← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 30178

تحفة السائل في بيان ما في عمدة الأحكام من المسائل

أبو بكر الحمادي

Полный текст (8 095 стр.). Показаны 5881–5920 · переход к 5886.

стр. 5881

وقد جاء في بعض الألفاظ عند البخاري (٥٢١٣): «السُّنَّةُ إِذَا تَزَوَّجَ البِكْرَ أَقَامَ عِنْدَهَا سَبْعًا، وَإِذَا تَزَوَّجَ الثَّيِّبَ أَقَامَ عِنْدَهَا ثَلَاثًا». وفي لفظ عند مسلم (١٤٦١) عن أنس قال: «مِنَ السُّنَّةِ أَنْ يُقِيمَ عِنْدَ الْبِكْرِ سَبْعًا». قَالَ الْعَلَّامَةُ الْنَوَوِي ﵀ فِي [شَرْحِ مُسْلِمٍ] (٥/ ١٩٠): «قال ابن عبد البر: جمهور العلماء على أنَّ ذلك حق للمرأة بسبب الزفاف سواء كان عنده زوجة أم لا لعموم الحديث "إذا تزوج البكر أقام عندها سبعاً وإذا تزوج الثيب أقام عندها ثلاثاً"، لم يخص من لم يكن له زوجة. وقالت طائفة: الحديث فيمن له زوجة أو زوجات غير هذه لأنَّ من لا زوجة له فهو مقيم مع هذه كل دهره مؤنس لها متمتع بها مستمتعة به بلا قاطع بخلاف من له زوجات فإنَّه جعلت هذه الأيام للجديدة تأنيساً لها متصلاً لتستقر عشرتها له وتذهب حشمتها ووحشتها منه، ويقضي كل واحد منهما لذته من صاحبه ولا ينقطع بالدوران على غيرها. ورجح القاضي عياض هذا القول وبه جزم البغوي من أصحابنا في "فتاويه" فقال: إنَّما يثبت هذا الحق للجديدة إذا كان عنده أخرى يبيت عندها فإن لم تكن أخرى أو كان لا يبيت عندها لم يثبت للجديدة حق

стр. 5882

الزفاف، كما لا يلزمه أن يبيت عند زوجاته ابتداء، والأول أقوى وهو المختار لعموم الحديث» اهـ. ٣ - واحتج به من كره للرجل أن يُزَفَ إليه امرأتان معاً، أو أن يُزف إليه أخرى قبل انقضاء حق الأولى من المبيت. قَالَ الْعَلَّامَةُ ابْنُ قُدَامَةَ ﵀ فِي [الْمُغْنِي] (١٦/ ٨٨): «فصل: يكره أن يزف إليه امرأتان في ليلة واحدة، أو في مدة حق عقد إحداهما؛ لأنَّه لا يمكنه أن يوفيهما حقهما، وتستضر التي لا يوفيها حقها وتستوحش. فإن فعل، فأدخلت إحداهما قبل الأخرى، بدأ بها، فوفاها حقها، ثم عاد فوفى الثانية، ثم ابتدأ القسم. وإن زفت الثانية في أثناء مدة حق العقد، أتمه للأولى، ثم قضى حق الثانية. وإن أدخلتا عليه جميعاً في مكان واحد، أقرع بينهما، وقدم من خرجت لها القرعة منهما، ثم وفي الأخرى بعدها» اهـ. ٤ - وَقَوْلُهُ: «أَقَامَ عِنْدَهَا سَبْعًا، ثُمَّ قَسَمَ». و «أَقَامَ عِنْدَهَا ثَلَاثًا ثُمَّ قَسَمَ». يدل على أنَّ السبع والثلاث خارجات عن القسمة.

стр. 5883

٥ - هل هذا الحق للبكر والثيب يسقط بالطلاق أو الخلع، إذا عاد إليها مرة أخرى، أم لا يسقط بل الواجب عليه أن يقضيها ما بقي من لياليها، وهل يجوز فراقها قبل إيفائها حقها. قُلْتُ: الذي يظهر لي سقوطه فإنَّه من حقوق النكاح فلا يبقى بعد فواته، فإذا تزوجها مرة أخرى فيتجدد لها حق جديد. والله أعلم. وهكذا حق القسمة بعد أداء حق النكاح للبكر والثيب فإنَّ في قضائه نزاعاً. قَالَ الْعَلَّامَةُ ابْنُ قُدَامَةَ ﵀ فِي [الْمُغْنِي] (١٦/ ٧٤): «فصل: فإن قسم لإحداهما، ثم طلق الأخرى قبل قسمها، أثم؛ لأنَّه فوت حقها الواجب لها، فإن عادت إليه، برجعة أو نكاح؛ قضى لها؛ لأنَّه قدر على إيفاء حقها، فلزمه، كالمعسر إذا أيسر بالدين» اهـ. وقَالَ الْعَلَّامَةُ الْنَوَوِي ﵀ فِي [رَوْضَةِ الطَّالِبِيْنَ] (٧/ ٣٥٦): «أمَّا لو أبانها قبل توفية حقها ثم نكحها فيلزمه التوفية بلا خلاف. ولو أقام عند البكر ثلاثاً وافتضها ثم أبانها ثم نكحها فإن قلنا يتجدد حق الزفاف بات عندها ثلاث ليال لأنَّه حق زفاف الثيب. وإن قلنا لا يتجدد بات أربعاً تتميماً للزفاف الأول» اهـ.

стр. 5884

وقَالَ ﵀ فِي [رَوْضَةِ الطَّالِبِيْنَ] (٧/ ٣٦١): «قال المتولي: لو قسم لواحدة فلما جاءت نوبة الأخرى طلقها قبل توفية حقها عصى لأنَّه منعها حقهاً بعد ثبوته، وهذا سبب آخر لكون الطلاق بدعياً. قُلْتُ: هذا النقل غير مختص بالمتولي بل هو مشهور حتى في "التنبيه" والله أعلم. ثم إذا عادت المظلومة إليه بنكاح أو رجعة والتي ظلم بسببها في نكاحه لزمه القضاء لتمكنه» اهـ. وَقَالَ الْعَلَّامَةُ ابْنُ مُفْلِحٍ ﵀ فِي [الْفُرُوْعِ] (٨/ ٤٠٦): «وإن طلق واحدة وقت قسمها أثم، ويقضيه متى نكحها» اهـ. وَقَالَ شَيْخُ الْإِسْلَامِ ابْنُ تَيْمِيَّةَ ﵀ كَمَا فِي [الْاخْتِيَارِاتِ الْفِقْهِيَةِ] (ص: ٥٦٣): «قال أصحابنا: ويأثم إن طلق إحدى زوجتيه وقت قسمها وتعليلهم يقتضي أنَّه إذا طلقها قبل مجيء نوبتها كان له ذلك ويتوجه أنَّ له الطلاق مطلقاً لأنَّ القسم إنَّما يجب ما دامت زوجة كالنفقة وليس هو شيء مستقر في الذمة قبل مضي وقته حتى يقال هو دين.

стр. 5885

نعم لو لم يقسم لها حتى خرجت الليلة التي لها وجب عليه القضاء فلو طلقها قبله كان عاصياً ولو أراد أن يقضيها عن ليلة من ليالي الشتاء ليلة من ليالي الصيف كان لها الامتناع لأجل تفاوت بين الزمانين» اهـ. قُلْتُ: وهذا قول قوي. ٦ - وعموم الحديث يشمل البكر، أو الثيب التي فارقها ثم رجع إليها بنكاح جديد. والذي يظهر لي أنَّ التسبيع والتثليث كما أنَّه شرع من أجل التأنيس وإزالة الوحشة، فهو أيضاً حق من حقوق النكاح، فتعطاه الزوجة وإن حصل لها الإيناس قبل ذلك بالبيات أو بغيره. والله أعلم. ٧ - وظاهر الحديث تتابع السبع والثلاث، وذلك أنَّه عَقَّبَ القسم على نسائه بعد السبع والثلاث. قَالَ الْعَلَّامَةُ ابْنُ الْمُلَقِّنِ ﵀ فِي [الْإِعْلَامِ] (٨/ ٢٥٤): «تجب الموالاة في الثلاث، وفي السبع حتى لو فارقها لا يحسب على الأصح، لأنَّ الحشمة لا تزول به» اهـ.

