Полный текст (8 095 стр.). Показаны 5951–5990 · переход к 5956.
стр. 5951
«وأمَّا النكاح: فقال هؤلاء كابن حامد والقاضي وأصحابه مثل أبي الخطاب وعامة المتأخرين: إنَّه لا ينعقد إلَّا بلفظ الإنكاح والتزويج كما قاله الشافعي بناء على أنَّه لا ينعقد بالكناية لأنَّ الكناية تفتقر إلى نية والشهادة شرط في صحة النكاح والشهادة على النية غير ممكنة. ومنعوا من انعقاد النكاح بلفظ الهبة أو العطية أو غيرهما من ألفاظ التمليك. وقال أكثر هؤلاء - كابن حامد والقاضي والمتأخرين - إنَّه لا ينعقد إلَّا بلفظ العربية لمن يحسنها فإن لم يقدر على تعلمها انعقد بمعناها الخاص بكل لسان، وإن قدر على تعلمها ففيه وجهان؛ بناء على أنَّه مختص بهذين اللفظين وأنَّ فيه شوب التعبد. وهذا - مع أنَّه ليس منصوصاً عن أحمد - فهو مخالف لأصوله ولم ينص أحمد على ذلك ولا نقلوا عنه نصاً في ذلك وإنَّما نقلوا قوله في رواية أبي الحارث: إذا وهبت نفسها لرجل فليس بنكاح؛ فإنَّ الله تعالى قال: ﴿خَالِصَةً لَكَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ﴾ وهذا إنَّما هو نص على منع ما كان من خصائص النبي ﷺ وهو النكاح بغير مهر؛ بل قد نص أحمد في المشهور عنه على أنَّ النكاح ينعقد بقوله لأمته: أعتقتك وجعلت عتقك صداقك. وبِقَوْلِهِ: جعلت عتقك صداقك أو صداقك عتقك ذكر ذلك في غير موضع من جواباته. فاختلف أصحابه فأمَّا أبو عبد الله بن حامد: فطرد قياسه وقال: لا بد
стр. 5952
مع ذلك من أن يقول: تزوجتها أو نكحتها لأنَّ النكاح لا ينعقد قط بالعربية إلَّا بهاتين الصيغتين. وأمَّا القاضي أبو يعلى وغيره: فجعلوا هذه الصورة مستثناة من القياس الذي وافقوا عليه ابن حامد وأنَّ ذلك من صور الاستحسان. وذكر ابن عقيل قولاً في المذهب: أنَّه ينعقد بغير لفظ الإنكاح والتزويج؛ لنص أحمد بهذا. وهذا أشبه بنصوص أحمد وأصوله. ومذهب مالك في ذلك شبيه بمذهبه. فإنَّ أصحاب مالك اختلفوا: هل ينعقد بغير لفظ الإنكاح والتزويج؟ على قولين. والمنصوص عنه إنَّما هو منع ما اختص به النبي ﷺ من هبة البضع بغير مهر. قال ابن القاسم: وإن وهب ابنته وهو يريد إنكاحها فلا أحفظه عن مالك. فهو عندي جائز. وما ذكره بعض أصحاب مالك وأحمد من أنَّه لا ينعقد إلَّا بهذين اللفظين بعيد عن أصولهما؛ فإنَّ الحكم مبني على مقدمتين: إحداهما: أنَّ ما سوى ذلك كناية وأنَّ الكناية تفتقر إلى النية، ومذهبهما المشهور: أنَّ دلالة الحال في الكنايات تجعلها صريحة وتقوم مقام إظهار النية؛ ولهذا جعلا الكنايات في الطلاق والقذف ونحوهما مع دلالة الحال كالصريح. ومعلوم أنَّ دلالات الأحوال في النكاح معروفة: من اجتماع الناس لذلك والتحدث بما اجتمعوا له فإذا قال بعد ذلك: ملكتكها لك بألف درهم. علم الحاضرون
стр. 5953
بالاضطرار أنَّ المراد به الإنكاح. وقد شاع هذا اللفظ في عرف الناس حتى سموا عقده: إملاكاً وملاكاً، ولهذا روى الناس قول النبي ﷺ لخاطب الواهبة - الذي التمس فلم يجد خاتماً من حديد - رووه تارة: "أنكحتكها بما معك من القرآن" وتارة: "ملكتكها" وإن كان النبي ﷺ لم يثبت عنه أنَّه اقتصر على "ملكتكها"؛ بل إمَّا أنَّه قالهما جميعاً أو قال أحدهما؛ لكن لما كان اللفظان عندهم في مثل هذا الموضع سواء رووا الحديث تارة هكذا وتارة هكذا.
ثم تعيين اللفظ العربي في مثل هذا في غاية البعد من أصول أحمد ونصوصه وعن أصول الأدلة الشرعية؛ إذ النكاح يصح من الكافر والمسلم وهو وإن كان قربة فإنَّما هو كالعتق والصدقة. ومعلوم أنَّ العتق لا يتعين له لفظ؛ لا عربي ولا عجمي. وكذلك الصدقة والوقف والهبة لا يتعين لها لفظ عربي بالإجماع، ثم العجمي إذا تعلم العربية في الحال قد لا يفهم المقصود من ذلك اللفظ كما يفهمه من اللغة التي اعتادها. نعم لو قيل: تكره العقود بغير العربية لغير حاجة كما يكره سائر أنواع الخطاب بغير العربية لغير حاجة: لكان متوجهاً كما قد روي عن مالك وأحمد والشافعي ما يدل على كراهة اعتياد المخاطبة بغير العربية لغير حاجة. وقد ذكرنا هذه المسألة في غير هذا الموضع. وقد ذكر أصحاب مالك والشافعي
стр. 5954
وأصحاب أحمد؛ كالقاضي أبي يعلى وابن عقيل والمتأخرين: أنَّه يرجع في نكاح الكفار إلى عادتهم. فما اعتقدوه نكاحاً بينهم جاز إقرارهم عليه إذا أسلموا وتحاكموا إلينا إذا لم يكن حينئذ مشتملًا على مانع وإن كانوا يعتقدون أنَّه ليس بنكاح لم يجز الإقرار عليه، حتى قالوا: لو قهر حربي حربية فوطئها أو طاوعته واعتقداه نكاحاً أقرا عليه وإلَّا فلا. ومعلوم أنَّ كون القول أو الفعل يدل على مقصود العقد لا يختص به المسلم دون الكافر وإنَّما اختص المسلم بأنَّ الله أمر في النكاح بأن يميز عن السفاح، كما قال تعالى: ﴿مُحْصِنِينَ غَيْرَ مُسَافِحِينَ وَلَا مُتَّخِذِي أَخْدَانٍ﴾ وقال: ﴿مُحْصَنَاتٍ غَيْرَ مُسَافِحَاتٍ وَلَا مُتَّخِذَاتِ أَخْدَانٍ﴾ فأمر بالولي والشهود ونحو ذلك مبالغة في تمييزه عن السفاح وصيانة للنساء عن التشبه بالبغايا حتى شرع فيه الضرب بالدف والوليمة الموجبة لشهرته، ولهذا جاء في الأثر: "المرأة لا تزوج نفسها فإنَّ البغي هي التي تزوج نفسها" وأمر فيه بالإشهاد أو بالإعلان أو بهما جميعاً: ثلاثة أقوال هي ثلاث روايات في مذهب أحمد. ومن اقتصر على الإشهاد علله بأنَّ به يحصل الإعلان المميز له عن السفاح وبأنَّه يحفظ النسب عند التجاحد فهذه الأمور التي اعتبرها الشارع في الكتاب والسنة والآثار حكمتها بينة. فأمَّا التزام لفظ مخصوص فليس فيه أثر ولا نظر. وهذه القاعدة
стр. 5955
الجامعة التي ذكرناها من أنَّ العقود تصح بكل ما دل على مقصودها من قول أو فعل هي التي تدل عليها أصول الشريعة، وهي التي تعرفها القلوب. وذلك أنَّ الله قال: ﴿فَانْكِحُوا مَا طَابَ لَكُمْ مِنَ النِّسَاءِ﴾، وقال: ﴿وَأَنْكِحُوا الْأَيَامَى مِنْكُمْ﴾، وقال: ﴿وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ﴾، وقال: ﴿فَإِنْ طِبْنَ لَكُمْ عَنْ شَيْءٍ مِنْهُ نَفْسًا فَكُلُوهُ هَنِيئًا مَرِيئًا﴾، وقال: ﴿إلَّا أَنْ تَكُونَ تِجَارَةً عَنْ تَرَاضٍ مِنْكُمْ﴾، وقال: ﴿فَإِنْ أَرْضَعْنَ لَكُمْ فَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ﴾، وقال: ﴿إذَا تَدَايَنْتُمْ بِدَيْنٍ إلَى أَجَلٍ مُسَمًّى فَاكْتُبُوهُ﴾ - إلى قوله - ﴿إلَّا أَنْ تَكُونَ تِجَارَةً حَاضِرَةً تُدِيرُونَهَا بَيْنَكُمْ فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَلَّا تَكْتُبُوهَا وَأَشْهِدُوا إذَا تَبَايَعْتُمْ وَلَا يُضَارَّ كَاتِبٌ وَلَا شَهِيدٌ وَإِنْ تَفْعَلُوا فَإِنَّهُ فُسُوقٌ بِكُمْ وَاتَّقُوا اللَّهَ وَيُعَلِّمُكُمُ اللَّهُ وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ (٢٨٢) وَإِنْ كُنْتُمْ عَلَى سَفَرٍ وَلَمْ تَجِدُوا كَاتِبًا فَرِهَانٌ مَقْبُوضَةٌ﴾، وقال: ﴿مَنْ ذَا الَّذِي يُقْرِضُ اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا﴾، وقال: ﴿مَثَلُ الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ كَمَثَلِ حَبَّةٍ أَنْبَتَتْ سَبْعَ سَنَابِلَ﴾، وقال: ﴿يَمْحَقُ اللَّهُ الرِّبَا وَيُرْبِي الصَّدَقَاتِ﴾، وقال: ﴿إنَّ الْمُصَّدِّقِينَ وَالْمُصَّدِّقَاتِ وَأَقْرَضُوا اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا يُضَاعَفُ لَهُمْ﴾، وقال: ﴿فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ﴾، وقال: ﴿فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ﴾، وقال:
