Полный текст (8 095 стр.). Показаны 5706–5745 · переход к 5711.
стр. 5706
وأمَّا من يرى من أهل العلم أنَّ الزنا ينشر الحرمة في الصهر، فتكون هذه البنت بين احتمالين، الأول: أنَّها ابنته، والآخر: أنَّها ربيبته إن كان قد دخل بأمها، وكلاهما محرمان على التأبيد. والله أعلم.
قَالَ الْعَلَّامَةُ ابْنُ قُدَامَةَ ﵀ فِي [الْكَافِي] (٣/ ٢٦): «وتحرم المنفية باللعان لأنَّها ربيبته ولاحتمال أنَّها ابنته» اهـ.
قُلْتُ: وقد اختلف في هذه المسألة علماء الشافعية، قَالَ الْعَلَّامَةُ أَبُو إِسْحَاقَ الشِّيرَازِيُّ ﵀ فِي [الْمُهَذَّبِ] (٢/ ٤٣):
«واختلف أصحابنا في المنفية باللعان فمنهم من قال: يجوز للملاعن نكاحها لأنَّها منفية عنه فهي كالبنت من الزنا، ومنهم من قال: لا يجوز للملاعن نكاحها لأنَّها غير منفية عنه قطعاً ولهذا لو أقر بها ثبت النسب» اهـ.
وَقَالَ الْعَلَّامَةُ الْنَوَوِي ﵀ فِي [رَوْضَةِ الطَّالِبِيْنَ] (٧/ ١٠٩):
«والبنت التي نفاها باللعان تحرم عليه إن كان دخل بأمها وكذا إن لم يدخل بها على الأصح» اهـ.
وَقَالَ شَيْخُ الْإِسْلَامِ ابْنُ تَيْمِيَّةَ ﵀ كَمَا فِي [مَجْمُوْعِ الْفَتَاوَى] (٣٢/ ١٣٩):
стр. 5707
«وبنت الملاعنة لا تباح للملاعن عند عامة العلماء؛ وليس فيه إلَّا نزاع شاذ؛ مع أنَّ نسبها ينقطع من أبيها ولكن لو استلحقها للحقته وهما لا يتوارثان باتفاق الأئمة» اهـ.
وأمَّا تحريم أزواج النبي ﷺ ، فلقوله تعالى: ﴿وَمَا كَانَ لَكُمْ أَنْ تُؤْذُوا رَسُولَ اللَّهِ وَلَا أَنْ تَنْكِحُوا أَزْوَاجَهُ مِنْ بَعْدِهِ أَبَدًا إِنَّ ذَلِكُمْ كَانَ عِنْدَ اللَّهِ عَظِيمًا﴾ [الأحزاب: ٥٣].
وقال الله تعالى: ﴿النَّبِيُّ أَوْلَى بِالْمُؤْمِنِينَ مِنْ أَنْفُسِهِمْ وَأَزْوَاجُهُ أُمَّهَاتُهُمْ﴾ [الأحزاب: ٦].
وأمَّا المحرمات على التوقيت فهنَّ: أخت الزوجة وعمتها وخالتها، وزواج الخامسة، والمشركة، والزانية، والمتزوجة ما عدا المسبية، والمعتدة من غيره، أو المستبرأة من غيره قبل استبرائها، والمحرمة، والأمة في حق القادر على نكاح الحرة، أو من لم يخش على نفسه العنت.
قُلْتُ: أمَّا تحريم الجمع بين المرأة وأختها فلقول الله تعالى: ﴿وَأَنْ تَجْمَعُوا بَيْنَ الْأُخْتَيْنِ إِلَّا مَا قَدْ سَلَفَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ غَفُورًا رَحِيمًا﴾ [النساء: ٢٣].
قَالَ الْعَلَّامَةُ ابْنُ قُدَامَةَ ﵀ فِي [الْمُغْنِي] (١٥/ ١٠٣):
стр. 5708
«والمذكور في الكتاب الجمع بين الأختين سواء كانتا من نسب أو رضاع، حرتين كانتا أو أمتين أو حرة وأمة، من أبوين كانتا أو من أب أو أم، وسواء في هذا ما قبل الدخول أو بعده، لعموم الآية» اهـ.
وأمَّا الجمع بين المرأة وعمتها، أو خالتها، فلما رواه البخاري (٥١٠٩)، ومسلم (١٤٠٨) عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: «لَا يُجْمَعُ بَيْنَ المَرْأَةِ وَعَمَّتِهَا، وَلَا بَيْنَ المَرْأَةِ وَخَالَتِهَا».
وليس في هذه المسألة نزاع بين أهل العلم، ونازع في ذلك من لا يلتفت لقوله كالروافض وغيرهم.
ويدخل في العمات والخالات القريبات منهن والبعيدات كعمة الأب والجد وخالتهما مهما ارتفعتا، وهكذا خالة الأم وعمتها، وخالة الجدة وعمتها مهما ارتفعت.
وَقَالَ شَيْخُ الْإِسْلَامِ ابْنُ تَيْمِيَّةَ ﵀ كَمَا فِي [مَجْمُوْعِ الْفَتَاوَى] (٣٢/ ٦٩):
«و"الضابط" في هذا: أنَّ كل امرأتين بينهما رحم محرم فإنَّه يحرم الجمع بينهما بحيث لو كانت إحداهما ذكراً لم يجز له التزوج بالأخرى؛ لأجل النسب» اهـ.
стр. 5709
قُلْتُ: وَقَوْلُهُ: «لأجل النسب». لإخراج ما كان من جهة الصهر كالجمع بين المرأة وبنت زوجها السابق.
قَالَ شَيْخُ الْإِسْلَامِ ابْنُ تَيْمِيَّةَ ﵀ كَمَا فِي [مَجْمُوْعِ الْفَتَاوَى] (٣٢/ ٧٢): «فإنَّ هاتين المرأتين وإن كانت إحداهما تحرم على الأخرى فذاك تحريم بالمصاهرة لا بالرحم؛ والمعنى إنَّما كان بتحريم قطيعة الرحم؛ فلم يدخل في آية التحريم لا لفظاً ولا معنى» اهـ.
ويدخل في ذلك الجمع إذا كان عن طريق التسري.
قَالَ شَيْخُ الْإِسْلَامِ ابْنُ تَيْمِيَّةَ ﵀ كَمَا فِي [مَجْمُوْعِ الْفَتَاوَى] (٣٢/ ٧١ - ٧٢):
«بخلاف الجمع بين الأختين؛ فإنَّه إنَّما كان دفعاً لقطيعة الرحم بينهما وهذا المعنى موجود بين المملوكتين كما يوجد في الزوجتين، فإذا جمع بينهما بالتسري حصل بينهما من التغاير ما يحصل إذا جمع بينهما في النكاح فيفضي إلى قطيعة الرحم. ولما كان هذا المعنى هو المؤثر في الشرع جاز له أن يجمع بين المرأتين إذا كان بينهما حرمة بلا نسب أو نسب بلا حرمة. فالأول مثل أن يجمع بين المرأة وابنة زوجها. كما جمع عبد الله بن جعفر لما مات علي بن أبي طالب بين امرأة علي وابنته. وهذا
стр. 5710
يباح عند أكثر العلماء الأئمة الأربعة وغيرهم. فإنَّ هاتين المرأتين وإن كانت إحداهما تحرم على الأخرى فذاك تحريم بالمصاهرة لا بالرحم؛ والمعنى إنَّما كان بتحريم قطيعة الرحم؛ فلم يدخل في آية التحريم لا لفظاً ولا معنى. وأمَّا إذا كان بينهما رحم غير محرم: مثل بنت العم والخال: فيجوز الجمع بينهما؛ لكن هل يكره؟ فيه قولان: هما روايتان عن أحمد؛ لأنَّ بينهما رحماً غير محرم» اهـ.
وَقَالَ ﵀ قَبْلَ ذَلِكَ (٣٢/ ٦٩): «فمن حرم جمعهما في النكاح حرم جمعهما في التسري فليس له أن يتسرى الأختين ولا الأمة وعمتها؛ والأمة وخالتها. وهذا هو الذي استقر عليه قول أكثر الصحابة؛ وهو قول أكثر العلماء» اهـ.
قُلْتُ: وخالفت الظاهرية فأجازت الجمع بين الأختين بملك اليمين.
قَالَ الْإِمَامُ الشَّافِعِيُّ ﵀ فِي [الْأُمِّ] (٥/ ٣ - ٤):
«وَلَوْ كَانَ لِرَجُلٍ جَارِيَةٌ يَطَؤُهَا فَأَرَادَ وَطْءَ أُخْتِهَا لَمْ يَجُزْ لَهُ وَطْءُ الَّتِي أَرَادَ أَنْ يَطَأَ حَتَّى يَحْرُمَ عَلَيْهِ فَرْجُ الَّتِي كَانَ يَطَأُ بِنِكَاحٍ أَوْ كِتَابَةٍ أَوْ خُرُوجٍ مِنْ مِلْكِهِ، فَإِذَا فَعَلَ بَعْضَ هَذَا ثُمَّ وَطِئَ الْأُخْتَ ثُمَّ عَجَزَتْ الْمُكَاتَبَةُ أَوْ رُدَّتْ الْمَنْكُوحَةُ كَانَتْ الَّتِي أُبِيحَ لَهُ فَرْجُهَا أَوَّلًا ثُمَّ حَرُمَتْ عَلَيْهِ غَيْرَ حَلَالٍ لَهُ حَتَّى يَحْرُمَ فَرْجُ الَّتِي وَطِئَ
стр. 5711
بَعْدَهَا كَمَا حَرُمَ فَرْجُهَا قَبْلَ أَنْ يَطَأَ أُخْتَهَا ثُمَّ هَكَذَا أَبَدًا، وَسَوَاءٌ وَلَدَتْ لَهُ الَّتِي وَطِئَ أَوَّلًا وَآخِرًا أَوْ لَمْ تَلِدْ لِأَنَّهُ فِي كِلْتَا الْحَالَتَيْنِ إنَّمَا يَطَؤُهَا بِمِلْكِ الْيَمِينِ» اهـ.
قُلْتُ: أمَّا الجمع بينهما من غير وطء فيجوز.
قَالَ شَيْخُ الْإِسْلَامِ ابْنُ تَيْمِيَّةَ ﵀ كَمَا فِي [مَجْمُوْعِ الْفَتَاوَى] (٣٢/ ٦٩): «ويجوز له أن يملكهما؛ لكن ليس له أن يتسراهما» اهـ.
