← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 30178

تحفة السائل في بيان ما في عمدة الأحكام من المسائل

أبو بكر الحمادي

Полный текст (8 095 стр.). Показаны 596–635 · переход к 601.

стр. 596

غير حالها فذاك خبث على خبث، ولم يجعل الله في أصول خواص عبادة شيئاً من الخبث بوجه ما. قال المنجسون: قد أكثرتم علينا من التشنيع بنجاسة أصل الآدمي، وأطلتم القول، وأغرضتم وتلك الشناعة مشتركة الإلزام بيننا وبينكم فإنَّه كما أنَّ الله يجعل خواص عباده ظروفاً وأوعية للنجاسة كالبول والغائط، والدم، والمذي، ولا يكون ذلك عائداً عليهم بالعيب والذم فكذلك خلقه لهم من المني النجس وما الفرق؟!. قال المطهرون: لقد تعلقتم بما لا متعلق لكم به واستروحتم إلى خيال باطل فليسوا ظروفاً للنجاسة البتة وإنَّما تصير الفضلة بولاً وغائطاً إذا فارقت محلها فحينئذٍ يحكم عليها بالنجاسة وإلَّا فما دامت في محلها فهي طعام وشراب طيب غير خبيث وإنَّما يصير خبيثاً بعد قذفه وإخراجه وكذلك الدم إنَّما هو نجس إذا سفح، وخرج فأمَّا إذا كان في بدن الحيوان وعروقه فليس بنجس فالمؤمن لا ينجس ولا يكون ظرفاً للخبائث والنجاسات. قالوا: والذي يقطع دابر القول بالنجاسة أنَّ النبي صلى الله عليه وسل علم أنَّ الأمة شديدة البلوى في أبدانهم وثيابهم وفرشهم ولحفهم، ولم يأمرهم فيه يوماً ما بغسل ما أصابه لا من بدن ولا من ثوب البتة ويستحيل أن يكون كالبول ولم يتقدم إليهم بحرف واحد في الأمر بغسله، وتأخير البيان عن وقت الحاجة إليه ممتنع عليه.

стр. 597

قالوا: ونساء النبي ﷺ أعلم الأمة بحكم هذه المسألة، وقد ثبت عن عائشة أنَّها أنكرت على رجل أعارته ملحفة صفراء، ونام فيها فاحتلم فغسلها فأنكرت عليه غسلها، وقالت: إنَّما كان يكفيه أن يفركه بإصبعه ربما فركته من ثوب رسول الله بإصبعي ذكره ابن أبي شيبة. حدثنا أبو معاوية عن الأعمش عن إبراهيم عن همام قال: نزل بعائشة ضيف فذكره. وقال أيضاً حدثنا هشيم عن مغيرة عن إبراهيم عن الأسود عن عائشة قالت: "لقد رأيتني أجده في ثوب رسول الله عنه" تعنى المني، وهذا قول عائشة، وسعد ابن أبي، وقاص، وعبد الله بن عباس. قال ابن أبي شيبة ثنا هشيم عن حصين عن مصعب بن سعد عن سعد أنَّه كان يفرك الجنابة من ثوبه ثنا جرير عن منصور عن مجاهد عن مصعب ابن سعد عن سعد أنَّه كان يفرك الجنابة من ثوبه. حدثنا وكيع عن سفيان عن حبيب عن سعيد بن جبير عن ابن عباس في المني قال: امسحه بإذخرة. ثنا هشيم أنبأنا حجاج وابن أبي ليلى عن عطاء عن ابن عباس في الجنابة تصيب الثوب قال: "إنَّما هو كالنخامة، أو النخاعة أمطه عنك بخرقة أو بأذخرة". قالوا: وقد روى الإمام أحمد بن حنبل في مسنده من حديث عائشة ﵂ قالت: "كان رسول الله يسلت المني من ثوبه بعرق الأذخر ثم يصلي فيه، ويحته من ثوبه يابساً ثم يصلى فيه" وهذا صريح في طهارته لا يحتمل تأويلاً البتة.

стр. 598

قالوا: وقد روى الدارقطني من حديث إسحاق بن يوسف الأزرق ثنا شريك عن محمد بن عبد الرحمن عن عطاء عن أبن عباس ﵄ قال: سئل النبي ﷺ عن المني يصيب الثوب فقال: "إنَّما هو بمنزلة البصاق والمخاط وإنَّما يكفيك أن تمسحه بخرقة أو بإذخرة" قالوا هذا إسناد صحيح فإنَّ إسحاق الأزرق حديثه مخرج في الصحيحين وكذلك شريك وإن كان قد علل بتفرد إسحاق الأزرق به فإسحاق ثقة يحتج به في الصحيحين وعندكم تفرد الثقة بالزيادة مقبول. قال المنجس: صح عن عائشة ﵂ أنَّها كانت تغسله من ثوب رسول الله وثبت ابن عباس ﵄ أنَّه أمر بغسله. قال أبو بكر ابن أبي شيبة حدثنا أبو الأحوص عن سماك عن عكرمة عن ابن عباس قال: إذا أجنب الرجل في ثوبه ورأى فيه أثراً فليغسله وإن لم ير فيه أثراً فلينضحه. ثنا عبد الأعلى عن معمر عن الزهري عن طلحة بن عبد الله بن عوف عن أبي هريرة ﵁ أنه كان يقول في الجنابة في الثوب: إن رأيت أثره فاغسله وإن علمت أنه قد أصابه وخفي عليك فاغسل الثوب مكانه وعلم أنه قد أصابه غسل الثوب كله. ثنا وكيع عن هشام عن أبيه عن زيد بن الصلت أنَّ عمر بن الخطاب غسل ما رأى، ونضح ما لم ير وأعاده بعدما أضحى متمكناً.

стр. 599

ثنا وكيع عن السري بن يحيى عن عبد الكريم بن رشيد عن أنس في رجل أجنب في ثوبه فلم ير أثره قال: يغسله كله. ثنا جابر ثنا حفص عن أشعت عن الحكم أن ابن مسعود كان يغسل أثر الاحتلام من ثوبه. ثنا حسين بن علي عن جعفر بن برقان عن خالد بن أبي عزة قال سأل رجل عمر بن الخطاب فقال: إني احتلمت على طنفسة فقال: "إن كان رطباً فاغسله وإن كان يابساً فاحككه، وإن خفي عليك فارششه". قالوا: وقد ثبت تسمية المني أذى كما سمى دم الحيض أذى، والأذى هو النجس فقال الطحاوي: ثنا ربيع الحيرى ثنا إسحاق بن بكر بن مضر قال حدثني أبي عن جعفر بن ربيعة عن يزيد بن أبي حبيب عن سويد بن قيس عن معاوية بن حديج عن معاوية بن أبي سفيان أنه سأل أخته أم حبيبة زوج النبي ﷺ كان النبي ﷺ يصلي في الثوب الذي يضاجعك فيه قالت: "نعم إذا لم يصبه أذى" وفي هذا دليل من وجه آخر وهو ترك الصلاة فيه. وقد روى محمد بن عبد الله بن شقيق عن عائشة قالت: " كان رسول الله يصلي في لحف نسائه". قالوا: وأَّما ما ذكرتم من الآثار على مسحه بإذخرة وفركه فإنَّما هي في ثياب النوم لا في ثياب الصلاة. قالوا: وقد رأينا الثياب النجسة بالغائط، والبول، والدم لا بأس بالنوم فيها ولا تجوز الصلاة فيها فقد يجوز أن يكون المني كذلك.

стр. 600

قالوا: وإنَّما تكون تلك الآثار حجة علينا لو كنا نقول لا يصح النوم في الثوب النجس فإذا كنا نبيح ذلك، ونوافق ما رويتم ما رويتهم عن النبي ﷺ ذلك ونقول من بعد لا تصلح الصلاة في ذلك فلم يخالف شيئاً مما روي في ذلك عن النبي ﷺ . قالوا: وإذا كانت الآثار قد اختلفت في هذا الباب، ولم يكن فيها دليل على حكم المني كيف هو اعتبرنا ذلك من طريق النظر فوجدنا خروج المني حدثاً أغلظ الأحداث لأنَّه يوجب أكبر الطهارات فأردنا أن ننظر في الأشياء التي خروجها حدث كيف حكمها في نفسها فرأينا الغائط، والبول خروجهما حدث، وهما نجسان في أنفسهما، وكذلك دم الحيض والاستحاضة هما حدث وهما نجسان في أنفسهما، ودم العروق كذلك في النظر فلما ثبت بما ذكرنا أن كل ما خروجه حدث فهو نجس في نفسه وقد ثبت أن خروج المني حدث ثبت أيضاً أنَّه في نفسه نجس فهذا هو النظر فيه. قال المطهر: ليس في شيء مما ذكرت دليل على نجاسته أمَّا كون عائشة كانت تغسله من ثوب رسول الله ﷺ فلا ريب أنَّ الثوب يغسل من القذر، والوسخ. والنجاسة فلا يدل مجرد غسل الثوب منه على نجاسته فقد كانت تغسله تارة. وتمسحه أخرى. وتفركه أحياناً ففركه ومسحه دليل على طهارته وغسله لا يدل على النجاسة فلو أعطيتم الأدلة حقها لعلمتم توافقها وتصادقها لا تناقضها، واختلافها، وأمَّا أمر ابن عباس بغسله فقد ثبت عنه أنَّه قال: "إنَّما هو بمنزله المخاط، والبصاق فأمطه عنك، ولو بإذخرة"، وأمره بغسله للاستقذار،

стр. 601

والنظافة، ولو قدر أنَّه للنجاسة عنده، وأنَّ الرواية اختلفت عنه فتكون مسألة خلاف عنه بين الصحابة والحجة تفضل بين المتنازعين على أنَّا لا نعلم عن صحابي، ولا أحد أنَّه قال إنَّه نجس ألبته بل غاية ما يروونه عن الصحابة غسله فعلاً وأمراً وهذا لا يستلزم النجاسة ولو أخذتم بمجموع الآثار عنهم لدلت على جواز الأمرين غسله للاستقذار والاجتزاء بمسحه رطباً وفركه يابساً كالمخاط. وأمَّا قولكم: ثبت تسمية المني أذى فلم يثبت ذلك. وقول أم حبيبة: "ما لم ير فيه أذى" لا يدل على أنَّ مرادها بالأذى المني لا بمطابقة، ولا تضمن، ولا التزام فإنَّها إنَّما أخبرت بأنَّه يصلي في الثوب الذي يضاجعها فيه مالم يصبه أذى، ولم تزد. فلو قال قائل: المراد بالأذى دم الطمث لكان أسعد بتفسيره منكم وكذلك تركه الصلاة في لحف نسائه لا يدل على نجاسة المني البتة فإنَّ لحاف المرأة قد يصيبه من دم حيضها، وهي لا تشعر، وقد يكون الترك تنزها عنه، وطلب الصلاة على ما هو أطيب منه، وأنظف فأين دليل التنجيس. وأمَّا حملكم الآثار الدالة على الاجتزاء بمسحه وفركه على ثياب النوم دون ثياب الطهارة فنصره المذاهب توجب مثل هذا فلو أعطيتم الأحاديث حقها، وتأملتم سياقها وأسبابها لجزمتم بأنَّها إنَّما سيقت لاحتجاج الصحابة بها على الطهارة، وإنكارهم على من نجس المني. قالت عائشة ﵂: "كنت أفركه من ثوب رسول الله فيصلي فيه" وفي حديث عبد الله بن عباس مرفوعاً وموقوفاً: "إنَّما هو كالمخاط، والبصاق فأمطه عنك ولو بإذخرة" وبالجملة فمن المحال أن يكون نجساً والنبي صلى الله

