على الندب والاستحباب، ولأنَّه أخذ أمانة، فلم يفتقر إلى الإشهاد، كالوديعة. والمعنى الذي ذكروه غير صحيح، فإنَّه إذا حفظها وعرفها فلم يأخذها لنفسه، وفائدة الإشهاد صيانة نفسه عن الطمع فيها، وكتمها وحفظها من ورثته إن مات، ومن غرمائه إن أفلس.
وإذا أشهد عليها، لم يذكر للشهود صفاتها، لئلا ينتشر ذلك فيدعيها من لا يستحقها، ويذكر صفاتها، كما قلنا في التعريف، ولكن يذكر للشهود ما يذكره في التعريف من الجنس والنوع.
قال أحمد، في رواية صالح، وقد سأله: إذا أشهد عليها هل يبين كم هي؟ قال: لا، ولكن يقول: قد أصبت لقطة» اهـ.
٤٣ - وفي الحديث إبطال لمن يدعي معرفة علم الغيب.
стр. 5395
قَالَ الْحَافِظُ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِ ﵀ فِي [التَّمْهِيْدِ] (٣/ ١٢٣):
«وقال بعض أهل العلم في قول رسول الله ﷺ للسائل عن اللقطة: "اعرف عفاصها ووكاءها فإن جاء صاحبها وعرفها" يعني بعلاماتها دليل بين على إبطال قول كل من ادعى علم الغيب في الأشياء كلها من الكهنة وأهل التنجيم وغيرهم؛ لأنَّه لو علم ﷺ أنَّه يوصل إلى علم ذلك من هذه الوجوه لم يكن لقوله ﷺ في معرفة علاماتها وجه والله أعلم» اهـ.
فائدة: إذا وجد اللقطة في طريق بين مدينتين عرفها فيهما.
قَالَ الْعَلَّامَةُ الْقَرَافِيُّ ﵀ فِي [الذَّخِيرَةِ] (٩/ ١١٠):
«وَإِنْ وَجَدَهَا فِي طَرِيقٍ بَيْنَ مدينتين عرفهَا فيهمَا لعدم تعين أَحدهمَا» اهـ.
وذكر ذلك غيره من علماء المالكية.
следующие страницы →