Полный текст (8 095 стр.). Показаны 5461–5500 · переход к 5466.
стр. 5461
٢٩٠ - عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبَّاسٍ ﵄ قَالَ: لَوْ أَنَّ النَّاسَ غَضُّوا مِنْ الثُّلُثِ إلَى الرُّبْعِ؟ فَإِنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: «الثُّلُثُ، وَالثُّلُثُ كَثِيرٌ».
قَوْلُهُ: «لَوْ أَنَّ النَّاسَ». "لو" هنا: حرف تمن بمعنى: ليت.
قَوْلُهُ: «غَضُّوا». أي نقصوا، وأصله من غض البصر.
وَفِي الْحَدِيْثِ مَسَائِلُ مِنْهَا:
١ - استحباب الإنقاص من الثلث، وهو مأخوذ من وصف الثلث بالكثرة، وهو على معنى اعط الثلث، أو أمض الثلث، أو يكفيك الثلث، أو الثلث كافيك مع أنَّه ما زال كثيراً.
٢ - أنَّ الانقاص يكون إلى الربع، وهو مذهب إسحاق.
وَقَالَ الْعَلَّامَةُ الْقُرْطُبِي ﵀ فِي [الْمُفْهِم] (١٥/ ١٢):
«واختلف في المستحب من الوصية، فالجمهور: على أنَّه الثلث. وذهب بعضهم: إلى أنَّ ذلك إنَّما يستحب لمن لا وارث له، وروي عن بعض السَّلف: النقص منه.
стр. 5462
فأوصى أبو بكر بالخمس، وقال: إنَّ الله تعالى رضي من عباده به. ونحوه عن علي. وأوصى عمر بالربع. وهو ظاهر قول ابن عباس. وبه قال إسحاق.
وقال الحسن: السدس، أو الخمس، أو الربع. وقال النخعي: كانوا يكرهون الوصية بمثل نصيب أحد الورثة. واختار آخرون: العشر؛ لما قد روي في حديث سعدٍ- إن صحَّ -؛ أنَّه قال: العشر. وروي عن عليٍّ، وابن عباس، وعائشة، وغيرهم: لِمَنْ ماله قليل، وله ورثة، ترك الوصية؛ لقوله ﷺ : "إنَّك أن تذر ورثتك أغنياء خير من أن تذرهم عالة"» اهـ.
قُلْتُ: هكذا نقل العلامة القرطبي ﵀ عن جمهور العلماء استحباب الوصية بالثلث، وخالفه في هذا النقل الْعَلَّامَةُ الْنَوَوِي ﵀ فِي [شَرْحِ مُسْلِمٍ] (٦/ ١٨) حيث قال: «وفيه: استحباب النقص عن الثلث، وبه قال جمهور العلماء مطلقاً، ومذهبنا أنَّه إن كان ورثته أغنياء استحب الإيصاء بالثلث، وإلَّا فيستحب النقص منه» اهـ.
قُلْتُ: أمَّا أثر الصديق فهو حَسَنٌ بِشَوَاهِدِهِ، فرواه ابن أبي شيبة في [مُصَنَّفِهِ] (٣١٥٦٣)، وابن سعد في [الطَّبَقَاتِ الْكُبْرَى] (٣٤٦٤)، ومن طريقه ابن عساكر في [تَارِيْخِ دِمَشْقَ] (٣٠/ ٤٢٣)، والبلاذري في [أَنْسَابِ الْأَشْرَافِ] (٣/
стр. 5463
٣١٧): مِنْ طَرِيْقِ جَعْفَرِ بْنِ بُرْقَانَ عَنْ خَالِدِ بْنِ أَبِي عَزَّةَ أَنَّ أَبَا بَكْرٍ أَوْصَى بِخُمْسِ مَالِهِ. أَوْ قَالَ: «آخُذُ مِنْ مَالِي مَا أَخَذَ اللَّهُ مِنْ فَيْءِ الْمُسْلِمِينَ».
قُلْتُ: خالد بن أبي عزة ذكره ابن أبي حاتم ﵀ في [الْجَرْحِ وَالتَّعْدِيْلِ] (٣/ ٣٤٦) فقال: «خالد بن أبي عزة روى عن أبي بكر ﵁ روى عنه جعفر بن برقان سمعت أبي يقول ذلك» اهـ. ولم يذكر فيه جرحاً ولا تعديلاً.
ورواه البيهقي في [الْكُبْرَى] (١٢٣٥٤): أَخْبَرَنَا أَبُو عَبْدِ اللهِ الْحَافِظُ، وَأَبُو سَعِيدِ بْنُ أَبِي عَمْرٍو، قَالَا: ثنا أَبُو الْعَبَّاسِ هُوَ الْأَصَمُّ، ثنا مُحَمَّدُ بْنُ عُبَيْدِ اللهِ بْنِ الْمُنَادِي، ثنا يُونُسُ بْنُ مُحَمَّدٍ، ثنا شَيْبَانُ، عَنْ قَتَادَةَ قَالَ: ذُكِرَ لَنَا أَنَّ أَبَا بَكْرٍ ﵁ أَوْصَى بِخُمْسِ مَالِهِ وَقَالَ: «لَا أَرْضَى مِنْ مَالِي إِلَّا بِمَا رَضِيَ اللهُ بِهِ مِنْ غَنَائِمِ الْمُسْلِمِينَ».
قُلْتُ: هَذَا إِسْنَادٌ ضَعِيْفٌ، لم يذكر قتادة من حدثه بهذا.
ورواه عبد الرزاق في [مُصَنَّفِهِ] (١٦٣٦٣) عن قتادة مرسلاً.
ورواه عبد الرزاق في [مُصَنَّفِهِ] (١٦٣٦٤) عَنِ الثَّوْرِيِّ، عَمَّنْ سَمِعَ الْحَسَنَ، وَأَبَا قِلَابَةَ يَقُولَانِ: «أَوْصَى أَبُو بَكْرٍ بِالْخُمُسِ».
قُلْتُ: هَذَا إِسْنَادٌ ضَعِيْفٌ، فالثوري لم يذكر من حدثه، ثم هو مع ذلك مرسل.
стр. 5464
ورواه أبو بكر الشافعي في [الْغَيْلَانِيَاتِ] (١٩) حَدَّثَنَا مُعَاذُ بْنُ الْمُثَنَّى الْعَنْبَرِيُّ، ثنا مُسَدَّدٌ، ثنا أَبُو عَوَانَةَ، عَنْ قَتَادَةَ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيِّبِ: «أَنَّ أَبَا بَكْرٍ الصِّدِّيقَ أَوْصَى بِالْخُمُسِ».
قُلْتُ: رواية ابن المسيب عن أبي بكر الصديق ﵁ مرسلة.
* * *
стр. 5465
بَابُ الْفَرَائِضِ.
٢٩١ - عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبَّاسٍ ﵄ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «أَلْحِقُوا الْفَرَائِضَ بِأَهْلِهَا، فَمَا بَقِيَ فَهُوَ لأَوْلَى رَجُلٍ ذَكَرٍ».
وَفِي رِوَايَةٍ: «اقْسِمُوا الْمَالَ بَيْنَ أَهْلِ الْفَرَائِضِ عَلَى كِتَابِ اللَّهِ فَمَا تَرَكَتْ الْفَرِائِضُ فَلأَوْلَى رَجُلٍ ذَكَرٍ».
قَالَ الْحِافِظُ ابْنُ حَجَرٍ ﵀ فِي [فَتْحِ الْبَارِي] (١٢/ ٣):
«قَوْلُهُ: "كتاب الفرائض" جمع فريضة كحديقة وحدائق، والفريضة فعيلة بمعنى مفروضة، مأخوذة من الفرض وهو: القطع، يقال: فرضت لفلان كذا أي: قطعت له شيئاً من المال، قاله الخطابي.
وقيل: هو من فرض القوس وهو الحز الذي في طرفيه حيث يوضع الوتر ليثبت فيه ويلزمه ولا يزول.
وقيل الثاني خاص بفرائض الله وهي ما ألزم به عباده. وقال الراغب: الفرض قطع الشيء الصلب والتأثير فيه، وخصت المواريث باسم الفرائض من قوله تعالى: ﴿نَصِيبًا مَفْرُوضًا﴾، أي: مقدراً، أو معلوماً، أو مقطوعاً عن غيرهم» اهـ.
стр. 5466
قُلْتُ: والمراد بالفرائض في هذا الحديث وهي النصف ونصفه ونصف نصفه، والثلثان ونصفهما ونصف نصفهما، وهي على سبيل التفصيل: النصف، والربع، والثمن، والثلثان، والثلث، والسدس.
فهذه هي الفروض المجمع عليها وفي ثلث الباقي نزاع بين العلماء، والأكثر على اعتباره، ونازع في ذلك ابن عباس ﵄ وغيره. والصحيح اعتباره. والله أعلم.
وَقَوْلُهُ: «بِأَهْلِهَا». المراد بهم من يستحق الفرائض بنص القرآن، وهم عشرة: الزوج، والزوجة فأكثر، والأم، والأب، والجد، والجدة فأكثر، والبنات، وبنات الابن، والأخوات لغير أم، وأولاد الأم.
وَقَوْلُهُ: «فَلِأَوْلَى رَجُلٍ ذَكَرٍ». أولى من الولْي بسكون اللام وهو القرب والمراد به من كان أقرب في النسب إلى المورث، وهم أصحاب العصبات المتعصبون بأنفسهم، وهم: الأبناء، وأبناؤهم، والأب، والجد، والإخوة لغير أم، وأبناؤهم، والأعمام لغير أم، وأبناؤهم، وذو الولاء من ذكر وأنثى.
وجهاتهم خمس جهات مرتبة، وهي: بنوة، وأبوة، وأخوة، وعمومة، وولاء.
стр. 5467
وَقَوْلُهُ: «ذَكَرٍ». اختلف العلماء في المعنى الذي من أجله قَالَ النَّبِيُّ ﷺ هذه اللفظة، فإنَّ الرجل لا يكون إلَّا ذكراً.
قَالَ الْحِافِظُ ابْنُ حَجَرٍ ﵀ فِي [فَتْحِ الْبَارِي] (١٢/ ١٢ - ١٣):
«وقد استشكل التعبير بذكر بعد التعبير برجل، فقال الخطابي: إنَّما كرر للبيان في نعته بالذكورة ليعلم أنَّ العصبة إذا كان عماً أو ابن عم مثلاً وكان معه أخت له أنَّ الأخت لا ترث ولا يكون المال بينهما للذكر مثل حظ الأنثيين. وتعقب بأنَّ هذا ظاهر من التعبير بِقَوْلِهِ: "رجل" والاشكال باق إلَّا أنَّ كلامه ينحل إلى أنَّه للتأكيد، وبه جزم غيره كابن التين قال: ومثله: "ابن لبون ذكر"، وزيفه القرطبي فقال: قيل أنَّه للتأكيد اللفظي ورد بأنَّ العرب إنَّما تؤكد حيث يفيد فائدة، إمَّا تعين المعنى في النفس، وإمَّا رفع توهم المجاز وليس ذلك موجوداً هنا.
