← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 30178

تحفة السائل في بيان ما في عمدة الأحكام من المسائل

أبو بكر الحمادي

Полный текст (8 095 стр.). Показаны 5496–5535 · переход к 5501.

стр. 5496

فإن قيل فكيف عصب ابن ابن الابن من فوقه وليس في درجته؟ قيل إذا كان يعصب من هو في درجته مع أنَّه أنزل ممن فوقه ولا يسقطه فتعصيبه لمن هو فوقه وأقرب منه إلى الميت بطريق الأولى، فإذا كان الأنزل لا يقوى هو على إسقاطه فكيف يقوى على إسقاط الأعلى. على أنَّ عبد الله بن مسعود لا يعصب به من في درجته ولا من فوقه بل يخصه بالباقي ووجه قوله أنَّها لا ترث مفردة فلا ترث مع أخيها كالمحجوبة برق أو كفر بخلاف ما إذا كانت وارثة كبنت وبنت ابن معها أخوها فإنَّه يعصبها اتفاقاً؛ لأنَّها وارثة، وقول الجمهور أصح فإنَّها وارثة في الجملة وهي ممن يستفيد التعصيب بأخيها وهنا إنَّما سقط ميراثها بالفرض لاستكمال من فوقها الثلثين ولا يلزم من سقوط الميراث بالفرض سقوطه بالتعصيب مع قيام موجبه وهو وجود الأخ، وإذا كان وجود الأخ يجعلها عصبة فيمنعها الميراث بالكلية ولولاه ورثت بالفرض وهو الأخ المشئوم فالعدل يقتضي أن يجعلها عصبة فيورثها إذا لم ترث بالفرض وهو الأخ النافع فهذا محض القياس والميزان وقد فهمت دلالة الكتاب عليه. والنزاع في الأخت للأب مع الأخت أو الأخوات للأبوين كبنت الابن مع البنت والبنات سواء وبالله التوفيق» اهـ.

стр. 5497

١١ - واحتج به على أنَّ للأم ثلث جميع المال في مسألة العمريتين. قَالَ الْعَلَّامَةُ ابْنُ قُدَامَةَ ﵀ فِي [الْمُغْنِي] (١٣/ ٣٥٢ - ٣٥٣): «واحتج ابن عباس بعموم قوله تعالى: ﴿فَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ وَلَدٌ وَوَرِثَهُ أَبَوَاهُ فَلِأُمِّهِ الثُّلُثُ﴾. وبقوله ﵇: "ألحقوا الفرائض بأهلها، فما بقي فهو لأولى رجل ذكر". والأب هاهنا عصبة؛ فيكون له ما فضل عن ذوي الفروض، كما لو كان مكانه جد، والحجة معه لولا انعقاد الإجماع من الصحابة على مخالفته؛ ولأنَّ الفريضة إذا جمعت أبوين وذا فرض، كان للأم ثلث الباقي، كما لو كان معهم بنت ويخالف الأب الجد؛ لأنَّ الأب في درجتها، والجد أعلى منها» اهـ. قُلْتُ: وَلِشَيْخِ الْإِسْلَامِ ابْنِ تَيْمِيَّةَ ﵀ فِي ذلك كلام نفيس، فقد قال كَمَا فِي [مَجْمُوْعِ الْفَتَاوَى] (٣١/ ٣٤٤ - ٣٤٦): «وَأَمَّا دَلَالَةُ الْكِتَابِ فِي مِيرَاثِ الْأُمِّ؛ فَإِنَّ اللَّهَ يَقُولُ: ﴿لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا السُّدُسُ مِمَّا تَرَكَ إنْ كَانَ لَهُ وَلَدٌ فَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ وَلَدٌ وَوَرِثَهُ أَبَوَاهُ فَلِأُمِّهِ الثُّلُثُ﴾ فَاَللَّهُ تَعَالَى فَرَضَ لَهَا بِشَرْطَيْنِ: أَنْ لَا يَكُونَ لَهُ وَلَدٌ. وَأَنْ يَرِثَهُ أَبُوهُ؛ فَكَانَ فِي هَذَا دَلَالَةٌ عَلَى أَنَّهَا لَا تُعْطَى الثُّلُثَ مُطْلَقًا مَعَ عَدَمِ الْوَلَدِ. وَهَذَا مِمَّا يَدُلُّ عَلَى صِحَّةِ قَوْلِ أَكَابِرِ الصَّحَابَةِ

стр. 5498

وَالْجُمْهُورِ الَّذِينَ يَقُولُونَ: لَا تُعْطَى فِي " الْعُمَرِيَّتَيْنِ " - زَوْجٌ وَأَبَوَانِ؛ وَزَوْجَةٌ وَأَبَوَانِ - ثُلُثُ جَمِيعِ الْمَالِ. قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ وَمُوَافِقُوهُ: فَإِنَّهَا لَوْ أُعْطِيَتْ الثُّلُثَ هُنَا لَكَانَتْ تُعْطَاهُ مَعَ عَدَمِ الْوَلَدِ مُطْلَقًا وَهُوَ خِلَافُ مَا دَلَّ عَلَيْهِ الْقُرْآنُ. وَقَدْ رُوِيَ عَنْهُ أَنَّهُ قَالَ لِزَيْدِ: أَفِي كِتَابِ اللَّهِ ثُلُثُ مَا بَقِيَ؟ أَيْ لَيْسَ فِي كِتَابِ اللَّهِ إلَّا سُدُسٌ وَثُلُثٌ. فَيُقَالُ: وَلَيْسَ فِي كِتَابِ اللَّهِ إعْطَاؤُهَا الثُّلُثَ مُطْلَقًا فَكَيْفَ يُعْطِيهَا مَعَ الزَّوْجَيْنِ الثُّلُثَ بَلْ فِي كِتَابِ اللَّهِ مَا يَمْنَعُ إعْطَاءَهَا الثُّلُثَ مَعَ الْأَبِ وَأَحَدِ الزَّوْجَيْنِ. فَإِنَّهُ لَوْ كَانَ كَذَلِكَ كَانَ يَقُولُ: فَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ وَلَدٌ فَلِأُمِّهِ الثُّلُثُ. فَإِنَّهَا عَلَى هَذَا التَّقْدِيرِ تَسْتَحِقُّ الثُّلُثَ مُطْلَقًا؛ فَلَمَّا خَصَّ الثُّلُثَ بِبَعْضِ الْحَالِ: عَلِمَ أَنَّهَا لَا تَسْتَحِقُّ مُطْلَقًا. فَهَذَا مَفْهُومُ الْمُخَالَفَةِ الَّذِي يُسَمَّى دَلِيلُ الْخِطَابِ يَدُلُّ عَلَى بُطْلَانِ قَوْلِ مَنْ أَعْطَاهَا الثُّلُثَ إلَّا الْعُمَرِيَّتَيْنِ وَلَا وَجْهَ لِإِعْطَائِهَا الثُّلُثَ مَعَ مُخَالَفَتِهِ لِلْإِجْمَاعِ. إلَى أَنْ قَالَ: فَإِنَّ قَوْلَهُ: ﴿وَوَرِثَهُ أَبَوَاهُ فَلِأُمِّهِ الثُّلُثُ﴾ دَلَّ عَلَى أَنَّ لَهَا الثُّلُثَ وَالْبَاقِيَ لِلْأَبِ بِقَوْلِهِ وَرِثَهُ أَبَوَاهُ فَإِنَّهُ لَمَّا جَعَلَ الْمِيرَاثَ مِيرَاثًا بَيْنَهُمَا ثُمَّ أَخْرَجَ نَصِيبَهَا دَلَّ عَلَى أَنَّ الْبَاقِيَ نَصِيبُهُ. وَإِذَا أُعْطِيَ الْأَبُ الْبَاقِيَ مَعَهَا لَمْ يَلْزَمْ أَنْ يُعْطَى غَيْرُهُ مِثْلَ مَا أُعْطِيَ. وَإِنَّمَا أَعْطَيْنَا سَائِرَ الْعَصَبَةِ بِقَوْلِهِ: ﴿وَأُولُو الْأَرْحَامِ بَعْضُهُمْ أَوْلَى بِبَعْضٍ فِي كِتَابِ اللَّهِ﴾

стр. 5499

وَبِقَوْلِهِ: ﴿وَلِكُلٍّ جَعَلْنَا مَوَالِيَ مِمَّا تَرَكَ الْوَالِدَانِ وَالْأَقْرَبُونَ﴾ وَبِقَوْلِ النَّبِيِّ ﷺ : ﴿أَلْحِقُوا الْفَرَائِضَ بِأَهْلِهَا فَمَا بَقِيَ فَلِأَوْلَى رَجُلٍ ذَكَرٍ﴾» اهـ. وَقَالَ الْعَلَّامَةُ ابْنُ الْقَيِّمِ ﵀ فِي [إِعْلَامِ الْمُوَقِعِيْنَ] (١/ ٢٦٩ - ٢٧٠): «الْمَسْأَلَةُ الثَّانِيَةُ: الْعُمَرِيَّتَانِ، وَالْقُرْآنُ يَدُلُّ عَلَى قَوْلِ جُمْهُورِ الصَّحَابَةِ فِيهَا كَعُمَرَ وَعُثْمَانَ وَعَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ وَزَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ إنَّ لِلْأُمِّ ثُلُثَ مَا يَبْقَى بَعْدَ فَرْضِ الزَّوْجَيْنِ، وَهَهُنَا طَرِيقَانِ: أَحَدُهُمَا: بَيَانُ عَدَمِ دَلَالَتِهِ عَلَى إعْطَائِهَا الثُّلُثَ كَامِلًا مَعَ الزَّوْجَيْنِ، وَهَذَا أَظْهَرُ الطَّرِيقَيْنِ. وَالثَّانِي: دَلَالَتُهُ عَلَى إعْطَائِهَا ثُلُثَ الْبَاقِي، وَهُوَ أَدَقُّ وَأَخْفَى مِنْ الْأَوَّلِ. أَمَّا الْأَوَّلُ: فَإِنَّ اللَّهَ - سُبْحَانَهُ - إنَّمَا أَعْطَاهَا الثُّلُثَ كَامِلًا إذَا انْفَرَدَ الْأَبَوَانِ بِالْمِيرَاثِ، فَإِنَّ قَوْلَهُ - سُبْحَانَهُ -: ﴿فَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ وَلَدٌ وَوَرِثَهُ أَبَوَاهُ فَلأُمِّهِ الثُّلُثُ﴾ [النساء: ١١] شَرَطَ أَنَّ فِي اسْتِحْقَاقِ الثُّلُثِ عَدَمَ الْوَلَدِ وَتَفَرُّدَهُمَا بِمِيرَاثِهِ.