وَقَالَ الْعَلَّامَةُ الْقُرْطُبِيُّ ﵀ فِي [تَفْسِيْرِهِ] (٥/ ١١٧):
«وَلَا خِلَافَ فِي جَوَازِ جَمْعِهِمَا فِي الْمِلْكِ، وَكَذَلِكَ الْأُمُّ وَابْنَتُهَا» اهـ.
وأجاز الشافعي لمن وطئ جارية بملك اليمين أن يتزوج أختها لكن لا يستمر بعد ذلك في وطء الجارية.
قَالَ الْحَافِظُ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِ ﵀ فِي [الْاسْتِذْكَارِ] (٥/ ٤٨٩):
«وقال الأوزاعي إذا وطئ جَارِيَةً لَهُ بِمِلْكِ الْيَمِينِ لَمْ يَجُزْ لَهُ أَنْ يَتَزَوَّجَ أُخْتَهَا
وَقَالَ الشَّافِعِيُّ مِلْكُ الْيَمِينِ لَا يَمْنَعُ نِكَاحَ الْأُخْتِ» اهـ.
قَالَ الْإِمَامُ الشَّافِعِيُّ ﵀ فِي [الْأُمِّ] (٥/ ٤):
«فَلَوْ كَانَتْ لِرَجُلٍ جَارِيَةٌ يَطَؤُهَا فَوَلَدَتْ لَهُ أَوْ لَمْ تَلِدْ حَتَّى يَنْكِحَ أُخْتَهَا كَانَ النِّكَاحُ ثَابِتًا وَحَرُمَ عَلَيْهِ فَرْجُ الْأُخْتِ بِالْوَطْءِ مَا كَانَتْ أُخْتُهَا زَوْجَةً لَهُ، وَأَحَبُّ إلَيَّ لَوْ حَرَّمَ
стр. 5712
فَرْجَ أُخْتَهَا الْمَمْلُوكَةِ حِينَ يَعْقِدُ نِكَاحَ أُخْتِهَا بِالنِّكَاحِ أَوْ قَبْلَهُ بِكِتَابَةٍ أَوْ عِتْقٍ أَوْ أَنْ يُزَوِّجَهَا وَإِنْ لَمْ يَفْعَلْ لَمْ أُجْبِرْهُ عَلَى ذَلِكَ وَلَا عَلَى بَيْعِهَا وَنَهَيْته عَنْ وَطْئِهَا كَمَا لَا أُجْبِرُهُ عَلَى بَيْعِ جَارِيَةٍ لَهُ وَطِئَ ابْنَتَهَا وَأَنْهَاهُ عَنْ وَطْئِهَا.
وَلَوْ كَانَتْ عِنْدَهُ أَمَةٌ زَوْجَةٌ فَتَزَوَّجَ أُخْتَهَا حُرَّةً كَانَ نِكَاحُ الْآخِرَةِ مَفْسُوخًا.
فَإِنْ قَالَ قَائِلٌ: مَا الْفَرْقُ بَيْنَ الْوَطْءِ بِالْمِلْكِ وَالنِّكَاحِ؟ قِيلَ لَهُ النِّكَاحُ يُثْبِتُ لِلرَّجُلِ حَقًّا عَلَى الْمَرْأَةِ وَلِلْمَرْأَةِ حَقًّا عَلَى الرَّجُلِ وَمِلْكُ عُقْدَةِ النِّكَاحِ يَقُومُ فِي تَحْرِيمِ الْجَمْعِ بَيْنَ الْأُخْتَيْنِ مَقَامَ الْوَطْءِ فِي الْأَمَتَيْنِ» اهـ.
وَقَالَ الْعَلَّامَةُ الْجُوَيْنِيُّ ﵀ فِي [نِهَايَةِ الْمَطْلَبِ فِي دِرَايَةِ الْمَذْهَبِ] (١٢/ ٢٣٥):
«إذا وطئ جارية بملك اليمين، ثم نكح أختها الحرة، انعقد النكاح عليها، وحلّت المنكوحة، وحرمت الموطوءة بملك اليمين؛ وذلك لقوة النكاح وسلطانه فيما يتعلق بإحلال البضع، وإذا انعقد النكاح، فمن ضرورة انعقاده إفادته للحل، وهذا معنى قول الأصحاب: النكاح أقوى من الوطء بملك اليمين؛ فإن الحكم للنكاح، سابقاً كان أو مسبوقاً» اهـ.
وَقَالَ الْعَلَّامَةُ ابْنُ قُدَامَةَ ﵀ فِي [الْمُغْنِي] (٧/ ١٢٧):
стр. 5713
«فَصْلٌ: وَإِنْ وَطِئَ أَمَتَهُ، ثُمَّ أَرَادَ نِكَاحَ أُخْتِهَا، فَقَدْ سُئِلَ أَحْمَدُ عَنْ هَذَا، فَقَالَ: لَا يَجْمَعُ بَيْن الْأُخْتَيْنِ الْأَمَتَيْنِ. فَيَحْتَمِلُ أَنَّهُ أَرَادَ أَنَّ النِّكَاحَ لَا يَصِحُّ. وَهِيَ إحْدَى الرِّوَايَاتِ عَنْ مَالِكٍ. قَالَ الْقَاضِي: هُوَ ظَاهِرُ كَلَامِ أَحْمَدَ؛ لِأَنَّ النِّكَاحَ تَصِيرُ بِهِ الْمَرْأَةُ فِرَاشًا، فَلَمْ يَجُزْ أَنْ تَرِدَ عَلَى فِرَاشِ الْأُخْتِ، كَالْوَطْءِ، وَلِأَنَّهُ فَعَلَ فِي الْأُخْتِ مَا يُنَافِي إبَاحَةَ أُخْتِهَا الْمُفْتَرَشَةِ، فَلَمْ يَجُزْ، كَالْوَطْءِ. وَيَحْتَمِلُ أَنْ يَصِحَّ النِّكَاحُ، وَلَا تُبَاحُ الْمَنْكُوحَةُ حَتَّى تُحَرَّمَ أُخْتُهَا. وَهُوَ مَذْهَبُ أَبِي حَنِيفَةَ.
قَالَ أَبُو الْخَطَّابِ: وَهُوَ ظَاهِرُ كَلَامِ أَحْمَدَ؛ لِأَنَّهُ سَبَبٌ يُسْتَبَاحُ بِهِ الْوَطْءُ، فَجَازَ أَنْ يَرِدَ عَلَى وَطْءِ الْأُخْتِ، وَلَا يُبِيحُ كَالشِّرَاءِ. وَقَالَ الشَّافِعِيُّ: يَصِحُّ النِّكَاحُ، وَتَحِلُّ لَهُ الْمَنْكُوحَةُ، وَتُحَرَّمُ أُخْتُهَا؛ لِأَنَّ النِّكَاحَ أَقْوَى مِنْ الْوَطْءِ بِمِلْكِ الْيَمِينِ فَإِذَا اجْتَمَعَا وَجَبَ تَقْدِيمُ الْأَقْوَى. وَوَجْهُ الْأَوَّلِ مَا ذَكَرْنَا، وَلِأَنَّ وَطْءَ مَمْلُوكَتِهِ مَعْنًى يُحَرِّمُ أُخْتَهَا لِعِلَّةِ الْجَمْعِ، فَمَنَعَ صِحَّةَ نِكَاحِهَا كَالزَّوْجِيَّةِ، وَيُفَارِقُ الشِّرَاءَ، فَإِنَّهُ لَا يُقْصَدُ بِهِ الْوَطْءُ، وَلِهَذَا صَحَّ شِرَاءُ الْأُخْتَيْنِ، وَمَنْ لَا يَحِلُّ لَهُ.
وَقَوْلُهُمْ: النِّكَاحُ أَقْوَى مِنْ الْوَطْءِ بِمِلْكِ الْيَمِينِ. مَمْنُوعٌ. وَإِنْ سُلِّمَ، فَالْوَطْءُ أَسْبَقُ، فَيُقَدَّمُ وَيَمْنَعُ صِحَّةَ مَا يَطْرَأُ عَلَيْهِ مِمَّا يُنَافِيه، كَالْعِدَّةِ تَمْنَعُ ابْتِدَاءَ نِكَاحِ الْأُخْتِ،
стр. 5714
وَكَذَلِكَ وَطْءُ الْأَمَةِ يُحَرِّمُ نِكَاحَ ابْنَتِهَا وَأُمِّهَا، وَلِأَنَّ هَذَا بِمَنْزِلَةِ نِكَاحِ الْأُخْتِ فِي عِدَّةِ أُخْتِهَا، لِكَوْنِهِ لَمْ يَسْتَبْرِئْ الْمَوْطُوءَةَ» اهـ.
قُلْتُ: الأظهر أنَّه لا يحل له أن ينكح أختها حتى يحرمها على نفسه بالفعل كأن يعتقها أو يزوجها أو يهبها.
وإذا طلق المرأة طلاقاً بائناً فهل له أن يتزوج بأختها في أثناء عدة من طلقها؟
في ذلك نزاع بين العلماء في الصحابة ومن بعدهم، وذهب أحمد إلى المنع في الطلاق البائن والفسخ، وخالفه جمهور الفقهاء فأجازوا ذلك وهو الصحيح لأنَّ النكاح زال بالكلية فلا معنى للمنع.
وهل يدخل في ذلك الجمع إذا كان عن طريق الرضاع في ذلك نزاع بين أهل العلم، والأكثر على دخوله ومنهم من حكى الإجماع على تحريمه.
وقد خالف في ذلك شيخ الإسلام ابن تيمية وتلميذه العلامة ابن القيم رحمهما الله تعالى.