وقال غيره: هذا التوكيد لمتعلق الحكم وهو الذكورة لأنَّ الرجل قد يراد به معنى النجدة والقوة في الأمر فقد حكى سيبويه: مررت برجل رجل أبوه؛ فلهذا احتاج الكلام إلى زيادة التوكيد بذكر حتى لا يظن أنَّ المراد به خصوص البالغ.
وقيل: خشية أن يظن بلفظ رجل الشخص وهو أعم من الذكر والأنثى، وقال ابن العربي: في قَوْلِهِ: "ذكر" الإحاطة بالميراث إنَّما تكون للذكر دون الأنثى، ولا يرد
стр. 5468
قول من قال: إنَّ البنت تأخذ جميع المال لأنَّها إنَّما تأخذه بسببين متغايرين، والإحاطة مختصة بالسبب الواحد وليس إلَّا الذكر، فلهذا نبه عليه بذكر الذكورية. قال: وهذا لا يتفطن له كل مدع.
وقيل أنَّه احتراز عن الخنثى في الموضعين فلا تؤخذ الخنثى في الزكاة ولا يجوز الخنثى المال إذا انفرد، وقيل للاعتناء بالجنس، وقيل للإشارة إلى الكمال في ذلك كما يقال امرأة أنثى، وقيل لنفي توهم اشتراك الأنثى معه لئلا يحمل على التغليب، وقيل ذكر تنبيهاً على سبب الاستحقاق بالعصوبة وسبب الترجيح في الإرث؛ ولهذا جعل للذكر مثل حظ الأنثيين، وحكمته أنَّ الرجال تلحقهم المؤن كالقيام بالعيال والضيفان وإرفاد القاصدين ومواساة السائلين وتحمل الغرامات وغير ذلك، هكذا قال النووي وسبقه القاضي عياض فقال: قيل هو على معنى اختصاص الرجال بالتعصيب بالذكورية التي بها القيام على الاناث، وأصله للمازري فإنَّه قال بعد أن ذكر استشكال ما ورد في هذا وهو: "رجل ذكر". وفي الزكاة "ابن لبون ذكر". قال: والذي يظهر لي أنَّ قاعدة الشرع في الزكاة الانتقال من سن إلى أعلى منها ومن عدد إلى أكثر منه وقد جعل في خمسة وعشرين بنت مخاض وسناً أعلى منها وهو ابن لبون فقد يتخيل أنَّه على خلاف القاعدة وأنَّ
стр. 5469
السنين كالسن الواحد لأنَّ ابن اللبون أعلى سناً لكنه أدنى قدراً فنبه بِقَوْلِهِ: "ذكر" على أنَّ الذكورية تبخسه حتى يصير مساوياً لبنت مخاض مع كونها أصغر سناً منه، وأمَّا في الفرائض فلما علم أنَّ الرجال هم القائمون بالأمور وفيهم معنى التعصيب وترى لهم العرب ما لا ترى للنساء فعبر بلفظ "ذكر" إشارة إلى العلة التي لأجلها اختص بذلك فهما وإن اشتركا في أنَّ السبب في وصف كل منهما بذكر التنبيه على ذلك لكن متعلق التنبيه فيهما مختلف فإنَّه في ابن اللبون إشارة إلى النقص، وفي الرجل إشارة إلى الفضل، وهذا قد لخصه القرطبي وارتضاه.
وقيل: إنَّه وصف لأولى لا لرجل قاله السهيلي وأطال في تقريره وتبجح به فقال: هذا الحديث أصل في الفرائض وفيه إشكال وقد تلقاه الناس أو أكثرهم على وجه لا تصح إضافته إلى من أوتي جوامع الكلم واختصر له الكلام اختصاراً فقالوا: هو نعت لرجل، وهذا لا يصح لعدم الفائدة؛ لأنَّه لا يتصور أن يكون الرجل إلَّا ذكراً وكلامه أجل من أن يشتمل على حشو لا فائدة فيه ولا يتعلق به حكم، ولو كان كما زعموا لنقص فقه الحديث؛ لأنَّه لا يكون فيه بيان حكم الطفل الذي لم يبلغ سن الرجولية وقد اتفقوا على أن الميراث يجب له ولو كان ابن ساعة فلا فائدة في تخصيصه بالبالغ دون الصغير، قال: والحديث إنَّما سيق لبيان من يستحق
стр. 5470
الميراث من القرابة بعد أصحاب السهام، ولو كان كما زعموا لم يكن فيه تفرقة بين قرابة الأب وقرابة الأم، قال: فإذا ثبت هذا فقَوْلُهُ: "أولى رجل ذكر" يريد القريب في النسب الذي قرابته من قبل رجل وصلب لا من قبل بطن ورحم، فالأولى هنا هو ولي الميت فهو مضاف إليه في المعنى دون اللفظ وهو في اللفظ مضاف إلى النسب وهو الصلب فعبر عن الصلب بقَوْلِهِ: "أولى رجل"؛ لأنَّ الصلب لا يكون إلَّا رجلاً فأفاد بقَوْلِهِ: "لأولى رجل" نفي الميراث عن الأولى الذي هو من قبل الأم كالخال، وأفاد بِقَوْلِهِ: "ذكر" نفي الميراث عن النساء وإن كن من المدلين إلى الميت من قبل صلب لأنَّهن إناث، قال: وسبب الاشكال من وجهين أحدهما: أنَّه لما كان مخفوضاً ظن نعتاً لرجل ولو كان مرفوعاً لم يشكل كأن يقال فوارثه أولى رجل ذكر، والثاني: أنَّه جاء بلفظ أفعل وهذا الوزن إذا أريد به التفضيل كان بعض ما يضاف إليه كفلان أعلم إنسان فمعناه أعلم الناس فتوهم أنَّ المراد بِقَوْلِهِ: "أولى رجل" أولى الرجال، وليس كذلك، وإنَّما هو أولى الميت بإضافة النسب، وأولى صلب بإضافته، كما تقول: هو أخوك أخو الرخاء لا أخو البلاء، قال: فالأولى في الحديث كالولي، فإن قيل: كيف يضاف للواحد وليس بجزء منه، فالجواب إذا كان معناه الأقرب في النسب جازت إضافته وإن لم يكن جزءاً منه كقوله صَلَّى اللهُ
стр. 5471
عَلَيْهِ وَسَلَّمَ في البر: "بر أمك، ثم أباك، ثم أدناك"، قال: وعلى هذا فيكون في هذا الكلام الموجز من المتانة وكثرة المعاني ما ليس في غيره فالحمد لله الذي وفق وأعان انتهى كلامه ولا يخلو من استغلاق وقد لخصه الكرماني فقال: ذكر صفة لأولى لا لرجل والأولى بمعنى القريب الأقرب فكأنَّه قال: فهو لقريب الميت ذكر من جهة رجل وصلب لا من جهة بطن ورحم فالأولى من حيث المعنى مضاف إلى الميت، وأشير بذكر الرجل إلى الأولوية فأفاد بذلك نفي الميراث عن الأولى الذي من جهة الأم كالخال، وبِقَوْلِهِ: "ذكر" نفيه عن النساء بالعصوبة وإن كن من المدلين للميت من جهة الصلب انتهى وقد أوردته كما وجدته ولم أحذف منه إلاَّ أمثلة أطال بها وكلمات طويلة تبجح بها بسبب ما ظهر له من ذلك والعلم عند الله تعالى» اهـ.
وَقَالَ شَيْخُ الْإِسْلَامِ ابْنُ تَيْمِيَّةَ ﵀ كَمَا فِي [مَجْمُوْعِ الْفَتَاوَى] (١١/ ١٦١):
«وأكده بلفظ "الذكر" ليبين أنَّه حكم يختص بالذكور، ولا يشترك فيها الذكور والإناث كما قال في الزكاة: "فابن لبون ذكر"» اهـ.
وَقَالَ الْعَلَّامَةُ ابْنُ الْقَيِّمِ ﵀ فِي [إِعْلَامِ الْمُوَقِعِيْنَ] (١/ ٣٦٧ - ٣٦٨):
стр. 5472
«فأكده بالذكورة ليبين أنَّ العاصب بنفسه المذكور هو الذكر دون الأنثى، وأنَّه لم يرد بلفظ الرجل ما يتناول الذكر والأنثى كما في قَوْلِهِ: "من وجد متاعه عند رجل قد أفلس". ونحوه مما يذكر فيه لفظ الرجل والحكم يعم النوعين، وهو نظير قوله في حديث الصدقات: "فابن لبون ذكر" ليبين أنَّ المراد الذكر دون الأنثى» اهـ.
قُلْتُ: وهذا هو أحسن ما يقال في توجيه هذه الكلمة. والله أعلم.
قَوْلُهُ: «وَفِي رَوَايَةٍ». هذه الرواية عند مسلم (١٦١٥).
وَفِي الْحَدِيْثِ مَسَائِلُ مِنْهَا:
١ - انقسام الوارثين إلى أهل فرض، وتعصيب.
والعصبة المتعصبون بأنفسهم هم: كُلُّ ذَكَرٍ مِنَ الأَقْرِبَاءِ يُدْلِي إِلَى الْمَيِّتِ بِغَيْرِ وَاسِطَةٍ، أَوْ بِتَوَسُّطِ مَحْضِ الذُّكُورِ، وَيُضَافُ إِلَيْهِمْ: الْمُعْتِقُ وَالْمُعْتِقَةُ.
٢ - أنَّ ميراث أصحاب الفروض مقدم على ميراث أصحاب العصبات.
٣ - أنَّ أصحاب العصبات ليس لهم فرض مقدر، وإنَّما يرثون ما بقي بعد أصحاب الفروض.
قُلْتُ: وإذا لم يوجد صاحب فرض ورث العاصب جميع المال.
٤ - ومفهوم قَوْلِهِ: «فَمَا بَقِي». أنَّه إذا لم يبق شيء، فلا شيء للعاصب.
стр. 5473
٥ - وفيه أنَّه يقدم في العصبة الأولى، فالأولى، فيقدم في التعصيب الأسبق جهة، فإن كانوا في جهة واحدة، قدم الأقرب منزلة، فإن كانوا في منزلة واحدة، قدم الأقوى، وهو من يدلي بالأبوين على الذي يدلي بالأب وحده.
٦ - واحتج به ابن عباس ﵁ على تقديم العصبة الذكور دون الإناث بعد ميراث البنات كمن خلف بنتاً وأخاً شقيقاً وأختاً شقيقة كان لابنته النصف وما بقي لأخيه ولا شيء لأخته؛ لأنَّه أولى رجل ذكر، وهكذا إذا مات الميت عن بنت وأخت وعم، أو ابن عم، أو ابن أخ، فأنَّ الباقي بعد نصف البنت تأخذه العصبة الذكور دون الإناث.
