Полный текст (8 095 стр.). Показаны 5916–5955 · переход к 5921.
стр. 5916
«فنص على أنَّه لا يجوز له استعباده ولا أن يجعله ميراثاً عنه إذا كان قد سقاه ماءه وزاد في سمعه وبصره فصار فيه ما هو بعض له فهي أم ولده من هذه الوجه» اهـ.
وَقَالَ الْعَلَّامَةُ ابْنُ الْقَيِّمِ ﵀ فِي [زَادِ الْمَعَادِ] (٥/ ٧٣٠):
«أي: كيف يجعله عبداً له يستخدمه، وذلك لا يحل، فإنَّ ماء هذا الواطئ يزيد في خلق الحمل، فيكون بعضه منه، قال الإمام أحمد يزيد وطؤه في سمعه وبصره.
وَقَوْلُهُ: "كيف يورثه وهو لا يحل له"، سمعت شيخ الإسلام ابن تيمية يقول فيه: أي: كيف يجعله تركة موروثة عنه، فإنَّه يعتقده عبده، فيجعله تركة تورث عنه، ولا يحل له ذلك، لأنَّ ماءه زاد في خلقه، ففيه جزء منه.
وقال غيره: المعنى: كيف يورثه على أنَّه ابنه، ولا يحل له ذلك، لأنَّ الحمل من غيره، وهو بوطئه يريد أن يجعله منه، فيورثه ماله، وهذا يرده أول الحديث، وهو قَوْلُهُ: "كيف يستعبده"؟ أي: كيف يجعله عبده؟ وهذا إنَّما يدل على المعنى الأول» اهـ.
وَقَالَ الْعَلَّامَةُ ابْنُ الْقَيِّمِ ﵀ فِي [التِّبْيَانِ فِي أَقْسَامِ الْقُرْآنِ] (ص: ٢٢٠) (ص: ٢٢٠):
стр. 5917
«والمجح الحامل المقرب. وَقَوْلُهُ: "كيف يورثه" أي يجعل له تركة موروثة عنه كأنَّه عبده ولا يحل له ذلك؟ فهذا دليل على أنَّ وطء الحامل إذا وطئت كثيراً جاء الولد عبلاً ممتلئاً وإذا هجر وطؤها جاء الولد هزيلًا ضعيفاً» اهـ.
٥ - وفيه أنَّ من قال هذا الذكر عند إرادة الجماع لم يضر الشيطان ولده أبداً.
قَالَ الْحِافِظُ ابْنُ حَجَرٍ ﵀ فِي [فَتْحِ الْبَارِي] (٩/ ٢٢٩):
«واختلف في الضرر المنفي بعد الاتفاق على ما نقل عياض على عدم الحمل على العموم في أنواع الضرر وإن كان ظاهراً في الحمل على عموم الأحوال من صيغة النفي مع التأبيد، وكأنَّ سبب ذلك ما تقدم في بدء الخلق أنَّ كل بني آدم يطعن الشيطان في بطنه حين يولد إلَّا من استثنى، فإنَّ في هذا الطعن نوع ضرر في الجملة مع أنَّ ذلك سبب صراخه، ثم اختلفوا فقيل: المعنى لم يسلط عليه من أجل بركة التسمية بل يكون من جملة العباد الذين قيل فيهم: ﴿إِنَّ عِبَادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطَانٌ﴾ ويؤيده مرسل الحسن المذكور.
وقيل: المراد لم يطعن في بطنه وهو بعيد لمنابذته ظاهر الحديث المتقدم وليس تخصيصه بأولى من تخصيص هذا.
وقيل: المراد لم يصرعه.
стр. 5918
وقيل: لم يضره في بدنه، وقال ابن دقيق العيد: يحتمل أن لا يضره في دينه أيضاً ولكن يبعده انتفاء العصمة، وتعقب بأنَّ اختصاص من خص بالعصمة بطريق الوجوب لا بطريق الجواز فلا مانع أن يوجد من لا يصدر منه معصية عمداً وأن لم يكن ذلك واجباً له.
وقال الداودي: معنى لم يضره أي لم يفتنه عن دينه إلى الكفر وليس المراد عصمته منه عن المعصية.
وقيل: لم يضره بمشاركة أبيه في جماع أمه كما جاء عن مجاهد أنَّ الذي يجامع ولا يسمي يلتف الشيطان على إحليله فيجامع معه ولعل هذا أقرب الأجوبة ويتأيد الحمل على الأول بأنَّ الكثير ممن يعرف هذا الفضل العظيم يذهل عنه عند إرادة المواقعة والقليل الذي قد يستحضره ويفعله لا يقع معه الحمل فإذا كان ذلك نادراً لم يبعد» اهـ.
قُلْتُ: يمكن حمل الحديث على أنَّه لا يضره في دينه بأن يوقعه في الكفر الأكبر والشرك الأكبر، ولا يضره في بدنه بصرع وجنون، ولا غير ذلك من أنواع الضرر إلَّا ما استثناه الدليل من الطعن في خاصرته أثناء ولادته، لما رواه البخاري (٣٢٨٦) عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، ﵁، قَالَ: قَالَ النَّبِيُّ ﷺ :
стр. 5919
«كُلُّ بَنِي آدَمَ يَطْعُنُ الشَّيْطَانُ فِي جَنْبَيْهِ بِإِصْبَعِهِ حِينَ يُولَدُ، غَيْرَ عِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ، ذَهَبَ يَطْعُنُ فَطَعَنَ فِي الحِجَابِ».
قَالَ الْحِافِظُ ابْنُ حَجَرٍ ﵀ فِي [فَتْحِ الْبَارِي] (٦/ ٤٧٠): «"فطعن في الحجاب" أي: في المشيمة التي فيها الولد» اهـ.
وَقَالَ الْعَلَّامَةُ ابْنُ عُثَيْمِيْنَ ﵀ فِي [الشَّرْحُ الْمُمْتِعِ] (١٢/ ٤١٥):
«وقال بعض العلماء: بل الحديث عام لم يضره الشيطان أبداً، والتأبيد يدل على أنَّ ذلك مستمر، ولكن الجواب عن الصورة التي ذكرنا، أن يقال: إنَّ هذا سبب، والأسباب قد تتخلف بوجود موانع، كما قَالَ النَّبِيُّ ﵊: "كل مولودٍ يولد على الفطرة، فأبواه يهودانه أو ينصرانه أو يمجسانه"، وإلَّا فكلام الرسول ﵊ حقٌ وصدق، ولكن هذا سببٌ من الأسباب، وقد يوجد موانع.
فإذا قال لنا قائل: إذا كان هذا سبباً وقد يوجد موانع، إذاً ما الفائدة؟! نقول: هذا غلط ليس بصحيح، الفائدة أنَّك فعلت السبب، والموانع عارضة، والأصل عدم وجودها.
стр. 5920
فعليك أن تفعل السبب موقناً بأنَّه سينفع، ثم الأمر بيد الله ، وكل إنسان يريد أن يفعل شيئاً له أسباب لا يقول: أخشى من الموانع، بل يفعل الأسباب، والموانع عارضة» اهـ.
٦ - وفيه بركة اسم الله.
٧ - وفيه السعي في الأسباب المصلحة للذرية.
٨ - وفيه طلب الولد في الجماع.
* * *
стр. 5921
تَحْرِيْمُ الْخَلْوَةِ بِالْمَرْأَةِ الْأَجْنَبِيَّةِ.
٣٠٧ - عَنْ عُقْبَةَ بْنِ عَامِرٍ ﵁ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: «إيَّاكُمْ وَالدُّخُولَ عَلَى النِّسَاءِ». فَقَالَ رَجُلٌ مِنْ الأَنْصَارِ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، أَرَأَيْتَ الْحَمْوَ؟ قَالَ: «الْحَمْوُ الْمَوْتُ».
ولِمُسْلِمٍ: عنْ أَبي الطَّاهِرِ عنِ ابنِ وَهْبٍ قالَ: سَمِعْتُ اللَّيثَ يقولُ: الحَمْوُ: أَخو الزَّوْجِ ومَا أَشْبَهَهُ منْ أَقاربِ الزَّوْجِ، ابنِ عَمٍّ ونَحْوِهِ.
قَوْلُهُ: «الْحَمْوُ الْمَوْتُ». اختلف العلماء في معنى ذلك على أقوال منها:
١ - أنَّ الخلوة بالحمو قد تؤدي إلى هلاك الدين إن وقعت المعصية، أو إلى الموت إن وقعت المعصية ووجب الرجم، أو إلى هلاك المرأة بفراق زوجها إذا حملته الغيرة على تطليقها.
٢ - أنَّ خلوة الرجل بامرأة أخيه أو بن أخيه تنزل منزلة الموت، والعرب تصف الشيء المكروه بالموت.
٣ - أنَّها كلمة تقولها العرب مثلاً، كما تقول: الأسد الموت أي: لقاؤه فيه الموت والمعنى احذروه كما تحذرون الموت.
