← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 30178

تحفة السائل في بيان ما في عمدة الأحكام من المسائل

أبو بكر الحمادي

Полный текст (8 095 стр.). Показаны 5426–5465 · переход к 5431.

стр. 5426

وقفاً، وحكمها حكم المدرسة التي عهدت لذلك، وانقطعت كتب وقفها، أو فقدت ولكن تعالم الناس على تطاول المدة كونها وقفاً فتكفي في ذلك الاستفاضة، فإنَّ الوقف يثبت بالاستفاضة وكذلك مصرفه، وأمَّا إذا رأينا كتاباً لا نعلم مقره ولا عرف من كتب عليه الوقف فهذا يوجب التوقف في أمره حتى يتبين حاله. والمعول في ذلك على القرائن فإن قويت حكم بموجبها وإن ضعفت لم يلتفت إليها وإن توسطت طلب الاستظهار وسلك طريق الاحتياط وبالله التوفيق. وقد قال أصحاب مالك في الرجلين يتنازعان في حائط: فينظر إلى عقده ومن له عليه خشب أو سقف وما أشبه ذلك مما يرى بالعين يقضى به لصاحبه، ولا يكلف الطالب البينة، وكذلك القنوات التي تشق الدور والبيوت إلى مستقرها إذا سدها الذي شقت داره وأنكر أن يكون عليها مجرى لأحد فإذا نظروا إلى القناة التي شقت داره وشهدوا بذلك عند القاضي ولم يكن عنده في شهادة الشهود الذين وجههم لذلك مدفع ألزموه مرور القناة على داره ونهى عن سدها ومنع منه. قالوا: فإذا نظروا في القناة تشق داره إلى مستقرها وهي قناة قديمة والبنيان فيها ظاهر حتى تصب في مستقرها فللحاكم أن يلزمه بمرور القناة كما وجدت في داره.

стр. 5427

وقال ابن القاسم فيما رواه ابن عبد الحكم عنه: إذا اختلف الرجلان في جدار بين داريهما كل يدعيه فإن كان بنائه إليهما فهو بينهما، وإن كان معقوداً إلى أحدهما ومنقطعاً عن الآخر فهو إلى من إليه العقد، وإن كان منقطعاً بينهما جميعاً فهو بينهما، وإن كان لأحدهما فيه كوى ولا شيء للآخر فيه وليس بمنعقد إلى واحد منهما فهو إلى من إليه مرافقه، وإن كانت فيه كوى لكليهما فهو بينهما، وإن كانت لأحدهما عليه خشب ولا عقد فيه لواحد منهما فهو لمن له عليه الحمل، فإذا كان عليه حمل لهما جميعاً فهو بينهما. والمقصود أنَّ الكتابة على الحجارة والحيوان وكتب العلم أقوى من هذه الأمارات بكثير فهي أولى أن يثبت بها حكم تلك الكتابة، ولا سيما عند عدم المعارض، وأمَّا إذا عارض ذلك بينة لا تتهم ولا تستند إلى مجرد البديل بذكر سبب الملك واستمراره فإنَّها تقدم على هذه. وأمَّا إن عارضها مجرد اليد لم يلتفت إليها فإنَّ هذه الأمارات بمنزلة البينة والشاهد واليد ترفع بذلك» اهـ. وَقَالَ ﵀ فِي [إِغَاثَةِ اللَّهْفَانِ] (٢/ ٤٨) - عند قول الله تعالى: ﴿وَلَا تَسْأَمُوا أَنْ تَكْتُبُوهُ صَغِيرًا أَوْ كَبِيرًا إِلَى أَجَلِهِ ذَلِكُمْ أَقْسَطُ عِنْدَ اللَّهِ وَأَقْوَمُ لِلشَّهَادَةِ وَأَدْنَى أَلَّا تَرْتَابُوا﴾ [البقرة: ٢٨٢]. -:

стр. 5428

«وأخبر أنَّ ذلك أعدل عنده، وأقوم للشهادة، فيتذكرها الشاهد إذا عاين خطه فيقيمها، وفي ذلك تنبيه على أنَّ له أن يقيمها إذا رأى خطه وتيقنه وإلَّا لم يكن بالتعليل بِقَوْلِهِ: ﴿وَأَقْوَمُ لِلشَّهَادَةِ﴾ فائدة» اهـ. وَقَالَ ﵀ فِي [إِعْلَامِ الْمُوَقِعِيْنَ] (٤/ ٣٣٤ - ٣٣٥): «الفائدة التاسعة والستون: يجوز له العمل بخط المفتي وإن لم يسمع الفتوى من لفظ إذا عرف أنَّه خطه، أو أعلمه به من يسكن إلى قوله، ويجوز له قبول قول الرسول: إنَّ هذا خطه وإن كان عبداً أو امرأة أو صبياً أو فاسقاً كما يقبل قوله في الهدية والإذن في دخول اعتماداً على القرائن والعرف، وكذا يجوز اعتماد الرجل على ما يجده من كتابة الوقف على كتاب أو رباط أو خان أو نحوه فيدخله وينتفع به، وكذلك يجوز له الاعتماد على ما يجده بخط أبيه في برنامجه أنَّ له على فلان كذا وكذا فيحلف على الاستحقاق، وكذا يجوز للمرأة الاعتماد على خط الزوج أنَّه أبانها فلها أن تتزوج بناء على الخط، وكذا الوصي والوارث يعتمد على خط الموصي فينفذ ما فيه وإن لم يشهد شاهدان، وكذا إذا كتب الراوي الى غيره حديثاً جاز له أن يعتمد عليه ويعمل به ويرويه بناء على الخط إذا تيقن ذلك كله، هذا عمل الأمة قديماً وحديثاً من عهد نبينا ﷺ وإلى الآن وإن أنكره من أنكره. ومن العجب

стр. 5429

أنَّ من أنكر ذلك وبالغ في إنكاره ليس معه فيما يفتي به إلَّا مجرد كتاب قيل: إنَّه كتاب فلان فهو يقضى به ويفتى ويحل ويحرم ويقول هكذا في الكتاب والله الموفق. وقد كان رسول الله ﷺ يرسل كتبه الى الملوك وإلى الأمم يدعوهم إلى الإسلام فتقوم عليهم الحجة بكتابه، وهذا أظهر من أن ينكر وبالله التوفيق» اهـ. ١١ - وفيه أنَّ الوصية تنفذ وإن كانت عند صاحبها ولم يجعلها عند غيره. ١٢ - وَقَوْلُهُ: «لَهُ شَيْءٌ». يشمل الوصية بالمنافع، وهو قول الجمهور، وخالف في ذلك ابن أبي ليلى، وابن شبرمة، وداود وأتباعه وابن عبد البر. ١٣ - وفيه الحث على الاستعداد للموت وعدم الغفلة عنه. * * *

стр. 5430

٢٨٩ - عَنْ سَعْدِ بْنِ أَبِي وَقَّاصٍ ﵁ قَالَ: جَاءَني رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَعُودُنِي عَامَ حَجَّةِ الْوَدَاعِ مِنْ وَجَعٍ اشْتَدَّ بِي فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، قَدْ بَلَغَ بِي مِنْ الْوَجَعِ مَا تَرَى، وَأَنَا ذُو مَالٍ، وَلا يَرِثُنِي إلاَّ ابْنَةٌ أَفَأَتَصَدَّقُ بِثُلُثَيْ مَالِي؟ قَالَ: «لَا»، قُلْتُ: فَالشَّطْرُ يَا رَسُولَ اللَّهِ؟ قَالَ: «لَا»، قُلْتُ: فَالثُّلُثُ قَالَ: «الثُّلُثُ، وَالثُّلُثُ كَثِيرٌ، إِنَّكَ أَنْ تَذَرَ ورَثَتَكَ أَغنياءَ خيرٌ منْ أَنْ تَذَرَهمْ عالَةً يَتَكَفَّفونَ النَّاسَ، وإنَّكَ لَنْ تُنْفِقَ نَفَقَةً تَبْتَغِي بِهَا وَجْهَ اللَّهِ إلاَّ أُجِرْتَ بِهَا، حَتَّى مَا تَجْعَلُ فِي فِي امْرَأَتِكَ». قَالَ: قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ أُخَلَّفُ بَعْدَ أَصْحَابِي؟ قَالَ: «إنَّكَ لَنْ تُخَلَّفَ فَتَعْمَلَ عَمَلاً تَبْتَغِي بِهِ وَجْهَ اللَّهِ إلاَّ ازْدَدْت بِهِ دَرَجَةً وَرِفْعَةً، وَلَعَلَّكَ أَنْ تُخَلَّفَ حَتَّى يَنْتَفِعَ بِكَ أَقْوَامٌ، وَيُضَرُّ بِكَ آخَرُونَ. اللَّهُمَّ أَمْضِ لأَصْحَابِي هِجْرَتَهُمْ، وَلا تَرُدَّهُمْ عَلَى أَعْقَابِهِمْ، لَكِنِ الْبَائِسُ سَعْدُ بْنُ خَوْلَةَ». يَرْثِي لَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ أَنْ مَاتَ بِمَكَّةَ. قَوْلُهُ: «يَرْثِي لَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ أَنْ مَاتَ بِمَكَّةَ». قيل: مدرج من كلام الزهري. قَالَ الْحَافِظُ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِ ﵀ فِي [التَّمْهِيْدِ] (٨/ ٣٩١):

