← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 30178

تحفة السائل في بيان ما في عمدة الأحكام من المسائل

أبو بكر الحمادي

Полный текст (8 095 стр.). Показаны 5391–5430 · переход к 5396.

стр. 5391

«ومتى أراد أكلها حفظ صفتها، فمتى جاء صاحبها غرمها له، في قول عامة أهل العلم، إلَّا مالكاً، فإنَّه قال: كلها، ولا غرم عليك لصاحبها ولا تعريف؛ لقول النبي ﷺ : "هي لك". ولم يوجب فيها تعريفاً ولا غرماً، وسوى بينه وبين الذئب، والذئب لا يعرف ولا يغرم. قال ابن عبد البر: لم يوافق مالكاً أحد من العلماء على قوله. وقول النبي ﷺ في حديث عبد الله بن عمرو: "رد على أخيك ضالته" دليل على أنَّ الشاة على ملك صاحبها، ولأنَّها لقطة لها قيمة، وتتبعها النفس، فتجب غرامتها لصاحبها إذا جاء كغيرها، ولأنَّها ملك لصاحبها، فلم يجز تملكها عليه بغير عوض من غير رضاه، كما لو كانت بين البنيان، ولأنَّها عين يجب ردها مع بقائها، فوجب غرمها إذا أتلفها، كلقطة الذهب. وقول النبي ﷺ : "هي لك". لا يمنع وجوب غرامتها، فإنَّه قد أذن في لقطة الذهب والورق بعد تعريفها، في أكلها وإنفاقها، وقال: "هي كسائر مالك". ثم أجمعنا على وجوب غرامتها، كذلك الشاة، ولا فرق في إباحة أكلها بين وجدانها في الصحراء أو في المصر. وقال مالك، وأبو عبيد، وأصحاب الشافعي، وابن المنذر: ليس له أكلها في المصر؛ لأنَّه يمكن بيعها، بخلاف الصحراء.

стр. 5392

ولنا أن ما جاز أكله في الصحراء، أبيح في المصر، كسائر المأكولات، ولأنَّ النبي ﷺ قال: "هي لك". ولم يفرق، ولأنَّ أكلها معلل بما ذكرنا من الاستغناء عن الإنفاق عليها، وهذا في المصر أشد منه في الصحراء» اهـ. قُلْتُ: القول بلزوم الغرامة إن جاء صاحبها، هو الأقوى، ويدل عليه حديث عبد الله بن عمرو بن العاص الذي سبق ذكره في الفقرة الماضية. والله أعلم. وَقَالَ الْعَلَّامَةُ ابْنُ بَطَّالٍ ﵀ فِي [شَرْحِ الْبُخَارِي] (٦/ ٥٥١) - بعد ذكره لحديث عبد الله بن عمرو بن العاص -: «فهذا دليل على أنَّ الشاة على ملك صاحبها. وأجمع العلماء أنَّ صاحبها لو جاء قبل أن يأكلها الواجد لها أخذها منه، وكذلك لو ذبحها أخذها منه مذبوحة، وكذلك لو أكل بعضها أخذ ما وجد منها، فدل على أنَّها على ملك صاحبها في الفلوات وغيرها، ولا يزول ملكه عنها إلَّا بإجماع، ولا فرق بين قوله في الشاة: "هي لك، أو لأخيك، أو للذئب" وبين قوله في اللقطة: "فشأنك بها" بل هذا أشبه بالتمليك؛ لأنَّه لم يشرك معه في لفظ التمليك ذئباً ولا غيره» اهـ. ٤٢ - وظاهر الحديث أنَّه لا يجب الإشهاد على اللقطة لعدم الأمر بذلك. قُلْتُ: وقد جاء الأمر بذلك في حديث آخر، وهو ما رواه أحمد (١٧٥١٦، ١٨٣٦٩)، وأبو داود (١٧٠٩)، وابن ماجة (٢٥٠٥)، والنسائي في [الْكُبْرَى] (٥٩٦٨) مِنْ طَرِيْقِ خَالِدٌ، عَنْ يَزِيدَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الشِّخِّيرِ، عَنْ أَخِيهِ مُطَرِّفِ بْنِ

стр. 5393

عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الشِّخِّيرِ، عَنْ عِيَاضِ بْنِ حِمَارٍ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «مَنْ وَجَدَ لُقَطَةً، فَلْيُشْهِدْ ذَوَيْ عَدْلٍ، وَلْيَحْفَظْ عِفَاصَهَا وَوِكَاءَهَا، فَإِنْ جَاءَ صَاحِبُهَا، فَلَا يَكْتُمْ، وَهُوَ أَحَقُّ بِهَا، وَإِنْ لَمْ يَجِئْ صَاحِبُهَا، فَإِنَّهُ مَالُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشَاءُ». قُلْتُ: هَذَا حَدِيْثٌ صَحِيْحٌ. وخالد هو ابن مهران الحذاء. قَالَ الْعَلَّامَةُ الْخَطَّابِي ﵀ فِي [مَعَالِمِ الْسُّنَنِ] (٢/ ٩٠): «قوله: "فليشهد". أمر تأديب وإرشاد وذلك لمعنيين: أحدهما: ما يتخوفه في العاجل من تسويل النفس وانبعاث الرغبة فيها فتدعوه إلى الخيانة بعد الأمانة، والآخر ما لا يؤمن من حدوث المنية به فيدعيها ورثته ويحوزونها في جملة تركته» اهـ. وَقَالَ الْعَلَّامَةُ الْقُرْطُبِي ﵀ فِي [الْمُفْهِم] (١٦/ ٩٧): «وقوله: "فليشهد ذوي عدلٍ"؛ أمرٌ للملتقط بأن يشهد على نفسه بأنَّه وجد كذا على جهة الاحتياط للُّقطة مخافة شيءٍ يطرأ على الملتقط من موت، أو آفة، أو طروء خاطر خيانةٍ» اهـ. وَقَالَ الْعَلَّامَةُ ابْنُ قُدَامَةَ ﵀ فِي [الْمُغْنِي] (١٢/ ٣٦٨): «فصل: ويستحب أن يشهد عليها حين يجدها. قال أحمد، ﵀: لا أحب أن يمسها حتى يشهد عليها.

стр. 5394

فظاهر هذا أنَّه مستحب غير واجب، وأنَّه إن لم يشهد عليها لا ضمان عليه. وبهذا قال مالك والشافعي. وقال أبو حنيفة: إذا لم يشهد عليها ضمنها؛ لقول رسول الله ﷺ : "من وجد لقطة، فليشهد ذا عدل، أو ذوي عدل". وهذا أمر يقتضي الوجوب، ولأنَّه إذا لم يشهد كان الظاهر أنَّه أخذها لنفسه. ولنا خبر زيد بن خالد، وأبي بن كعب، فإنَّه أمرهما بالتعريف دون الإشهاد، ولا يجوز تأخير البيان عن وقت الحاجة، فلو كان واجباً لبينه النبي ﷺ سيما وقد سئل عن حكم اللقطة فلم يكن ليخل بذكر الواجب فيها، فيتعين حمل الأمر في حديث عياض على الندب والاستحباب، ولأنَّه أخذ أمانة، فلم يفتقر إلى الإشهاد، كالوديعة. والمعنى الذي ذكروه غير صحيح، فإنَّه إذا حفظها وعرفها فلم يأخذها لنفسه، وفائدة الإشهاد صيانة نفسه عن الطمع فيها، وكتمها وحفظها من ورثته إن مات، ومن غرمائه إن أفلس. وإذا أشهد عليها، لم يذكر للشهود صفاتها، لئلا ينتشر ذلك فيدعيها من لا يستحقها، ويذكر صفاتها، كما قلنا في التعريف، ولكن يذكر للشهود ما يذكره في التعريف من الجنس والنوع. قال أحمد، في رواية صالح، وقد سأله: إذا أشهد عليها هل يبين كم هي؟ قال: لا، ولكن يقول: قد أصبت لقطة» اهـ. ٤٣ - وفي الحديث إبطال لمن يدعي معرفة علم الغيب.

стр. 5395

قَالَ الْحَافِظُ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِ ﵀ فِي [التَّمْهِيْدِ] (٣/ ١٢٣): «وقال بعض أهل العلم في قول رسول الله ﷺ للسائل عن اللقطة: "اعرف عفاصها ووكاءها فإن جاء صاحبها وعرفها" يعني بعلاماتها دليل بين على إبطال قول كل من ادعى علم الغيب في الأشياء كلها من الكهنة وأهل التنجيم وغيرهم؛ لأنَّه لو علم ﷺ أنَّه يوصل إلى علم ذلك من هذه الوجوه لم يكن لقوله ﷺ في معرفة علاماتها وجه والله أعلم» اهـ. فائدة: إذا وجد اللقطة في طريق بين مدينتين عرفها فيهما. قَالَ الْعَلَّامَةُ الْقَرَافِيُّ ﵀ فِي [الذَّخِيرَةِ] (٩/ ١١٠): «وَإِنْ وَجَدَهَا فِي طَرِيقٍ بَيْنَ مدينتين عرفهَا فيهمَا لعدم تعين أَحدهمَا» اهـ. وذكر ذلك غيره من علماء المالكية.