стр. 602

عليه وسلم يعلم شدة ابتلاء الأمة به في ثيابهم وأبدانهم ولا يأمرهم يوماً من الأيام بغسله وهم يعلمون الاجتزاء بمسحه وفركه. وأمَّا قولكم: إنَّ الآثار قد اختلفت في هذا الباب، ولم يكن في المروي عن النبي ﷺ بيان حكم المني فاعتبرتم ذلك من طريق النظر فيقال: الآثار بحمد الله في هذا الباب متفقة لا مختلفة، وشروط الاختلاف منتفية بأسرها عنها وقد تقدم أنَّ الغسل تارة والمسح والفرك تارة جائز ولا يدل ذلك على تناقض ولا اختلاف البتة. ولم يأمر رسول الله أمته في بيان حكم هذا الأمر المهم إلى مجرد نظرها وآرائها وهو يعلمهم كل شيء حتى التخلي وآدابه ولقد بينت السنة هذه المسألة بياناً شافياً ولله الحمد. وأمَّا ما ذكرتم من النظر على تنجيسه فنظر أعشى لأنكم أخذتم حكم نجاسته من وجوب الاغتسال منه ولا ارتباط بينهما لا عقلاً، ولا شرعاً، ولا حساً، وإنَّما الشارع حكم بوجوب الغسل على البدن كله عند خروجه كما حكم به عند إيلاج الحشفة في الفرج ولا نجاسة هناك ولا خارج وهذه الريح توجب غسل أعضاء الوضوء وليست نجسه ولهذا لا يستنجي منها ولا يغسل الإزار، والثوب منها فما كل ما أوجب الطهارة يكون نجساً، ولا كل نجس يوجب الطهارة أيضاً فقد ثبت عن الصحابة أنَّهم صلوا بعد خروج دمائهم في وقائع متعددة، وهم أعلم بدين الله من أن يصلوا، وهم محدثون فظهر أن النظر لا يوجب نجاسته، والآثار تدل على طهارته، وقد خلق الله الأعيان على أصل الطهارة فلا ينجس منها إلاَّ ما

стр. 603

نجسه الشرع، وما لم يرد تنجيسه من الشرع فهو على أصل الطهارة، والله أعلم» اهـ. قلت: ومن الأدلة التي استدل بها القائلون بطهارة المني ما رواه ابن خزيمة (٢٩٠)، والبيهقي في [المعرفة] (١٣٥٤) من طريق إسحاق بن يوسف الأزرق عن محمد بن قيس الأسدي عن محارب بن دثار عن عائشة: «أَنَّهَا كَانَتْ تَحُتُّ الْمَنِيَّ مِنْ ثَوْبِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَهُوَ يُصَلِّي». قلت: هذا إسناد منقطع بين محارب بن دثار وعائشة ﵂. وروى ابن حبان (١٣٨٠) أخبرنا محمد بن علان بأذنة قال: حدثنا لوين قال: حدثنا حماد بن زيد عن هشام بن حسان عن أبي معشر عن إبراهيم عن الأسود عن عائشة قالت: «لَقَدْ رَأَيْتُنِي أَفْرُكُ الْمَنِيَّ مِنْ ثَوْبِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَهُوَ يُصَلِّي فِيهِ». قلت: الحديث رواه حماد بن أبي سليمان عن إبراهيم عن الأسود عن عائشة قالت: «كُنْتُ أَفْرُكُ الْمَنِيَّ مِنْ ثَوْبِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ثُمَّ يُصَلِّي فِيهِ». أخرجه والشافعي في [مسنده] (١٥٩٢)، وأحمد (٢٤٩٨٠، ٢٥٨١٩)، وأبو داود (٣٧٢)، وابن الجارود في [المنتقى] (١٣٧)، والبيهقي في [المعرفة] (١٣٥٣). ورواه خالد بن مهران الحذاء عن زياد بن كليب التميمي الحنظلي، أبو معشر الكوفي عن إبراهيم عن علقمة والأسود أن رجلاً نزل بعائشة فأصبح يغسل ثوبه

стр. 604

فقالت عائشة: «إِنَّمَا كَانَ يُجْزِئُكَ إِنْ رَأَيْتَهُ أَنْ تَغْسِلَ مَكَانَهُ فَإِنْ لَمْ تَرَ نَضَحْتَ حَوْلَهُ وَلَقَدْ رَأَيْتُنِي أَفْرُكُهُ مِنْ ثَوْبِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَرْكًا فَيُصَلِّي فِيهِ». أخرجه مسلم (٢٨٨). ورواه البخاري (٢٢٩، ٢٣٠، ٢٣١) واللفظ له، ومسلم (٢٨٨) من طريق سليمان بن يسار عن عائشة قالت: «كُنْتُ أَغْسِلُ الْجَنَابَةَ مِنْ ثَوْبِ النَّبِيِّ ﷺ فَيَخْرُجُ إِلَى الصَّلَاةِ وَإِنَّ بُقَعَ الْمَاءِ فِي ثَوْبِهِ». قلت: هذا هو المحفوظ في حديث عائشة. والله أعلم. * * *

стр. 605

قال المؤلف رحمه الله تعالى: ٣٥ - عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: «إذَا جَلَسَ بَيْنَ شُعَبِهَا الأَرْبَعِ، ثُمَّ جَهَدَهَا، فَقَدْ وَجَبَ الْغُسْلُ». وَفِي لَفْظٍ: «وَإِنْ لَمْ يُنْزِلْ». قوله: «شُعَبِهَا الأَرْبَعِ» الشعب جمع شعبة وهي الطائفة من الشيء والقطعة منه واختلف العلماء في المراد بالشعب الأربع فقال بعضهم: يداها ورجلاها، وقال بعضهم: رجلاها وفخذاها، وقال بعضهم: فخذاها وإسكتاها، وقال بعضهم: فخذاها وشفراها وهما طرفا الإسكتين، والإسكتان هما ناحيتا الفرج كالشفتين بالنسبة للفم، وقال بعضهم: نواحي الفرج الأربع. والمراد بذلك التكنية عن الجماع. قال العلامة ابن دقيق العيد ﵀ في [شرح العمدة] ص (٧٦): «والأقرب عندي: أن يكون المراد: اليدين والرجلين أو الرجلين والفخذين ويكون الجماع مكنياً عنه بذلك ويكتفي بما ذكر عن التصريح وإنَّما رجحنا هذا: لأنَّه أقرب إلى الحقيقة إذ هو حقيقة في الجلوس بينهما وأمَّا إذا حمل على نواحي الفرج: فلا جلوس بينها حقيقة» اهـ. قوله: «ثُمَّ جَهَدَهَا» أي بلغ جهدها وهو مشقتها. وهو عبارة عن الاجتهاد في إيلاج الحشفة في الفرج. وفي الحديث مسائل منها: ١ - أنَّه لا يشترط في الجلوس تمكين المقعدة من الأرض.

стр. 606

٢ - أنَّ الغسل يجب بمجرد الإيلاج ولو لم يحصل إنزال. وجاء الحديث عند مسلم (٣٤٨) بلفظ: «إِذَا جَلَسَ بَيْنَ شُعَبِهَا الْأَرْبَعِ ثُمَّ جَهَدَهَا فَقَدْ وَجَبَ عَلَيْهِ الْغُسْلُ وَإِنْ لَمْ يُنْزِلْ». وقد كان هناك نزاع قديم في هذه المسألة ثم استقر الإجماع على وجوب الغسل بمجرد الإيلاج وإن لم يحصل الإنزال. قلت: وأمَّا حديث أبي سعيد الخدري عن النبي ﷺ أنَّه قال: «إِنَّمَا الْمَاءُ مِنْ الْمَاءِ». رواه مسلم (٣٤٣) فلأهل العلم في توجيه قولان: القول الأول: أنَّ المفهوم من هذا الحديث منسوخ، والمفهوم ها هنا هو مفهوم الحصر. القول الآخر: ما ذهب إليه ابن عباس ﵁ وغيره إلى أنَّه ليس بمنسوخٍ بل المراد به نفي وجوب الغسل بالرؤية في النوم إذا لم ينزل وهذا الحكم باق بلا شك. وأمَّا حديث أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ أَنَّهُ قَالَ فِي الرَّجُلِ يَأْتِي أَهْلَهُ ثُمَّ لَا يُنْزِلُ قَالَ: «يَغْسِلُ ذَكَرَهُ وَيَتَوَضَّأُ». رواه مسلم (٣٤٦) بهذا اللفظ، ورواه البخاري (٢٩٣)، ومسلم (٣٤٦) عَنْ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ قَالَ: سَأَلْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ عَنْ الرَّجُلِ يُصِيبُ مِنْ الْمَرْأَةِ ثُمَّ يُكْسِلُ فَقَالَ: «يَغْسِلُ مَا أَصَابَهُ مِنْ الْمَرْأَةِ ثُمَّ يَتَوَضَّأُ وَيُصَلِّي». وحديث زيد بن خالد الجهني أَنَّهُ سَأَلَ عُثْمَانَ بْنَ عَفَّانَ، ﵁، قُلْتُ أَرَأَيْتَ إِذَا جَامَعَ فَلَمْ يُمْنِ قَالَ عُثْمَانُ: «"يَتَوَضَّأُ كَمَا يَتَوَضَّأُ لِلصَّلَاةِ وَيَغْسِلُ ذَكَرَهُ"

стр. 607

قَالَ عُثْمَانُ: سَمِعْتُهُ مِنْ رَسُولِ اللهِ ﷺ ». رواه البخاري (١٧٩، ٢٩٢)، ومسلم (٣٤٧). فهذا كان في أول الأمر ثم وجب الاغتسال بمجرد الإيلاج. ويدل على ذلك ما رواه أبو داود (٢١٥) حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ مِهْرَانَ الْبَزَّازُ الرَّازِيُّ، حَدَّثَنَا مُبَشِّرٌ الْحَلَبِيُّ، عَنْ مُحَمَّدٍ أَبِي غَسَّانَ، عَنْ أَبِي حَازِمٍ، عَنْ سَهْلِ بْنِ سَعْدٍ، حَدَّثَنِي أُبَيُّ بْنُ كَعْبٍ: «أَنَّ الْفُتْيَا الَّتِي كَانُوا يَفْتُونَ، أَنَّ الْمَاءَ مِنَ المَاءِ، كَانَتْ رُخْصَةً رَخَّصَهَا رَسُولُ اللهِ فِي بَدْءِ الإِسْلَامِ، ثُمَّ أَمَرَ بِالاِغْتِسَالِ بَعْدُ». قلت: هذا حديث ظاهره أنَّه صحيح، ورواه أحمد (٢١١٣٨، ٢١١٣٩، ٢١١٤٢) الترمذي (١١٠)، وابن ماجه (٦٠٩) من طريق أخرى. * * *