стр. 5431

«وَقَوْلُهُ: "يَرْثِي لَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إن مَاتَ بِمَكَّةَ" مِنْ قَوْلِ ابْنِ شِهَابٍ» اهـ. وَقَالَ الْعَلَّامَةُ ابْنُ بَطَّالٍ ﵀ فِي [شَرْحِ الْبُخَارِي] (٣/ ٢٧٨): «قوله: "يرثى له رسول الله ﷺ أن مات بمكة" من قول سعد في بعض الطرق، وأكثر الطرق أنَّه من قول الزهري، وليس هو من قول الرسول» اهـ. وقَالَ الْعَلَّامَةُ الْنَوَوِي ﵀ فِي [شَرْحِ مُسْلِمٍ] (١١/ ٧٩): «قَوْلُهُ: "يَرْثِي لَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ أَنْ مَاتَ بِمَكَّةَ" قَالَ الْعُلَمَاءُ: هَذَا مِنْ كَلَامِ الرَّاوِي وَلَيْسَ هُوَ مِنْ كَلَامِ النَّبِيِّ ﷺ بَلِ انْتَهَى كَلَامُهُ ﷺ بِقَوْلِهِ لَكِنِ الْبَائِسُ سَعْدُ بْنُ خَوْلَةَ فَقَالَ الرَّاوِي تَفْسِيرًا لِمَعْنَى هَذَا الْكَلَامِ أَنَّهُ يَرْثِيهِ النَّبِيُّ ﷺ وَيَتَوَجَّعُ لَهُ وَيَرِقُّ عَلَيْهِ لِكَوْنِهِ مَاتَ بِمَكَّةَ وَاخْتَلَفُوا فِي قَائِلِ هَذَا الْكَلَامِ مَنْ هُوَ فَقِيلَ هُوَ سَعْدُ بْنُ أَبِي وَقَّاصٍ وَقَدْ جَاءَ مُفَسَّرًا فِي بَعْضِ الرِّوَايَاتِ قَالَ الْقَاضِي وَأَكْثَرُ مَا جَاءَ أَنَّهُ مِنْ كَلَامِ الزُّهْرِيِّ» اهـ. قُلْتُ: في هذا انظر فليس في الروايات التصريح بذلك. وَقَالَ الْحِافِظُ ابْنُ حَجَرٍ ﵀ فِي [الْنُكَتِ] (٢/ ٨٢١):

стр. 5432

«فإنَّ قوله: "يرثي له .. " إلى آخره من كلام الزهري أدرج في الخبر إذ رواه عن عامر بن سعد، عن أبيه» اهـ. وَقَالَ ﵀ فِي [فَتْحِ الْبَارِي] (٣/ ١٦٥): «وَأَفَادَ أَبُو دَاوُدَ الطَّيَالِسِيُّ فِي رِوَايَتِهِ لِهَذَا الْحَدِيثِ عَنْ إِبْرَاهِيمَ بْنِ سَعْدٍ عَنِ الزُّهْرِيِّ أَنَّ الْقَائِلَ يَرْثِي لَهُ إِلَخْ هُوَ الزُّهْرِيُّ وَيُؤَيِّدُهُ أَنَّ هَاشِمَ بْنَ هَاشِمٍ وَسَعْدَ بْنَ إِبْرَاهِيمَ رَوَيَا هَذَا الْحَدِيثَ عَنْ عَامِرِ بْنِ سَعْدٍ فَلَمْ يَذْكُرَا ذَلِكَ فِيهِ وَكَذَا فِي رِوَايَةِ عَائِشَةَ بِنْتِ سَعْدٍ عَنْ أَبِيهَا كَمَا سَيَأْتِي فِي كِتَابِ الْوَصَايَا» اهـ. قُلْتُ: وذهب بعض العلماء أنَّ ذلك من كلام سعد وليس بمدرج لما رواه البخاري (٦٣٧٣) «قَالَ سَعْدٌ: رَثَى لَهُ النَّبِيُّ ﷺ مِنْ أَنْ تُوُفِّيَ بِمَكَّةَ». قَالَ الْحِافِظُ ابْنُ حَجَرٍ ﵀ فِي [فَتْحِ الْبَارِي] (٥/ ٣٦٥): «فَهَذَا صَرِيحٌ فِي وَصْلِهِ فَلَا يَنْبَغِي الْجَزْمُ بِإِدْرَاجِهِ» اهـ. قُلْتُ: والمراد بالصدقة في الحديث الوصية، ويدل على ذلك ما رواه البخاري (٢٧٤٢)، ومسلم (١٦٢٨) عنه أنَّه قال: «قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، أُوصِي بِمَالِي كُلِّهِ». وَقَوْلُهُ: «عَادَنِي». أي زارني.

стр. 5433

قَالَ الْعَلَّامَةُ الْقُرْطُبِي ﵀ فِي [الْمُفْهِم] (١٥/ ٤): «عادني: زارني. ولا يقال ذلك إلَّا لزيارة المريض. فأمَّا الزيارة فأكثرها للصحيح. وقد تقال للمريض» اهـ. قَالَ الْحِافِظُ ابْنُ حَجَرٍ ﵀ فِي [فَتْحِ الْبَارِي] (٥/ ٣٦٥): «وَقَوْلُهُ: قال: "الثلث، والثلث كثير" بنصب الأول على الإغراء، أو بفعل مضمر نحو: عين الثلث. وبالرفع على أنَّه خبر مبتدأ محذوف، أو المبتدأ والخبر محذوف والتقدير يكفيك الثلث، أو الثلث كاف، ويحتمل أن يكون قَوْلُهُ: "والثلث كثير" مسوقاً لبيان الجواز بالثلث وأنَّ الأولى أن ينقص عنه ولا يزيد عليه، وهو ما يبتدره الفهم، ويحتمل أن يكون لبيان أن التصدق بالثلث هو الأكمل أي كثير أجره، ويحتمل أن يكون معناه كثير غير قليل. قال الشافعي ﵀: وهذا أولى معانيه يعني أنَّ الكثرة أمر نسبي، وعلى الأول عول ابن عباس كما سيأتي في حديث الباب الذي بعده» اهـ. وَقَوْلُهُ: «وَلَا يَرِثُنِي إِلَّا ابْنَةٌ». المراد من أولادي، وإلَّا فإنَّ له ورثة آخرون، ومنهم هشام بن عتبة بن أبي وقاص ابن أخيه، وغيره من أولاد أخيه. وقد قال سعد هذا قبل أن يولد له سائر ولده، وقد جاء ذكر لبعض ولده فيما رواه مسلم (١٦٢٨)

стр. 5434

فَقَالَ: وَحَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى، حَدَّثَنَا عَبْدُ الْأَعْلَى، حَدَّثَنَا هِشَامٌ، عَنْ مُحَمَّدٍ، عَنْ حُمَيْدِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، حَدَّثَنِي ثَلَاثَةٌ مِنْ وَلَدِ سَعْدِ بْنِ مَالِكٍ، كُلُّهُمْ يُحَدِّثُنِيهِ بِمِثْلِ حَدِيثِ صَاحِبِهِ، فَقَالَ: «مَرِضَ سَعْدٌ بِمَكَّةَ، فَأَتَاهُ النَّبِيُّ ﷺ يَعُودُهُ … ». الحديث. وقد جاء تسميتهم في طرق هذا الحديث في مسلم بعامر بن سعد، ومصعب بن سعد، وثالثهم محمد بن سعد جاء ذكره في بعض الأحاديث في مسلم (١٠٨٦، ٢٢٥٨، ٢٣٩٦)، وله غير هؤلاء من الأولاد، وقد بلغوا أكثر من سبعة عشر ابناً، وأكثر من ثنتي عشرة بنتاً. وَقَوْلُهُ: «خَيْرٌ مِنْ أَنْ تَتْرُكَهُمْ عَالَةً». أي: فقراء. ومنه قول الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّمَا الْمُشْرِكُونَ نَجَسٌ فَلَا يَقْرَبُوا الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ بَعْدَ عَامِهِمْ هَذَا وَإِنْ خِفْتُمْ عَيْلَةً فَسَوْفَ يُغْنِيكُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ إِنْ شَاءَ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ حَكِيمٌ﴾ [التوبة: ٢٨]. وَقَوْلُهُ: «يَتَكَفَّفُونَ النَّاسَ». أي يسألون الناس بأكفهم. أو بمعنى يسألون الناس ما يكف عنهم الجوع، أو يسألون الصدقة من أكف الناس.