стр. 5396

كِتَابُ الْوَصَايَا. ٢٨٨ - عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ ﵄ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: «مَا حَقُّ امْرِئٍ مُسْلِمٍ، لَهُ شَيْءٌ يُوصِي فِيهِ، يَبِيتُ لَيْلَتَيْنِ إلاَّ وَوَصِيَّتُهُ مَكْتُوبَةٌ عِنْدَهُ». زَادَ مُسْلِمٌ: قَالَ ابْنُ عُمَرَ: فَوَ اللهِ مَا مَرَّتْ عَلَيَّ لَيْلَةٌ مُنْذُ سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ ذَلِكَ، إلاَّ وَعِنْدِي وَصِيَّتِي. الوصيَّةُ: تطلق على العهد بالأمر الهام، والمراد بها هاهنا الأمر بالتصرف بعد الموت، كالتبرع ببعض المال، أو رد بعض الحقوق إلى أهلها، أو غير ذلك. وهي من حيث المعنى اللغوي تدل على معنى الوصل يقال: وصيت الشيء أصيه أي وصلته، فالموصي وصل ما كان في حياته بما بعد موته. وَفِي الْحَدِيْثِ مَسَائِلُ مِنْهَا: ١ - الأمر بكتابة الوصية، ولا تجب الكتابة إلَّا على من كانت عليه حقوق واجبة ليس عليها بينة.

стр. 5397

ومما يدل على ذلك أنَّ النبي ﷺ مات ودرعه مرهونة عند يهودي، ولم يوص بذلك، فقد روى البخاري (٢٩١٦) عَنْ عَائِشَةَ ﵂، قَالَتْ: «تُوُفِّيَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وَدِرْعُهُ مَرْهُونَةٌ عِنْدَ يَهُودِيٍّ، بِثَلَاثِينَ صَاعًا مِنْ شَعِيرٍ». ورواه البخاري (٢٠٦٨) مسلم (١٦٠٣) عَنْ عَائِشَةَ، قَالَتْ: «اشْتَرَى رَسُولُ اللهِ ﷺ مِنْ يَهُودِيٍّ طَعَامًا بِنَسِيئَةٍ، فَأَعْطَاهُ دِرْعًا لَهُ رَهْنًا». قَالَ الْحَافِظُ أَبُو زُرْعَةَ ابْنُ الْحَافِظِ الْعِرَاقِيِّ ﵀ فِي [طَرْحِ الْتَثْرِيْبِ] (٦/ ٤٧٥): «فكان الرهن حجة لليهودي، ولم يحتج للوصية به مع أنَّ علمه ذلك لم يكن مختصاً به فقد علمه بعض أصحابه، ولهذا أخبرت به عائشة ﵂» اهـ. وَقَالَ ﵀ فِي [طَرْحِ الْتَثْرِيْبِ] (٦/ ٤٧٢ - ٤٧٣): «هذا الذي ذكرناه من وجوب الوصية بالحقوق الواجبة محله ما إذا لم يعلم به غيره فأمَّا إذا علم به غيره فلا تجب كذا عبر به الرافعي من أصحابنا، وقال النووي: المراد إذا لم يعلم به من يثبت بقوله. وقصد بذلك إخراج الكافر والفاسق والصبي والعبد والمرأة فإنَّه لا يكفي علمهم مع دخولهم في تعبير الرافعي.

стр. 5398

قال شيخنا الإمام جمال الدين عبد الرحيم الإسنوي: وهو غير كاف أيضاً فإنَّ قول الورثة كاف في الثبوت مع أنَّ المتجه أنَّ علمهم لا يكفي لأنَّهم الغرماء فلا بد من حجة تقوم عليهم عند إنكارهم» اهـ. ٢ - وعموم الحديث يشمل الصحيح والمريض، وهو الذي فهمه ابن عمر ﵁. قَالَ الْحِافِظُ ابْنُ حَجَرٍ ﵀ فِي [فَتْحِ الْبَارِي] (٥/ ٣٦٠): «وفي الحديث الحض على الوصية، ومطلقها يتناول الصحيح، لكن السلف خصوها بالمريض وإنَّما لم يقيد به في الخبر لاطراد العادة به» اهـ. وَقَالَ الْحَافِظُ أَبُو زُرْعَةَ ابْنُ الْحَافِظِ الْعِرَاقِيِّ ﵀ فِي [طَرْحِ الْتَثْرِيْبِ] (٦/ ٤٧٥): «ولا يشترط في الوصية أن تكون في المرض بل القوي يوصي بما يحتاج إليه في الصحة، ولا يحتاج في المرض إلى تجديد وصية، وقد كان والدي ﵀ يفعل ذلك فلم يحتج في مرضه إلى تجديد وصية بشيء أصلاً» اهـ. ٣ - واحتج به على وجوب الوصية بشيء من المال لمن كان عنده مال.

стр. 5399

قَالَ الْحِافِظُ ابْنُ حَجَرٍ ﵀ فِي [فَتْحِ الْبَارِي] (٥/ ٣٥٨): «وبه قال الزهري، وأبو مجلز، وعطاء، وطلحة بن مصرف في آخرين، وحكاه البيهقي عن الشافعي في "القديم"، وبه قال إسحاق، وداود، واختاره أبو عوانة الإسفرايني، وابن جرير» اهـ. قُلْتُ: ومن حجتهم أيضاً قول الله تعالى: ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمْ إِذَا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ إِنْ تَرَكَ خَيْرًا الْوَصِيَّةُ لِلْوَالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ بِالْمَعْرُوفِ حَقًّا عَلَى الْمُتَّقِينَ﴾ [البقرة: ١٨٠]. قَالَ الْحِافِظُ ابْنُ حَجَرٍ ﵀ فِي [فَتْحِ الْبَارِي] (٥/ ٣٥٨): «وأجاب من قال بعدم الوجوب عن الحديث بأنَّ قَوْلُهُ: "ما حق امرئ". بأنَّ المراد الحزم والاحتياط؛ لأنَّه قد يفجؤه الموت وهو على غير وصية، ولا ينبغي للمؤمن أن يغفل عن ذكر الموت والاستعداد له، وهذا عن الشافعي، وقال غيره: الحق لغة الشيء الثابت، ويطلق شرعاً على ما ثبت به الحكم، والحكم الثابت أعم من أن يكون واجباً أو مندوباً، وقد يطلق على المباح أيضاً لكن بقلة قاله القرطبي. قال: فإن اقترن به على أو نحوها كان ظاهراً في الوجوب وإلَّا فهو على الاحتمال، وعلى هذا التقدير فلا حجة في هذا الحديث لمن قال بالوجوب بل اقترن هذا الحق بما

стр. 5400

يدل على الندب وهو تفويض الوصية إلى إرادة الموصي حيث قال: "له شيء يريد أن يوصي فيه". فلو كانت واجبة لما علقها بإرادته. وأمَّا الجواب عن الرواية التي بلفظ: "لا يحل". فلاحتمال أن يكون راويها ذكرها وأراد بنفي الحل ثبوت الجواز بالمعنى الأعم الذي يدخل تحته الواجب والمندوب والمباح» اهـ. قُلْتُ: حجة من قال بنسخ آية الوصية ما رواه أحمد (٢٢٣٤٨)، وأبو داود (٢٨٧٠، ٣٥٦٥)، والترمذي (٢١٢٠)، وابن ماجه (٢٧١٣) مِنْ طَرِيْقِ إِسْمَاعِيْلَ بْنِ عَيَّاشٍ، عَنْ شُرَحْبِيلَ بْنِ مُسْلِمٍ، سَمِعْتُ أَبَا أُمَامَةَ، سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: «إِنَّ اللَّهَ قَدْ أَعْطَى كُلَّ ذِي حَقٍّ حَقَّهُ فَلَا وَصِيَّةَ لِوَارِثٍ». قُلْتُ: هَذَا حَدِيْثٌ حَسَنٌ من هذا الوجه. وله شاهد من حديث عمرو بن خارجة رواه أحمد (١٧٧٠٢، ١٨١٠٨، ١٨١١١)، والنسائي (٣٦٤١، ٣٦٤٢)، والترمذي (٢١٢١)، وابن ماجه (٢٧١٢) من طرق عن قتادة عن شهر بن حوشب عن عبد الرحمن بن غنم عن عمرو بن خارجة. قُلْتُ: فيه شهر بن حوشب ضعيف الحديث.