стр. 5956
﴿فَأَمْسِكُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ أَوْ سَرِّحُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ﴾. إلى غير ذلك من الآيات المشروع فيها هذه العقود: إمَّا أمراً وإمَّا إباحة والمنهي فيها عن بعضها كالربا؛ فإنَّ الدلالة فيها من وجوه:
أحدها: أنَّه اكتفى بالتراضي في البيع في قَوْلِهِ: ﴿إلَّا أَنْ تَكُونَ تِجَارَةً عَنْ تَرَاضٍ مِنْكُمْ﴾ وبطيب النفس في التبرع في قَوْلِهِ: ﴿فَإِنْ طِبْنَ لَكُمْ عَنْ شَيْءٍ مِنْهُ نَفْسًا فَكُلُوهُ هَنِيئًا مَرِيئًا﴾. فتلك الآية في جنس المعاوضات، وهذه الآية في جنس التبرعات ولم يشترط لفظاً معيناً ولا فعلاً معيناً يدل على التراضي وعلى طيب النفس ونحن نعلم بالاضطرار من عادات الناس في أقوالهم وأفعالهم أنَّهم يعلمون التراضي وطيب النفس بطرق متعددة. والعلم به ضروري في غالب ما يعتاد من العقود وهو ظاهر في بعضها وإذا وجد تعلق الحكم بهما بدلالة القرآن. وبعض الناس قد يحمله اللدد في نصره لقول معين على أن يجحد ما يعلمه الناس من التراضي وطيب النفس، فلا عبرة بجحد مثل هذا؛ فإنَّ جحد الضروريات قد يقع كثيراً عن مواطأة وتلقين في الأخبار والمذاهب، فالعبرة بالفطرة السليمة التي لم يعارضها ما يغيرها؛ ولهذا قلنا: إنَّ الأخبار المتواترة يحصل بها العلم حيث لا
стр. 5957
تواطؤ على الكذب؛ لأنَّ الفطر السليمة لا تتفق على الكذب. فأمَّا مع التواطؤ والاتفاق فقد يتفق جماعات على الكذب.
الوجه الثاني: أنَّ هذه الأسماء جاءت في كتاب الله وسنة رسوله معلقاً بها أحكام شرعية وكل اسم فلا بد له من حد، فمنه ما يعلم حده باللغة كالشمس والقمر والبر والبحر والسماء والأرض. ومنه ما يعلم بالشرع كالمؤمن والكافر والمنافق وكالصلاة والزكاة والصيام والحج. وما لم يكن له حد في اللغة ولا في الشرع: فالمرجع فيه إلى عرف الناس كالقبض المذكور في قوله ﷺ : "من ابتاع طعاماً فلا يبعه حتى يقبضه". ومعلوم أنَّ البيع والإجارة والهبة ونحوها لم يحد الشارع لها حداً؛ لا في كتاب الله ولا سنة رسوله ولا نقل عن أحد من الصحابة والتابعين أنَّه عين للعقود صفة معينة من الألفاظ أو غيرها أو قال ما يدل على ذلك: من أنَّها لا تنعقد إلَّا بالصيغ الخاصة؛ بل قد قيل: إنَّ هذا القول مما يخالف الإجماع القديم وإنَّه من البدع. وليس لذلك حد في لغة العرب بحيث يقال: إنَّ أهل اللغة يسمون هذا بيعاً ولا يسمون هذا بيعاً حتى يدخل أحدهما في خطاب الله ولا يدخل الآخر؛ بل تسمية أهل العرف من العرب هذه المعاقدات بيعاً: دليل على أنَّها في لغتهم تسمى بيعاً، والأصل بقاء اللغة وتقريرها؛ لا نقلها
стр. 5958
وتغييرها، فإذا لم يكن له حد في الشرع ولا في اللغة كان المرجع فيه إلى عرف الناس وعاداتهم. فما سموه بيعاً فهو بيع وما سموه هبة فهو هبة.
الوجه الثالث: أنَّ تصرفات العباد من الأقوال والأفعال نوعان: عبادات يصلح بها دينهم وعادات يحتاجون إليها في دنياهم، فباستقراء أصول الشريعة نعلم أنَّ العبادات التي أوجبها الله أو أحبها لا يثبت الأمر بها إلَّا بالشرع. وأمَّا العادات فهي ما اعتاده الناس في دنياهم مما يحتاجون إليه والأصل فيه عدم الحظر فلا يحظر منه إلَّا ما حظره الله . وذلك لأنَّ الأمر والنهي هما شرع الله والعبادة لا بد أن تكون مأموراً بها، فما لم يثبت أنَّه مأمور به كيف يحكم عليه بأنَّه عبادة وما لم يثبت من العبادات أنَّه منهي عنه كيف يحكم على أنَّه محظور ولهذا كان أحمد وغيره من فقهاء أهل الحديث يقولون: إنَّ الأصل في العبادات التوقيف فلا يشرع منها إلَّا ما شرعه الله تعالى. وإلَّا دخلنا في معنى قَوْلِهِ: ﴿أَمْ لَهُمْ شُرَكَاءُ شَرَعُوا لَهُمْ مِنَ الدِّينِ مَا لَمْ يَأْذَنْ بِهِ اللَّهُ﴾. والعادات الأصل فيها العفو فلا يحظر منها إلَّا ما حرمه وإلَّا دخلنا في معنى قَوْلِهِ: ﴿قُلْ أَرَأَيْتُمْ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ لَكُمْ مِنْ رِزْقٍ فَجَعَلْتُمْ مِنْهُ حَرَامًا وَحَلَالًا﴾ ولهذا ذم الله المشركين الذين شرعوا من الدين ما لم يأذن به الله وحرموا ما لم يحرمه في سورة الأنعام من قوله تعالى: ﴿وَجَعَلُوا لِلَّهِ مِمَّا
стр. 5959
ذَرَأَ مِنَ الْحَرْثِ وَالْأَنْعَامِ نَصِيبًا فَقَالُوا هَذَا لِلَّهِ بِزَعْمِهِمْ وَهَذَا لِشُرَكَائِنَا فَمَا كَانَ لِشُرَكَائِهِمْ فَلَا يَصِلُ إلَى اللَّهِ وَمَا كَانَ لِلَّهِ فَهُوَ يَصِلُ إلَى شُرَكَائِهِمْ سَاءَ مَا يَحْكُمُونَ (١٣٦) وَكَذَلِكَ زَيَّنَ لِكَثِيرٍ مِنَ الْمُشْرِكِينَ قَتْلَ أَوْلَادِهِمْ شُرَكَاؤُهُمْ لِيُرْدُوهُمْ وَلِيَلْبِسُوا عَلَيْهِمْ دِينَهُمْ وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا فَعَلُوهُ فَذَرْهُمْ وَمَا يَفْتَرُونَ (١٣٧) وَقَالُوا هَذِهِ أَنْعَامٌ وَحَرْثٌ حِجْرٌ لَا يَطْعَمُهَا إِلَّا مَنْ نَشَاءُ بِزَعْمِهِمْ وَأَنْعَامٌ حُرِّمَتْ ظُهُورُهَا وَأَنْعَامٌ لَا يَذْكُرُونَ اسْمَ اللَّهِ عَلَيْهَا افْتِرَاءً عَلَيْهِ سَيَجْزِيهِمْ بِمَا كَانُوا يَفْتَرُونَ﴾ [الأنعام: ١٣٦ - ١٣٨]، فذكر ما ابتدعوه من العبادات ومن التحريمات، وفي صحيح مسلم عن عياض بن حمار ﵁ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قال: "قال الله تعالى: إنِّي خلقت عبادي حنفاء فاجتالتهم الشياطين وحرمت عليهم ما أحللت لهم وأمرتهم أن يشركوا بي ما لم أنزل به سلطاناً". وهذه "قاعدة عظيمة نافعة". وإذا كان كذلك. فنقول: البيع والهبة والإجارة وغيرها هي من العادات التي يحتاج الناس إليها في معاشهم - كالأكل والشرب واللباس - فإنَّ الشريعة قد جاءت في هذه العادات بالآداب الحسنة فحرمت منها ما فيه فساد وأوجبت ما لا بد منه وكرهت ما لا ينبغي واستحبت ما فيه مصلحة راجحة في أنواع هذه العادات ومقاديرها وصفاتها. وإذا كان كذلك: فالناس يتبايعون ويستأجرون
стр. 5960
كيف شاءوا ما لم تحرم الشريعة. كما يأكلون ويشربون كيف شاءوا ما لم تحرم الشريعة. وإن كان بعض ذلك قد يستحب أو يكون مكروهاً وما لم تحد الشريعة في ذلك حداً فيبقون فيه على الإطلاق الأصلي». إلى آخر كلامه ﵀.