стр. 5500

فَإِنْ قِيلَ: لَيْسَ فِي قَوْلِهِ: ﴿وَوَرِثَهُ أَبَوَاهُ﴾ [النساء: ١١] مَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُمَا تَفَرَّدَا بِمِيرَاثِهِ. قِيلَ: لَوْ لَمْ يَكُنْ تَفَرُّدُهُمَا شَرْطًا لَمْ يَكُنْ فِي قَوْلِهِ: ﴿وَوَرِثَهُ أَبَوَاهُ﴾ [النساء: ١١] فَائِدَةٌ، وَكَانَ تَطْوِيلًا يُغْنِي عَنْهُ قَوْلُهُ: ﴿فَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ وَلَدٌ﴾ ﴿فَلأُمِّهِ الثُّلُثُ﴾ فَلَمَّا قَالَ: ﴿وَوَرِثَهُ أَبَوَاهُ﴾ [النساء: ١١] عُلِمَ أَنَّ اسْتِحْقَاقَ الْأُمِّ الثُّلُثَ مَوْقُوفٌ عَلَى الْأَمْرَيْنِ، وَهُوَ - سُبْحَانَهُ - ذَكَرَ أَحْوَالَ الْأُمِّ كُلَّهَا نَصًّا وَإِيمَاءً، فَذَكَرَ أَنَّ لَهَا السُّدُسَ مَعَ الْإِخْوَةِ وَأَنَّ لَهَا الثُّلُثَ كَامِلًا مَعَ عَدَمِ الْوَلَدِ وَتَفَرُّدِ الْأَبَوَيْنِ بِالْمِيرَاثِ، بَقِيَ لَهَا حَالَةٌ ثَالِثَةٌ - وَهِيَ مَعَ عَدَمِ الْوَلَدِ وَعَدَمِ تَفَرُّدِ الْأَبَوَيْنِ بِالْمِيرَاثِ - وَذَلِكَ لَا يَكُونُ إلَّا مَعَ الزَّوْجِ وَالزَّوْجَةِ، فَإِمَّا أَنْ تُعْطَى فِي هَذِهِ الْحَالِ الثُّلُثَ كَامِلًا وَهُوَ خِلَافُ مَفْهُومِ الْقُرْآنِ، وَإِمَّا أَنْ تُعْطَى السُّدُسَ فَإِنَّ اللَّهَ - سُبْحَانَهُ - لَمْ يَجْعَلْهُ فَرْضَهَا إلَّا فِي مَوْضِعَيْنِ مَعَ الْوَلَدِ وَمَعَ الْإِخْوَةِ، وَإِذَا امْتَنَعَ هَذَا وَهَذَا كَانَ الْبَاقِي بَعْدَ فَرْضِ الزَّوْجَيْنِ هُوَ الْمَالُ الَّذِي يَسْتَحِقُّهُ الْأَبَوَانِ، وَلَا يُشَارِكُهُمَا فِيهِ مُشَارِكٌ، فَهُوَ بِمَنْزِلَةِ الْمَالِ كُلِّهِ إذَا لَمْ يَكُنْ زَوْجٌ وَلَا زَوْجَةٌ، فَإِذَا تَقَاسَمَاهُ أَثْلَاثًا كَانَ الْوَاجِبُ أَنْ يَتَقَاسَمَا الْبَاقِيَ بَعْدَ فَرْضِ الزَّوْجَيْنِ كَذَلِكَ؟ فَإِنْ قِيلَ: فَمِنْ أَيْنَ تَأْخُذُونَ حُكْمَهَا إذَا وَرِثَتْهُ الْأُمُّ وَمَنْ دُونَ الْأَبِ كَالْجَدِّ وَالْعَمِّ وَالْأَخِ وَابْنِهِ؟

стр. 5501

قِيلَ: إذَا كَانَتْ تَأْخُذُ الثُّلُثَ مَعَ الْأَبِ فَأَخْذُهَا لَهُ مَعَ مَنْ دُونَهُ مِنْ الْعَصَبَاتِ أَوْلَى، وَهَذَا مِنْ بَابِ التَّنْبِيهِ. فَإِنْ قِيلَ: فَمِنْ أَيْنَ أَعْطَيْتُمُوهَا الثُّلُثَ كَامِلًا إذَا كَانَ مَعَهَا وَمَعَ هَذِهِ الْعَصَبَةِ الَّذِي هُوَ دُونَ الْأَبِ زَوْجٌ أَوْ زَوْجَةٌ، وَاَللَّهُ - سُبْحَانَهُ - إنَّمَا جَعَلَ لَهَا الثُّلُثَ كَامِلًا إذَا انْفَرَدَ الْأَبَوَانِ بِمِيرَاثِهِ عَلَى مَا قَرَرْتُمُوهُ فَإِذَا كَانَ جَدٌّ وَأُمٌّ أَوْ عَمٌّ وَأُمٌّ أَوْ أَخٌ وَأُمٌّ أَوْ ابْنُ عَمٍّ أَوْ ابْنُ أَخٍ مَعَ أَحَدِ الزَّوْجَيْنِ، فَمِنْ أَيْنَ أَعْطَيْتُ الثُّلُثَ كَامِلًا، وَلَمْ يَنْفَرِدْ الْأَبَوَانِ بِالْمِيرَاثِ؟ قِيلَ: بِالتَّنْبِيهِ وَدَلَالَةِ الْأَوْلَى، فَإِنَّهَا إذَا أَخَذَتْ الثُّلُثَ كَامِلًا مَعَ الْأَبِ فَلَأَنْ تَأْخُذَهُ مَعَ ابْنِ الْعَمِّ أَوْلَى، وَأَمَّا إذَا كَانَ أَحَدُ الزَّوْجَيْنِ مَعَ هَذِهِ الْعَصَبَةِ فَإِنَّهُ لَيْسَ لَهُ إلَّا مَا بَقِيَ بَعْدَ الْفُرُوضِ، وَلَوْ اسْتَوْعَبَتْ الْفُرُوضُ الْمَالَ سَقَطَ، كَأُمٍّ وَزَوْجٍ وَأَخٍ لِأُمٍّ، بِخِلَافِ الْأَبِ» اهـ. ١٢ - والحديث حجة على ميراث ابن الأخ الشقيق، أو لأب وأبنائهم، والعم الشقيق، أو لأب وأبنائهم، فإنَّ هؤلاء هم من عصبة الميت فيدخلون في أولى رجل ذكر.

стр. 5502

قَالَ الْعَلَّامَةُ ابْنُ قُدَامَةَ ﵀ فِي [الْمُغْنِي] (١٣/ ٤١٢): «وأمَّا ابن الأخ للأبوين أو للأب، والعم وابنه، وعم الأب وابنه، فثبت ميراثهم بقول النبي ﵇: "ما أبقت الفروض فلأولى رجل ذكر". ولم يدخل فيهم ولد الأم، ولا العم للأم، ولا ابنه، ولا الخال، ولا أبو الأم؛ لأنَّهم ليسوا من العصبات» اهـ. قُلْتُ: وأمَّا عصبة الأبناء وأبنائهم فمأخوذة من هذا الحديث، ومن قول الله تعالى: ﴿يُوصِيكُمُ اللَّهُ فِي أَوْلَادِكُمْ لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنْثَيَيْنِ﴾ [النساء: ١١]. وتؤخذ عصبة الابن وابنه بقياس الأولى أيضاً، وبيان ذلك أنَّ الله قال في ميراث الأخ الشقيق أو لأب: ﴿وَهُوَ يَرِثُهَا إِنْ لَمْ يَكُنْ لَهَا وَلَدٌ﴾ [النساء: ١٧٦]، هذه الآية تدل على أنَّ الأخ الشقيف أو لأب من جملة العصبات؛ وذلك أنَّ الله أخبر فيها أنَّ الأخت إن ماتت وليس لها ولد، ولا والد فإنَّ ميراثها لأخيها أي جميعه، وهذا شأن العصبة، فإذا ثبت العصبة لأخ فثبوتها للابن، وابنه من باب أولى. قَالَ شَيْخُ الْإِسْلَامِ ابْنُ تَيْمِيَّةَ ﵀ كَمَا فِي [مَجْمُوْعِ الْفَتَاوَى] (٣١/ ٣٤٧):