قَالَ الْعَلَّامَةُ ابْنُ الْقَيِّمِ ﵀ فِي [زَادِ الْمَعَادِ] (٥/ ٥٥٨ - ٥٥٩):
«والله تعالى إنَّما حرم الجمع بين الأختين، وبين المرأة وعمتها، وبينها وبين خالتها، لئلا يفضى إلى قطيعة الرحم المحرمة. ومعلوم أنَّ الأختين من الرضاع ليس بينهما
стр. 5715
رحم محرمة في غير النكاح، ولا ترتب على ما بينهما من أخوة الرضاع حكم قط غير تحريم أحدهما على الآخر، فلا يعتق عليه بالملك، ولا يرثه، ولا يستحق النفقة عليه، ولا يثبت له عليه ولاية النكاح ولا الموت، ولا يعقل عنه، ولا يدخل في الوصية والوقف على أقاربه وذوى رحمه، ولا يحرم التفريق بين الأم وولدها الصغير من الرضاعة، ويحرم من النسب، والتفريق بينهما في الملك كالجمع بينهما في النكاح سواء، ولو ملك شيئاً من المحرمات بالرضاع، لم يعتق عليه بالملك، وإذا حرمت على الرجل أمه وبنته وأخته وعمته وخالته من الرضاعة، لم يلزم أن يحرم عليه أم امرأته التي أرضعت امرأته، فإنَّه لا نسب بينه وبينها، ولا مصاهرة، ولا رضاع، والرضاعة إذا جعلت كالنسب في حكم لا يلزم أن تكون مثله في كل حكم، بل ما افترقا فيه من الأحكام أضعاف ما اجتمعا فيه منها، وقد ثبت جواز الجمع بين اللتين بينهما مصاهرة محرمة، كما جمع عبد الله بن جعفر بين امرأة على وابنته من غيرها. وإن كان بينهما تحريم يمنع جواز نكاح أحدها للآخر لو كان ذكراً، فهذا نظير الأختين من الرضاعة سواء، لأنَّ سبب تحريم النكاح بينهما في أنفسهما، ليس بينهما وبين الأجنبي منهما الذى لا رضاع بينه وبينهما ولا صهر، وهذا مذهب الأئمة الأربعة وغيرهم. واحتج أحمد بأنَّ عبد الله بن جعفر جمع بين
стр. 5716
امرأة على وابنته، ولم ينكر ذلك أحد، قال البخاري: وجمع الحسن بن الحسن بن على، بين بنتي عم في ليلة، وجمع عبد الله بن جعفر بين امرأة على وابنته، وقال ابن شبرمة: لا بأس به، وكرهه الحسن مرة ثم قال: لا بأس به. وكرهه جابر بن زيد للقطيعة، وليس فيه تحريم، لقوله : ﴿وَأُحِلَّ لَكُمْ مَا وَرَاءَ ذلِكُم﴾ هذا كلام البخاري.
وبالجملة: فثبوت أحكام النسب من وجه لا يستلزم ثبوتها من كل وجه، أو من وجه آخر، فهؤلاء نساء النبي ﷺ هن أمهات المؤمنين في التحريم والحرمة فقط، لا في المحرمية، فليس لأحد أن يخلو بهن ولا ينظر إليهن، بل قد أمرهن الله بالاحتجاب عمن حرم عليه نكاحهن من غير أقاربهن، ومن بينهن وبينه رضاع، فقال تعالى: ﴿وَإِذَا سَأَلْتُمُوهُنَّ مَتَاعاً فَاسْألُوهُنَّ مِنْ وراءِ حِجَابٍ﴾ ثم هذا الحكم لا يتعدى إلى أقاربهن البتة، فليس بناتهن أخوات المؤمنين يحرمن على رجالهم، ولا بنوهن إخوة لهم يحرم عليهن بناتهن، ولا أخواتهن وإخوتهن خالات وأخوالا، بل هن حلال للمسلمين باتفاق المسلمين» اهـ.
وَقَالَ الْعَلَّامَةُ الْمَرْدَاوِي ﵀ فِي [الْإِنْصَافِ] (٨/ ١٢٢):
стр. 5717
«الثَّانِيَةُ: قَوْلُهُ (فَيَحْرُمُ الْجَمْعُ بَيْنَ الْأُخْتَيْنِ وَبَيْنَ الْمَرْأَةِ وَعَمَّتِهَا، أَوْ خَالَتِهَا). بِلَا نِزَاعٍ. وَسَوَاءٌ كَانَتْ الْعَمَّةُ وَالْخَالَةُ حَقِيقَةً أَوْ مَجَازًا. كَعَمَّاتِ آبَائِهَا. وَخَالَاتِهِمْ، وَعَمَّاتِ أُمَّهَاتِهَا وَخَالَاتِهِنَّ. وَإِنْ عَلَتْ دَرَجَتُهُنَّ، وَلَوْ رَضِيَتَا، مِنْ نَسَبٍ أَوْ رَضَاعٍ. وَخَالَفَ الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ ﵀ فِي الرَّضَاعِ. فَلَمْ يُحَرِّمْ الْجَمْعَ مَعَ الرَّضَاعِ» اهـ.
قُلْتُ: هنالك من ادعى الإجماع على حرمة الجمع بين الأختين من الرضاع.
قَالَ فِي [طَرْحِ الْتَثْرِيْبِ] (٧/ ٣٢):
«(الْخَامِسَةُ) فِي مَعْنَى عَمَّةِ النَّسَبِ وَخَالَتِهِ عَمَّةِ الرَّضَاعِ وَخَالَتُهُ لِقَوْلِهِ ﵊ "يَحْرُمُ مِنْ الرَّضَاعَةِ مَا يَحْرُمُ مِنْ النَّسَبِ" وَهَذَا مُجْمَعٌ عَلَيْهِ أَيْضًا، وَقَدْ ضَبَطَ الْفُقَهَاءُ مِنْ أَصْحَابِنَا وَغَيْرِهِمْ ذَلِكَ بِقَوْلِهِمْ: يَحْرُمُ الْجَمْعُ بَيْنَ كُلِّ امْرَأَتَيْنِ بَيْنَهُمَا قَرَابَةٌ أَوْ رَضَاعٌ لَوْ كَانَتْ إحْدَاهُمَا ذَكَرًا لَحَرُمَتْ الْمُنَاكَحَةُ بَيْنَهُمَا وَقَصَدُوا بِقَيْدِ الْقَرَابَةِ وَالرَّضَاعِ الِاحْتِرَازَ عَنْ الْجَمْعِ بَيْنَ الْمَرْأَةِ وَأُمِّ زَوْجِهَا وَبِنْتِ زَوْجِهَا فَإِنَّ هَذَا الْجَمْعَ غَيْرُ مُحَرَّمٍ، وَإِنْ كَانَ يَحْرُمُ الْجَمْعُ بَيْنَهُمَا لَوْ كَانَ أَحَدُهُمَا ذَكَرًا لَكِنَّهُ لَيْسَ بِقَرَابَةٍ وَلَا رَضَاعٍ بَلْ بِمُصَاهَرَةٍ وَلَيْسَ فِيهَا رَحِمٌ يُحْذَرُ قَطْعُهَا بِخِلَافِ الرَّضَاعِ وَالْقَرَابَةِ، وَهَذَا الَّذِي ذَكَرْته مِنْ الْإِبَاحَةِ فِي هَذِهِ الصُّورَةِ هُوَ قَوْلُ الْأَئِمَّةِ الْأَرْبَعَةِ وَجُمْهُورِ
стр. 5718
السَّلَفِ، وَقَالَ ابْنُ الْمُنْذِرِ رَوَيْنَا عَنْ الْحَسَنِ الْبَصْرِيِّ وَعِكْرِمَةَ أَنَّهُمَا كَرِهَا ذَلِكَ فَأَمَّا الْحَسَنُ فَقَدْ ثَبَتَ عَنْهُ رُجُوعُهُ عَنْ هَذَا، وَأَمَّا إسْنَادُ حَدِيثِ عِكْرِمَةَ فَفِيهِ مَقَالٌ وَحَكَاهُ النَّوَوِيُّ وَالْقُرْطُبِيُّ عَنْ الْحَسَنِ وَعِكْرِمَةَ وَابْنِ أَبِي لَيْلَى وَذَكَرَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ عَنْ الشَّعْبِيِّ أَنَّهُ قَالَ: كُلُّ امْرَأَتَيْنِ إذَا جَعَلْت مَوْضِعَ إحْدَاهُمَا ذَكَرًا لَمْ يَجُزْ أَنْ تَتَزَوَّجَ بِالْأُخْرَى فَالْجَمْعُ بَيْنَهُمَا بَاطِلٌ فَقِيلَ لَهُ: عَمَّنْ هَذَا؟ فَقَالَ: عَنْ أَصْحَابِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ قَالَ سُفْيَانُ الثَّوْرِيُّ تَفْسِيرُهُ عِنْدَنَا أَنْ يَكُونَ مِنْ النَّسَبِ وَلَا يَكُونُ بِمَنْزِلَةِ امْرَأَةٍ وَابْنَةِ زَوْجِهَا يَجْمَعُ بَيْنَهُمَا إنْ شَاءَ» اهـ.
وَقَالَ الْعَلَّامَةُ ابْنُ قُدَامَةَ ﵀ فِي [الْمُغْنِي] (٧/ ١١٣):
«الضَّرْبُ الثَّانِي: تَحْرِيمُ الْجَمْعِ. وَالْمَذْكُورُ فِي الْكِتَابِ الْجَمْعُ بَيْنَ الْأُخْتَيْنِ سَوَاءٌ كَانَتَا مِنْ نَسَبٍ أَوْ رَضَاعٍ، حُرَّتَيْنِ كَانَتَا أَوْ أَمَتَيْنِ أَوْ حُرَّةً وَأَمَةً، مِنْ أَبَوَيْنِ كَانَتَا أَوْ مِنْ أَبٍ أَوْ أُمٍّ، وَسَوَاءٌ فِي هَذَا مَا قَبْلَ الدُّخُولِ أَوْ بَعْدَهُ، لِعُمُومِ الْآيَةِ. فَإِنْ تَزَوَّجَهُمَا فِي عَقْدٍ وَاحِدٍ فَسَدَ؛ لِأَنَّهُ لَا مَزِيَّةَ لِإِحْدَاهُمَا عَلَى الْأُخْرَى، وَسَوَاءٌ عَلِمَ بِذَلِكَ حَالَ الْعَقْدِ أَوْ بَعْدَهُ، فَإِنْ تَزَوَّجَ إحْدَاهُمَا بَعْدَ الْأُخْرَى فَنِكَاحُ الْأُولَى صَحِيحٌ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَحْصُلْ فِيهِ جَمْعٌ، وَنِكَاحُ الثَّانِيَةِ بَاطِلٌ؛ لِأَنَّ بِهِ يَحْصُلُ الْجَمْعُ، وَلَيْسَ فِي هَذَا - بِحَمْدِ اللَّهِ - اخْتِلَافٌ وَلَيْسَ عَلَيْهِ تَفْرِيعٌ» اهـ.
стр. 5719
قُلْتُ: وهؤلاء احتجوا بعموم الآية في النهي عن الجمع بين الأختين، وبقوله ﷺ : «يَحْرُمُ مِنَ الرَّضَاعِ مَا يَحْرُمُ مِنَ النَّسَبِ». والجمع بين الأختين من النسب محرم فهكذا الرضاع.