وَقَالَ الْعَلَّامَةُ ابْنُ الْقَيِّمِ ﵀ فِي [إِعْلَامِ الْمُوَقِعِيْنَ] (٢/ ٢٤): «أمَّا الأولى فإنَّ الشارع استعمل لفظ التمليك في النكاح فقال: "ملكتكها بما معك من القرآن" وأعتق صفية وجعل عتقها صداقها ولم يأت معه بلفظ إنكاح ولا تزويج، وأباح الله ورسوله النكاح ورد فيه الأمة إلى ما تتعارفه نكاحاً بأي لفظ كان، ومعلوم أن تقسيم الألفاظ إلى صريح وكناية تقسيم شرعي فإن لم يقم عليه دليل شرعي كان باطلاً فما هو الضابط لذلك» اهـ.
وَقَالَ الْعَلَّامَةُ ابْنُ قُدَامَةَ ﵀ فِي [الْمُغْنِي] (١٥/ ١٤):
«الفصل الثاني: أنَّ النكاح ينعقد بِقَوْلِهِ: أعتقتك، وجعلت عتقك صداقك وتزوجتك وبذلك خالياً عن قَوْلِهِ: وتزوجتك. وهذا لفظ الخرقي، وهو الذي جاء في حديث أنس.
وبِقَوْلِهِ: جعلت عتقك صداقك. أو جعلت صداقك عتقك.
وهذا معنى قول الخرقي: "سواء تقدم العتق أو تأخر".
стр. 5961
ونص أحمد على هذا، في رواية صالح: إذا قال: جعلت عتقك صداقك، أو صداقك عتقك.
كل ذلك جائز» اهـ.
وَقَالَ ﵀ فِي [الْمُغْنِي] (١٥/ ٢٥):
«فصل: وينعقد النكاح بلفظ الإنكاح والتزويج.
والجواب عنهما إجماعاً، وهما اللذان ورد بهما نص الكتاب في قوله سبحانه: ﴿زَوَّجْنَاكَهَا﴾.
وقوله سبحانه: ﴿وَلَا تَنْكِحُوا مَا نَكَحَ آبَاؤُكُمْ مِنْ النِّسَاءِ﴾.
وسواء اتفقا من الجانبين أو اختلفا، مثل أن يقول: زوجتك بنتي هذه. فيقول: قبلت هذا النكاح، أو هذا التزويج.
ولا ينعقد بغير لفظ الإنكاح والتزويج. وبهذا قال سعيد بن المسيب، وعطاء، والزهري، وربيعة، والشافعي.
وقال الثوري، والحسن بن صالح، وأبو حنيفة، وأصحابه، وأبو ثور، وأبو عبيد، وداود: ينعقد بلفظ الهبة والصدقة والبيع والتمليك. وفي لفظ الإجارة عن أبي حنيفة روايتان.
стр. 5962
وقال مالك ينعقد بذلك إذا ذكر المهر» اهـ.
وَقَالَ الْإِمَامُ الشَّافِعِيُّ ﵀ فِي [الْأُمِّ] (٥/ ٤٠):
«وَهَكَذَا لَوْ قَالَ الْوَلِيُّ قَدْ زَوَّجْتُك فُلَانَةَ فَقَالَ الزَّوْجُ قَدْ قَبِلْت وَلَمْ يَقُلْ تَزْوِيجَهَا لَمْ يَكُنْ نِكَاحًا حَتَّى يَقُولَ قَدْ قَبِلْت تَزْوِيجَهَا» اهـ.
وَقَالَ الْعَلَّامَةُ ابْنُ أَبِي الْخَيْرِ الْشَّافِعِيِّ ﵀ فِي [الْبَيَانِ] (٩/ ٢٣٤ - ٢٣٤):
«وجملة ذلك: أنَّ الولي إذا قال: زوجتك ابنتي، فقال الزوج: قبلت التزويج أو النكاح، أو قال: أنكحتك ابنتي، فقال الزوج: قبلت النكاح أو التزويج صح ذلك، لأنَّه قد وجد الإيجاب والقبول في النكاح أو التزويج.
فإن قال الولي: زوجتك ابنتي، أو أنكحتك، فقال الزوج: قبلت ولم يقل النكاح ولا التزويج فقد قال الشافعي ﵀ في موضع: يصح، وقال في موضع: لا يصح.
واختلف أصحابنا فيها على ثلاثة طرق:
فالطريق الأول: منهم من قال: لا يصح قولاً واحداً، وحيث قال: يصح. أراد: إذا قبل الزوج قبولاً تاماً.
стр. 5963
والثاني: منهم من قال: يصح قولاً واحداً، وحيث اشترط الشافعي ﵀ لفظ النكاح أو التزويج في القبول أراد على سبيل التأكيد.
وهذا لا يصح، لأنَّه قال: لا ينعقد النكاح.
والثالث: قال أكثر أصحابنا: هي على قولين- وهذا اختيار الشيخ أبي إسحاق وابن الصباغ -:
أحدهما: يصح- وهو قول أبي حنيفة وأحمد رحمة الله عليهما- لأنَّ قوله: قبلت إذا ورد على وجه الجواب عن إيجاب متقدم كان المراد به قبول ما تقدم فصح، كما لو قال: بعتك داري، أو وهبتكها، فقال: قبلت. فإنه يصح.
والثاني: لا يصح. قال الشيخ أبو حامد: وهو الصحيح، لأنَّ الاعتبار في النكاح أن يحصل الإيجاب والقبول فيه بلفظ النكاح أو التزويج، فإن عري القبول منه لم يصح، كما لو قال رجل لآخر: زوجت ابنتك من فلان، فقال الولي: نعم، وقال الزوج: قبلت النكاح. فإن هذا لا يصح بلا خلاف.
وإن قال الولي: زوجتك ابنتي، فقال الزوج: نعم. قال الصيمري: هو كما لو قال الزوج: قبلت، على الطرق الثلاث.
وقال الشيخ أبو حامد، وأكثر أصحابنا: لا يصح قولاً واحداً.
стр. 5964
وإن قال الزوج: زوجني ابنتك، فقال الولي: زوجتك .. صح ذلك، ولا يفتقر الزوج إلى أن يقول: قبلت نكاحها- وقد وافقنا أبو حنيفة هاهنا، وخالفنا في البيع- لما روي: أن الذي تزوج الواهبة قال النبي ﷺ : زوجنيها يا رسول الله، فقال النبي ﷺ : "زوجتكها"، ولم يأمره بالقبول بعد هذا» اهـ.
قُلْتُ: والصحيح انعقاد النكاح بكل لفظ يدل عليه كسائر العقود، وأمَّا قَوْلُ الْعَلَّامَةِ ابْنِ قُدَامَةَ ﵀ فِي [الْمُغْنِي] (١٥/ ٢٥): «وهذا لأنَّ الشهادة شرط في النكاح، والكناية إنَّما تعلم بالنية، ولا يمكن الشهادة على النية، لعدم اطلاعهم عليها، فيجب أن لا ينعقد، وبهذا فارق بقية العقود والطلاق» اهـ.
فالجواب على ذلك: أنَّ كلامنا على الألفاظ التي تعارف عليها الناس أنَّه يراد بها النكاح وهذه يمكن الإشهاد عليها، وهكذا الكناية مع القرينة توضح المقصود. والله أعلم.
٣ - وفيه استحباب عتق الأمة والزواج بها.
وقد جاء في ذلك ما رواه البخاري (٩٧)، ومسلم (١٥٤) عَنْ أَبِي مُوسَى الأَشْعَرِيِّ ﵁، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «ثَلَاثَةٌ لَهُمْ
стр. 5965
أَجْرَانِ: رَجُلٌ مِنْ أَهْلِ الكِتَابِ، آمَنَ بِنَبِيِّهِ وَآمَنَ بِمُحَمَّدٍ ﷺ ، وَالعَبْدُ المَمْلُوكُ إِذَا أَدَّى حَقَّ اللَّهِ وَحَقَّ مَوَالِيهِ، وَرَجُلٌ كَانَتْ عِنْدَهُ أَمَةٌ فَأَدَّبَهَا فَأَحْسَنَ تَأْدِيبَهَا، وَعَلَّمَهَا فَأَحْسَنَ تَعْلِيمَهَا، ثُمَّ أَعْتَقَهَا فَتَزَوَّجَهَا فَلَهُ أَجْرَانِ».
٤ - وفيه جواز أن يتولى الولي طرفي العقد إذا كان ممن يحل له الزواج بموليته كابن العم الشقيق، أو لأب.
وهذه المسألة فيها نزاع بين العلماء والصحيح جواز ذلك، وأنَّه يكتفى فيه بالإيجاب، ولا يلزمه أن يجمع بين الإيجاب والقبول.
قَالَ الْعَلَّامَةُ ابْنُ قُدَامَةَ ﵀ فِي [الْمُغْنِي] (١٤/ ٣٩٦ - ٣٩٨):
«مسألة؛ قال: "ومن أراد أن يتزوج امرأة هو وليها، جعل أمرها إلى رجل يزوجها منه بإذنها".