стр. 5435

وَقَوْلُهُ: «إِنَّكَ أَنْ تَذَرَ وَرَثَتَكَ أَغْنِيَاءَ، خَيْرٌ مِنْ أَنْ تَذَرَهُمْ عَالَةً يَتَكَفَّفُونَ النَّاسَ، وَإِنَّكَ لَنْ تُنْفِقَ نَفَقَةً تَبْتَغِي بِهَا وَجْهَ اللَّهِ إِلَّا أُجِرْتَ بِهَا، حَتَّى مَا تَجْعَلُ فِي فِي امْرَأَتِكَ». تعليل للنهي عن الوصية بأكثر من الثلث، فكأنَّه قال له: إنَّك إذا مت وقد تركت ورثتك أغنياء خير لك من هذه الوصية التي تضر بهم، وإن عشت فتصدقت في حياتك فالخير حاصل لك. ومعنى: «تَذَرَ» تترك. وَقَوْلُهُ: «أُخَلَّفُ بَعْدَ أَصْحَابِي». جاء في بعض ألفاظ الحديث: «أُخَلَّفُ عَنْ هِجْرَتِي». رواه أحمد (١٥٤٦)، والترمذي (٢١١٦) بِإِسْنَادٍ صَحِيْحٍ. ويحتمل هذا معنيان: الأول: أخلف في مكة بسبب الموت. الثاني: أخلف في مكة بسبب المرض بحيث أنَّ أصحابه يسبقونه إلى الرجوع إلى المدينة. والمعنى الثاني أرجح من الأول، ويدل عليه قول النبي ﷺ : «إِنَّكَ لَنْ تُخَلَّفَ فَتَعْمَلَ عَمَلًا صَالِحًا إِلَّا ازْدَدْتَ بِهِ دَرَجَةً وَرِفْعَةً». فالتخلف الذي فيه عمل إنَّما هو التخلف بالمرض دون الموت.

стр. 5436

وَقَوْلُهُ: «لَعَلَّكَ أَنْ تُخَلَّفَ حَتَّى يَنْتَفِعَ بِكَ أَقْوَامٌ، وَيُضَرَّ بِكَ آخَرُونَ». هذا غير والتخلف هاهنا، وهو تخلف بطول العمر. وَقَوْلُهُ: «فِي فِي امْرَأَتِكَ» أي فمها. وَقَوْلُهُ: «لَكِنِ البَائِسُ». أي: الذي أصابه البؤس وهو الضر والفقر. والمراد من ذلك توجع النبي ﷺ مما حصل لسعد بن خولة ﵁ من الموت في مكة. وَفِي الْحَدِيْثِ مَسَائِلُ مِنْهَا: ١ - مشروعية عيادة المريض. قَالَ شَيْخُ الْإِسْلَامِ ابْنُ تَيْمِيَّةَ ﵀ كَمَا فِي [الْاخْتِيَارِاتِ الْفِقْهِيَةِ] (ص: ٤٤٣): «واختلف أصحابنا وغيرهم في عيادة المريض وتشميت العاطس وابتداء السلام والذي يدل عليه النص وجوب ذلك فيقال: هو واجب على الكفاية» اهـ. ٢ - سؤال أهل العلم في كيفية التصرف بالمال. ٣ - النهي عن الوصية بثلثي المال. ٤ - النهي عن الوصية بشطر المال، وهو نصفه.

стр. 5437

وهذا محمول على من كان له ورثة لقول النبي ﷺ في الحديث: «إِنَّكَ أَنْ تَذَرَ وَرَثَتَكَ أَغْنِيَاءَ، خَيْرٌ مِنْ أَنْ تَذَرَهُمْ عَالَةً يَتَكَفَّفُونَ النَّاسَ». وأمَّا من لا وارث له فيجوز له أن يوصي بجميع ماله، وقد أجاز ذلك الحنفية، وإسحاق، وشريك، وأحمد في رواية، وهو قول علي وابن مسعود، ومنع من ذلك الجمهور. قَالَ الْعَلَّامَةُ ابْنُ الْقَيِّمِ ﵀ فِي [إِعْلَامِ الْمُوَقِعِيْنَ] (٤/ ٣٩): «المثال الثامن بعد المائة: إذا أراد المريض الذي لا وارث له أن يوصى بجميع أمواله في أبواب البر فهل له ذلك على قولين: أصحهما أنَّه يملك ذلك؛ لأنَّه إنَّما منعه الشارع فيما زاد على الثلث وكان له ورثة فمن لا وارث له لا يعترض عليه فيما صنع في ماله» اهـ. ٥ - جواز الوصية بثلث المال، والانقاص عن ذلك هو الأفضل. وقد روى البخاري (٢٧٤٣)، ومسلم (١٦٢٩) عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، قَالَ: لَوْ أَنَّ النَّاسَ غَضُّوا مِنَ الثُّلُثِ إِلَى الرُّبُعِ، فَإِنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ ، قَالَ: «الثُّلُثُ، وَالثُّلُثُ كَثِيرٌ». وقد أورد المصنف هذا الحديث بعد حديث سعد.

стр. 5438

لكن هل المراد بالثلث عند الوصية، أو عند الموت في ذلك نزاع بين العلماء فقال بالأول مالك وأكثر العراقيين، وهو قول النخعي وعمر بن عبد العزيز، وقال بالثاني أبو حنيفة وأحمد والباقون، وهو قول علي بن أبي طالب ﵁ وجماعة من التابعين قَالَهُ الْحِافِظُ ابْنُ حَجَرٍ ﵀ فِي [فَتْحِ الْبَارِي] (٥/ ٣٦٩)، والصحيح هو اعتبار الثلث بما كان عند الموت؛ فإننا لو اعتبرنا الثلث عند الوصية، فقد يأتي عليه الموت وذلك الثلث هو جميع ماله فيحصل بذلك الضرر على الورثة، ومن أجل هذا الضرر جاء النهي عن الوصية بأكثر من الثلث. قَالَ الْحِافِظُ ابْنُ حَجَرٍ ﵀ فِي [فَتْحِ الْبَارِي] (٥/ ٣٧٠): «واختلفوا أيضاً هل يحسب الثلث من جميع المال أو تنفذ بما علمه الموصي دون ما خفي عليه أو تجدد له ولم يعلم به، وبالأول قال الجمهور، وبالثاني قال مالك، وحجة الجمهور أنَّه لا يشترط أن يستحضر تعداد مقدار المال حالة الوصية اتفاقاً ولو كان عالما بجنسه، فلو كان العلم به شرطاً لما جاز» اهـ. قُلْتُ: وقول الجمهور هو الذي يظهر لي صحته. والله أعلم. ٦ - النهي عن الوصية بما زاد على الثلث، وإن كانت دون الشطر. قَالَ الْعَلَّامَةُ ابْنُ بَطَّالٍ ﵀ فِي [شَرْحِ الْبُخَارِي] (٨/ ١٤٤):

стр. 5439

«ذكر الله الوصية في كتابه ذكرًا مجملاً، ثم بين النبي ﷺ أنَّ الوصايا مقصورة على ثلث مال الميت؛ لإطلاقه ﷺ لسعد الوصية بالثلث في هذا الحديث، وأجمع العلماء على القول به» اهـ. ٧ - واحتج به أهل الظاهر على منع الوصية بالثلث وإن أجازها الورثة. قُلْتُ: الصحيح أنَّ الورثة إن أجازوا ذلك فإنَّها تصح؛ وذلك لأنَّ النبي ﷺ إنَّما منع من ذلك لحق الورثة، فإذا أجازوا ذلك فقد تنازلوا عن حقهم فصحت الوصية. والله أعلم. قَالَ الْعَلَّامَةُ الْقُرْطُبِي ﵀ فِي [الْمُفْهِم] (١٥/ ٥): «ومنع أهل الظاهر الوصية بأكثر من الثلث وإن أجازها الورثة. وأجاز ذلك في الكافة إذا أجازها الورثة. وهو الصحيح؛ لأنَّ المريض إنَّما منع من الوصية بزيادة على الثلث لحق الورثة، بدليل قوله ﷺ : "إنَّك أن تذر ورثتك أغنياء خيرٌ من أن تذرهم عالة"، فإذا أسقط الورثة حقهم كان ذلك جائزًا وصحيحًا» اهـ. وَقَالَ الْعَلَّامَةُ ابْنُ قُدَامَةَ ﵀ فِي [الْمُغْنِي] (١٣/ ٢١):

стр. 5440

«وما زاد على الثلث يقف على إجازتهم، فإن أجازوه جاز، وإن ردوه بطل في قول جميع العلماء» اهـ. قُلْتُ: والإجازة المعتبرة من الورثة في وقتها نزاع بين العلماء. قَالَ الْعَلَّامَةُ ابْنُ قُدَامَةَ ﵀ فِي [الْمُغْنِي] (١٣/ ٢٤): «فصل: ولا يعتبر الرد والإجازة إلَّا بعد موت الموصي، فلو أجازوا قبل ذلك، ثم ردوا، أو أذنوا لموروثهم في حياته بالوصية بجميع المال، أو بالوصية لبعض ورثته، ثم بدا لهم فردوا بعد وفاته، فلهم الرد، سواء كانت الإجازة في صحة الموصي أو مرضه. نص عليه أحمد، في رواية أبي طالب. وروي ذلك عن ابن مسعود. وهو قول شريح، وطاووس، والحكم، والثوري، والحسن بن صالح، والشافعي، وأبي ثور، وابن المنذر، وأبي حنيفة، وأصحابه. وقال الحسن، وعطاء، وحماد بن أبي سليمان، وعبد الملك بن يعلى، والزهري، وربيعة، والأوزاعي، وابن أبي ليلى: ذلك جائز عليهم؛ لأنَّ الحق للورثة، فإذا رضوا بتركه سقط حقهم، كما لو رضي المشتري بالعيب. وقال مالك: إن أذنوا له في صحته، فلهم أن يرجعوا، وإن كان ذلك في مرضه، وحين يحجب عن ماله، فذلك جائز عليهم.