стр. 5401

ورواه النسائي (٣٦٤٣) مِنْ طَرِيْقِ إسماعيل بن أبي خالد عن قتادة عن عمرو بن خارجة، وأسقط شهر بن حوشب، وعبد الرحمن بن غنم، والمحفوظ إثباتهما كما رواه شعبة، وأبو عوانة، وابن أبي عروبة، وحماد بن سلمة عن قتادة. وله شاهد ثالث من حديث أنس بن مالك، رواه ابن ماجه (٢٧١٤) بِإِسْنَادٍ حَسَنٍ. وله شواهد أخرى. قُلْتُ: وغاية ما في هذا الحديث نسخ وجوب الوصية للوارث، وأمَّا نسخ ذلك عن غير الوارث فلا يدل عليه الحديث. قَالَ الْحَافِظُ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِ ﵀ فِي [التَّمْهِيْدِ] (١٤/ ٢٩٢): «ففي هذا الحديث الحض على الوصية والتأكيد على ذلك وهذا على الندب لا على الإيجاب عند الجميع لا يختلفون في ذلك، وقد أجمع العلماء على أنَّ الوصية غير واجبة على أحد إلاَّ أن يكون عليه دين أو تكون عنده وديعة أو أمانة فيوصي بذلك، وفي إجماعهم على هذا بيان لمعنى الكتاب والسنة في الوصية، وقد شذت طائفة فأوجبت الوصية لا يعدون خلافاً على الجمهور» اهـ. وَقَالَ الْعَلَّامَةُ ابْنُ بَطَّالٍ ﵀ فِي [شَرْحِ الْبُخَارِي] (٨/ ١٤٢):

стр. 5402

«وقال أبو ثور: ليست الوصية واجبة إلَّا على رجل عليه دين، أو عنده مال قوم فواجب عليه أن يكتب وصيته ويخبر بما عليه؛ لأنَّ الله فرض أداء الأمانات إلى أهلها، فمن لا حق عليه ولا أمانة قبله؛ فليس عليه أن يوصي» اهـ. وَقَالَ الْعَلَّامَةُ الْقُرْطُبِي ﵀ فِي [الْمُفْهِم] (١٥/ ١): «وقوله ﷺ : "ما حق امرئ مسلم له شيء يريد أن يوصي فيه يبيت ليلتين إلَّا ووصيته مكتوبة عنده" الحق في اللغة هو: الثابت مطلقًا. فإذا أطلق في الشرع، فالمراد به: ثبوت الحكم فيه. ثم الحكم الثابت في الشريعة يكون: واجبًا، ومندوبًا، ومباحًا؛ إذ كل واحد منها ثابت وموجود فيها، لكن إطلاق الحق على المباح قلَّ ما يقع في الشريعة، وإنَّما يوجد فيها بمعنى الواجب، والندب. فإن اقترن به "على" أو ما في معناها؛ ظهر فيه قصد الوجوب. وإن لم يقترن به ذلك؛ كان محتملاً للأمرين، كما قد جاء في هذا الحديث. وعلى هذا: فلا حجة لداود في التمسك بحق الذي في هذا الحديث على وجوب الوصية؛ لأنَّه لم يقترن به قرينة تزيل إجماله، فإن أبى إلاَّ دعوى ظهوره قابلناه بما قاله بعض أصحابنا في هذا الحق: إنَّه قد اقترن به ما يدل على الندب. وهو إضافته للمسلم، وتعليق الوصية على الإرادة في قَوْلِهِ: "ما حق امرئ مسلم له شيء يريد أن يوصي فيه".

стр. 5403

واقتران مثل هذا يقوِّي إرادة الندب. ثم لو سلمنا: أنَّ ظاهره الوجوب فنقول بموجبه، فيمن كانت عليه حقوق للناس يخاف ضياعها عليهم، أو كانت له حقوق عند أناس يخاف تلفها على الورثة، فهذا تجب عليه الوصية. ولا يختلف فيه إذا خاف ضياعها بسبب الموت» اهـ. وَقَالَ الْعَلَّامَةُ الْنَوَوِي ﵀ فِي [شَرْحِ مُسْلِمٍ] (٦/ ١٥): «وقد أجمع المسلمون على الأمر بها، لكن مذهبنا ومذهب الجماهير أنَّها مندوبة لا واجبة، وقال داود وغيره من أهل الظاهر: هي واجبة؛ لهذا الحديث، ولا دلالة لهم فيه، فليس فيه تصريح بإيجابها، لكن إن كان على الإنسان دين أو حق أو عنده وديعة ونحوها لزمه الإيصاء بذلك، قال الشافعي ﵀: معنى الحديث ما الحزم والاحتياط للمسلم إلاَّ أن تكون وصيته مكتوبة عنده» اهـ. قَالَ الْحَافِظُ أَبُو زُرْعَةَ ابْنُ الْحَافِظِ الْعِرَاقِيِّ ﵀ فِي [طَرْحِ الْتَثْرِيْبِ] (٦/ ٤٦٩): «وتمسك الموجبون بهذا الحديث ولا دلالة لهم فيه، وليس في هذا اللفظ ما يدل على الوجوب كيف وفي رواية مسلم مِنْ طَرِيْقِ عبيد الله بن عمر وأيوب السختياني: "يريد أن يوصي فيه". فجعل ذلك متعلقاً بإرادته، ولو كان واجباً لم يكن كذلك، وبتقدير أن يكون في هذا اللفظ ما يدل على الوجوب فقد قيده في كل

стр. 5404

الروايات بِقَوْلِهِ: "له شيء يوصي فيه"، وذلك هو الديون التي تكون عليه فهو الشيء الذي يوصى فيه، ولو نظرنا إلى الرواية التي لفظها: "مال يوصى فيه". فالدين الذي عليه مال» اهـ. أَقُوْلُ: تعليق الشيء على الإرادة لا يمنع الوجوب مطلقاً، قَالَ شَيْخُ الْإِسْلَامِ ابْنُ تَيْمِيَّةَ ﵀ كَمَا فِي [مَجْمُوْعِ الْفَتَاوَى] (٢٣/ ١٦٣): «فإنَّ الواجب لا يوكل إلى إرادة العبد. فيقال: إن شئت فافعله؛ بل قد يعلق الواجب بالشرط لبيان حكم من الأحكام. كَقَوْلِهِ: ﴿إذَا قُمْتُمْ إلَى الصَّلَاةِ فَاغْسِلُوا﴾، وقد قدروا فيه: إذا أردتم القيام، وقدروا: إذا أردت القراءة فاستعذ والطهارة واجبة والقراءة في الصلاة واجبة وقد قال: ﴿إنْ هُوَ إلَّا ذِكْرٌ لِلْعَالَمِينَ لِمَنْ شَاءَ مِنْكُمْ أَنْ يَسْتَقِيمَ﴾، ومشيئة الاستقامة واجبة» اهـ. وقَالَ الْحِافِظُ ابْنُ حَجَرٍ ﵀ فِي [فَتْحِ الْبَارِي] (٥/ ٣٥٨): «واختلف القائلون بوجوب الوصية فأكثرهم ذهب إلى وجوبها في الجملة وعن طاووس وقتادة والحسن وجابر بن زيد في آخرين تجب للقرابة الذين لا يرثون خاصة أخرجه بن جرير وغيره عنهم، قالوا: فإن أوصى لغير قرابته لم تنفذ ويرد

стр. 5405

الثلث كله إلى قرابته، وهذا قول طاووس، وقال الحسن وجابر بن زيد ثلثا الثلث، وقال قتادة ثلث الثلث» اهـ. وَقَالَ الْعَلَّامَةُ ابْنُ الْقَيِّمِ ﵀ فِي [مِفْتَاحِ دَارِ السَّعَادَةِ] (٢/ ٣٣ - ٣٤): «ومن ذلك الوصية للوالدين والأقربين فإنَّها كانت واجبة على من حضره الموت ثم نسخ الله ذلك بآية المواريث وبقيت مشروعة في حق الأقارب الذين لا يرثون، وهل ذلك على سبيل الوجوب أو الاستحباب فيه قولان للسلف والخلف وهما في مذهب أحمد، فعلى القول الأول بالاستحباب إذا أوصى للأجانب دونهم صحت الوصية ولا شيء للأقارب، وعلى القول بالوجوب فهل لهم أن يبطلوا وصية الأجانب ويختصوا هم بالوصية كما للورثة يبطلوا وصية الوارث أو يبطلوا ما زاد على ثلث الثلث ويختصوا هم بثلثيه كما للورثة أن يبطلوا ما زاد على ثلث المال من الوصية ويكون الثلث في حقهم بمنزلة المال كله في حق الورثة على وجهين، وهذا الثاني أقيس وأفقه وسره أنَّ الثلث لما صار مستحقاً لهم كان بمنزلة جميع المال في حق الورثة وهم لا يكونوا أقوى من الورثة فكما لا سبيل للورثة إلى أبطال الوصية بالثلث للأجانب فلا سبيل لهؤلاء إلى إبطال الوصية بثلث الثلث للأجانب، وتحقيق هذه المسائل والكلام على ما أخذها له موضع آخر والمقصود