стр. 5922
٤ - المراد أنَّ المرأة إذا خلت فهي محل الآفة ولا يؤمن عليها أحد فليكن حموها الموت، أي: لا يجوز لأحد أن يخلو بها إلَّا الموت، كما قيل: نعم الصهر القبر.
٥ - وقيل المراد: فليمت ولا يفعل هذا.
٦ - أن الخلوة بالأحماء مؤدية إلى الفتنة والهلاك في الدين فجعله كهلاك الموت.
٧ - أنَّ دخول قريب الزوج على امرأة الزوج يشبه الموت في الاستقباح والمفسدة أي: فهو محرم معلوم التحريم وإنَّما بالغ في الزجر عنه وشبهه بالموت لتسامح الناس به من جهة الزوج والزوجة لألفهم بذلك حتى كأنَّه ليس بأجنبي من المرأة فخرج هذا مخرج قول العرب: الأسد الموت، والحرب الموت، أي: لقاؤه يفضي إلى الموت، وكذلك دخوله على المرأة قد يفضي إلى موت الدين، أو إلى موتها بطلاقها عند غيرة الزوج، أو إلى الرجم أن وقعت الفاحشة.
٨ - أنَّ خلوة المحرم بها كأبي زوجها أشد من خلوة غيره من الأجانب لأنَّه ربما حسن لها أشياء وحملها على أمور تثقل على الزوج من التماس ما ليس في وسعه فتسوء العشرة بين الزوجين بذلك، فكأنَّه قال: الحمو الموت أي لا بد منه ولا يمكن حجبه عنها كما أنَّه لا بد من الموت.
ذكر كل ذلك الْحِافِظُ ابْنُ حَجَرٍ ﵀ فِي [فَتْحِ الْبَارِي] (٩/ ٣٣٢).
стр. 5923
وَقَالَ الْعَلَّامَةُ الْنَوَوِي ﵀ فِي [شَرْحِ مُسْلِمٍ] (٧/ ٣٠٨):
«قال الليث بن سعد: الحمو أخو الزوج، وما أشبهه من أقارب الزوج: ابن العم ونحوه. اتفق أهل اللغة على أنَّ الأحماء أقارب زوج المرأة كأبيه، وأخيه، وابن أخيه، وابن عمه، ونحوهم. والأختان أقارب زوجة الرجل. والأصهار يقع على النوعين».
إِلَى أَنْ قَالَ ﵀: «وقال القاضي: معناه الخلوة بالأحماء مؤدية إلى الفتنة والهلاك في الدين، فجعله كهلاك الموت، فورد الكلام مورد التغليظ. قال: وفي الحم أربع لغات إحداها هذا حموك بضم الميم في الرفع، ورأيت حماك، ومررت بحميك، والثانية هذا حمؤك بإسكان الميم وهمزة مرفوعة، ورأيت حمأك، ومررت بحمئك. والثالثة حما هذا حماك ورأيت حماك ومررت بحماك كقفا وقفاك. والرابعة حم كأب. وأصله حمو بفتح الحاء والميم. وحماة المرأة أم زوجها. لا يقال فيها غير هذا» اهـ.
وَفِي الْحَدِيْثِ مَسَائِلُ مِنْهَا:
١ - النهي عن الخلو بالمرأة لأنَّ ذلك من أسباب الوقوع في الفواحش.
والمراد بالنساء في الحديث الأجانب.
стр. 5924
ويستثنى من هذا النهي الزوج والمحارم، لما رواه مسلم (٢١٧١) عَنْ جَابِرٍ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : «أَلَا لَا يَبِيتَنَّ رَجُلٌ عِنْدَ امْرَأَةٍ ثَيِّبٍ، إِلَّا أَنْ يَكُونَ نَاكِحًا أَوْ ذَا مَحْرَمٍ».
قَالَ الْعَلَّامَةُ الْنَوَوِي ﵀ فِي [شَرْحِ مُسْلِمٍ] (٧/ ٣٠٧): «قال العلماء: إنَّما خص الثيب لكونها التي يدخل إليها غالباً، وأمَّا البكر فمصونة متصونة في العادة مجانبة للرجال أشد مجانبة، فلم يحتج إلى ذكرها، ولأنَّه من باب التنبيه، لأنَّه إذا نهي عن الثيب التي يتساهل الناس في الدخول عليها في العادة، فالبكر أولى» اهـ.
وأشكل على هذا الحديث نوم النبي ﷺ عند أم حرام، وذلك فيما رواه البخاري (٢٧٨٨، ٢٧٨٩)، ومسلم (١٩١٢) عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ ﵁ قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَدْخُلُ عَلَى أُمِّ حَرَامٍ بِنْتِ مِلْحَانَ فَتُطْعِمُهُ - وَكَانَتْ أُمُّ حَرَامٍ تَحْتَ عُبَادَةَ بْنِ الصَّامِتِ - فَدَخَلَ عَلَيْهَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ، فَأَطْعَمَتْهُ وَجَعَلَتْ تَفْلِي رَأْسَهُ، فَنَامَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ، ثُمَّ اسْتَيْقَظَ وَهُوَ يَضْحَكُ، قَالَتْ: فَقُلْتُ: وَمَا يُضْحِكُكَ يَا رَسُولَ اللَّهِ؟ قَالَ: «نَاسٌ مِنْ أُمَّتِي عُرِضُوا عَلَيَّ غُزَاةً فِي سَبِيلِ اللَّهِ، يَرْكَبُونَ ثَبَجَ هَذَا البَحْرِ مُلُوكًا عَلَى الأَسِرَّةِ، أَوْ: مِثْلَ المُلُوكِ عَلَى الأَسِرَّةِ»، شَكَّ إِسْحَاقُ، قَالَتْ: فَقُلْتُ: يَا
стр. 5925
رَسُولَ اللَّهِ، ادْعُ اللَّهَ أَنْ يَجْعَلَنِي مِنْهمْ، فَدَعَا لَهَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ، ثُمَّ وَضَعَ رَأْسَهُ، ثُمَّ اسْتَيْقَظَ وَهُوَ يَضْحَكُ، فَقُلْتُ: وَمَا يُضْحِكُكَ يَا رَسُولَ اللَّهِ؟ قَالَ: «نَاسٌ مِنْ أُمَّتِي عُرِضُوا عَلَيَّ غُزَاةً فِي سَبِيلِ اللَّهِ» - كَمَا قَالَ فِي الأَوَّلِ - قَالَتْ: فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ ادْعُ اللَّهَ أَنْ يَجْعَلَنِي مِنْهُمْ، قَالَ: «أَنْتِ مِنَ الأَوَّلِينَ»، فَرَكِبَتِ البَحْرَ فِي زَمَانِ مُعَاوِيَةَ بْنِ أَبِي سُفْيَانَ، فَصُرِعَتْ عَنْ دَابَّتِهَا حِينَ خَرَجَتْ مِنَ البَحْرِ، فَهَلَكَتْ.
وقَالَ الْحِافِظُ ابْنُ حَجَرٍ ﵀ فِي [فَتْحِ الْبَارِي] (١١/ ٧٣): «وجعلت تفلي رأسه وتفلى بفتح المثناة وسكون الفاء وكسر اللام أي تفتش ما فيه» اهـ.
قُلْتُ: وثبج البحر ظهره. فقد جاء عند مسلم بلفظ: «أُرِيتُ قَوْمًا مِنْ أُمَّتِي يَرْكَبُونَ ظَهْرَ الْبَحْرِ كَالْمُلُوكِ عَلَى الْأَسِرَّةِ».
قَالَ الْحِافِظُ ابْنُ حَجَرٍ ﵀ فِي [فَتْحِ الْبَارِي] (١١/ ٧٨ - ٧٩):
«وقد أشكل هذا على جماعة فقال ابن عبد البر: أظن أنَّ أم حرام أرضعت رسول الله ﷺ أو أختها أم سليم فصارت كل منهما أمه أو خالته من الرضاعة فلذلك كان ينام عندها وتنال منه ما يجوز للمحرم أن يناله من محارمه، ثم ساق بسنده إلى يحيى بن إبراهيم بن مزين قال: إنَّما استجاز رسول الله صَلَّى اللهُ
стр. 5926
عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أن تفلي أم حرام رأسه لأنَّها كانت منه ذات محرم من قبل خالاته لأنَّ أم عبد المطلب جده كانت من بني النجار، ومِنْ طَرِيْقِ يونس بن عبد الأعلى قال: قال لنا ابن وهب: أم حرام إحدى خالات النبي ﷺ من الرضاعة فلذلك كان يقيل عندها وينام في حجرها وتفلي رأسه.