стр. 5441

ولنا، أنهم أسقطوا حقوقهم فيما لم يملكوه، فلم يلزمهم، كالمرأة إذا أسقطت صداقها قبل النكاح، أو أسقط الشفيع حقه من الشفعة قبل البيع، ولأنَّها حالة لا يصح فيها ردهم للوصية، فلم يصح فيها إجازتهم، كما قبل الوصية» اهـ. وَقَالَ شَيْخُ الْإِسْلَامِ ابْنُ تَيْمِيَّةَ ﵀ كَمَا فِي [الْاخْتِيَارِاتِ الْفِقْهِيَةِ] (ص: ٥٢٢): «ولو وصى لوارث أولاً حين يزايد على الثلث فأجاز الورثة الوصية بعد موت الموصي صحت الإجازة بلا نزاع وكذا قبله في مرض الموت» اهـ. وَقَالَ الْعَلَّامَةُ ابْنُ الْقَيِّمِ ﵀ فِي [بَدَائِعِ الْفَوَائِدِ] (١/ ٩): «إذا أذن الورثة في التصرف فيما زاد على الثلث قبل المرض فلغو، وإجازتهم بعد الموت معتبرة، وإذنهم بعد المرض مختلف فيه، فأحمد بن حنبل ﵁ لا يعتبره لأنَّه إجازة من غير مالك، ومالك بن أنس ﵁ يعتبره وقوله أظهر» اهـ. قُلْتُ: مذهب الجمهور لعله الأقرب؛ وذلك أنَّ هذا الإذن قبل الملك كالإذن في حال الصحة، ولأنَّه قد يحصل الإذن عن طريق الحياء من المورث. والله أعلم.

стр. 5442

٨ - وفيه ذكر علة النهي، فإنَّ المنهي إذا ذكرت علته كان أقوى لابتعاد النفس عنه. ٩ - وفيه أنَّ الصدقة لا تقبل إلَّا ما ابتغي بها وجه الله تعالى. ١٠ - وفيه فضل النفقة على الزوجة. قَالَ الْحِافِظُ ابْنُ حَجَرٍ ﵀ فِي [فَتْحِ الْبَارِي] (٥/ ٣٦٧): «ولعله خص المرأة بالذكر لأنَّ نفقتها مستمرة بخلاف غيرها» اهـ. ١١ - وفيه آيتان من آيات النبي ﷺ : الأولى: أنَّه أخبر بتأخر موت سعد، وكان كما قال ﵊، فقد عاش سعد بعد ذلك خمساً وأربعين، أو ثمانياً وأربعين سنة. والأخرى: إخباره بما سيحصل لسعد من جهاد الكفار، وفتح بلدانهم بحيث ينتفع المسلمون بما يلقونه من غنائم الكافرين ويتضرر من ذلك الكفار، وكان الأمر كما أخبر النبي ﷺ فقد فتحت القادسية على يديه، وفتحت مدائن كسرى على يديه ﵁. و"لعل" وإن كانت للترجي لكنها من الله للأمر الواقع، وكذلك إذا وردت على لسان رسوله غالباً.

стр. 5443

١٢ - وفيه جواز ذكر الإنسان ما به من الوجع لا على سبيل التسخط والتشكي وعدم الرضاً، فإنَّ سعداً أخبر النبي ﷺ بما به من الوجع الذي خشى منه الموت حتى يستفسر النبي ﷺ عمَّا أراده من الوصية، فلم يفعل ذلك تشكياً ولا تسخطاً. ١٣ - وفيه كراهة الموت في الأرض التي هاجر منها الإنسان من أجل الله . ١٤ - وفيه إباحة جمع المال إذا لم يصد عن واجب، أو يوقع في حرام. ١٥ - وفيه أنَّ الإحسان إلى الورثة أفضل من الإحسان إلى غيرهم. ١٦ - واحتج به من منع من نقل الميت من بلد إلى آخر، ووجه الشاهد منه أنَّه لو كان ذلك مشروعاً لأمر النبي ﷺ بنقل سعد بن خولة من موطن هجرته إلى موضع آخر، فلما لم يفعل ذلك دلَّ ذلك على عدم مشروعيته. قُلْتُ: وهذه المسألة مما تنازع فيها العلماء. قَالَ الْعَلَّامَةُ ابْنُ الْمُنْذِرِ ﵀ فِي [الْأَوْسَطِ] (٥/ ٤٦٤): «واختلفوا في نقل الميت من بلد، فممن كره ذلك عائشة أم المؤمنين، قالت: "لو حضرت أخي ما دفن إلَّا حيث مات"، وكان مات بالحبشي فدفن بأعلى مكة،

стр. 5444

وكره ذلك الأوزاعي، وسئل الزهري عن هذه المسألة، قال: "قد حمل سعد بن أبي وقاص، وسعيد بن المسيب من العقيق إلى المدينة، فدفناه بها"، وقال ابن عيينة، مات ابن عمر ههنا، يعني بمكة، فأوصى أن لا يدفن بها، وأن يدفن بسرف، فغلبهم الحر، وكان رجلاً بادياً» اهـ. قُلْتُ: أثر الزهري رواه ابن سعد في [الطَّبَقَاتِ الْكُبْرَى] (٣/ ١٤٧)، والبيهقي في [الْكُبْرَى] (٦٨٦٦)، وابن عساكر في [تَارِيْخِ دِمَشْقَ] (٨/ ٨٣)، وَإِسْنَادُهُ مُنْقَطِعٌ فالزهري لم يدرك سعداً. ورواه الطبراني في [الْكَبِيْرِ] (٣٠٧) حَدَّثَنَا أَبُو الزِّنْبَاعِ، ثنا يَحْيَى بْنُ بُكَيْرٍ، قَالَ: «مَاتَ سَعْدُ بْنُ أَبِي وَقَّاصٍ ﵁ بِالْعَقِيقِ، وَحُمِلَ إِلَى الْمَدِينَةِ، وَصَلَّى عَلَيْهِ مَرْوَانُ بْنُ الْحَكَمِ». قُلْتُ: هَذَا مُنْقَطِعٌ أيضاً فابن بكير من أتباع التابعين. ورواه البيهقي في [الْكُبْرَى] (٦٨٦٥)، ومن طريقه رواه ابن عساكر في [تَارِيْخِ دِمَشْقَ] (٢٠/ ٣٦٥) أَخْبَرَنَا أَبُو الْحُسَيْنِ بْنُ الْفَضْلِ، أنبأ عَبْدُ اللهِ بْنُ جَعْفَرٍ، ثنا يَعْقُوبُ بْنُ سُفْيَانَ، ثنا عَبْدُ اللهِ بْنُ عُثْمَانَ، أنبأ عَبْدُ اللهِ هُوَ ابْنُ الْمُبَارَكِ، أنبأ دَاوُدُ بْنُ قَيْسٍ، حَدَّثَتْنِي أُمِّي، قَالَتْ: «مَاتَ سَعْدُ بْنُ أَبِي وَقَّاصٍ ﵁ بِالْعَقِيقِ»

стр. 5445

قَالَ دَاوُدُ: وَهُوَ عَلَى نَحْوٍ مِنْ عَشَرَةِ أَمْيَالٍ، قَالَتْ: «فَرَأَيْتُهُ حُمِلَ عَلَى أَعْنَاقِ الرِّجَالِ حَتَّى أُتِيَ بِهِ فَأُدْخِلَ بِهِ الْمَسْجِدَ مِنْ نَحْوِ بَابِ دَارِ مَرْوَانَ، فَوُضِعَ عِنْدَ بُيُوتِ النَّبِيِّ ﷺ بِفِنَاءِ الْحُجَرِ فَصَلَّى الْإِمَامُ عَلَيْهِ وَصَلَّيْنَ عَلَيْهِ بِصَلَاةِ الْإِمَامِ». قُلْتُ: هَذَا الْإِسْنَادُ رِجَالُهُ ثِقَاتٌ غير أم داود فلم أقف لها على ترجمة، والْأَثَرُ حَسَنٌ بهذه الطرق. والله أعلم. وأثر ابن عيينة منقطع أيضاً، ولم أقف عليه مسنداً. وَقَالَ الْعَلَّامَةُ ابْنُ قُدَامَةَ ﵀ فِي [الْمُغْنِي] (٤/ ٤٧٤): «فصل: ويستحب دفن الشهيد حيث قتل قال أحمد: أمَّا القتلى فعلى حديث جابر أنَّ النَّبي ﷺ قال: "ادفنوا القتلى في مصارعهم" وروى ابن ماجه أنَّ رسول الله ﷺ أمر بقتلى أحد أن يردوا إلى مصارعهم. فأمَّا غيرهم فلا ينقل الميت من بلده إلى بلد آخر إلَّا لغرض صحيح. وهذا مذهب الأوزاعي، وابن المنذر. قال عبد الله بن أبي مليكة: توفي عبد الرحمن بن أبي بكر بالحبشة، فحمل إلى مكة فدفن، فلما قدمت عائشة أتت قبره ثم قالت: "والله لو حضرتك ما دفنت إلَّا