стр. 5406

هنا أنَّ إيجاب الوصية للأقارب وأنَّ نسخ لم يبطل بالكلية بل بقي منه ما هو منشأ المصلحة كما ذكرناه ونسخ منه ما لا مصلحة فيه بل المصلحة في خلافه» اهـ. ٤ - قَوْلُهُ: «مَا حَقُّ امْرِئٍ». المرء هو الرجل، فهل يختص هذا الحكم بالرجل دون المرأة؟ الجواب: لا، وإنَّما خرج المرء مخرج الغالب، إذ لا فرق في ذلك بين الرجل والمرأة. ٥ - وعمومه يشمل الصبي المميز، وهو مذهب مالك، وأحمد، والشافعي في رواية، ومنعها أبو حنيفة، والشافعي في المشهور عنه. وقد روى ابن أبي شيبة في [مُصَنَّفِهِ] (٣١٤٩٣)، والدارمي (٣٢٨٧) مِنْ طَرِيْقِ أَبِي بَكْرِ بْنِ عَمْرِو بْنِ حَزْمٍ، قَالَ: كَانَ غُلَامٌ مِنْ غَسَّانَ بِالْمَدِينَةِ، وَكَانَ لَهُ وَرَثَةٌ بِالشَّامِ، وَكَانَتْ لَهُ عَمَّةٌ بِالْمَدِينَةِ، فَلَمَّا حَضَرَ أَتَتْ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ فَذَكَرَتْ ذَلِكَ لَهُ وَقَالَتْ: أَفَيُوصِي، قَالَ: «اللَّهُ»، قَالَ: قُلْتُ: لَا، قَالَ: «فَأَوْصَى لَهَا بِنَخْلٍ»، فَبِعْتُهُ أَنَا لَهَا بِثَلَاثِينَ أَلْفِ دِرْهَمٍ. قُلْتُ: إِسْنَادُهُ مُنْقَطِعٌ بين أبي بكر بن عمرو بن حزم وعمر بن الخطاب ﵁.

стр. 5407

ورواه مالك في [الْمُوَطَّأِ] (١٤٥٥) عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ، عَنْ أَبِي بَكْرِ بْنِ حَزْمٍ أَنَّ غُلَامًا مِنْ غَسَّانَ، حَضَرَتْهُ الْوَفَاةُ بِالْمَدِينَةِ، وَوَارِثُهُ بِالشَّامِ، فَذُكِرَ ذَلِكَ لِعُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ فَقِيلَ لَهُ: إِنَّ فُلَانًا يَمُوتُ أَفَيُوصِي؟ قَالَ: «فَلْيُوصِ» قَالَ يحْيَى بْنُ سَعِيدٍ، قَالَ أَبُو بَكْرٍ: وَكَانَ الْغُلَامُ ابْنَ عَشْرِ سِنِينَ أَوِ اثْنَتَيْ عَشَرَةَ سَنَةً، قَالَ: فَأَوْصَى بِبِئْرِ جُشَمٍ فَبَاعَهَا أَهْلُهَا بِثَلَاثِينَ أَلْفَ دِرْهَمٍ. ورواه سعيد بن منصور في [سُنَنِهِ] (٤٣٠) حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي بَكْرٍ، وَيَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ، عَنْ أَبِي بَكْرِ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ عَمْرِو بْنِ حَزْمٍ، عَنْ عَمْرِو بْنِ سُلَيْمٍ الزُّرَقِيِّ: «أَنَّ غُلَامًا مِنْ غَسَّانَ مَرِضَ، فَأُخْبِرَ بِهِ عُمَرُ، فَقَالَ: مُرُوهُ فَلْيُوصِ فَأَوْصَى بِبِئْرِ جُشَمَ، فَبِيعَتْ بِثَلَاثِينَ أَلْفًا وَهُوَ ابْنُ عَشْرِ سِنِينَ، أَوِ اثْنَتَيْ عَشْرَةَ سَنَةً». ورواه مالك في [الْمُوَطَّأِ] (١٤٥٤)، ومن طريقه البيهقي في [الْكُبْرَى] (٢١٣٨٧، ٢١٣٨٧)، و [الصُّغْرَى] (٢٣١٩)، و [الْمَعْرِفَةِ] (٦٢٨١) عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي بَكْرِ بْنِ حَزْمٍ، عَنْ أَبِيهِ، أَنَّ عَمْرَو بْنَ سُلَيْمٍ الزُّرَقِيَّ، أَخْبَرَهُ أَنَّهُ قِيلَ لِعُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ: إِنَّ هَاهُنَا غُلَامًا يَفَاعًا لَمْ يَحْتَلِمْ مِنْ غَسَّانَ، وَوَارِثُهُ بِالشَّامِ، وَهُوَ ذُو مَالٍ، وَلَيْسَ لَهُ هَاهُنَا إِلَّا ابْنَةُ عَمٍّ لَهُ. قَالَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ: «فَلْيُوصِ لَهَا». قَالَ: فَأَوْصَى

стр. 5408

لَهَا بِمَالٍ يُقَالَ لَهُ بِئْرُ جُشَمٍ، قَالَ عَمْرُو بْنُ سُلَيْمٍ: فَبِيعَ ذَلِكَ الْمَالُ بِثَلَاثِينَ أَلْفَ دِرْهَمٍ. وَابْنَةُ عَمِّهِ الَّتِي أَوْصَى لَهَا، هِيَ أُمُّ عَمْرِو بْنِ سُلَيْمٍ الزُّرَقِيِّ. قُلْتُ: وهذه الطريق تبين أنَّ أبا بكر بن عمرو بن حزم لم يرو الحديث عن عمر مباشرة، وإنَّما رواه عن عمرو بن سليم الزرقي، وعمرو هذا أدرك عمر ويقال أنَّ له رؤية، فالذي يظهر لي صحة هذا الأثر من هذا الوجه. والله أعلم. قَالَ الْحِافِظُ ابْنُ حَجَرٍ ﵀ فِي [فَتْحِ الْبَارِي] (٥/ ٣٥٦): «وهو قوي فإنَّ رجاله ثقات، وله شاهد» اهـ. لَكِنْ قَالَ الْحِافِظُ الْبَيْهَقِيُّ ﵀ فِي [الْكُبْرَى] (٦/ ٢٨٢): «والشافعي ﵀ علق جواز وصيته وتدبيره بثبوت الخبر فيها عن عمر ﵁، والخبر منقطع فعمرو بن سليم الزرقي لم يدرك عمر ﵁ إلاَّ أنه ذكر في الخبر انتسابه إلى صاحب القصة والله أعلم» اهـ. قُلْتُ: وتعقبه الْعَلَّامَةُ ابْنُ الْمُلَقِّنِ ﵀ فِي [الْبَدْرِ الْمُنِيْرِ] (٧/ ٢٨٥) فَقَالَ: «قُلْتُ: في "الثقات" لابن حبان: قيل: إنَّه كان يوم قتل عمر بن الخطاب قد جاوز الحلم. وقال أبو نصر الكلاباذي عن الواقدي: إنَّه كان قد راهق الاحتلام يوم مات عمر. وجزم ابن الحذاء بأنَّه روى عنه» اهـ.

стр. 5409

وتعقبه أيضاً الْعَلَّامَةُ ابْنُ التُّرْكُمَانِيِّ ﵀ فِي [الْجَوْهَرِ النَّقِيِّ] (٦/ ٢٨٢) فقال: «قُلْتُ: في الثقات لابن حبان قيل: إنَّه كان يوم قتل عمر بن الخطاب قد جاوز الحلم. وقال أبو نصر الكلاباذي: قال الواقدي: كان قد راهق الاحتلام يوم مات عمر انتهى كلامه. وظهر بهذا أنَّه ممكن لقاؤه لعمر فتحمل روايته عنه على الاتصال على مذهب الجمهور كما عرف» اهـ. قُلْتُ: ورواه عبد الرزاق في [مُصَنَّفِهِ] (١٦٤٠٩) عَنِ الثَّوْرِيِّ، عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ، عَنِ أَبِي بَكْرِ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ عَمْرِو بْنِ حَزْمٍ، «أَنَّ عَمْرَو بْنَ سُلَيْمٍ الْغَسَّانِيَّ أَوْصَى وَهُوَ ابْنُ عَشْرٍ أَوْ ثِنْتَيْ عَشْرَةَ بِبِئْرٍ لَهُ قُوِّمَتْ بِثَلَاثِينَ أَلْفًا» فَأَجَازَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ وَصِيَّتَهُ. قُلْتُ: إِسْنَادُهُ مُنْقَطِعٌ كما سبق، وفيه تسمية الغساني المبهم في سائر الروايات وأنَّه عمرو بن سليم. ورواه عبد الرزاق في [مُصَنَّفِهِ] (١٦٤١٠) عَنِ ابْنِ عُيَيْنَةَ قَالَ: حَدَّثَنَا ابْنُ عُيَيْنَةَ، عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ، عَنِ أَبِي بَكْرِ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ عَمْرِو بْنِ حَزْمٍ، أَنَّ عَمْرَو بْنَ سُلَيْمٍ الْغَسَّانِيَّ قَالَ: بَلَغَ عُمَرَ أَنَّ غُلَامًا مِنْ غَسَّانَ يَمُوتُ فَقَالَ: «مُرُوهُ فَلْيُوصِ فَأَوْصَى بِبِئْرِ جُشَمٍ فَبِيعَتْ بِثَلَاثِينَ أَلْفًا وَهُوَ ابْنُ عَشْرِ سِنِينَ أَوْ ثِنْتَيْ عَشْرَةَ وَقَدْ قَارَبَ».