قُلْتُ: وقد خالف ابن عباس ﵁ في ذلك عامة العلماء، ومما يدل على صحة مذهب الجمهور:
أنَّ الأخ الشقيق لا يسقط الأخت الشقيقة، والأخ لأب لا يسقط الأخت لأب في الكلالة اتفاقاً، كأن يموت ميت عن ولد أم، وأخت شقيقة، وأخ شقيق، بل هي شريكة معه في التعصيب، مع أنَّ الأخ الشقيق هو أولى رجل ذكر بعد أصحاب الفروض، فدل ذلك أنَّ الأخ الشقيق أو لأب لا يسقط أخته، وإذا كان الأخ لا
стр. 5474
يسقط أخته فمن باب أولى أن لا يسقطها من هو أبعد منه كابن الأخ، أو العم، أو ابن العم.
قَالَ الْعَلَّامَةُ ابْنُ الْقَيِّمِ ﵀ فِي [إِعْلَامِ الْمُوَقِعِيْنَ] (١/ ٣٦٩ - ٣٧٠):
«وَمِمَّا يُبَيِّنُ أَنَّ الْمُرَادَ بِقَوْلِهِ: "فَلِأَوْلَى رَجُلٍ ذَكَرٍ" الْعَصَبَةُ بِنَفْسِهِ لَا بِغَيْرِهِ أَنَّهُ لَوْ كَانَ بَعْدَ الْفَرَائِضِ إخْوَةٌ وَأَخَوَاتٌ أَوْ بَنُونَ وَبَنَاتٌ أَوْ بَنَاتُ ابْنٍ وَبَنُو ابْنٍ لَمْ يَنْفَرِدْ الذَّكَرُ بِالْبَاقِي دُونَ الْإِنَاثِ بِالنَّصِّ وَالْإِجْمَاعِ، فَتَعْصِيبُ الْأُخْتِ بِالْبِنْتِ كَتَعْصِيبِهَا بِأَخِيهَا، فَإِذَا لَمْ يَكُنْ قَوْلُهُ: "فَلِأَوْلَى رَجُلٍ ذَكَرٍ" مُوجِبًا لِاخْتِصَاصِ أَخِيهَا دُونَهَا لَمْ يَكُنْ مُوجِبًا لِاخْتِصَاصِ ابْنِ عَمِّ الْجَدِّ بِالْبَاقِي دُونَهَا.
يُوَضِّحُهُ أَنَّهُ لَوْ كَانَ مَعَهَا أَخُوهَا لَمْ تَسْقُطْ، وَكَانَ الْبَاقِي بَعْدَ فَرْضِ الْبَنَاتِ بَيْنَهَا وَبَيْنَ أَخِيهَا. هَذَا، وَأَخُوهَا أَقْرَبُ إلَى الْمَيِّتِ مِنْ الْأَعْمَامِ وَبَنِيهِمْ، فَإِذَا لَمْ يُسْقِطْهَا الْأَخُ فَلَأَنْ لَا يُسْقِطَهَا ابْنُ عَمِّ الْجَدِّ بِطَرِيقِ الْأَوْلَى وَالْأَحْرَى، وَإِذَا لَمْ يُسْقِطْهَا وَرِثَتْ دُونَهُ، لِكَوْنِهَا أَقْرَبَ مِنْهُ، بِخِلَافِ الْأَخِ فَإِنَّهَا تُشَارِكُهُ، لِاسْتِوَائِهِمَا فِي الْقُرْبِ مِنْ الْمَيِّتِ، فَهَذَا مَحْضُ الْقِيَاسِ وَالْمِيزَانِ الْمُوَافِقِ لِدَلَالَةِ الْكِتَابِ وَلِقَضَاءِ النَّبِيِّ ﷺ ، وَعَلَى هَذِهِ الطَّرِيقِ فَلَا تَخْصِيصَ فِي الْحَدِيثِ، بَلْ هُوَ عَلَى عُمُومِهِ، وَهَذِهِ الطَّرِيقُ أَفْقَهُ وَأَلْطَفُ.
стр. 5475
يُوَضِّحُ ذَلِكَ أَنَّ قَاعِدَةَ الْفَرَائِضِ أَنَّ جِنْسَ أَهْلِ الْفُرُوضِ فِيهَا مُقَدَّمُونَ عَلَى جِنْسِ الْعَصَبَةِ، سَوَاءٌ كَانَ ذَا فَرْضٍ مَحْضٍ أَوْ كَانَ لَهُ مَعَ فَرْضِهِ تَعْصِيبٌ فِي حَالٍ إمَّا بِنَفْسِهِ وَإِمَّا بِغَيْرِهِ، وَالْأَخَوَاتُ مِنْ جِنْسِ أَهْلِ الْفَرَائِضِ، فَيَجِبُ تَقْدِيمُهُنَّ عَلَى مَنْ هُوَ أَبْعَدُ مِنْهُنَّ مِمَّنْ لَا يَرِثُ إلَّا بِالتَّعْصِيبِ الْمَحْضِ كَالْأَعْمَامِ وَبَنِيهِمْ وَبَنِي الْإِخْوَةِ، وَالِاسْتِدْلَالُ بِهَذَا الْحَدِيثِ عَلَى حِرْمَانِهِنَّ مَعَ الْبَنَاتِ كَالِاسْتِدْلَالِ عَلَى حِرْمَانِهِنَّ مَعَ إخْوَتِهِنَّ وَحِرْمَانِ بَنَاتِ الِابْنِ، بَلْ الْبَنَاتِ أَنْفُسِهِنَّ مَعَ إخْوَتِهِنَّ، وَهَذَا بَاطِلٌ بِالنَّصِّ، وَالْإِجْمَاعِ، فَكَذَا الْآخَرُ.
وَمِمَّا يُوَضِّحُهُ أَنَّا رَأَيْنَا قَاعِدَةَ الْفَرَائِضِ أَنَّ الْبَعِيدَ مِنْ الْعَصَبَاتِ يُعَصِّبُ مَنْ هُوَ أَقْرَبُ مِنْهُ إذَا لَمْ يَكُنْ لَهُ فَرْضٌ، كَمَا إذَا كَانَ بَنَاتٌ وَبَنَاتُ ابْنٍ وَأَسْفَلُ مِنْهُنَّ ابْنُ ابْنِ ابْنٍ فَإِنَّهُ يُعَصِّبُهُنَّ فَيَحْصُلُ لَهُنَّ الْمِيرَاثُ بَعْدَ أَنْ كُنَّ مَحْرُومَاتٍ، وَأَمَّا أَنَّ الْبَعِيدَ مِنْ الْعَصَبَاتِ يَمْنَعُ الْأَقْرَبَ مِنْ الْمِيرَاثِ بَعْدَ أَنْ كَانَ وَارِثًا فَهَذَا مُمْتَنِعٌ شَرْعًا وَعَقْلًا، وَهُوَ عَكْسُ قَاعِدَةِ الشَّرِيعَةِ، وَاَللَّهُ الْمُوَفِّقُ.
وَفِي الْحَدِيثِ مَسْلَكٌ آخَرُ، وَهُوَ أَنَّ قَوْلَهُ: "أَلْحِقُوا الْفَرَائِضَ بِأَهْلِهَا" الْمُرَادُ بِهِ مَنْ كَانَ مِنْ أَهْلِهَا فِي الْجُمْلَةِ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ فِي هَذِهِ الْحَالِ مِنْ أَهْلِهَا كَمَا فِي اللَّفْظِ الْآخَرِ "اقْسِمُوا الْمَالَ بَيْنَ أَهْلِ الْفَرَائِضِ" وَهَذَا أَعَمُّ مِنْ كَوْنِهِ مِنْ أَهْلِ الْفَرَائِضِ بِالْقُوَّةِ أَوْ
стр. 5476
بِالْفِعْلِ، فَإِذَا كَانُوا كُلُّهُمْ مِنْ أَهْلِ الْفَرَائِضِ بِالْفِعْلِ كَانَ الْبَاقِي لِلْعَصَبَةِ، وَإِنْ كَانَ فِيهِمْ مَنْ هُوَ مِنْ أَهْلِ الْفَرَائِضِ بِالْقُوَّةِ وَإِنْ حُجِبَ عَنْ الْفَرْضِ بِغَيْرِهِ دَخَلَ فِي اللَّفْظِ الْأَوَّلِ وَإِنْ لَمْ يَكُنْ لِأَوْلَى رَجُلٍ ذَكَرٍ مَعَهُ شَيْءٌ، وَإِنَّمَا يَكُونُ لَهُ إذَا كَانَ أَهْلُ الْفَرَائِضِ مُطْلَقًا مَعْدُومِينَ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ» اهـ.
وَقَالَ الْحَافِظُ ابْنُ رَجَبٍ ﵀ فِي [جَامِعِ الْعُلُوْمِ] (٤٠٠ - ٤٠٢):
«وعلى هذا، فإذا اجتمع بنت وأخت وعم أو ابن عم أو ابن أخ، فينبغي أن يأخذ الباقي بعد نصف البنت العصبة، وهذا قول ابن عباس، وكان يتمسك بهذا الحديث، ويقر بأنَّ الناس كلهم على خلافه، وذهبت الظاهرية إلى قوله أيضاً.
وقال إسحاق: إذا كان مع البنت والأخت عصبة، فالعصبة أولى، وإن لم يكن معهما أحد، فالأخت لها الباقي، وحكي عن ابن مسعود أنَّه قال: البنت عصبة من لا عصبة له، ورد بعضهم هذا، وقال: لا يصح عن ابن مسعود.
وكان ابن الزبير ومسروق يقولان بقول ابن عباس، ثم رجعا عنه.
وذهب جمهور العلماء إلى أنَّ الأخت مع البنت عصبة لها ما فضل، منهم عمر، وعلي، وعائشة، وزيد، وابن مسعود، ومعاذ بن جبل، وتابعهم سائر العلماء».
стр. 5477
إِلَى أَنْ قَالَ ﵀: «واستدل ابن عباس لقوله بقول الله : ﴿قُلِ اللهُ يُفْتِيكُمْ فِي الْكَلالَةِ إِنِ امْرُؤٌ هَلَكَ لَيْسَ لَهُ وَلَدٌ وَلَهُ أُخْتٌ فَلَهَا نِصْفُ مَا تَرَكَ﴾.
وكان يقول: أأنتم أعلم أم الله؟! يعني: أنَّ الله لم يجعل لها النصف إلَّا مع عدم الولد، وأنتم تجعلون لها النصف مع الولد وهو البنت.