وهذا القول هو الصحيح باعتبار الحجة، والله أعلم.
قُلْتُ: وخلاصة القول: أنَّ تحريم الجمع يكون بين امرأتين بينهنَّ حرمة ورحم كالجمع بين المرأة وبين أختها، وبينها وبين عمتها أو خالتها، وأمَّا إذا وجدت الحرمة من غير رحم فلا يحرم الجمع، كالجمع بين المرأة وبنت زوجها من غيرها، وهكذا إذا وجد الرحم من غير حرمة فيجوز الجمع، كالجمع بين بنتي العم، أو العمة، وبنتي الخال، أو الخالة، والجمع بين بنت العم أو العمة، وبين بنت الخال أو الخالة. والرضاع ملحق بذلك.
وأمَّا تحريم الخامسة فلقول الله تعالى: ﴿فَانْكِحُوا مَا طَابَ لَكُمْ مِنَ النِّسَاءِ مَثْنَى وَثُلَاثَ وَرُبَاعَ﴾ [النساء: ٣].
وَقَالَ الْعَلَّامَةُ الْقُرْطُبِي ﵀ فِي [تَفْسِيْرِهِ] (٥/ ١٧ - ١٨):
«اعْلَمْ أَنَّ هَذَا الْعَدَدَ مَثْنَى وَثُلَاثَ وَرُبَاعَ لَا يَدُلُّ عَلَى إِبَاحَةِ تِسْعٍ، كَمَا قال مَنْ بَعُدَ فَهْمُهُ لِلْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ، وَأَعْرَضَ عَمَّا كَانَ عَلَيْهِ سَلَفُ هَذِهِ الْأُمَّةِ، وَزَعَمَ أَنَّ الْوَاوَ
стр. 5720
جَامِعَةٌ، وَعَضَّدَ ذَلِكَ بِأَنَّ النَّبِيَّ ﷺ نَكَحَ تِسْعًا، وَجَمَعَ بَيْنَهُنَّ فِي عِصْمَتِهِ. وَالَّذِي صَارَ إِلَى هَذِهِ الْجَهَالَةِ، وَقَالَ هَذِهِ الْمَقَالَةَ الرَّافِضَةُ وَبَعْضُ أَهْلِ الظَّاهِرِ، فَجَعَلُوا مَثْنَى مِثْلَ اثْنَيْنِ، وَكَذَلِكَ ثُلَاثَ وَرُبَاعَ. وَذَهَبَ بَعْضُ أَهْلِ الظَّاهِرِ أَيْضًا إِلَى أَقْبَحَ مِنْهَا، فَقَالُوا بِإِبَاحَةِ الْجَمْعِ بَيْنَ ثَمَانِ عَشْرَةَ، تَمَسُّكًا مِنْهُ بِأَنَّ الْعَدْلَ فِي تِلْكَ الصِّيَغِ يُفِيدُ التَّكْرَارَ وَالْوَاوُ لِلْجَمْعِ، فَجَعَلَ مَثْنَى بِمَعْنَى اثْنَيْنِ اثْنَيْنِ وَكَذَلِكَ ثُلَاثَ وَرُبَاعَ. وَهَذَا كُلُّهُ جَهْلٌ بِاللِّسَانِ وَالسُّنَّةِ، وَمُخَالَفَةٌ لِإِجْمَاعِ الْأُمَّةِ، إِذْ لَمْ يُسْمَعْ عَنْ أَحَدٍ مِنَ الصَّحَابَةِ وَلَا التَّابِعِينَ أَنَّهُ جَمَعَ فِي عِصْمَتِهِ أَكْثَرَ مِنْ أَرْبَعٍ».
إِلَى أَنْ قَالَ ﵀: «وَأَمَّا قَوْلُهُمْ: إِنَّ الْوَاوَ جَامِعَةٌ، فَقَدْ قِيلَ ذَلِكَ، لَكِنَّ اللَّهَ تَعَالَى خَاطَبَ الْعَرَبَ بِأَفْصَحِ اللُّغَاتِ. وَالْعَرَبُ لَا تَدَعُ أَنْ تَقُولَ تِسْعَةً وَتَقُولُ اثْنَيْنِ وَثَلَاثَةً وَأَرْبَعَةً. وَكَذَلِكَ تَسْتَقْبِحُ مِمَّنْ يَقُولُ: أَعْطِ فُلَانًا أَرْبَعَةً سِتَّةً ثَمَانِيَةً، وَلَا يَقُولُ ثَمَانِيَةَ عَشَرَ. وَإِنَّمَا الْوَاوُ فِي هَذَا الْمَوْضِعِ بَدَلٌ، أَيِ انْكِحُوا ثَلَاثًا بَدَلًا مِنْ مَثْنَى، وَرُبَاعَ بَدَلًا مِنْ ثَلَاثٍ، وَلِذَلِكَ عَطَفَ بِالْوَاوِ وَلَمْ يَعْطِفْ بِأَوْ. وَلَوْ جَاءَ بِأَوْ لَجَازَ أَلَّا يَكُونَ لِصَاحِبِ الْمَثْنَى ثُلَاثُ، وَلَا لِصَاحِبِ الثُّلَاثِ رُبَاعُ. وَأَمَّا قَوْلُهُمْ: إِنَّ مَثْنَى تَقْتَضِي اثْنَيْنِ، وَثُلَاثَ ثَلَاثَةً، وَرُبَاعَ أَرْبَعَةً، فَتَحَكُّمٌ بِمَا لَا يُوَافِقُهُمْ أَهْلُ اللِّسَانِ عَلَيْهِ، وَجَهَالَةٌ مِنْهُمْ. وَكَذَلِكَ جَهْلُ الْآخَرِينَ، بِأَنَّ مَثْنَى تَقْتَضِي اثْنَيْنِ اثْنَيْنِ،
стр. 5721
وَثُلَاثَ ثَلَاثَةً ثَلَاثَةً، وَرُبَاعَ أَرْبَعَةً أَرْبَعَةً، وَلَمْ يَعْلَمُوا أَنَّ اثْنَيْنِ اثْنَيْنِ، وَثَلَاثًا ثَلَاثًا، وَأَرْبَعًا أَرْبَعًا، حَصْرٌ لِلْعَدَدِ. وَمَثْنَى وَثُلَاثُ وَرُبَاعُ بِخِلَافِهَا. فَفِي الْعَدَدِ الْمَعْدُولِ عِنْدَ الْعَرَبِ زِيَادَةُ مَعْنَى لَيْسَتْ فِي الْأَصْلِ، وَذَلِكَ أَنَّهَا إِذَا قَالَتْ: جَاءَتِ الْخَيْلُ مَثْنَى، إِنَّمَا تَعْنِي بِذَلِكَ اثْنَيْنِ اثْنَيْنِ، أَيْ جَاءَتْ مُزْدَوِجَةً. قَالَ الْجَوْهَرِيُّ: وَكَذَلِكَ مَعْدُولُ الْعَدَدِ. وَقَالَ غَيْرُهُ: إِذَا قُلْتَ جَاءَنِي قَوْمٌ مَثْنَى أَوْ ثُلَاثَ أَوْ أُحَادَ أَوْ عُشَارَ، فَإِنَّمَا تُرِيدُ أَنَّهُمْ جَاءُوكَ وَاحِدًا وَاحِدًا، أَوِ اثْنَيْنِ اثْنَيْنِ، أَوْ ثَلَاثَةً ثَلَاثَةً، أَوْ عَشَرَةً عَشَرَةً، وَلَيْسَ هَذَا الْمَعْنَى فِي الْأَصْلِ، لِأَنَّكَ إِذَا قُلْتَ جَاءَنِي قَوْمٌ ثَلَاثَةٌ ثَلَاثَةٌ، أَوْ قَوْمٌ عَشَرَةٌ عَشَرَةٌ، فَقَدْ حَصَرْتَ عِدَّةَ الْقَوْمِ بِقَوْلِكَ ثَلَاثَةً وَعَشَرَةً. فَإِذَا قُلْتَ جَاءُونِي رُبَاعَ وَثُنَاءَ فَلَمْ تَحْصُرْ عِدَّتَهُمْ. وَإِنَّمَا تُرِيدُ أَنَّهُمْ جَاءُوكَ أَرْبَعَةً أَرْبَعَةً أَوِ اثْنَيْنِ اثْنَيْنِ. وَسَوَاءٌ كَثُرَ عَدَدُهُمْ أَوْ قَلَّ فِي هَذَا الْبَابِ، فَقَصْرُهُمْ كُلَّ صِيغَةٍ عَلَى أَقَلِّ مَا تَقْتَضِيهِ بِزَعْمِهِ تَحَكُّمٌ» اهـ.
قُلْتُ: والسنة مبينة للقرآن فقد روى مالك في [الْمُوَطَّأِ] (١٢١٨) عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، أَنَّهُ قَالَ: بَلَغَنِي، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ لِرَجُلٍ مِنْ ثَقِيفٍ أَسْلَمَ وَعِنْدَهُ عَشْرُ نِسْوَةٍ، حِينَ أَسْلَمَ الثَّقَفِيُّ: «أَمْسِكْ مِنْهُنَّ أَرْبَعًا وَفَارِقْ سَائِرَهُنَّ».
стр. 5722
قُلْتُ: هَذَا مُرْسَلٌ، وقد وصله معمر عن ابن شهاب عن سالم عن ابن عمر، أخرج ذلك أحمد (٤٦٠٩، ٤٦٣١، ٥٠٢٧، ٥٥٥٨)، والترمذي (١١٢٨)، وابن ماجه (١٩٥٣).
قُلْتُ: وهم معمر، والمحفوظ رواية مالك المرسلة.
وللحديث طريق أخرى رواها الدارقطني في [سُنَنِهِ] (٣٦٩٤)، والبيهقي ﵀ في [الْكُبْرَى] (١٣٨٢٧)
مِنْ طَرِيْقِ سَيْفِ بْنِ عُبَيْدِ اللهِ الْجَرْمِيُّ، ثنا سِرَارٌ أَبُو عُبَيْدَةَ الْعَنَزِيُّ، عَنْ أَيُّوبَ، عَنْ نَافِعٍ، وَسَالِمٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ: «أَنَّ غَيْلَانَ بْنَ سَلَمَةَ الثَّقَفِيَّ أَسْلَمَ وَعِنْدَهُ تِسْعُ نِسْوَةٍ، فَأَمَرَهُ رَسُولُ اللهِ ﷺ أَنْ يَخْتَارَ مِنْهُنَّ أَرْبَعًا».