стр. 5446

حيث مت، ولو شهدتك ما زرتك"؛ ولأنَّ ذلك أخف لمؤنته وأسلم له من التغيير. فأمَّا إن كان فيه غرض صحيح جاز. وقال أحمد: ما أعلم بنقل الرجل يموت في بلده إلى بلد أخرى بأساً. وسئل الزهري عن ذلك فقال: قد حمل سعد بن أبي وقاص، وسعيد بن زيد، من العقيق إلى المدينة. وقال ابن عيينة مات ابن عمر هنا، فأوصى أن لا يدفن هاهنا، وأن يدفن بسرف» اهـ. وقَالَ الْعَلَّامَةُ الْنَوَوِي ﵀ فِي [الْمَجْمُوْعِ] (٥/ ٣٠٣): «"الثالثة" في نقل الميت من بلد إلى بلد قبل دفنه قال صاحب "الحاوي" قال الشافعي رحمه الله تعالي: لا أحبه إلَّا أن يكون بقرب مكة أو المدينة أو بيت المقدس فيختار أن ينقل إليها لفضل الدفن فيها. وقال البغوي والشيخ أبو نصر البندنيجي من العراقيين: يكره نقله. وقال القاضي حسين والدارمي والمتولي: يحرم نقله. قال القاضي حسين والمتولي: ولو أوصى بنقله لم تنفذ وصيته. وهذا هو الأصح لأنَّ الشرع أمر بتعجيل دفنه وفي

стр. 5447

نقله تأخيره، وفيه أيضاً انتهاكه من وجوه وتعرضه للتغير وغير ذلك، وقد صح عن جابر ﵁ قال "كنا حملنا القتلى يوم أحد لندفنهم فجاء منادى النبي ﷺ فقال: إنَّ رسول الله ﷺ يأمركم أن تدفنوا القتلى في مضاجعهم فرددناهم" رواه أبو داود والترمذي والنسائي بأسانيد صحيحة قال الترمذي حديث حسن صحيح» اهـ. وَقَالَ الْعَلَّامَةُ ابْنُ مُفْلِحٍ ﵀ فِي [الْفُرُوْعِ] (٣/ ٣٢٧): «وكره جماعة من الشافعية نقل الميت مطلقاً، وحرمه آخرون منهم، وجوز الحنفية نقله ميلين، وقيل: ودون السفر، وقيل عندهم: لا يكره السفر، قال أبو المعالي: ويجب لضرورة، نحو كونه بدار حرب، أو مكان يخاف نبشه، وتحريقه، أو المثلة به، قال: وإن تعذر نقله بدار حرب فالأولى تسويته بالأرض، وإخفاؤه، مخافة العدو، ومعناه كلام غيره، فيعايا بها» اهـ. وقَالَ الْحِافِظُ ابْنُ حَجَرٍ ﵀ فِي [فَتْحِ الْبَارِي] (٣/ ٢٠٧): «واختلف في جواز نقل الميت من بلد إلى بلد فقيل يكره لما فيه من تأخير دفنه وتعريضه لهتك حرمته، وقيل يستحب، والأولى تنزيل ذلك على حالتين فالمنع حيث لم يكن هناك غرض راجح كالدفن في البقاع الفاضلة وتختلف الكراهة في

стр. 5448

ذلك فقد تبلغ التحريم والاستحباب حيث يكون ذلك بقرب مكان فاضل كما نص الشافعي على استحباب نقل الميت إلى الأرض الفاضلة كمكة وغيرها والله أعلم» اهـ. وَجَاءَ فِي [فَتَاوَى الْلَّجْنَةِ الْدَّائِمَةِ] (٨/ ٤٣٩) برقم (٣٩١٣): «أمَّا نقل الميت إلى بلاده لغير ضرورة فغير مشروع، وكون الميت يدفن في تابوت في محل موته ليس مبرراً لنقله ما دام هناك مقبرة للمسلمين يدفن بها في محل موته وكان دفنه في التابوت. وبالله التوفيق وصلى الله على نبينا محمد وآله وصحبه وسلم. اللجنة الدائمة للبحوث العلمية والإفتاء عضو … عضو … نائب رئيس اللجنة … الرئيس عبد الله بن قعود … عبد الله بن غديان … عبد الرزاق عفيفي … عبد العزيز بن عبد الله بن باز» اهـ. قُلْتُ: ولهم فتوى بعد ذلك برقم (١٩٤٢٨) (٧/ ٢٦٣): قالوا فيها: «نقل الميت من مكان وفاته ليدفن في مكان آخر جائز لا سيما إذا كان لمصلحة، أمَّا إذا لم يكن هناك مصلحة في نقله فالأولى دفنه في مكان وفاته إذا لم يكن هناك مانع من دفنه

стр. 5449

فيه؛ لأنَّ ذلك فيه مبادرة بتجهيز الميت ودفنه، كما أمر بذلك النبي ﷺ ، ولا بأس بتكرار الصلاة عليه خصوصاً لمن لم يحضر الصلاة عليه في المرة الأولى. اللجنة الدائمة للبحوث العلمية والإفتاء عضو … عضو … عضو … نائب الرئيس … الرئيس بكر أبو زيد … صالح الفوزان … عبد الله بن غديان … عبد العزيز آل الشيخ … عبد العزيز بن عبد الله بن باز» اهـ. وَجَاءَ فِي [فَتَاوَى وَرَسَائِلَ مُحَمَدِ بْنِ إِبْرَاهِيْمَ آل الْشَّيْخِ] (٣/ ١٨٢ - ١٨٤): «من محمد بن إبراهيم إلى صاحب السمو الملكي وزير الداخلية سلمه الله السلام عليكم ورحمة الله وبركاته وبعد: فقد جرى الاطلاع على الاستفتاء الموجه إلينا رفق خطاب سموكم رقم ٦٧٣٤ وتاريخ ١/ ٦/ ٨٢ هـ من المدعو س أ ملك المتضمن استفتاءه عن حكم نقله بعد موته من بلده إلى المدينة المنورة لدفنه فيها. نفيد سموكم أنَّه لا يظهر لنا جواز ذلك، لما روى البخاري في صحيحه، عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "أسرعوا بالجنازة

стр. 5450

فإن تلك صالحة فخير تقدمونها إليه، وإن تلك سوى ذلك فشر تضعونه عن رقابكم"، وروى الطبراني بإسناد حسن من حديث ابن عمر سمعت رسول الله ﷺ يقول: "إذا مات أحدكم فلا تحبسوه وأسرعوا به إلى قبره" ولا شك أنَّ في نقله تأخيراً لجنازته وحبساً لها، زيادة على تعريضها للتغيير والانتهاك، وإلزام تركته بزيادة كبيرة في مؤنة نقله وما يستتبعه النقل من تصبير ونحوه، وهذا هو الذي دفع عائشة ﵂ أن تقول بشأن أخيها عبد الرحمن ما قالت مما رواه الحاكم في مستدركه بسنده إلى صفية بنت شيبة قالت: قدمت عائشة ﵂ فأتيتها أعزيها بأخيها عبد الرحمن بن أبي بكر فقالت: رحم الله أخي إن أكثر ما أجد في نفسي أنَّه لم يدفن حيث مات. قالت رحم الله أخي إن أكثر ما أجد في نفسي أنَّه لم يدفن حيث مات. قالت: وكان أخوها قد توفي بالحبشي فخرجت إليه فئة قريش فحملوه إلى أعلى مكة. قال في "المغني والشَّرْحُ الكبير": ولا ينقل الميت من بلد إلى بلد آخر إلَّا لغرض صحيح، وهذا قول الأوزاعي وابن المنذر. قال عبد الله بن أبي مليكة: توفي عبد الرحمن بن أبي بكر بالحبشي فحمل إلى مكة فدفن، فلما قدمت عائشة أتت قبره، ثم

стр. 5451

قالت: والله لو حضرتك ما دفنت إلَّا حيث مت، ولو شهدتك ما زرتك. ولأنَّ ذلك أخف لمؤنته وأسلم له من التغيير اهـ. وقال في "فتح القدير" لابن الهمام الحنفي: أمَّا إذا أرادوا نقله قبل الدفن وتسوية اللبن فلا بأس بنقله نحو ميل أو ميلين. قال المصنف في " التجنيس" لأنَّ المسافة إلى المقابر قد تبلغ هذا المقدار. وقال السرخسي: قول محمد بن مسلمة ذلك دليل على أنَّ نقله من بلد إلى بلد مكروه، والمستحب أن يدفن كل في مقبرة البلدة التي مات بها - إلى أن قال: ثم قال المصنف: وذكر أنَّه إذا مات في بلده كره نقله إلى أخرى لأنَّه اشتغال بما لا يفيد بما فيه تأخير دفنه وكفى بذلك كراهة اهـ. ولم ينقل إلينا أنَّ أحداً من الصحابة رضوان الله عليهم نقل بعد موته من بلد إلى بلد، اللهم إلَّا ما ورد عن حمل سعد بن أبي وقاص وسعيد بن زيد من العقيق إلى المدينة، وكذلك ما ذكره ابن عيينة من أنَّ ابن عمر مات هنا يعني في مكة فأوصى ألَّا يدفن ههنا وأن يدفن بسرف، فهذان الموضعان قريبان، مع أنَّ عائشة ﵂ أنكرت نقل أخيها من الحبشي إلى مكة، والحبشي موضع قريب من مكة. وبالله التوفيق. والسلام عليكم. (الختم) (ص - ف - ١٦٨ - ١ وتاريخ ٢٨/ ٨/ ١٣٨٣ هـ)» اهـ.