стр. 5410

وفيه أنَّ أبا بكر بن محمد بن عمرو بن حزم روى الحديث عن عمرو بن سليم الغساني، لا الزرقي، وهذا وهم من عبد الرزاق، خالفه فيه سعيد بن منصور، وقد رواه عبد الله بن أبي بكر بن حزم عن أبيه أنَّ عمرو بن سليم الزرقي كما سبق. وروى ابن أبي شيبة في [مُصَنَّفِهِ] (٣١٤٩٤) حَدَّثَنَا أَبُو عِصَامٍ، عَنِ الْأَوْزَاعِيِّ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، «أَنَّ عُثْمَانَ أَجَازَ وَصِيَّةَ ابْنِ إِحْدَى عَشْرَةَ سَنَةً». قُلْتُ: هَذَا أَثَرٌ ضَعِيْفٌ، أبو عصام واسمه رواد بن الجراح مختلط، والزهري عن عثمان منقطع. قَالَ شَيْخُ الْإِسْلَامِ ابْنُ تَيْمِيَّةَ ﵀ كَمَا فِي [الْاخْتِيَارِاتِ الْفِقْهِيَةِ] (ص: ٤٧٣ - ٤٧٤): «وقول الإمام أحمد وغيره من السلف: وصية الصبي صحيحة إذا أصاب الحق. يحتمل بادئ الرأي وجهين: أحدهما: أنَّه إذا أوصى بما يجوز للبالغ، لكن هذا فيه نظر فإنَّ هذا الشرط ثابت في حق كل موص، فلا حاجة إلى تخصيص الصبي به. والثاني: أنَّه إذا أوصى بما يستحب أن يوصي به مثل أن يوصي لأقاربه الذين لا يرثون فعلى هذا فلو أوصى لبعيد دون القريب المحتاج لم تنفذ وصيته بخلاف

стр. 5411

البالغ لأنَّ الصبي لما كان قاصر التصرف فلا بد أن ينظم إليه نظر الشرع كما إذا احتاج بيعه إلى إذن الولي، وكذلك إحرامه بالحج على إحدى الروايتين، ويدل على ذلك أنَّ أصحابنا عللوا الصحة بأنَّه إن مات كان صرف ما أوصى به إلى جهة القرب، وما يحصل له به الثواب أولى متى صرفه إلى ورثته، وهذا إنَّما يتم في الوصية المستحبة فأمَّا إن كان المال قليلاً والورثة فقراء فترك المال لهم أفضل» اهـ. قُلْتُ: أمَّا الصبي غير المميز فلا عبرة بما أوصى به، وهكذا المجنون لعدم العقل. وهكذا العبد لا تصح منه الوصية. قَالَ الْحَافِظُ أَبُو زُرْعَةَ ابْنُ الْحَافِظِ الْعِرَاقِيِّ ﵀ فِي [طَرْحِ الْتَثْرِيْبِ] (٦/ ٤٧٩): «والمعتبر فيمن تصح وصيته العقل والحرية فلا تصح وصية مجنون وعبد. وفي صحة وصية الصبي المميز خلاف جوزها مالك إذا عقل القربة ولم يخلط، وأحمد بن حنبل إذا جاوز العشر، وفي رواية أخرى عنه إذا جاوز السبع، وحكى عنه ابن المنذر إذا كان ابن اثنتي عشرة سنة. ومنعها أبو حنيفة، وهو أظهر قولي الشافعي، وبه قال أكثر أصحابه، وهي رواية عن أحمد، وعن الشافعي قول آخر: أن وصيته صحيحة. وأمَّا المحجور عليه بالسفه فوصيته صحيحة عند الجمهور ومنهم الشافعي» اهـ.

стр. 5412

٦ - وفيه تعليق الوصية بالإسلام، وظاهرة لا تصح من كافر لكن قَالَ الْحِافِظُ ابْنُ حَجَرٍ ﵀ فِي [فَتْحِ الْبَارِي] (٥/ ٣٥٧): «والوصف بالمسلم خرج مخرج الغالب فلا مفهوم له، أو ذكر للتهييج لتقع المبادرة لامتثاله لما يشعر به من نفي الإسلام عن تارك ذلك، ووصية الكافر جائزة في الجملة، وحكى ابن المنذر فيه الإجماع. وقد بحث فيه السبكي من جهة أنَّ الوصية شرعت زيادة في العمل الصالح والكافر لا عمل له بعد الموت، وأجاب بأنَّهم نظروا إلى أنَّ الوصية كالإعتاق وهو يصح من الذمي والحربي. والله أعلم» اهـ. ٧ - وَقَوْلُهُ: «لَهُ شَيْءٌ يُوصِي فِيهِ». ظاهره شمول المحقرات، وما جرت العادة بوفاءه عن قرب، لكن قَالَ الْحِافِظُ ابْنُ حَجَرٍ ﵀ فِي [فَتْحِ الْبَارِي] (٥/ ٣٥٧ - ٣٥٨): «نعم قال العلماء: لا يندب أن يكتب جميع الأشياء المحقرة ولا ما جرت العادة بالخروج منه والوفاء له عن قرب. والله أعلم» اهـ. وَقَالَ الْعَلَّامَةُ الْنَوَوِي ﵀ فِي [شَرْحِ مُسْلِمٍ] (٦/ ١٥):

стр. 5413

«قالوا: ولا يكلف أن يكتب كل يوم محقرات المعاملات وجزئيات الأمور المتكررة» اهـ. ٨ - وفيه أنَّه لا يجوز له أن يتأخر في كتابة الوصية عن ليلتين، لكن روى مسلم (١٦٢٧) عَنِ ابْنِ عُمَرَ ﵁: أنَّه سَمِعَ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَالَ: «مَا حَقُّ امْرِئٍ مُسْلِمٍ، لَهُ شَيْءٌ يُوصِي فِيهِ، يَبِيتُ ثَلَاثَ لَيَالٍ، إِلَّا وَوَصِيَّتُهُ عِنْدَهُ مَكْتُوبَةٌ». وهذا يدل على أنَّ غاية التأخير ثلاث ليال. والله أعلم. ٩ - وفيه جواز الاقتصار على الكتابة في الوصية دون إشهاد. قَالَ الْعَلَّامَةُ ابْنُ قُدَامَةَ ﵀ فِي [الْمُغْنِي] (١٣/ ١٤٠): «مسألة؛ قال: "ومن كتب وصية، ولم يشهد فيها، حكم بها، ما لم يعلم رجوعه عنها" نص أحمد على هذا، في رواية إسحاق بن إبراهيم، فقال: من مات، فوجدت وصيته مكتوبة عند رأسه، ولم يشهد فيها، وعرف خطه، وكان مشهور الخط، يقبل ما فيها. وروي عن أحمد أنَّه لا يقبل الخط في الوصية، ولا يشهد على الوصية المختومة حتى يسمعها الشهود منه، أو تقرأ عليه، فيقر بما فيها.

стр. 5414

وبهذا قال الحسن، وأبو قلابة، والشافعي، وأبو ثور، وأصحاب الرأي؛ لأنَّ الحكم لا يجوز برؤية خط الشاهد بالشهادة بالإجماع، فكذا هاهنا، وأبلغ من هذا أنَّ الحاكم لو رأى حكمه بخطه تحته ختمه، ولم يذكر أنَّه حكم به، أو رأى الشاهد شهادته بخطه، ولم يذكر الشهادة، لم يجز للحاكم إنفاذ الحكم بما وجده، ولا للشاهد الشهادة بما رأى خطه به، فهاهنا أولى. وقد نص أحمد على هذا في الشهادة. ووجه قول الخرقي، قول النبي ﷺ : "ما من امرئ مسلم، له شيء يوصي فيه، يبيت ليلتين، إلَّا ووصيته مكتوبة عنده". ولم يذكر شهادته. وما ذكرناه في الفصل الذي يلي هذا، ولأنَّ الوصية يتسامح فيها، ولهذا صح تعليقها على الخطر والغرر، وصحت للحمل، به، وبما لا يقدر على تسليمه، وبالمعدوم والمجهول، فجاز أن يتسامح فيها بقبول الخط، كرواية الحديث» اهـ. قُلْتُ: الصحيح ما دل عليه ظاهر الحديث من العمل بالكتابة إذا عرف الخط، ولو لم يكن معها شهادة. والله أعلم. قَالَ الْعَلَّامَةُ ابْنُ الْقَيِّمِ ﵀ فِي [الْإِعْلَامِ] (٤/ ٣٣٥): «وكذا الوصي والوارث يعتمد على خط الموصي فينفذ ما فيه وإن لم يشهد شاهدان» اهـ.