قُلْتُ: هَذَا حَدِيْثٌ صَحِيْحٌ.
قُلْتُ: وأمَّا المشركة، فلقوله تعالى: ﴿وَلَا تَنْكِحُوا الْمُشْرِكَاتِ حَتَّى يُؤْمِنَّ وَلَأَمَةٌ مُؤْمِنَةٌ خَيْرٌ مِنْ مُشْرِكَةٍ وَلَوْ أَعْجَبَتْكُمْ﴾ [البقرة: ٢٢١].
قُلْتُ: وأمَّا الزانية قبل توبتها، فلقول الله تعالى: ﴿وَالزَّانِيَةُ لَا يَنْكِحُهَا إِلَّا زَانٍ أَوْ مُشْرِكٌ وَحُرِّمَ ذَلِكَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ﴾ [النور: ٣].
стр. 5723
قَالَ شَيْخُ الْإِسْلَامِ ابْنُ تَيْمِيَّةَ ﵀ كَمَا فِي [مَجْمُوْعِ الْفَتَاوَى] (٣٢/ ١٠٩ - ١٢١): «نكاح الزانية حرام حتى تتوب سواء كان زنى بها هو أو غيره. هذا هو الصواب بلا ريب وهو مذهب طائفة من السلف والخلف: منهم أحمد بن حنبل وغيره، وذهب كثير من السلف والخلف إلى جوازه وهو قول الثلاثة؛ لكن مالك يشترط الاستبراء وأبو حنيفة يجوز العقد قبل الاستبراء إذا كانت حاملاً؛ لكن إذا كانت حاملاً لا يجوز وطؤها حتى تضع، والشافعي يبيح العقد والوطء مطلقاً؛ لأنَّ ماء الزاني غير محترم وحكمه لا يلحقه نسبه. هذا مأخذه. وأبو حنيفة يفرق بين الحامل وغير الحامل؛ فإنَّ الحامل إذا وطئها استلحق ولداً ليس منه قطعاً؛ بخلاف غير الحامل. ومالك وأحمد يشترطان "الاستبراء" وهو الصواب؛ لكن مالك وأحمد في رواية يشترطان الاستبراء بحيضة والرواية الأخرى عن أحمد هي التي عليها كثير من أصحابه كالقاضي أبي يعلى وأتباعه أنَّه لا بد من ثلاث حيض والصحيح أنَّه لا يجب إلَّا الاستبراء فقط؛ فإنَّ هذه ليست زوجة يجب عليها عدة وليست أعظم من المستبرأة التي يلحق ولدها سيدها وتلك لا يجب عليها إلَّا الاستبراء فهذه أولى. وإن قدر أنَّها حرة - كالتي أعتقت بعد وطء سيدها وأريد تزويجها إمَّا من المعتق وإمَّا من غيره - فإنَّ هذه عليها استبراء عند الجمهور ولا
стр. 5724
عدة عليها. وهذه الزانية ليست كالموطوءة بشبهة التي يلحق ولدها بالواطئ؛ مع أنَّ في إيجاب العدة على تلك نزاعاً. وقد ثبت بدلالة الكتاب وصريح السنة وأقوال الصحابة: أنَّ "المختلعة" ليس عليها إلَّا الاستبراء بحيضة؛ لا عدة كعدة المطلقة وهو إحدى الروايتين عن أحمد وقول عثمان بن عفان وابن عباس وابن عمر في آخر قوليه. وذكر مكي: أنَّه إجماع الصحابة وهو قول قبيصة بن ذؤيب وإسحاق بن راهويه وابن المنذر وغيرهم من فقهاء الحديث. وهذا هو الصحيح كما قد بسطنا الكلام على هذا في موضع آخر. فإذا كانت المختلعة لكونها ليست مطلقة ليس عليها عدة المطلقة بل الاستبراء -ويسمى الاستبراء عدة- فالموطوءة بشبهة أولى والزانية أولى.
وأيضاً: "فالمهاجرة" من دار الكفر كالممتحنة التي أنزل الله فيها: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إذَا جَاءَكُمُ الْمُؤْمِنَاتُ مُهَاجِرَاتٍ فَامْتَحِنُوهُنَّ﴾ الآية. قد ذكرنا في غير هذا الموضع الحديث المأثور فيها وأنَّ ذلك كان يكون بعد استبرائها بحيضة مع أنَّها كانت مزوجة؛ لكن حصلت الفرقة بإسلامها واختيارها فراقه؛ لا بطلاق منه. وكذلك قَوْلُهُ: ﴿وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ النِّسَاءِ إلَّا مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ﴾ فكانوا إذا سبوا المرأة أبيحت بعد الاستبراء والمسبية ليس عليها إلَّا الاستبراء بالسنة واتفاق
стр. 5725
الناس وقد يسمى ذلك عدة. وفي السنن في حديث بريرة لما أعتقت: أنَّ النبي ﷺ أمر أن تعتد فلهذا قال من قال من أهل الظاهر كابن حزم: إنَّ من ليست بمطلقة تستبرأ بحيضة إلَّا هذه. وهذا ضعيف؛ فإنَّ لفظ "تعتد" في كلامهم يراد به الاستبراء كما ذكرنا سو، وقد روى ابن ماجه عن عائشة أنَّ النبي ﷺ أمرها أن تعتد بثلاث حيض فقال: كذا، لكن هذا حديث معلول أمَّا أولاً: فإنَّ عائشة قد ثبت عنها من غير وجه أنَّ العدة عندها ثلاثة أطهار وأنَّها إذا طعنت في الحيضة الثالثة حلت فكيف تروي عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أنَّه أمرها أن تعتد بثلاث حيض والنزاع بين المسلمين من عهد الصحابة إلى اليوم في العدة: هل هي ثلاث حيض أو ثلاث أطهار؟ وما سمعنا أحداً من أهل العلم احتج بهذا الحديث على أنَّها ثلاث حيض ولو كان لهذا أصل عن عائشة لم يخف ذلك على أهل العلم قاطبة. ثم هذه سنة عظيمة تتوافر الهمم والدواعي على معرفتها؛ لأنَّ فيها أمرين عظيمين:
أحدهما: أنَّ المعتقة تحت عبد تعتد بثلاث حيض.
والثاني: أنَّ العدة ثلاث حيض.
стр. 5726
وأيضاً: فلو ثبت ذلك كان يحتج به من يرى أنَّ المعتقة إذا اختارت نفسها كان ذلك طلقة بائنة كقول مالك وغيره وعلى هذا فالعدة لا تكون إلَّا من طلاق؛ لكن هذا أيضاً قول ضعيف. والقرآن والسنة والاعتبار يدل على أنَّ الطلاق لا يكون إلَّا رجعياً وأنَّ كل فرقة مباينة فليست من الطلقات الثلاث حتى الخلع كما قد بسط الكلام عليه في غير هذا الموضع. والمقصود هنا الكلام في "نكاح الزانية" وفيه مسألتان:
إحداهما: في استبرائها وهو عدتها وقد تقدم قول من قال: لا حرمة لماء الزاني. يقال له: الاستبراء لم يكن لحرمة ماء الأول؛ بل لحرمة ماء الثاني؛ فإنَّ الإنسان ليس له أن يستلحق ولداً ليس منه وكذلك إذا لم يستبرئها وكانت قد علقت من الزاني.
وأيضاً: ففي استلحاق الزاني ولده إذا لم تكن المرأة فراشاً قولان لأهل العلم والنبي ﷺ قال: "الولد للفراش وللعاهر الحجر" فجعل الولد للفراش؛ دون العاهر. فإذا لم تكن المرأة فراشاً لم يتناوله الحديث وعمر ألحق أولاداً ولدوا في الجاهلية بآبائهم. وليس هذا موضع بسط هذه المسألة.
والثانية: أنَّها لا تحل حتى تتوب؛ وهذا هو الذي دل عليه الكتاب والسنة والاعتبار؛ والمشهور في ذلك آية النور قوله تعالى: ﴿الزَّانِي لَا يَنْكِحُ إلَّا زَانِيَةً أَوْ
стр. 5727
مُشْرِكَةً وَالزَّانِيَةُ لَا يَنْكِحُهَا إلَّا زَانٍ أَوْ مُشْرِكٌ وَحُرِّمَ ذَلِكَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ﴾، وفي السنن حديث أبي مرثد الغنوي في عناق. والذين لم يعملوا بهذه الآية ذكروا لها تأويلاً ونسخاً.
أمَّا التأويل: فقالوا المراد بالنكاح الوطء وهذا مما يظهر فساده بأدنى تأمل.
أمَّا "أولاً": فليس في القرآن لفظ نكاح إلَّا ولا بد أن يراد به العقد وإن دخل فيه الوطء أيضاً. فأمَّا أن يراد به مجرد الوطء فهذا لا يوجد في كتاب الله قط.
"وثانيها": أنَّ سبب نزول الآية إنَّما هو استفتاء النبي ﷺ في التزوج بزانية فكيف يكون سبب النزول خارجاً من اللفظ.
"الثالث": أنَّ قول القائل: الزاني لا يطأ إلَّا زانية أو الزانية لا يطؤها إلاَّ زان؛ كَقَوْلِهِ: الآكل لا يأكل إلاَّ مأكولاً والمأكول لا يأكله إلَّا آكل، والزوج لا يتزوج إلَّا بزوجة والزوجة لا يتزوجها إلَّا زوج؛ وهذا كلام ينزه عنه كلام الله.
"الرابع": أنَّ الزاني قد يستكره امرأة فيطؤها فيكون زانياً ولا تكون زانية، وكذلك المرأة قد تزني بنائم ومكره على أحد القولين ولا يكون زانياً.
"الخامس": أنَّ تحريم الزنا قد علمه المسلمون بآيات نزلت بمكة وتحريمه أشهر من أن تنزل هذه الآية بتحريمه.
стр. 5728
"السادس": قال: ﴿لَا يَنْكِحُهَا إلَّا زَانٍ أَوْ مُشْرِكٌ﴾ فلو أريد الوطء لم يكن حاجة إلى ذكر المشرك فإنَّه زان وكذلك المشركة إذا زنى بها رجل فهي زانية فلا حاجة إلى التقسيم.
"السابع": أنَّه قد قال قبل ذلك: ﴿الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مِائَةَ جَلْدَةٍ﴾ فأي حاجة إلى أن يذكر تحريم الزنا بعد ذلك.