والصواب قول عمر والجمهور، ولا دلالة في هذه الآية على خلاف ذلك؛ لأنَّ المراد بِقَوْلِهِ: ﴿فَلَها نِصفُ ما تَركَ﴾، بالفرض، وهذا مشروط بعدم الولد بالكلية، ولهذا قال بعده: ﴿فَإِنْ كَانَتَا اثْنَتَيْنِ فَلَهُمَا الثُّلُثَانِ مِمَّا تَرَكَ﴾، يعني: بالفرض، والأخت الواحدة إنَّما تأخذ النصف مع عدم وجود الولد الذكر والأنثى، وكذلك الأختان فصاعداً إنَّما يستحقون الثلثين مع عدم وجود الولد الذكر والأنثى، فإن كان هناك ولد، فإن كان ذكراً، فهو مقدم على الإخوة مطلقاً ذكورهم وإناثهم، وإن لم يكن هناك ولد ذكر، بل أنثى، فالباقي بعد فرضها يستحقه الأخ مع أخته بالاتفاق، فإذا كانت الأخت لا يسقطها أخوها؛ فكيف يسقطها من هو أبعد منه من العصبات كالعم وابنه؟ وإذا لم يكن العصبة الأبعد مسقطاً لها، فيتعين تقديمها عليه، لامتناع مشاركته لها، فمفهوم الآية أنَّ الولد يمنع أن يكون للأخت النصف بالفرض، وهذا حق ليس مفهومها أن الأخت
стр. 5478
تسقط بالبنت، ولا تأخذ ما فضل من ميراثها، يدل عليه قوله تعالى: ﴿وَهُوَ يَرِثُهَا إِنْ لَمْ يَكُنْ لَهَا وَلَد﴾، وقد أجمعت الأمة على أنَّ الولد الأنثى لا يمنع الأخ أن يرث من مال أخته ما فضل عن البنت أو البنات، وإنَّما وجود الولد الأنثى يمنع أن يحوز الأخ ميراث أخته كله، فكما أنَّ الولد إن كان ذكراً، منع الأخ من الميراث، وإن كان أنثى، لم يمنعه الفاضل عن ميراثها، وإن منعه حيازة الميراث، فكذلك الولد إن كان ذكراً منع الأخت الميراث بالكلية، وإن كان أنثى، منعت الأخت أن يفرض لها النصف، ولم يمنعها أن تأخذ ما فضل عن فرضها، والله أعلم.
وأمَّا قَوْلُهُ: "فما أبقت الفرائض، فلأولى رجل ذكر"، فقد قيل: إنَّ المراد به العصبة البعيد خاصة، كبني الإخوة والأعمام وبنيهم، دون العصبة القريب؛ بدليل أنَّ الباقي بعد الفروض يشترك فيه الذكر والأنثى إذا كان العصبة قريباً، كالأولاد والإخوة بالاتفاق، فكذلك الأخت مع البنت بالنص الدال عليه.
وأيضاً فإنَّه يخص منه هذه الصور بالاتفاق، وكذلك يخص منه المعتقة مولاة النعمة بالاتفاق، فتخص منه صورة الأخت مع البنت بالنص.
وقالت طائفة آخرون: المراد بِقَوْلِهِ: "ألحقوا الفرائض بأهلها" ما يستحقه ذوو الفروض في الجملة، سواء أخذوه بفرض أو بتعصيب طرأ لهم، والمراد بِقَوْلِهِ: "فما
стр. 5479
بقي، فلأولى رجل ذكر" العصبة الذي ليس له فرض بحال، ويدل عليه أنَّه قد روي الحديث بلفظ آخر، وهو: "اقسموا المال بين أهل الفرائض على كتاب الله"، فدخل في ذلك كل من كان من أهل الفروض بوجه من الوجوه، وعلى هذا، فما تأخذه الأخت مع أخيها، أو ابن عمها إذا عصبها هو داخل في هذه القسمة؛ لأنَّها من أهل الفرائض في الجملة، فكذلك ما تأخذه الأخت مع البنت. وقالت فرقة أخرى: المراد بأهل الفرائض في قَوْلِهِ: "ألحقوا الفرائض بأهلها"، قَوْلِهِ: "اقسموا المال بين أهل الفرائض" جملة من سماه الله في كتابه من أهل المواريث من ذوي الفروض والعصبات كلهم، فإن كل ما يأخذه الورثة، فهو فرض فرضه الله لهم، سواء كان مقدراً أو غير مقدر، كما قال بعد ذكر ميراث الوالدين والأولاد: ﴿فَريضَةً مِنَ الله﴾، وفيهم ذو فرض وعصبة، وكما قال: ﴿لِلرِّجَالِ نَصِيبٌ مِمَّا تَرَكَ الْوَالِدَانِ وَالأَقْرَبُونَ وَلِلنِّسَاءِ نَصِيبٌ مِمَّا تَرَكَ الْوَالِدَانِ وَالأَقْرَبُونَ مِمَّا قَلَّ مِنْهُ أَوْ كَثُرَ نَصِيباً مَفْرُوضاً﴾، وهذا يشمل العصبات وذوي الفروض، فكذلك قَوْلُهُ: "اقسموا الفرائض بين أهلها على كتاب الله" يشمل قسمته بين ذوي الفروض والعصبات على ما في كتاب الله، فإن قسم على ذلك ثم فضل منه شيء، فيختص
стр. 5480
بالفاضل أقرب الذكور من الورثة، وكذلك إن لم يوجد في كتاب الله تصريح بقسمته بين من سماه الله من الورثة، فيكون حينئذ المال لأولى رجل ذكر منهم.
فهذا الحديث مبين لكيفية قسمة المواريث المذكورة في كتاب الله بين أهلها ومبين لقسمة ما فضل من المال عن تلك القسمة مما لم يصرح به في القرآن من أحوال أولئك الورثة وأقسامهم، ومبين أيضاً لكيفية توريث بقية العصبات الذين لم يصرح بتسميتهم في القرآن، فإذا ضم هذا الحديث إلى آيات القرآن، انتظم ذلك كله معرفة قسمة المواريث بين جميع ذوي الفروض والعصبات» اهـ.
قُلْتُ: قول الحافظ ابن رجب ﵀: «وإن لم يكن هناك ولد ذكر، بل أنثى، فالباقي بعد فرضها يستحقه الأخ مع أخته بالاتفاق»، ونحوه ما سبق عن ابن القيم. فيه نظر، فهذه المسألة مما نازع فيها ابن عباس، وليست هي من المسائل التي اتفق عليها العلماء.
قَالَ الْحِافِظُ ابْنُ حَجَرٍ ﵀ فِي [فَتْحِ الْبَارِي] (١٢/ ١٤):
«قال الطحاوي: استدل قوم يعني ابن عباس ومن تبعه بحديث ابن عباس على أنَّ من خلف بنتاً وأخاً شقيقاً وأختاً شقيقة كان لابنته النصف وما بقي لأخيه ولا شيء لأخته ولو كانت شقيقة، وطردوا ذلك فيما لو كان مع الأخت الشقيقة
стр. 5481
عصبة فقالوا: لا شيء لها مع البنت بل الذي يبقى بعد البنت للعصبة ولو بعدوا» اهـ.
وَقَالَ شَيْخُ الْإِسْلَامِ ابْنُ تَيْمِيَّةَ ﵀ كَمَا فِي [مَجْمُوْعِ الْفَتَاوَى] (٣١/ ٣٤٨):
«فلما دل القرآن على أنَّ للأخت النصف مع عدم الولد. وأنَّه مع ذكور ولد يكون الابن عاصباً يحجب الأخت؛ كما يحجب أخاها. بقي الأخت مع إناث الولد: ليس في القرآن ما ينفي ميراث الأخت في هذه الحال. بقي مع البنت: إمَّا أن تسقط؛ وإمَّا أن يكون لها النصف، وإمَّا أن تكون عصبة. ولا وجه لسقوطها؛ فإنَّها لا تزاحم البنت. وأخوها لا يسقط. فلا تسقط هي ولو سقطت بمن هو أبعد منها من الأقارب والبعيد لا يسقط القريب؛ ولأنَّها كانت تساوي البنت مع اجتماعهما والبنت أولى منها فلا تساوى بها؛ فإنَّه لو فرض لها النصف لنقصت البنت عن النصف كزوج وبنت فلو فرض لها النصف لعالت فنقصت البنت عن النصف والإخوة لا يزاحمون الأولاد بفرض ولا تعصيب؛ فإنَّ الأولاد أولى منهم. والله إنَّما أعطاها النصف إذا كان الميت كلالة. فلما بطل سقوطها وفرضها لم يبق إلَّا أن تكون عصبة أولى من البعيد كالعم وابن العم وهذا قول الجمهور. وقد دل عليه حديث البخاري عن ابن مسعود لما ذكر له أنَّ أبا موسى وسلمان بن ربيعة قالا:
стр. 5482
في بنت، وبنت ابن، وأخت: للبنت النصف وللأخت النصف وأت ابن مسعود فإنَّه سيتابعنا. فقال: " لقد ضللت إذاً وما أنا من المهتدين لأقضين فيها بقضاء رسول الله ﷺ : للبنت النصف، وبنت الابن السدس تكملة الثلثين، وما بقي للأخت". فدل ذلك أنَّ الأخوات مع البنات عصبة، والأخت تكون عصبة بغيرها وهو أخوها فلا يمتنع أن تكون عصبة مع البنت. وقوله ﷺ : "ألحقوا الفرائض بأهلها إلخ" فهذا عام خص منه المعتقة والملاعنة والملتقطة؛ لقوله ﷺ : "تحوز المرأة ثلاث مواريث: عتيقها ولقيطها وولدها الذي لاعنت عليه". وإذا كان عاماً مخصوصاً: خصت منه هذه الصورة بما ذكر من الأدلة» اهـ.
قُلْتُ: حديث ابن مسعود رواه البخاري (٦٧٣٦) عَنْ هُزَيْلِ بْنِ شُرَحْبِيلَ، قَالَ: سُئِلَ أَبُو مُوسَى عَنْ بِنْتٍ وَابْنَةِ ابْنٍ وَأُخْتٍ، فَقَالَ: لِلْبِنْتِ النِّصْفُ، وَلِلْأُخْتِ النِّصْفُ، وَأْتِ ابْنَ مَسْعُودٍ، فَسَيُتَابِعُنِي، فَسُئِلَ ابْنُ مَسْعُودٍ، وَأُخْبِرَ بِقَوْلِ أَبِي مُوسَى فَقَالَ: لَقَدْ ضَلَلْتُ إِذًا وَمَا أَنَا مِنَ المُهْتَدِينَ، أَقْضِي فِيهَا بِمَا قَضَى النَّبِيُّ ﷺ : «لِلاِبْنَةِ النِّصْفُ، وَلِابْنَةِ ابْنٍ السُّدُسُ تَكْمِلَةَ الثُّلُثَيْنِ، وَمَا بَقِيَ
стр. 5483
فَلِلْأُخْتِ». فَأَتَيْنَا أَبَا مُوسَى فَأَخْبَرْنَاهُ بِقَوْلِ ابْنِ مَسْعُودٍ، فَقَالَ: لَا تَسْأَلُونِي مَا دَامَ هَذَا الحَبْرُ فِيكُمْ.