стр. 5886

٨ - واحتج به من قال: إنَّ هذه الإقامة تمنع من حضور الجمع والجماعات، وهذا قول ضعيف للغاية. قَالَ الْعَلَّامَةُ ابْنُ بَطَّالٍ ﵀ فِي [شَرْحِ الْبُخَارِي] (٧/ ٣٣٨): «وروى ابن القاسم، عن مالك في "العتبية"، قال: لا يتخلف العروس عن الجمعة ولا عن حضور الصلوات، وهو قول الشافعي. قال سحنون: وقد قال بعض الناس: لا يخرج، وذلك حق لها بالسنة. قال المؤلف: هذا على من تأول إقامته عند البكر والثيب على العموم، ومن رأى أن يخرج إلى الصلوات، فتأول إقامته عندها على ما يجب لها من القسمة والمبيت دون غيرها من أزواجه، فليس ذلك بمانع له من حضور الصلوات كما يفعل غير العروس في قسمته بين نسائه، وليس له التخلف عن الجماعة» اهـ. وقَالَ الْعَلَّامَةُ ابْنُ دَقِيْقِ الْعِيْدِ ﵀ فِي [إِحْكَامِ الْأَحْكَامِ] (ص: ٣٩٧): «وأفرط بعض الفقهاء من المالكية فجعل مقامه عندها عذراً في إسقاط الجمعة إذا جاءت في أثناء المدة وهذا ساقط مناف للقواعد فإنَّ مثل هذا من الآداب أو السنن لا يترك له الواجب ولما شعر بهذا بعض المتأخرين وأنَّه لا يصلح أن يكون عذراً: توهم أنَّ قائله يرى الجمعة فرض كفاية وهو فاسد جداً؛ لأنَّ قول هذا

стр. 5887

القائل متردد محتمل أن يكون جعله عذراً أو أخطأ في ذلك وتخطئته في هذا أولى من تخطئته فيما دلت عليه النصوص وعمل الأمة من وجوب الجمعة على الأعيان» اهـ. ٩ - وَقَوْلُهُ: «سَبْعَاً»، و «ثَلَاثًا» أي سبع ليال، وثلاث ليال، وهذا يدل على أنَّ عماد القسم الليل إلَّا من كان معاشه بالليل فيكون عماد القسم في حقه هو النهار. واعلم أنَّ النهار تبع لليل، ويدل على ذلك ما رواه البخاري (٤٤٥١) عَنْ عَائِشَةَ ﵂، قَالَتْ: «تُوُفِّيَ النَّبِيُّ ﷺ فِي بَيْتِي، وَفِي يَوْمِي». وإنَّما مات النبي ﷺ نهاراً. وليس له أن يخرج في ليلة صاحبة البيات إلَّا لما جرى العرف بخروجه كالخروج لصلاة المغرب والعشاء والفجر، ولما لا بد له منه، وأمَّا النهار فله أن يخرج في حاجته، وإذا أراد البقاء فلا يبق إلَّا عند صاحبة الليلة. قَالَ الْعَلَّامَةُ ابْنُ قُدَامَةَ ﵀ فِي [الْمُغْنِي] (١٦/ ٦٢): «مسألة قال: "وعماد القسم الليل" لا خلاف في هذا؛ وذلك لأنَّ الليل للسكن والإيواء، يأوي فيه الإنسان إلى منزله، ويسكن إلى أهله، وينام في فراشه مع زوجته عادة، والنهار للمعاش، والخروج، والتكسب، والاشتغال.

стр. 5888

قال الله تعالى: ﴿وَجَعَلَ اللَّيْلَ سَكَنًا﴾، وقال تعالى: ﴿وَجَعَلْنَا اللَّيْلَ لِبَاسًا وَجَعَلْنَا النَّهَارَ مَعَاشًا﴾، وقال: ﴿وَمِنْ رَحْمَتِهِ جَعَلَ لَكُمْ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ لِتَسْكُنُوا فِيهِ وَلِتَبْتَغُوا مِنْ فَضْلِهِ﴾ فعلى هذا يقسم الرجل بين نسائه ليلة وليلة، ويكون في النهار في معاشه، وقضاء حقوق الناس، وما شاء مما يباح له، إلَّا أن يكون ممن معاشه بالليل، كالحراس ومن أشبههم، فإنَّه يقسم بين نسائه بالنهار، ويكون الليل في حقه كالنهار في حق غيره» اهـ. ١٠ - وَقَوْلُهُ: «أَقَامَ عِنْدَهَا سَبْعًا». وَقَوْلُهُ: «أَقَامَ عِنْدَهَا ثَلَاثًا». هذه الإقامة تتضمن الاجتماع في المنزل وفي المضجع. قَالَ شَيْخُ الْإِسْلَامِ ابْنُ تَيْمِيَّةَ ﵀ كَمَا فِي [الْاخْتِيَارِاتِ الْفِقْهِيَةِ] (ص: ٥٦٢): «وقول أصحابنا يجب على الرجل المبيت عند امرأته ليلة من أربع وهذا المبيت يتضمن شيئين: إحداهما: المجامعة في المنزل، والثانية في المضجع، وقوله تعالى: ﴿وَاهْجُرُوهُنَّ فِي الْمَضَاجِعِ﴾ مع قوله ﷺ : "ولا يَهْجُر إلَّا في المضجع" دليل على وجوب المبيت في

стр. 5889

المضجع ودليل على أنَّه لا يهجر المنزل. ونص الإمام أحمد في الذي يصوم النهار ويقوم الليل يدل على وجوب المبيت في المضجع وكذا ما ذكره في النشوز إذا نشزت هجرها في المضجع دليل على أنَّه لا يفعله بدون ذلك» اهـ. قُلْتُ: حديث: «ولا يَهْجُر إلَّا في المضجع». لم يرد بهذا اللفظ، وإنَّما جاء بلفظ: «أَنْ تُطْعِمَهَا إِذَا طَعِمْتَ، وَتَكْسُوَهَا إِذَا اكْتَسَيْتَ، أَوِ اكْتَسَبْتَ، وَلَا تَضْرِبِ الْوَجْهَ، وَلَا تُقَبِّحْ، وَلَا تَهْجُرْ إِلَّا فِي الْبَيْتِ». رواه أحمد (٢٠٠١١)، وأبو داود (٢١٤٢)، والنسائي في [الْكُبْرَى] (٩١٢٦)، وابن ماجة (١٨٥٠) مَنْ حَدِيْثِ مُعَاوِيَةَ بْنِ حَيْدَةَ وَهُوَ حَدِيْثٌ حَسَنٌ. وأمَّا الوطء فقد تنازع فيه العلماء، فالمشهور في مذهب أحمد الوجوب كل أربعة أشهر مرة، وأوجبته المالكية لغير عذر ولم يحددوه بوقت، وهكذا الحنفية، ولم يوجبه الشافعي، والصحيح أنَّه يجب بالمعروف لقول الله تعالى: ﴿وَلَهُنَّ مِثْلُ الَّذِي عَلَيْهِنَّ بِالْمَعْرُوفِ﴾ [البقرة: ٢٢٨]. وذهب جماعة من المالكية أنَّه يقضى لها بكل أربع ليال ليلة يطؤها فيها. قَالَ شَيْخُ الْإِسْلَامِ ابْنُ تَيْمِيَّةَ ﵀ كَمَا فِي [مَجْمُوْعِ الْفَتَاوَى] (٣٢/ ٢٧١): «يجب على الرجل أن يطأ زوجته بالمعروف؛ وهو من أوكد حقها عليه: أعظم من إطعامها.