стр. 5452

قُلْتُ: حديث ابن عمر رواه الطبراني في [الْكَبِيْرِ] (١٣٤٣٨)، والبيهقي في [شُعَبِ الْإِيْمَانِ] (٨٨٥٤)، والخلال في [الْأَمْرِ بِالْمَعْرُوفِ وَالنَّهِيِّ عَنِ الْمُنْكَرِ] (٢٤٥)، وفي [الْقِرَاءَةِ عِنْدَ الْقُبُورِ] (٢) مِنْ طَرِيْقِ أَبِي شُعَيْبٍ الْحَرَّانِيُّ، ثنا يَحْيَى بْنُ عَبْدِ اللهِ الْبَابْلُتِّيُّ، ثنا أَيُّوبُ بْنُ نَهِيكٍ، قَالَ: سَمِعْتُ عَطَاءَ بْنَ أَبِي رَبَاحٍ، يَقُولُ: سَمِعْتُ ابْنَ عُمَرَ، يَقُولُ: سَمِعْتُ النَّبِيَّ ﷺ يَقُولُ: «إِذَا مَاتَ أَحَدُكُمْ فَلَا تَحْبِسُوهُ، وَأَسْرِعُوا بِهِ إِلَى قَبْرِهِ، وَلْيُقْرَأْ عِنْدَ رَأْسِهِ بِفَاتِحَةِ الْكِتَابِ، وَعِنْدَ رِجْلَيْهِ بِخَاتِمَةِ الْبَقَرَةِ فِي قَبْرِهِ». قُلْتُ: هَذَا حَدِيْثٌ شَدِيْدُ الضَّعِفِ، فالبابلي ضعيف، وشيخه أيوب بن نهيك شديد الضعف قال فيه أبو زرعة: "هو منكر الحديث"، وضعفه أبو حاتم كما في [الْجَرْحِ وَالتَّعْدِيْلِ] (٢/ ٢٥٩) لا بن أبي حاتم أمَّا ابْنُ الْجَوْزِيِّ ﵀ فَقَدْ قَالَ فِي [الضُّعَفَاءِ والْمَتْرُوكِيْن] (١/ ١٣٣): «قال أبو حاتم الرازي ضعيف الحديث، وقال أبو زرعة متروك الحديث، وقال أبو الفتح الأزدي متروك الحديث» اهـ. قُلْتُ: الموجود في "الجرح والتعديل" لابن أبي حاتم أنَّ أبا زرعة قال فيه: «هو منكر الحديث» كما سبق.

стр. 5453

وَقَالَ الْحَافِظُ الْذَهَبِيُّ ﵀ فِي [الْمُغْنِيِّ فِي الضُّعَفَاءِ] (١/ ٩٧): «تركوه» اهـ. وبهذا يتبين أنَّ تحسين العلامة محمد بن إبراهيم ﵀ لإسناد الحديث وهم ظاهر. وأمَّا أثر عائشة فرواه ابن أبي شيبة في [مُصَنَّفِهِ] (١١٩٣٣)، وعبد الرزاق في [مُصَنَّفِهِ] (٦٥٣٥)، ومن طريقه ابن المنذر في [الْأَوْسَطِ] (٣١٥٥)، ورواه الترمذي (١٠٥٥)، والحاكم في [الْمُسْتَدْرَكِ] (٦٠١٣)، والبغوي في [مُعْجَمِ الصَّحَابَةِ] (١٨٨٣)، وابن الأعرابي في [مُعْجَمِهِ] (١٦٧٠)، وابن عساكر في [تَارِيْخِ دِمَشْقَ] (٣٥/ ٤٠)، والبلاذري في [أَنْسَابِ الْأَشْرَافِ] (٢/ ١٢٨/ ٣/ ٣٢٤) مِنْ طَرِيْقِ ابْنِ جُرَيْجٍ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي مُلَيْكَةَ، قَالَ: تُوُفِّيَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبِي بَكْرٍ بِالْحُبْشِيِّ قَالَ ابْنُ جُرَيْجٍ: الْحُبْشِيُّ اثْنَيْ عَشَرَ مِيلًا مِنْ مَكَّةَ، فَدُفِنَ بِمَكَّةَ، فَلَمَّا قَدِمَتْ عَائِشَةُ أَتَتْ قَبْرَهُ فَقَالَتْ: وَكُنَّا كَنَدْمَانَيْ جَذِيمَةَ حِقْبَةً … مِنَ الدَّهْرِ حَتَّى قِيلَ لَنْ يَتَصَدَّعَا فَلَمَّا تَفَرَّقْنَا كَأَنِّي وَمَالِكًا … لِطُولِ اجْتِمَاعٍ لَمْ نَبِتْ لَيْلَةً مَعَا ثُمَّ قَالَتْ: «أَمَّا وَاللَّهِ لَوْ حَضَرْتُكَ لَدَفَنْتُكَ حَيْثُ مِتَّ، وَلَوْ شَهِدْتُكَ مَا زُرْتُكَ».

стр. 5454

قُلْتُ: هَذَا أَثَرٌ صَحِيْحٌ، وابن جريج قد صرح بالسماع عند عبد الرزاق، وتابعه عبد الله بن عمرو بن علقمة الكناني عند الفاكهي في [أَخْبَارِ مَكَّةَ] (٢٩٠٣) وعبد الله هذا ثقة، وعبد الله بن لاحق الثقة عند ابن عساكر في [تَارِيْخِ دِمَشْقَ] (٣٥/ ٤١). ورواه الفاكهي في [أَخْبَارِ مَكَّةَ] (٢٥١٢) حَدَّثَنَا سَعِيدُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، وَعَبْدُ الْجَبَّارِ بْنُ الْعَلَاءِ قَالَا: ثنا سُفْيَانُ، عَنْ مَنْصُورٍ الْحَجبِّيِّ، عَنْ أُمِّهِ قَالَتْ: ذَهَبْتُ إِلَى عَائِشَةَ زَوْجِ النَّبِيِّ ﷺ ﵂ أُعَزِّيهَا بِأَخِيهَا عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبِي بَكْرٍ ﵃ وَمَاتَ بِالْحُبْشِيِّ جَبَلٍ بِأَسْفَلِ مَكَّةَ فَنُقِلَ إِلَى مَكَّةَ، فَقَالَتْ ﵂: «يَرْحَمُ اللهُ أَخِي، مَا مِنْ أَمْرِهِ شَيْءٌ آسَى عَلَيْهِ إِلَّا أَنَّهُ لَمْ يُدْفَنْ حَيْثُ مَاتَ». ومِنْ طَرِيْقِ عبد الجبار رواه البغوي في [مُعْجَمِ الصَّحَابَةِ] (١٨٨٢)، وابن عساكر في [تَارِيْخِ دِمَشْقَ] (٣٥/ ٤٠). قُلْتُ: إِسْنَادُهُ صَحِيْحٌ. وَقَالَ الْعَلَّامَةُ ابْنُ عُثَيْمِيْنَ ﵀ فِي [مُجْمُوعِ فَتَاوَى وَرَسَائِلَ الْعُثَيْمِيْن] (١٧/ ٤٢):

стр. 5455

«يجوز نقل الميت من بلد إلى آخر إذا كان هناك غرض صحيح، ولم يخف على الميت من التفسخ، لكن الأفضل دفنه في البلد الذي مات فيه لأنَّه أسرع في تجهيزه» اهـ. قُلْتُ: وهذا هو الذي يظهر لي رجحانه، وأمَّا كون سعد بن خولة دفن في مكة ولم ينقل فلعل السبب في ذلك انشغال الناس بأمور الحج، وفي تأخير دفنه حتى انتهائهم من أمور الحج مضرة ببدنه، فلم يكن لهم بد من دفنه بمكة. والله أعلم. ١٧ - وفيه تقييد القران بالسنة، فإنَّ الله أطلق الوصية بِقَوْلِهِ: ﴿مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصِي بِهَا أَوْ دَيْنٍ﴾ [النساء: ١١ - ١٢]. وجاءت السنة بتقييد ذلك بالثلث. والقول بجواز تخصيص، وتقييد القران بالسنة هو قول جمهور الأصوليين. ١٨ - وفيه أنَّ من ترك شيئاً لله تعالى لا ينبغي أن يرجع فيه باختياره، فإنَّ المهاجرين تركوا أوطانهم لله فلم يكن لهم أن يرجعوا في ذلك. لكن هل هذا الحكم مختص بالمهاجرين الأول الذين هاجروا من مكة إلى المدينة أم يدخل فيها جميع من هاجر من بلد الكفر إلى بلاد الإسلام. قَالَ الْحَافِظُ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِ ﵀ فِي [الْاسْتِذْكَارِ] (٧/ ٢٥٥):