стр. 608

قال المؤلف رحمه الله تعالى: ٣٦ - عَنْ أَبِي جَعْفَرٍ مُحَمَّدِ بْنِ عَلِيِّ بْنِ الْحُسَيْنِ بْنِ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ ﵃: أَنَّهُ كَانَ هُوَ وَأَبُوهُ عِنْدَ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ، وَعِنْدَهُ قَوْمٌ، فَسَأَلُوهُ عَنْ الْغُسْلِ؟ فَقَالَ: صَاعٌ يَكْفِيكَ، فَقَالَ رَجُلٌ: مَا يَكْفِينِي، فَقَالَ جَابِرٌ: «كَانَ يَكْفِي مَنْ هُوَ أَوْفَى مِنْك شَعَرَاً، وَخَيْراً مِنْكَ - يُرِيدُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ ثُمَّ أَمَّنَا فِي ثَوْبٍ». وفي لفظ: «كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يُفْرِغُ الْمَاءَ عَلَى رَأْسِهِ ثَلاثاً». قال الحافظ ابن رجب ﵀ في [شرح البخاري] (٢/ ١٠): «وقد قيل: إنَّ هذا الرجل الذي قال لجابر: "ما يكفيني" هو الحسن بن محمد بن الحنفية، وهو أول من تكلم بالإرجاء. وقيل: إنَّه كان يميل إلى بعض مذاهب الإباضية في كثرة استعمال الماء في الطهارة» اهـ. وفي الحديث مسائل منها: ١ - قال الحافظ ابن رجب ﵀ في [شرح البخاري] (٢/ ٩): «وفي هذا: دلالة على أنَّ سادات أهل البيت كانوا يطلبون العلم من أصحاب النبي ﷺ كما كان يطلبه غيرهم، فدل ذلك كذب ما تزعمه الشيعة، أنَّهم غير محتاجين إلى أخذ العلم عن غيرهم، وأنَّهم مختصون بعلم، يحتاج الناس كلهم إليه، ولا يحتاجون هم إلى أحد، وقد كذبهم في ذلك جعفر بن محمد وغيره من علماء أهل البيت ﵃» اهـ.

стр. 609

٢ - فيه استحباب الاقتصاد في ماء الجنابة. ٣ - الأفضل الاقتصار على الصاع في الغسل، والمد في الوضوء؛ لأنَّ هذا هو الغالب من فعل النبي ﷺ ، ويدل على ذلك ما رواه مسلم (٣٢٦) عن سفينة قال: «كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يُغَسِّلُهُ الصَّاعُ مِنَ الْمَاءِ مِنَ الْجَنَابَةِ وَيُوَضِّؤُهُ الْمُدُّ». وفي اللفظ الآخر قال: «كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَغْتَسِلُ بِالصَّاعِ وَيَتَطَهَّرُ بِالْمُدِّ» اهـ. ويجوز الزيادة على ذلك في بعض الأوقات لما رواه البخاري (٢٠١)، ومسلم (٣٢٥) عن أنس قال: «كَانَ النَّبِيُّ ﷺ يَتَوَضَّأُ بِالْمُدِّ وَيَغْتَسِلُ بِالصَّاعِ إِلَى خَمْسَةِ أَمْدَادٍ». وروى مسلم (٣١٩) عن عائشة: «أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ كَانَ يَغْتَسِلُ مِنْ إِنَاءٍ هُوَ الْفَرَقُ مِنْ الْجَنَابَةِ». وفي لفظ: قالت: «كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَغْتَسِلُ فِي الْقَدَحِ وَهُوَ الْفَرَقُ وَكُنْتُ أَغْتَسِلُ أَنَا وَهُوَ فِي الْإِنَاءِ الْوَاحِدِ». قال العلامة النووي ﵀ في [شرح مسلم] (٤/ ٢٢٨): «قوله: "الفرق" قال سفيان: هو ثلاثة آصع. أمَّا كونه ثلاثة آصع فكذا قاله الجماهير وهو بفتح الفاء وفتح الراء وإسكانها لغتان حكاهما ابن دريد وجماعة غيره، والفتح أفصح وأشهر. وزعم الباجي أنَّه الصواب. وليس كما قال بل هما لغتان» اهـ.

стр. 610

لكنه ﵀ قال بعد ذلك: «وأمَّا قولها: "كان يغتسل من الفرق" فلفظه "من" هنا المراد بها بيان الجنس والإناء الذي يستعمل الماء منه وليس المراد أنه يغتسل بماء الفرق بدليل الحديث الآخر كنت أغتسل أنا ورسول الله ﷺ من قدح يقال له الفرق وبدليل الحديث الآخر يغتسل بالصاع» اهـ. وقال ﵀ في [شرح مسلم] (٤/ ٢٢٧): «قال العلماء: والمستحب أن لا ينقص في الغسل عن صاع ولا في الوضوء عن مد. والصاع خمسة أرطال وثلث بالبغدادي. والمد رطل وثلث. ذلك معتبر على التقريب لا على التحديد وهذا هو الصواب المشهور» اهـ. ٤ - احتج به من قال: لا يجزئ في الغسل دون الصاع ولا في الوضوء دون المد، وحكي ذلك عن أبي حنيفة. والصحيح الإجزاء لثلاثة أوجه: الوجه الأول: أنَّ الله أمر بالغسل مطلقاً من غير أن يحد ذلك بشيء معين. الوجه الثاني: أنَّه لم يثبت عن النبي ﷺ أنَّه حد الاغتسال بمقدار معين من الماء. الوجه الثالث: أنَّه قد ثبت عن النبي ﷺ الاغتسال والوضوء بما هو دون ذلك.

стр. 611

فروى مسلم (٧٢٨) عن حفصة بنت عبد الرحمن بن أبي بكر - وكانت تحت المنذر بن الزبير - أنَّ عائشة أخبرتها: «أَنَّهَا كَانَتْ تَغْتَسِلُ هِيَ وَالنَّبِيُّ ﷺ فِي إِنَاءٍ وَاحِدٍ يَسَعُ ثَلَاثَةَ أَمْدَادٍ أَوْ قَرِيبًا مِنْ ذَلِكَ». وروى أبو داود (٩٤)، والنسائي (٧٤) عن محمد بن بشار عن محمد بن جعفر عن شعبة عن حبيب الأنصاري قال سمعت عباد بن تميم عن جدته وهي أم عُمَارَةَ: «أَنَّ النَّبِىَّ ﷺ تَوَضَّأَ فَأُتِىَ بِإِنَاءٍ فِيهِ مَاءٌ قَدْرُ ثُلُثَىِ الْمُدِّ». قلت: هذا حديث صحيح وقد خولف محمد بن جعفر المشهور بغندر في هذا الحديث. فرواه الحاكم (٥١٠، ٥٧٨)، وابن حبان (١٠٨٣) البيهقي في [الكبرى] (١/ ١٩٦) من طريق يحيى بن زكريا بن أبي زائدة ثنا شعبة عن حبيب بن زيد عن عباد بن تميم عن عبد الله بن زيد: «أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ أُتِيَ بِثُلُثَيْ مُدٍّ مِنْ مَاءٍ فَتَوَضَّأَ فَجَعَلَ يَدْلُكُ ذِرَاعَيْهِ». وقد تابع يحيى بن زكريا بن أبي زائدة في هذا الحديث سليمان بن حيان الأزدي أبو خالد الأحمر، ومعاذ بن معاذ بن نصر بن حسان التميمي العنبري. رواه البيهقي في [الكبرى] (١/ ١٩٦). وقال ﵀: «قال أبو زرعة الرازي: الصحيح عندي حديث غندر» اهـ. قلت: كلام أبي زرعة رواه ابن أبي حاتم في [العلل] (١/ ٢٥) حيث قال ﵀:

стр. 612

«وسألت أبا زرعة، عن حديث؛ رواه يحيى بن زكريا بن أبي زائدة، وأبو داود، عن شعبة، عن حبيب بن زيد، عن عباد بن تميم، عن عمه عبد الله بن زيد، عن النبي ﷺ : "أنه أتي بإناء فيه ماء قدر ثلثي المد فتوضأ به". ورواه غندر، عن شعبة، عن حبيب بن زيد، عن عباد بن تميم، عن جدته أم عمارة، عن النبي ﷺ . فقال أبو زرعة: الصحيح عندي حديث غندر» اهـ. ٥ - وفي الحديث أنَّ النبي صلى اله عليه وسلم كان يعفي شعر رأسه. قال الحافظ ابن عبد البر ﵀ في [التمهيد] (٦/ ٧٧ - ٧٨): «أخبرنا عبد الله بن محمد بن عبد المؤمن قال حدثنا عبد الحميد بن أحمد قال حدثنا الخضر بن داود قال حدثنا أبو بكر يعني الأثرم قال سألت أبا عبد الله -يعني أحمد بن حنبل- عن صفة شعر النبي ﷺ ؟ فقال: جاء في الحديث أنَّه كان إلى شحمة أذنيه وفي بعض الحديث إلى منكبيه وفي بعض الحديث أنَّه فرق، قال: وإنَّما يكون الفرق إذا كان له شعر قال، وأحصيت عن ثلاثة عشر من أصحاب رسول الله ﷺ أنَّهم كان لهم شعر فذكر منهم أبا عبيدة ابن الجراح، وعمار بن ياسر، والحسن، والحسين، وعن ابن مسعود أنَّ شعره كان يبلغ ترقوته وأنَّه كان إذا صلى جعله وراء أذنيه. قال أبو عمر: فيما حكاه أحمد بن حنبل ﵀ أنَّه أحصى من الصحابة ثلاثة عشر رجلاً لهم شعر دليل على أنَّ غيرهم وهم الأكثر لم يكن لهم شعر على تلك الهيئة والشعر الذي يشير إليه هي الجمة والوفرة وفي هذا دليل على إباحة الحلق

стр. 613

وعلى حبس الشعر لأنَّ الهيئتين جميعاً قد أقر عليهما رسول الله ﷺ أصحابه ولم ينه عن شيء منهما فصار كل ذلك مباحاً بالسنة وبالله التوفيق». وقال ﵀: (٦/ ٨٠): «قد حلق الناس رؤوسهم وتقصصوا وعرفوا كيف ذلك قرناً بعد قرن من غير نكير والحمد لله. قال أبو عمر: صار أهل عصرنا لا يحبس الشعر منهم إلاَّ الجند عندنا لهم الجمم والوفرات وأضرب عنها أهل الصلاح والستر والعلم حتى صار ذلك علامة من علاماتهم وصارت الجمم اليوم عندنا تكاد تكون علامة السفهاء وقد روي عن النبي ﷺ أنَّه قال: "من تشبه بقوم فهو منهم" أو "حشر معهم" فقيل من تشبه بهم في أفعالهم وقيل من تشبه بهم في هيئاتهم وحسبك بهذا فهو مجمل في الإقتداء بهدى من الصالحين على أي حال كانوا والشعر والحلق لا يغنيان يوم القيامة شيئاً وإنَّما المجازاة على النيات والأعمال فرب محلوق خير من ذي شعر ورب ذي شعر رجلاً صالحاً» اهـ. قلت: وقد استحب اتخاذ الشعر الإمام أحمد ﵀. قال العلامة ابن قدامة ﵀ في [المغني] (١/ ١١١): «فصل: واتخاذ الشعر أفضل من إزالته. قال أبو إسحاق سئل أبو عبد الله عن الرجل يتخذ الشعر فقال: سنة حسنة لو أمكننا اتخذناه» اهـ.