وجملته أنَّ ولي المرأة التي يحل له نكاحها، وهو ابن العم، أو المولى أو الحاكم، أو السلطان، إذا أذنت له أن يتزوجها، فله ذلك، وهل له أن يلي طرفي العقد بنفسه؟ فيه روايتان:
إحداهما: له ذلك.
стр. 5966
وهو قول الحسن، وابن سيرين، وربيعة، ومالك، والثوري، وأبي حنيفة، وإسحاق، وأبي ثور، وابن المنذر؛ لما روى البخاري، قال: قال عبد الرحمن بن عوف، لأم حكيم ابنة قارظ: أتجعلين أمرك إلي؟ قالت: نعم. قال: قد تزوجتك.
ولأنَّه يملك الإيجاب والقبول، فجاز أن يتولاهما، كما لو زوج أمته عبده الصغير، ولأنَّه عقد وجد فيه الإيجاب من ولي ثابت الولاية، والقبول من زوج هو أهل للقبول، فصح، كما لو وجدا من رجلين.
وقد روي أنَّ النبي ﷺ : أعتق صفية، وجعل عتقها صداقها.
فإن قيل: فقد روي أنَّ النبي ﷺ قال: "كل نكاح لم يحضره أربعة فهو سفاح: زوج، وولي، وشاهدان".
قلنا: هذا لا نعرف صحته، وإن صح فهو مخصوص بمن زوج أمته عبده الصغير، فيخص منه محل النزاع أيضاً.
وهل يفتقر إلى ذكر الإيجاب والقبول، أم يكتفى بمجرد الإيجاب؟ فيه وجهان؛ أحدهما: يحتاج أن يقول: زوجت نفسي فلانة، وقبلت هذا النكاح.
لأنَّ ما افتقر إلى الإيجاب افتقر إلى القبول، كسائر العقود.
стр. 5967
والثاني: يكفيه أن يقول: زوجت نفسي فلانة، أو تزوجت فلانة. وهو قول مالك، وأبي حنيفة؛ لحديث عبد الرحمن بن عوف، ولأنَّ إيجابه يتضمن القبول، فأشبه إذا تقدم الاستدعاء، ولهذا قلنا: إذا قال لأمته: قد أعتقتك، وجعلت عتقك صداقك. انعقد النكاح بمجرد هذا القول.
والرواية الثانية: لا يجوز أن يتولى طرفي العقد، ولكن يوكل رجلاً يزوجه إياها بإذنها.
قال أحمد ﵀ في رواية ابن منصور: لا يزوج نفسه حتى يولي رجلاً، على حديث المغيرة بن شعبة، وهو ما روى أبو داود، بإسناده عن عبد الملك بن عمير، أنَّ المغيرة بن شعبة أمر رجلاً زوجه امرأة، المغيرة أولى به منه.
ولأنَّه عقد ملكه بالإذن، فلم يجز أن يتولى طرفيه، كالبيع.
وبهذا فارق ما إذا زوج أمته عبده الصغير وعلى هذه الرواية، إن وكل من يقبل له النكاح، وتولى هو الإيجاب، جاز.
وقال الشافعي في ابن العم والمولى: لا يزوجها إلَّا الحاكم، ولا يجوز أن يتولى طرفي العقد، ولا أن يوكل من يزوجه؛ لأنَّ وكيله بمنزلته، وهذا عقد ملكه بالإذن، فلا يتولى طرفيه، كالبيع.
стр. 5968
ولا يجوز أن يزوجه من هو أبعد منه من الأولياء؛ لأنَّه لا ولاية لهم مع وجوده.
ولنا، ما ذكرناه من فعل الصحابة، ولم يظهر خلافه، ولأنَّ وكيله يجوز أن يلي العقد عليها لغيره، فصح أن يليه عليها له إذا كانت تحل له، كالإمام إذا أراد أن يزوج موليته ولأنَّ هذه امرأة، ولها ولي حاضر غير عاضل، فلم يلها الحاكم، كما لو أراد أن يزوجها غيره.
ومفهوم قوله ﵇: "السلطان ولي من لا ولي له". أنَّه لا ولاية له على هذه» اهـ.
قُلْتُ: أثر عبد الرحمن بن عوف، والمغيرة رواهما البخاري في "باب إذا كان الولي هو الخاطب" برقم (٣٨) فقال:
«وخطب المغيرة بن شعبة امرأة هو أولى الناس بها فأمر رجلاً فزوجه.
وقال عبد الرحمن بن عوف لأم حكيم بنت قارظ: أتجعلين أمرك إلي قالت: نعم فقال: قد تزوجتك» اهـ.
قُلْتُ: هكذا رواهما معلقاً بصيغة الجزم.
قَالَ الْحِافِظُ ابْنُ حَجَرٍ ﵀ فِي [تَغْلِيْقِ التَّعْلِيْقِ] (٤/ ٤١٦):
стр. 5969
«وأمَّا حديث المغيرة فقال البيهقي في "الخلافيات" أنا أبو عبد الله الحافظ أنا أبو الوليد ثنا محمد بن أحمد بن زهير ثنا عبد الله بن هاشم ثنا وكيع عن سفيان عن عبد الملك بن عمير أنَّ المغيرة أراد أن يتزوج امرأة وهو وليها فجعل أمرها إلى رجل المغيرة أولى منه فزوجه.
ورواه عبد الرزاق في "مصنفه" عن الثوري عن عبد الملك بن عمير قال: أراد المغيرة بن شعبة أن يتزوج امرأة هو أقرب إليها من الذي أراد أن يزوجها إياه فأمر غيره أبعد منه فزوجها إياه.
وأمَّا حديث عبد الرحمن فقال ابن سعد في "الطبقات الكبير" أنا محمد بن إسماعيل بن أبي فديك عن ابن أبي ذئب عن سعيد بن خالد وقارظ بن شيبة أنَّ أم حكيم بنت قارظ قالت لعبد الرحمن بن عوف: أنَّه قد خطبني غير واحد فزوجني أيهم رأيت. قال: وتجعلين ذلك إليَّ. فقالت: نعم فقال: قد تزوجتك.
قال ابن أبي ذئب فجاز نكاحه» اهـ.
قُلْتُ: أثر المغيرة عند عبد الرزاق في [مُصَنَّفِهِ] (١٠٥٠٢، ١٣١٢٧)، وإِسْنَادُهُ صَحِيْحٌ.
стр. 5970
وأثر عبد الرحمن بن عوف عند ابن سعد في [الطَّبَقَاتِ الْكُبْرَى] (١٠٩٣٦)، وإِسْنَادُهُ صَحِيْحٌ لِغَيْرِهِ إن كان سعيد بن خالد، وقارظ أدركا ذلك.
قُلْتُ: سعيد بن خالد هو ابن عبد الله بن قارظ.
وَقَالَ الْعَلَّامَةُ ابْنُ الْقَيِّمِ ﵀ فِي [زَادِ الْمَعَادِ] (٥/ ١٠٤):
«وتضمنت جواز تولى الرجل طرفي العقد، كوكيل من الطرفين، أو ولي فيهما، أول ولي وكله الزوج، أو زوج وكله الولي، ويكفى أن يقول: زوجت فلاناً فلانة مقتصراً على ذلك، أو تزوجت فلانة إذا كان هو الزوج، وهذا ظاهر مذهب أحمد، وعنه رواية ثانية: لا يجوز ذلك إلَّا للولي المجبر، كمن زوج أمته أو ابنته المجبرة بعبده المجبر، ووجه هذه الرواية أنَّه لا يعتبر رضى واحد من الطرفين.
وفي مذهبه قول ثالث: أنَّه يجوز ذلك إلَّا للزوج خاصة، فإنَّه لا يصح منه تولى الطرفين لتضاد أحكام الطرفين فيه» اهـ.
٥ - واحتج به من قال: إنَّ من ملك أمة ووطئها فله أنَّ يتزوجها قبل استبرائها.
قَالَ الْعَلَّامَةُ ابْنُ قُدَامَةَ ﵀ فِي [الْمُغْنِي] (١٨/ ١٧):
стр. 5971
«فصل: وإن أعتق أم ولده، أو أمته التي كان يصيبها، أو غيرها ممن تحل له إصابتها، فله أن يتزوجها في الحال، من غير استبراء؛ لأنَّ النبي ﷺ أعتق صفية، وتزوجها، وجعل عتقها صداقها.
وقَالَ النَّبِيُّ ﷺ : "ثلاثة يوفون أجرهم مرتين؛ رجل كانت له أمة، فأدبها فأحسن تأديبها، وعلمها فأحسن تعليمها، ثم أعتقها وتزوجها".
ولم يذكر استبراء، ولأنَّ الاستبراء لصيانة مائه وحفظه عن الاختلاط بماء غيره، ولا يصان ماؤه عن مائه، ولهذا كان له أن يتزوج مختلعته في عدتها.
وقد روي عن أحمد، في الأمة التي لا يطؤها إذا أعتقها: لا يتزوجها بغير استبراء؛ لأنَّه لو باعها لم تحل للمشتري بغير استبراء.