стр. 5456

«وَلَمْ تَكُنِ الْهِجْرَةُ مُقْتَصَرَةٌ فِي تَرْكِ الْوَطَنِ وَتَحْرِيمِ الرُّجُوعِ إِلَيْهِ عَلَى الْأَبَدِ إِلَّا عَلَى أَهْلِ مَكَّةَ خَاصَّةً الَّذِينَ آمَنُوا بِهِ مِنْ أَهْلِهَا وَاتَّبَعُوهُ لِيَتِمَّ لَهُمْ بِالْهِجْرَةِ الْغَايَةُ مِنَ الْفَضْلِ الَّذِي سَبَقَ لَهُمْ فَعَلَيْهِمْ خَاصَّةٌ افْتُرِضَتِ الهجرة المفترض فيها البقاء مع النبي ﷺ حَيْثُ اسْتَقَرَّ وَالتَّحَوُّلُ مَعَهُ حَيْثُ تَحَوَّلَ لِنُصْرَتِهِ وَمُؤَازَرَتِهِ وَصُحْبَتِهِ وَالْحِفْظِ لِمَا يَشْرَعُهُ وَالتَّبْلِيغِ عَنْهُ. وَلَمْ يُرَخَّصْ لِوَاحِدٍ مِنْهُمْ فِي الرُّجُوعِ إِلَى الْوَطَنِ وَتَرْكِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَلَيْسَ عِنْدَهُمْ كَذَلِكَ لِأَنَّ هِجْرَةَ دَارِ الْكُفْرِ حَيْثُ كَانَتْ وَإِنْ كَانَتْ وَاجِبَةً عَلَى كُلِّ مَنْ آمَنُ أَنْ يَهْجُرَ دَارَ الْكُفْرِ لِئَلَّا تَجْرِيَ عَلَيْهِ فِيهَا أَحْكَامُ الشَّيْطَانِ وَحَرُمَ عَلَيْهِ الْمُقَامُ حَيْثُ لَا يَجْرِي عَلَيْهِ حُكْمُ الْإِسْلَامِ لِقَوْلِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ : "أَنَا بَرِيءٌ مِنْ كُلِّ مُسْلِمٍ مُقِيمٍ مَعَ الْمُشْرِكِينَ" فَلَمْ يُحَرِّمْ فِي هِجْرَتِهِ هَذِهِ حَالَةَ الرُّجُوعِ إِلَى الْوَطَنِ الَّذِي خَرَجَ مِنْهُ إِذَا عَادَتْ تِلْكَ الدَّارُ دَارَ إِيمَانٍ وَإِسْلَامٍ. وَلَيْسَ أَهْلُ مَكَّةَ كَذَلِكَ لِأَنَّ الْهِجْرَةَ كَانَتْ عَلَيْهِمْ بَاقِيَةً إِلَى الْمَمَاتِ وَهُمُ الَّذِينَ أُطْلِقَ عَلَيْهِمُ الْمُهَاجِرُونَ وَمُدِحُوا بِذَلِكَ دُونَ غَيْرِهِمْ. أَلَا تَرَى أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ إِنَّمَا أَرْخَصُ لِلْمُهَاجِرِ أَنْ يُقِيمَ بِمَكَّةَ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ بَعْدَ تَمَامِ نُسُكِهِ وَحَجِّهِ» اهـ.

стр. 5457

قُلْتُ: ويدل على صحة ذلك أنَّ النبي ﷺ لم يمنع أحداً من الرجوع إلى بلده الذي هاجر منه غير المهاجرين من مكة، ومن هؤلاء أبو موسى الأشعري عبد الله بن قيس فإنَّه هاجر من اليمن، ومع ذلك فإنَّ النبي ﷺ أرسله إلى اليمن والياً على بعض مدنها. ١٩ - وفيه التأسف على من لم تتم له هجرته. ٢٠ - وفيه أنَّ من ترك مالاً قليلاً فالأحسن في حقه ترك الوصية، ويبقي المال لورثته. ٢١ - وألحق العلماء بذلك سائر هبات المريض وصدقاته قبل موته فلم يمضوا منها إلَّا ما كان من الثلث. قَالَ الْعَلَّامَةُ ابْنُ بَطَّالٍ ﵀ فِي [شَرْحِ الْبُخَارِي] (٨/ ١٤٥): «ثم تكلم الناس بعد هذا في هبات المريض وصدقاته إذا مات من مرضه، فقال قوم، وهم أكثر العلماء: هي من الثلث كسائر الوصايا. واتفق على ذلك فقهاء الحجاز والعراق. وقالت فرقة: هي من جميع المال كأفعاله وهو صحيح. وهذا القول لم نعلم أحدًا من المتقدمين قاله، وأظنه قول أهل الظاهر إذا قبضت هبة المريض وعطاياه فهي

стр. 5458

في رأس ماله؛ لأنَّ ما قبض قبل الموت ليس بوصية، وإنَّما الوصية ما يستحق بموت الموصي، وسواء قبضت عند جماعة الفقهاء أو لم تقبض؛ هي من الثلث. قال الطحاوي: وحديث عائشة أنَّ أباها نحلها جداد عشرين وسقًا بالغابة فلما مرض قال: لو كنت حزتيه لكان لك، وإنَّما هو اليوم مال وإرث. فأخبر الصديق أنَّها لو كانت قبضته في الصحة تم لها ملكه، وأنَّها لا تستطيع قبضه في المرض قبضًا يتم لها ملكه، وفعل ذلك غير جائز كما لا تجوز الوصية لها به، ولم تنكر ذلك عائشة على أبى بكر ولا سائر الصحابة، فدل أن مذهبهم جميعًا كان فيه مثل مذهبه، وفي هذا أعظم الحجة على من خالف قول جماعة العلماء. وكذلك فعل النبي ﷺ في الذى أعتق ستة أعبد له عند الموت لا مال له غيرهم، فأقرع النبي ﷺ بينهم فأعتق اثنين وأرق أربعة، فجعل العتاق في المرض من الثلث، فكذلك الهبات والصدقات؛ لأنَّها كلها سواء في تفويت المال» اهـ. قُلْتُ: أثر الصديق رواه مالك في [الْمُوَطَّأِ] (١٤٣٨) مَالِكٌ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، عَنْ عُرْوَةَ بْنِ الزُّبَيْرِ عَنْ عَائِشَةَ زَوْجِ النَّبِيِّ ﷺ ، أَنَّهَا قَالَتْ: إِنَّ أَبَا بَكْرٍ الصِّدِّيقَ كَانَ نَحَلَهَا جَادَّ عِشْرِينَ وَسْقًا مِنْ مَالِهِ بِالْغَابَةِ، فَلَمَّا حَضَرَتْهُ الْوَفَاةُ قَالَ:

стр. 5459

«وَاللَّهِ يَا بُنَيَّةُ مَا مِنَ النَّاسِ أَحَدٌ أَحَبُّ إِلَيَّ غِنًى بَعْدِي مِنْكِ، وَلَا أَعَزُّ عَلَيَّ فَقْرًا بَعْدِي مِنْكِ، وَإِنِّي كُنْتُ نَحَلْتُكِ جَادَّ عِشْرِينَ وَسْقًا، فَلَوْ كُنْتِ جَدَدْتِيهِ وَاحْتَزْتِيهِ كَانَ لَكِ. وَإِنَّمَا هُوَ الْيَوْمَ مَالُ وَارِثٍ، وَإِنَّمَا هُمَا أَخَوَاكِ، وَأُخْتَاكِ، فَاقْتَسِمُوهُ عَلَى كِتَابِ اللَّهِ الله». قَالَتْ عَائِشَةُ، فَقُلْتُ: يَا أَبَتِ، وَاللَّهِ لَوْ كَانَ كَذَا وَكَذَا لَتَرَكْتُهُ، إِنَّمَا هِيَ أَسْمَاءُ، فَمَنِ الْأُخْرَى؟ فَقَالَ أَبُو بَكْرٍ: «ذُو بَطْنِ بِنْتِ خَارِجَةَ، أُرَاهَا جَارِيَةً». قُلْتُ: إِسْنَادُهُ صَحِيْحٌ. وحديث الأعبد رواه مسلم (١٦٦٨) عَنْ عِمْرَانَ بْنِ حُصَيْنٍ، «أَنَّ رَجُلًا أَعْتَقَ سِتَّةَ مَمْلُوكِينَ لَهُ عِنْدَ مَوْتِهِ، لَمْ يَكُنْ لَهُ مَالٌ غَيْرَهُمْ، فَدَعَا بِهِمْ رَسُولُ اللهِ ﷺ ، فَجَزَّأَهُمْ أَثْلَاثًا، ثُمَّ أَقْرَعَ بَيْنَهُمْ، فَأَعْتَقَ اثْنَيْنِ، وَأَرَقَّ أَرْبَعَةً، وَقَالَ لَهُ قَوْلًا شَدِيدًا». قُلْتُ: والمرض الذي يجعل تبرعات المريض لا تتعدى الثلث هو المرض الشديد. قَالَ شَيْخُ الْإِسْلَامِ ابْنُ تَيْمِيَّةَ ﵀ كَمَا فِي [مَجْمُوْعِ الْفَتَاوَى] (١٨/ ٢٤٩):