وأمَّا "النسخ" فقال سعيد بن المسيب وطائفة: نسخها قَوْلُهُ: ﴿وَأَنْكِحُوا الْأَيَامَى مِنْكُمْ﴾، ولما علم أهل هذا القول أنَّ دعوى النسخ بهذه الآية ضعيف جداً ولم يجدوا ما ينسخها فاعتقدوا أنَّه لم يقل بها أحد قالوا: هي منسوخة بالإجماع كما زعم ذلك أبو علي الجبائي وغيره. أمَّا على قول من يرى من هؤلاء أنَّ الإجماع ينسخ النصوص كما يذكر ذلك عن عيسى ابن أبان وغيره وهو قول في غاية الفساد مضمونه أنَّ الأمة يجوز لها تبديل دينها بعد نبيها وأنَّ ذلك جائز لهم كما تقول النصارى: أبيح لعلمائهم أن ينسخوا من شريعة المسيح ما يرونه؛ وليس هذا من أقوال المسلمين. وممن يظن الإجماع من يقول: الإجماع دل على نص ناسخ لم يبلغنا؛ ولا حديث إجماع في خلاف هذه الآية. وكل من عارض نصاً بإجماع وادعى نسخه من غير نص يعارض ذلك النص فإنَّه مخطئ في ذلك كما قد بسط
стр. 5729
الكلام على هذا في موضع آخر وبين أنَّ النصوص لم ينسخ منها شيء إلَّا بنص باق محفوظ عند الأمة. وعلمها بالناسخ الذي العمل به أهم عندها من علمها بالمنسوخ الذي لا يجوز العمل به وحفظ الله النصوص الناسخة أولى من حفظه المنسوخة. وقول من قال: هي منسوخة بِقَوْلِهِ: ﴿وَأَنْكِحُوا الْأَيَامَى مِنْكُمْ﴾ في غاية الضعف؛ فإنَّ كونها زانية وصف عارض لها يوجب تحريماً عارضاً: مثل كونها محرمة ومعتدة ومنكوحة للغير؛ ونحو ذلك مما يوجب التحريم إلى غاية ولو قدر أنَّها محرمة على التأبيد لكانت كالوثنية ومعلوم أنَّ هذه الآية لم تتعرض للصفات التي بها تحرم المرأة مطلقاً أو مؤقتاً؛ وإنَّما أمر بإنكاح الأيامى من حيث الجملة؛ وهو أمر بإنكاحهن بالشروط التي بينها وكما أنَّها لا تنكح في العدة والإحرام لا تنكح حتى تتوب. وقد احتجوا بالحديث الذي فيه: إنَّ امرأتي لا ترد يد لامس. فقال: "طلقها". فقال: إني أحبها. قال: "فاستمتع بها" الحديث. رواه النسائي وقد ضعفه أحمد وغيره فلا تقوم به حجة في معارضة الكتاب والسنة؛ ولو صح لم يكن صريحاً؛ فإنَّ من الناس من يؤول "اللامس" بطالب المال؛ لكنه ضعيف. لكن لفظ "اللامس" قد يراد به من مسها بيده وإن لم يطأها فإنَّ من النساء من يكون فيها تبرج وإذا نظر إليها رجل أو وضع يده عليها لم تنفر عنه. ولا تمكنه من
стр. 5730
وطئها. ومثل هذه نكاحها مكروه؛ ولهذا أمره بفراقها ولم يوجب ذلك عليه؛ لما ذكر أنَّه يحبها؛ فإنَّ هذه لم تزن ولكنها مذنبة ببعض المقدمات؛ ولهذا قال: لا ترد يد لامس: فجعل اللمس باليد فقط ولفظ "اللمس والملامسة" إذا عني بهما الجماع لا يخص باليد بل إذا قرن باليد فهو كقوله تعالى: ﴿وَلَوْ نَزَّلْنَا عَلَيْكَ كِتَابًا فِي قِرْطَاسٍ فَلَمَسُوهُ بِأَيْدِيهِمْ﴾.
وأيضاً: فالتي تزني بعد النكاح ليست كالتي تتزوج وهي زانية؛ فإنَّ دوام النكاح أقوى من ابتدائه. وإلَّا حرام أو العدة تمنع الابتداء دون الدوام فلو قدر أنَّه قام دليل شرعي على أنَّ الزانية بعد العقد لا يجب فراقها لكان الزنا كالعدة تمنع الابتداء دون الدوام جمعاً بين الدليلين.
فإن قيل: ما معنى قَوْلِهِ: ﴿لَا يَنْكِحُهَا إلَّا زَانٍ أَوْ مُشْرِكٌ﴾؟
قيل: المتزوج بها إن كان مسلماً فهو زان وإن لم يكن مسلماً فهو كافر. فإن كان مؤمناً بما جاء به الرسول من تحريم هذا وفعله فهو زان؛ وإن لم يكن مؤمناً بما جاء به الرسول فهو مشرك كما كانوا عليه في الجاهلية كانوا يتزوجون البغايا. يقول: فإن تزوجتم بهنَّ كما كنتم تفعلون من غير اعتقاد تحريم ذلك فأنتم مشركون وإن اعتقدتم التحريم فأنتم زناة. لأنَّ هذه تمكن من نفسها غير الزوج من وطئها فيبقى
стр. 5731
الزوج يطؤها كما يطؤها أولئك وكل امرأة اشترك في وطئها رجلان فهي زانية؛ فإنَّ الفروج لا تحتمل الاشتراك؛ بل لا تكون الزوجة إلَّا محصنة. ولهذا لما كان المتزوج بالزانية زانياً كان مذموماً عند الناس؛ وهو مذموم أعظم مما يذم الذي يزني بنساء الناس ولهذا يقول في "الشتمة": سبه بالزاي والقاف. أي قال يا زوج القحبة فهذا أعظم ما يتشاتم به الناس؛ لما قد استقر عند المسلمين من قبح ذلك فكيف يكون مباحاً ولهذا كان قذف المرأة طعناً في زوجها فلو كان يجوز له التزوج ببغي لم يكن ذلك طعناً في الزوج ولهذا قال من قال من السلف: ما بغت امرأة نبي قط. فالله تعالى أباح للأنبياء أن يتزوجوا كافرة ولم يبح تزوج البغي لأنَّ هذه تفسد مقصود النكاح بخلاف الكافرة؛ ولهذا أباح الله للرجل أن يلاعن مكان أربعة شهداء إذا زنت امرأته وأسقط عنه الحد بلعانه؛ لما في ذلك من الضرر عليه وفي الحديث: "لا يدخل الجنة ديوث" والذي يتزوج ببغي هو ديوث وهذا مما فطر الله على ذمه وعيبه بذلك جميع عباده المؤمنين بل وغير المسلمين من أهل الكتاب وغيرهم: كلهم يذم من تكون امرأته بغياً ويشتم بذلك ويعير به فكيف ينسب إلى شرع الإسلام إباحة ذلك وهذا لا يجوز أن يأتي به نبي من الأنبياء فضلاً عن أفضل الشرائع؛ بل يجب أن تنزه الشريعة عن مثل هذا القول الذي إذا تصوره
стр. 5732
المؤمن ولوازمه استعظم أن يضاف مثل هذا إلى الشريعة ورأى أن تنزيهها عنه أعظم من تنزيه عائشة عما قاله أهل الإفك وقد أمر الله المؤمنين أن يقولوا: ﴿سُبْحَانَكَ هَذَا بُهْتَانٌ عَظِيمٌ﴾، والنبي ﷺ إنَّما لم يفارق عائشة لأنَّه لم يصدق ما قيل أولاً ولما حصل له الشك استشار علياً وزيد بن حارثة وسأل الجارية؛ لينظر إن كان حقاً فارقها حتى أنزل الله براءتها من السماء فذلك الذي ثبت نكاحها. ولم يقل مسلم: إنَّه يجوز إمساك بغي. وكان المنافقون يقصدون بالكلام فيها الطعن في الرسول ولو جاز التزوج ببغي لقال: هذا لا حرج علي فيه كما كان النساء أحياناً يؤذينه حتى يهجرهن فليس ذنوب المرأة طعناً؛ بخلاف بغائها فإنَّه طعن فيه عند الناس قاطبة ليس أحد يدفع الذم عمن تزوج بمن يعلم أنَّها بغية مقيمة على البغاء ولهذا توسل المنافقون إلى الطعن حتى أنزل الله براءتها من السماء وقد كان سعد بن معاذ لما قَالَ النَّبِيُّ ﷺ : "من يعذرني من رجل بلغني أذاه في أهلي والله ما علمت على أهلي إلَّا خيراً ولقد ذكروا رجلاً ما علمت عليه إلاَّ خيراً" فقام: سعد بن معاذ - الذي اهتز لموته عرش الرحمن - فقال: أنا أعذرك منه: إن كان من إخواننا من الأوس ضربت عنقه وإن كان من إخواننا الخزرج أمرتنا ففعلنا فيه أمرك، فأخذت سعد بن عبادة
стр. 5733
غيرة - قالت عائشة: وكان قبل ذلك امرأً صالحاً؛ ولكن أخذته حمية؛ لأنَّ ابن أبي كان كبير قوم فقال: كذبت لعمر الله لا تقتله ولا تقدر على قتله. فقام أسيد ابن حضير: فقال: كذبت لعمر الله لنقتلنه؛ فإنَّك منافق تجادل عن المنافقين. وثار الحيان حتى نزل رسول الله ﷺ . فجعل يسكنهم. فلولا أن ما قيل في عائشة طعن في النبي ﷺ لم يطلب المؤمنون قتل من تكلم بذلك من الأوس والخزرج لقذفه لامرأته ولهذا كان من قذف أم النبي ﷺ يقتل. لأنَّه قدح في نسبه وكذلك من قذف نساءه يقتل لأنَّه قدح في دينه وإنَّما لم يقتلهم النبي ﷺ لأنَّهم تكلموا بذلك قبل أن يعلم براءتها وأنَّها من أمهات المؤمنين اللاتي لم يفارقهن عليه … إذ كان يمكن أن يطلقها فتخرج بذلك من هذه الأمومة في أظهر قولي العلماء؛ فإنَّ فيمن طلقها النبي ﷺ "ثلاثة أقوال" في مذهب أحمد وغيره:
أحدها: أنَّها ليست من أمهات المؤمنين.
والثاني: أنَّها من أمهات المؤمنين.