стр. 614

وقال العلامة الشوكاني ﵀ في [نيل الأوطار] (١/ ١٥٠) - عند كلامه على حديث عائشة ﵂ قالت: «كان شعر رسول الله ﵌ فوق الوفرة ودون الجمة» -: «والحديث يدل على استحباب ترك الشعر على الرأس إلى أن يبلغ ذلك المقدار» اهـ. وقال العلامة محمد بن إبراهيم آل الشيخ ﵀ كما في [فتاوى ورسائل محمد بن إبراهيم آل الشيخ] (٢/ ٢٩): «اتخاذ الشعر والاعتناء به مستحب، ولهذا في صفة الخوارج أنَّ من سيماهم التحليق فدل على أن غيرهم في ذلك الزمان لا يحلقون فالشعور توفر وتبقى، وبقاؤها سنة لمن قصد الاستنان بالنبي، وهي محبوبة متخذة للجمال بالنسبة إلى الأمور الطبيعية، أمَّا إبقاء الشعر مع إهماله فلا. ثم إبقاء الشعر مستحب - كما تقدم - ما لم يخرج إلى طور آخر كأن يكون من شأن السفهاء فإذا كان كذلك فلا ينبغي» اهـ. قال العلامة ابن عثيمين ﵀ في [شرح رياض الصالحين] (١/ ١٩٤٧): «وفي هذه الأحاديث دليل على أن اتخاذ الشعر ليس بسنة ومعنى اتخاذ الشعر أن الإنسان يبقي شعر رأسه حتى يكثر ويكون ضفرة أو لمة فهو عادة من العادات ولو كان سنة لقال النبي ﷺ اتركوه لا تحلقوه في الصبي ولما حلق رؤوس أولاد جعفر بن أبي طالب ﵁ ولكنه أي اتخاذ الشعر عادة إذا اعتاده الناس فاتخذه وإن لم يعتده الناس فلا تتخذه وأما من ذهب إلى أنه سنة

стр. 615

من أهل العلم فإن هذا اجتهاد منهم والصحيح أنه ليس بسنة وأننا لا نأمر الناس باتخاذ الشعر بل نقول إن اعتاده الناس وصار الناس يتخذون الشعر فاتخذه لئلا تشذ على العادة وإن كانوا لا يتخذونه كما هو معروف الآن في أهلنا فلا تتخذه ولهذا كان مشايخنا الكبار كالشيخ عبد الرحمن بن سعدي والشيخ محمد بن إبراهيم والشيخ عبد العزيز بن باز وغيرهم من العلماء لا يتخذون الشعر لأنَّه ليس بسنة ولكنه عادة والله الموفق» اهـ. وقال ﵀ كما في [مجموع فتاوى ورسائل ابن عثيمين] (١١/ ٧٧): «واتخاذ شعر الرأس مختلف فيه هل هو من السنن المطلوب فعلها؟ أو هو من العادات التي يتمشى فيها الإنسان على ما اعتاده الناس في وقته؟ والراجح عندي: أنَّ هذا من العادات التي يتمشى فيها الإنسان على ما جرى عليه الناس في وقته، فإذا كان من عادة الناس اتخاذ الشعر وتطويله - فإنه يفعل، وإذا كان من عادة الناس حلق الشعر أو تقصيره فإنه يفعل. ولكن البلية كل البلية أنَّ هؤلاء الذين يعفون شعور رؤوسهم لا يعفون شعور لحاهم ثم هم يزعمون أنَّهم يقتدون بالرسول ﷺ ، وهم في ذلك غير صادقين فهم يتبعون أهواءهم ويدل على عدم صدقهم في اتباع الرسول ﷺ ، إنَّك تجدهم قد أضاعوا شيئاً من دينهم هو من الواجبات كإعفاء اللحية مثلاً، فهم لا يعفون لحاهم وقد أمروا بإعفائها وكتهاونهم في الصلاة وغيرها من الواجبات الأخرى مما يدلك على أن صنيعهم في إعفاء شعورهم ليس المقصود به التقرب إلى الله ولا اتباع رسول الله ﷺ ، وإنما هي عادة استحسنوها فأرادوها ففعلوها» اهـ.

стр. 616

٦ - قوله: «ثُمَّ أَمَّنَا فِي ثَوْبٍ» يدل على مشروعية الصلاة في الثوب الواحد، وقد كان هناك خلاف قديم ينسب إلى ابن مسعود وغيره، ثم استقر الأمر على الجواز. وقد روى ابن أبي شيبة في [مصنفه] (٣٢٠٧) حَدَّثَنَا يَزِيدُ بْنُ هَارُونَ، قَالَ: أَخْبَرَنَا دَاوُد بْنُ أَبِي هِنْدٍ، عَنْ أَبِي نَضْرَةَ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ، قَالَ: «اخْتَلَفَ أُبَيُّ بْنُ كَعْبٍ، وَابْنُ مَسْعُودٍ فِي الصَّلَاةِ فِي الثَّوْبِ الْوَاحِدِ، فَقَالَ أُبَيٌّ: ثَوْبٌ، وَقَالَ: ابْنُ مَسْعُودٍ: ثَوْبَانِ، فَخَرَجَ عَلَيْهِمَا عُمَرُ فَلَامَهُمَا، وَقَالَ: إِنَّهُ لَيَسُوؤُنِي أَنْ يَخْتَلِفَ اثْنَانِ مِنْ أَصْحَابِ مُحَمَّدٍ ﷺ فِي الشَّيْءِ الْوَاحِدِ، فَعَنْ أَيِّ فُتْيَاكُمَا يَصْدُر النَّاسُ؟ أَمَّا ابْنُ مَسْعُودٍ فَلَمْ يَأْلُ، وَالْقَوْلُ مَا قَالَ أُبَيٌّ». قلت: هذا أثر صحيح. قال الحافظ العراقي ﵀ في [طرح التثريب] (٢/ ٣٧٤ - ٣٧٥): «فيه جواز الصلاة في الثوب الواحد وهو قول كافة العلماء وقال ابن المنذر: لا أعلم أحداً أوجب على من صلى في ثوب واحد الإعادة إذا كان ساتراً للعورة، وقال القاضي عياض والنووي وغيرهما لا خلاف في جواز الصلاة في الثوب الواحد إلَّا شيء روي عن ابن مسعود. قال النووي ولا أعلم صحته. قلت: له عنه أربع طرق رواه ابن أبي شيبة والبيهقي من طريق أبي نضرة عن أبي سعيد قال اختلف أبي وابن مسعود في الصلاة في الثوب الواحد فقال أبي ثوب وقال ابن مسعود ثوبان.

стр. 617

ورواه عبد الرزاق في مصنفه عن ابن عيينة عن عمرو عن الحسن قال اختلف أبي وابن مسعود فذكره وهو منقطع فإن الحسن لم يسمع من ابن مسعود. في معجم الطبراني الكبير عن عاصم عن ذر عن عبد الله قال يصلي الرجل في ثوبين. وفي مصنف ابن أبي شيبة من رواية أبي فزارة عن أبي زيد عن ابن مسعود قال لا تصلين في ثوب وإن كان أوسع مما بين السماء والأرض وهذا إسناد ضعيف جداً وذكر ابن بطال أنَّه روي عن عمر مثل قول ابن مسعود. قلت: والصحيح المشهور عنه كقول الجمهور» اهـ. قلت: وقد روى البخاري (٣٦٥)، ومسلم (٥١٥) عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: «قَامَ رَجُلٌ إِلَى النَّبِيِّ ﷺ فَسَأَلَهُ، عَنِ الصَّلَاةِ فِي الثَّوْبِ الْوَاحِدِ فَقَالَ: "أَوَكُلُّكُمْ يَجِدُ ثَوْبَيْنِ" ثُمَّ سَأَلَ رَجُلٌ عُمَرَ فَقَالَ: إِذَا وَسَّعَ اللَّهُ فَأَوْسِعُوا جَمَعَ رَجُلٌ عَلَيْهِ ثِيَابَهُ صَلَّى رَجُلٌ فِي إِزَارٍ وَرِدَاءٍ فِي إِزَارٍ وَقَمِيصٍ فِي إِزَارٍ وَقَبَاءٍ فِي سَرَاوِيلَ وَرِدَاءٍ فِي سَرَاوِيلَ وَقَمِيصٍ فِي سَرَاوِيلَ وَقَبَاءٍ فِي تُبَّانٍ وَقَبَاءٍ فِي تُبَّانٍ وَقَمِيصٍ- قَالَ وَأَحْسِبُهُ قَالَ - فِي تُبَّانٍ وَرِدَاءٍ». هذا لفظ البخاري واقتصر مسلم على المرفوع. وروى البخاري (٣٥٢) عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ الْمُنْكَدِرِ قَالَ: «صَلَّى جَابِرٌ فِي إِزَارٍ قَدْ عَقَدَهُ مِنْ قِبَلِ قَفَاهُ وَثِيَابُهُ مَوْضُوعَةٌ عَلَى الْمِشْجَبِ قَالَ لَهُ قَائِلٌ: تُصَلِّي فِي إِزَارٍ وَاحِدٍ. فَقَالَ: إِنَّمَا صَنَعْتُ ذَلِكَ لِيَرَانِي أَحْمَقُ مِثْلُكَ وَأَيُّنَا كَانَ لَهُ ثَوْبَانِ عَلَى عَهْدِ النَّبِيِّ ﷺ ». وروى البخاري (٣٥٣) عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ الْمُنْكَدِرِ قَالَ: «رَأَيْتُ جَابِرَ بْنَ عَبْدِ اللهِ يُصَلِّي فِي ثَوْبٍ