قال ابن عبد البر: وأيهما كان فهي محرم له، وجزم أبو القاسم بن الجوهري والداودي والمهلب فيما حكاه ابن بطال عنه بما قال ابن وهب قال: وقال غيره: إنَّما كانت خالة لأبيه أو جده عبد المطلب وقال ابن الجوزي: سمعت بعض الحفاظ يقول: كانت أم سليم أخت آمنة بنت وهب أم رسول الله ﷺ من الرضاعة، وحكى ابن العربي ما قال ابن وهب، ثم قال: وقال غيره بل كان النبي ﷺ معصوماً يملك إربه عن زوجته فكيف عن غيرها مما هو المنزه عنه وهو المبرأ عن كل فعل قبيح وقول رفث فيكون ذلك من خصائصه.
ثم قال: ويحتمل أن يكون ذلك قبل الحجاب، ورد بأنَّ ذلك كان بعد الحجاب جزماً، وقد قدمت في أول الكلام على شرحه أنَّ ذلك كان بعد حجة الوداع، ورد عياض الأول بأنَّ الخصائص لا تثبت بالاحتمال وثبوت العصمة مسلم لكن
стр. 5927
الأصل عدم الخصوصية وجواز الاقتداء به في أفعاله حتى يقوم على الخصوصية دليل.
وبالغ الدمياطي في الرد على من ادعى المحرمية فقال: ذهل كل من زعم أنَّ أم حرام إحدى خالات النبي ﷺ من الرضاعة أو من النسب وكل من أثبت لها خؤلة تقتضي محرمية لأنَّ أمهاته من النسب واللاتي أرضعنه معلومات ليس فيهنَّ أحد من الأنصار البتة سوى أم عبد المطلب وهي سلمى بنت عمرو بن زيد بن لبيد بن خراش بن عامر بن غنم بن عدي بن النجار وأم حرام هي بنت ملحان بن خالد بن زيد بن حرام بن جندب بن عامر المذكور فلا تجتمع أم حرام وسلمى إلَّا في عامر بن غنم جدهما الأعلى وهذه خؤلة لا تثبت بها محرمية لأنَّها خؤلة مجازية وهي كقوله ﷺ لسعد بن أبي وقاص: "هذا خالي" لكونه من بني زهرة وهم أقارب أمه آمنة وليس سعد أخاً لآمنة لا من النسب ولا من الرضاعة، ثم قال: وإذا تقرر هذا فقد ثبت في الصحيح أنَّه ﷺ كان لا يدخل على أحد من النساء إلَّا على أزواجه إلَّا على أم سليم فقيل له فقال: أرحمها قتل أخوها معي يعني حرام بن ملحان. وكان قد قتل يوم بئر معونة.
стр. 5928
قُلْتُ: وقد تقدمت قصته في الجهاد في باب فضل من جهز غازياً وأوضحت هناك وجه الجمع بين ما أفهمه هذا الحصر وبين ما دل عليه حديث الباب في أم حرام بما حاصله أنَّهما أختان كانتا في دار واحدة كل واحدة منهما في بيت من تلك الدار وحرام بن ملحان أخوهما معاً فالعلة مشتركة فيهما، وإن ثبت قصة أم عبد الله بنت ملحان التي أشرت إليها قريباً فالقول فيها كالقول في أم حرام، وقد انضاف إلى العلة المذكورة كون أنس خادم النبي ﷺ وقد جرت العادة بمخالطة المخدوم خادمه وأهل خادمه ورفع الحشمة التي تقع بين الأجانب عنهم، ثم قال الدمياطي: على أنَّه ليس فتح في الحديث ما يدل على الخلوة بأم حرام ولعل ذلك كان مع ولد أو خادم أو زوج أو تابع.
قُلْتُ: وهو احتمال قوي لكنَّه لا يدفع الإشكال من أصله لبقاء الملامسة في تفلية الرأس وكذا النوم في الحجر وأحسن الأجوبة دعوى الخصوصية ولا يردها كونها لا تثبت إلَّا بدليل لأنَّ الدليل على ذلك واضح والله أعلم» اهـ.
وَقَالَ ﵀ فِي [فَتْحِ الْبَارِي] (٩/ ٢٠٣): «والذي وضح لنا بالأدلة القوية أنَّ من خصائص النبي ﷺ جواز الخلوة بالأجنبية والنظر إليها وهو
стр. 5929
الجواب الصحيح عن قصة أم حرام بنت ملحان في دخوله عليها ونومه عندها وتفليتها رأسه ولم يكن بينهما محرمية ولا زوجية» اهـ.
وَقَالَ الْعَلَّامَةُ الْنَوَوِي ﵀ فِي [شَرْحِ مُسْلِمٍ] (٦/ ٣٩٣):
«اتفق العلماء على أنَّها كانت محرماً له ﷺ ، واختلفوا في كيفية ذلك فقال ابن عبد البر وغيره: كانت إحدى خالاته من الرضاعة، وقال آخرون: بل كانت خالة لأبيه أو لجده؛ لأنَّ عبد المطلب كانت أمه من بني النجار» اهـ.
قُلْتُ: وروى مسلم (٢٣٣١) عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ، قَالَ: كَانَ النَّبِيُّ ﷺ يَدْخُلُ بَيْتَ أُمِّ سُلَيْمٍ فَيَنَامُ عَلَى فِرَاشِهَا، وَلَيْسَتْ فِيهِ، قَالَ: فَجَاءَ ذَاتَ يَوْمٍ فَنَامَ عَلَى فِرَاشِهَا، فَأُتِيَتْ فَقِيلَ لَهَا: هَذَا النَّبِيُّ ﷺ نَامَ فِي بَيْتِكِ، عَلَى فِرَاشِكِ، قَالَ فَجَاءَتْ وَقَدْ عَرِقَ، وَاسْتَنْقَعَ عَرَقُهُ عَلَى قِطْعَةِ أَدِيمٍ، عَلَى الْفِرَاشِ، فَفَتَحَتْ عَتِيدَتَهَا فَجَعَلَتْ تُنَشِّفُ ذَلِكَ الْعَرَقَ فَتَعْصِرُهُ فِي قَوَارِيرِهَا، فَفَزِعَ النَّبِيُّ ﷺ فَقَالَ: «مَا تَصْنَعِينَ؟ يَا أُمَّ سُلَيْمٍ» فَقَالَتْ: يَا رَسُولَ اللهِ نَرْجُو بَرَكَتَهُ لِصِبْيَانِنَا، قَالَ: «أَصَبْتِ».
قُلْتُ: وأم سليم هي أخت أم حرام، ويوجه حديثها بمثل توجيه حديث أم حرام، وأقرب الأجوبة عندي إثبات المحرمية من جهة الرضاع. والله أعلم.
стр. 5930
٢ - أنَّه يدخل في هذا النهي أقرباء الزوج غير آبائه وأبنائه.
قَالَ الْعَلَّامَةُ الْنَوَوِي ﵀ فِي [شَرْحِ مُسْلِمٍ] (٧/ ٣٠٨): «والمراد بالحمو هنا أقارب الزوج غير آبائه وأبنائه. فأمَّا الآباء والأبناء فمحارم لزوجته تجوز لهم الخلوة بها، ولا يوصفون بالموت، وإنَّما المراد الأخ، وابن الأخ، والعم، وابنه، ونحوهم ممن ليس بمحرم. وعادة الناس المساهلة فيه، ويخلو بامرأة أخيه، فهذا هو الموت، وهو أولى بالمنع من الأجنبي لما ذكرناه» اهـ.
قُلْتُ: وقد حمله بعض العلماء على أبي الزوج.
قَالَ الْعَلَّامَةُ الْنَوَوِي ﵀ فِي [شَرْحِ مُسْلِمٍ] (٧/ ٣٠٨):
«وأمَّا ما ذكره المازري، وحكاه أنَّ المراد بالحمو أبو الزوج، وقال: إذا نهي عن أبي الزوج، وهو محرم، فكيف بالغريب؟ فهذا كلام فاسد مردود، ولا يجوز حمل الحديث عليه» اهـ.
٣ - ولا يدخل في الحديث الدخول عليهن من غير خلوة بهن إذا ارتفعت بذلك التهمة، لما رواه مسلم (٢١٧٣) عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ، أَنَّ نَفَرًا مِنْ بَنِي هَاشِمٍ دَخَلُوا عَلَى أَسْمَاءَ بِنْتِ عُمَيْسٍ، فَدَخَلَ أَبُو بَكْرٍ الصِّدِّيقُ، وَهِيَ تَحْتَهُ يَوْمَئِذٍ، فَرَآهُمْ، فَكَرِهَ ذَلِكَ، فَذَكَرَ ذَلِكَ لِرَسُولِ اللهِ ﷺ ، وَقَالَ: لَمْ
стр. 5931
أَرَ إِلَّا خَيْرًا، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : «إِنَّ اللهَ قَدْ بَرَّأَهَا مِنْ ذَلِكَ» ثُمَّ قَامَ رَسُولُ اللهِ ﷺ عَلَى الْمِنْبَرِ فَقَالَ: «لَا يَدْخُلَنَّ رَجُلٌ، بَعْدَ يَوْمِي هَذَا، عَلَى مُغِيبَةٍ، إِلَّا وَمَعَهُ رَجُلٌ أَوِ اثْنَانِ».