стр. 5503

«ولما كان قد بين تعالى أنَّ الأخ يحوز المال - مال الأخت - فيكون لها عصبة؛ كان الأب أن يكون له عصبة بطريق الأولى؛ وإذا كان الأب والأخ عصبة فالابن بطريق الأولى» اهـ. قُلْتُ: وأمَّا عصبة الأب وآبائه فمأخوذة من قول الله تعالى: ﴿فَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ وَلَدٌ وَوَرِثَهُ أَبَوَاهُ فَلِأُمِّهِ الثُّلُثُ﴾ [النساء: ١١]. ووجه الدلالة من الآية أنَّ الله جعل للأم الثلث إذا لم يكن للميت ولد، وإن كان له أخوة فلها السدس، ولم يذكر فرضاً مقدراً للأب فدل ذلك أنَّ له الباقي، وهذا هو ميراث العاصب، وهكذا يستدل على عصبة الأب بقياس الأولى، وقد سبق تقريره في كلام شيخ الإسلام السابق. وأمَّا الجد فهو من جملة الآباء فيدخل في الآية السابقة. وأمَّا عصبة المعتق والمعتقة فستأتي في الأحاديث التي بعد هذا. ١٣ - واحتج به من جعل عصبة الأم هم العصبة لابن الملاعَنَةِ، ولم يجعل الأم عصبة، وإنَّما جعلها صاحبة فرض ترث فرضها، وما بقي فلعصبتها. قَالَ الْعَلَّامَةُ ابْنُ قُدَامَةَ ﵀ فِي [الْمُغْنِي] (١٣/ ٤٩٧):

стр. 5504

«ووجه قول الخرقي قول النبي ﷺ : "ألحقوا الفرائض بأهلها، فما بقي فهو لأولى رجل ذكر". وأولى الرجال به أقارب أمه» اهـ. قُلْتُ: وهذه المسألة تنازع فيها العلماء على ثلاثة أقوال: القول الأول: أنَّ عصبته عصبة أمه، وهذه هي إحدى الروايات عن أحمد، ويروى ذلك عن علي، وابن عباس، وابن عمر. وبه قال الحسن، وابن سيرين، وجابر بن زيد، وعطاء، والشعبي، والنخعي، والحكم، وحماد، والثوري، والحسن بن صالح. القول الثاني: أنَّ أمه عصبته، فإن لم تكن فعصبتها عصبته. وهذه هي الرواية الثانية عن أحمد، وهو قول ابن مسعود. وروي نحوه عن علي، ومكحول، والشعبي. واحتج هؤلاء بما رواه أبو داود (٢٩٠٧) حَدَّثَنَا مَحْمُودُ بْنُ خَالِدٍ، وَمُوسَى بْنُ عَامِرٍ، قَالَا حَدَّثَنَا الْوَلِيدُ، أَخْبَرَنَا ابْنُ جَابِرٍ، حَدَّثَنَا مَكْحُولٌ، قَالَ: «جَعَلَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ مِيرَاثَ ابْنِ الْمُلَاعَنَةِ لِأُمِّهِ، وَلِوَرَثَتِهَا مِنْ بَعْدِهَا». قُلْتُ: إِسْنَادُهُ مُرْسَلٌ.

стр. 5505

وروى أبو داود (٢٩٠٨)، والدارمي (٣١١٥) مِنْ طَرِيْقِ الْعَلَاءِ بْنِ الْحَارِثِ، حَدَّثَنِي عَمْرُو بْنُ شُعَيْبٍ: «أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَضَى بِمِيرَاثِ ابْنِ الْمُلَاعَنَةِ لِأُمِّهِ كُلِّهِ لِمَا لَقِيَتْ فِيهِ مِنَ الْعَنَاءِ». قُلْتُ: إِسْنَادُهُ حَسَنٌ. لولا إرساله واختلاط العلاء. وهذا القول هو الصحيح لدلالة السنة عليه. قَالَ الْعَلَّامَةُ ابْنُ الْقَيِّمِ ﵀ فِي [تَهْذِيْبِ السُّنَنِ] (٢/ ٦٩): «وأصح هذه الأقوال: أنَّ أمه نفسها عصبة وعصبتها من بعدها عصبة له هذا مقتضى الآثار والقياس» اهـ. وَقَالَ ﵀ بعد أن ذكر الآثار في ذلك (٢/ ٧٠ - ٧١) -: «والقياس معه فإنَّها لو كانت مُعْتَقَة كان عصبتها من الولاء عصبة لولدها، ولا يكون عصبتها من النسب عصبة لهم. ومعلوم أنَّ تعصيب الولاء الثابت لغير المباشر بالعتق فرع على ثبوت تعصيب النسب فكيف يثبت الفرع مع انتفاء أصله؟. وأيضاً: فإنَّ الولاء في الأصل لموالي الأب، فإذا انقطع من جهتهم رجع إلى موالي الأم، فإذا عاد من جهة الأب انتقل من موالي الأم إلى موالي الأب، وهكذا النسب:

стр. 5506

هو في الأصل للأب وعصباته، فإذا انقطع من جهته باللعان عاد إلى الأم وعصباتها، فإذا عاد إلى الأب باعترافه بالولد وإكذابه نفسه رجع النسب إليه كالولاء سواء، بل النسب هو الأصل في ذلك والولاء ملحق به. وهذا من أوضح القياس وأبينه، وَأَدَلَهُ على دقة أفهام الصحابة، وبعد غورهم في مأخذ الأحكام. وقد أشار إلى هذا في قوله في الحديث: "هي بمنزلة أمه وأبيه". حتى لو لم ترد هذه الآثار لكان هذا محض القياس الصحيح. وإذا ثبت أنَّ عصبة أمه عصبة له فهي أولى أن تكون عصبته، لأنَّهم فرعها، وهم إنَّما صاروا عصبة له بواسطتها ومن جهتها استفادوا تعصيبهم، فلأن تكون هي نفسها عصبة أولى وأحرى. فإن قيل: لو كانت أمه بمنزلة أمه وأبيه لحجبت إخوته، ولم يرثوا معها شيئاً، وأيضاً: فإنَّهم إنَّما يرثون منه بالفرض، فكيف يكونون عصبة له؟. فالجواب: إنَّها إنَّما لم تحجب إخوته من حيث إن تعصيبها مفرع على انقطاع تعصيبه من جهة الأب، كما أنَّ تعصيب الولاء مفرع على انقطاع التعصيب من جهة النسب، فكما لا يحجب عصبة الولاء أحداً من أهل النسب، كذلك لا تحجب الأم الإخوة لضعف تعصيبها، وكونه إنَّما صار إليها ضرورة تعذره من جهة أصله، وهو بعرض الزوال، بأن يقر به الملاعن، فيزول.

стр. 5507

وأيضاً: فإنَّ الإخوة استفادوا من جهتها أمرين: أخوة ولد الملاعنة وتعصيبه. فهم يرثون أخاهم معها بالأخوة لا بالتعصيب، وتعصيبها إنَّما يدفع تعصيبهم لا أخوتهم، ولهذا ورثوا معها بالفرض لا بالتعصيب، وبالله التوفيق» اهـ. قُلْتُ: لكن يشكل على القول بتعصيبها ما جاء في البخاري (٤٧٤٦)، ومسلم (١٤٩٢) عَنْ سَهْلِ بْنِ سَعْدٍ في حديث الملاعنة، وفي آخره: «ثُمَّ جَرَتِ السُّنَّةُ فِي المِيرَاثِ أَنْ يَرِثَهَا وَتَرِثَ مِنْهُ مَا فَرَضَ اللَّهُ لَهَا». قُلْتُ: وهذا يدل على أنَّ أمه صاحبة فرض لا عصبة. قَالَ الْعَلَّامَةُ ابْنُ الْقَيِّمِ ﵀ فِي [زَادِ الْمَعَادِ] (٥/ ٤٠١): «فإن قيل: فما تصنعون بقوله في حديث سهل الذى رواه مسلم في "صحيحه" في قصة اللعان: وفى آخره: "ثم جرت السنة أن يرث منها وترث منه ما فرض الله لها"؟ قيل: نتلقاه بالقبول والتسليم والقول بموجبه، وإن أمكن أن يكون مدرجاً من كلام ابن شهاب وهو الظاهر، فإنَّ تعصيب الأم لا يسقط ما فرض الله لها من ولدها في كتابه، وغايتها أن تكون كالأب حيث يجتمع له الفرض والتعصيب، فهي تأخذ فرضها ولابد فإن فضل شيء أخذته بالتعصيب، وإلَّا فازت بفرضها، فنحن قائلون بالآثار كلها في هذا الباب بحمد الله وتوفيقه» اهـ.