стр. 5890

والوطء الواجب قيل: إنَّه واجب في كل أربعة أشهر مرة. وقيل: بقدر حاجتها وقدرته؛ كما يطعمها بقدر حاجتها وقدرته. وهذا أصح القولين. والله أعلم» اهـ. وَقَالَ الْعَلَّامَةُ ابْنُ الْقَيِّمِ ﵀ فِي [رَوْضَةِ الْمُحِبِيْنَ] (ص: ٢١٥ - ٢١٧): «وقد اختلف الفقهاء هل يجب على الزوج مجامعة امرأته فقالت طائفة: لا يجب عليه ذلك فإنَّه حق له فإن شاء استوفاه وإن شاء تركه بمنزلة من استأجر داراً إن شاء سكنها وإن شاء تركها. وهذا من أضعف الأقوال والقرآن والسنة والعرف والقياس يرده أمَّا القرآن فإنَّ الله قال: ﴿وَلَهُنَّ مِثْلُ الَّذِي عَلَيْهِنَّ بِالْمَعْرُوفِ﴾ فأخبر أنَّ للمرأة من الحق مثل الذي عليها فإذا كان الجماع حقاً للزوج عليها فهو حق على الزوج بنص القرآن. وأيضاَّ فإنَّه أمر الأزواج أن يعاشروا الزوجات بالمعروف ومن ضد المعروف أن يكون عنده شابة شهوتها تعدل شهوة الرجل أو تزيد عليها بأضعاف مضاعفة ولا يذيقها لذة الوطء مرة واحدة ومن زعم أنَّ هذا من المعروف كفاه طبعه رداً عليه والله إنَّما أباح للأزواج إمساك

стр. 5891

نسائهم على هذا الوجه لا على غيره فقال تعالى: ﴿فَإِمْسَاكٌ بِمَعْرُوفٍ أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسَانٍ﴾. وقالت طائفة: يجب عليه وطؤها في العمر مرة واحدة ليستقر لها بذلك الصداق وهذا من جنس القول الأول وهذا باطل من وجه آخر فإنَّ المقصود إنَّما هو المعاشرة بالمعروف والصداق دخل في العقد تعظيماً لحرمته وفرقاً بينه وبين السفاح فوجوب المقصود بالنكاح أقوى من وجوب الصداق. وقالت طائفة ثالثة: يجب عليه أن يطأها في كل أربعة أشهر مرة واحتجوا على ذلك بأنَّ الله أباح للمولي تربص أربعة أشهر وخير المرأة بعد ذلك إن شاءت أن تقيم عنده وإن شاءت أن تفارقه فلو كان لها حق في الوطء أكثر من ذلك لم يجعل للزوج تركه في تلك المدة، وهذا القول وإن كان أقرب من القولين اللذين قبله فليس أيضاً بصحيح فإنَّه غير المعروف الذي لها وعليها، وأمَّا جعل مدة الإيلاء أربعة أشهر فنظراً منه سبحانه للأزواج فإنَّ الرجل قد يحتاج إلى ترك وطء امرأته مدة لعارض من سفر أو تأديب أو راحة نفس أو اشتغال بمهم فجعل الله له أجلاً أربعة أشهر ولا يلزم من ذلك أن يكون الوطء مؤقتاً في كل أربعة أشهر مرة.

стр. 5892

وقالت طائفة أخرى: بل يجب عليه أن يطأها بالمعروف كما ينفق عليها ويكسوها ويعاشرها بالمعروف بل هذا عمدة المعاشرة ومقصودها وقد أمر الله أن يعاشرها بالمعروف فالوطء داخل في هذه المعاشرة ولا بد قالوا وعليه أن يشبعها وطئاً إذا أمكنه ذلك كما عليه أن يشبعها قوتاً، وكان شيخنا رحمه الله تعالى يرجح هذا القول ويختاره» اهـ. ١١ - وَقَوْلُهُ: «ثُمَّ قَسَمَ» فيه إثبات القسم بين الزوجات، ويكون ليلة بليلة ولا يزيد على ذلك إلَّا برضاهن. قَالَ الْعَلَّامَةُ ابْنُ قُدَامَةَ ﵀ فِي [الْمُغْنِي] (١٦/ ٧٣): «فصل: ويقسم بين نسائه ليلة، ليلة فإن أحب الزيادة على ذلك لم يجز إلَّا برضاهن. وقال القاضي: له أن يقسم ليلتين ليلتين، وثلاثاً ثلاثاً. ولا تجوز الزيادة على ذلك إلَّا برضاهن. والأولى مع هذا ليلة وليلة؛ لأنَّه أقرب لعهدهن به، وتجوز الثلاث لأنَّها في حد القلة، فهي كالليلة، وهذا مذهب الشافعي.

стр. 5893

ولنا، أنَّ النَّبي ﷺ إنَّما قسم ليلة وليلة، ولأنَّ التسوية واجبة، وإنَّما جوز بالبداية بواحدة، لتعذر الجمع، فإذا بات عند واحدة ليلة، تعينت الليلة الثانية حقاً للأخرى، فلم يجز جعلها للأولى بغير رضاها، ولأنَّه تأخير لحقوق بعضهن، فلم يجز بغير رضاهن، كالزيادة على الثلاث، ولأنَّه إذا كان له أربع نسوة، فجعل لكل واحدة ثلاثاً، حصل تأخير الأخيرة في تسع ليال، وذلك كثير، فلم يجز، كما لو كان له امرأتان، فأراد أن يجعل لكل واحدة تسعاً، ولأنَّ للتأخير آفات، فلا يجوز مع إمكان التعجيل بغير رضى المستحق، كتأخير الدين الحال، والتحديد بالثلاث تحكم لا يسمع من غير دليل، وكونه في حد القلة لا يوجب جواز تأخير الحق، كالديون الحالة وسائر الحقوق» اهـ. قُلْتُ: وقد تنازع العلماء في قَسْمِ الابتداء، وهو من كانت له زوجة واحدة هل يجب عليه المبيت في كل ليلة من أربع ليال، أولا يجب؟ فذهب إليه أحمد وأبو حنيفة وبعض المالكية. وخالف في ذلك الإمام الشافعي. قَالَ الْعَلَّامَةُ ابْنُ قُدَامَةَ ﵀ فِي [الْمُغْنِي] (١٦/ ٥٣ - ٥٤):

стр. 5894

«فصل: ويجب قَسْمُ الابتداء، ومعناه أنَّه إذا كانت له امرأة، لزمه المبيت عندها ليلة من كل أربع ليال، ما لم يكن عذر، وإن كان له نساء فلكل واحدة منهن ليلة من كل أربع. وبه قال الثوري، وأبو ثور. وقال القاضي، في "المجرد" لا يجب قسم الابتداء، إلَّا أن يترك الوطء مصراً، فإن تركه غير مصر لم يلزمه قسم، ولا وطء؛ لأنَّ أحمد قال: إذا وصل الرجل إلى امرأته مرة، بطل أن يكون عنيناً. أي لا يؤجل. وقال الشافعي: لا يجب قسم الابتداء بحال؛ لأنَّ القسم لحقه، فلم يجب عليه. ولنا قول النبي ﷺ لعبد الله بن عمرو بن العاص: "يا عبد الله، ألم أخبر أنَّك تصوم النهار، وتقوم الليل"؟ قُلْتُ: بلى يا رسول الله. قال: "فلا تفعل، صم، وأفطر، وقم ونم؛ فإنَّ لجسدك عليك حقاً، وإنَّ لعينك عليك حقاً، وإن لزوجك عليك حقاً". متفق عليه. فأخبر أنَّ للمرأة عليه حقاً. وقد اشتهرت قصة كعب بن سُور، ورواها عمر بن شبة في كتاب "قضاة البصرة" من وجوه؛ إحداهنَّ عن الشعبي، أنَّ كعب بن سُوْرٍ كان جالساً عند عمر بن

стр. 5895

الخطاب، فجاءت امرأة، فقالت: يا أمير المؤمنين، ما رأيت رجلاً قط أفضل من زوجي، والله إنَّه ليبيت ليله قائماً، ويظل نهاره صائماً. فاستغفر لها، وأثنى عليها. واستحيت المرأة، وقامت راجعة، فقال كعب: يا أمير المؤمنين، هلا أعديت المرأة على زوجها؟ فقال: وما ذاك؟ فقال إنَّها جاءت تشكوه، إذا كانت حاله هذه في العبادة، متى يتفرغ لها؟ فبعث عمر إلى زوجها، فجاء، فقال لكعب: اقض بينهما، فإنَّك فهمت من أمرهما ما لم أفهم. قال: فإنِّي أرى كأنَّها امرأة عليها ثلاث نسوة، هي رابعتهن، فأقضي له بثلاثة أيام ولياليهن يتعبد فيهن، ولها يوم وليلة. فقال عمر: والله ما رأيك الأول بأعجب إليَّ من الآخر، اذهب فأنت قاض على أهل البصرة. وفي رواية، فقال عمر: نعم القاضي أنت. وهذه قضية انتشرت فلم تنكر، فكانت إجماعاً» اهـ. قُلْتُ: قصة كعب بن سُوْرٍ رواها عبد الرزاق في [مُصَنَّفِهِ] (١٢٥٨٦، ١٢٥٨٧)، وابن أبي الدنيا في [النَّفَقَةِ عَلَى الْعِيَالِ] (٤٩٨)، وابن سعد في [الطَّبَقَاتِ الْكُبْرَى] (٨٦٤٤) من مراسيل الشعبي.