стр. 5415

١٠ - وفيه جواز الاعتماد على الكتابة والخط. قُلْتُ: وَلِلْعَلَّامَةُ ابْنُ الْقَيِّمِ ﵀ مبحث نفيس حول الاعتماد على الكتابة والخط، وسأنقله هاهنا مع طوله لكثرة فوائده، ولدقة تحريره، فقد قال ﵀ في [الْطُرُقِ الْحُكْمِيَّةِ] (ص: ٢٠٠ - ٢٠٩): «الطريق الثالث والعشرون: الحكم بالخط المجرد وله صور ثلاث: الصورة الأولى: أن يرى القاضي حجةً فيها حكمه لإنسان فيطلب منه إمضاءه والعمل به فقد اختلف في ذلك فعن أحمد ثلاث روايات: إحداهن: أنَّه إذا تيقن أنَّه خطه نفذه وإن لم يذكره. والثانية: أنَّه لا ينفذه حتى يذكره. والثالثة: أنَّه إذا كان في حرزه وحفظه نفذه وإلَّا فلا. قال أبو البركات: وكذلك الروايات في شهادة الشاهد بناء على خطه إذا لم يذكره. والمشهور من مذهب الشافعي أنَّه لا يعتمد على الخط لا في الحكم ولا في الشهادة، وفي مذهبه وجه آخر أنَّه يجوز الاعتماد عليه إذا كان محفوظاً عنده كالرواية الثالثة عن أحمد.

стр. 5416

وأمَّا مذهب أبي حنيفة فقال الخفاف قال أبو حنيفة: إذا وجد القاضي في ديوانه شيئاً لا يحفظه كإقرار الرجل بحق من الحقوق وهو لا يذكر ذلك ولا يحفظه فإنَّه لا يحكم بذلك ولا ينفذه حتى يذكره. وقال أبو يوسف ومحمد: ما وجده القاضي في ديوانه من شهادة شهود شهدوا عنده لرجل على رجل بحق أو إقرار رجل لرجل بحق والقاضي لا يحفظ ذلك ولا يذكره فإنَّه ينفذ ذلك ويقضي به إذا كان تحت خاتمه محفوظاً ليس كل ما في ديوان القاضي يحفظه. وأمَّا مذهب مالك فقال في "الجواهر": لا يعتمد على الخط إذا لم يذكره لإمكان التزوير عليه. قال القاضي أبو محمد: إذا وجد في ديوانه حكماً بخطه ولم يذكر أنَّه حكم به لم يجز له أن يحكم به إلاَّ أن يشهد عنده شاهدان. قال: وإذا نسي القاضي حكماً حكم به فشهد به عنده شاهدان أنَّه قضى به نفذ الحكم بشهادتهما وإن لم يذكره. وجمهور أهل العلم على خلافها بل إجماع أهل الحديث قاطبة على اعتماد الراوي على الخط المحفوظ عنده، وجواز التحديث به إلَّا خلافاً شاذاً لا يعتد به، ولو لم

стр. 5417

يعتمد على ذلك لضاع الإسلام اليوم وسنة رسول الله ﷺ فليس بأيدي الناس بعد كتاب الله إلَّا هذه النسخ الموجودة من السنن وكذلك كتب الفقه الاعتماد فيها على النسخ وقد كان رسول الله ﷺ يبعث كتبه إلى الملوك وغيرهم وتقوم بها حجته ولم يكن يشافه رسولاً بكتابه بمضمونه قط، ولا جرى هذا في مدة حياته ﷺ بل يدفع الكتاب مختوماً ويأمره بدفعه إلى المكتوب إليه، وهذا معلوم بالضرورة لأهل العلم بسيرته وأيامه وفي الصحيح عنه ﷺ أنَّه قال: "ما حق امرئ مسلم له شيء يوصي فيه يبيت ليلتين إلَّا ووصيته مكتوبة عنده". ولو لم يجز الاعتماد على الخط لم تكن لكتابة وصيته فائدة. قال إسحاق بن إبراهيم: قلت لأحمد الرجل يموت وتوجد له وصية تحت رأسه من غير أن يكون أشهد عليها أو أعلم بها أحداً هل يجوز إنفاذ ما فيها؟ قال: إن كان قد عرف خطه وكان مشهور الخط فإنَّه ينفذ ما فيها. وقد نص في الشهادة أنَّه إذا لم يذكرها ورأى خطه لا يشهد حتى يذكرها، ونص فيمن كتب وصيته وقال: اشهدوا عليَّ بما فيها أنَّهم لا يشهدون إلَّا أن يسمعوها منه أو تقرأ عليه فيقر بها.

стр. 5418

فاختلف أصحابنا فمنهم من خرج في كل مسألة حكم الأخرى وجعل فيها وجهين بالنقل والتخريج. ومنهم من امتنع من التخريج وأقر النصين وفرق بينهما. واختار شيخنا التفريق قال والفرق أنَّه إذا كتب وصيته وقال: اشهدوا علي بما فيها فإنَّهم لا يشهدون لجواز أن يزيد في الوصية وينقص ويغير، وأمَّا إذا كتب وصيته ثم مات وعرف أنَّه خطه فإنَّه يشهد لزوال هذا المحذور. والحديث المتقدم كالنص في جواز الاعتماد على خط الموصي وكتبه ﷺ إلى عماله وإلى الملوك وغيرهم تدل على ذلك؛ ولأنَّ الكتابة تدل على المقصود فهي كاللفظ، ولهذا يقع بها الطلاق. قال القاضي: وثبوت الخط في الوصية يتوقف على معاينة البينة أو الحاكم لفعل الكتابة لأنَّها عمل والشهادة على العمل طريقها الرؤية. وقول الإمام أحمد: إن كان قد عرف خطه وكان مشهور الخط ينفذ ما فيها يرد ما قاله القاضي فإنَّ أحمد علق الحكم بالمعرفة والشهرة من غير اعتبار لمعاينة الفعل وهذا هو الصحيح، فإنَّ القصد حصول العلم بنسبة الخط إلى كاتبه فإذا عرف ذلك وتيقن كان كالعلم بنسبة اللفظ إليه، فإنَّ الخط دال على اللفظ، واللفظ دال

стр. 5419

على القصد والإرادة، وغاية ما يقدر اشتباه الخطوط، وذلك كما يعرض من اشتباه الصور والأصوات، وقد جعل الله سبحانه لخط كل كاتب ما يتميز به عن خط غيره كتميز صورته وصوته عن صورته وصوته، والناس يشهدون شهادة لا يستريبون فيها أنَّ هذا خط فلان، وإن جازت محاكاته ومشابهته فلا بد من فرق، وهذا أمر يختص بالخط العربي، ووقوع الاشتباه والمحاكاة لو كان مانعاً لمنع من الشهادة على الخط عند معاينته إذا غاب عنه لجواز المحاكاة. وقد دلت الأدلة المتضافرة التي تقرب من القطع على قبول شهادة الأعمى فيما طريقه السمع إذا عرف الصوت مع أنَّ تشابه الأصوات إن لم يكن أعظم من تشابه الخطوط فليس دونه. وقد صرح أصحاب أحمد والشافعي بأنَّ الوارث إذا وجد في دفتر مورثه أنَّ لي عند فلان كذا جاز له أن يحلف على استحقاقه، وأظنه منصوصاً عليها، وكذلك لو وجد في دفتره: أنِّي أديت إلى فلان ماله عليَّ جاز له أن يحلف على ذلك إذا وثق بخط مورثه وأمانته.

стр. 5420

ولم يزل الخلفاء والقضاة والأمراء والعمال يعتمدون على كتب بعضهم إلى بعض ولا يشهدون حاملها على ما فيها ولا يقرءونها عليه هذا عمل الناس من زمن نبيهم إلى الآن. قال البخاري في "صحيحه" باب الشهادة على الخط وما يجوز من ذلك وما يضيق منه وكتاب الحاكم إلى عامله والقاضي إلى القاضي، وقال بعض الناس: كتاب الحاكم جائز إلاَّ في الحدود. قال: وإن كان القتل فالخطأ والعمد واحد لأنَّه مال بزعمه، وإنَّما صار مالاً بعد أن ثبت القتل فالخطأ والعمد واحد، وقد كتب عمر إلى عامله في الحدود، وكتب عمر بن عبد العزيز في سن كسرت. وقال إبراهيم: كتاب القاضي إلى القاضي جائز إذا عرف الكتاب والخاتم، وكان الشعبي يجيز الكتاب المختوم بما فيه من القاضي، ويروى عن ابن عمر نحوه، وقال معاوية بن عبد الكريم الثقفي: شهدت عبد الملك بن يعلى قاضي البصرة، وإياس بن معاوية، والحسن البصري، وثمامة بن عبد الله بن أنس، وبلال بن أبي بردة، وعبد الله بن بريدة، وعامر بن عبيدة، وعباد بن منصور يجيزون كتب القضاة بغير محضر من الشهود، فإن قال الذي جيء عليه بالكتاب: إنَّه زور. قيل له: اذهب فالتمس المخرج من ذلك.