والصحيح أنَّه يحل له ذلك؛ لأنَّه يحل له وطؤها بملك اليمين، فكذلك بالنكاح، كالتي كان يصيبها، ولأنَّ النبي ﷺ أعتق صفية وتزوجها، ولم ينقل أنَّه كان أصابها، والحديث الآخر يدل على حلها له بظاهره، لدخولها في العموم، ولأنَّها تحل لمن تزوجها سواه، فله أولى، ولأنَّه لو استبرأها، ثم أعتقها وتزوجها في الحال، كان جائزاً حسناً، فكذلك هذه، فإنَّه تارك لوطئها، ولأنَّ
стр. 5972
وجوب الاستبراء في حق غيره، إنَّما كان لصيانة مائه عن الاختلاط بغيره، ولا يوجد ذلك هاهنا.
وكلام أحمد، محمول على من اشتراها، ثم تزوجها قبل أن يستبرئها» اهـ.
٦ - وفيه تعجيل جميع المهر.
قُلْتُ: ويجوز في المهر التعجيل، والتأجيل، وتعجيل البعض وتأجيل البعض، والمؤجل لا يطالب به إلَّا بموت أو فراق.
قَالَ الْعَلَّامَةُ ابْنُ قُدَامَةَ ﵀ فِي [الْمُغْنِي] (١٥/ ٣٦٢):
«فصل: ويجوز أن يكون الصداق معجلاً، ومؤجلاً، وبعضه معجلاً وبعضه مؤجلاً؛ لأنَّه عوض في معاوضة، فجاز ذلك فيه كالثمن.
ثم إن أطلق ذكره اقتضى الحلول، كما لو أطلق ذكر الثمن.
وإن شرطه مؤجلاً إلى وقت، فهو إلى أجله.
وإن أجله ولم يذكر أجله، فقال القاضي: المهر صحيح.
ومحله الفرقة؛ فإنَّ أحمد قال: إذا تزوج على العاجل والآجل، لا يحل الآجل إلَّا بموت أو فرقة.
стр. 5973
وهذا قول النخعي والشعبي، وقال الحسن، وحماد بن أبي سليمان، وأبو حنيفة، والثوري، وأبو عبيد: يبطل الأجل، ويكون حالاً، وقال إياس بن معاوية وقتادة: لا يحل حتى يطلق، أو يخرج من مصرها، أو يتزوج عليها.
وعن مكحول، والأوزاعي، والعنبري: يحل إلى سنة بعد دخوله بها واختار أبو الخطاب أنَّ المهر فاسد، ولها مهر المثل. وهو قول الشافعي؛ لأنَّه عوض مجهول المحل، ففسد كالثمن في البيع.
ووجه القول الأول، أنَّ المطلق يحمل على العرف، والعادة في الصداق الآجل ترك المطالبة به إلى حين الفرقة، فحمل عليه، فيصير حينئذ معلوماً بذلك.
فأمَّا إن جعل للآجل مدة مجهولة، كقدوم زيد ومجيء المطر، ونحوه، لم يصح؛ لأنَّه مجهول، وإنَّما صح المطلق لأنَّ أجله الفرقة بحكم العادة وها هنا صرفه عن العادة بذكر الأجل، ولم يبينه فبقي مجهولاً، فيحتمل أن تبطل التسمية، ويحتمل أن يبطل التأجيل ويحل» اهـ.
وَقَالَ الْعَلَّامَةُ ابْنُ الْقَيِّمِ ﵀ فِي [إِعْلَامِ الْمُوَقِعِيْنَ] (٣/ ٦٨ - ٧٢): «المثال التاسع: الإلزام بالصداق الذي اتفق الزوجان على تأخير المطالبة به، وإن لم يسميا أجلاً، بل قال الزوج: مائة مقدمة ومائة مؤخرة، فإنَّ المؤخر لا يستحق المطالبة به
стр. 5974
إلَّا بموت أو فرقة، هذا هو الصحيح، وهو منصوص أحمد، فإنَّه قال في رواية جماعة من أصحابه: إذا تزوجها على العاجل والآجل لا يحل الآجل إلَّا بموت أو فرقة، واختاره قدماء شيوخ المذهب والقاضي أبو يعلى، وهو اختيار شيخ الإسلام ابن تيمية، وهو قول النخعي والشعبي والليث بن سعد، وله فيه رسالة كتبها إلى مالك ينكر عليه خلاف هذا القول سنذكرها بإسنادها ولفظها، وقال الحسن وحماد بن أبي سليمان وأبو حنيفة وسفيان الثوري وأبو عبيدة: يبطل الآجل لجهالة محله، ويكون حالاً، وقال إياس بن معاوية: يصح الآجل، ولا يحل الصداق إلَّا أن يفارقها أو يتزوج عليها أو يخرجها من بلدها؛ فلها حينئذ المطالبة به، وقال مكحول والأوزاعي: يحل بعد سنة من وقت الدخول، وقال الشافعي وأبو الخطاب: تفسد التسمية ويجب مهر المثل لجهالة العوض بجهالة أجله فترجع إلى مهر المثل، وأمَّا مذهب مالك فقال عبد الملك: كان مالك وأصحابه يكرهون أن يكون شيء من المهر مؤخراً وكان مالك يقول: إنَّما الصداق فيما مضى ناجز كله، فإن وقع منه شيء مؤخراً فلا أحب أن يطول الأجل في ذلك، وحكى عن ابن القاسم تأخيره إلى السنتين والأربع، وعن ابن وهب إلى السنة، وعنه إن زاد الأجل على أكثر من عشرين سنة فسخ، وعن ابن القاسم إذا جاوز الأربعين
стр. 5975
فسخ، وعنه إلى الخمسين والستين، حكى ذلك كله فضل بن سلمة عن ابن المواز، ثم قال: لأنَّ الأجل الطويل مثل ما لو تزوجها إلى موت أو فراق.
قال عبد الملك: وقد أخبرني أصبغ أنَّه شهد ابن وهب وابن القاسم تذاكرا الأجل في ذلك، فقال ابن وهب: أرى فيه العشرين فدون فما جاوز ذلك فمفسوخ، فقال له ابن القاسم: وأنا معك على هذا، فأقام ابن وهب على رأيه، ورجع ابن القاسم فقال: لا أفسخه إلى أربعين وأفسخه فيما فوق ذلك، فقال أصبغ: وبه أخذ ولا أحب ذلك ندباً إلى العشر ونحوها، وقد شهدت أشهب زوج ابنته وجعل مؤخر مهرها إلى اثنتي عشرة سنة.
قال عبد الملك: وما قصر من الأجل فهو أفضل، وإن بعد لم أفسخه إلَّا أن يجاوز ما قال ابن القاسم، وإن كانت الأربعون في ذلك كثيرة جداً.
قال عبد الملك: وإن كان بعض الصداق مؤخراً إلى غير أجل فإنَّ مالكاً كان يفسخه قبل البناء ويمضيه بعده، ويرد المرأة إلى صداق مثلها معجلاً كله، إلَّا أن يكون صداق مثلها أقل من المعجل فلا ينقص منه، أو أكثر من المعجل والمؤجل فيوفي تمام ذلك، إلَّا أن يرضى الناكح بأن يجعل المؤخر معجلاً كله مع النقد
стр. 5976
فيمضي النكاح ولا يفسخ لا قبل البناء ولا بعده، ولا ترد المرأة إلى صداق مثلها، ثم أطالوا بذكر فروع تتعلق بذلك.
والصحيح ما عليه أصحاب رسول الله ﷺ من صحة التسمية وعدم تمكين المرأة من المطالبة به إلَّا بموت أو فرقة، حكاه الليث إجماعاً منهم، وهو محض القياس والفقه، فإنَّ المطلق من العقود ينصرف إلى العرف والعادة عند المتعاقدين كما في النقد والسكة والصفة والوزن، والعادة جارية بين الأزواج بترك المطالبة بالصداق إلَّا بالموت أو الفراق، فجرت العادة مجرى الشرط كما تقدم ذكر الأمثلة بذلك، وأيضاً فإنَّ عقد النكاح يخالف سائر العقود، ولهذا نافاه التوقيت المشترط في غيره من العقود على المنافع، بل كانت جهالة مدة بقائه غير مؤثرة في صحته، والصداق عوضه ومقابله؛ فكانت جهالة مدته غير مؤثرة في صحته، فهذا محض القياس، ونظير هذا لو أجره كل شهر بدرهم فإنَّه يصح وإن كانت جملة الأجرة غير معلومة تبعاً لمدة الإجارة؛ فقد صح عن أمير المؤمنين علي بن أبي طالب أنَّه أجر نفسه كل دلو بتمرة، وأكل النبي ﷺ من ذلك التمر، وقد قَالَ النَّبِيُّ ﷺ : "المسلمون على شروطهم، إلاَّ شرطا أحل حراماً أو حرم حلالاً" وهذا لا يتضمن
стр. 5977
واحداً من الأمرين، فإنَّ ما أحل الحرام وحرم الحلال لو فعلاه بدون الشرط لما جاز، وقَالَ النَّبِيُّ ﷺ : "إنَّ أحق الشرط أن توفوا به ما استحللتم به الفروج" وأمَّا تلك التقديرات المذكورة فيكفي في عدم اعتبارها عدم دليل واحد يدل عليها، ثم ليس تقدير منها بأولى من تقدير أزيد عليه أو أنقص منه، وما كان هذا سبيله فهو غير معتبر.