стр. 5896

ورواه عبد الرزاق (١٢٥٨٨) من مراسيل قتادة. وَقَالَ الْحِافِظُ ابْنُ حَجَرٍ ﵀ فِي [الإِصَابَةِ] (٥/ ٦٤٦): «وقد رواه أبو بكر بن أبي شيبة في "مصنفه" مِنْ طَرِيْقِ محمد بن سيرين، ورواه الشعبي أيضاً انتهى وأخرجه الزبير بن بكار في "الموفقيات" مِنْ طَرِيْقِ محمد بن معن وأورده بن دريد في "الاخبار المنثورة عن أبي حاتم السجستاني عن أبي عبيدة" وله طرق» اهـ. قُلْتُ: وهذه القصة تتقوى بهذه الطرق. والله أعلم. قَالَ شَيْخُ الْإِسْلَامِ ابْنُ تَيْمِيَّةَ ﵀ كَمَا فِي [الْاخْتِيَارِاتِ الْفِقْهِيَةِ] (ص: ٥٦٢): «ويتوجه أن لا يتقدر قسم الابتداء الواجب كما لا يتقدر الوطء بل يكون بحسب الحاجة فإنَّه قد يقال جواز التزوج بأربع لا يقتضي أنَّه إذا تزوج بواحدة يكون لها حال الانفراد ما لها حال الاجتماع، وعلى هذا فتحمل قصة كعب بن سور على أنَّه تقدير شخص لا نوعي كما لو فرض النفقة» اهـ. وَقَالَ ﵀ كَمَا فِي [مَجْمُوْعِ الْفَتَاوَى] (٣٤/ ٨٩): «وَكَذَلِكَ " قَسْمُ الِابْتِدَاءِ وَالْوَطْءِ وَالْعِشْرَةِ وَالْمُتْعَةِ " وَاجِبَانِ كَمَا قَدْ قَرَّرْنَاهُ بِأَكْثَرِ مِنْ عَشَرَةِ أَدِلَّةٍ وَمَنْ شَكَّ فِي وُجُوبِ ذَلِكَ فَقَدْ أَبْعَدَ تَأَمُّلَ الْأَدِلَّةِ الشَّرْعِيَّةِ

стр. 5897

وَالسِّيَاسَةِ الْإِنْسَانِيَّةِ. ثُمَّ الْوَاجِبُ قِيلَ. مَبِيتُ لَيْلَةٍ مِنْ أَرْبَعِ لَيَالٍ وَالْوَطْءُ فِي كُلِّ أَرْبَعَةِ أَشْهُرٍ مُرَّةٌ كَمَا ثَبَتَ ذَلِكَ فِي الْمَوْلَى وَالْمُتَزَوِّجِ أَرْبَعًا. وَقِيلَ: إنَّ الْوَاجِبَ وَطْؤُهَا بِالْمَعْرُوفِ فَيَقِلُّ وَيَكْثُرُ بِحَسَبِ حَاجَتِهَا وَقُدْرَتِهِ كَالْقُوتِ سَوَاءً» اهـ. أَقُوْلُ: الأصل عدم التقدير، لكن إذا كان عند الزوج ما يشغله وحصل النزاع بينه وبين زوجه في ذلك فيقضى بينهم بما قضى به كعب بن سُوْر وأقره عليه عمر ﵁. والله أعلم. ١٢ - وَقَوْلُهُ: «ثُمَّ قَسَمَ» أي على جميعهنَّ ولا يكون هذا إلَّا بقرعة بينهنَّ، ولا يجوز له أن يبتدئ بواحدة منهن بغير قرعة؛ لأنَّ البداءة بها، تفضيل لها، والتسوية واجبة، ولأنهنَّ متساويات في الحق. فإن كانتا اثنتين، فيكفيه قرعة واحدة، وينتقل في الليلة الثانية إلى الزوجة الثانية بغير قرعة؛ لأنَّ حقها متعين. وإن كن ثلاثاً، أقرع في الليلة الثانية للبداية بإحدى الباقيتين. وإن كن أربعاً أقرع في الليلة الثالثة، ويصير في الليلة الرابعة إلى الرابعة بغير قرعة.

стр. 5898

ولو أقرع في الليلة الأولى، فجعل سهماً للأولى، وسهماً للثانية، وسهماً للثالثة، وسهماً للرابعة، ثم أخرجها عليهن مرة واحدة، جاز، وكان لكل واحدة ما خرج لها. ١٣ - وَقَوْلُهُ: «ثُمَّ قَسَمَ». يتناول من يحصل منه الوطء ومن لا يحصل منه ذلك لمرضه أو لانقطاع عضوه وهو المجبوب أو لعنة فيه وهو العنين، وذلك أنَّ المبيت للإيناس وهو حاصل من هؤلاء. ويدل على ذلك أنَّ النبي ﷺ كان يطوف على نساءه في مرض موته وقد اشتد عليه المرض، فروى البخاري (١٣٨٩)، ومسلم (٣٤٤٣) عَنْ عَائِشَةَ، قَالَتْ: إِنْ كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ لَيَتَعَذَّرُ فِي مَرَضِهِ: «أَيْنَ أَنَا اليَوْمَ، أَيْنَ أَنَا غَدًا» اسْتِبْطَاءً لِيَوْمِ عَائِشَةَ، فَلَمَّا كَانَ يَوْمِي، قَبَضَهُ اللَّهُ بَيْنَ سَحْرِي وَنَحْرِي وَدُفِنَ فِي بَيْتِي. وفي لفظ للبخاري (٣٧٧٤) عَنْ هِشَامٍ، عَنْ أَبِيهِ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ ، لَمَّا كَانَ فِي مَرَضِهِ، جَعَلَ يَدُورُ فِي نِسَائِهِ، وَيَقُولُ: «أَيْنَ أَنَا غَدًا؟ أَيْنَ أَنَا غَدًا؟» حِرْصًا عَلَى بَيْتِ عَائِشَةَ قَالَتْ عَائِشَةُ: «فَلَمَّا كَانَ يَوْمِي سَكَنَ». قَالَ الْعَلَّامَةُ ابْنُ قُدَامَةَ ﵀ فِي [الْمُغْنِي] (١٦/ ٥١):

стр. 5899

«فإن كان الزوج مجنوناً لا يخاف منه، طاف به الولي عليهن، وإن كان يخاف منه، فلا قسم عليه؛ لأنَّه لا يحصل منه أنس ولا فائدة. وإن لم يعدل الولي في القسم بينهن، ثم أفاق المجنون، فعليه أن يقضي للمظلومة؛ لأنَّه حق ثبت في ذمته، فلزمه إيفاؤه حال الإفاقة كالمال» اهـ. ١٤ - وَقَوْلُهُ: «ثُمَ قَسَمَ». يشمل القسم للمريضة والرتقاء ومن يحرم وطؤها لمانع كالحائض والنفساء والمحرمة. قَالَ الْعَلَّامَةُ ابْنُ قُدَامَةَ ﵀ فِي [الْمُغْنِي] (١٦/ ٥٢): «فصل: ويقسم للمريضة، والرتقاء، والحائض، والنفساء، والمحرمة، والصغيرة الممكن وطؤها، وكلهن سواء في القسم. وبذلك قال مالك، والشافعي، وأصحاب الرأي، ولا نعلم عن غيرهم خلافهم. وكذلك التي ظاهر منها؛ لأنَّ القصد الإيواء والسكن والأنس، وهو حاصل لهنَّ، وأمَّا المجنونة، فإن كانت لا يخاف منها، فهي كالصحيحة، وإن خاف منها، فلا قسم لها؛ لأنَّه لا يأمنها على نفسه، ولا يحصل لها أنس ولا بها» اهـ. ١٥ - وَقَوْلُهُ: «ثُمَ قَسَمَ». أي قسمة عادلة فيقسم بينَّهن ليلة بليلة فإن فوَّت عن بعضهنَّ شيئاً من المبيت مما لم تجر العادة في تفويته قضاه.