стр. 5508

قُلْتُ: جاء في البخاري (٥٣٠٩): «قَالَ ابْنُ جُرَيْجٍ: قَالَ ابْنُ شِهَابٍ: فَكَانَتِ السُّنَّةُ بَعْدَهُمَا أَنْ يُفَرَّقَ بَيْنَ المُتَلَاعِنَيْنِ. وَكَانَتْ حَامِلًا، وَكَانَ ابْنُهَا يُدْعَى لِأُمِّهِ، قَالَ: ثُمَّ جَرَتِ السُّنَّةُ فِي مِيرَاثِهَا أَنَّهَا تَرِثُهُ وَيَرِثُ مِنْهَا مَا فَرَضَ اللَّهُ لَهُ». وهذا يدل على صحة ما ذكره العلامة ابن القيم من الإدراج. القول الثالث: أنَّ ابن الملاعنة كغيره، فليست أمه عصبة له، ولا عصبتها عصبة له، فترث أمه فرضها منه فما بقي فلمولى أمه إن وجد، فإن لم يوجد من يرث بالولاء، عاد المال إلى بيت مال المسلمين، وهذا مذهب زيد بن ثابت، وعن ابن عباس نحوه، وبه قال سعيد بن المسيب، وعروة، وسليمان بن يسار، وعمر بن عبد العزيز، والزهري، وربيعة، وأبو الزناد، ومالك، وأهل المدينة، والشافعي، وأبو حنيفة، وصاحباه، وأهل البصرة، إلَّا أنَّ أبا حنيفة وأهل البصرة جعلوا الرد، وذوي الأرحام، أحق من بيت المال. * * *

стр. 5509

٢٩٢ - عَنْ أُسَامَةَ بْنِ زَيْدٍ ﵄ قَالَ: قُلْتُ يَا رَسُولَ اللَّهِ، أَتَنْزِلُ غَداً فِي دَارِكَ بِمَكَّةَ؟ فَقَالَ: «وَهَلْ تَرَكَ لَنَا عَقِيلٌ مِنْ رِبَاعٍ أَوْ دُورٍ؟». ثُمَّ قَالَ: «لا يَرِثُ الْكَافِرُ الْمُسْلِمَ وَلا الْمُسْلِمُ الْكَافِرَ». قَوْلُهُ: «مِنْ رِبَاعٍ أَوْ دُورٍ». قَالَ الْحِافِظُ ابْنُ حَجَرٍ ﵀ فِي [فَتْحِ الْبَارِي] (٣/ ٤٥٢): «قَوْلُهُ: "من رباع، أو دور" الرباع جمع رَبع بفتح الراء وسكون الموحدة وهو: المنزل المشتمل على أبيات، وقيل: هو الدار، فعلى هذا فقَوْلُهُ: "أو دور" إمَّا للتأكيد أو من شك الراوي» اهـ. وَفِي الْحَدِيْثِ مَسَائِلُ مِنْهَا: ١ - توارث الكفار فيما بينهم. قَالَ الْعَلَّامَةُ ابْنُ الْقَيِّمِ ﵀ فِي [أَحْكَامِ أَهْلِ الذِّمَةِ] (٢/ ٣١١): «واتفق المسلمون على أنَّ أهل الدين الواحد يتوارثون: يرث اليهودي اليهودي، والنصراني النصراني وقَالَ النَّبِيُّ ﷺ : "وهل ترك لنا عقيل من

стр. 5510

رباع"؟ وكان عقيل ورث أبا طالب دون علي وجعفر؛ لأنَّه كان على دينه مقيماً بمكة فورث رباعه بمكة وباعها فقيل للنبي ﷺ يوم الفتح: أين تنزل غداً في دارك بمكة. فقال: "وهل ترك لنا عقيل من رباع؟ "» اهـ. قُلْتُ: وهذا في غير دار النبي ﷺ ، فإنَّه لم يأخذها عن طريق الميراث. وإنَّما يتوارث الكفار بعضهم من بعض عند اتفاق الملل، وهو مذهب مالك ورواية عن أحمد، لما رواه أحمد (٦٨٤٤)، وأبو داود (٢٩١١)، وابن ماجه (٢٧٣١) مِنْ طَرِيْقِ عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ جَدِّهِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْروٍ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «لَا يَتَوَارَثُ أَهْلُ مِلَّتَيْنِ شَتَّى». قُلْتُ: هَذَا حَدِيْثٌ حَسَنٌ. وذهب الشافعي وأبو حنيفة وأحمد في رواية إلى أنَّ الكفر ملة واحدة يرث بعضهم من بعض. قَالَ الْعَلَّامَةُ ابْنُ الْقَيِّمِ ﵀ فِي [أَحْكَامِ أَهْلِ الذِّمَةِ] (٢/ ٣١٣): «وهذا الذي اختاره الخلال هو مذهب أبي حنيفة والشافعي وأهل الظاهر. واختار أبو بكر عبد العزيز الرواية الأخرى وأنَّ الكفر ملل مختلفة لا يرث

стр. 5511

بعضهم بعضاً وهو الذي نصره القاضي واختاره في تعليقه وهذا هو الصحيح إن شاء الله تعالى وهو قول كثير من أهل العلم وقول أهل المدينة مالك وأصحابه لقوله ﷺ : "لا يتوارث أهل ملتين شتى" ولأنَّهم لا يتناصرون ولا يتعاقلون ولا يوالي بعضهم بعضاً» اهـ. قُلْتُ: ولا عبرة باختلاف الدار، ولا اتفاقها خلافاً للحنفية. قَالَ الْعَلَّامَةُ ابْنُ الْقَيِّمِ ﵀ فِي [أَحْكَامِ أَهْلِ الذِّمَةِ] (٢/ ٣١٢): «وقال أبو حنيفة: إذا اختلفت ديارهم بحيث كان لكل طائفة ملك ويرى بعضهم قتل بعض لم يتوارثوا؛ لأنَّهم لا موالاة بينهم، فجعلوا اتفاق الدار واختلافها ضابط التوارث وعدمه وهذا أصل لهم في اختلاف الدار انفردوا به. قال في "المغني": ولا نعلم لهذا حجة من كتاب ولا سنة مع مخالفته لعموم السنن المقتضي للتوريث ولم يعتبروا الدين في اتفاقه ولا اختلافه مع ورود الخبر فيه وصحة العبرة به فإنَّ المسلمين يرث بعضهم بعضاً وإن اختلفت الدار بهم وكذلك الكفار ولا يرث المسلم كافراً ولا كافر مسلماً لاختلاف الدين وإن اتحدت داراهما يعني اختلاف الدار ملغى في الشرع واختلاف الدين هو المعتبر» اهـ.

стр. 5512

٢ - وفيه أنَّ الكافر الحربي إذا استولى على بعض أموال المسلمين في حال كفره، ثم أسلم بعد ذلك فلا يلزمه أن يرد الحقوق إلى أهلها. ووجه الشاهد من ذلك أنَّ عقيلاً استولى على دار النبي ﷺ حال كفره، ولم يكن ذلك عن طريق الميراث، ومع ذلك لما أسلم لم يأمره النبي ﷺ بإرجاع ما أخذه. قَالَ الْعَلَّامَةُ ابْنُ الْقَيِّمِ ﵀ فِي [أَحْكَامِ أَهْلِ الذِّمَةِ] (٢/ ٣٢٥ - ٣٢٦): «ولهذا لما مات أبو طالب ورثه عقيل دون علي وجعفر مع أنَّ هذا كان في أول الإسلام وقد ثبت في الصحيح أنَّه قيل له ﷺ في حجة الوداع: "ألا تنزل في دارك؟ " فقال: "وهل ترك لنا عقيل من رباع؟! " وذلك لاستيلاء عقيل على رباع بني هاشم لما هاجر النبي ﷺ ليس هو لأجل ميراثه فإنَّه أخذ دار النبي ﷺ التي كانت له التي ورثها من أبيه، وداره التي كانت لخديجة، وغير ذلك مما لم يكن لأبي طالب فاستولى على رباع بني هاشم بغير طريق الإرث بل كما استولى سائر المشركين على ديار المهاجرين الذين أخرجوا من ديارهم وأموالهم، كما استولى أبو سفيان بن حرب على دار أبي أحمد بن جحش، وكانت داراً عظيمة فكان المشركون لما هاجر المسلمون من كان له

стр. 5513

قريب أو حليف استولى على ماله، ثم لما أسلموا قال: النبي ﷺ : "من أسلم على شيء فهو له" ولم يرد إلى المهاجرين دورهم التي أخذت منهم بل قال: "هذه أخذت في الله أجورهم فيها على الله" وقال لابن جحش: "ألا ترضى أن يكون لك مثلها في الجنة؟! ". وكان المسلمون ينتظرون ما يأمر به في دار ابن جحش فإن ردها عليه طلبوا هم أن يرد عليهم فأرسل إليه مع عثمان هذه الرسالة فسكت وسكت المسلمون، وهذا كان عام الفتح فلما دخل مكة في حجة الوداع قيل له ألا تنزل في دارك فقال: "وهل ترك لنا عقيل من دار؟! "». إِلَى أَنْ قَالَ ﵀: «فتبين بهذا أنَّ الكفار المحاربين إذا استولوا على أموال المسلمين ثم أسلموا كانت لهم ولم ترد إلى المسلمين لأنَّها أخذت في الله وأجورهم فيها على الله لما أتلفه الكفار من دمائهم وأموالهم فالشهداء لا يضمنون ولو أسلم قاتل الشهيد لم يجب عليه دية ولا كفارة بالسنة المتواترة واتفاق المسلمين، وقد أسلم جماعة على عهد النبي ﷺ وقد عرف من قتلوه مثل وحشي بن حرب قاتل حمزة ومثل قاتل النعمان بن قوقل وغيرهما فلم يطلب النبي صَلَّى