وقال الحافظ أبو يوسف يعقوب بن سفيان الفسوي في كتاب "التاريخ والمعرفة" له، وهو كتاب جليل غزير العلم جم الفوائد حدثني يحيى بن عبد الله بن بكير المخزومي قال: هذه رسالة الليث بن سعد إلى مالك بن أنس: سلام عليك، فإنِّي أحمد إليك الله الذي لا إله إلاَّ هو، أمَّا بعد - عافانا الله وإياك».
ثم ساق ﵀ رسالة الليث بن سعد، ومحل الشاهد منها قَوْلُهُ: «ولم يقض أحد من أصحاب رسول الله ﷺ ولا من بعدهم لامرأة بصداقها المؤخر إلَّا أن يفرق بينهما موت أو طلاق فتقوم على حقها» اهـ.
* * *
стр. 5978
٣٠٩ - عَنْ سَهْلِ بْنِ سَعْدٍ السَّاعِدِيِّ ﵁: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ جَاءَتْهُ امْرَأَةٌ فَقَالَتْ: إنِّي وَهَبْتُ نَفْسِي لَكَ: فَقَامَتْ طَوِيلاً، فَقَالَ رَجُلٌ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، زَوِّجْنِيهَا، إنْ لَمْ يَكُنْ لَكَ بِهَا حَاجَةٌ. فَقَالَ: «هَلْ عِنْدَكَ مِنْ شَيْءٍ تُصْدِقُهَا؟» فَقَالَ: مَا عِنْدِي إلا إزَارِي هَذَا. فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «إزَارَكَ إنْ أَعْطَيْتَهَا جَلَسْتَ وَلا إزَارَ لَكَ، فَالْتَمِسْ شَيْئاً» قَالَ: مَا أَجِدْ. قَالَ: «الْتَمِسْ وَلَوْ خَاتَماً مِنْ حَدِيدٍ»، فَالْتَمَسَ فَلَمْ يَجِدْ شَيْئاً، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «هَلْ مَعَكَ شَيْءٌ مِنْ الْقُرْآنِ؟» قَالَ: نَعَمْ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «زَوَّجْتُكَهَا بِمَا مَعَك مِنْ الْقُرْآنِ».
وَفِي الْحَدِيْثِ مَسَائِلُ مِنْهَا:
١ - جواز نكاح الهبة لرسول الله ﷺ ، وهو من الأحكام المختصة بالنبي ﷺ لقول الله تعالى: ﴿وَامْرَأَةً مُؤْمِنَةً إِنْ وَهَبَتْ نَفْسَهَا لِلنَّبِيِّ إِنْ أَرَادَ النَّبِيُّ أَنْ يَسْتَنْكِحَهَا خَالِصَةً لَكَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ قَدْ عَلِمْنَا مَا فَرَضْنَا عَلَيْهِمْ فِي أَزْوَاجِهِمْ وَمَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ لِكَيْلَا يَكُونَ عَلَيْكَ حَرَجٌ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا﴾ [الأحزاب: ٥٠].
стр. 5979
٢ - احتج به البخاري على ولاية السلطان.
ويدل على ذلك أيضاً ما رواه أحمد (٢٤٢٥١، ٢٥٣٦٥)، وأبو داود (٢٠٨٣)، والترمذي (١١٠٢)، وابن ماجه (١٨٧٩) مِنْ طَرِيْقِ ابْنِ جُرَيْجٍ، عَنْ سُلَيْمَانَ بْنِ مُوسَى، عَنِ الزُّهْرِيِّ، عَنْ عُرْوَةَ، عَنْ عَائِشَةَ، قَالَتْ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «أَيُّمَا امْرَأَةٍ نَكَحَتْ بِغَيْرِ إِذْنِ مَوَالِيهَا، فَنِكَاحُهَا بَاطِلٌ»، ثَلَاثَ مَرَّاتٍ «فَإِنْ دَخَلَ بِهَا فَالْمَهْرُ لَهَا بِمَا أَصَابَ مِنْهَا، فَإِنْ تَشَاجَرُوا فَالسُّلْطَانُ وَلِيُّ مَنْ لَا وَلِيَّ لَهُ».
قُلْتُ: هَذَا حَدِيْثٌ صَحِيْحٌ.
قَالَ الْحِافِظُ ابْنُ حَجَرٍ ﵀ فِي [فَتْحِ الْبَارِي] (٩/ ٢١٠): «وفيه أنَّ الإمام يزوج من ليس لها ولي خاص لمن يراه كفؤاً لها ولكن لا بد من رضاها بذلك، وقال الداودي: ليس في الخبر أنَّه استأذنها ولا أنَّها وكلته وإنَّما هو من قوله تعالى: ﴿النَّبِيُّ أَوْلَى بِالْمُؤْمِنِينَ مِنْ أَنْفُسِهِمْ﴾ يعني فيكون خاصاً به ﷺ أنَّه يزوج من شاء من النساء بغير استئذانها لمن شاء، وبنحوه قال ابن أبي زيد، وأجاب ابن بطال بأنَّها لما قالت له: "وهبت نفسي لك" كان كالأذن منها في تزويجها لمن أراد؛ لأنَّها لا تملك حقيقة فيصير المعني: جعلت لك أن تتصرف في تزويجي اهـ. ولو راجعا حديث أبي هريرة لما احتاجا إلى هذا التكلف فإنَّ فيه كما
стр. 5980
قدمته أنَّ النبي ﷺ قال للمرأة: "إنِّي أريد أن أزوجك هذا أن رضيت" فقالت: ما رضيت لي فقد رضيت» اهـ.
قُلْتُ: حديث أبي هريرة رواه النسائي في [الْكُبْرَى] (٥٤٨٠) أَخْبَرَنَا أَحْمَدُ بْنُ حَفْصِ بْنِ عَبْدِ اللهِ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ إِبْرَاهِيمَ بْنِ طَهْمَانَ، عَنِ الْحَجَّاجِ بْنِ الْحَجَّاجِ الْبَاهِلِيِّ، عَنْ عَسَلِ بْنِ سُفْيَانَ، عَنْ عَطَاءِ بْنِ أَبِي رَبَاحٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، جَاءَتِ امْرَأَةٌ إِلَى رَسُولِ اللهِ ﷺ ، فَعَرَضَتْ عَلَيْهِ نَفْسَهَا، فَقَالَ لَهَا: «اجْلِسِي» فَجَلَسَتْ سَاعَةً فَقَالَ: «اجْلِسِي - بَارَكَ اللهُ فِيكَ - أَمَّا نَحْنُ، فَلَا حَاجَةَ لَنَا فِيكِ، وَلَكِنْ تُمَلِّكِينِي أَمْرَكِ»؟ قَالَتْ: نَعَمْ، فَنَظَرَ رَسُولُ اللهِ ﷺ فِي وُجُوهِ الْقَوْمِ، فَدَعَا رَجُلًا مِنْهُمْ، فَقَالَ: «إِنِّي أُرِيدُ أَنْ أُزَوِّجَكَ هَذِهِ إِنْ رَضِيتَ» فَقَالَ: مَا رَضِيتَ لِي يَا رَسُولَ اللهِ، فَقَدْ رَضِيتُ، ثُمَّ قَالَ لِلرَّجُلِ: «هَلْ عِنْدَكَ شَيْءٌ؟»، فَقَالَ: لَا وَاللهِ، قَالَ: «فَقُمْ إِلَى النِّسَاءِ» فَقَامَ إِلَيْهِنَّ، فَلَمْ يَجِدْ عِنْدَهُنَّ شَيْئًا فَقَالَ: «مَا تَحْفَظُ مِنَ الْقُرْآنِ؟»، قَالَ: سُورَةَ الْبَقَرَةِ أَوِ الَّتِي تَلِيهَا، قَالَ: «فَقُمْ فَعَلِّمْهَا عِشْرِينَ آيَةً وَهِيَ امْرَأَتُكَ».
قُلْتُ: هَذَا حَدِيْثٌ ضَعِيْفٌ لضعف عسل بن سفيان.
٣ - أنَّه لا بد من المهر في النكاح، ولو كان شيئاً يسيراً.
стр. 5981
والصحيح أنَّ اشتراط نفي المهر مبطل للنكاح كما هو مذهب الإمام مالك ورواية عن أحمد، وذلك أنَّ النكاح المشروط فيه نفي المهر هو شبيه بنكاح الهبة الذي اختص النبي ﷺ به، وشبيه بنكاح الشغار. والله أعلم.
٤ - وفيه أنَّ طلب النكاح يقوم مقام القبول، فإنَّه لم ينقل في الحديث القبول من جهة الخاطب.
وقد احتج به البخاري على ذلك، فقد بوَّب على الحديث بِقَوْلِهِ: «باب إذا قال الخاطب زوجني فلانة فقال قد زوجتك بكذا وكذا جاز النكاح».
قَالَ الْحِافِظُ ابْنُ حَجَرٍ ﵀ فِي [فَتْحِ الْبَارِي] (٩/ ٢١٣):
«واستدل به على أنَّ من قال: زوجني فلانة. فقال: زوجتكها بكذا كفى ذلك، ولا يحتاج إلى قول الزوج قبلت قاله أبو بكر الرازي من الحنفية، وذكره الرافعي من الشافعية، وقد استشكل من جهة طول الفصل بين الاستيجاب والإيجاب وفراق الرجل المجلس لالتماس ما يصدقها إياه، وأجاب المهلب بأنَّ بساط القصة أغنى عن ذلك، وكذا كل راغب في التزويج إذا استوجب فأجيب بشيء معين وسكت كفى إذا ظهر قرينة القبول وإلَّا فيشترط معرفة رضاه بالقدر المذكور» اهـ.