стр. 5900

وطريقة القضاء بيَّنه الْعَلَّامَةُ ابْنُ قُدَامَةَ ﵀ فِي [الْمُغْنِي] (١٦/ ٦٣ - ٦٤) فقال: «فصل: وإن خرج من عند بعض نسائه في زمانها فإن كان ذلك في النهار أو أول الليل، أو آخره الذي جرت العادة بالانتشار فيه، والخروج إلى الصلاة، جاز؛ فإنَّ المسلمين يخرجون لصلاة العشاء، ولصلاة الفجر قبل طلوعه، وأمَّا النهار، فهو للمعاش والانتشار. وإن خرج في غير ذلك، ولم يلبث أن عاد، لم يقض لها؛ لأنَّه لا فائدة في قضاء ذلك. وإن أقام، قضاه لها سواء كانت إقامته لعذر؛ من شغل أو حبس، أو لغير عذر؛ لأنَّ حقها قد فات بغيبته عنها. وإن أحب أن يجعل قضاءه لذلك غيبته عن الأخرى، مثل ما غاب عن هذه، جاز؛ لأنَّ التسوية تحصل بذلك؛ ولأنَّه إذا جاز له ترك الليلة بكمالها في حق كل واحدة منهما، فبعضها أولى. ويستحب أن يقضي لها في مثل ذلك الوقت؛ لأنَّه أبلغ في المماثلة، والقضاء تعتبر المماثلة فيه، كقضاء العبادات والحقوق.

стр. 5901

وإن قضاه في غيره من الليل، مثل إن فاتها في أول الليل، فقضاه في آخره، أو من آخره، فقضاه في أوله، ففيه وجهان؛ أحدهما يجوز؛ لأنَّه قد قضى قدر ما فاته من الليل. والآخر، لا يجوز؛ لعدم المماثلة. إذا ثبت هذا، فإنَّه لا يمكن قضاؤه كله من ليلة الأخرى، لئلا يفوت حق الأخرى، فتحتاج إلى قضاء، ولكن إمَّا أن ينفرد بنفسه في ليلة، فيقضي منها، وإمَّا أن يقسم ليلة، بينهن، ويفضل هذه بقدر ما فات من حقها، وإمَّا أن يترك من ليلة كل واحدة مثل ما فات من ليلة هذه، وإمَّا أن يقسم المتروك بينهما، مثل أن يترك من ليلة إحداهما ساعتين، فيقضي لها من ليلة الأخرى ساعة واحدة، فيصير الفائت على كل واحدة منهما ساعة» اهـ. وَقَالَ شَيْخُ الْإِسْلَامِ ابْنُ تَيْمِيَّةَ ﵀ كَمَا فِي [الْاخْتِيَارِاتِ الْفِقْهِيَةِ] (ص: ٥٦٣): «ولو أراد أن يقضيها عن ليلة من ليالي الشتاء ليلة من ليالي الصيف كان لها الامتناع لأجل تفاوت بين الزمانين» اهـ. قُلْتُ: وهذا الذي يظهر لي صحته لأنَّه هو العدل والعدل واجب.

стр. 5902

والذي يظهر لي أنَّه إذا فوَّت عليها النصف الأول من الليل فمن العدل أن يقضيها من أول الليل، وإن فوَّت عليها النصف الثاني من الليل فمن العدل أن يقضيها من النصف الثاني من الليل. قَالَ الْعَلَّامَةُ الْمَاوُرْدِي ﵀ فِي [الْحَاوِي] (٩/ ٥٨٢): «فَإِذَا أَرَادَ قَضَاءَ مَا وَجَبَ مِنْ زَمَانِ خُرُوجِهِ فِي اللَّيْلِ نُظِرَ، فَإِنْ كَانَ قَدْ خَرَجَ النِّصْفَ الثَّانِي مِنَ اللَّيْلِ لَمْ يَجُزْ أَنْ يَقْضِيَهَا فِي النِّصْفِ الْأَوَّلِ، وَإِنْ كَانَ قَدْ خَرَجَ فِي النِّصْفِ الْأَوَّلِ لَمْ يَجُزْ أَنْ يَقْضِيَهَا فِي النِّصْفِ الثَّانِي، وَقَضَى كُلَّ وَاحِدٍ مِنَ النِّصْفَيْنِ فِي مِثْلِهِ، فَإِذَا أَرَادَ قَضَاءَ النِّصْفِ الْأَوَّلِ أَقَامَ عِنْدَهَا النِّصْفَ الْأَوَّلَ مِنَ اللَّيْلِ ثُمَّ خَرَجَ مِنْ عِنْدِهَا فَأَقَامَ لَا عِنْدَ وَاحِدَةٍ مِنْ نِسَائِهِ حَتَّى يَسْتَأْنِفَ لَهُنَّ لَيَالٍ كَوَامِلَ، وَإِذَا أَرَادَ قَضَاءَ النِّصْفِ الثَّانِي أَقَامَ فِي النِّصْفِ الْأَوَّلِ لَا عِنْدَ وَاحِدَةٍ مِنْ نِسَائِهِ» اهـ. ١٦ - وَقَوْلُهُ: «ثُمَ قَسَمَ». يقتضي انفراد كل زوجة بليلتها ويومها فلا يحل له أن يدخل على بعض نسائه في وقت الأخرى إلَّا لما بد منه، فإن كان ليلاً فلا يفعل ذلك إلَّا لضرورة وإن كان نهار فلا يفعل ذلك إلَّا لحاجة. قَالَ الْعَلَّامَةُ ابْنُ قُدَامَةَ ﵀ فِي [الْمُغْنِي] (١٦/ ٦٥ - ٦٦):

стр. 5903

«فصل: وأمَّا الدخول على ضرتها في زمنها، فإن كان ليلاً لم يجز إلَّا الضرورة، مثل أن تكون منزولاً بها، فيريد أن يحضرها، أو توصي إليه، أو ما لا بد منه، فإن فعل ذلك، ولم يلبث أن خرج، لم يقض. وإن أقام وبرئت المرأة المريضة، قضى للأخرى من ليلتها بقدر ما أقام عندها. وإن خرج لحاجة غير ضرورية، أثم. والحكم في القضاء، كما لو دخل لضرورة، لأنَّه لا فائدة في قضاء اليسير. وإن دخل عليها، فجامعها في زمن يسير، ففيه وجهان: أحدهما لا يلزمه قضاؤه؛ لأنَّ الوطء لا يستحق في القسم، والزمن اليسير لا يقضى. والثاني، يلزمه أن يقضيه، وهو أن يدخل على المظلومة في ليلة المجامعة، فيجامعها، ليعدل بينهما، ولأنَّ اليسير مع الجماع يحصل به السكن، فأشبه الكثير. وأمَّا الدخول في النهار إلى المرأة في يوم غيرها، فيجوز للحاجة، من دفع النفقة، أو عيادة، أو سؤال عن أمر يحتاج إلى معرفته، أو زيارتها لبعد عهده بها، ونحو ذلك؛ لما روت عائشة، قالت: كان رسول الله ﷺ يدخل علي في يوم غيري، فينال مني كل شيء إلَّا الجماع.

стр. 5904

وإذا دخل إليها لم يجامعها، ولم يطل عندها؛ لأنَّ السكن يحصل بذلك، وهي لا تستحقه، وفي الاستمتاع منها بما دون الفرج وجهان: أحدهما، يجوز؛ لحديث عائشة. والثاني، لا يجوز؛ لأنَّه يحصل لها به السكن، فأشبه الجماع. فإن أطال المقام عندها، قضاه. وإن جامعها في الزمن اليسير، ففيه وجهان على ما ذكرنا. ومذهب الشافعي على نحو ما ذكرنا، إلَّا أنهم قالوا: لا يقضي إذا جامع في النهار. ولنا، أنَّه زمن يقضيه إذا طال المقام، فيقضيه إذا جامع فيه، كالليل» اهـ. قُلْتُ: حديث عائشة رواه أحمد (٢٤٨٠٩)، وأبو داود (٢١٣٧) مِنْ طَرِيْقِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبِي الزِّنَادِ، عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ عَائِشَةَ، قَالَتْ: «كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ مَا مِنْ يَوْمٍ إِلَّا وَهُوَ يَطُوفُ عَلَيْنَا جَمِيعًا امْرَأَةً امْرَأَةً، فَيَدْنُو وَيَلْمِسُ مِنْ غَيْرِ مَسِيسٍ، حَتَّى يُفْضِيَ إِلَى الَّتِي هُوَ يَوْمُهَا، فَيَبِيتَ عِنْدَهَا». ورواه الدارقطني (٣٧٣٥) مِنْ طَرِيْقِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبِي الزِّنَادِ، عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ عَائِشَةَ، قَالَتْ: «قَلَّ مَا كَانَ يَوْمٌ»، أَوْ قَالَتْ: «قَلَّ يَوْمٌ إِلَّا كَانَ