قُلْتُ: المُغِيبَةُ، وهي: التي غاب عنها زوجها في البلد أو خارج البلد.
قَالَ الْعَلَّامَةُ الْقُرْطُبِي ﵀ فِي [الْمُفْهِم] (١٨/ ٩ - ١٠):
«إنَّما اقتصر على ذكر الرَّجل والرَّجلين لصلاحية أولئك القوم؛ لأنَّ التهمة كانت ترتفع بذلك القدر. فأمَّا اليوم: فلا يكتفى بذلك القدر، بل بالجماعة الكثيرة لعموم المفاسد، وخبث المقاصد، ورحم الله مالكاً، لقد بالغ في هذا الباب حتى منع فيه ما يجرُّ إلى بعيد التهم والارتياب؛ حتى منع خلوة المرأة بابن زوجها، والسفر معه، وإن كانت محرَّمة عليه؛ لأنَّه ليس كل أحد يمتنع بالمانع الشرعي؛ إذا لم يقارنه مانع عادي، فإنَّه من المعلوم الذي لا شك فيه: أنَّ موقع امتناع الرجل من النظر بالشهوة لامرأة أبيه ليس كموقعه منه لأمه وأخته. هذا قد استحكمت عليه النفرة العادية، وذلك قد أنست به النفس الشهوانية، فلا بدَّ مع المانع الشرعي في هذا من مراعاة الذرائع الحاليَّة» اهـ.
وَقَالَ الْعَلَّامَةُ الْنَوَوِي ﵀ فِي [شَرْحِ مُسْلِمٍ] (٧/ ٣٠٩):
стр. 5932
«ثم إنَّ ظاهر هذا الحديث جواز خلوة الرجلين أو الثلاثة بالأجنبية، والمشهور عند أصحابنا تحريمه، فيتأول الحديث على جماعة يبعد وقوع المواطأة منهم على الفاحشة لصلاحهم، أو مروءتهم، أو غير ذلك. وقد أشار القاضي إلى نحو هذا التأويل» اهـ.
قُلْتُ: والأبعد عن الشبهة أن يكون مع ذي محرم لما رواه البخاري (٥٢٣٣)، ومسلم (١٣٤١) عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «لَا يَخْلُوَنَّ رَجُلٌ بِامْرَأَةٍ إِلَّا مَعَ ذِي مَحْرَمٍ» فَقَامَ رَجُلٌ، فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، امْرَأَتِي خَرَجَتْ حَاجَّةً، وَاكْتُتِبْتُ فِي غَزْوَةِ كَذَا وَكَذَا، قَالَ: «ارْجِعْ فَحُجَّ مَعَ امْرَأَتِكَ».
قَالَ الْعَلَّامَةُ الْنَوَوِي ﵀ فِي [شَرْحِ مُسْلِمٍ] (٥/ ٤):
«وقوله ﷺ : "ومعها ذو محرم" يحتمل أن يريد محرماً لها، ويحتمل أن يريد محرماً لها أو له، وهذا الاحتمال الثاني هو الجاري على قواعد الفقهاء، فإنَّه لا فرق بين أن يكون معها محرم لها كابنها وأخيها وأمها وأختها، أو يكون محرماً له كأخته وبنته وعمته وخالته، فيجوز القعود معها في هذه الأحوال» اهـ.
стр. 5933
وَقَالَ ﵀ فِي [الْمَجْمُوْعِ] (٤/ ٢٧٩): «واعلم أنَّ المحرم الذي يجوز القعود معها بوجوده يستوى فيه محرمه ومحرمها وفي معناه زوجها وزوجته والله أعلم» اهـ.
وَقَالَ الْعَلَّامَةُ ابْنُ مُفْلِحٍ ﵀ فِي [الْفُرُوْعِ] (٩/ ٢٦٤ - ٢٦٥):
«وَلَهُ الْخَلْوَةُ مَعَ زَوْجَتِهِ وَأَمَتِهِ وَمَحْرَمُ أَحَدِهِمَا، وَقِيلَ: وَمَعَ أَجْنَبِيَّةٍ فَأَكْثَرَ.
قَالَ فِي التَّرْغِيبِ: وَأَصْلُهُ النِّسْوَةُ الْمُنْفَرِدَاتُ هَلْ لَهُنًّ السَّفَرُ مَعَ أَمْنٍ بِلَا مَحْرَمٍ؟ قَالَ شَيْخُنَا: وَيَحْرُمُ سَفَرُهُ بِأُخْتِ زَوْجَتِهِ وَلَوْ مَعَهَا» اهـ.
قُلْتُ: قوله في الحديث "ذي محرم" جاء بصيغة التذكير فهو خاص بالذكور دون الإناث. والله أعلم.
قُلْتُ: ولا تنتفي الخلوة بالصغير الذي لا يستحيى منه.
قَالَ الْعَلَّامَةُ الْنَوَوِي ﵀ فِي [شَرْحِ مُسْلِمٍ] (٥/ ٤): «وكذا لو كان معهما من لا يستحى منه لصغره كابن سنتين وثلاث ونحو ذلك، فإن وجوده كالعدم» اهـ.
٤ - ويدخل في الحديث المرأة الجميلة والشوهاء.
٥ - واحتج به من قال بإدخال المرأة العجوز الشوهاء وهو مذهب الجمهور.
стр. 5934
وفي ذلك نزاع بين العلماء، فقد ذهبت الحنفية إلى جواز الخلوة بالعجوز الشوهاء واحتج بعضهم بما رواه مسلم (١٤٨٠) عَنْ فَاطِمَةَ بِنْتِ قَيْسٍ، أَنَّ أَبَا عَمْرِو بْنَ حَفْصٍ طَلَّقَهَا الْبَتَّةَ، وَهُوَ غَائِبٌ، فَأَرْسَلَ إِلَيْهَا وَكِيلُهُ بِشَعِيرٍ، فَسَخِطَتْهُ، فَقَالَ: وَاللهِ مَا لَكِ عَلَيْنَا مِنْ شَيْءٍ، فَجَاءَتْ رَسُولَ اللهِ ﷺ ، فَذَكَرَتْ ذَلِكَ لَهُ، فَقَالَ: «لَيْسَ لَكِ عَلَيْهِ نَفَقَةٌ»، فَأَمَرَهَا أَنْ تَعْتَدَّ فِي بَيْتِ أُمِّ شَرِيكٍ، ثُمَّ قَالَ: «تِلْكِ امْرَأَةٌ يَغْشَاهَا أَصْحَابِي، اعْتَدِّي عِنْدَ ابْنِ أُمِّ مَكْتُومٍ، فَإِنَّهُ رَجُلٌ أَعْمَى تَضَعِينَ ثِيَابَكِ، فَإِذَا حَلَلْتِ فَآذِنِينِي»، قَالَتْ: فَلَمَّا حَلَلْتُ ذَكَرْتُ لَهُ أَنَّ مُعَاوِيَةَ بْنَ أَبِي سُفْيَانَ، وَأَبَا جَهْمٍ خَطَبَانِي، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : «أَمَّا أَبُو جَهْمٍ، فَلَا يَضَعُ عَصَاهُ عَنْ عَاتِقِهِ، وَأَمَّا مُعَاوِيَةُ فَصُعْلُوكٌ لَا مَالَ لَهُ، انْكِحِي أُسَامَةَ بْنَ زَيْدٍ» فَكَرِهْتُهُ، ثُمَّ قَالَ: «انْكِحِي أُسَامَةَ»، فَنَكَحْتُهُ، فَجَعَلَ اللهُ فِيهِ خَيْرًا، وَاغْتَبَطْتُ بِهِ.
قُلْتُ: وليس في الحديث أنَّهم كانوا يختلون بها، فلا حجة في ذلك، فالصواب منع الخلوة بالنساء الأجنبيات مطلقاً. والله أعلم.
٦ - ويدخل في عموم ذلك مجبوب العضو من الرجال، والخصي، والرتقاء من النساء؛ وذلك لأنَّ العضو وإن تعطل أو عدم فشهوة الرجال لا تزول من قلوبهم، ولا يؤمن التمتع بالقبل وغيرها.
стр. 5935
وَقَالَ الْعَلَّامَةُ الْمَرْدَاوِي ﵀ فِي [الْإِنْصَافِ] (٨/ ١٨ - ١٩):
«قال الأثرم استعظم الإمام أحمد ﵀ إدخال الخصيان على النساء.
وقدمه في الهداية والمذهب والمستوعب والخلاصة والرعايتين والحاوي الصغير والفروع والفائق.
قال ابن عقيل: لا تباح خلوة النساء بالخصيان ولا بالمجبوبين لأنَّ العضو وإن تعطل أو عدم فشهوة الرجال لا تزول من قلوبهم ولا يؤمن التمتع بالقبل وغيرها وكذلك لا يباح خلوة الفحل بالرتقاء من النساء لهذه العلة انتهى.