стр. 618

وَاحِدٍ وَقَالَ رَأَيْتُ النَّبِيَّ ﷺ يُصَلِّي فِي ثَوْبٍ». وفي لفظ للبخاري (٣٧٠) عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ الْمُنْكَدِرِ قَالَ: «دَخَلْتُ عَلَى جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللهِ وَهُوَ يُصَلِّي فِي ثَوْبٍ مُلْتَحِفًا بِهِ وَرِدَاؤُهُ مَوْضُوعٌ فَلَمَّا انْصَرَفَ قُلْنَا يَا أَبَا عَبْدِ اللهِ تُصَلِّي وَرِدَاؤُكَ مَوْضُوعٌ قَالَ نَعَمْ أَحْبَبْتُ أَنْ يَرَانِي الْجُهَّالُ مِثْلُكُمْ رَأَيْتُ النَّبِيَّ ﷺ يُصَلِّي هَكَذَا». وروى مسلم (٣٠٠٧) عَنْ عُبَادَةَ بْنِ الْوَلِيدِ بْنِ عُبَادَةَ بْنِ الصَّامِتِ قَالَ: خَرَجْتُ أَنَا وَأَبِى نَطْلُبُ الْعِلْمَ فِى هَذَا الْحَىِّ مِنَ الأَنْصَارِ قَبْلَ أَنْ يَهْلِكُوا- إلى أن قال-: «ثُمَّ مَضَيْنَا حَتَّى أَتَيْنَا جَابِرَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ فِى مَسْجِدِهِ وَهُوَ يُصَلِّى فِى ثَوْبٍ وَاحِدٍ مُشْتَمِلاً بِهِ فَتَخَطَّيْتُ الْقَوْمَ حَتَّى جَلَسْتُ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْقِبْلَةِ فَقُلْتُ يَرْحَمُكَ اللَّهُ أَتُصَلِّى فِى ثَوْبٍ وَاحِدٍ وَرِدَاؤُكَ إِلَى جَنْبِكَ قَالَ فَقَالَ بِيَدِهِ فِى صَدْرِى هَكَذَا وَفَرَّقَ بَيْنَ أَصَابِعِهِ وَقَوَّسَهَا أَرَدْتُ أَنْ يَدْخُلَ عَلَىَّ الأَحْمَقُ مِثْلُكَ فَيَرَانِى كَيْفَ أَصْنَعُ فَيَصْنَعُ مِثْلَهُ … ». وروى مسلم (٥١٨) من طريق أَبِي الزُّبَيْرِ عَنْ جَابِرٍ قَالَ: «رَأَيْتُ النَّبِيَّ ﷺ يُصَلِّي فِي ثَوْبٍ وَاحِدٍ مُتَوَشِّحًا بِهِ». وروى البخاري (٣٥٥)، ومسلم (٥١٧) عَنْ عُمَرَ بْنِ أَبِي سَلَمَةَ: «أَنَّهُ رَأَى النَّبِيَّ ﷺ يُصَلِّي فِي ثَوْبٍ وَاحِدٍ فِي بَيْتِ أُمِّ سَلَمَةَ قَدْ أَلْقَى طَرَفَيْهِ عَلَى عَاتِقَيْهِ».

стр. 619

وروى مسلم (٥١٩) عن أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيُّ: «أَنَّهُ دَخَلَ عَلَى النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: فَرَأَيْتُهُ يُصَلِّي عَلَى حَصِيرٍ يَسْجُدُ عَلَيْهِ قَالَ: وَرَأَيْتُهُ يُصَلِّي فِي ثَوْبٍ وَاحِدٍ مُتَوَشِّحًا بِهِ». * * *

стр. 620

قال المؤلف رحمه الله تعالى: باب التيمم ٣٧ - عَنْ عِمْرَانَ بْنِ حُصَيْنٍ ﵁: أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ رَأَى رَجُلاً مُعْتَزلاً، لَمْ يُصَلِّ فِي الْقَوْمِ؟ فَقَالَ: «يَا فُلانُ، مَا مَنَعَكَ أَنْ تُصَلِّيَ فِي الْقَوْمِ؟». فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ أَصَابَتْنِي جَنَابَةٌ، وَلا مَاءَ، فَقَالَ: «عَلَيْك بِالصَّعِيدِ، فَإِنَّهُ يَكْفِيَكَ». التَّيَمُّمُ لُغَةً: الْقَصْدُ يُقَال يممك فلَان بِالْخَيرِ إِذا قصدك، ومنه قول الله تعالى: ﴿وَلَا تَيَمَّمُوا الْخَبِيثَ مِنْهُ تُنْفِقُونَ وَلَسْتُمْ بِآخِذِيهِ إِلَّا أَنْ تُغْمِضُوا فِيهِ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ حَمِيدٌ (٢٦٧)﴾ [البقرة: ٢٦٧]. وشرعاً: التَّعبُّد لله تعالى بقصد الصَّعيد الطَّيِّب؛ لمسْحِ الوجه واليدين به. قوله: «عَلَيْك بِالصَّعِيدِ» الصعيد في اللغة: كل ما صعد وارتفع على الأرض. والحديث بهذا اللفظ للبخاري (٣٤٤)، ورواه مسلم (٦٨٢) بلفظ: «فَسَارَ بِنَا حَتَّى إِذَا ابْيَضَّتْ الشَّمْسُ نَزَلَ فَصَلَّى بِنَا الْغَدَاةَ فَاعْتَزَلَ رَجُلٌ مِنْ الْقَوْمِ لَمْ يُصَلِّ مَعَنَا فَلَمَّا انْصَرَفَ قَالَ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "يَا فُلَانُ مَا مَنَعَكَ أَنْ تُصَلِّيَ مَعَنَا". قَالَ: يَا نَبِيَّ اللَّهِ أَصَابَتْنِي جَنَابَةٌ فَأَمَرَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فَتَيَمَّمَ بِالصَّعِيدِ … ». الحديث. وفي الحديث مسائل منها:

стр. 621

١ - مشروعية التيمم للجنابة كما يشرع للحدث الأصغر، وقد كان هناك خلاف قديم ينسب لعمر بن الخطاب وعبد الله بن مسعود وبعض التابعين وقيل أنَّهم رجعوا عن ذلك، وليس بين الفقهاء في ذلك خلاف. وروى البخاري (٣٤٧)، ومسلم (٣٦٨) عَنْ شَقِيقٍ قَالَ: «كُنْتُ جَالِسًا مَعَ عَبْدِ اللهِ وَأَبِي مُوسَى الأَشْعَرِيِّ فَقَالَ لَهُ أَبُو مُوسَى لَوْ أَنَّ رَجُلاً أَجْنَبَ فَلَمْ يَجِدِ الْمَاءَ شَهْرًا أَمَا كَانَ يَتَيَمَّمُ وَيُصَلِّي فَكَيْفَ تَصْنَعُونَ بِهَذِهِ الآيَةِ فِي سُورَةِ الْمَائِدَةِ: ﴿فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا صَعِيدًا طَيِّبًا (٦)﴾ [المائدة: ٦] فَقَالَ عَبْدُ اللهِ: لَوْ رُخِّصَ لَهُمْ فِي هَذَا لأَوْشَكُوا إِذَا بَرَدَ عَلَيْهِمُ الْمَاءُ أَنْ يَتَيَمَّمُوا الصَّعِيدَ قُلْتُ وَإِنَّمَا كَرِهْتُمْ هَذَا لِذَا قَالَ نَعَمْ فَقَالَ أَبُو مُوسَى أَلَمْ تَسْمَعْ قَوْلَ عَمَّارٍ لِعُمَرَ بَعَثَنِي رَسُولُ اللهِ ﷺ فِي حَاجَةٍ فَأَجْنَبْتُ فَلَمْ أَجِدِ الْمَاءَ فَتَمَرَّغْتُ فِي الصَّعِيدِ كَمَا تَمَرَّغُ الدَّابَّةُ فَذَكَرْتُ ذَلِكَ لِلنَّبِيِّ ﷺ فَقَالَ إِنَّمَا كَانَ يَكْفِيكَ أَنْ تَصْنَعَ هَكَذَا فَضَرَبَ بِكَفِّهِ ضَرْبَةً عَلَى الأَرْضِ ثُمَّ نَفَضَهَا ثُمَّ مَسَحَ بِهَا ظَهْرَ كَفِّهِ بِشِمَالِهِ، أَوْ ظَهْرَ شِمَالِهِ بِكَفِّهِ ثُمَّ مَسَحَ بِهِمَا وَجْهَهُ فَقَالَ عَبْدُ اللهِ أَفَلَمْ تَرَ عُمَرَ لَمْ يَقْنَعْ بِقَوْلِ عَمَّارٍ». وروى البخاري (٣٤٦) من طريق الأَعْمَشِ، قَالَ: شَقِيقِ بْنِ سَلَمَةَ قَالَ: «كُنْتُ عِنْدَ عَبْدِ اللهِ وَأَبِي مُوسَى فَقَالَ لَهُ أَبُو مُوسَى: أَرَأَيْتَ يَا أَبَا عَبْدِ الرَّحْمَنِ إِذَا أَجْنَبَ فَلَمْ يَجِدْ مَاءً كَيْفَ يَصْنَعُ. فَقَالَ عَبْدُ اللهِ: لَا يُصَلِّي حَتَّى يَجِدَ الْمَاءَ. فَقَالَ أَبُو مُوسَى: فَكَيْفَ تَصْنَعُ بِقَوْلِ عَمَّارٍ حِينَ قَالَ لَهُ النَّبِيُّ ﷺ : "كَانَ يَكْفِيكَ". قَالَ: أَلَمْ تَرَ عُمَرَ لَمْ يَقْنَعْ بِذَلِكَ. فَقَالَ أَبُو مُوسَى: فَدَعْنَا مِنْ قَوْلِ عَمَّارٍ