стр. 5514

اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أحداً بشيء عملاً بِقَوْلِهِ: ﴿قُلْ لِلَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ يَنْتَهُوا يُغْفَرْ لَهُمْ مَا قَدْ سَلَفَ﴾» اهـ. قُلْتُ: حديث: «مَنْ أَسْلَمَ عَلَى شَيْءٍ، فَهُوَ لَهُ». رواه سعيد بن منصور في [سُنَنِهِ] (١٨٩) حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ الْمُبَارَكِ، عَنْ حَيْوَةَ بْنِ شُرَيْحٍ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ نَوْفَلٍ، عَنْ عُرْوَةَ بْنِ الزُّبَيْرِ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «مَنْ أَسْلَمَ عَلَى شَيْءٍ فَهُوَ لَهُ». قُلْتُ: هَذَا حَدِيْثٌ مُرْسَلٌ. ورواه سعيد بن منصور في [سُنَنِهِ] (١٩٠) حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، قَالَ: أنا ابْنُ جُرَيْجٍ، عَنِ ابْنِ أَبِي مُلَيْكَةَ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «مَنْ أَسْلَمَ عَلَى شَيْءٍ فَهُوَ لَهُ». قُلْتُ: هَذَا حَدِيْثٌ مُرْسَلٌ أَيْضًا. وابن جريج مدلس قد عنعن. ورواه أبو يعلى في [مُسْنَدِهِ] (٥٨٤٧)، والبيهقي في [الْكُبْرَى] (١٨٧٢٢) مِنْ طَرِيْقِ مَرْوَانَ بْنِ مُعَاوِيَةَ، عَنْ يَاسِينَ بْنِ مُعَاذٍ الزَّيَّاتِ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيِّبِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «مَنْ أَسْلَمَ عَلَى شَيْءٍ فَهُوَ لَهُ».

стр. 5515

قُلْتُ: الزَّيَاتُ شَدِيْدُ الضَّعْفِ. وروى ابن عساكر في [تَارِيْخِ دِمَشْقَ] (٦/ ٣٥١) مِنْ طَرِيْقِ عَمْرِو بْنِ هَاشِمٍ حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ بْنُ أَبِي كَرِيمَةَ عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ، عَنْ عَطَاءٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «مَنْ أَسْلَمَ عَلَى شَيْءٍ فَهُوَ لَهُ» .. قُلْتُ: عمرو بن هاشم، وسليمان بن أبي كريمة ضعيفان. وروى أحمد (٢٣٠٧٠) حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ عَبْدِ الْمَلِكِ، حَدَّثَنَا مُوسَى بْنُ أَعْيَنَ، عَنْ لَيْثٍ، عَنْ عَلْقَمَةَ بْنِ مَرْثَدٍ، عَنْ سُلَيْمَانَ بْنِ بُرَيْدَةَ، عَنْ أَبِيهِ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «لَهُمْ مَا أَسْلَمُوا عَلَيْهِ مِنْ أَرَضِيهِمْ وَرَقِيقِهِمْ وَمَاشِيَتِهِمْ، وَلَيْسَ عَلَيْهِمْ فِيهِ إِلَّا الصَّدَقَةُ». قُلْتُ: فيه ليث وهو ابن أبي سليم، وهو ضعيف الحديث. وروى ابن أبي شيبة في [مُصَنَّفِهِ] (٣٤١١٧) حَدَّثَنَا صَفْوَانُ بْنُ عِيسَى، عَنِ الْحَارِثِ بْنِ أَبِي ذُبَابٍ، عَنْ مُنِيرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ سَعْدِ بْنِ أَبِي ذُبَابٍ قَالَ: «قَدِمْتُ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَأَسْلَمْتُ وَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ اجْعَلْ لِقَوْمِي مَا أَسْلَمُوا عَلَيْهِ قَالَ: فَفَعَلَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ». قُلْتُ: منير، وأبوه فيهما جهالة.

стр. 5516

قُلْتُ: وهذه الأحاديث يقوي بعضها بعضاً سوى حديث أبي هريرة، فالحديث يعد بذلك من قَبِيْلِ الْحَسَنِ لِغَيْرِهِ. قُلْتُ: وفي تضمين المرتدين والبغاة ما أتلفوه من أموال المسلمين نزاع بين العلماء والأظهر عدم الضمان. قَالَ شَيْخُ الْإِسْلَامِ ابْنُ تَيْمِيَّةَ ﵀ كَمَا فِي [مَجْمُوْعِ الْفَتَاوَى] (٨/ ٣٣٣ - ٣٣٥): «وهكذا قد يصيب الناس مصائب بفعل أقوام مذنبين تابوا مثل كافر يقتل مسلماً ثم يسلم ويتوب الله عليه، أو يكون متأولاً لبدعة ثم يتوب من البدعة، أو يكون مجتهداً، أو مقلداً مخطئاً فهؤلاء إذا أصاب العبد أذى بفعلهم فهو من جنس المصائب السماوية التي لا يطلب فيها قصاص من آدمي، ومن هذا الباب القتال في "الفتنة". قال الزهري: وقعت الفتنة - وأصحاب رسول الله ﷺ متوافرون - فأجمعوا أن كل دم أو مال أو فرج أصيب بتأويل القرآن فهو هدر، وكذلك " قتال البغاة المتأولين" حيث أمر الله بقتالهم إذا قاتلهم أهل العدل فأصابوا من أهل العدل نفوساً وأموالاً لم تكن مضمونة عند جماهير العلماء: كأبي حنيفة ومالك والشافعي في أحد قوليه، وهذا ظاهر مذهب أحمد. وكذلك

стр. 5517

"المرتدون" إذا صار لهم شوكة فقتلوا المسلمين وأصابوا من دمائهم وأموالهم، كما اتفق الصحابة في قتال أهل الردة أنَّهم لا يضمنون بعد إسلامهم ما أتلفوه من النفوس والأموال فإنَّهم كانوا متأولين وإن كان تأويلهم باطلاً، كما أنَّ سنة رسول الله ﷺ المتواترة عنه مضت بأنَّ الكفار إذا قتلوا بعض المسلمين وأتلفوا أموالهم ثم أسلموا لم يضمنوا ما أصابوه من النفوس والأموال، وأصحاب تلك النفوس والأموال كانوا يجاهدون قد اشترى الله منهم أنفسهم وأموالهم بأنَّ لهم الجنة فعوض ما أخذ منهم على الله لا على أولئك الظالمين الذين قاتلهم المؤمنون. وإذا كان هذا في الدماء والأموال فهو في الأعراض أولى، فمن كان مجاهداً في سبيل الله باللسان: بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر. وبيان الدين وتبليغ ما في الكتاب والسنة من الأمر والنهي والخير؛ وبيان الأقوال المخالفة لذلك والرد على من خالف الكتاب والسنة أو باليد كقتال الكفار فإذا أوذي على جهاده بيد غيره أو لسانه فأجره في ذلك على الله لا يطلب من هذا الظالم عوض مظلمته بل هذا الظالم إن تاب وقبل الحق الذي جوهد عليه فالتوبة تجب ما قبلها ﴿قُلْ لِلَّذِينَ كَفَرُوا إنْ يَنْتَهُوا يُغْفَرْ لَهُمْ مَا قَدْ سَلَفَ﴾. وإن لم يتب بل أصر على مخالفة الكتاب والسنة فهو مخالف لله ورسوله والحق في ذنوبه لله

стр. 5518

ولرسوله وإن كان أيضاً للمؤمنين حق تبعاً لحق الله وهذا إذا عوقب لحق الله ولتكون كلمة الله هي العليا ويكون الدين كله لله لا لأجل القصاص فقط» اهـ. وَقَالَ ﵀ كَمَا فِي [مَجْمُوْعِ الْفَتَاوَى] (٢٢/ ١٣ - ١٤): «ونظير هذه المسألة: ما أتلفه أهل البغي المتأولون على أهل العدل من النفوس والأموال، هل يضمنون؟ على روايتين. إحداهما: يضمنونه، جعلاً لهم كالمحاربين، وكقتال العصبية الذي لا تأويل فيه، وهذا نظير من يجعل العقود والقبوض المتأول فيها بمنزلة ما لا تأويل فيه. والثانية: لا يضمنونه، وعلى هذا اتفق السلف كما قال الزهري: وقعت الفتنة وأصحاب رسول الله ﷺ متوافرون، فأجمعوا أنَّ كل دم أو مال أو فرج أصيب بتأويل القرآن فلا ضمان فيه - وفي لفظ -: ألحقوهم في ذلك بأهل الجاهلية. ولهذا لم يضمن النبي ﷺ أسامة دم الذي قتله بعد ما قال: لا إله إلا الله؛ لأنَّه قتله متأولاً: أي أنَّهم وإن استحلوا المحرم؛ لكن لما كانوا جاهلين متأولين، كانوا بمنزلة أهل الجاهلية في عدم الضمان، وإن فارقوهم في عفو الله ورحمته؛ لأنَّ هذه الأمة عفي لها عن الخطأ والنسيان، بخلاف الكافر؛ فإنَّه لا يغفر له الكفر الذي أخطأ فيه» اهـ.