وقيل: هما كذي محرم وهو احتمال في الهداية.
قال في الفروع ونصه لا. وقال في "الانتصار" الخصى يكسر النشاط ولهذا يؤمن على الحرم» اهـ.
٧ - ويدخل في عمومه الخلوة بالمرأة في أثناء الصلاة، ويدخل في ذلك الخلوة بالأعمى.
قَالَ الْعَلَّامَةُ الْنَوَوِي ﵀ فِي [الْمَجْمُوْعِ] (٤/ ٢٧٩):
«ولا فرق في تحريم الخلوة بين الصلاة وغيرها كما سبق ويستوى فيها الأعمى والبصير» اهـ.
стр. 5936
٨ - ويدخل في عموم الحديث دخول الرجل على الجماعة من النساء ولو كان إماماً لهنَّ. وفي ذلك نزاع بين العلماء.
قَالَ الْعَلَّامَةُ ابْنُ قُدَامَةَ ﵀ فِي [الْمُغْنِي] (٣/ ٤٣٩): «فصل: يكره أن يؤم الرجل نساء أجانب، لا رجل معهن؛ لأنَّ النبي ﷺ نهى أن يخلو الرجل بالمرأة الأجنبية» اهـ.
وقَالَ الْعَلَّامَةُ الْنَوَوِي ﵀ فِي [الْمَجْمُوْعِ] (٤/ ٢٧٧ - ٢٧٨):
«وإن أم بأجنبيات وخلا بهن فطريقان قطع الجمهور بالجواز ونقله الرافعي في كتاب "العدد" عن أصحابنا ودليله الحديث الذى سأذكره إن شاء الله تعالي؛ ولأنَّ النساء المجتمعات لا يتمكن في الغالب الرجل من مفسدة ببعضهن في حضرتهن، وحكي القاضي أبو الفتوح في كتابه في "الخناثى" فيه وجهين وحكاهما صاحب "البيان" عنه أحدهما: يجوز، والثاني: لا يجوز خوفاً من مفسدة، ونقل إمام الحرمين وصاحب "العدة" في أول كتاب الحج في مسائل استطاعة الحج أنَّ الشافعي نص علي أنَّه يحرم أن يصلي الرجل بنساء منفردات إلَّا أن يكون فيهن محرم له أو زوجة، وقطع بأنَّه يحرم خلوة رجل بنسوة إلَّا أن يكون له فيهن محرم والمذهب ما سبق» اهـ.
стр. 5937
وَقَالَ ﵀ فِي [الرَّوْضَةِ] (٨/ ٤١٨): «ويجوز أن يخلو الرجل بامرأتين ثقتين لأنَّ استحياء المرأة من المرأة أكثر من استحياء الرجل من الرجل» اهـ.
٩ - ويدخل في عمومه خلوة الرجل بجارية امرأته، وقد أجاز ذلك بعض العلماء إذا كان من أجل الخدمة في حال غيبة مولاتها عنهما.
قَالَ الْعَلَّامَةُ ابْنُ بَطَّالٍ ﵀ فِي [شَرْحِ الْبُخَارِي] (٧/ ٣٥٨):
«قال الطبري: فلا يجوز أن يخلو رجل بامرأة ليس لها بمحرم في سفر ولا في حضر، إلَّا في حال لا يجد من الخلوة بها بداً، وذلك كخلوة بجارية امرأته تخدمه في حال غيبة مولاتها عنهما، وقد رخص في ذلك الثوري» اهـ.
١٠ - ويستثنى من هذا الحديث حال الضرورة.
قَالَ الْعَلَّامَةُ الْنَوَوِي ﵀ فِي [شَرْحِ مُسْلِمٍ] (٥/ ٤):
«ويستثنى من هذا كله مواضع الضرورة، بأن يجد امرأة أجنبية منقطعة في الطريق أو نحو ذلك، فيباح له استصحابها، بل يلزمه ذلك إذا خاف عليها لو تركها، وهذا لا اختلاف فيه، ويدل عليه حديث عائشة في قصة الإفك. والله أعلم» اهـ.
١١ - وفيه تحريم اختلاط النساء بالرجال.
قَالَ شَيْخُ الْإِسْلَامِ ابْنُ تَيْمِيَّةَ ﵀ فِي [الاسْتِقَامَةِ] (١/ ٣٥٩ - ٣٦٢):
стр. 5938
«وَقد كَانَ من سنة النَّبِي ﷺ وَسنة خلفائه التَّمْيِيز بَين الرِّجَال وَالنِّسَاء والمتأهلين والعزاب فَكَانَ الْمَنْدُوب فِي الصَّلَاة أَنْ يكون الرِّجَال فِي مقدم الْمَسْجِد وَالنِّسَاء فِي مؤخره.
وَقَالَ النَّبِي ﷺ : "خير صُفُوف الرِّجَال أَولهَا وشرها آخرهَا وَخير صُفُوف النِّسَاء آخرهَا وشرها أَولهَا".
وَقَالَ: "يَا معشر النِّسَاء لَا ترفعن رؤوسكن حَتَّى يرفع الرِّجَال رؤوسهم". من ضيق الأزر وَكَانَ إِذا سلم لبث هنيهة هُوَ وَالرِّجَال لينصرف النِّسَاء أَولاً لِئَلَّا يخْتَلط الرِّجَال وَالنِّسَاء وَكَذَلِكَ يَوْم الْعِيد كَانَ النِّسَاء يصلين فِي نَاحيَة فَكَانَ إِذا قضى الصَّلَاة خطب الرِّجَال ثمَّ ذهب فَخَطب النِّسَاء فوعظهن وحثهن على الصَّدَقَة كَمَا ثَبت ذَلِك فِي الصَّحِيح وَقد كَانَ عمر بن الْخطاب وَبَعْضهمْ يرفعهُ إِلَى النَّبِي ﷺ قد قَالَ عَنْ أحد أبواب الْمَسْجِد أَظُنهُ الْبَاب الشَّرْقِي: "لَو تركنَا هَذَا الْبَاب للنِّسَاء". فَمَا دخله عبد الله بن عمر حَتَّى مَاتَ.
وَفِي السّنَن عَنْ النَّبِي ﷺ أَنه قَالَ للنِّسَاء: "لَا تحققن الطَّرِيق وامشين فِي حافته". أَي لَا تمشين فِي حق الطَّرِيق وَهُوَ وَسطه وَقَالَ علي ﵁: مَا يغار أحدكُم أَنْ يزاحم امْرَأَته العلوج بمنكبها يَعْنِي فِي السُّوق.
стр. 5939
وَكَذَلِكَ لما قدم الْمُهَاجِرُونَ الْمَدِينَة كَانَ العزاب ينزلون دَاراً مَعْرُوفَة لَهُمْ متميزة عَنْ دور المتأهلين فَلَا ينزل العزب بَين المتأهلين وَهَذَا كُله لِأَن اخْتِلَاط أحد المصنفين بِالْآخرِ سَبَب الْفِتْنَة فالرجال إِذا اختلطوا بِالنسَاء كَانَ بِمَنْزِلَة اخْتِلَاط النَّار والحطب، وَكَذَلِكَ العزب بَين الآهلين فِيهِ فتْنَة لعدم مَا يمنعهُ فَإِنَّ الْفِتْنَة تكون لوُجُود الْمُقْتَضى وَعدم الْمَانِع فالمخنث الَّذِي لَيْسَ رجلاً مَحْضا وَلَا هُوَ امْرَأَة مُحصنَة لَا يُمكن خلطه بِوَاحِد من الْفَرِيقَيْنِ فَأمر النَّبِي ﷺ بِإِخْرَاجِهِ من بَين النَّاس.
وعَلى هَذَا المخنث من الصّبيان وَغَيرهم لَا يُمكن من معاشرة الرِّجَال وَلَا يَنْبَغِي أَنْ تعاشر الْمَرْأَة المتشبهة بِالرِّجَالِ النِّسَاء بل يفرق بَين بعض الذكران وَبَين بعض النِّسَاء إِذا خيفت الْفِتْنَة كَمَا قَالَ ص مُرُوهُمْ بِالصَّلَاةِ لسبع وَاضْرِبُوهُمْ عَلَيْهَا لعشر وَفرقُوا بَينهم فِي الْمضَاجِع» اهـ.
وَقَالَ الْعَلَّامَةُ ابْنُ الْقَيِّمِ ﵀ فِي [الْطُرُقِ الْحُكْمِيَّةِ] (ص: ٤٠٧ - ٤٠٨):
«ولا ريب أنَّ تمكين النساء من اختلاطهن بالرجال أصل كل بلية وشر وهو من أعظم أسباب نزول العقوبات العامة كما أنَّه من أسباب فساد أمور العامة
стр. 5940
والخاصة واختلاط الرجال بالنساء سبب لكثرة الفواحش والزنا وهو من أسباب الموت العام والطواعين المتصلة.