стр. 5734
والثالث: يفرق بين المدخول بها وغير المدخول بها. والأول أصح؛ لأنَّ النبي ﷺ لما خير نساءه بين الإمساك والفراق وكان المقصود لمن فارقها أن يتزوجها غيره. فلو كان هذا مباحاً لم يكن ذلك قدحاً في دينه.
وبالجملة فهذه المسألة في قلوب المؤمنين أعظم من أن تحتاج إلى كثرة الأدلة فإنَّ الإيمان والقرآن يحرم مثل ذلك؛ لكن لما كان قد أباح مثل ذلك كثير من علماء المسلمين - الذين لا ريب في علمهم ودينهم من التابعين ومن بعدهم وعلو قدرهم - بنوع تأويل تأولوه احتيج إلى البسط في ذلك؛ ولهذا نظائر كثيرة: يكون القول ضعيفاً جداً وقد اشتبه أمره على كثير من أهل العلم والإيمان وسادات الناس؛ لأنَّ الله لم يجعل العصمة عند تنازع المسلمين إلَّا في الرد إلى الكتاب والسنة وكل أحد يؤخذ من قوله ويترك إلَّا رسول الله ﷺ الذي لا ينطق على الهوى.
فإن قيل: فقد قال: ﴿الزَّانِي لَا يَنْكِحُ إلَّا زَانِيَةً أَوْ مُشْرِكَةً﴾؟ قيل: هذا يدل على أنَّ الزاني الذي لم يتب لا يجوز أن يتزوج عفيفة كما هو إحدى الروايتين عن أحمد فإنَّه إذا كان يطأ هذه وهذه وهذه كما كان: كان وطؤه لهذه من جنس وطئه لغيرها من الزواني وقد قال الشعبي: من زوج كريمته من فاجر فقد قطع رحمها.
стр. 5735
وأيضاً: فإنَّه إذا كان يزني بنساء الناس كان هذا مما يدعو المرأة إلى أن تمكن منها غيره كما هو الواقع كثيراً فلم أر من يزني بنساء الناس أو ذكران إلَّا فيحمل امرأته على أن تزني بغيره مقابلة على ذلك ومغايظة.
وأيضاً: فإذا كان عادته الزنا استغنى بالبغايا فلم يكف امرأته في الإعفاف فتحتاج إلى الزنا.
وأيضاً: فإذا زنى بنساء الناس طلب الناس أن يزنوا بنسائه كما هو الواقع. فامرأة الزاني تصير زانية من وجوه كثيرة وإن استحلت ما حرمه الله كانت مشركة؛ وإن لم تزن بفرجها زنت بعينها وغير ذلك فلا يكاد يعرف في نساء الرجل الزناة المصرين على الزنا الذين لم يتوبوا منه امرأة سليمة سلامة تامة وطبع المرأة يدعو إلى الرجال الأجانب إذا رأت زوجها يذهب إلى النساء الأجانب وقد جاء في الحديث: "بروا آباءكم تبركم أبناؤكم وعفوا تعف نساؤكم"، فقَوْلُهُ: ﴿الزَّانِي لَا يَنْكِحُ إلَّا زَانِيَةً﴾ إمَّا أن يراد أن نفس نكاحه ووطئه لها زناً أو أنَّ ذلك يفضي إلى زناها. وأمَّا الزانية فنفس وطئها مع إصرارها على الزنا زناً». إلى آخر كلامه ﵀، وقد أفاد وأجاد، وأوفى بالمراد.
стр. 5736
قُلْتُ: ومما يدل على تحريم نكاح الزانية قول الله تعالى: ﴿وَأُحِلَّ لَكُمْ مَا وَرَاءَ ذَلِكُمْ أَنْ تَبْتَغُوا بِأَمْوَالِكُمْ مُحْصِنِينَ غَيْرَ مُسَافِحِينَ﴾ [النساء: ٢٤]، وقول الله تعالى: ﴿وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ الْمُؤْمِنَاتِ وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ إِذَا آتَيْتُمُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ مُحْصِنِينَ غَيْرَ مُسَافِحِينَ وَلَا مُتَّخِذِي أَخْدَانٍ﴾ [المائدة: ٥].
قَالَ شَيْخُ الْإِسْلَامِ ابْنُ تَيْمِيَّةَ ﵀ كَمَا فِي [مَجْمُوْعِ الْفَتَاوَى] (٣٢/ ١٢٣):
«ففي هاتين الآيتين اشترط أن يكون الرجال محصنين غير مسافحين بكسر الصاد. "والمحصن" هو الذي يحصن غيره؛ ليس هو المحصن بالفتح الذي يشترط في الحد. فلم يبح إلَّا تزوج من يكون محصناً للمرأة غير مسافح ومن تزوج ببغي مع بقائها على البغاء ولم يحصنها من غيره - بل هي كما كانت قبل النكاح تبغي مع غيره - فهو مسافح بها لا محصن لها. وهذا حرام بدلالة القرآن» اهـ.
قُلْتُ: ومن الأدلة على تحريم نكاح الزانية قول الله تعالى: ﴿وَمَنْ لَمْ يَسْتَطِعْ مِنْكُمْ طَوْلًا أَنْ يَنْكِحَ الْمُحْصَنَاتِ الْمُؤْمِنَاتِ فَمِنْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ مِنْ فَتَيَاتِكُمُ الْمُؤْمِنَاتِ وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِإِيمَانِكُمْ بَعْضُكُمْ مِنْ بَعْضٍ فَانْكِحُوهُنَّ بِإِذْنِ أَهْلِهِنَّ وَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ مُحْصَنَاتٍ غَيْرَ مُسَافِحَاتٍ وَلَا مُتَّخِذَاتِ أَخْدَانٍ﴾ [النساء: ٢٥].
стр. 5737
قَالَ شَيْخُ الْإِسْلَامِ ابْنُ تَيْمِيَّةَ ﵀ كَمَا فِي [مَجْمُوْعِ الْفَتَاوَى] (٣٢/ ١٢٦):
«فاشترط في نكاحهن أن يكن محصنات غير مسافحات ولا متخذات أخدان فدل ذلك أيضاً على أنَّ الأمة التي تبغي لا يجوز تزوجها إلَّا إذا تزوجها على أنَّها محصنة يحصنها زوجها فلا تسافح الرجال ولا تتخذ صديقاً. وهذا من أبين الأمور في تحريم نكاح الأمة الفاجرة مع ما تقدم» اهـ.
قُلْتُ: ومن الأدلة على تحريم نكاح الزانية قول الله تعالى: ﴿الْخَبِيثَاتُ لِلْخَبِيثِينَ وَالْخَبِيثُونَ لِلْخَبِيثَاتِ وَالطَّيِّبَاتُ لِلطَّيِّبِينَ وَالطَّيِّبُونَ لِلطَّيِّبَاتِ أُولَئِكَ مُبَرَّءُونَ مِمَّا يَقُولُونَ لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَرِزْقٌ كَرِيمٌ﴾ [النور: ٢٦].
قَالَ الْعَلَّامَةُ ابْنُ الْقَيِّمِ ﵀ فِي [زَادِ الْمَعَادِ] (٥/ ١١٤ - ١١٥):
«والخبيثات: الزواني. وهذا يقتضي أنَّ من تزوج بهن، فهو خبيث مثلهن.
وأيضاً: فمن أقبح القبائح أن يكون الرجل زوج بغي، وقبح هذا مستقر في فطر الخلق، وهو عندهم غاية المسبة.
وأيضاً: فإنَّ البغي لا يؤمن أن تفسد على الرجل فراشه، وتعلق عليه أولاداً من غيره، والتحريم يثبت بدون هذا» اهـ.
стр. 5738
قُلْتُ: ومن الأدلة على تحريم نكاح الزانية ما رواه أبو داود (٢٠٥١)، والنسائي (٣٢٢٨)، والترمذي (٣١٧٧) مِنْ طَرِيْقِ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ الْأَخْنَسِ، عَنْ عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ جَدِّهِ، أَنَّ مَرْثَدَ بْنَ أَبِي مَرْثَدٍ الْغَنَوِيَّ كَانَ يَحْمِلُ الْأَسَارَى بِمَكَّةَ، وَكَانَ بِمَكَّةَ بَغِيٌّ يُقَالُ لَهَا: عَنَاقُ وَكَانَتْ صَدِيقَتَهُ، قَالَ: جِئْتُ إِلَى النَّبِيِّ ﷺ فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، أَنْكِحُ عَنَاقَ؟ قَالَ: فَسَكَتَ عَنِّي، فَنَزَلَتْ: ﴿وَالزَّانِيَةُ لَا يَنْكِحُهَا إِلَّا زَانٍ أَوْ مُشْرِكٌ﴾ [النور: ٣] فَدَعَانِي فَقَرَأَهَا عَلَيَّ وَقَالَ: «لَا تَنْكِحْهَا».
قُلْتُ: هَذَا حَدِيْثٌ حَسَنٌ.
قُلْتُ: وأمَّا تحريم المتزوجة غير المسبية، فلقول الله تعالى: ﴿وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ النِّسَاءِ إِلَّا مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ كِتَابَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ﴾ [النساء: ٢٤].
قَالَ الْحَافِظُ ابْنُ كَثِيْرٍ ﵀ فِي [تَفْسِيْرِهِ] (٢/ ٢٥٦):
«أي: وحرم عليكم الأجنبيات المحصنات وهي المزوجات ﴿إِلا مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ﴾ يعني: إلَّا ما ملكتموهن بالسبي، فإنَّه يحل لكم وطؤهن إذا استبرأتموهن، فإنَّ الآية نزلت في ذلك» اهـ.
وَقَالَ شَيْخُ الْإِسْلَامِ ابْنُ تَيْمِيَّةَ ﵀ كَمَا فِي [مَجْمُوْعِ الْفَتَاوَى] (٣١/ ٣٨٠)
стр. 5739
«وإذا سبيت واسترقت بدون زوجها جاز وطؤها بلا ريب، وإنَّما فيه خلاف شاذ في مذهب أحمد، وحكي الخلاف في مذهب مالك. قال ابن المنذر: أجمع كل من يحفظ عنه من أهل العلم على أنَّ المرأة إذا وقعت في ملك ولها زوج مقيم بدار الحرب أن نكاح زوجها قد انفسخ وحل لمالكها وطؤها بعد الاستبراء وأمَّا إذا سبيت مع زوجها ففيه نزاع بين أهل العلم» اهـ.
قُلْتُ: الصحيح حل ذلك فإنَّ الآية تعم هذه الصورة.