стр. 5519

وَقَالَ الْعَلَّامَةُ ابْنُ الْقَيِّمِ ﵀ فِي [أَحْكَامِ أَهْلِ الذِّمَةِ] (٢/ ٣٢٦ - ٣٢٧): «وكذلك المرتدون: قد أسلم طليحة الأسدي بعد ردته وقد قتل عكاشة بن محصن فلم يضمنه أبو بكر وعمر وسائر الصحابة لا دية ولا كفارة وكذلك سائر من قتله المرتدون والمحاربون لما عادوا إلى الإسلام لم يضمنهم المسلمون شيئاً من ذلك. وهذا فيه نزاع في مذهب الشافعي وأحمد وطائفة من أصحابهما ينصرون الضمان وكثير من متأخري أصحاب أحمد يظن أنَّ هذا هو ظاهر مذهبه وأنَّ عدم الضمان هو قول أبي بكر عبد العزيز ولم يعلم أنَّ أحمد نص على قول أبي بكر وأنَّ أهل الردة والمحاربين لا يضمنون ما أتلفوه من النفوس والأموال كأهل الحرب الكفار الأصليين فإنَّ هؤلاء ليس فيهم خلاف. وإنَّما النزاع في المرتدين والبغاة من أهل القبلة كالمقتتلين بالجمل وصفين لا يضمنون ما أتلفاه بعضهم على بعض في القتال وهذا هو المنصور عند أصحاب أحمد. قال الزهري: "وقعت الفتنة وأصحاب رسول الله ﷺ متوافرون فأجمعوا أنَّ كل دم أو جرح أصيب بتأويل القرآن فإنَّه هدر أنزلوهم منزلة

стр. 5520

الجاهلية". يعني: لما كانوا متأولين أنزلوهم منزلة أهل الجاهلية وإن كانوا مخطئين في التأويل كالكفار والمرتدين، وإنَّما يضمن من كان يعلم أنَّه لا يحل له أن يقتل ويؤاخذ كالطائفتين المقتتلتين على عصبية. وكل منهما يعلم أنَّه يقاتل عصبية لا على حق فهؤلاء تضمن كل طائفة ما أتلفته على الأخرى وفي ذلك نزل قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِصَاصُ فِي الْقَتْلَى الْحُرُّ بِالْحُرِّ وَالْعَبْدُ بِالْعَبْدِ وَالْأُنْثَى بِالْأُنْثَى﴾. والمحاربون قطاع الطريق العالمون بأنَّ ما فعلوه محرم يضمنون وإذا تابوا قبل القدرة عليهم سقطت عنهم حدود الله كما تسقط عن الكفار الممتنعين إذا أسلموا قبل القدرة عليهم. وهل يعاقبون بحدود الآدميين مثل أن يقتل أحدهم قصاصاً؟ فيه قولان للعلماء قيل يؤخذون بحقوق الآدميين كالقود، وقيل: لا يؤخذون وما كان معهم من أموال الناس يؤخذ بلا نزاع. وما أتلفوه هل يضمنونه مع العقوبات البدنية؟ فيه نزاع كالسارق فإنَّه إذا وجد معه المال أخذ سواء قطعت يده أو لم تقطع.

стр. 5521

وإن كان قد أتلفه فهل يغرم مع القطع على ثلاثة أقوال قيل يغرم كقول الشافعي وأحمد وقيل لا يغرم كقول أبي حنيفة وقيل يغرم مع اليسار دون الإعسار كقول مالك» اهـ. قُلْتُ: وأمَّا الأموال التي استولى عليها الكافرون من أموال المسلمين، ثم استولى عليها المسلمون بعد ذلك فهل ترجع إلى أصحابها، في ذلك نزاع بين العلماء. قَالَ الْعَلَّامَةُ ابْنُ بَطَّالٍ ﵀ فِي [شَرْحِ الْبُخَارِي] (٥/ ٢٢٧): «اختلف العلماء في ملك أهل الحرب، هل يملكون علينا؟ فإن غنمناه وجاء صاحبه قبل القسمة أخذه بغير شيء، وإن جاء بعد القسمة أخذه بالقيمة، وهو قول عمر بن الخطاب وعلي بن أبي طالب وزيد بن ثابت، ومن التابعين سعيد بن المسيب وعطاء والقاسم وعروة، وبه قال أحمد بن حنبل. وقال الحسن البصري والزهري: لا يرد إلى صاحبه قبل القسمة ولا بعدها. وقال الشافعي: لا يملك أهل الحرب علينا بالغلبة ولصاحبه أخذه قبل القسمة وبعدها بغير شيء» اهـ. قُلْتُ: والقول برجوعها قبل القسمة قول قوي. والله أعلم. وَقَالَ الْعَلَّامَةُ ابْنُ الْقَيِّمِ ﵀ فِي [أَحْكَامِ أَهْلِ الذِّمَةِ] (٢/ ٣٢٠):

стр. 5522

«ولأنَّ لعدم القسمة تأثيراً في الاستحقاق بدليل أنَّ الكفار إذا ظهروا على أموال المسلمين ثم ظهر عليها المسلمون قبل القسمة كان صاحبه أحق به وبعد القسمة لا حق له فيه» اهـ. ٣ - وفيه جواز بيع دور مكة، وهو مأخوذ من قول أسامة: «أَتَنْزِلُ غَداً فِي دَارِكَ بِمَكَّةَ». ووجه الشاهد أنَّ الدار أضيفت إلى النبي صلى الل عليه وسلم، وهذه الإضافة تقتضي الملك، ولإنسان أن يبيع ما يملك. قَالَ الْعَلَّامَةُ ابْنُ الْقَيِّمِ ﵀ فِي [زَادِ الْمَعَادِ] (٣/ ١١٧): «واحتج بأنَّها ملك لأربابها تورث عنهم وتوهب، وقد أضافها الله سبحانه إليهم إضافة الملك إلى مالكه، واشترى عمر بن الخطاب دارا من صفوان بن أمية، وقيل للنبي ﷺ : أين تنزل غداً في دارك بمكة؟ فقال: "وهل ترك لنا عقيل من رباع أو دور" وكان عقيل ورث أبا طالب» اهـ. واحتج به الشافعي على جواز بيع رباع مكة وإجارتها، وهو مذهب أحمد في رواية. وذهب أبو حنيفة، ومالك، وأحمد في رواية إلى تحريم بيعها وإجارتها، واختار شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ وتلميذه العلامة ابن القيم ﵀ جواز بيع دور

стр. 5523

مكة وتحريم إجارتها، وتحريم الإجارة مذهب إسحاق، ورواية عن أحمد، وهو مذهب لغيرهما من السلف. قَالَ الْحَافِظُ ابْنُ كَثِيْرٍ ﵀ فِي [تَفْسِيْرِهِ] (٥/ ٤٠٩): «وذهب إسحاق بن راهَويه إلى أنَّها تورث ولا تؤجر. وهو مذهب طائفة من السلف، ونص عليه مجاهد وعطاء» اهـ. وَقَالَ ﵀ (٥/ ٤١٠) «وتوسط الإمام أحمد فيما نقله صالح ابنه فقال: تملك وتورث ولا تؤجر، جمعاً بين الأدلة، والله أعلم» اهـ. قَالَ شَيْخُ الْإِسْلَامِ ابْنُ تَيْمِيَّةَ ﵀ كَمَا فِي [مَجْمُوْعِ الْفَتَاوَى] (١٧/ ٤٩٠ - ٤٩٢): «وأحمد وغيره من السلف إنَّما عللوا ذلك بكونها فتحت عنوة مع كونها مشتركة بين المسلمين. كما قال تعالى: ﴿وَالْمَسْجِدِ الْحَرَامِ الَّذِي جَعَلْنَاهُ لِلنَّاسِ سَوَاءً الْعَاكِفُ فِيهِ وَالْبَادِي﴾، وهذه هي العلة التي اختصت بها مكة دون سائر الأمصار فإنَّ الله أوجب حجها على جميع الناس وشرع اعتمارها دائما فجعلها مشتركة بين جميع عباده. كما قال: ﴿سَوَاءً الْعَاكِفُ فِيهِ وَالْبَادِي﴾، ولهذا كانت منى وغيرها من المشاعر من سبق إلى مكان فهو أحق به حتى ينتقل عنه كالمساجد، ومكة نفسها من سبق إلى مكان فهو أحق به والإنسان أحق بمسكنه ما

стр. 5524

دام محتاجاً إليه وما استغنى عنه من المنافع فعليه بذله بلا عوض لغيره من الحجيج وغيرهم. ولهذا كانت الأقوال في إجارة دورها وبيع رباعها ثلاثة. قيل: لا يجوز لا هذا ولا هذا. وقيل: يجوز الأمران. والصحيح أنَّه يجوز بيع رباعها ولا يجوز إجارتها وعلى هذا تدل الآثار المنقولة في ذلك عَنِ النَّبِيِّ ﷺ وعن الصحابة ﵃ فإنَّ الصحابة كانوا يتبايعون دورها والدور تورث وتوهب وإذا كانت تورث وتوهب جاز أن تباع بخلاف الوقف فإنَّه لا يباع ولا يورث ولا يوهب. وكذلك أم الولد من لم يجوز بيعها لم يجوز هبتها ولا أن تورث وأمَّا إجارتها فقد كانت تدعى السوائب - على عهد النبي ﷺ وأبي بكر وعمر ﵄ من احتاج سكن ومن استغنى أسكن؛ لأنَّ المسلمين كلهم محتاجون إلى المنافع فصارت كمنافع الأسواق والمساجد والطرقات التي يحتاج إليها المسلمون فمن سبق إلى شيء منها فهو أحق به وما استغنى عنه أخذه غيره بلا عوض وكذلك المباحات التي يشترك فيها الناس ويكون المشتري لها استفاد بذلك أنَّه أحق من غيره ما دام محتاجاً وإذا باعها الإنسان قطع اختصاصه بها وتوريثه إياها وغير ذلك من تصرفاته، ولهذا له أن لا يبذله إلَّا بعوض والنبي ﷺ من على