ولما اختلط البغايا بعسكر موسى وفشت فيهم الفاحشة أرسل الله عليهم الطاعون فمات في يوم واحد سبعون ألفاً والقصة مشهورة في كتب التفاسير.
فمن أعظم أسباب الموت العام كثرة الزنا بسبب تمكين النساء من اختلاطهن بالرجال والمشي بينهم متبرجات متجملات ولو علم أولياء الأمر ما في ذلك من فساد الدنيا والرعية قبل الدين لكانوا أشد شيء منعاً لذلك» اهـ.
١٢ - وفي معنى المرأة الشاب الأمرد فلا تجوز الخلوة به لأنَّه في ذلك كالمرأة أو أشد.
١٣ - وفي معنى ذلك اختلاء المرأة بحيوان يشتهي النساء كالقرد.
قَالَ شَيْخُ الْإِسْلَامِ ابْنُ تَيْمِيَّةَ ﵀ كَمَا فِي [الْاخْتِيَارِاتِ الْفِقْهِيَةِ] (ص: ٥٢٨):
«وتحرم الخلوة بغير محرم ولو بحيوان يشتهي المرأة أو تشتهيه كالقرد وذكره ابن عقيل» اهـ.
стр. 5941
وَقَالَ الْعَلَّامَةُ ابْنُ مُفْلِحٍ ﵀ فِي [الْفُرُوْعِ] (٣/ ٧٣ - ٧٤): «وتحرم الخلوة لغير محرم للكل مطلقاً، ولو بحيوان يشتهي المرأة أو تشتهيه، كالقرد، ذكره ابن عقيل وابن الجوزي وشيخنا» اهـ.
* * *
стр. 5942
بَابُ الصِّدَاقِ.
٣٠٨ - عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ ﵁: «أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ أَعْتَقَ صَفِيَّةَ، وَجَعَلَ عِتْقَهَا صَدَاقَهَا».
قُلْتُ: الصداق مأخوذ من الصدق، وذلك لأنَّه يدل على صدق رغبة الرجل في الزواج. ويقال الصَّداق، والصِّداق بفتح الصاد وكسرها.
قَالَ الْعَلَّامَةُ ابْنُ قُدَامَةَ ﵀ فِي [الْمُغْنِي] (١٥/ ٣٣٠):
«فصل: وللصداق تسعة أسماء؛ الصَّدَاقُ، وَالصَّدَقَةُ، وَالْمَهْرُ، وَالنِّحْلَةُ، وَالْفَرِيضَةُ، وَالْأَجْرُ، وَالْعَلَائِقُ، وَالْعُقْرُ، وَالْحِبَاءُ» اهـ.
وَفِي الْحَدِيْثِ مَسَائِلُ مِنْهَا:
١ - جواز أن يعتق الرجل الأمة ويجعل عتقها صداقها، ولا يشترط في ذلك الولي.
قَالَ شَيْخُ الْإِسْلَامِ ابْنُ تَيْمِيَّةَ ﵀ كَمَا فِي [الْاخْتِيَارِاتِ الْفِقْهِيَةِ] (ص: ٥٣٢):
«وإذا قال: قد جعلت عتق أمتي صداقها أو قد أعتقتها وجعلت عتقها صداقها صح بذلك العتق والنكاح وهو مذهب الإمام أحمد» اهـ.
وَقَالَ الْعَلَّامَةُ ابْنُ الْقَيِّمِ ﵀ فِي [جَلَاءِ الْأَفْهَامِ] (ص: ٢٥٧):
стр. 5943
«تزوج رسول الله صفية بنت حيي من ولد هارون بن عمران أخي موسى سنة سبع فإنَّها سبيت من خيبر وكانت قبله تحت كنانة بن أبي الحقيق فقتله رسول الله توفيت سنة ست وثلاثين وقيل سنة خمسين.
ومن خصائصها أنَّ رسول الله اعتقها وجعل عتقها صداقها، قال أنس أمهرها نفسها وصار ذلك سنة للأمة إلى يوم القيامة أنَّه يجوز للرجل أن يجعل عتق جاريته صداقها وتصير زوجته على منصوص الإمام أحمد ﵀» اهـ.
وَقَالَ ﵀ فِي [زَادِ الْمَعَادِ] (١/ ١١٢):
«وتزوج ﷺ صفية بنت حيي بن أخطب سيد بني النضير من ولد هارون بن عمران أخي موسى، فهي ابنة نبي، وزوجة نبي، وكانت من أجمل نساء العالمين.
وكانت قد صارت له من الصفي أمة فأعتقها، وجعل عتقها صداقها، فصار ذلك سنة للأمة إلى يوم القيامة، أن يعتق الرجل أمته، ويجعل عتقها صداقها، فتصير زوجته بذلك، فإذا قال: أعتقت أمتي، وجعلت عتقها صداقها، أو قال: جعلت عتق أمتي صداقها، صح العتق والنكاح، وصارت زوجته من غير احتياج إلى تجديد عقد ولا ولي، وهو ظاهر مذهب أحمد وكثير من أهل الحديث.
стр. 5944
وقالت طائفة: هذا خاص بالنبي ﷺ وهو مما خصه الله به في النكاح دون الأمة، وهذا قول الأئمة الثلاثة ومن وافقهم، والصحيح القول الأول، لأنَّ الأصل عدم الاختصاص حتى يقوم عليه دليل، والله سبحانه لما خصه بنكاح الموهوبة له، قال فيها: ﴿خَالِصَةً لّكَ مِنْ دُونِ﴾ ولم يقل هذا في المعتقة، ولا قاله رسول الله ﷺ ليقطع تأسي الأمة به في ذلك، فالله سبحانه أباح له نكاح امرأة من تبناه، لئلا يكون على الأمة حرج في نكاح أزواج من تبنوه، فدل على أنَّه إذا نكح نكاحاً، فلأمته التأسي به فيه، ما لم يأت عن الله ورسوله نص بالاختصاص وقطع التأسي، وهذا ظاهر» اهـ.
وَقَالَ ﵀ فِي [زَادِ الْمَعَادِ] (٥/ ١٥٦):
«فصل: في حكمه ﷺ في الرجل يعتق أمته ويجعل عتقها صداقها.
ثبت عنه في "الصحيح": أنَّه أعتق صفية وجعل عتقها صداقها. قيل لأنس: ما أصدقها؟ قال: أصدقها نفسها، وذهب إلى جواز ذلك علي بن أبي طالب، وفعله أنس بن مالك، وهو مذهب أعلم التابعين، وسيدهم سعيد بن المسيب، وأبي سلمة بن عبد الرحمن، والحسن البصري، والزهري، وأحمد، وإسحاق.
стр. 5945
وعن أحمد رواية أخرى، أنَّه لا يصح حتى يستأنف نكاحها بإذنها، فإن أبت ذلك، فعليها قيمتها.
وعنه رواية ثالثة: أنَّه يوكل رجلاً يزوجه إياها.
والصحيح: هو القول الأول الموافق للسنة، وأقوال الصحابة والقياس، فإنَّه كان يملك رقبتها، فأزال ملكه عن رقبتها، وأبقى ملك المنفعة بعقد النكاح، فهو أولى بالجواز مما لو أعتقها، واستثنى خدمتها، وقدم تقدم تقرير ذلك في غزاة خيبر» اهـ.
وَقَالَ الْعَلَّامَةُ ابْنُ قُدَامَةَ ﵀ فِي [الْمُغْنِي] (١٥/ ١٣ - ١٥):
«الفصل الأول: أنَّ ظاهر المذهب أنَّ الرجل إذا أعتق أمته، وجعل عتقها صداقها، فهو نكاح صحيح نص عليه أحمد في رواية الجماعة.
وروي ذلك عن علي ﵁، وفعله أنس بن مالك، وبه قال سعيد بن المسيب وأبو سلمة بن عبد الرحمن، والحسن، والزهري وإسحاق.
وقال الأوزاعي: يلزمها أن تتزوجه.
وروى المروذي عن أحمد: إذا أعتق أمته، وجعل عتقها صداقها، يوكل رجلاً يزوجه. وظاهر هذا أنَّه لم يحكم بصحة النكاح. قال أبو الخطاب هي الصحيحة. واختارها القاضي، وابن عقيل.
стр. 5946
وهو قول أبي حنيفة، ومالك، والشافعي؛ لأنَّه لم يوجد إيجاب وقبول، فلم يصح لعدم أركانه، كما لو قال: أعتقتك وسكت؛ ولأنَّها بالعتق تملك نفسها، فيجب أن يعتبر رضاها، كما لو فصل بينهما؛ ولأنَّ العتق يزيل ملكه عن الاستمتاع بحق الملك، فلا يجوز أن يستبيح الوطء بالمسمى، فإنَّه لو قال: بعتك هذه الأمة، على أن تزوجنيها بالثمن. لم يصح.
ولنا ما روى أنس، أنَّ رسول الله ﷺ أعتق صفية، وجعل عتقها صداقها. متفق عليه.