стр. 622

كَيْفَ تَصْنَعُ بِهَذِهِ الآيَةِ فَمَا دَرَى عَبْدُ اللهِ مَا يَقُولُ فَقَالَ: إِنَّا لَوْ رَخَّصْنَا لَهُمْ فِي هَذَا لأَوْشَكَ إِذَا بَرَدَ عَلَى أَحَدِهِمُ الْمَاءُ أَنْ يَدَعَهُ وَيَتَيَمَّمَ». فَقُلْتُ لِشَقِيقٍ: فَإِنَّمَا كَرِهَ عَبْدُ اللهِ لِهَذَا قَالَ نَعَمْ. قلت: وحديث عمار مع عمر ﵁ هو ما رواه مسلم (٣٦٨) حَدَّثَنِي عَبْدُ اللَّهِ بْنُ هَاشِمٍ الْعَبْدِيُّ حَدَّثَنَا يَحْيَى يَعْنِي ابْنَ سَعِيدٍ الْقَطَّانَ عَنْ شُعْبَةَ قَالَ حَدَّثَنِي الْحَكَمُ عَنْ ذَرٍّ عَنْ سَعِيدِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبْزَى عَنْ أَبِيهِ: «أَنَّ رَجُلًا أَتَى عُمَرَ فَقَالَ: إِنِّي أَجْنَبْتُ فَلَمْ أَجِدْ مَاءً. فَقَالَ: لَا تُصَلِّ. فَقَالَ عَمَّارٌ: أَمَا تَذْكُرُ يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ إِذْ أَنَا وَأَنْتَ فِي سَرِيَّةٍ فَأَجْنَبْنَا فَلَمْ نَجِدْ مَاءً فَأَمَّا أَنْتَ فَلَمْ تُصَلِّ وَأَمَّا أَنَا فَتَمَعَّكْتُ فِي التُّرَابِ وَصَلَّيْتُ فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ "إِنَّمَا كَانَ يَكْفِيكَ أَنْ تَضْرِبَ بِيَدَيْكَ الْأَرْضَ ثُمَّ تَنْفُخَ ثُمَّ تَمْسَحَ بِهِمَا وَجْهَكَ وَكَفَّيْكَ". فَقَالَ عُمَرُ: اتَّقِ اللَّهَ يَا عَمَّارُ. قَالَ: إِنْ شِئْتَ لَمْ أُحَدِّثْ بِهِ». قَالَ الْحَكَمُ وَحَدَّثَنِيهِ ابْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبْزَى عَنْ أَبِيهِ مِثْلَ حَدِيثِ ذَرٍّ قَالَ وَحَدَّثَنِي سَلَمَةُ عَنْ ذَرٍّ فِي هَذَا الْإِسْنَادِ الَّذِي ذَكَرَ الْحَكَمُ فَقَالَ عُمَرُ: «نُوَلِّيكَ مَا تَوَلَّيْتَ». وحَدَّثَنِي إِسْحَقُ بْنُ مَنْصُورٍ حَدَّثَنَا النَّضْرُ بْنُ شُمَيْلٍ أَخْبَرَنَا شُعْبَةُ عَنْ الْحَكَمِ قَالَ سَمِعْتُ ذَرًّا عَنْ ابْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبْزَى قَالَ قَالَ الْحَكَمُ وَقَدْ سَمِعْتَهُ مِنْ ابْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبْزَى عَنْ أَبِيهِ أَنَّ رَجُلًا أَتَى عُمَرَ فَقَالَ: «إِنِّي أَجْنَبْتُ فَلَمْ أَجِدْ مَاءً». وَسَاقَ الْحَدِيثَ وَزَادَ فِيهِ قَالَ عَمَّارٌ: «يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ إِنْ شِئْتَ لِمَا جَعَلَ اللَّهُ عَلَيَّ مِنْ حَقِّكَ لَا أُحَدِّثُ بِهِ أَحَدًا». ورواه البخاري (٣٣٨) مختصراً.

стр. 623

٢ - وقوله: «عَلَيْك بِالصَّعِيدِ، فَإِنَّهُ يَكْفِيَكَ» أي: يكفيك عن الماء في سائر الصلوات ما لم تحدث أو تجد الماء، أو تقدر على استعماله. وقد روى أحمد (٢١٦٩٨، ٢١٩٠١)، وأبو داود (٣٣٢)، والترمذي (١٢٤)، والنسائي (٣٢٢) من طريق أَبِي قِلَابَةَ عَنْ عَمْرِو بْنِ بُجْدَانَ عَنْ أَبِي ذَرٍّ قَالَ: قَالَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ «الصَّعِيدُ الطَّيِّبُ وَضُوءُ الْمُسْلِمِ وَلَوْ إِلَى عَشْرِ سِنِينَ فَإِذَا وَجَدْتَ الْمَاءَ فَأَمِسَّهُ جِلْدَكَ فَإِنَّ ذَلِكَ خَيْرٌ». ورواه أحمد (٢١٦٢٩) أبو داود (٣٣٣) حَدَّثَنَا مُوسَى بْنُ إِسْمَاعِيلَ أَخْبَرَنَا حَمَّادٌ عَنْ أَيُّوبَ عَنْ أَبِى قِلَابَةَ عَنْ رَجُلٍ مِنْ بَنِى عَامِرٍ عَنْ أَبِى ذَرٍّ به. ووقع عند الترمذي، ورواية عند أبي داود وأحمد ذكر "الطهور" بدل "الوضوء". قلت: الرجل من بني عامر هو عمرو بن بُجدان فإنَّه عامري، وابن بجدان ذكره ابن حبان في "الثقات"، ووثقه العجلي. وقال الحافظ ابن حجر ﵀ في [التلخيص] (١/ ٤٠٧): «وَاخْتُلِفَ فِيهِ عَلَى أَبِي قِلَابَةَ فَقِيلَ هَكَذَا وَقِيلَ عَنْهُ عَنْ رَجُلٍ مِنْ بَنِي عَامِرٍ وَهَذِهِ رِوَايَةُ أَيُّوبَ عَنْهُ وَلَيْسَ فِيهَا مُخَالَفَةٌ لِرِوَايَةِ خَالِدٍ وَقِيلَ عَنْ أَيُّوبَ عَنْهُ عَنْ أَبِي الْمُهَلَّبِ عَنْ أَبِي ذَرٍّ. وَقِيلَ عَنْهُ بِإِسْقَاطِ الْوَاسِطَةِ وَقِيلَ فِي الْوَاسِطَةِ مِحْجَنٌ أَوْ ابْنُ مِحْجَنٍ أَوْ رَجَاءُ بْنُ عَامِرٍ أَوْ رَجُلٌ مِنْ بَنِي عَامِرٍ

стр. 624

كُلُّهَا عِنْدَ الدَّارَقُطْنِيُّ وَالِاخْتِلَافُ فِيهِ كُلُّهُ عَلَى أَيُّوبَ وَرَوَاهُ ابْنُ حِبَّانَ وَالْحَاكِمُ مِنْ طَرِيقِ خَالِدٍ الْحَذَّاءِ كَرِوَايَةِ أَبِي دَاوُد وَصَحَّحَهُ أَيْضًا أَبُو حَاتِمٍ وَمَدَارُ طَرِيقِ خَالِدٍ عَلَى عَمْرِو بْنِ بَجْدَانَ وَقَدْ وَثَّقَهُ الْعِجْلِيُّ وَغَفَلَ ابْنُ الْقَطَّانِ فَقَالَ إنَّهُ مَجْهُولٌ وَفِي الْبَابِ: عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَوَاهُ الْبَزَّارُ قَالَ حَدَّثَنَا مُقَدَّمُ بْنُ مُحَمَّدٍ ثَنَا عَمِّي الْقَاسِمُ بْنُ يَحْيَى ثَنَا هِشَامُ بْنُ حَسَّانَ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ سِيرِينَ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَفَعَهُ: "الصَّعِيدُ وَضُوءُ الْمُسْلِمِ وَإِنْ لَمْ يَجِدْ الْمَاءَ عَشْرَ سِنِينَ فَإِذَا وَجَدَ الْمَاءَ فَلْيَتَّقِ اللَّهَ وَلْيُمِسَّهُ بَشَرَتَهُ فَإِنَّ ذَلِكَ خَيْرٌ" وَقَالَ: لَا نَعْلَمُهُ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ إلَّا مِنْ هَذَا الْوَجْهِ وَرَوَاهُ الطَّبَرَانِيُّ فِي الْأَوْسَطِ مِنْ هَذَا الْوَجْهِ مُطَوَّلًا أَخْرَجَهُ فِي تَرْجَمَةِ أَحْمَدَ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ صَدَقَةَ وَسَاقَ فِيهِ قِصَّةَ أَبِي ذَرٍّ وَقَالَ لَمْ يَرْوِهِ إلَّا هِشَامٌ عَنْ ابْنِ سِيرِينَ وَلَا عَنْ هِشَامٍ إلَّا الْقَاسِمُ تَفَرَّدَ بِهِ مُقَدَّمٌ وَصَحَّحَهُ ابْنُ الْقَطَّانِ، لَكِنْ قَالَ الدَّارَقُطْنِيُّ فِي الْعِلَلِ إنَّ إرْسَالَهُ أَصَحُّ» اهـ. قلت: ولم يحصل اختلاف في رواية خالد الحذاء عن أبي قلابة عن عمرو بن بُجدان عن أبي ذر. قال الحافظ الدارقطني ﵀ في [العلل] (٦/ ٢٥٤): «وَالْقَوْلُ قَوْلُ خَالِدٍ الْحَذَّاءِ» اهـ. قلت: حديث أبي هريرة رواه البزار في [مسنده] (١٠٠٦٨) حَدَّثَنا مقدم بن مُحَمَّد بن علي بن مقدم المقدمي قَالَ: حَدَّثَنِي عَمِّي الْقَاسِمُ بْنُ يَحْيَى بْنِ عطاء بن مقدم، حَدَّثَنا هِشَامُ بْنُ حَسَّانٍ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ سِيرِينَ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللهُ

стр. 625

عَنْهُ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : «الصعيد وضوء المسلم وإن لم يجد الماء عشر سنين، فإذا وجد الماء فليتق الله وليمسه بشره فإن ذلك خير». وَهَذَا الحديثُ لَا نَعْلَمْهُ يُرْوَى عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁، إِلا مِنْ هَذَا الْوَجْهِ وَلَمْ نَسْمَعْهُ إِلا من مقدم بن مُحَمَّد، عن عمه وكان مقدم ثقة معروف النسب اهـ. قلت: إسناده صحيح لكن رجح الحافظ الدارقطني أنَّه من مراسيل ابن سيرين، وعلى كل حال هو شاهد قوي لحديث أبي ذر. وهذا مما يدل على أنَّ التيمم يقوم مقام الماء لأنَّ النبي ﷺ سماه وضوءاً. وقد اختلف العلماء هل التيمم يرفع الحدث رفعاً مؤقتاً أم يبيح الصلاة مع قيامه؟ فذهب الجمهور إلى أنَّه مبيح للصلاة، وذهب أبو حنيفة إلى أنَّه رافع للحدث رفعاً مؤقتاً. وهذا هو الصحيح. وهو خلاف لفظي انبنى عليه خلاف عملي، وهو هل يجوز التيمم قبل دخول وقت الصلاة، وهل ينتقض بخروج الوقت، وهل له أن يصلي به أكثر من صلاة، وهل له إذا تيمم للنافلة أن يصلي به الفريضة. فمن قال إنَّ التيمم رافع للحدث رفعاً مؤقتاً أجاز كل ذلك، ومن قال أنَّه مبيح للصلاة منع ذلك مع تفصيل لبعضهم في بعض تلك الصور. قال شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ كما [مجموع الفتاوى] (٢١/ ٣٥٢ - ٣٦٣): «فصل: وقد تنازع العلماء في التيمم: هل يرفع الحدث رفعاً مؤقتاً إلى حين القدرة على استعمال الماء؟ أم الحدث قائم ولكنه تصح الصلاة مع وجود الحدث المانع؟ وهذه مسألة نظرية.