стр. 5982
قُلْتُ: تقدم القبول على الإيجاب بلفظ الطلب يصح به النكاح في مذهب الجمهور لهذا الحديث خلافاً لأحمد.
قَالَ الْعَلَّامَةُ ابْنُ قُدَامَةَ ﵀ فِي [الْمُغْنِي] (٧/ ٨٠):
«فَصْلٌ: إذَا تَقَدَّمَ الْقَبُولُ عَلَى الْإِيجَابِ. لَمْ يَصِحَّ. رِوَايَةً وَاحِدَةً، سَوَاءٌ كَانَ بِلَفْظِ الْمَاضِي، مِثْلَ أَنْ يَقُولَ: تَزَوَّجْت ابْنَتَك. فَيَقُولَ: زَوَّجْتُك. أَوْ بِلَفْظِ الطَّلَبِ، كَقَوْلِهِ: زَوِّجْنِي ابْنَتَك. فَيَقُولُ: زَوَّجْتُكَهَا. وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ، وَمَالِكٌ، وَالشَّافِعِيُّ: يَصِحُّ فِيهِمَا جَمِيعًا؛ لِأَنَّهُ قَدْ وُجِدَ الْإِيجَابُ وَالْقَبُولُ، فَيَصِحُّ كَمَا لَوْ تَقَدَّمَ الْإِيجَابُ.
وَلَنَا، أَنَّ الْقَبُولَ إنَّمَا يَكُونُ لِلْإِيجَابِ، فَمَتَى وُجِدَ قَبْلَهُ لَمْ يَكُنْ قَبُولًا؛ لِعَدَمِ مَعْنَاهُ، فَلَمْ يَصِحَّ، كَمَا لَوْ تَقَدَّمَ بِلَفْظِ الِاسْتِفْهَامِ، وَلِأَنَّهُ لَوْ تَأَخَّرَ عَنْ الْإِيجَابِ بِلَفْظِ الطَّلَبِ، لَمْ يَصِحَّ، فَإِذَا تَقَدَّمَ كَانَ أَوْلَى، كَصِيغَةِ الِاسْتِفْهَامِ؛ وَلِأَنَّهُ لَوْ أَتَى بِالصِّيغَةِ الْمَشْرُوعَةِ مُتَقَدِّمَةً فَقَالَ: قَبِلْت هَذَا النِّكَاحَ. فَقَالَ الْوَلِيُّ: زَوَّجْتُك ابْنَتِي. لَمْ يَصِحَّ، فَلَأَنْ لَا يَصِحَّ إذَا أَتَى بِغَيْرِهَا أَوْلَى. وَأَمَّا الْبَيْعُ فَلَا يُشْتَرَطُ فِيهِ صِيغَةُ الْإِيجَابِ وَالْقَبُولِ، بَلْ يَصِحُّ بِالْمُعَاطَاةِ؛ وَلِأَنَّهُ لَا يَتَعَيَّنُ فِيهِ لَفْظٌ، بَلْ يَصِحُّ بِأَيِّ لَفْظٍ كَانَ مِمَّا يُؤَدِّي الْمَعْنَى، وَلَا يَلْزَمُ الْخُلْعُ؛ لِأَنَّهُ يَصِحُّ تَعْلِيقُهُ عَلَى الشُّرُوطِ» اهـ.
٥ - وفيه جواز النكاح بما مع الرجل من القرآن.
стр. 5983
وهذا مذهب الشافعي ورواية عن أحمد.
قَالَ الْعَلَّامَةُ ابْنُ الْقَيِّمِ ﵀ فِي [زَادِ الْمَعَادِ] (٥/ ١٧٨ - ١٧٩):
«وتضمن أنَّ المرأة إذا رضيت بعلم الزوج، وحفظه للقرآن أو بعضه من مهرها، جاز ذلك، وكان ما يحصل لها من انتفاعها بالقرآن والعلم هو صداقها، كما إذا جعل السيد عتقها صداقها وكان انتفاعها بحريتها وملكها لرقبتها هو صداقها، وهذا هو الذى اختارته أم سليم من انتفاعها بإسلام أبي طلحة، وبذلها نفسها له إن أسلم، وهذا أحب إليها من المال الذى يبذله الزوج، فإنَّ الصداق شرع في الأصل حقاً للمرأة تنتفع به، فإذا رضيت بالعلم والدين، وإسلام الزوج، وقراءته للقرآن، كان هذا من أفضل المهور وأنفعها وأجلها، فما خلا العقد عن مهر، وأين الحكم بتقدير المهر بثلاثة دراهم، أو عشرة من النص؟. والقياس إلى الحكم بصحة كون المهر ما ذكرنا نصاً وقياساً، وليس هذا مستوياً بين هذه المرأة وبين الموهبة التي وهبت نفسها للنبي ﷺ وهي خالصة له من دون المؤمنين، فإنَّ تلك وهبت نفسها هبة مجردة عن ولي وصداق، بخلاف ما نحن فيه، فإنَّه نكاح بولي وصداق، وإن كان غير مالي، فإنَّ المرأة جعلته عوضاً عن المال لما يرجع إليها من نفعه، ولم تهب نفسها للزوج هبة مجردة كهبة شيء من مالها
стр. 5984
بخلاف الموهوبة التي خص الله بها رسوله ﷺ ، هذا مقتضى هذه الأحاديث.
وقد خالف في بعضه من قال: لا يكون الصداق إلَّا مالاً، ولا تكون منافع أخرى، ولا علمه، ولا تعليمه صداقاً، كقول أبي حنيفة وأحمد في رواية عنه. ومن قال: لا يكون أقل من ثلاثة دراهم كمالك، وعشرة دراهم كأبي حنيفة، وفيه أقوال أخر شاذة لا دليل عليها من كتاب، ولا سنة، ولا إجماع، ولا قياس، ولا قول صاحب.
ومن ادعى في هذه الأحاديث التي ذكرناها اختصاصها بالنبي ﷺ ، أو أنَّها منسوخة، أو أنَّ عمل أهل المدينة على خلافها، فدعوى لا يقوم عليها دليل. والأصل يردها، وقد زوج سيد أهل المدينة من التابعين سعيد بن المسيب ابنته على درهمين، ولم ينكر عليه أحد، بل عد ذلك في مناقبه وفضائله، وقد تزوج عبد الرحمن بن عوف على صداق خمسة دراهم، وأقره النبي ﷺ ، ولا سبيل إلى إثبات المقادير إلَّا من جهة صاحب الشرع» اهـ.
قُلْتُ: حديث أم سليم رواه النسائي (٣٣٤١) أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ النَّضْرِ بْنِ مُسَاوِرٍ، قَالَ: أَنْبَأَنَا جَعْفَرُ بْنُ سُلَيْمَانَ، عَنْ ثَابِتٍ، عَنْ أَنَسٍ، قَالَ: «خَطَبَ أَبُو طَلْحَةَ أُمَّ سُلَيْمٍ، فَقَالَتْ: وَاللَّهِ مَا مِثْلُكَ يَا أَبَا طَلْحَةَ يُرَدُّ، وَلَكِنَّكَ رَجُلٌ كَافِرٌ، وَأَنَا امْرَأَةٌ
стр. 5985
مُسْلِمَةٌ، وَلَا يَحِلُّ لِي أَنْ أَتَزَوَّجَكَ، فَإِنْ تُسْلِمْ فَذَاكَ مَهْرِي وَمَا أَسْأَلُكَ غَيْرَهُ، فَأَسْلَمَ فَكَانَ ذَلِكَ مَهْرَه».
قَالَ ثَابِتٌ: «فَمَا سَمِعْتُ بِامْرَأَةٍ قَطُّ كَانَتْ أَكْرَمَ مَهْرًا مِنْ أُمِّ سُلَيْمٍ الْإِسْلَامَ، فَدَخَلَ بِهَا فَوَلَدَتْ لَهُ».
رواه النسائي (٣٣٤٠) أَخْبَرَنَا قُتَيْبَةُ، قَالَ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ مُوسَى، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي طَلْحَةَ، عَنْ أَنَسٍ، قَالَ: «تَزَوَّجَ أَبُو طَلْحَةَ أُمَّ سُلَيْمٍ، فَكَانَ صِدَاقُ مَا بَيْنَهُمَا الْإِسْلَامَ، أَسْلَمَتْ أُمُّ سُلَيْمٍ قَبْلَ أَبِي طَلْحَةَ، فَخَطَبَهَا، فَقَالَتْ: إِنِّي قَدْ أَسْلَمْتُ، فَإِنْ أَسْلَمْتَ نَكَحْتُكَ، فَأَسْلَمَ فَكَانَ صِدَاقَ مَا بَيْنَهُمَا».
قُلْتُ: هَذَا حَدِيْثٌ صَحِيْحٌ لِغَيْرِهِ.
وشبيه بهذا قول المرأة لمن يخطبها مهري أن تطلب العلم أو تتمسك بالسنة ونحو ذلك، والمنفعة في مثل ذلك راجعة إلى دينها وذلك أنَّ من دعا إلى هدى كان له من الأجر مثل أجور من تبعه، والمنفعة الأخروية أعظم من المنفعة الدنيوية.