وَقَالَ الْعَلَّامَةُ ابْنُ الْقَيِّمِ ﵀ فِي [زَادِ الْمَعَادِ] (٥/ ١٣١ - ١٣٢):
«فتضمن هذا الحكم إباحة وطء المسبية وإن كان لها زوج من الكفار، وهذا يدل على انفساخ نكاحه، وزوال عصمة بضع امرأته، وهذا هو الصواب، لأنَّه قد استولى على محل حقه، وعلى رقبة زوجته، وصار سابيها أحق بها منه، فكيف يحرم بضعها عليه، فهذا القول لا يعارضه نص ولا قياس.
والذين قالوا من أصحاب أحمد وغيرهم: إنَّ وطأها إنَّما يباح إذا سبيت وحدها. قالوا: لأنَّ الزوج يكون بقاؤه مجهولاً، والمجهول كالمعدوم، فيجوز وطؤها بعد الاستبراء، فإذا كان الزوج معها، لم يجز وطؤها مع بقائه، فأورد عليهم ما لو سبيت وحدها وتيقنا بقاء زوجها في دار الحرب، فإنَّهم يجوزون وطأها فأجابوا بما
стр. 5740
لا يجدى شيئاً، وقالوا: الأصل إلحاق الفرد بالأعم الأغلب، فيقال لهم: الأعم الأغلب بقاء أزواج المسبيات إذا سبين منفردات، وموتهم كلهم نادر جداً، ثم يقال: إذا صارت رقبة زوجها وأملاكه ملكاً للسابي، وزالت العصمة عن سائر أملاكه وعن رقبته، فما الموجب لثبوت العصمة في فرج امرأته خاصة وقد صارت هي وهو وأملاكهما للسابي؟» اهـ.
قُلْتُ: وأمَّا تحريم نكاح المعتدة أو المستبرأة من غيره، فلقول الله تعالى: ﴿وَلَا تَعْزِمُوا عُقْدَةَ النِّكَاحِ حَتَّى يَبْلُغَ الْكِتَابُ أَجَلَهُ﴾ [البقرة: ٢٣٥].
قَالَ الْحَافِظُ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِ ﵀ فِي [الْاسْتِذْكَارِ] (٥/ ٣٣٩):
«ولم يختلف العلماء من السلف والخلف في ذلك فهو من المحكم المجتمع على تأويله» اهـ.
وَقَالَ الْعَلَّامَةُ ابْنُ بَطَّالٍ ﵀ فِي [شَرْحِ الْبُخَارِي] (٧/ ٢٣٣): «وهذا من المحكم المجتمع على تأويله أنَّ بلوغ أجله انقضاء العدة» اهـ.
وَقَالَ الْعَلَّامَةُ ابْنُ قُدَامَةَ ﵀ فِي [الْمُغْنِي] (١٧/ ٤٦٣): «وجملة الأمر أنَّ المعتدة لا يجوز لها أن تنكح في عدتها، إجماعاً، أي عدة كانت» اهـ.
قُلْتُ: وأمَّا المعتدة منه كالمختلعة ونحوها فيجوز له أن ينكحها في عدتها.
стр. 5741
قَالَ الْعَلَّامَةُ ابْنُ قُدَامَةَ ﵀ فِي [الْمُغْنِي]: «والأولى حل نكاحها لمن هي معتدة منه، إن كان يلحقه نسب ولدها؛ لأنَّ العدة لحفظ مائه، وصيانة نسبه» اهـ.
قُلْتُ: وأمَّا نكاح المحرمة، فلما رواه مسلم (١٤٠٩) عَنْ عُثْمَانَ بْنِ عَفَّانَ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «لَا يَنْكِحُ الْمُحْرِمُ وَلَا يُنْكِحُ وَلَا يَخْطُبُ».
قَالَ الْعَلَّامَةُ الْنَوَوِي ﵀ فِي [شَرْحِ مُسْلِمٍ] (٥/ ٩٩):
«فاختلف العلماء بسبب ذلك في نكاح المحرم، فقال مالك والشافعي وأحمد وجمهور العلماء من الصحابة فمن بعدهم: لا يصح نكاح المحرم، واعتمدوا أحاديث الباب. وقال أبو حنيفة والكوفيون: يصح نكاحه لحديث قصة ميمونة، وأجاب الجمهور عن حديث ميمونة بأجوبة أصحها أنَّ النبي ﷺ إنَّما تزوجها حلالاً هكذا رواه أكثر الصحابة. قال القاضي وغيره: ولم يرو أنَّه تزوجها محرماً إلَّا ابن عباس وحده، وروت ميمونة وأبو رافع وغيرهما أنَّه تزوجها حلالاً، وهم أعرف بالقضية لتعلقهم به، بخلاف ابن عباس، ولأنَّهم أضبط من ابن عباس وأكثر» اهـ.
стр. 5742
وأمَّا تحريم نكاح الأمة على القادر على الحرة، أو من لم يخش على نفسه الفاحشة، فلقوله تعالى: ﴿وَمَنْ لَمْ يَسْتَطِعْ مِنْكُمْ طَوْلًا أَنْ يَنْكِحَ الْمُحْصَنَاتِ الْمُؤْمِنَاتِ فَمِنْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ مِنْ فَتَيَاتِكُمُ الْمُؤْمِنَاتِ وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِإِيمَانِكُمْ بَعْضُكُمْ مِنْ بَعْضٍ فَانْكِحُوهُنَّ بِإِذْنِ أَهْلِهِنَّ وَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ مُحْصَنَاتٍ غَيْرَ مُسَافِحَاتٍ وَلَا مُتَّخِذَاتِ أَخْدَانٍ فَإِذَا أُحْصِنَّ فَإِنْ أَتَيْنَ بِفَاحِشَةٍ فَعَلَيْهِنَّ نِصْفُ مَا عَلَى الْمُحْصَنَاتِ مِنَ الْعَذَابِ ذَلِكَ لِمَنْ خَشِيَ الْعَنَتَ مِنْكُمْ وَأَنْ تَصْبِرُوا خَيْرٌ لَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [النساء: ٢٥].
قاعدة: جميع أقارب الرجل حرام عليه إلَّا أربعة: بنات عمه وعمته، وبنات خاله وخالته.
ويلحق بذلك الرضاع.
قَالَ شَيْخُ الْإِسْلَامِ ابْنُ تَيْمِيَّةَ ﵀ كَمَا فِي [مَجْمُوْعِ الْفَتَاوَى] (٣٢/ ٦٢):
«أما المحرمات "بالنسب" فالضابط فيه أنَّ جميع أقارب الرجل من النسب حرام عليه؛ إلَّا بنات أعمامه؛ وأخواله وعماته وخالاته» اهـ.
وكل نساء الصهر حلال للرجل إلَّا أربعة نساء الآباء، وأمهات النساء، وبنات الزوجة المدخول بها، وحلائل الأبناء.
стр. 5743
قَالَ شَيْخُ الْإِسْلَامِ ابْنُ تَيْمِيَّةَ ﵀ كَمَا فِي [مَجْمُوْعِ الْفَتَاوَى] (٣٢/ ٦٥):
«وأمَّا "المحرمات بالصهر" فيقول: كل نساء الصهر حلال له إلَّا أربعة أصناف بخلاف الأقارب. فأقارب الإنسان كلهن حرام؛ إلَّا أربعة أصناف. وأقارب الزوجين كلهن حلال؛ إلَّا أربعة أصناف وهن حلائل الآباء والأبناء وأمهات النساء وبناتهن» اهـ.
* * *
стр. 5744
٢٩٩ - عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «لا يُجْمَعُ بَيْنَ الْمَرْأَةِ وَعَمَّتِهَا، وَلا بَيْنَ الْمَرْأَةِ وَخَالَتِهَا».
وَفِي الْحَدِيْثِ مَسَائِلُ مِنْهَا:
١ - النهي عن الجمع بين المرأة وعمتها، وبين المرأة وخالتها.
وهكذا يحرم الجمع بين الأختين لقول الله تعالى: ﴿وَأَنْ تَجْمَعُوا بَيْنَ الْأُخْتَيْنِ إِلَّا مَا قَدْ سَلَفَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ غَفُورًا رَحِيمًا﴾ [النساء: ٢٣].
وقَالَ الْحِافِظُ ابْنُ حَجَرٍ ﵀ فِي [فَتْحِ الْبَارِي] (٩/ ١٦١):
«وقال الترمذي بعد تخريجه: العمل على هذا عند عامه أهل العلم لا نعلم بينهم اختلافاً أنَّه لا يحل للرجل أن يجمع بين المرأة وعمتها أو خالتها ولا أن تنكح المرأة على عمتها أو خالتها.
وقال ابن المنذر: لست أعلم في منع ذلك اختلافاً اليوم، وإنَّما قال بالجواز فرقة من الخوارج، وإذا ثبت الحكم بالسنة واتفق أهل العلم على القول به لم يضره خلاف من خالفه.
стр. 5745
وكذا نقل الإجماع ابن عبد البر وابن حزم والقرطبي والنووي، لكن استثنى ابن حزم عثمان البتي وهو أحد الفقهاء القدماء من أهل البصرة وهو بفتح الموحدة وتشديد المثناة، واستثنى النووي طائفة من الخوارج والشيعة، واستثنى القرطبي الخوارج، ولفظه: أختار الخوارج الجمع بين الاختين وبين المرأة وعمتها وخالتها ولا يعتد بخلافهم لأنَّهم مرقوا من الدين أهـ وفي نقله عنهم جواز الجمع بين الاختين غلط بيِّن فإنَّ عمدتهم التمسك بأدلة القرآن لا يخالفونها البتة وإنَّما يردون الأحاديث لاعتقادهم عدم الثقة بنقلتها وتحريم الجمع بين الاختين بنصوص القرآن. ونقل ابن دقيق العيد تحريم الجمع بين المرأة وعمتها عن جمهور العلماء ولم يعين المخالف» اهـ.
٢ - ويشمل الحديث العمة والخالة القريبة والبعيدة.
قَالَ الْعَلَّامَةُ الْنَوَوِي ﵀ فِي [شَرْحِ مُسْلِمٍ] (٥/ ٩٠):
«هذا دليل لمذاهب العلماء كافة أنَّه يحرم الجمع بين المرأة وعمتها وبينها وبين خالتها، سواء كانت عمة وخالة حقيقة، وهي أخت الأب وأخت الأم، أو مجازية، وهي أخت أبي الأب وأبي الجد وإن علا، أو أخت أم الأم وأم الجدة من جهتي
следующие страницы →