стр. 626

وتنازعوا هل يقوم مقام الماء فيتيمم قبل الوقت كما يتوضأ قبل الوقت ويصلي به ما شاء من فروض ونوافل كما يصلي بالماء ولا يبطل بخروج الوقت كما لا يبطل الوضوء؟ على قولين مشهورين وهو نزاع عملي. فمذهب أبي حنيفة أنَّه يتيمم قبل الوقت ويبقى بعد الوقت ويصلي به ما شاء كالماء وهو قول سعيد بن المسيب والحسن البصري والزهري والثوري وغيرهم. وهو إحدى الروايتين عن أحمد بن حنبل. والقول الثاني: أنَّه لا يتيمم قبل الوقت ولا يبقى بعد خروجه. ثم من هؤلاء من يقول: يتيمم لوقت كل صلاة ومنهم من يقول يتيمم لفعل كل فريضة ولا يجمع به فرضين. وغلا بعضهم فقال: ويتيمم لكل نافلة وهذا القول في الجملة هو المشهور من مذهب مالك والشافعي وأحمد. قالوا: لأنَّه طهارة ضرورية والحكم المقيد بالضرورة مقدر بقدرها فإذا تيمم في وقت يستغنى عن التيمم فيه لم يصح تيممه كما لو تيمم مع وجود الماء. قالوا: ولأنَّ الله أمر كل قائم إلى الصلاة بالوضوء فإن لم يجد الماء تيمم وكان ظاهر الخطاب يوجب على كل قائم إلى الصلاة الوضوء والتيمم؛ لكن لما ثبت في الصحيح: "أنَّ النبي ﷺ صلى الصلوات كلها بوضوء واحد" رواه مسلم في صحيحه: دلت السنة على جواز تقديم الوضوء قبل وقت وجوبه وبقي التيمم على ظاهر الخطاب، وعلل ذلك بعضهم بأنَّه مأمور بطلب الماء عند كل صلاة وذلك يبطل تيممه. وورد عن علي وعمرو بن العاص وابن عمر مثل قولهم.

стр. 627

ولنا أنَّه قد ثبت بالكتاب والسنة: أنَّ التراب طهور كما أنَّ الماء طهور. وقد قال النبي ﷺ : "الصعيد الطيب طهور المسلم ولو لم يجد الماء عشر سنين فإذا وجدت الماء فأمسه بشرتك فإنَّ ذلك خير" فجعله مطهراً عند عدم الماء مطلقاً. فدل على أنَّه مطهر للمتيمم وإذا كان قد جعل المتيمم مطهراً كما أنَّ المتوضئ مطهر ولم يقيد ذلك بوقت ولم يقل: إنَّ خروج الوقت يبطله كما ذكر أنَّه يبطله القدرة على استعمال الماء دل ذلك على أنَّه بمنزلة الماء عند عدم الماء وهو موجب الأصول. فإنَّ التيمم بدل عن الماء والبدل يقوم مقام المبدل في أحكامه وإن لم يكن مماثلاً له في صفته كصيام الشهرين فإنَّه بدل عن الإعتاق، وصيام الثلاث والسبع فإنَّه بدل عن الهدي في التمتع، وكصيام الثلاثة الأيام في كفارة اليمين فإنَّه بدل عن التكفير بالمال، والبدل يقوم مقام المبدل وهذا لازم لمن يقيس التيمم على الماء في صفته فيوجب المسح على المرفقين وإن كانت آية التيمم مطلقة كما قاس عمار لما تمرغ في التراب كما تتمرغ الدابة فمسح جميع بدنه كما يغسل جميع بدنه، وقد بين النبي ﷺ فساد هذا القياس وأنَّه يجزئك من الجنابة التيمم الذي يجزئك في الوضوء وهو مسح الوجه واليدين؛ لأنَّ البدل لا تكون صفته كصفة المبدل بل حكمه حكمه فإنَّ التيمم مسح عضوين وهما العضوان المغسولان في الوضوء وسقط العضوان الممسوحان، والتيمم عن الجنابة يكون في هذين العضوين بخلاف الغسل. والتيمم ليس فيه مضمضة ولا استنشاق بخلاف الوضوء، والتيمم لا يستحب فيه تثنية ولا تثليث بخلاف الوضوء، والتيمم يفارق صفة الوضوء من وجوه ولكن حكمه حكم الوضوء؛ لأنَّه بدل منه فيجب أن يقوم مقامه كسائر الأبدال فهذا مقتضى النص والقياس.

стр. 628

فإن قيل: الوضوء يرفع الحدث والتيمم لا يرفعه؟ قيل: عن هذا جوابان: أحدهما: أنَّه سواء كان يرفع الحدث أو لا يرفعه فإنَّ الشارع جعله طهوراً عند عدم الماء يقوم مقامه فالواجب أن يثبت له من أحكام الطهارة ما يثبت للماء ما لم يقم دليل شرعي على خلاف ذلك. الوجه الثاني: أن يقال: قول القائل يرفع الحدث أو لا يرفعه ليس تحته نزاع عملي وإنَّما هو نزاع اعتباري لفظي، وذلك أنَّ الذين قالوا: لا يرفع الحدث قالوا: لو رفعه لم يعد إذا قدر على استعمال الماء وقد ثبت بالنص والإجماع أنَّه يبطل بالقدرة على استعمال الماء. والذين قالوا: يرفع الحدث إنَّما قالوا برفعه رفعاً مؤقتاً إلى حين القدرة على استعمال الماء فلم يتنازعوا في حكم عملي شرعي ولكن تنازعهم ينزع إلى قاعدة أصولية تتعلق بمسألة تخصيص العلة وأنَّ المناسبة هل تنخرم بالمعارضة، وأنَّ المانع المعارض للمقتضي هل يرفعه أم لا يرفعه اقتضاؤه مع بقاء ذاته. وكشف الغطاء عن هيئة النزاع أنَّ لفظ العلة يراد به العلة التامة وهو مجموع ما يستلزم الحكم بحيث إذا وجد وجد الحكم ولا يتخلف عنه؛ فيدخل في لفظ العلة على هذا الاصطلاح جبر العلة وشروطها وعدم المانع. إمَّا لكون عدم المانع يستلزم وصفاً ثبوتياً على رأي وإمَّا لكون العدم قد يكون جبراً من المقتضي على رأي، وهذه العلة متى تخصصت وانتقضت فوجد الحكم بدونها دل على فسادها كما لو علل معلل قصر الصلاة بمطلق العذر، قيل له: هذا باطل فإنَّ المريض ونحوه من أهل الأعذار لا يقصرون وإنَّما يقصر المسافر خاصة فالقصر دائر مع السفر وجوداً وعدماً ودوران الحكم مع الوصف وجوداً وعدماً دليل على

стр. 629

المدار عليه للدائر، وكما لو علل وجوب الزكاة بمجرد ملك النصاب، قيل له: هذا ينتقض بالملك قبل الحول. وقد يراد بلفظ العلة ما يقتضي الحكم وإن توقف على ثبوت شروط وانتفاء موانع، وقد يعبر عن ذلك بلفظ السبب فيقال: الأسباب المثبتة للإرث ثلاثة: رحم ونكاح وولاء. وعند أبي حنيفة وأحمد في إحدى الروايتين يثبت بعقد الموالاة وغيرها فالعلة هنا قد يتخلف عنها الحكم المانع: كالرق والقتل واختلاف الدين، فإذا أريد بالعلة هذا المعنى جاز تخصيصها لفوات شرط ووجود مانع، فأمَّا إن لم يبين المعلل بين صورة النقض وبين غيرها فرقاً مؤثراً بطل تعليله فإن الحكم اقترن بالوصف تارة كما في الأصل وتخلف عنه تارة كما في الأصل ويختلف عنه تارة كما في صورة النقض، والمستدل إن لم يبين أنَّ الفرع مثل الأصل دون صورة النقض فلم يكن إلحاقه بالأصل في ثبوت الحكم أولى من إلحاقه بصورة النقض في انتفائه؛ لأنَّ الوصف موجود في الصور الثلاث وقد اقترن به الحكم في الواحدة دون الأخرى وشككنا في الصورة الثالثة. وهذا كما لو اشترك ثلاثة في القتل: فقتل الأولياء واحداً ولم يقتلوا آخر إمَّا لبذل الدية وإمَّا لإحسان كان له عندهم، والثالث لم يعرف أهو كالمقتول أو كالمعفو عنه فإنَّا لا نلحقه بأحدهما إلَّا بدليل يبين مساواته له دون مساواته للآخر. إذا عرف هذا فالأصوليون والفقهاء متنازعون في استحلال الميتة عند الضرورة فمنهم من يقول: قد استحل المحظور مع قيام السبب الحاظر وهو ما فيها من حيث التغذية، ومنهم من يقول: الضرورة ما أزالت حكم السبب وهو التحريم إزالة اقتضاء للحظر فلم يبق في هذه الحال حاضر إذ يمتنع زوال الحظر مع وجود مقتضيه التام.

стр. 630

وفصل النزاع: أنَّه إن أريد بالسبب الحاظر: السبب التام وهو ما يستلزم الحظر فهذا يرتفع عند المخمصة فإن وجود الملزوم بدون لازمه ممتنع والحل ثابت في هذه الحال فيمتنع وجود السبب المستلزم له، وإن أريد بالسبب المقتضي للحظر لولا المعارض الراجح فلا ريب أنَّ هذا موجود حال الحظر لكن المعارض الراجح أزال اقتضاءه للحظر فلم يبق في هذه الحال مقتضياً فإذا قدر زوال المخمصة عمل السبب عمله لزوال المعارض له. وهكذا القول في كون التيمم يرفع الحدث أو لا يرفعه فإنَّه فرع على قول من يقول: إنَّه يرفع الحدث فصاحب هذا القول إذا تبين له أنَّه يرفع الحدث رفعاً مؤقتاً إلى أن يقدر على استعمال الماء ثم يعود هذا المعنى ليس بممتنع والشرع قد دل عليه فجعل التراب طهوراً والماء يكون طهوراً إذا أزال الحدث وإلَّا مع وجود الجنابة يمتنع حصول الطهارة فصاحب هذا القول إنَّما قال: إنَّه يرفع الحدث رفعاً مؤقتاً إلى أن يقدر على استعمال الماء ثم يعود وهذا ممكن ليس بممتنع والشرع قد دل عليه فجعل التراب طهوراً وإنَّما يكون طهوراً إذا أزال الحدث وإلَّا فمع بقاء الحدث لا يكون طهوراً. ومن قال: إنَّه ليس برافع ولكنه مبيح والحدث هو المانع للصلاة وأراد بذلك أنَّه مانع تام كما يكون مع وجود الماء فهذا غالط فإنَّ المانع التام مستلزم للمنع والمتيمم يجوز له الصلاة ليس بممنوع منها ووجود الملزوم بدون اللازم ممتنع. وإن أريد أنَّ سبب المنع قائم ولكن لم يعمل عمله لوجود الطهارة الشرعية الرافعة لمنعه فإذا حصلت القدرة على استعمال الماء حصل منعه في هذه الحال فهذا صحيح. وكذلك من قال: هو رافع للحدث. إن أراد بذلك أنَّه يرفعه كما يرفعه