وفي لفظ: أعتقها وتزوجها.
فقُلْتُ: يا حمزة، ما أصدقها؟ قال: نفسها.
وروى الأثرم، بإسناده عن صفية قالت: أعتقني رسول الله ﷺ وجعل عتقي صداقي.
وبإسناده عن علي ﵁ أنَّه كان يقول: إذا أعتق الرجل أم ولده، فجعل عتقها صداقها، فلا بأس بذلك.
ومتى ثبت العتق صداقاً، ثبت النكاح؛ لأنَّ الصداق لا يتقدم النكاح، ولو تأخر العتق عن النكاح لم يجز، فدل على أنَّه انعقد بهذا اللفظ.
стр. 5947
ولأنَّه لم ينقل عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أنَّه استأنف عقداً، ولو استأنفه لظهر، ونقل كما نقل غيره؛ ولأنَّ من جاز له تزويج امرأة لغيره من غير قرابة، جاز له أن يتزوجها، كالإمام.
وقولهم: لم يوجد إيجاب ولا قبول. عديم الأثر؛ فإنَّه لو وجد لم يحكموا بصحته، وعلى أنَّه إن لم يوجد فقد وجد ما يدل عليه، وهو جعل العتق صداقاً، فأشبه ما لو تزوج امرأة هو وليها، وكما لو قال الخاطب للولي: أزوجت؟ فقال: نعم. وقال للزوج: أقبلت؟ فقال: نعم. عند أصحابنا، وكما لو أتى بالكنايات عند أبي حنيفة ومن وافقه».
إِلَى أَنْ قَالَ ﵀: «الفصل الثالث: أنَّ لا يكون بينهما فصل. ولو قال: أعتقتك.
وسكت سكوتاً يمكنه الكلام فيه، أو تكلم بكلام أجنبي، ثم قال: جعلت عتقك صداقك لم يصح النكاح؛ لأنَّها صارت بالعتق حرة، فيحتاج أن يتزوجها برضاها بصداق جديد» اهـ.
٢ - واحتج به على جواز النكاح بغير لفظ النكاح أو التزويج.
ووجه الشاهد أنَّه لم يذكر في الحديث لفظ التزويج، وليس الحديث نصاً في هذا، لكن ظاهره ذلك.
стр. 5948
قَالَ شَيْخُ الْإِسْلَامِ ابْنُ تَيْمِيَّةَ ﵀ كَمَا فِي [مَجْمُوْعِ الْفَتَاوَى] (٢٠/ ٥٣٣ - ٥٣٦):
«وطرد هذا النكاح فإنَّ أصح قولي العلماء أنَّه ينعقد بكل لفظ يدل عليه لا يختص بلفظ الإنكاح والتزويج وهذا مذهب جمهور العلماء كأبي حنيفة ومالك وهو أحد القولين في مذهب أحمد بل نصوصه لم تدل إلَّا على هذا الوجه، وأمَّا الوجه الآخر من أنَّه إنَّما ينعقد بلفظ الإنكاح والتزويج فهو قول أبي عبد الله بن حامد وأتباعه كالقاضي أبي يعلى ومتبعيه. وأمَّا قدماء أصحاب أحمد وجمهورهم فلم يقولوا بهذا الوجه، وقد نص أحمد في غير موضع على أنَّه إذا قال: أعتقت أمتي وجعلت عتقها صداقها انعقد النكاح وليس هنا لفظ إنكاح وتزويج، ولهذا ذكر ابن عقيل وغيره: أنَّ هذا يدل على أنَّه لا يختص النكاح بلفظ. وأمَّا ابن حامد فطرد قوله وقال: لا بد أن يقول مع ذلك: وتزوجتها، والقاضي أبو يعلى جعل هذا خارجاً عن القياس فجوز النكاح هنا بدون لفظ الإنكاح والتزويج. وأصول الإمام أحمد ونصوصه تخالف هذا فإنَّ من أصله أنَّ العقود تنعقد بما يدل على مقصودها من قول أو فعل فهو لا يرى اختصاصها بالصيغ. ومن أصله أنَّ الكناية مع دلالة الحال كالصريح لا تفتقر إلى إظهار النية ولهذا قال بذلك في الطلاق والقذف وغير ذلك.
стр. 5949
والذين قالوا: إنَّ النكاح لا ينعقد إلَّا بلفظ الإنكاح والتزويج من أصحاب الشافعي قالوا: لأنَّ ما سوى اللفظين كناية؛ والكناية لا يثبت حكمها إلَّا بالنية والنية باطن والنكاح مفتقر إلى شهادة والشهادة إنَّما تقع على السمع فهذا أصل أصحاب الشافعي الذين خصوا عقد النكاح باللفظين.
وابن حامد وأتباعه وافقوهم لكن أصول أحمد ونصوصه تخالف هذا؛ فإنَّ هذه المقدمات باطلة على أصله.
أمَّا قول القائل: ما سوى هذين كناية فإنَّما يستقيم أن لو كانت ألفاظ الصريح والكناية ثابتة بعرف الشرع كما يقوله الشافعي ومن وافقه من أصحاب أحمد كالخرقي والقاضي أبي يعلى وغيرهما: أنَّ الصريح في الطلاق هو الطلاق والفراق والسراح لمجيء القرآن بذلك. فأمَّا جمهور العلماء كأبي حنيفة ومالك وغيرهما؛ وجمهور أصحاب أحمد كأبي بكر وابن حامد وأبي الخطاب وغيرهم؛ فلا يوافقون على هذا الأصل بل منهم من يقول: الصريح هو لفظ الطلاق فقط كأبي حنيفة وابن حامد وأبي الخطاب وغيرهما من أصحاب أحمد وبعض أصحاب الشافعي ومنهم من يقول: بل الصريح أعم من هذه الألفاظ كما يذكر عن مالك وهو قول
стр. 5950
أبي بكر وغيره من أصحاب أحمد والجمهور يقولون: كلا المقدمتين المذكورتين أنَّ صريح الطلاق تليه مقدمة باطلة.
أمَّا قولهم: إنَّ هذه الألفاظ صريحة في خطاب الشارع فليس كذلك بل لفظ السراح والفراق في القرآن مستعمل في غير الطلاق قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إذَا نَكَحْتُمُ الْمُؤْمِنَاتِ ثُمَّ طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَمَسُّوهُنَّ فَمَا لَكُمْ عَلَيْهِنَّ مِنْ عِدَّةٍ تَعْتَدُّونَهَا فَمَتِّعُوهُنَّ وَسَرِّحُوهُنَّ سَرَاحًا جَمِيلًا﴾ فأمر بتسريحهن بعد الطلاق قبل الدخول وهو طلاق بائن لا رجعة فيه وليس التسريح هنا تطليقاً باتفاق المسلمين وقال تعالى: ﴿وَإِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ فَبَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَأَمْسِكُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ﴾ وفي الآية الأخرى ﴿أَوْ فَارِقُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ﴾ فلفظ الفراق والسراح ليس المراد به هنا الطلاق فأمَّا المطلقة الرجعية فهو مخير بين ارتجاعها وبين تخلية سبيلها لا يحتاج إلى طلاق ثان.
وأمَّا المقدمة الثانية: فلا يلزم من كون اللفظ صريحاً في خطاب الشارع أن يكون صريحاً في خطاب كل من يتكلم. وبسط هذا له موضع آخر» اهـ.