وَقَالَ الْعَلَّامَةُ ابْنُ الْقَيِّمِ ﵀ فِي [إِعْلَامِ الْمُوَقِعِيْنَ] (١/ ٣٦٥ - ٣٦٨):
«وليس في القرآن ما ينفي ميراث الأخت مع إناث الولد بغير جهة الفرض وإنَّما صريحه ينفي أن يكون فرضها النصف مع الولد فبقي ههنا ثلاثة أقسام إمَّا أن يفرض لها أقل من النصف، وإمَّا أن تحرم بالكلية وإمَّا أن تكون عصبة، والأول محال إذ ليس للأخت فرض مقدر غير النصف فلو فرضنا لها أقل منه لكان ذلك وضع شرع جديد فبقي إمَّا الحرمان، وإمَّا التعصيب، والحرمان لا سبيل إليه فإنَّها وأخاها في درجة واحدة وهي لا تزاحم البنت فإذا لم يسقط أخوها بالبنت لم تسقط هي بها أيضاً فإنَّها لو سقطت بالبنت ولم يسقط أخوها بها كان أقوى منها وأقرب إلى الميت وليس كذلك، وأيضاً فلو أسقطتها البنت إذا
стр. 5484
انفردت عن أخيها لأسقطتها مع أخيها فإنَّ أخاها لا يزيدها قوة ولا يحصل لها نفعاً في موضع واحد بل لا يكون إلاَّ مضراً لها ضرر نقصان أو ضرر حرمان كما إذا خلفت زوجاً وأماً وأخوين لأم وأختا لأب وأم فإنَّها يفرض لها النصف عائلاً، وإن كان معها أخوها سقطا معاً ولا تنتفع به في الفرائض في موضع واحد، فلو أسقطتها البنت إذا انفردت لأسقطتها بطريق الأولى مع من يضعفها ولا يقويها، وأيضاً فإنَّ البنت إذا لم تسقط ابن الأخ وابن العم وابن عم الأب والجد وإن بعد فأن لا تسقط الأخت مع قربها بطريق الأولى، وأيضاً فإنَّ قاعدة الفرائض إسقاط البعيد بالقريب وتقديم الأقرب على الأبعد وهذا عكس ذلك فإنَّه يتضمن تقديم الأبعد جداً الذي بينه وبين الميت وسائط كثيرة على الأقرب الذي ليس بينه وبين الميت إلَّا واسطة الأب وحده، فكيف يرث ابن عم جد الميت مثلاً مع البنت وبينه وبين الميت وسائط كثيرة وتحرم الأخت القريبة التي ركضت معه في صلب أبيه ورحم أمه هذا من المحال الممتنع شرعاً، فهذا من جهة الميزان، وأمَّا من جهة فهم النص فإنَّ الله سبحانه قال في الأخ: ﴿وَهُوَ يَرِثُهَا إِنْ لَمْ يَكُنْ لَهَا وَلَدٌ﴾، ولم يمنع ذلك في ميراثه منها إذ كان الولد أنثى فهكذا قَوْلُهُ: ﴿إِنِ امْرُؤٌ هَلَكَ لَيْسَ لَهُ وَلَدٌ وَلَهُ أُخْتٌ فَلَهَا نِصْفُ مَا تَرَكَ﴾، لا ينفي أن ترث غير النصف مع إناث الولد أو ترث الباقي إذا كان نصفاً؛ لأنَّ هذا غير الذي أعطاها إياه فرضاً مع عدم الولد فتأمله فإنَّه ظاهر جداً.
وأيضاً فالأقسام ثلاثة: إمَّا أن يقال: يفرض لها النصف مع البنت، أو يقال: تسقط معها بالكلية، أو يقال: تأخذ ما فضل بعد فرض البنت أو البنات، والأول ممتنع
стр. 5485
بالنص والقياس فإنَّ الله سبحانه إنَّما فرض لها النصف مع عدم الولد فلا يجوز إلغاء هذا الشرط وفرض النصف لها مع وجوده والله سبحانَّه إنَّما أعطاها النصف إذا كان الميت كلالة لا ولد له ولا والد، فإذا كان له ولد لم يكن الميت كلالة فلا يفرض لها معه، وأمَّا القياس فإنَّها لو فرض لها النصف مع وجود البنت لنقصت البنت عن النصف إذا عالت الفريضة كزوجة أو زوج وبنت وأخت وإخوة، والإخوة لا يزاحمون الأولاد لا بفرض ولا تعصيب فإنَّ الأولاد أولى منهم فبطل فرض النصف وبطل سقوطها بما ذكرناه فتعين القسم الثالث وهو أن تكون عصبة لها ما بقي وهي أولى به من سائر العصبات الذين هم أبعد منها وبهذا جاءت السنة الصحيحة الصريحة التي قضى بها رسول الله ﷺ فوافق قضاؤه كتاب ربه والميزان الذي أنزله مع كتابه وبذلك قضى الصحابة بعده كابن مسعود ومعاذ بن جبل وغيرهما.
فإن قيل لكن خرجتم عن قوله ﷺ : "ألحقوا الفرائض بأهلها فما بقي فلأولى رجل ذكر". فإذا أعطينا البنت فرضها وجب أن يعطى الباقي لابن الأخ أو العم أو ابنه دون الأخت فإنَّه رجل ذكر فأنتم عدلتم عن هذا النص وأعطيتموه الأنثى فكنا أسعد بالنص منكم وعملنا وبقضاء رسول الله صَلَّى اللهُ
стр. 5486
عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حيث أعطى البنت النصف وبنت الابن السدس والباقي للأخت إذ لم يكن هناك أولى رجل ذكر فكانت الأخت عصبة وهذا توسط بين قولكم وبين قول من أسقط الأخت بالكلية وهذا مذهب إسحاق بن راهويه وهو اختيار أبي محمد بن حزم، وسقوطها بالكلية مذهب ابن عباس كما قال عبد الرزاق أنبأنا معمر عن الزهري عن أبي سلمة قيل لابن عباس: رجل ترك ابنته وأخته لأبيه وأمه فقال لابنته النصف ولأمه السدس وليس لأخته شيء مما ترك وهو لعصبته فقال له السائل: إنَّ عمر قضى بغير ذلك جعل للبنت النصف وللأخت النصف، قال ابن عباس: أأنتم أعلم أم الله. قال معمر: فذكرت ذلك لابن طاووس فقال لي: أخبرني أبي أنَّه سمع ابن عباس يقول: قال الله : ﴿إِنِ امْرُؤٌ هَلَكَ لَيْسَ لَهُ وَلَدٌ وَلَهُ أُخْتٌ فَلَهَا نِصْفُ مَا تَرَكَ﴾، فقلتم أنتم لها النصف وإن كان له ولد، وقال ابن أبي مليكة عن ابن عباس: أمر ليس في كتاب الله ولا في قضاء رسول الله ﷺ وستجدونه في الناس كلهم ميراث الأخت مع البنت.
فالجواب: أنَّ نصوص رسول الله ﷺ كلها حق يصدق بعضها بعضاً ويجب الأخذ بجميعها ولا يترك له نص إلَّا بنص آخر ناسخ له لا يترك
стр. 5487
بقياس ولا رأي ولا عمل أهل بلد ولا إجماع، ومحال أن تجمع الأمة على خلاف نص له إلَّا أن يكون له نص آخر ينسخه فقوله ﷺ : "فما أبقت الفرائض فلأولى رجل ذكر" عام قد خص منه قوله ﷺ : "تحوز المرأة ثلاث مواريث عتيقها ولقيطها وولدها الذي لا عنت عليه". وأجمع الناس على أنَّها عصبة عتيقها، واختلفوا في كوناه عصبة لقيطها وولدها المنفي باللعان وسنة رسول الله ﷺ تفصل بين المتنازعين، فإذا خصت منه هذه الصور بالنص وبعضها مجمع عليه خصت منه هذه الصورة لما ذكرناه من الدلالة.
فإن قيل: قَوْلُهُ: "فلأولى رجل ذكر". إنَّما هو في الأقارب الوارثين بالنسب وهذا لا تخصيص فيه.
قيل: فأنتم تقدمون المعتق على الأخت مع البنت وليس من الأقارب فخالفتم النصين معاً وهو ﷺ قال: "فلأولى رجل ذكر" فأكده بالذكورة ليبين أنَّ العاصب بنفسه المذكور هو الذكر دون الأنثى، وأنَّه لم يرد بلفظ الرجل ما يتناول الذكر والأنثى كما في قَوْلِهِ: "من وجد متاعه عند رجل قد أفلس" ونحوه مما يذكر فيه لفظ الرجل والحكم يعم النوعين، وهو نظير قوله في حديث
стр. 5488
الصدقات: "فابن لبون ذكر". ليبين أنَّ المراد الذكر دون الأنثى، ولم يتعرض في الحديث للعاصب بغيره، فدل قضاؤه الثابت عنه في إعطاء الأخت مع البنت وبنت البنت ما بقي أنَّ الأخت عصبة بغيرها فلا تنافي بينه وبين قَوْلِهِ: "فلأولى رجل ذكر". بل هذا إذا لم يكن ثم عصبة بغيره بل كان العصبة عصبة بأنفسهم فيكون أولهما وأقربهم إلى الميت أحقهم بالمال، وأمَّا إذا اجتمع العصبتان فقد دل حديث ابن مسعود الصحيح أنَّ تعصيب الأخت أولى من تعصيب من هو أبعد منها؛ فإنَّه أعطاها الباقي ولم يعطه لابن عمه مع القطع فإن العرب بنو عم بعضهم لبعض فقريب وبعيد ولا سيما إن كان ما حكاه ابن مسعود من قضاء رسول الله ﷺ قضاء عاماً كلياً فالأمر حينئذ يكون أظهر وأظهر» اهـ.
٧ - واحتج به الإمام البخاري تقديم عصبة الجد على عصبة الإخوة، وهذا هو الصحيح، فإنَّ عصوبة الأصول مقدمة على عصوبة الحواشي، ولهذا كان الأب مقدم على الإخوة إجماعاً.
قَالَ الْعَلَّامَةُ ابْنُ الْقَيِّمِ ﵀ فِي [إِعْلَامِ الْمُوَقِعِيْنَ] (١/ ٣٨١ - ٣٨٢):
«يوضحه الوجه العشرون وهو قول النبي ﵌: "ألحقوا الفرائض بأهلها فما بقي فلأولى رجل ذكر". فإذا خلفت المرأة زوجها وأمها
стр. 5489
وأخاها وجدها فإن كان الأخ أولى رجل ذكر فهو أحق بالباقي، وإن كانا سواء في بالأولوية وجب اشتراكهما فيه وإن كان الجد أولى وهو الحق الذي لا ريب فيه فهو أولى به، وإذا كان الجد أولى رجل ذكر وجب أن ينفرد بالباقي بالنص وهذا الوجه وحده كاف وبالله التوفيق» اهـ.