стр. 5525

أهل مكة فإنَّ الأسير يجوز المن عليه للمصلحة وأعطاهم مع ذلك ذراريهم وأموالهم كما من على هوازن لما جاءوا مسلمين بإحدى الطائفتين: السبي أو المال فاختاروا السبي فأعطاهم السبي وكان ذلك بعد القسمة فعوض عن نصيبه من لم يرض بأخذه منهم وكان قد قسم المال فلم يرده عليهم وقريش لم تحاربه كما حاربته هوازن وهو إنَّما من على من لم يقاتله منهم كما قال: "من أغلق بابه فهو آمن، ومن ألقى سلاحه فهو آمن ومن دخل المسجد فهو آمن". فلما كف جمهورهم عن قتاله وعرف أنَّهم مسلمون أطلقهم ولم يغنم أموالهم ولا حريمهم ولم يضرب الرق لا عليهم ولا على أولادهم بل سماهم الطلقاء من قريش بخلاف ثقيف فإنَّهم سموا العتقاء فإنَّه أعتق أولادهم بعد الاسترقاق والقسمة وكان في هذا ما دل على أنَّ الإمام يفعل بالأموال والرجال والعقار والمنقول ما هو أصلح، فإنَّ النبي ﷺ فتح خيبر فقسمها بين المسلمين وسبى بعض نسائها وأقر سائرهم مع ذراريهم حتى أجلوا بعد ذلك فلم يسترقهم ومكة فتحها عنوة ولم يقسمها لأجل المصلحة» اهـ. وَقَالَ ﵀ كَمَا فِي [مَجْمُوْعِ الْفَتَاوَى] (٢٩/ ٢١٢ - ٢١٣):

стр. 5526

«بل الصواب أنَّ المانع من إجارتها كونها أرض المشاعر التي يشترك في استحقاق الانتفاع بها جميع المسلمين». إِلَى قَوْلِهِ: «أو لأنَّ المكي لما صار الناس يهدون إليهم الهدايا وتجب عليهم قسمتها فيهم صار يجب على المكيين إنزال الناس في منازلهم مقابلة للإحسان بالإحسان فصاحب الهدي له أن يأكل منه - مثلاً - حيث يجوز ويعطي من شاء ولا يعتاض عنه وكذلك صاحب المنزل يسكنه ويسكنه ولا يعتاض عنه. وهذا المعنى الذي ذكرناه قد يكون هو السبب الموجب لإبقائها بيد أربابها من غير خراج مضروب عليهم أصلاً؛ لأنَّ للمقيمين بمكة حقاً وعليهم حق؛ ليست كغيرها من الأمصار ومن هنا يصير التعليل بفتحها عنوة مناسبا لمنع إجارتها - كما ذكرناه - لا إلحاقاً لها بسائر أرض العنوة» اهـ. وَقَالَ الْعَلَّامَةُ ابْنُ الْقَيِّمِ ﵀ فِي [زَادِ الْمَعَادِ] (٣/ ٤٣٧ - ٤٣٨): «فالصواب القول بموجب الأدلة من الجانبين، وأنَّ الدور تملك، وتوهب، وتورث، وتباع، ويكون نقل الملك في البناء لا في الأرض والعرصة، فلو زال بناؤه، لم يكن له أن يبيع الأرض، وله أن يبنيها ويعيدها كما كانت، وهو أحق بها يسكنها ويسكن فيها من شاء، وليس له أن يعاوض على منفعة السكنى بعقد

стр. 5527

الإجارة، فإنَّ هذه المنفعة إنَّما يستحق إن يقدم فيها على غيره، ويختص بها لسبقه وحاجته، فإذا استغنى عنها، لم يكن له أن يعاوض عليها، كالجلوس في الرحاب، والطرق الواسعة، والإقامة على المعادن وغيرها من المنافع والأعيان المشتركة التي من سبق إليها، فهو أحق بها ما دام ينتفع، فإذا استغنى، لم يكن له أن يعاوض، وقد صرح أرباب هذا القول بأنَّ البيع ونقل الملك في رباعها إنَّما يقع على البناء لا على الأرض، ذكره أصحاب أبى حنيفة. فإن قيل: فقد منعتم الإجارة، وجوزتم البيع، فهل لهذا نظير في الشريعة، والمعهود في الشريعة أنَّ الإجارة أوسع من البيع، فقد يمتنع البيع، وتجوز الإجارة، كالوقف والحر، فأمَّا العكس، فلا عهد لنا به؟ قيل: كل واحد من البيع والإجارة عقد مستقل غير مستلزم للآخر فى جوازه وامتناعه، وموردهما مختلف، وأحكامهما مختلفة، وإنَّما جاز البيع، لأنَّه وارد على المحل الذى كان البائع أخص به من غيره، وهو البناء، وأما الإجارة فإنما ترد على المنفعة، وهى مشتركة، وللسابق إليها حق التقدم دون المعاوضة، فلهذا أجزنا البيع دون الإجارة، فإن أبيتم إلاَّ النظير، قيل: هذا المكاتب يجوز لسيده بيعه،

стр. 5528

ويصير مكاتباً عند مشتريه، ولا يجوز له إجارته إذ فيها إبطال منافعه وأكسابه التي ملكها بعقد الكتابة، والله أعلم» اهـ. قُلْتُ: وهذا النزاع إنَّما هو في المساكن دون المزارع. قَالَ شَيْخُ الْإِسْلَامِ ابْنُ تَيْمِيَّةَ ﵀ كَمَا فِي [مَجْمُوْعِ الْفَتَاوَى] (٢٩/ ٢١١): «الثالث: أنَّ مزارع مكة ما علمت أحداً من أصحابنا ولا غيرهم منع بيعها أو إجارتها وإنَّما الكلام في الرباع وهي المساكن لا المزارع» اهـ. قُلْتُ: ولم يظهر لي وجه الفرق بين المزارع والرباع، فإنَّ النهي عن إجارة الرباع إن كان من أجل أنَّها أرض وقف لعامة المسلمين باعتبار أنَّها أرض المشاعر فما أدري ما وجه إخراج المزارع من ذلك. وهناك من أهل العلم من خص النهي على البيع والإجارة بأرض المشاعر دون غيرها. قَالَ الْعَلَّامَةُ ابْنُ عُثَيْمِيْنَ ﵀ فِي [الشَّرْحُ الْمُمْتِعِ] (٨/ ١٣٨): «واختار شيخ الإسلام جواز البيع دون الإجارة لقوله تعالى: ﴿وَالْمَسْجِدِ الْحَرَامِ الَّذِي جَعَلْنَاهُ لِلنَّاسِ سَوَاءً الْعَاكِفُ فِيهِ وَالْبَادِ﴾ [الحج: ٢٥]، وقيل: يجوز بيعها وإجارتها وهذا مذهب الشافعي، وحجتهم أنَّ النبي ﷺ قيل له

стр. 5529

عام الفتح: أتنزل غداً في دارك؟ فقال: "وهل ترك لنا عقيل من دار أو رباع؟! " وعقيل هو الذي ورث أبا طالب، وظاهر هذا الحديث أنَّ بيوت مكة تملك، وإذا ملكت جاز بيعها، وجازت إجارتها، وما ذهب إليه الشافعي وغيره هو الذي نصره الموفق في "المغني"، وأيده بأدلة كثيرة وقال: إنَّ الصحيح جواز البيع والإجارة في بيوت مكة، والعمل على هذا القول، وأمَّا القول بأنَّه لا يجوز بيعها ولا إجارتها فهو قول ضعيف، وأمَّا ما ذهب إليه شيخ الإسلام فهو وإن كان فيه شيء من القوة، فإنَّه يمكن أن يجاب عنه بأنَّ الآية في أمكنة المشاعر، فهذه لا شك أنَّها لا تملك» اهـ. قُلْتُ: الذي يظهر لي هو عموم الآية، وذلك لأمرين: الأول: أنَّ الله ختمها بِقَوْلِهِ: ﴿وَمَنْ يُرِدْ فِيهِ بِإِلْحَادٍ بِظُلْمٍ نُذِقْهُ مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ﴾ [الحج: ٢٥]. وهذا الحكم وهو شدة تحريم الظلم يعم جميع الحرم. ولذلك اشترك جميع الحرم في تحريم الصيد، والقتل والقتال فيه، وتحريم قطع شجره، وأن يختلى خلاه. الآخر: ما رواه ابن أبي شيبة في [مُصَنَّفِهِ] (١٤٩٠٣)، وأبو عبيد في [الْأَمْوَالِ] (١٦٣)، والدارقطني (٣٠١٧)، والفاكهي في [أَخْبَارِ مَكَّةَ] (٢٠٥١، ٢٠٥٢)