стр. 5905

رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَدْخُلُ عَلَى نِسَائِهِ فَيَدْنُو مِنْ كُلِّ امْرَأَةٍ مِنْهُنَّ فِي مَجْلِسِهِ فَيُقَبِّلُ وَيَمَسُّ مِنْ غَيْرِ مَسِيسٍ وَلَا مُبَاشَرَةٍ»، قَالَتْ: «ثُمَّ يَبِيتُ عِنْدَ الَّتِي هُوَ يَوْمُهَا». قُلْتُ: هَذَا حَدِيْثٌ إِسْنَادُهُ جَيِّدٌ، وابن أبي الزناد فيه ضعف لكن قال يحيى بن معين: أثبت الناس في هشام بن عروة عبد الرحمن بن أبي الزناد. وروى الحديث البخاري (٥٢١٦) حَدَّثَنَا فَرْوَةُ، حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ مُسْهِرٍ، عَنْ هِشَامٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ عَائِشَةَ ﵂: «كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إِذَا انْصَرَفَ مِنَ العَصْرِ دَخَلَ عَلَى نِسَائِهِ، فَيَدْنُو مِنْ إِحْدَاهُنَّ، فَدَخَلَ عَلَى حَفْصَةَ، فَاحْتَبَسَ أَكْثَرَ مِمَّا كَانَ يَحْتَبِسُ». ورواه البخاري (٦٩٧٢)، ومسلم (١٤٧٤) مِنْ طَرِيْقِ أَبِي أُسَامَةَ، عَنْ هِشَامٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ عَائِشَةَ، قَالَتْ: «كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يُحِبُّ الحَلْوَاءَ، وَيُحِبُّ العَسَلَ، وَكَانَ إِذَا صَلَّى العَصْرَ أَجَازَ عَلَى نِسَائِهِ فَيَدْنُو مِنْهُنَّ». الحديث. ١٧ - ويدخل في قَوْلُهُ: «ثُمَ قَسَمَ». من كان له امرأتان في بلدين فإنَّ القسم واجب عليه لهما على ما يتيسر له كشهر بشهر أو غير ذلك.

стр. 5906

١٨ - ولا يدخل في قَوْلِهِ: «ثُمَ قَسَمَ». الناشز ومن سافرت لحاجتها بإذن زوجها، وذلك لأنَّها أسقطت حقها باختيارها، وأمَّا من سافرت بإذن زوجها ولحاجة له فلا يسقط حقها من القسم بذلك. قَالَ الْعَلَّامَةُ ابْنُ قُدَامَةَ ﵀ فِي [الْمُغْنِي] (١٦/ ٧٩): «مسألة؛ قال: "وإذا سافرت زوجته بإذنه، فلا نفقة لها، ولا قسم، وإن كان هو أشخصها، فهي على حقها من ذلك" وجملة الأمر أنَّها إذا سافرت في حاجتها، بإذن زوجها، لتجارة لها، أو زيارة، أو حج تطوع، أو عمرة، لم يبق لها حق في نفقة ولا قسم. هكذا ذكر الخرقي والقاضي. وقال أبو الخطاب في ذلك وجهان. وللشافعي فيه قولان: أحدهما، لا يسقط حقها؛ لأنَّها سافرت بإذنه، أشبه ما لو سافرت معه. ولنا، أنَّ القسم للأنس، والنفقة للتمكين من الاستمتاع، وقد تعذر ذلك بسبب من جهتها، فسقط، كما لو تعذر ذلك قبل دخول بها. وفارق ما إذا سافرت معه؛ لأنَّه لم يتعذر ذلك.

стр. 5907

ويحتمل أن يسقط القسم، وجهاً واحداً؛ لأنَّه لو سافر عنها لسقط قسمها، والتعذر من جهته، فإذا تعذر من جهتها بسفرها، كان أولى، ويكون في النفقة الوجهان. وفي هذا تنبيه على سقوطهما إذا سافرت بغير إذنه، فإنه إذا سقط حقها من ذلك لعدم التمكين بأمر ليس فيه نشوز ولا معصية، فلأن يسقط بالنشوز والمعصية أولى. وهذا لا خلاف فيه نعلمه. فأمَّا إن أشخصها، وهو أن يبعثها لحاجته، أو يأمرها بالنقلة من بلدها، لم يسقط حقها من نفقة ولا قسم؛ لأنَّها لم تفوت عليه التمكين، ولا فات من جهتها، وإنَّما حصل بتفويته، فلم يسقط حقها، كما لو أتلف المشتري المبيع، لم يسقط حق البائع من تسليم ثمنه إليه. فعلى هذا، يقضي لها بحسب ما أقام عند ضرتها. وإن سافرت معه، فهي على حقها منهما جميعاً» اهـ. ١٩ - وهذا التسبيع والتثليث تستوي فيه الحرائر والإماء لعموم الحديث.

стр. 5908

قَالَ الْعَلَّامَةُ ابْنُ قُدَامَةَ ﵀ فِي [الْمُغْنِي] (١٦/ ٨٧): «فصل: والأمة والحرة في هذا سواء. ولأصحاب الشافعي في هذا ثلاثة أوجه: أحدهما: كقولنا. والثاني: الأمة على النصف من الحرة، كسائر القسم. والثالث: للبكر من الإماء أربع، وللثيب ليلتان، تكميلاً لبعض الليلة. ولنا عموم قوله ﵇: "للبكر سبع، وللثيب ثلاث". ولأنَّه يراد للأنس وإزالة الاحتشام، والأمة والحرة سواء في الحاجة إليه، فاستويا فيه، كالنفقة» اهـ. ٢٠ - وفيه أنَّ السنة إذا أطلقها الصحابي فإنَّما يريد سنة النبي ﷺ . وَقَدْ قَالَ الْإِمَامُ الْبُخَارِيُّ ﵀ فِي [صَحِيْحِهِ] (١٦٦٢) وَقَالَ اللَّيْثُ: حَدَّثَنِي عُقَيْلٌ، عَنْ ابْنِ شِهَابٍ، قَالَ: أَخْبَرَنِي سَالِمٌ، أَنَّ الحَجَّاجَ بْنَ يُوسُفَ، عَامَ نَزَلَ بِابْنِ الزُّبَيْرِ ﵄، سَأَلَ عَبْدَ اللَّهِ ﵁، كَيْفَ تَصْنَعُ فِي المَوْقِفِ يَوْمَ عَرَفَةَ؟ فَقَالَ سَالِمٌ: «إِنْ كُنْتَ تُرِيدُ السُّنَّةَ فَهَجِّرْ بِالصَّلَاةِ يَوْمَ عَرَفَةَ»، فَقَالَ عَبْدُ اللَّهِ

стр. 5909

بْنُ عُمَرَ: «صَدَقَ، إِنَّهُمْ كَانُوا يَجْمَعُونَ بَيْنَ الظُّهْرِ وَالعَصْرِ فِي السُّنَّةِ»، فَقُلْتُ لِسَالِمٍ: أَفَعَلَ ذَلِكَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ؟ فَقَالَ سَالِمٌ: «وَهَلْ تَتَّبِعُونَ فِي ذَلِكَ إِلَّا سُنَّتَهُ». * * *

стр. 5910

مَا يُسْتَحَبُّ مِنَ الذِّكْرِ عِنْدَ إِرَادَةِ الْجِمَاعِ. ٣٠٦ - عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «لَوْ أَنَّ أَحَدَهُمْ: إذَا أَرَادَ أَنْ يَأْتِيَ أَهْلَهُ قَالَ: بِسْمِ اللَّهِ اللَّهُمَّ جَنِّبْنَا الشَّيْطَانَ، وَجَنِّبْ الشَّيْطَانَ مَا رَزَقْتَنَا فَإِنَّهُ إنْ يُقَدَّرْ بَيْنَهُمَا وَلَدٌ فِي ذَلِكَ، لَمْ يَضُرَّهُ الشَّيْطَانُ أَبَداً». وَفِي الْحَدِيْثِ مَسَائِلُ مِنْهَا: ١ - استحباب هذا الذكر عند إرادة الجماع. ٢ - وظاهر الحديث اختصاص هذا الذكر بالرجل دون المرأة، لكن إذا قالته المرأة فلا بأس بذلك، وذلك لأنَّ المرأة شقيقة الرجل في الأحكام غالباً. قَالَ الْعَلَّامَةُ مُوْسَى الْحَجَّاوِيُّ ﵀ فِي [الْإِقْنَاعِ] (٣/ ٢٤٢): «ويسن أن يقوم عند الوطء: "بسم الله اللهم جنبنا الشيطان وجنب الشيطان ما رزقتنا". قال ابن نصر الله: وتقول المرأة أيضاً» اهـ. وَقَالَ الْعَلَّامَةُ أَبُو بَكْرٍ الدِّمْيَاطِيُّ الشَّافِعِيُّ ﵀ فِي [حَاشِيَةِ إِعَانَةِ الطَّالِبِيْنَ] (٣/ ٣١٦):