قُلْتُ: وقد نصر العلامة ابن القيم ﵀ هذا القول من عشرين وجهاً، وهذا الدليل ختم به تلك الوجوه، وقد نصر هذا القول أيضاً شيخه شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀، وهذا القول هو الصحيح وهو قول الصديق ومن معه من الصحابة كأبي موسى وابن عباس وابن الزبير وأربعة عشر منهم ﵃ أجمعين، وهو مذهب أبي حنيفة وإحدى الروايتين عن أحمد.
٨ - واحتج به من قال: إنَّ الميت إذا مات عن ابني عم أحدهما أخ للأم أنَّ الباقي لابن العم الذي هو أخ لأم، وينقل هذا عن عمر بن الخطاب، وابن مسعود ﵄. وذهب علي بن أبي طالب وزيد بن ثابت ﵄ والجمهور على أنَّهما سواء من حيث التعصيب، وهذا هو الصحيح؛ فإنَّه لا فرق بينهما من حيث العصوبة.
قَالَ الْعَلَّامَةُ ابْنُ الْقَيِّمِ ﵀ فِي [إِعْلَامِ الْمُوَقِعِيْنَ] (١/ ٣٥٧):
стр. 5490
«فإن قيل: فقد فرقتم بين القرابتين فقلتم في ابني عم أحدهما أخ لأم يعطي الأخ للأم بقرابة الأم السدس ويقاسم ابن العم بقرابة العمومة.
قيل: نعم هذا قول الجمهور وهو الصواب وإن كان شريح ومن قال بقوله أعطى الجميع لابن العم الذي هو أخ لأم كما لو كان ابن عم الأبوين والفرق بينهما على قول الجمهور أنَّ كليهما في بنوة العم سواء» اهـ.
٩ - واحتج من قال في مسألة المشركة بسقوط أولاد الأبوين.
قُلْتُ: وهذا هو الراجح في هذه المسألة.
والمشركة أو المشتركة هي التي يقال لها أيضاً: الحمارية واليمية، والحجرية سقوط الإخوة الأشقاء.
وَالْمُشْتَرَكَةُ هِيَ الْمَسْأَلَةُ الَّتِي قَالَ فِيهَا صَاحِبُ الرَّحَبِيَّةِ:
وَإِنْ تَجِدْ زَوْجًا وَأَمَّا وِرْثَا … وَإِخْوَةً لِلْأُمِّ حَازُوا الثُّلُثَا
وَإِخْوَةً أَيْضًا لِأُمٍّ وَأَبٍ … وَاسْتَغْرَقُوا الْمَالَ بِفَرْضِ النُّصُبِ
فَاجْعَلْهُمْ كُلَّهُمْ لِأُمِّ … وَاجْعَلْ أَبَاهُمْ حَجَرًا فِي الْيَمِّ
وَاقْسِمْ عَلَى الْإِخْوَةِ ثُلُثَ التَّرِكَهْ … فَهَذِهِ الْمَسْأَلَةُ الْمُشْتَرَكَهْ.
стр. 5491
قُلْتُ: وإذا كان بدل الأم جدة فما زالت مشركة، ولا يشترط في الإخوة الأشقاء التعدد ولا أن يكون ذكوراً فقط.
وقد ذهب إلى تشريك الإخوة الاشقاء مع الإخوة لأب: عمر وزيد بن ثابت ﵄، وهو مذهب مالك والشافعي.
وذهب إلى عدم التشريك علي وابن مسعود ﵄، وهو مذهب أحمد وأبي حنيفة. وهذا هو الصحيح لدلالة هذا الحديث.
قَالَ شَيْخُ الْإِسْلَامِ ابْنُ تَيْمِيَّةَ ﵀ كَمَا فِي [مَجْمُوْعِ الْفَتَاوَى] (٣١/ ٣٣٩ - ٣٤٢):
«النَّصُّ وَالْقِيَاسُ - وَهُمَا الْكِتَاب وَالْمِيزَانُ - دَلَّا عَلَى أَنَّ الثُّلُثَ يَخْتَصُّ بِهِ وَلَدُ الْأُمِّ كَمَا هُوَ قَوْلُ عَلِيٍّ وَمَنْ وَافَقَهُ وَهُوَ مَذْهَبُ أَبِي حَنِيفَةَ وَأَحْمَد فِي الْمَشْهُورِ عَنْهُ وَرَوَى حَرْبٌ التَّشْرِيكَ وَهُوَ قَوْلُ زَيْدٍ وَمَنْ وَافَقَهُ وَقَوْلُ مَالِكٍ وَالشَّافِعِيِّ وَاخْتُلِفَ فِي ذَلِكَ عَنْ عُمَرَ وَعُثْمَانَ وَغَيْرِهِمَا مِنْ الصَّحَابَةِ حَتَّى قِيلَ: إنَّهُ اُخْتُلِفَ فِيهَا عَنْ جَمِيعِ الصَّحَابَةِ إلَّا عَلِيًّا وَزَيْدًا؛ فَإِنَّ عَلِيًّا لَمْ يَخْتَلِفْ عَنْهُ أَنَّهُ لَمْ يُشْرِكْ وَزَيْدٌ لَمْ يَخْتَلِفْ عَنْهُ أَنَّهُ يُشْرِكُ. قَالَ الْعَنْبَرِيُّ: الْقِيَاسُ مَا قَالَ عَلِيٍّ وَالِاسْتِحْسَانُ مَا قَالَ زَيْدٍ.
قَالَ الْعَنْبَرِيُّ: هَذِهِ وَسَاطَةٌ مَلِيحَةٌ وَعِبَارَةٌ صَحِيحَةٌ.
стр. 5492
فَيُقَالُ: النَّصُّ وَالْقِيَاسُ دَلَّا عَلَى مَا قَالَ عَلِيٍّ. أَمَّا النَّصُّ فَقَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿فَإِنْ كَانُوا أَكْثَرَ مِنْ ذَلِكَ فَهُمْ شُرَكَاءُ فِي الثُّلُثِ﴾ وَالْمُرَادُ بِهِ: وَلَدُ الْأُمِّ وَإِذَا أَدْخَلَنَا فِيهِمْ وَلَدَ الْأَبَوَيْنِ لَمْ يَشْتَرِكُوا فِي الثُّلُثِ؛ بَلْ زَاحَمَهُمْ غَيْرُهُمْ.
وَإِنْ قِيلَ: إنَّ وَلَدَ الْأَبَوَيْنِ مِنْهُمْ وَأَنَّهُمْ مِنْ وَلَدِ الْأُمِّ فَهُوَ غَلَطٌ وَاَللَّهُ تَعَالَى قَالَ: ﴿وَإِنْ كَانَ رَجُلٌ يُورَثُ كَلَالَةً أَوِ امْرَأَةٌ وَلَهُ أَخٌ أَوْ أُخْتٌ فَلِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا السُّدُسُ﴾ الْآيَةَ. وَفِي قِرَاءَةِ سعد وَابْنِ مَسْعُودٍ (مِنْ الْأُمِّ) وَالْمُرَادُ بِهِ وَلَدُ الْأُمِّ بِالْإِجْمَاعِ. وَدَلَّ عَلَى ذَلِكَ قَوْلُهُ: ﴿فَلِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا السُّدُسُ﴾ وَوَلَدُ الْأَبَوَيْنِ وَالْأَبِ فِي آيَةٍ فِي قَوْلِهِ: ﴿يَسْتَفْتُونَكَ قُلِ اللَّهُ يُفْتِيكُمْ فِي الْكَلَالَةِ إنِ امْرُؤٌ هَلَكَ لَيْسَ لَهُ وَلَدٌ وَلَهُ أُخْتٌ فَلَهَا نِصْفُ مَا تَرَكَ وَهُوَ يَرِثُهَا إنْ لَمْ يَكُنْ لَهَا وَلَدٌ﴾ فَجَعَلَ لَهَا النِّصْفَ وَلَهُ جَمِيعَ الْمَالِ وَهَكَذَا حُكْمُ وَلَدِ الْأَبَوَيْنِ. ثُمَّ قَالَ: ﴿وَإِنْ كَانُوا إخْوَةً رِجَالًا وَنِسَاءً فَلِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنْثَيَيْنِ﴾ وَهَذَا حُكْمُ وَلَدِ الْأَبَوَيْنِ؛ لَا الْأُمِّ بِاتِّفَاقِ الْمُسْلِمِينَ. فَدَلَّ ذِكْرُهُ تَعَالَى لِهَذَا الْحُكْمِ فِي هَذِهِ الْآيَةِ وَكَذَلِكَ الْحُكْمُ فِي تِلْكَ الْآيَةِ عَلَى أَنَّ أَحَدَ الصِّنْفَيْنِ غَيْرُ الْآخَرِ. وَإِذَا كَانَ النَّصُّ قَدْ أَعْطَى وَلَدَ الْأُمِّ الثُّلُثَ فَمَنْ نَقَصَهُمْ مِنْهُ فَقَدْ ظَلَمَهُمْ. وَوَلَدُ الْأَبَوَيْنِ جِنْسٌ آخَرُ. وَقَدْ قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ
стр. 5493
وَسَلَّمَ: "أَلْحِقُوا الْفَرَائِضَ بِأَهْلِهَا فَمَا بَقِيَ فَلِأَوْلَى رَجُلٍ ذَكَرٍ". وَهَذَا يَقْتَضِي أَنَّهُ إذَا لَمْ تَبْقَ الْفَرَائِضُ شَيْئًا لَمْ يَكُنْ لِلْعَصَبَةِ شَيْءٌ وَهُنَا لَمْ تَبْقَ الْفَرَائِضُ شَيْئًا.
وَأَمَّا قَوْلُ الْقَائِلِ: إنَّ أَبَاهُمْ كَانَ حِمَارًا فَقَدْ اشْتَرَكُوا فِي الْأُمِّ. فَقَوْلٌ فَاسِدٌ حِسًّا وَشَرْعًا.
أَمَّا الْحِسُّ: فَلِأَنَّ الْأَبَ لَوْ كَانَ حِمَارًا لَكَانَتْ الْأُمُّ أَتَانًا وَلَمْ يَكُونُوا مِنْ بَنِي آدَمَ. وَإِذَا قِيلَ: مُرَادُهُ أَنَّ وُجُودَهُ كَعَدَمِهِ فَيُقَالُ: هَذَا بَاطِلٌ فَإِنَّ الْوُجُودَ لَا يَكُونُ مَعْدُومًا.