стр. 5421

وأول من سأل على كتاب القاضي البينة ابن أبي ليلى، وسوار بن عبد الله، وقال لنا أبو نعيم: حدثنا عبد الله بن محرز، قال: جئت بكتاب من موسى بن أنس قاضي البصرة وأقمت عنده البينة أنَّ لي عند فلان كذا وكذا وهو بالكوفة فجئت به القاسم بن عبد الرحمن فأجازه، وكره الحسن البصري، وأبو قلابة أن يشهد على وصية حتى يعلم ما فيها لأنَّه لا يدري لعل فيها جوراً وقد كتب النبي ﷺ إلى أهل خيبر: "إمَّا أن تدوا صاحبكم، وإمَّا أن تأذنوا بحرب" اهـ كلامه. وأجاز مالك الشهادة على الخطوط فروى عنه ابن وهب في الرجل يقوم بذكر حق قد مات شهوده ويأتي بشاهدين عدلين على خط كاتب الخط. قال: تجوز شهادتهما على الكتاب إذا كان عدلاً مع يمين الطالب، وهو قول ابن القاسم. وذكر ابن شعبان عن ابن وهب أنَّه قال: لا آخذ بقول مالك في الشهادة على الخط، وقال الطحاوي: خالف مالك جميع الفقهاء في ذلك وعدوا قوله شذوذاً. قال محمد بن الحارث: الشهادة على الخط خطأ، فقد قال مالك في رجل قال: سمعت فلاناً يقول: رأيت فلاناً قتل فلاناً، أو قال: سمعت فلاناً طلق امرأته، أو قذفها أنَّه لا يشهد على شهادته إلاَّ أن يشهده. قال: والخط أبعد من هذا وأضعف.

стр. 5422

قال: ولقد قلت لبعض القضاة أتجوز شهادة الموتى؟! فقال: ما هذا الذي تقول. فقُلْتُ: إنَّكم تجيزون شهادة الرجل بعد موته إذا وجدتم خطه في وثيقة فسكت. وقال محمد بن عبد الحكم: لا يقضى في دهرنا بالشهادة على الخط لأنَّ الناس قد أحدثوا ضروباً من الفجور، وقد قال مالك في الناس تحدث لهم أقضية على نحو ما أحدثوا من الفجور. وقد روى لي عبد الله بن نافع عن مالك قال: كان من أمر الناس القديم إجازة الخواتيم حتى إنَّ القاضي ليكتب للرجل الكتاب فما يزيد على ختمه فيعمل به حتى أتتهم الناس فصار لا يقبل إلاَّ بشاهدين. واختلف الفقهاء فيما إذا أشهد القاضي شاهدين على كتابه ولم يقرأه عليهما ولا عرفهما بما فيه. فقال مالك: يجوز ذلك ويلزم القاضي المكتوب إليه قبوله ويقول الشاهدان له هذا كتابه دفعه إلينا مختوماً وهذا إحدى الروايتين عن الإمام أحمد. وقال أبو حنيفة والشافعي وأبو ثور: إذا لم يقرأه عليهما القاضي لم يعمل القاضي المكتوب إليه بما فيه وهو إحدى الروايتين عن مالك. وحجتهم أنَّه لا يجوز أن يشهد الشاهد إلاَّ بما يعلم.

стр. 5423

وأجاب الآخرون: بأنَّهما لم يشهدا بما تضمنه، وإنما شهدا بأنَّه كتاب القاضي وذلك معلوم لهما، والسنة الصريحة تدل على صحة ذلك، وتغير أحوال الناس وفسادها يقتضي العمل بالقول الآخر، وقد يثبت عند القاضي من أمور الناس ما لا يحسن أن يطلع عليه كل أحد مثل الوصايا التي يتخون الناس فيها، ولهذا يجوز عند مالك وأحمد في إحدى الروايتين أن يشهدا على الوصية المختومة، ويجوز عند مالك أن يشهدا على الكتاب المدرج ويقولا للحاكم: نشهد على إقراره بما في هذا الكتاب وإن لم يعلما بما أقر، والجمهور لا يجيزون الحكم بذلك. قال المانعون من العمل بالخطوط: الخطوط قابلة للمشابهة والمحاكاة، وهل كانت قصة عثمان ومقتله إلاَّ بسبب الخط فإنَّهم صنعوا مثل خاتمه وكتبوا مثل كتابه حتى جرى ما جرى، ولذلك قال الشعبي: لا تشهد أبداً إلاَّ على شيء تذكره فإنَّه من شاء انتقش خاتماً ومن شاء كتب كتاباً. قالوا: وأمَّا ما ذكرتم من الآثار فنعم وههنا أمثالها، ولكن كان ذاك إذ الناس ناس، وأمَّا الآن فكلا ولما، وإذا كان الأمر قد تغير في زمن مالك وابن أبي ليلى حتى قال مالك: كان من أمر الناس القديم إجازة الخواتم حتى إنَّ القاضي ليكتب للرجل الكتاب فما يزيد على ختمه حتى اتهم الناس فصار لا يقبل إلاَّ شاهدان، وقال

стр. 5424

محمد بن عبد الحكم: لا يقضى في دهرنا هذا بالشهادة على الخط؛ لأنَّ الناس قد أحدثوا ضروباً من الفجور، وقد كان الناس فيما مضى يجيزون الشهادة على خاتم كتاب القاضي. فإن قيل: فما تقولون في الدابة يوجد على فخذها صدقة، أو وقف، أو حبس هل للحاكم أن يحكم بذلك؟ قيل: نعم له أن يحكم به، وصرح به أصحاب مالك، فإنَّ هذه أمارة ظاهرة، ولعلها أقوى من شهادة الشاهد، وقد ثبت في الصحيحين من حديث أنس بن مالك ﵁ قال: غدوت على رسول الله ﷺ بعبد الله بن أبي طلحة ليحنكه فوافيته في يده الميسم يسم إبل الصدقة. وللإمام أحمد عنه قال: دخلت النبي ﷺ وهو يسم غنماً في آذانها. وروى مالك في "الموطأ" عن زيد بن أسلم عن أبيه أنَّه قال لعمر بن الخطاب ﵁: إنَّ في الظهر ناقة عمياء. فقال عمر: ادفعها إلى أهل بيت ينتفعون بها. قال فقُلْتُ: هي عمياء. فقال عمر: يقطرونها بالإبل. قال: فقُلْتُ: كيف تأكل من الأرض. قال فقال عمر: أمن نعم الجزية هي، أم من نعم الصدقة؟ فقُلْتُ: من نعم الجزية. فقال عمر: أردتم والله أكلها. فقُلْتُ: إنَّ عليها وسم الجزية.

стр. 5425

ولولا أنَّ الوسم يميز الصدقة من غيرها ويشهد لما هو وسم عليه لم تكن فيه فائدة بل لا فائدة للوسم إلَّا ذلك، ومن لم يعتبر الوسم فلا فائدة فيه عنده. فإن قيل: فما تقولون في الدار يوجد على بابها أو حائطها الحجر مكتوباً إنَّها وقف أو مسجد هل يحكم بذلك. قيل: نعم يقضي به، ويصير وقفاً صرح به بعض أصحابنا وممن ذكره الحارثي في "شرحه". فإن قيل: أليس يجوز أن ينقل الحجر إلى ذلك الموضع. قيل: جواز ذلك كجواز كذب الشاهدين، بل هذا أقرب لأنَّ الحجر المشاهد جزء من الحائط داخل فيه ليس عليه شيء من أمارات النقل، بل يقطع غالباً بأنَّه بني مع الدار، ولا سيما إذا كان حجراً عظيماً وضع عليه الحائط بحيث يتعذر وضعه بعد البناء فهذا أقوى من شهادة رجلين أو رجل وامرأتين. فإن قيل: فما تقولون في كتب العلم يوجد على ظهرها وهوامشها كتابة الوقف هل للحاكم أن يحكم بكونها وقفاً بذلك. قيل: هذا يختلف باختلاف قرائن الأحوال فإذا رأينا كتباً مودعة في خزانة وعليها كتابة الوقف وهي كذلك مدة متطاولة، وقد اشتهرت بذلك لم نسترب في كونها

стр. 5426

وقفاً، وحكمها حكم المدرسة التي عهدت لذلك، وانقطعت كتب وقفها، أو فقدت ولكن تعالم الناس على تطاول المدة كونها وقفاً فتكفي في ذلك الاستفاضة، فإنَّ الوقف يثبت بالاستفاضة وكذلك مصرفه، وأمَّا إذا رأينا كتاباً لا نعلم مقره ولا عرف من كتب عليه الوقف فهذا يوجب التوقف في أمره حتى يتبين حاله. والمعول في ذلك على القرائن فإن قويت حكم بموجبها وإن ضعفت لم يلتفت إليها وإن توسطت طلب الاستظهار وسلك طريق الاحتياط وبالله التوفيق. وقد قال أصحاب مالك في الرجلين يتنازعان في حائط: فينظر إلى عقده ومن له عليه خشب أو سقف وما أشبه ذلك مما يرى بالعين يقضى به لصاحبه، ولا يكلف الطالب البينة، وكذلك القنوات التي تشق الدور والبيوت إلى مستقرها إذا سدها الذي شقت داره وأنكر أن يكون عليها مجرى لأحد فإذا نظروا إلى القناة التي شقت داره وشهدوا بذلك عند القاضي ولم يكن عنده في شهادة الشهود الذين وجههم لذلك مدفع ألزموه مرور القناة على داره ونهى عن سدها ومنع منه. قالوا: فإذا نظروا في القناة تشق داره إلى مستقرها وهي قناة قديمة والبنيان فيها ظاهر حتى تصب في مستقرها فللحاكم أن يلزمه بمرور القناة كما وجدت في داره.