стр. 5530

مِنْ طَرِيْقِ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي زِيَادٍ، عَنِ ابْنِ أَبِي نَجِيحٍ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو قَالَ: «الَّذِينَ يَأْكُلُونَ أُجُورَ بُيُوتِ مَكَّةَ إِنَّمَا يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ نَارًا». قُلْتُ: إِسْنَادُهُ حَسَنٌ، وقد سبق في كتاب الحج عند شرحنا لحديث أبي شريح في باب حرمة مكة. قَالَ الْعَلَّامَةُ الْجَصَاصُ ﵀ فَي [أَحْكَامِ الْقُرْآنِ] (٥/ ٦١): «ما ذكرنا وروى عن الصحابة والتابعين ما وصفنا من كراهة بيع بيوت مكة وأنَّ الناس كلهم فيها سواء وهذا يدل على أن تأويلهم لقوله تعالى: ﴿وَالْمَسْجِدِ الْحَرامِ﴾ للحرم كله» اهـ. قُلْتُ: وغاية ما جاء عن الصحابة هو جواز بيع دور مكة، ولم أقف إلى ساعتي هذه أنَّ أحداً من الصحابة أجاز إجارة رباع مكة. والله أعلم. قُلْتُ: مواضع المناسك لا نزاع في منع بيعها وإجارتها. قَالَ الْعَلَّامَةُ ابْنُ قُدَامَةَ ﵀ فِي [الْمُغْنِي] (٨/ ٤٨٩): «قال ابن عقيل: والخلاف في غير مواضع المناسك، أمَّا بقاع المناسك كموضع السعي والرمي، فحكمه حكم المساجد، بغير خلاف» اهـ. وَقَالَ الْعَلَّامَةُ الْمَرْدَاوِي ﵀ فِي [الْإِنْصَافِ] (٤/ ٢٠٩):

стр. 5531

«لكن يستثنى من ذلك بقاع المناسك كالمسعى والمرمى ونحوهما بلا نزاع» اهـ. وَقَالَ الْعَلَّامَةُ الشِّنْقِيطِيُّ ﵀ فِي [أَضْوَاءِ الْبَيَانِ] (٢/ ٧٩): «تنبيه: أجمع جميع المسلمين على أنَّ مواضع النسك من الحرم كموضع السعي، وموضع رمي الجمار حكمها حكم المساجد، والمسلمون كلهم سواء فيها. والظاهر أنَّ ما يحتاج إليه الحجيج من منى، ومزدلفة كذلك، فلا يجوز لأحد أن يضيقهما بالبناء المملوك حتى تضيقا بالحجيج، ويبقى بعضهم لم يجد منزلاً; لأنَّ المبيت بمزدلفة ليلة النحر، وبمنى ليالي أيام التشريق، من مناسك الحج. فلا يجوز لأحد أن يضيق محل المناسك على المسلمين، حتى لا يبقى ما يسع الحجيج كله» اهـ. قُلْتُ: وقد سبقت الإشارة إلى مسألة إجارة وبيع بيوت مكة في شرح حديث أبي شريح في باب حرمة مكة من كتاب الحج. ٤ - وفيه جواز سكن المهاجر في داره التي هاجر منها من غير أن يقيم فيها، وهذا مأخوذ من مفهوم قَوْلِهِ: «وَهَلْ تَرَكَ لَنَا عَقِيلٌ مِنْ رِبَاعٍ أَوْ دُورٍ؟». فإنَّه يدل على أنَّ عقيلاً لو ترك دار رسول الله ﷺ لنزل بها. ٥ - أنَّ المسلم لا يرث من الكافر.

стр. 5532

قَالَ الْعَلَّامَةُ الْنَوَوِي ﵀ فِي [شَرْحِ مُسْلِمٍ] (٥/ ١٤): «وفيه: أنَّ المسلم لا يرث الكافر، وهذا مذهب العلماء كافة إلاَّ ما روي عن إسحاق بن راهويه وبعض السلف: أنَّ المسلم يرث الكافر» اهـ. ٦ - وظاهره شمول المنافق، والمرتد، والذمي. لكن قَالَ شَيْخُ الْإِسْلَامِ ابْنُ تَيْمِيَّةَ ﵀ كَمَا فِي [مَجْمُوْعِ الْفَتَاوَى] (٧/ ٢١٠): «فقول النبي ﷺ : "لا يرث المسلم الكافر، ولا الكافر المسلم" لم يدخل فيه المنافقون وإن كانوا في الآخرة في الدرك الأسفل من النار؛ بل كانوا يورثون ويرثون؛ وكذلك كانوا في الحقوق والحدود كسائر المسلمين» اهـ. وَقَالَ الْعَلَّامَةُ ابْنُ الْقَيِّمِ ﵀ فِي [أَحْكَامِ أَهْلِ الذِّمَةِ] (٢/ ٣٢٣ - ٣٢٦): «وأمَّا توريث المسلم من الكافر فاختلف فيه السلف فذهب كثير منهم إلى أنَّه لا يرث كما لا يرث الكافر المسلم وهذا هو المعروف عند الأئمة الأربعة وأتباعهم. وقالت طائفة منهم بل يرث المسلم الكافر دون العكس وهذا قول معاذ بن جبل ومعاوية بن أبي سفيان ومحمد بن الحنفية ومحمد بن علي بن الحسين وسعيد بن المسيب ومسروق بن الأجدع وعبد الله بن مغفل ويحيى بن يعمر وإسحاق بن

стр. 5533

راهويه وهو اختيار شيخ الإسلام ابن تيمية، قالوا: نرثهم ولا يرثوننا كما ننكح نساءهم ولا ينكحون نساءنا. والذين منعوا الميراث عمدتهم الحديث المتفق عليه: "لا يرث المسلم الكافر ولا الكافر المسلم". وهو عمدة من منع ميراث المنافق الزنديق وميراث المرتد. قال شيخنا: وقد ثبت بالسنة المتواترة أنَّ النَّبي ﷺ كان يجري الزنادقة المنافقين في الأحكام الظاهرة مجرى المسلمين فيرثون ويورثون. وقد مات عبد الله بن أبي وغيره ممن شهد القرآن بنفاقهم ونهي الرسول ﷺ عن الصلاة عليه والاستغفار له وورثهم ورثتهم المؤمنون، كما ورث عبد الله بن أبي ابنه ولم يأخذ النبي ﷺ من تركة أحد من المنافقين شيئاً، ولا جعل شيئاً من ذلك فيئاً بل أعطاه لورثتهم وهذا أمر معلوم بيقين، فعلم أنَّ الميراث مداره على النصرة الظاهرة لا على إيمان القلوب والموالاة الباطنة، والمنافقون في الظاهر ينصرون المسلمين على أعدائهم وإن كانوا من وجه آخر يفعلون خلاف ذلك، فالميراث مبناه على الأمور الظاهرة لا على إيمان القلوب.

стр. 5534

وأمَّا المرتد فالمعروف عن الصحابة مثل علي وابن مسعود أنَّ ماله لورثته من المسلمين أيضاً، ولم يدخلوه في قوله ﷺ : "لا يرث المسلم الكافر" وهذا هو الصحيح. وأمَّا أهل الذمة فمن قال بقول معاذ ومعاوية ومن وافقهما يقول: قول النبي ﷺ : "لا يرث المسلم الكافر" المراد به الحربي لا المنافق ولا المرتد ولا الذمي فإنَّ لفظ الكافر وإن كان قد يعم كل كافر فقد يأتي لفظه والمراد به بعض أنواع الكفار كقوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ جَامِعُ الْمُنَافِقِينَ وَالْكَافِرِينَ فِي جَهَنَّمَ جَمِيعاً﴾ فهنا لم يدخل المنافقون في لفظ الكافرين، وكذلك المرتد فالفقهاء لا يدخلونه في لفظ الكافر عند الإطلاق، ولهذا يقولون: إذا أسلم الكافر لم يقض ما فاته من الصلاة وإذا أسلم المرتد ففيه قولان. وقد حمل طائفة من العلماء قول النبي ﷺ : "لا يقتل مسلم بكافر" على الحربي دون الذمي ولا ريب أنَّ حمل قَوْلِهِ: "لا يرث المسلم الكافر" على الحربي أولى وأقرب محملاً فإنَّ في توريث المسلمين منهم ترغيباً في الإسلام لمن أراد الدخول فيه من أهل الذمة فإنَّ كثيراً منهم يمنعهم من الدخول في الإسلام خوف أن يموت أقاربهم ولهم أموال فلا يرثون منهم شيئاً. وقد سمعنا ذلك منهم من غير واحد منهم شفاهاً فإذا علم أنَّ

стр. 5535

إسلامه لا يسقط ميراثه ضعف المانع من الإسلام وصارت رغبته فيه قوية وهذا وحده كاف في التخصيص وهم يخصون العموم بما هو دون ذلك بكثير فإنَّ هذه مصلحة ظاهرة يشهد لها الشرع بالاعتبار في كثير من تصرفاته وقد تكون مصلحتها أعظم من مصلحة نكاح نسائهم وليس في هذا ما يخالف الأصول فإنَّ أهل الذمة إنَّما ينصرهم ويقاتل عنهم المسلمون ويفتدون أسراهم والميراث يستحق بالنصرة فيرثهم المسلمون وهم لا ينصرون المسلمين فلا يرثونهم فإنَّ أصل الميراث ليس هو بموالاة القلوب ولو كان هذا معتبراً فيه كان المنافقون لا يرثون ولا يورثون وقد مضت السنة بأنَّهم يرثون ويورثون. وأمَّا المرتد فيرثه المسلمون، وأمَّا هو فإن مات له ميت مسلم في زمن الردة ومات مرتداً لم يرثه لأنَّه لم يكن ناصراً له وإن عاد إلى الإسلام قبل قسمة الميراث فهذا فيه نزاع بين الناس. وظاهر مذهب أحمد أنَّ الكافر الأصلي والمرتد إذا أسلما قبل قسمة الميراث ورثا كما هو مذهب جماعة من الصحابة والتابعين وهذا يؤيد هذا الأصل فإنَّ هذا فيه ترغيب في الإسلام وقد نقل عن علي في الرقيق إذا كان ابناً للميت: "أنَّه يشترى من التركة ويرث! ".
следующие страницы →