وَأُمًّا الشَّرْعُ: فَلِأَنَّ اللَّهَ حَكَمَ فِي وَلَدِ الْأَبَوَيْنِ بِخِلَافِ حُكْمِهِ فِي وَلَدِ الْأُمِّ وَإِذَا قِيلَ؛ فَالْأَبُ. إذَا لَمْ يَنْفَعْهُمْ لَمْ يَضُرَّهُمْ؟ قِيلَ: بَلَى. قَدْ يَضُرُّهُمْ كَمَا يَنْفَعُهُمْ؛ بِدَلِيلِ مَا لَوْ كَانَ وَلَدُ الْأُمِّ وَاحِدًا وَوَلَدُ الْأَبَوَيْنِ كَثِيرِينَ؛ فَإِنَّ وَلَدَ الْأُمِّ وَحْدَهُ يَأْخُذُ السُّدُسَ وَالْبَاقِي يَكُونُ لَهُمْ كُلَّهُ وَلَوْلَا الْأَبُ لَتَشَارَكُوا هُمْ وَذَاكَ الْوَاحِدُ فِي الثُّلُثِ وَإِذَا جَازَ أَنْ يَكُونَ وُجُودُ الْأَبِ يَنْفَعُهُمْ جَازَ أَنْ يَحْرِمَهُمْ. فَعُلِمَ أَنَّهُ يَضُرُّهُمْ.
وَأَيْضًا: فَأُصُولُ الْفَرَائِضِ مَبْنِيَّةٌ عَلَى أَنَّ الْقَرَابَةَ الْمُتَّصِلَةَ: ذَكَرٌ وَأُنْثَى لَا تُفَرِّقُ أَحْكَامُهَا. فَالْأَخُ مِنْ الْأَبَوَيْنِ لَا يَكُونُ كَأَخٍ مِنْ أَبٍ وَلَا كَأَخٍ مِنْ أُمٍّ وَلَا يُعْطَى بِقَرَابَةِ الْأُمِّ وَحْدَهَا كَمَا لَا يُعْطَى بِقَرَابَةِ الْأَبِ وَحْدَهُ؛ بَلْ الْقَرَابَةُ الْمُشْتَرِكَةُ مِنْ الْأَبَوَيْنِ؛ وَإِنَّمَا يُفْرَدُ إذَا كَانَ قَرَابَةً لِأُمِّ مُنْفَرِدًا مِثْلَ ابْنَيْ عَمَّ: أَحَدُهُمَا أَخٌ لِأُمِّ فَهُنَا
стр. 5494
ذَهَبَ الْجُمْهُورُ إلَى أَنَّ لِلْأَخِ لِأُمِّ السُّدُسُ وَيَشْتَرِكَانِ فِي الْبَاقِي وَهُوَ مَأْثُورٌ عَنْ عَلِيٍّ وَرُوِيَ عَنْ شريح: أَنَّهُ جَعَلَ الْجَمِيعَ لِلْأَخِ مِنْ الْأُمِّ كَمَا لَوْ كَانَ ابْنَ عَمٍّ لِأَبَوَيْنِ وَالْجُمْهُورُ يَقُولُونَ: كِلَاهُمَا فِي بُنُوَّةِ الْعَمِّ سَوَاءٌ هُمَا ابْنَ عَمٍّ مِنْ أَبَوَيْنِ أَوْ مِنْ أَبٍ وَالْإِخْوَةُ مِنْ الْأُمِّ مُسْتَقِلَّةٌ لَيْسَتْ مُقْتَرِنَةً حَتَّى يُجْعَلَ كَابْنِ عَمٍّ لِأَبَوَيْنِ.
وَمِمَّا يُبَيِّنُ الْحُكْمَ فِي "مَسْأَلَةِ الْمُشْرِكَةِ" أَنْ لَوْ كَانَ فِيهِنَّ أَخَوَاتٌ مِنْ أَبٍ لَفُرِضَ لَهُنَّ الثُّلُثَانِ وَعَالَتْ الْفَرِيضَةُ؛ فَلَوْ كَانَ مَعَهُنَّ أَخُوهُنَّ سَقَطْنَ وَيُسَمَّى "الْأَخُ الْمَشْئُومُ" فَلَمَّا صِرْنَ بِوُجُودِهِ يَصِرْنَ عَصَبَةً: صَارَ تَارَةً يَنْفَعُهُنَّ. وَتَارَةً يَضُرُّهُنَّ؛ وَلَمْ يُجْعَلْ وُجُودُهُ كَعَدَمِهِ فِي حَالَةِ الضُّرِّ. كَذَلِكَ قَرَابَةُ الْأَبِ لَمَّا الْإِخْوَةُ بِهَا عَصَبَةٌ صَارَ يَنْفَعُهُمْ تَارَةً وَيَضُرُّهُمْ أُخْرَى. فَهَذَا مَجْرَى "العصوبة" فَإِنَّ الْعَصَبَةَ تَارَةً يَحُوزُ الْمَالَ كُلَّهُ وَتَارَةً يَحُوزُ أَكْثَرَهُ؛ وَتَارَةً أَقَلَّهُ وَتَارَةً لَا يَبْقَى لَهُ شَيْءٌ وَهُوَ إذَا اسْتَغْرَقَتْ الْفَرَائِضُ الْمَالَ. فَمَنْ جَعَلَ الْعَصَبَةَ تَأْخُذُ مَعَ اسْتِغْرَاقِ الْفَرَائِضِ الْمَالَ فَقَدْ خَرَجَ عَنْ الْأُصُولِ الْمَنْصُوصَةِ فِي الْفَرَائِضِ.
وَقَوْلُ الْقَائِلِ: هُوَ اسْتِحْسَانٌ. يُقَالُ هَذَا اسْتِحْسَانٌ يُخَالِفُ الْكِتَابَ وَالْمِيزَانَ؛ فَإِنَّهُ ظُلْمٌ لِلْإِخْوَةِ مِنْ الْأُمِّ؛ حَيْثُ يُؤْخَذُ حَقُّهُمْ فَيُعْطَاهُ غَيْرُهُمْ.
стр. 5495
وَالْمُنَازِعُونَ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ لَيْسَ مَعَهُمْ حُجَّةٌ إلَّا أَنَّهُ قَوْلُ زَيْدٍ. فَقَدْ رُوِيَ عَنْ عُمَرَ: أَنَّهُ حَكَمَ بِهَا فَعَمِلَ بِذَلِكَ مَنْ عَمِلَ مِنْ أَهْلِ الْمَدِينَة وَغَيْرِهَا كَمَا عَمِلُوا بِمِثْلِ ذَلِكَ فِي مِيرَاثِ الْجَدِّ وَالْإِخْوَةِ. وَعَمِلُوا بِقَوْلِ زَيْدٍ فِي غَيْرِ ذَلِكَ مِنْ الْفَرَائِضِ تَقْلِيدًا لَهُ وَإِنْ كَانَ النَّصُّ وَالْقِيَاسُ مَعَ مَنْ خَالَفَهُ» اهـ.
١٠ - واحتج به لمذهب ابن مسعود، وهو أنَّ بنت الابن لا ترث مع ابن الابن إذا استكمل من فوقهن الثلثين، وهكذا الأخت لأب إذا استكمل الشقيقات الثلثين، فلا ترث الباقي مع الأخ لأب، وإنَّما ينفرد بالميراث دونها.
قُلْتُ: والصحيح مذهب الجمهور، وهو أنَّ ابن الابن يعصب بنت الابن إذا استكمل من فوقها الثلثين، وهكذا الأخ لأب يعصب الأخت لأب إذا استكملت الشقيقات للثلثين.
قَالَ الْعَلَّامَةُ ابْنُ الْقَيِّمِ ﵀ فِي [إِعْلَامِ الْمُوَقِعِيْنَ] (١/ ٣٧٣):
«فإن قيل: فمن أين أعطيتم بنات الابن إذا استكمل البنات الثلثين وكان معهن أخوهن والنبي ﷺ جعل الباقي لأولى رجل ذكر؟.
قيل: قد تقدم بيان ذلك مستوفى وأنَّ هذا حكم كل عصبة معه وارث من جنسه في درجته كالأولاد والإخوة بخلاف الأعمام وبني الإخوة.
стр. 5496
فإن قيل فكيف عصب ابن ابن الابن من فوقه وليس في درجته؟
قيل إذا كان يعصب من هو في درجته مع أنَّه أنزل ممن فوقه ولا يسقطه فتعصيبه لمن هو فوقه وأقرب منه إلى الميت بطريق الأولى، فإذا كان الأنزل لا يقوى هو على إسقاطه فكيف يقوى على إسقاط الأعلى. على أنَّ عبد الله بن مسعود لا يعصب به من في درجته ولا من فوقه بل يخصه بالباقي ووجه قوله أنَّها لا ترث مفردة فلا ترث مع أخيها كالمحجوبة برق أو كفر بخلاف ما إذا كانت وارثة كبنت وبنت ابن معها أخوها فإنَّه يعصبها اتفاقاً؛ لأنَّها وارثة، وقول الجمهور أصح فإنَّها وارثة في الجملة وهي ممن يستفيد التعصيب بأخيها وهنا إنَّما سقط ميراثها بالفرض لاستكمال من فوقها الثلثين ولا يلزم من سقوط الميراث بالفرض سقوطه بالتعصيب مع قيام موجبه وهو وجود الأخ، وإذا كان وجود الأخ يجعلها عصبة فيمنعها الميراث بالكلية ولولاه ورثت بالفرض وهو الأخ المشئوم فالعدل يقتضي أن يجعلها عصبة فيورثها إذا لم ترث بالفرض وهو الأخ النافع فهذا محض القياس والميزان وقد فهمت دلالة الكتاب عليه.
والنزاع في الأخت للأب مع الأخت أو الأخوات للأبوين كبنت الابن مع البنت والبنات سواء وبالله التوفيق» اهـ.
стр. 5497
١١ - واحتج به على أنَّ للأم ثلث جميع المال في مسألة العمريتين.
قَالَ الْعَلَّامَةُ ابْنُ قُدَامَةَ ﵀ فِي [الْمُغْنِي] (١٣/ ٣٥٢ - ٣٥٣):
«واحتج ابن عباس بعموم قوله تعالى: ﴿فَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ وَلَدٌ وَوَرِثَهُ أَبَوَاهُ فَلِأُمِّهِ الثُّلُثُ﴾.
وبقوله ﵇: "ألحقوا الفرائض بأهلها، فما بقي فهو لأولى رجل ذكر".
والأب هاهنا عصبة؛ فيكون له ما فضل عن ذوي الفروض، كما لو كان مكانه جد، والحجة معه لولا انعقاد الإجماع من الصحابة على مخالفته؛ ولأنَّ الفريضة إذا جمعت أبوين وذا فرض، كان للأم ثلث الباقي، كما لو كان معهم بنت ويخالف الأب الجد؛ لأنَّ الأب في درجتها، والجد أعلى منها» اهـ.