قُلْتُ: الذي يظهر لي أنَّ مهر الواهبة كان تعليمها للقرآن، ويدل على ذلك ما رواه مسلم (١٤٢٥) عَنْ سَهْلِ بْنِ سَعْدٍ، وفيه: «انْطَلِقْ فَقَدْ زَوَّجْتُكَهَا فَعَلِّمْهَا مِنَ الْقُرْآنِ».
стр. 5986
قَالَ الْحِافِظُ ابْنُ حَجَرٍ ﵀ فِي [فَتْحِ الْبَارِي] (٩/ ٢١٢ - ٢١٣):
«واستدل به على جواز جعل المنفعة صداقاً ولو كان تعليم القرآن، قال المازري: هذا ينبني على أنَّ الباء للتعويض كقولك: بعتك ثوبي بدينار، وهذا هو الظاهر وإلَّا لو كانت بمعنى اللام على معنى تكريمه لكونه حاملاً للقرآن لصارت المرأة بمعنى الموهوبة والموهوبة خاصة بالنبي صلى الله عليه و سلم اهـ.
وانفصل الأبهري وقبله الطحاوي ومن تبعهما كأبي محمد بن أبي زيد عن ذلك بأنَّ هذا خاص بذلك الرجل لكون النبي ﷺ كان يجوز له نكاح الواهبة فكذلك يجوز له أن ينكحها لمن شاء بغير صداق ونحوه للداودي وقال: إنكاحها إياه بغير صداق لأنَّه أولي بالمؤمنين من أنفسهم وقواه بعضهم بأنَّه لما قال له: "ملكتكها" لم يشاورها ولا استأذنها، وهذا ضعيف لأنَّها هي أولاً فوضت أمرها إلى النبي ﷺ كما تقدم في رواية الباب: "فَرَّ فِيَّ رَأْيَكَ" وغير ذلك من ألفاظ الخبر التي ذكرناها، فلذلك لم يحتج إلى مراجعتها في تقدير المهر وصارت كمن قالت لوليها: زوجني بما ترى من قليل الصداق وكثيره. واحتج لهذا القول بما أخرجه سعيد بن منصور من مرسل أبي النعمان الأزدي قال زوج رسول الله ﷺ امرأة على سورة من القرآن وقال: "لا تكون
стр. 5987
لأحد بعدك مهراً" وهذا مع إرساله فيه من لا يعرف، وأخرج أبو داود مِنْ طَرِيْقِ مكحول قال: ليس هذا لأحد بعد النبي ﷺ ، وأخرج أبو عوانة مِنْ طَرِيْقِ الليث بن سعد نحوه، وقال عياض: يحتمل قَوْلُهُ: "بما معك من القرآن" وجهين أظهرهما: أن يعلمها ما معه من القرآن أو مقداراً معيناً منه ويكون ذلك صداقها وقد جاء هذا التفسير عن مالك، ويؤيده قوله في بعض طرقه الصحيحة: "فعلمها من القرآن" كما تقدم، وعين في حديث أبي هريرة مقدار ما يعلمها وهو: عشرون آية، ويحتمل أن تكون الباء بمعنى اللام أي لأجل ما معك من القرآن فأكرمه بأن زوجه المرأة بلا مهر لأجل كونه حافظاً للقرآن أو لبعضه، ونظيره قصة أبي طلحة مع أم سليم وذلك فيما أخرجه النسائي وصححه مِنْ طَرِيْقِ جعفر بن سليمان عن ثابت عن أنس قال: خطب أبو طلحة أم سليم فقالت: والله ما مثلك يرد، ولكنَّك كافر وأنا مسلمة ولا يحل لي أن أتزوجك فإن تسلم فذاك مهري ولا أسألك غيره فأسلم فكان ذلك مهرها.
وأخرج النسائي مِنْ طَرِيْقِ عبد الله بن عبيد الله بن أبي طلحة عن أنس قال: تزوج أبو طلحة أم سليم فكان صداق ما بينهما الإسلام فذكر القصة. وقال في آخره: فكان ذلك صداق ما بينهما. ترجم عليه النسائي التزويج على الإسلام، ثم
стр. 5988
ترجم على حديث سهل التزويج على سورة من القرآن فكأنَّه مال إلى ترجيح الاحتمال الثاني، ويؤيد أنَّ الباء للتعويض لا للسببية ما أخرجه بن أبي شيبة والترمذي من حديث أنس أنَّ النبي ﷺ سأل رجلاً من أصحابه: "يا فلان هل تزوجت" قال: لا، وليس عندي ما أتزوج به، قال: "أليس معك قل هو الله أحد" الحديث.
واستدل الطحاوي للقول الثاني مِنْ طَرِيْقِ النظر بأنَّ النكاح إذا وقع على مجهول كان كما لم يسم فيحتاج إلى الرجوع إلى المعلوم، قال: والأصل المجمع عليه لو أنَّ رجلاً استأجر رجلاً على أن يعلمه سورة من القرآن بدرهم لم يصح لأنَّ الإجارة لا تصح إلَّا على عمل معين كغسل الثوب أو وقت معين والتعليم قد لا يعلم مقدار وقته فقد يتعلم في زمان يسير وقد يحتاج إلى زمان طويل، ولهذا لو باعه داره على أن يعلمه سورة من القرآن لم يصح قال: فإذا كان التعليم لا تملك به الأعيان لا تملك به المنافع، والجواب عما ذكره أنَّ المشروط تعليمه معين كما تقدم في بعض طرقه، وأمَّا الاحتجاج بالجهل بمدة التعليم فيحتمل أن يقال اغتفر ذلك في باب الزوجين لأنَّ الأصل استمرار عشرتهما ولأنَّ مقدار تعليم عشرين آية لا تختلف فيه افهام النساء غالباً خصوصاً مع كونها عربية من أهل لسان الذي يتزوجها كما
стр. 5989
تقدم، وانفصل بعضهم بأنَّه زوجها إياه لأجل ما معه من القرآن الذي حفظه وسكت عن المهر فيكون ثابتاً لها في ذمته إذا أيسر كنكاح التفويض، وإن ثبت حديث ابن عباس المتقدم حيث قال فيه: "فإذا رزقك الله فعوضها" كان فيه تقوية لهذا القول لكنه غير ثابت.
وقال بعضهم: يحتمل أن يكون زوجه لأجل ما حفظه من القرآن وأصدق عنه، كما كفر عن الذي وقع على امرأته في رمضان، ويكون ذكر القرآن وتعليمه على سبيل التحريض على تعلم القرآن وتعليمه وتنويها بفضل أهله، قالوا: ومما يدل على أنَّه لم يجعل التعليم صداقاً أنَّه لم يقع معرفة الزوج بفهم المرأة وهل فيها قابلية التعليم بسرعة أو ببطء ونحو ذلك مما تتفاوت فيه الاغراض. والجواب عن ذلك قد تقدم في بحث الطحاوي، ويؤيد قول الجمهور قوله ﷺ أولاً: "هل معك شيء تصدقها" ولو قصد استكشاف فضله لسأله عن نسبه وطريقته ونحو ذلك، فإن قيل: كيف يصح جعل تعليمها القرآن مهراً وقد لا تتعلم أجيب كما يصح جعل تعليمها للكتابة مهراً وقد لا تتعلم وإنَّما وقع الاختلاف عند من أجاز جعل المنفعة مهراً هل يشترط أن يعلم حذق المتعلم أو لا كما تقدم» اهـ.
стр. 5990
٦ - وفيه الرد على من حد أقل المهر بربع دينار، أو عشرة دراهم، وذلك مأخوذ من قَوْلِهِ: «هَلْ عِنْدَكَ مِنْ شَيْءٍ تُصْدِقُهَا؟». ومن قَوْلِهُ: «التَمِسْ وَلَوْ خَاتَمًا مِنْ حَدِيدٍ».
قَالَ الْعَلَّامَةُ ابْنُ قُدَامَةَ ﵀ فِي [الْمُغْنِي] (١٥/ ٣٣٣): «الفصل الأول: أنَّ الصداق غير مقدر، لا أقله ولا أكثره، بل كل ما كان مالاً جاز أن يكون صداقاً.
وبهذا قال الحسن وعطاء، وعمرو بن دينار، وابن أبي ليلى، والثوري، والأوزاعي، والليث، والشافعي، وإسحاق، وأبو ثور، وداود وزوج سعيد بن المسيب ابنته بدرهمين، وقال: لو أصدقها سوطاً لحلت.
وعن سعيد بن جبير، والنخعي، وابن شبرمة، ومالك وأبي حنيفة: هو مقدر الأقل. ثم اختلفوا، فقال مالك وأبو حنيفة: أقله ما يقطع به السارق. وقال ابن شبرمة: خمسة دراهم. وعن النخعي: أربعون درهماً. وعنه عشرون. وعنه رطل من الذهب. وعن سعيد بن جبير: خمسون درهماً.
واحتج أبو حنيفة بما روي عَنِ النَّبِيِّ ﷺ ، أنَّه قال: "لا مهر أقل من عشرة دراهم".
ولأنَّه يستباح به عضو، فكان مقدراً كالذي يقطع به السارق.
следующие страницы →