стр. 5911

«وقال كل منهما، ولو مع اليأس من الولد: بسم الله اللهم جنبنا الشيطان، وجنب الشيطان ما رزقتنا» اهـ. وَقَالَ الْعَلَّامَةُ ابْنُ حَجَرٍ الهَيتَمِيُّ الشَّافِعِيُّ ﵀ فِي [الفَتَاوَى الْفِقْهِيَّةِ الْكُبْرَى] (٤/ ١٠٧): «ويظهر أنَّه يسن لها أن تقول ذلك أيضاً وأنَّه يسن لهما ذلك وإن كانا لا يلدان لأنَّهما قد يلدان على خلاف العادة ولأنَّ ما يرزقانه أعم من الولد» اهـ. وقد جَاءَ فِي [فَتَاوَى الْلَّجْنَةِ الْدَّائِمَةِ] (١٩/ ٣٥٤): «يستحب لكل من الزوج والزوجة أن يقول عند إرادة الجماع: "بسم الله، اللهم جنبنا الشيطان وجنب الشيطان ما رزقتنا" ويرجو من الله ما كتب الله سبحانه لهما من العفة والنسل بسبب هذا الجماع، لا مجرد قضاء الشهوة. ولم يشرع دعاء من أجل الاستحمام لصلاة الجمعة، وليس هناك صلاة يصليها الرجل والمرأة عند إرادة الجماع. وبالله التوفيق، وصلى الله على نبينا محمد وآله وصحبه وسلم. اللجنة الدائمة للبحوث العلمية والإفتاء عضو … عضو … الرئيس عبد الله بن قعود … عبد الله بن غديان … عبد العزيز بن عبد الله بن باز» اهـ.

стр. 5912

وَجَاءَ فِي [فَتَاوَى الْلَّجْنَةِ الْدَّائِمَةِ] (١٩/ ٣٥٦ - ٣٥٧) «س ٣: قول: "بسم الله، اللهم جنبنا الشيطان، وجنب الشيطان ما رزقتنا" هل تقوله المرأة أم لا؟ على وجه أن يكون سنة في حقها. ج ٣: هذا الدعاء مشروع في حق الرجل إذا أراد أن يأتي أهله؛ لحديث ابن عباس ﵄: "لو أنَّ أحدكم إذا أراد أن يأتي أهله قال: باسم الله، اللهم جنبنا الشيطان، وجنب الشيطان ما رزقتنا، فإنه إن قضي بينهما ولد في ذلك لم يضره الشيطان أبداً" متفق عليه، ورواه أصحاب السنن وغيرهم، لكن لو دعت به فلا بأس؛ لأنَّ الأصل عدم الخصوصية. وبالله التوفيق، وصلى الله على نبينا محمد وآله وصحبه وسلم. اللجنة الدائمة للبحوث العلمية والإفتاء عضو … عضو … عضو … عضو … الرئيس بكر أبو زيد … عبد العزيز آل الشيخ … صالح الفوزان … عبد الله بن غديان … عبد العزيز بن عبد الله بن باز» اهـ. ٣ - وعمومه يشمل من كان عقيماً.

стр. 5913

قَالَ الْعَلَّامَةُ ابْنُ حَجَرٍ الهَيتَمِيُّ الشَّافِعِيُّ ﵀ فِي [الفَتَاوَى الْفِقْهِيَّةِ الْكُبْرَى] (٤/ ١٠٧): «ويظهر أنَّه يسن لها أن تقول ذلك أيضاً وأنَّه يسن لهما ذلك وإن كانا لا يلدان لأنَّهما قد يلدان على خلاف العادة ولأنَّ ما يرزقانه أعم من الولد» اهـ. ٤ - ويشمل من كانت امرأته حاملاً. قُلْتُ: وذلك أنَّ وطء الحامل وإن لم يكن من أسباب وجوده لانعقاد السبب قبل ذلك لكنه من أسباب نماءه. ويدل عليه ما رواه أحمد (١٧٠٣٨)، وأبو داود (٢١٥٨) مِنْ طَرِيْقِ مُحَمَّدُ بْنُ إِسْحَاقَ، عَنْ يَزِيدَ بْنِ أَبِي حَبِيبٍ، عَنْ أَبِي مَرْزُوقٍ - مَوْلَى تُجِيبَ، وَتُجِيبُ بَطْنٌ مِنْ كِنْدَةَ -، عَنْ رُوَيْفِعِ بْنِ ثَابِتٍ الْأَنْصَارِيِّ، قَالَ: كُنْتُ مَعَ النَّبِيِّ ﷺ حِينَ افْتَتَحَ حُنَيْنًا، فَقَامَ فِينَا خَطِيبًا فَقَالَ: «لَا يَحِلُّ لِامْرِئٍ، يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ أَنْ يَسْقِيَ مَاءَهُ زَرْعَ غَيْرِهِ، وَلَا أَنْ يَبْتَاعَ مَغْنَمًا حَتَّى يُقْسَمَ، وَلَا أَنْ يَلْبَسَ ثَوْبًا مِنْ فَيْءِ الْمُسْلِمِينَ حَتَّى إِذَا أَخْلَقَهُ رَدَّهُ فِيهِ، وَلَا يَرْكَبَ دَابَّةً مِنْ فَيْءِ الْمُسْلِمِينَ حَتَّى إِذَا أَعْجَفَهَا رَدَّهَا فِيهِ». قُلْتُ: إِسْنَادُهُ حَسَنٌ.

стр. 5914

قَالَ شَيْخُ الْإِسْلَامِ ابْنُ تَيْمِيَّةَ ﵀ كَمَا فِي [مَجْمُوْعِ الْفَتَاوَى] (٣٤/ ٦٩): «فإنَّ ماء الواطئ يزيد في الحمل كما يزيد الماء في الزرع» اهـ. وَقَالَ الْعَلَّامَةُ ابْنُ الْقَيِّمِ ﵀ فِي [تَهْذِيْبِ السُّنَنِ] (١/ ٣٠٥): «فالصواب القول الثاني، وهو أنَّه إذا وطئها حاملاً صار في الحمل جزء منه. فإنَّ الوطء يزيد في تخليقه، وهو قد علم أنَّه عبد له، فهو باق على أن يستعبده، ويجعله كالمال الموروث عنه، فيورثه أي يجعله مالاً موروثاً عنه. وقد صار فيه جزء من الأب. قال الإمام أحمد: الوطء يزيد في سمعه وبصره. وقد صرح النبي ﷺ بهذا المعنى في قَوْلِهِ: "لا يحل لرجل أن يسقي ماءه زرع غيره"، ومعلوم أنَّ الماء الذي يسقى به الزرع يزيد فيه، ويتكون الزرع منه، وقد شبه وطء الحامل بساقي الزرع الماء، وقد جعل الله ﵎ محل الوطء حرثاً، وشبه النبي ﷺ الحمل بالزرع، ووطء الحامل بسقي الزرع» اهـ. وَقَالَ الْعَلَّامَةُ ابْنُ قُدَامَةَ ﵀ فِي [الْمُغْنِي] (٢٤/ ٤٢٢): «فصل: قال أحمد ﵁ في من اشترى جارية حاملاً من غيره، فوطئها قبل وضعها: فإنَّ الولد لا يلحق بالمشتري ولا يبيعه، ولكن يعتقه؛ لأنَّه قد شرك فيه؛ لأنَّ الماء يزيد في الولد.