قُلْتُ: وَلِشَيْخِ الْإِسْلَامِ ابْنِ تَيْمِيَّةَ ﵀ فِي ذلك كلام نفيس، فقد قال كَمَا فِي [مَجْمُوْعِ الْفَتَاوَى] (٣١/ ٣٤٤ - ٣٤٦):
«وَأَمَّا دَلَالَةُ الْكِتَابِ فِي مِيرَاثِ الْأُمِّ؛ فَإِنَّ اللَّهَ يَقُولُ: ﴿لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا السُّدُسُ مِمَّا تَرَكَ إنْ كَانَ لَهُ وَلَدٌ فَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ وَلَدٌ وَوَرِثَهُ أَبَوَاهُ فَلِأُمِّهِ الثُّلُثُ﴾ فَاَللَّهُ تَعَالَى فَرَضَ لَهَا بِشَرْطَيْنِ: أَنْ لَا يَكُونَ لَهُ وَلَدٌ. وَأَنْ يَرِثَهُ أَبُوهُ؛ فَكَانَ فِي هَذَا دَلَالَةٌ عَلَى أَنَّهَا لَا تُعْطَى الثُّلُثَ مُطْلَقًا مَعَ عَدَمِ الْوَلَدِ. وَهَذَا مِمَّا يَدُلُّ عَلَى صِحَّةِ قَوْلِ أَكَابِرِ الصَّحَابَةِ
стр. 5498
وَالْجُمْهُورِ الَّذِينَ يَقُولُونَ: لَا تُعْطَى فِي " الْعُمَرِيَّتَيْنِ " - زَوْجٌ وَأَبَوَانِ؛ وَزَوْجَةٌ وَأَبَوَانِ - ثُلُثُ جَمِيعِ الْمَالِ. قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ وَمُوَافِقُوهُ: فَإِنَّهَا لَوْ أُعْطِيَتْ الثُّلُثَ هُنَا لَكَانَتْ تُعْطَاهُ مَعَ عَدَمِ الْوَلَدِ مُطْلَقًا وَهُوَ خِلَافُ مَا دَلَّ عَلَيْهِ الْقُرْآنُ. وَقَدْ رُوِيَ عَنْهُ أَنَّهُ قَالَ لِزَيْدِ: أَفِي كِتَابِ اللَّهِ ثُلُثُ مَا بَقِيَ؟ أَيْ لَيْسَ فِي كِتَابِ اللَّهِ إلَّا سُدُسٌ وَثُلُثٌ. فَيُقَالُ: وَلَيْسَ فِي كِتَابِ اللَّهِ إعْطَاؤُهَا الثُّلُثَ مُطْلَقًا فَكَيْفَ يُعْطِيهَا مَعَ الزَّوْجَيْنِ الثُّلُثَ بَلْ فِي كِتَابِ اللَّهِ مَا يَمْنَعُ إعْطَاءَهَا الثُّلُثَ مَعَ الْأَبِ وَأَحَدِ الزَّوْجَيْنِ. فَإِنَّهُ لَوْ كَانَ كَذَلِكَ كَانَ يَقُولُ: فَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ وَلَدٌ فَلِأُمِّهِ الثُّلُثُ. فَإِنَّهَا عَلَى هَذَا التَّقْدِيرِ تَسْتَحِقُّ الثُّلُثَ مُطْلَقًا؛ فَلَمَّا خَصَّ الثُّلُثَ بِبَعْضِ الْحَالِ: عَلِمَ أَنَّهَا لَا تَسْتَحِقُّ مُطْلَقًا. فَهَذَا مَفْهُومُ الْمُخَالَفَةِ الَّذِي يُسَمَّى دَلِيلُ الْخِطَابِ يَدُلُّ عَلَى بُطْلَانِ قَوْلِ مَنْ أَعْطَاهَا الثُّلُثَ إلَّا الْعُمَرِيَّتَيْنِ وَلَا وَجْهَ لِإِعْطَائِهَا الثُّلُثَ مَعَ مُخَالَفَتِهِ لِلْإِجْمَاعِ. إلَى أَنْ قَالَ: فَإِنَّ قَوْلَهُ: ﴿وَوَرِثَهُ أَبَوَاهُ فَلِأُمِّهِ الثُّلُثُ﴾ دَلَّ عَلَى أَنَّ لَهَا الثُّلُثَ وَالْبَاقِيَ لِلْأَبِ بِقَوْلِهِ وَرِثَهُ أَبَوَاهُ فَإِنَّهُ لَمَّا جَعَلَ الْمِيرَاثَ مِيرَاثًا بَيْنَهُمَا ثُمَّ أَخْرَجَ نَصِيبَهَا دَلَّ عَلَى أَنَّ الْبَاقِيَ نَصِيبُهُ. وَإِذَا أُعْطِيَ الْأَبُ الْبَاقِيَ مَعَهَا لَمْ يَلْزَمْ أَنْ يُعْطَى غَيْرُهُ مِثْلَ مَا أُعْطِيَ. وَإِنَّمَا أَعْطَيْنَا سَائِرَ الْعَصَبَةِ بِقَوْلِهِ: ﴿وَأُولُو الْأَرْحَامِ بَعْضُهُمْ أَوْلَى بِبَعْضٍ فِي كِتَابِ اللَّهِ﴾
стр. 5499
وَبِقَوْلِهِ: ﴿وَلِكُلٍّ جَعَلْنَا مَوَالِيَ مِمَّا تَرَكَ الْوَالِدَانِ وَالْأَقْرَبُونَ﴾ وَبِقَوْلِ النَّبِيِّ ﷺ : ﴿أَلْحِقُوا الْفَرَائِضَ بِأَهْلِهَا فَمَا بَقِيَ فَلِأَوْلَى رَجُلٍ ذَكَرٍ﴾» اهـ.
وَقَالَ الْعَلَّامَةُ ابْنُ الْقَيِّمِ ﵀ فِي [إِعْلَامِ الْمُوَقِعِيْنَ] (١/ ٢٦٩ - ٢٧٠):
«الْمَسْأَلَةُ الثَّانِيَةُ: الْعُمَرِيَّتَانِ، وَالْقُرْآنُ يَدُلُّ عَلَى قَوْلِ جُمْهُورِ الصَّحَابَةِ فِيهَا كَعُمَرَ وَعُثْمَانَ وَعَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ وَزَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ إنَّ لِلْأُمِّ ثُلُثَ مَا يَبْقَى بَعْدَ فَرْضِ الزَّوْجَيْنِ، وَهَهُنَا طَرِيقَانِ:
أَحَدُهُمَا: بَيَانُ عَدَمِ دَلَالَتِهِ عَلَى إعْطَائِهَا الثُّلُثَ كَامِلًا مَعَ الزَّوْجَيْنِ، وَهَذَا أَظْهَرُ الطَّرِيقَيْنِ.
وَالثَّانِي: دَلَالَتُهُ عَلَى إعْطَائِهَا ثُلُثَ الْبَاقِي، وَهُوَ أَدَقُّ وَأَخْفَى مِنْ الْأَوَّلِ.
أَمَّا الْأَوَّلُ: فَإِنَّ اللَّهَ - سُبْحَانَهُ - إنَّمَا أَعْطَاهَا الثُّلُثَ كَامِلًا إذَا انْفَرَدَ الْأَبَوَانِ بِالْمِيرَاثِ، فَإِنَّ قَوْلَهُ - سُبْحَانَهُ -: ﴿فَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ وَلَدٌ وَوَرِثَهُ أَبَوَاهُ فَلأُمِّهِ الثُّلُثُ﴾ [النساء: ١١] شَرَطَ أَنَّ فِي اسْتِحْقَاقِ الثُّلُثِ عَدَمَ الْوَلَدِ وَتَفَرُّدَهُمَا بِمِيرَاثِهِ.
стр. 5500
فَإِنْ قِيلَ: لَيْسَ فِي قَوْلِهِ: ﴿وَوَرِثَهُ أَبَوَاهُ﴾ [النساء: ١١] مَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُمَا تَفَرَّدَا بِمِيرَاثِهِ.
قِيلَ: لَوْ لَمْ يَكُنْ تَفَرُّدُهُمَا شَرْطًا لَمْ يَكُنْ فِي قَوْلِهِ: ﴿وَوَرِثَهُ أَبَوَاهُ﴾ [النساء: ١١] فَائِدَةٌ، وَكَانَ تَطْوِيلًا يُغْنِي عَنْهُ قَوْلُهُ: ﴿فَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ وَلَدٌ﴾ ﴿فَلأُمِّهِ الثُّلُثُ﴾ فَلَمَّا قَالَ: ﴿وَوَرِثَهُ أَبَوَاهُ﴾ [النساء: ١١] عُلِمَ أَنَّ اسْتِحْقَاقَ الْأُمِّ الثُّلُثَ مَوْقُوفٌ عَلَى الْأَمْرَيْنِ، وَهُوَ - سُبْحَانَهُ - ذَكَرَ أَحْوَالَ الْأُمِّ كُلَّهَا نَصًّا وَإِيمَاءً، فَذَكَرَ أَنَّ لَهَا السُّدُسَ مَعَ الْإِخْوَةِ وَأَنَّ لَهَا الثُّلُثَ كَامِلًا مَعَ عَدَمِ الْوَلَدِ وَتَفَرُّدِ الْأَبَوَيْنِ بِالْمِيرَاثِ، بَقِيَ لَهَا حَالَةٌ ثَالِثَةٌ - وَهِيَ مَعَ عَدَمِ الْوَلَدِ وَعَدَمِ تَفَرُّدِ الْأَبَوَيْنِ بِالْمِيرَاثِ - وَذَلِكَ لَا يَكُونُ إلَّا مَعَ الزَّوْجِ وَالزَّوْجَةِ، فَإِمَّا أَنْ تُعْطَى فِي هَذِهِ الْحَالِ الثُّلُثَ كَامِلًا وَهُوَ خِلَافُ مَفْهُومِ الْقُرْآنِ، وَإِمَّا أَنْ تُعْطَى السُّدُسَ فَإِنَّ اللَّهَ - سُبْحَانَهُ - لَمْ يَجْعَلْهُ فَرْضَهَا إلَّا فِي مَوْضِعَيْنِ مَعَ الْوَلَدِ وَمَعَ الْإِخْوَةِ، وَإِذَا امْتَنَعَ هَذَا وَهَذَا كَانَ الْبَاقِي بَعْدَ فَرْضِ الزَّوْجَيْنِ هُوَ الْمَالُ الَّذِي يَسْتَحِقُّهُ الْأَبَوَانِ، وَلَا يُشَارِكُهُمَا فِيهِ مُشَارِكٌ، فَهُوَ بِمَنْزِلَةِ الْمَالِ كُلِّهِ إذَا لَمْ يَكُنْ زَوْجٌ وَلَا زَوْجَةٌ، فَإِذَا تَقَاسَمَاهُ أَثْلَاثًا كَانَ الْوَاجِبُ أَنْ يَتَقَاسَمَا الْبَاقِيَ بَعْدَ فَرْضِ الزَّوْجَيْنِ كَذَلِكَ؟
فَإِنْ قِيلَ: فَمِنْ أَيْنَ تَأْخُذُونَ حُكْمَهَا إذَا وَرِثَتْهُ الْأُمُّ وَمَنْ دُونَ الْأَبِ كَالْجَدِّ وَالْعَمِّ وَالْأَخِ وَابْنِهِ؟
следующие страницы →