стр. 5427

وقال ابن القاسم فيما رواه ابن عبد الحكم عنه: إذا اختلف الرجلان في جدار بين داريهما كل يدعيه فإن كان بنائه إليهما فهو بينهما، وإن كان معقوداً إلى أحدهما ومنقطعاً عن الآخر فهو إلى من إليه العقد، وإن كان منقطعاً بينهما جميعاً فهو بينهما، وإن كان لأحدهما فيه كوى ولا شيء للآخر فيه وليس بمنعقد إلى واحد منهما فهو إلى من إليه مرافقه، وإن كانت فيه كوى لكليهما فهو بينهما، وإن كانت لأحدهما عليه خشب ولا عقد فيه لواحد منهما فهو لمن له عليه الحمل، فإذا كان عليه حمل لهما جميعاً فهو بينهما. والمقصود أنَّ الكتابة على الحجارة والحيوان وكتب العلم أقوى من هذه الأمارات بكثير فهي أولى أن يثبت بها حكم تلك الكتابة، ولا سيما عند عدم المعارض، وأمَّا إذا عارض ذلك بينة لا تتهم ولا تستند إلى مجرد البديل بذكر سبب الملك واستمراره فإنَّها تقدم على هذه. وأمَّا إن عارضها مجرد اليد لم يلتفت إليها فإنَّ هذه الأمارات بمنزلة البينة والشاهد واليد ترفع بذلك» اهـ. وَقَالَ ﵀ فِي [إِغَاثَةِ اللَّهْفَانِ] (٢/ ٤٨) - عند قول الله تعالى: ﴿وَلَا تَسْأَمُوا أَنْ تَكْتُبُوهُ صَغِيرًا أَوْ كَبِيرًا إِلَى أَجَلِهِ ذَلِكُمْ أَقْسَطُ عِنْدَ اللَّهِ وَأَقْوَمُ لِلشَّهَادَةِ وَأَدْنَى أَلَّا تَرْتَابُوا﴾ [البقرة: ٢٨٢]. -:

стр. 5428

«وأخبر أنَّ ذلك أعدل عنده، وأقوم للشهادة، فيتذكرها الشاهد إذا عاين خطه فيقيمها، وفي ذلك تنبيه على أنَّ له أن يقيمها إذا رأى خطه وتيقنه وإلَّا لم يكن بالتعليل بِقَوْلِهِ: ﴿وَأَقْوَمُ لِلشَّهَادَةِ﴾ فائدة» اهـ. وَقَالَ ﵀ فِي [إِعْلَامِ الْمُوَقِعِيْنَ] (٤/ ٣٣٤ - ٣٣٥): «الفائدة التاسعة والستون: يجوز له العمل بخط المفتي وإن لم يسمع الفتوى من لفظ إذا عرف أنَّه خطه، أو أعلمه به من يسكن إلى قوله، ويجوز له قبول قول الرسول: إنَّ هذا خطه وإن كان عبداً أو امرأة أو صبياً أو فاسقاً كما يقبل قوله في الهدية والإذن في دخول اعتماداً على القرائن والعرف، وكذا يجوز اعتماد الرجل على ما يجده من كتابة الوقف على كتاب أو رباط أو خان أو نحوه فيدخله وينتفع به، وكذلك يجوز له الاعتماد على ما يجده بخط أبيه في برنامجه أنَّ له على فلان كذا وكذا فيحلف على الاستحقاق، وكذا يجوز للمرأة الاعتماد على خط الزوج أنَّه أبانها فلها أن تتزوج بناء على الخط، وكذا الوصي والوارث يعتمد على خط الموصي فينفذ ما فيه وإن لم يشهد شاهدان، وكذا إذا كتب الراوي الى غيره حديثاً جاز له أن يعتمد عليه ويعمل به ويرويه بناء على الخط إذا تيقن ذلك كله، هذا عمل الأمة قديماً وحديثاً من عهد نبينا ﷺ وإلى الآن وإن أنكره من أنكره. ومن العجب

стр. 5429

أنَّ من أنكر ذلك وبالغ في إنكاره ليس معه فيما يفتي به إلَّا مجرد كتاب قيل: إنَّه كتاب فلان فهو يقضى به ويفتى ويحل ويحرم ويقول هكذا في الكتاب والله الموفق. وقد كان رسول الله ﷺ يرسل كتبه الى الملوك وإلى الأمم يدعوهم إلى الإسلام فتقوم عليهم الحجة بكتابه، وهذا أظهر من أن ينكر وبالله التوفيق» اهـ. ١١ - وفيه أنَّ الوصية تنفذ وإن كانت عند صاحبها ولم يجعلها عند غيره. ١٢ - وَقَوْلُهُ: «لَهُ شَيْءٌ». يشمل الوصية بالمنافع، وهو قول الجمهور، وخالف في ذلك ابن أبي ليلى، وابن شبرمة، وداود وأتباعه وابن عبد البر. ١٣ - وفيه الحث على الاستعداد للموت وعدم الغفلة عنه. * * *

стр. 5430

٢٨٩ - عَنْ سَعْدِ بْنِ أَبِي وَقَّاصٍ ﵁ قَالَ: جَاءَني رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَعُودُنِي عَامَ حَجَّةِ الْوَدَاعِ مِنْ وَجَعٍ اشْتَدَّ بِي فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، قَدْ بَلَغَ بِي مِنْ الْوَجَعِ مَا تَرَى، وَأَنَا ذُو مَالٍ، وَلا يَرِثُنِي إلاَّ ابْنَةٌ أَفَأَتَصَدَّقُ بِثُلُثَيْ مَالِي؟ قَالَ: «لَا»، قُلْتُ: فَالشَّطْرُ يَا رَسُولَ اللَّهِ؟ قَالَ: «لَا»، قُلْتُ: فَالثُّلُثُ قَالَ: «الثُّلُثُ، وَالثُّلُثُ كَثِيرٌ، إِنَّكَ أَنْ تَذَرَ ورَثَتَكَ أَغنياءَ خيرٌ منْ أَنْ تَذَرَهمْ عالَةً يَتَكَفَّفونَ النَّاسَ، وإنَّكَ لَنْ تُنْفِقَ نَفَقَةً تَبْتَغِي بِهَا وَجْهَ اللَّهِ إلاَّ أُجِرْتَ بِهَا، حَتَّى مَا تَجْعَلُ فِي فِي امْرَأَتِكَ». قَالَ: قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ أُخَلَّفُ بَعْدَ أَصْحَابِي؟ قَالَ: «إنَّكَ لَنْ تُخَلَّفَ فَتَعْمَلَ عَمَلاً تَبْتَغِي بِهِ وَجْهَ اللَّهِ إلاَّ ازْدَدْت بِهِ دَرَجَةً وَرِفْعَةً، وَلَعَلَّكَ أَنْ تُخَلَّفَ حَتَّى يَنْتَفِعَ بِكَ أَقْوَامٌ، وَيُضَرُّ بِكَ آخَرُونَ. اللَّهُمَّ أَمْضِ لأَصْحَابِي هِجْرَتَهُمْ، وَلا تَرُدَّهُمْ عَلَى أَعْقَابِهِمْ، لَكِنِ الْبَائِسُ سَعْدُ بْنُ خَوْلَةَ». يَرْثِي لَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ أَنْ مَاتَ بِمَكَّةَ. قَوْلُهُ: «يَرْثِي لَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ أَنْ مَاتَ بِمَكَّةَ». قيل: مدرج من كلام الزهري. قَالَ الْحَافِظُ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِ ﵀ فِي [التَّمْهِيْدِ] (٨/ ٣٩١):
следующие страницы →