وَقَالَ ﵀ كَمَا فِي [مَجْمُوْعِ الْفَتَاوَى] (٢٩/ ٩ - ١٨):
стр. 5951
«وأمَّا النكاح: فقال هؤلاء كابن حامد والقاضي وأصحابه مثل أبي الخطاب وعامة المتأخرين: إنَّه لا ينعقد إلَّا بلفظ الإنكاح والتزويج كما قاله الشافعي بناء على أنَّه لا ينعقد بالكناية لأنَّ الكناية تفتقر إلى نية والشهادة شرط في صحة النكاح والشهادة على النية غير ممكنة. ومنعوا من انعقاد النكاح بلفظ الهبة أو العطية أو غيرهما من ألفاظ التمليك. وقال أكثر هؤلاء - كابن حامد والقاضي والمتأخرين - إنَّه لا ينعقد إلَّا بلفظ العربية لمن يحسنها فإن لم يقدر على تعلمها انعقد بمعناها الخاص بكل لسان، وإن قدر على تعلمها ففيه وجهان؛ بناء على أنَّه مختص بهذين اللفظين وأنَّ فيه شوب التعبد. وهذا - مع أنَّه ليس منصوصاً عن أحمد - فهو مخالف لأصوله ولم ينص أحمد على ذلك ولا نقلوا عنه نصاً في ذلك وإنَّما نقلوا قوله في رواية أبي الحارث: إذا وهبت نفسها لرجل فليس بنكاح؛ فإنَّ الله تعالى قال: ﴿خَالِصَةً لَكَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ﴾ وهذا إنَّما هو نص على منع ما كان من خصائص النبي ﷺ وهو النكاح بغير مهر؛ بل قد نص أحمد في المشهور عنه على أنَّ النكاح ينعقد بقوله لأمته: أعتقتك وجعلت عتقك صداقك. وبِقَوْلِهِ: جعلت عتقك صداقك أو صداقك عتقك ذكر ذلك في غير موضع من جواباته. فاختلف أصحابه فأمَّا أبو عبد الله بن حامد: فطرد قياسه وقال: لا بد
стр. 5952
مع ذلك من أن يقول: تزوجتها أو نكحتها لأنَّ النكاح لا ينعقد قط بالعربية إلَّا بهاتين الصيغتين. وأمَّا القاضي أبو يعلى وغيره: فجعلوا هذه الصورة مستثناة من القياس الذي وافقوا عليه ابن حامد وأنَّ ذلك من صور الاستحسان. وذكر ابن عقيل قولاً في المذهب: أنَّه ينعقد بغير لفظ الإنكاح والتزويج؛ لنص أحمد بهذا. وهذا أشبه بنصوص أحمد وأصوله. ومذهب مالك في ذلك شبيه بمذهبه. فإنَّ أصحاب مالك اختلفوا: هل ينعقد بغير لفظ الإنكاح والتزويج؟ على قولين. والمنصوص عنه إنَّما هو منع ما اختص به النبي ﷺ من هبة البضع بغير مهر. قال ابن القاسم: وإن وهب ابنته وهو يريد إنكاحها فلا أحفظه عن مالك. فهو عندي جائز. وما ذكره بعض أصحاب مالك وأحمد من أنَّه لا ينعقد إلَّا بهذين اللفظين بعيد عن أصولهما؛ فإنَّ الحكم مبني على مقدمتين: إحداهما: أنَّ ما سوى ذلك كناية وأنَّ الكناية تفتقر إلى النية، ومذهبهما المشهور: أنَّ دلالة الحال في الكنايات تجعلها صريحة وتقوم مقام إظهار النية؛ ولهذا جعلا الكنايات في الطلاق والقذف ونحوهما مع دلالة الحال كالصريح. ومعلوم أنَّ دلالات الأحوال في النكاح معروفة: من اجتماع الناس لذلك والتحدث بما اجتمعوا له فإذا قال بعد ذلك: ملكتكها لك بألف درهم. علم الحاضرون
стр. 5953
بالاضطرار أنَّ المراد به الإنكاح. وقد شاع هذا اللفظ في عرف الناس حتى سموا عقده: إملاكاً وملاكاً، ولهذا روى الناس قول النبي ﷺ لخاطب الواهبة - الذي التمس فلم يجد خاتماً من حديد - رووه تارة: "أنكحتكها بما معك من القرآن" وتارة: "ملكتكها" وإن كان النبي ﷺ لم يثبت عنه أنَّه اقتصر على "ملكتكها"؛ بل إمَّا أنَّه قالهما جميعاً أو قال أحدهما؛ لكن لما كان اللفظان عندهم في مثل هذا الموضع سواء رووا الحديث تارة هكذا وتارة هكذا.
ثم تعيين اللفظ العربي في مثل هذا في غاية البعد من أصول أحمد ونصوصه وعن أصول الأدلة الشرعية؛ إذ النكاح يصح من الكافر والمسلم وهو وإن كان قربة فإنَّما هو كالعتق والصدقة. ومعلوم أنَّ العتق لا يتعين له لفظ؛ لا عربي ولا عجمي. وكذلك الصدقة والوقف والهبة لا يتعين لها لفظ عربي بالإجماع، ثم العجمي إذا تعلم العربية في الحال قد لا يفهم المقصود من ذلك اللفظ كما يفهمه من اللغة التي اعتادها. نعم لو قيل: تكره العقود بغير العربية لغير حاجة كما يكره سائر أنواع الخطاب بغير العربية لغير حاجة: لكان متوجهاً كما قد روي عن مالك وأحمد والشافعي ما يدل على كراهة اعتياد المخاطبة بغير العربية لغير حاجة. وقد ذكرنا هذه المسألة في غير هذا الموضع. وقد ذكر أصحاب مالك والشافعي
стр. 5954
وأصحاب أحمد؛ كالقاضي أبي يعلى وابن عقيل والمتأخرين: أنَّه يرجع في نكاح الكفار إلى عادتهم. فما اعتقدوه نكاحاً بينهم جاز إقرارهم عليه إذا أسلموا وتحاكموا إلينا إذا لم يكن حينئذ مشتملًا على مانع وإن كانوا يعتقدون أنَّه ليس بنكاح لم يجز الإقرار عليه، حتى قالوا: لو قهر حربي حربية فوطئها أو طاوعته واعتقداه نكاحاً أقرا عليه وإلَّا فلا. ومعلوم أنَّ كون القول أو الفعل يدل على مقصود العقد لا يختص به المسلم دون الكافر وإنَّما اختص المسلم بأنَّ الله أمر في النكاح بأن يميز عن السفاح، كما قال تعالى: ﴿مُحْصِنِينَ غَيْرَ مُسَافِحِينَ وَلَا مُتَّخِذِي أَخْدَانٍ﴾ وقال: ﴿مُحْصَنَاتٍ غَيْرَ مُسَافِحَاتٍ وَلَا مُتَّخِذَاتِ أَخْدَانٍ﴾ فأمر بالولي والشهود ونحو ذلك مبالغة في تمييزه عن السفاح وصيانة للنساء عن التشبه بالبغايا حتى شرع فيه الضرب بالدف والوليمة الموجبة لشهرته، ولهذا جاء في الأثر: "المرأة لا تزوج نفسها فإنَّ البغي هي التي تزوج نفسها" وأمر فيه بالإشهاد أو بالإعلان أو بهما جميعاً: ثلاثة أقوال هي ثلاث روايات في مذهب أحمد. ومن اقتصر على الإشهاد علله بأنَّ به يحصل الإعلان المميز له عن السفاح وبأنَّه يحفظ النسب عند التجاحد فهذه الأمور التي اعتبرها الشارع في الكتاب والسنة والآثار حكمتها بينة. فأمَّا التزام لفظ مخصوص فليس فيه أثر ولا نظر. وهذه القاعدة
стр. 5955
الجامعة التي ذكرناها من أنَّ العقود تصح بكل ما دل على مقصودها من قول أو فعل هي التي تدل عليها أصول الشريعة، وهي التي تعرفها القلوب. وذلك أنَّ الله قال: ﴿فَانْكِحُوا مَا طَابَ لَكُمْ مِنَ النِّسَاءِ﴾، وقال: ﴿وَأَنْكِحُوا الْأَيَامَى مِنْكُمْ﴾، وقال: ﴿وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ﴾، وقال: ﴿فَإِنْ طِبْنَ لَكُمْ عَنْ شَيْءٍ مِنْهُ نَفْسًا فَكُلُوهُ هَنِيئًا مَرِيئًا﴾، وقال: ﴿إلَّا أَنْ تَكُونَ تِجَارَةً عَنْ تَرَاضٍ مِنْكُمْ﴾، وقال: ﴿فَإِنْ أَرْضَعْنَ لَكُمْ فَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ﴾، وقال: ﴿إذَا تَدَايَنْتُمْ بِدَيْنٍ إلَى أَجَلٍ مُسَمًّى فَاكْتُبُوهُ﴾ - إلى قوله - ﴿إلَّا أَنْ تَكُونَ تِجَارَةً حَاضِرَةً تُدِيرُونَهَا بَيْنَكُمْ فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَلَّا تَكْتُبُوهَا وَأَشْهِدُوا إذَا تَبَايَعْتُمْ وَلَا يُضَارَّ كَاتِبٌ وَلَا شَهِيدٌ وَإِنْ تَفْعَلُوا فَإِنَّهُ فُسُوقٌ بِكُمْ وَاتَّقُوا اللَّهَ وَيُعَلِّمُكُمُ اللَّهُ وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ (٢٨٢) وَإِنْ كُنْتُمْ عَلَى سَفَرٍ وَلَمْ تَجِدُوا كَاتِبًا فَرِهَانٌ مَقْبُوضَةٌ﴾، وقال: ﴿مَنْ ذَا الَّذِي يُقْرِضُ اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا﴾، وقال: ﴿مَثَلُ الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ كَمَثَلِ حَبَّةٍ أَنْبَتَتْ سَبْعَ سَنَابِلَ﴾، وقال: ﴿يَمْحَقُ اللَّهُ الرِّبَا وَيُرْبِي الصَّدَقَاتِ﴾، وقال: ﴿إنَّ الْمُصَّدِّقِينَ وَالْمُصَّدِّقَاتِ وَأَقْرَضُوا اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا يُضَاعَفُ لَهُمْ﴾، وقال: ﴿فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ﴾، وقال: ﴿فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ﴾، وقال:
следующие страницы →