стр. 5460

«كما أنَّ ضعف المرض في اصطلاح الفقهاء نوعان: نوع يجعل تبرعات صاحبه من الثلث كما إذا صار صاحب فراش، ونوع يكون تبرعات صاحبه من رأس المال كالمرض اليسير الذي لا يقطع صاحبه» اهـ. ٢٢ - فضيلة طول العمر للازدياد من العمل الصالح. وقد روى أحمد (١٧٧١٦، ١٧٧٣٤)، والترمذي (٢٣٢٩) مِنْ طَرِيْقِ عَمْرِو بْنِ قَيْسٍ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ بُسْرٍ، أَنَّ أَعْرَابِيًّا قَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ مَنْ خَيْرُ النَّاسِ؟ قَالَ: «مَنْ طَالَ عُمُرُهُ، وَحَسُنَ عَمَلُهُ». قُلْتُ: هَذَا حَدِيْثٌ صَحِيْحٌ. ٢٣ - وفيه ملاطفة الزوج لزوجه، وهو مأخوذ من قول النبي ﷺ : «حَتَّى مَا تَجْعَلُ فِي فِي امْرَأَتِكَ». * * *

стр. 5461

٢٩٠ - عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبَّاسٍ ﵄ قَالَ: لَوْ أَنَّ النَّاسَ غَضُّوا مِنْ الثُّلُثِ إلَى الرُّبْعِ؟ فَإِنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: «الثُّلُثُ، وَالثُّلُثُ كَثِيرٌ». قَوْلُهُ: «لَوْ أَنَّ النَّاسَ». "لو" هنا: حرف تمن بمعنى: ليت. قَوْلُهُ: «غَضُّوا». أي نقصوا، وأصله من غض البصر. وَفِي الْحَدِيْثِ مَسَائِلُ مِنْهَا: ١ - استحباب الإنقاص من الثلث، وهو مأخوذ من وصف الثلث بالكثرة، وهو على معنى اعط الثلث، أو أمض الثلث، أو يكفيك الثلث، أو الثلث كافيك مع أنَّه ما زال كثيراً. ٢ - أنَّ الانقاص يكون إلى الربع، وهو مذهب إسحاق. وَقَالَ الْعَلَّامَةُ الْقُرْطُبِي ﵀ فِي [الْمُفْهِم] (١٥/ ١٢): «واختلف في المستحب من الوصية، فالجمهور: على أنَّه الثلث. وذهب بعضهم: إلى أنَّ ذلك إنَّما يستحب لمن لا وارث له، وروي عن بعض السَّلف: النقص منه.

стр. 5462

فأوصى أبو بكر بالخمس، وقال: إنَّ الله تعالى رضي من عباده به. ونحوه عن علي. وأوصى عمر بالربع. وهو ظاهر قول ابن عباس. وبه قال إسحاق. وقال الحسن: السدس، أو الخمس، أو الربع. وقال النخعي: كانوا يكرهون الوصية بمثل نصيب أحد الورثة. واختار آخرون: العشر؛ لما قد روي في حديث سعدٍ- إن صحَّ -؛ أنَّه قال: العشر. وروي عن عليٍّ، وابن عباس، وعائشة، وغيرهم: لِمَنْ ماله قليل، وله ورثة، ترك الوصية؛ لقوله ﷺ : "إنَّك أن تذر ورثتك أغنياء خير من أن تذرهم عالة"» اهـ. قُلْتُ: هكذا نقل العلامة القرطبي ﵀ عن جمهور العلماء استحباب الوصية بالثلث، وخالفه في هذا النقل الْعَلَّامَةُ الْنَوَوِي ﵀ فِي [شَرْحِ مُسْلِمٍ] (٦/ ١٨) حيث قال: «وفيه: استحباب النقص عن الثلث، وبه قال جمهور العلماء مطلقاً، ومذهبنا أنَّه إن كان ورثته أغنياء استحب الإيصاء بالثلث، وإلَّا فيستحب النقص منه» اهـ. قُلْتُ: أمَّا أثر الصديق فهو حَسَنٌ بِشَوَاهِدِهِ، فرواه ابن أبي شيبة في [مُصَنَّفِهِ] (٣١٥٦٣)، وابن سعد في [الطَّبَقَاتِ الْكُبْرَى] (٣٤٦٤)، ومن طريقه ابن عساكر في [تَارِيْخِ دِمَشْقَ] (٣٠/ ٤٢٣)، والبلاذري في [أَنْسَابِ الْأَشْرَافِ] (٣/

стр. 5463

٣١٧): مِنْ طَرِيْقِ جَعْفَرِ بْنِ بُرْقَانَ عَنْ خَالِدِ بْنِ أَبِي عَزَّةَ أَنَّ أَبَا بَكْرٍ أَوْصَى بِخُمْسِ مَالِهِ. أَوْ قَالَ: «آخُذُ مِنْ مَالِي مَا أَخَذَ اللَّهُ مِنْ فَيْءِ الْمُسْلِمِينَ». قُلْتُ: خالد بن أبي عزة ذكره ابن أبي حاتم ﵀ في [الْجَرْحِ وَالتَّعْدِيْلِ] (٣/ ٣٤٦) فقال: «خالد بن أبي عزة روى عن أبي بكر ﵁ روى عنه جعفر بن برقان سمعت أبي يقول ذلك» اهـ. ولم يذكر فيه جرحاً ولا تعديلاً. ورواه البيهقي في [الْكُبْرَى] (١٢٣٥٤): أَخْبَرَنَا أَبُو عَبْدِ اللهِ الْحَافِظُ، وَأَبُو سَعِيدِ بْنُ أَبِي عَمْرٍو، قَالَا: ثنا أَبُو الْعَبَّاسِ هُوَ الْأَصَمُّ، ثنا مُحَمَّدُ بْنُ عُبَيْدِ اللهِ بْنِ الْمُنَادِي، ثنا يُونُسُ بْنُ مُحَمَّدٍ، ثنا شَيْبَانُ، عَنْ قَتَادَةَ قَالَ: ذُكِرَ لَنَا أَنَّ أَبَا بَكْرٍ ﵁ أَوْصَى بِخُمْسِ مَالِهِ وَقَالَ: «لَا أَرْضَى مِنْ مَالِي إِلَّا بِمَا رَضِيَ اللهُ بِهِ مِنْ غَنَائِمِ الْمُسْلِمِينَ». قُلْتُ: هَذَا إِسْنَادٌ ضَعِيْفٌ، لم يذكر قتادة من حدثه بهذا. ورواه عبد الرزاق في [مُصَنَّفِهِ] (١٦٣٦٣) عن قتادة مرسلاً. ورواه عبد الرزاق في [مُصَنَّفِهِ] (١٦٣٦٤) عَنِ الثَّوْرِيِّ، عَمَّنْ سَمِعَ الْحَسَنَ، وَأَبَا قِلَابَةَ يَقُولَانِ: «أَوْصَى أَبُو بَكْرٍ بِالْخُمُسِ». قُلْتُ: هَذَا إِسْنَادٌ ضَعِيْفٌ، فالثوري لم يذكر من حدثه، ثم هو مع ذلك مرسل.

стр. 5464

ورواه أبو بكر الشافعي في [الْغَيْلَانِيَاتِ] (١٩) حَدَّثَنَا مُعَاذُ بْنُ الْمُثَنَّى الْعَنْبَرِيُّ، ثنا مُسَدَّدٌ، ثنا أَبُو عَوَانَةَ، عَنْ قَتَادَةَ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيِّبِ: «أَنَّ أَبَا بَكْرٍ الصِّدِّيقَ أَوْصَى بِالْخُمُسِ». قُلْتُ: رواية ابن المسيب عن أبي بكر الصديق ﵁ مرسلة. * * *

стр. 5465

بَابُ الْفَرَائِضِ. ٢٩١ - عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبَّاسٍ ﵄ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «أَلْحِقُوا الْفَرَائِضَ بِأَهْلِهَا، فَمَا بَقِيَ فَهُوَ لأَوْلَى رَجُلٍ ذَكَرٍ». وَفِي رِوَايَةٍ: «اقْسِمُوا الْمَالَ بَيْنَ أَهْلِ الْفَرَائِضِ عَلَى كِتَابِ اللَّهِ فَمَا تَرَكَتْ الْفَرِائِضُ فَلأَوْلَى رَجُلٍ ذَكَرٍ». قَالَ الْحِافِظُ ابْنُ حَجَرٍ ﵀ فِي [فَتْحِ الْبَارِي] (١٢/ ٣): «قَوْلُهُ: "كتاب الفرائض" جمع فريضة كحديقة وحدائق، والفريضة فعيلة بمعنى مفروضة، مأخوذة من الفرض وهو: القطع، يقال: فرضت لفلان كذا أي: قطعت له شيئاً من المال، قاله الخطابي. وقيل: هو من فرض القوس وهو الحز الذي في طرفيه حيث يوضع الوتر ليثبت فيه ويلزمه ولا يزول. وقيل الثاني خاص بفرائض الله وهي ما ألزم به عباده. وقال الراغب: الفرض قطع الشيء الصلب والتأثير فيه، وخصت المواريث باسم الفرائض من قوله تعالى: ﴿نَصِيبًا مَفْرُوضًا﴾، أي: مقدراً، أو معلوماً، أو مقطوعاً عن غيرهم» اهـ.
следующие страницы →