стр. 631

الماء فلا يعود إلَّا بوجود سبب آخر كان غالطاً فإنَّه قد ثبت بالنص والإجماع: أنَّه إذا قدر على استعمال الماء استعمله وإن لم يتجدد بعد الجنابة الأولى جنابة ثانية بخلاف الماء. وإن قال: أريد برفعه أنَّه رفع منع المانع فلم يبق مانعاً إلى حين وجود الماء. فقد أصاب وليس بين القولين نزاع شرعي عملي. وعلى هذا فيقال: على كل من القولين لم يبق الحدث مانعاً مع وجود طهارة التيمم والنبي ﷺ قد جعل التراب طهوراً كما جعل الماء طهوراً لكن جعل طهارته مقيدة إلى أن يجد الماء ولم يشترط في كونه مطهراً شرطاً آخر فالمتيمم قد صار طاهراً وارتفع منع المانع للصلاة إلى أن يجد الماء فما لم يجد الماء فالمنع زائل إذا لم يتجدد سبب آخر يوجب الطهارة كما يوجب طهارة الماء وحينئذ فيكون طهوراً قبل الوقت وبعد الوقت وفي الوقت كما كان الماء طهوراً في هذه الأحوال الثلاثة، وليس بين هذا فرق مؤثر إلَّا إذا قدر على استعمال الماء فمن أبطله بخروج الوقت فقد خالف موجب الدليل. وأيضاً فالنبي ﷺ جعل ذلك رخصة عامة لأمته. ولم يفصل بين أن يقصد التيمم بفرض أو نفل أو تلك الصلاة أو غيرها كما لم يفصل في ذلك في الوضوء فيجب التسوية بينهما والوضوء قبل الوقت فيه نزاع لكن النزاع في التيمم أشهر. وإذا دلت السنة الصحيحة على جواز أحد الطهورين قبل الوقت فكذلك الآخر كلاهما متطهر فعل ما أمر الله به؛ ولهذا جاز عند عامة العلماء اقتداء المتوضئ والمغتسل بالمتيمم كما فعل عمرو بن العاص وأقره النبي صلى الله تعالى عليه وسلم، وكما فعل ابن عباس حيث وطئ جارية له ثم صلى بأصحابه بالتيمم،

стр. 632

وهو مذهب الأئمة الأربعة ومذهب أبي يوسف وغيره. لكن محمد بن الحسن لم يجوز ذلك؛ لنقص حال المتيمم. وأيضاً كان دخول الوقت وخروجه من غير تجدد سبب حادث لا تأثير له في بطلان الطهارة الواجبة إذ كان حال المتطهر قبل دخول الوقت وبعده سواء. والشارع حكيم إنَّما يثبت الأحكام ويبطلها بأسباب تناسبها فكما لا يبطل الطهارة بالأمكنة لا يبطل بالأزمنة وغيرها من الأوصاف التي لا تأثير لها في الشرع. فإن قيل: هذا ينتقض بطهارة الماسح على الخفين وطهارة المستحاضة وذوي الأحداث الدائمة. قيل: أمَّا طهارة الماسح على الخفين فليست واجبة بل هو مخير بين المسح وبين الخلع والغسل؛ ولهذا وقتها الشارع ولم يوقتها لدخول وقت صلاة ولا خروجها ولكن لما كانت رخصة ليست بعزيمة حد لها وقتاً محدوداً في الزمن ثلاثاً للمسافر ويوماً وليلة للمقيم؛ ولهذا لم يجز المسح في الطهارة الكبرى ولهذا لما كانت طهارة المسح على الجبيرة عزيمة لم تتوقت بل يمسح عليها إلى أن يحلها ويمسح في الطهارتين الصغرى والكبرى كما يتيمم عن الحدثين الأصغر والأكبر فإلحاق التيمم بالمسح على الجبيرة أولى من إلحاقه بالمسح على الخفين. وأمَّا ذوو الأحداث الدائمة: كالمستحاضة فأولئك وجد في حقهم السبب الموجب للحدث وهو خروج الخارج النجس من السبيلين ولكن لأجل الضرورة رخص لهم الشارع في الصلاة معه فجاز أن تكون الرخصة مؤقتة؛ ولهذا لو تطهرت المستحاضة ولم يخرج منها شيء لم تنتقض طهارتها بخروج الوقت وإنَّما تنتقض إذا خرج الخارج في الوقت فإنَّها تصلي به إلى أن يخرج الوقت ثم لا تصلي

стр. 633

لوجود الناقض للطهارة بخلاف المتيمم فإنَّه لم يوجد بعد تيممه ما ينقض طهارته. والتيمم كالوضوء فلا يبطل تيممه إلَّا ما يبطل الوضوء ما لم يقدر على استعمال الماء وهذا بناء على قولنا وقول من وافقنا على التوقيت في مسح الخفين وعلى انتقاض الوضوء بطهارة المستحاضة فإنَّ هذا مذهب الثلاثة: أبي حنيفة والشافعي وأحمد. وأمَّا من لم ينقض الطهارة بهذا أو لم يوقت هذا كمالك فإنَّه لا يصلح لمن قال بهذا القول المعارضة بهذا وهذا؛ فإنَّه لا يتوقت عنده لا هذا ولا هذا فالتيمم أولى أن لا يتوقت. وقول القائل: إنَّ القائم إلى الصلاة مأمور بإحدى الطهارتين. قيل: نعم يجب عليه لكن إذا كان قد تطهر قبل ذلك فقد أحسن وأتى بالواجب قبل هذا كما لو توضأ قبل هذا فإنَّ كونه على طهارة قبل الوقت إلى حين الوقت أحسن من أن يبقى محدثاً وكذلك المتيمم إذا كان قد أحسن بتقديم طهارته لكونه على طهارة قبل الوقت أحسن من كونه على غير طهارة وقد ثبت بالكتاب والسنة أنَّها طهارة حتى ثبت في الصحيح أنَّ النبي ﷺ سلم عليه رجل فلم يرد عليه حتى تيمم ورد عليه¬ السلام وقال: "كرهت أن أذكر الله إلا على طهر". وإذا كان تطهر قبل الوقت كان قد أحسن وأتى بأفضل مما وجب عليه وكان كالمتطهر للصلاة قبل وقتها وكمن أدى أكثر من الواجب في الزكاة وغيرها وكمن زاد على الواجب في الركوع والسجود وهذا كله حسن إذا لم يكن محظوراً كزيادة ركعة خامسة في الصلاة. والتيمم مع عدم الماء حسن ليس بمحرم ولهذا يجوز قبل الوقت للنافلة ولمس المصحف وقراءة القرآن وما ذكر من الأثر عن بعض الصحابة فبعضه ضعيف وبعضه معارض بقول غيره ولا إجماع في المسألة.

стр. 634

وقد قال تعالى: ﴿فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلًا (٥٩)﴾ [النساء: ٥٩]» اهـ. قلت: ولشيخ الإسلام احتجاج حسن على عدم وجوب التيمم لكل صلاة فقال ﵀ كما في [مجموع الفتاوى] (٢١/ ٣٧٤): «أحدها: أنَّه سبحانه قال: ﴿وَإِنْ كُنْتُمْ مَرْضَى أَوْ عَلَى سَفَرٍ أَوْ جَاءَ أَحَدٌ مِنْكُمْ مِنَ الْغَائِطِ أَوْ لَامَسْتُمُ النِّسَاءَ فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا صَعِيدًا طَيِّبًا (٤٣)﴾ فقد أمر من جاء من الغائط ولم يجد الماء: أن يتيمم الصعيد الطيب. فدل على أنَّ المجيء من الغائط يوجب التيمم. فلو كان الوضوء واجباً على من جاء من الغائط ومن لم يجئ فإنَّ التيمم أولى بالوجوب. فإنَّ كثيراً من الفقهاء يوجبون التيمم لكل صلاة. وعلى هذا فلا تأثير للمجيء من الغائط. فإنَّه إذا قام إلى الصلاة وجب الوضوء أو التيمم وإن لم يجئ من الغائط. ولو جاء من الغائط ولم يقم إلى الصلاة: لا يجب عليه وضوء ولا تيمم فيكون ذكر المجيء من الغائط عبثاً على قول هؤلاء» اهـ. ٣ - وقوله: «عَلَيْكَ بِالصَّعِيدِ، فَإِنَّهُ يَكْفِيكَ» احتج به وبقول الله : ﴿فَتَيَمَّمُوا صَعِيدًا طَيِّبًا﴾. من أجاز التيمم بكل ما على الأرض. قال شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ كما في [مجموع الفتاوى] (٢١/ ٣٦٤ - ٣٦٦): «فصل: وأمَّا الصعيد: ففيه أقوال فقيل: يجوز التيمم بكل ما كان من جنس الأرض وإن لم يعلق بيده؛ كالزرنيخ والنور والجص وكالصخرة الملساء، فأمَّا ما لم يكن من جنسها كالمعادن فلا يجوز التيمم به. وهو قول أبي حنيفة. ومحمد يوافقه؛ لكن بشرط أن يكون مغبراً لقوله: "منه". وقيل يجوز بالأرض وبما

стр. 635

اتصل بها حتى بالشجر كما يجوز عنده وعند أبي حنيفة بالحجر والمدر وهو قول مالك وله في الثلج روايتان: إحداهما: يجوز التيمم به وهو قول الأوزاعي والثوري. وقيل يجوز بالتراب والرمل وهو أحد قولي أبي يوسف وأحمد في إحدى الروايتين وروي عنه أنَّه يجوز بالرمل عند عدم التراب. وقيل: لا يجوز إلَّا بتراب طاهر له غبار يعلق باليد وهو قول أبي يوسف والشافعي وأحمد في الرواية الأخرى. واحتج هؤلاء بقوله: ﴿فَامْسَحُوا بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكُمْ مِنْهُ (٦)﴾ [المائدة: ٦] وهذا لا يكون إلَّا فيما يعلق بالوجه واليد والصخر لا يعلق لا بالوجه ولا باليد. واحتجوا بأنَّ ابن عباس قال: الصعيد الطيب تراب الحرث. واحتجوا بقول النبي ﷺ : "جعلت لي الأرض مسجداً وجعلت تربتها طهوراً" قالوا: فعم الأرض بحكم المسجد وخص تربتها - وهو ترابها - بحكم الطهارة. قالوا: ولأنَّ الطهارة بالماء اختصت من بين سائر المائعات بما هو ماء في الأصل فكذلك طهارة التراب تختص بما هو تراب في الأصل وهما الأصلان اللذان خلق منهما آدم: الماء، والتراب. وهما العنصران البسيطان بخلاف بقية المائعات والجامدات فإنَّها مركبة. واحتج الأولون بقوله تعالى: ﴿صَعِيدًا﴾. قالوا: والصعيد هو الصاعد على وجه الأرض وهذا يعم كل صاعد بدليل قوله تعالى: ﴿وَإِنَّا لَجَاعِلُونَ مَا عَلَيْهَا صَعِيدًا جُرُزًا (٨)﴾ [الكهف: ٨]، وقوله: ﴿فَتُصْبِحَ صَعِيدًا زَلَقًا (٤٠)﴾ [الكهف:
следующие страницы →