стр. 5915

وقد روي عن أبي الدرداء، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أنَّه مرَّ بامرأة مجح، على باب فسطاط، فقال: "لعله يريد أن يلم بها"؟ قالوا: نعم. فقال رسول الله ﷺ : "لقد هممت أن ألعنه لعناً يدخل معه في قبره، كيف يرثونه وهو لا يحل له، أم كيف يستخدمه وهو لا يحل له". رواه أبو داود. يعني إن استلحقه وشركه في ميراثه، لم يحل له؛ لأنَّه ليس بولده، فإن اتخذه مملوكاً يستخدمه لم يحل له؛ لأنَّه قد شرك فيه؛ لكون الماء يزيد في الولد» اهـ. قُلْتُ: حديث أبي الدرداء رواه مسلم (١٤٤١) عَنْ أَبِي الدَّرْدَاءِ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ ، أَنَّهُ أَتَى بِامْرَأَةٍ مُجِحٍّ عَلَى بَابِ فُسْطَاطٍ، فَقَالَ: «لَعَلَّهُ يُرِيدُ أَنْ يُلِمَّ بِهَا»، فَقَالُوا: نَعَمْ، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : «لَقَدْ هَمَمْتُ أَنْ أَلْعَنَهُ لَعْنًا يَدْخُلُ مَعَهُ قَبْرَهُ، كَيْفَ يُوَرِّثُهُ وَهُوَ لَا يَحِلُّ لَهُ؟ كَيْفَ يَسْتَخْدِمُهُ وَهُوَ لَا يَحِلُّ لَهُ؟». قَالَ شَيْخُ الْإِسْلَامِ ابْنُ تَيْمِيَّةَ ﵀ كَمَا فِي [مُخْتَصَرِ الْفَتَاوَي الْمَصْرِيَّةِ] (٢/ ٧٣):

стр. 5916

«فنص على أنَّه لا يجوز له استعباده ولا أن يجعله ميراثاً عنه إذا كان قد سقاه ماءه وزاد في سمعه وبصره فصار فيه ما هو بعض له فهي أم ولده من هذه الوجه» اهـ. وَقَالَ الْعَلَّامَةُ ابْنُ الْقَيِّمِ ﵀ فِي [زَادِ الْمَعَادِ] (٥/ ٧٣٠): «أي: كيف يجعله عبداً له يستخدمه، وذلك لا يحل، فإنَّ ماء هذا الواطئ يزيد في خلق الحمل، فيكون بعضه منه، قال الإمام أحمد يزيد وطؤه في سمعه وبصره. وَقَوْلُهُ: "كيف يورثه وهو لا يحل له"، سمعت شيخ الإسلام ابن تيمية يقول فيه: أي: كيف يجعله تركة موروثة عنه، فإنَّه يعتقده عبده، فيجعله تركة تورث عنه، ولا يحل له ذلك، لأنَّ ماءه زاد في خلقه، ففيه جزء منه. وقال غيره: المعنى: كيف يورثه على أنَّه ابنه، ولا يحل له ذلك، لأنَّ الحمل من غيره، وهو بوطئه يريد أن يجعله منه، فيورثه ماله، وهذا يرده أول الحديث، وهو قَوْلُهُ: "كيف يستعبده"؟ أي: كيف يجعله عبده؟ وهذا إنَّما يدل على المعنى الأول» اهـ. وَقَالَ الْعَلَّامَةُ ابْنُ الْقَيِّمِ ﵀ فِي [التِّبْيَانِ فِي أَقْسَامِ الْقُرْآنِ] (ص: ٢٢٠) (ص: ٢٢٠):

стр. 5917

«والمجح الحامل المقرب. وَقَوْلُهُ: "كيف يورثه" أي يجعل له تركة موروثة عنه كأنَّه عبده ولا يحل له ذلك؟ فهذا دليل على أنَّ وطء الحامل إذا وطئت كثيراً جاء الولد عبلاً ممتلئاً وإذا هجر وطؤها جاء الولد هزيلًا ضعيفاً» اهـ. ٥ - وفيه أنَّ من قال هذا الذكر عند إرادة الجماع لم يضر الشيطان ولده أبداً. قَالَ الْحِافِظُ ابْنُ حَجَرٍ ﵀ فِي [فَتْحِ الْبَارِي] (٩/ ٢٢٩): «واختلف في الضرر المنفي بعد الاتفاق على ما نقل عياض على عدم الحمل على العموم في أنواع الضرر وإن كان ظاهراً في الحمل على عموم الأحوال من صيغة النفي مع التأبيد، وكأنَّ سبب ذلك ما تقدم في بدء الخلق أنَّ كل بني آدم يطعن الشيطان في بطنه حين يولد إلَّا من استثنى، فإنَّ في هذا الطعن نوع ضرر في الجملة مع أنَّ ذلك سبب صراخه، ثم اختلفوا فقيل: المعنى لم يسلط عليه من أجل بركة التسمية بل يكون من جملة العباد الذين قيل فيهم: ﴿إِنَّ عِبَادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطَانٌ﴾ ويؤيده مرسل الحسن المذكور. وقيل: المراد لم يطعن في بطنه وهو بعيد لمنابذته ظاهر الحديث المتقدم وليس تخصيصه بأولى من تخصيص هذا. وقيل: المراد لم يصرعه.

стр. 5918

وقيل: لم يضره في بدنه، وقال ابن دقيق العيد: يحتمل أن لا يضره في دينه أيضاً ولكن يبعده انتفاء العصمة، وتعقب بأنَّ اختصاص من خص بالعصمة بطريق الوجوب لا بطريق الجواز فلا مانع أن يوجد من لا يصدر منه معصية عمداً وأن لم يكن ذلك واجباً له. وقال الداودي: معنى لم يضره أي لم يفتنه عن دينه إلى الكفر وليس المراد عصمته منه عن المعصية. وقيل: لم يضره بمشاركة أبيه في جماع أمه كما جاء عن مجاهد أنَّ الذي يجامع ولا يسمي يلتف الشيطان على إحليله فيجامع معه ولعل هذا أقرب الأجوبة ويتأيد الحمل على الأول بأنَّ الكثير ممن يعرف هذا الفضل العظيم يذهل عنه عند إرادة المواقعة والقليل الذي قد يستحضره ويفعله لا يقع معه الحمل فإذا كان ذلك نادراً لم يبعد» اهـ. قُلْتُ: يمكن حمل الحديث على أنَّه لا يضره في دينه بأن يوقعه في الكفر الأكبر والشرك الأكبر، ولا يضره في بدنه بصرع وجنون، ولا غير ذلك من أنواع الضرر إلَّا ما استثناه الدليل من الطعن في خاصرته أثناء ولادته، لما رواه البخاري (٣٢٨٦) عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، ﵁، قَالَ: قَالَ النَّبِيُّ ﷺ :

стр. 5919

«كُلُّ بَنِي آدَمَ يَطْعُنُ الشَّيْطَانُ فِي جَنْبَيْهِ بِإِصْبَعِهِ حِينَ يُولَدُ، غَيْرَ عِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ، ذَهَبَ يَطْعُنُ فَطَعَنَ فِي الحِجَابِ». قَالَ الْحِافِظُ ابْنُ حَجَرٍ ﵀ فِي [فَتْحِ الْبَارِي] (٦/ ٤٧٠): «"فطعن في الحجاب" أي: في المشيمة التي فيها الولد» اهـ. وَقَالَ الْعَلَّامَةُ ابْنُ عُثَيْمِيْنَ ﵀ فِي [الشَّرْحُ الْمُمْتِعِ] (١٢/ ٤١٥): «وقال بعض العلماء: بل الحديث عام لم يضره الشيطان أبداً، والتأبيد يدل على أنَّ ذلك مستمر، ولكن الجواب عن الصورة التي ذكرنا، أن يقال: إنَّ هذا سبب، والأسباب قد تتخلف بوجود موانع، كما قَالَ النَّبِيُّ ﵊: "كل مولودٍ يولد على الفطرة، فأبواه يهودانه أو ينصرانه أو يمجسانه"، وإلَّا فكلام الرسول ﵊ حقٌ وصدق، ولكن هذا سببٌ من الأسباب، وقد يوجد موانع. فإذا قال لنا قائل: إذا كان هذا سبباً وقد يوجد موانع، إذاً ما الفائدة؟! نقول: هذا غلط ليس بصحيح، الفائدة أنَّك فعلت السبب، والموانع عارضة، والأصل عدم وجودها.

стр. 5920

فعليك أن تفعل السبب موقناً بأنَّه سينفع، ثم الأمر بيد الله ، وكل إنسان يريد أن يفعل شيئاً له أسباب لا يقول: أخشى من الموانع، بل يفعل الأسباب، والموانع عارضة» اهـ. ٦ - وفيه بركة اسم الله. ٧ - وفيه السعي في الأسباب المصلحة للذرية. ٨ - وفيه طلب الولد في الجماع. * * *
следующие страницы →