Полный текст (8 095 стр.). Показаны 5986–6025 · переход к 5991.
стр. 5986
قَالَ الْحِافِظُ ابْنُ حَجَرٍ ﵀ فِي [فَتْحِ الْبَارِي] (٩/ ٢١٢ - ٢١٣):
«واستدل به على جواز جعل المنفعة صداقاً ولو كان تعليم القرآن، قال المازري: هذا ينبني على أنَّ الباء للتعويض كقولك: بعتك ثوبي بدينار، وهذا هو الظاهر وإلَّا لو كانت بمعنى اللام على معنى تكريمه لكونه حاملاً للقرآن لصارت المرأة بمعنى الموهوبة والموهوبة خاصة بالنبي صلى الله عليه و سلم اهـ.
وانفصل الأبهري وقبله الطحاوي ومن تبعهما كأبي محمد بن أبي زيد عن ذلك بأنَّ هذا خاص بذلك الرجل لكون النبي ﷺ كان يجوز له نكاح الواهبة فكذلك يجوز له أن ينكحها لمن شاء بغير صداق ونحوه للداودي وقال: إنكاحها إياه بغير صداق لأنَّه أولي بالمؤمنين من أنفسهم وقواه بعضهم بأنَّه لما قال له: "ملكتكها" لم يشاورها ولا استأذنها، وهذا ضعيف لأنَّها هي أولاً فوضت أمرها إلى النبي ﷺ كما تقدم في رواية الباب: "فَرَّ فِيَّ رَأْيَكَ" وغير ذلك من ألفاظ الخبر التي ذكرناها، فلذلك لم يحتج إلى مراجعتها في تقدير المهر وصارت كمن قالت لوليها: زوجني بما ترى من قليل الصداق وكثيره. واحتج لهذا القول بما أخرجه سعيد بن منصور من مرسل أبي النعمان الأزدي قال زوج رسول الله ﷺ امرأة على سورة من القرآن وقال: "لا تكون
стр. 5987
لأحد بعدك مهراً" وهذا مع إرساله فيه من لا يعرف، وأخرج أبو داود مِنْ طَرِيْقِ مكحول قال: ليس هذا لأحد بعد النبي ﷺ ، وأخرج أبو عوانة مِنْ طَرِيْقِ الليث بن سعد نحوه، وقال عياض: يحتمل قَوْلُهُ: "بما معك من القرآن" وجهين أظهرهما: أن يعلمها ما معه من القرآن أو مقداراً معيناً منه ويكون ذلك صداقها وقد جاء هذا التفسير عن مالك، ويؤيده قوله في بعض طرقه الصحيحة: "فعلمها من القرآن" كما تقدم، وعين في حديث أبي هريرة مقدار ما يعلمها وهو: عشرون آية، ويحتمل أن تكون الباء بمعنى اللام أي لأجل ما معك من القرآن فأكرمه بأن زوجه المرأة بلا مهر لأجل كونه حافظاً للقرآن أو لبعضه، ونظيره قصة أبي طلحة مع أم سليم وذلك فيما أخرجه النسائي وصححه مِنْ طَرِيْقِ جعفر بن سليمان عن ثابت عن أنس قال: خطب أبو طلحة أم سليم فقالت: والله ما مثلك يرد، ولكنَّك كافر وأنا مسلمة ولا يحل لي أن أتزوجك فإن تسلم فذاك مهري ولا أسألك غيره فأسلم فكان ذلك مهرها.
وأخرج النسائي مِنْ طَرِيْقِ عبد الله بن عبيد الله بن أبي طلحة عن أنس قال: تزوج أبو طلحة أم سليم فكان صداق ما بينهما الإسلام فذكر القصة. وقال في آخره: فكان ذلك صداق ما بينهما. ترجم عليه النسائي التزويج على الإسلام، ثم
стр. 5988
ترجم على حديث سهل التزويج على سورة من القرآن فكأنَّه مال إلى ترجيح الاحتمال الثاني، ويؤيد أنَّ الباء للتعويض لا للسببية ما أخرجه بن أبي شيبة والترمذي من حديث أنس أنَّ النبي ﷺ سأل رجلاً من أصحابه: "يا فلان هل تزوجت" قال: لا، وليس عندي ما أتزوج به، قال: "أليس معك قل هو الله أحد" الحديث.
واستدل الطحاوي للقول الثاني مِنْ طَرِيْقِ النظر بأنَّ النكاح إذا وقع على مجهول كان كما لم يسم فيحتاج إلى الرجوع إلى المعلوم، قال: والأصل المجمع عليه لو أنَّ رجلاً استأجر رجلاً على أن يعلمه سورة من القرآن بدرهم لم يصح لأنَّ الإجارة لا تصح إلَّا على عمل معين كغسل الثوب أو وقت معين والتعليم قد لا يعلم مقدار وقته فقد يتعلم في زمان يسير وقد يحتاج إلى زمان طويل، ولهذا لو باعه داره على أن يعلمه سورة من القرآن لم يصح قال: فإذا كان التعليم لا تملك به الأعيان لا تملك به المنافع، والجواب عما ذكره أنَّ المشروط تعليمه معين كما تقدم في بعض طرقه، وأمَّا الاحتجاج بالجهل بمدة التعليم فيحتمل أن يقال اغتفر ذلك في باب الزوجين لأنَّ الأصل استمرار عشرتهما ولأنَّ مقدار تعليم عشرين آية لا تختلف فيه افهام النساء غالباً خصوصاً مع كونها عربية من أهل لسان الذي يتزوجها كما
стр. 5989
تقدم، وانفصل بعضهم بأنَّه زوجها إياه لأجل ما معه من القرآن الذي حفظه وسكت عن المهر فيكون ثابتاً لها في ذمته إذا أيسر كنكاح التفويض، وإن ثبت حديث ابن عباس المتقدم حيث قال فيه: "فإذا رزقك الله فعوضها" كان فيه تقوية لهذا القول لكنه غير ثابت.
وقال بعضهم: يحتمل أن يكون زوجه لأجل ما حفظه من القرآن وأصدق عنه، كما كفر عن الذي وقع على امرأته في رمضان، ويكون ذكر القرآن وتعليمه على سبيل التحريض على تعلم القرآن وتعليمه وتنويها بفضل أهله، قالوا: ومما يدل على أنَّه لم يجعل التعليم صداقاً أنَّه لم يقع معرفة الزوج بفهم المرأة وهل فيها قابلية التعليم بسرعة أو ببطء ونحو ذلك مما تتفاوت فيه الاغراض. والجواب عن ذلك قد تقدم في بحث الطحاوي، ويؤيد قول الجمهور قوله ﷺ أولاً: "هل معك شيء تصدقها" ولو قصد استكشاف فضله لسأله عن نسبه وطريقته ونحو ذلك، فإن قيل: كيف يصح جعل تعليمها القرآن مهراً وقد لا تتعلم أجيب كما يصح جعل تعليمها للكتابة مهراً وقد لا تتعلم وإنَّما وقع الاختلاف عند من أجاز جعل المنفعة مهراً هل يشترط أن يعلم حذق المتعلم أو لا كما تقدم» اهـ.
стр. 5990
٦ - وفيه الرد على من حد أقل المهر بربع دينار، أو عشرة دراهم، وذلك مأخوذ من قَوْلِهِ: «هَلْ عِنْدَكَ مِنْ شَيْءٍ تُصْدِقُهَا؟». ومن قَوْلِهُ: «التَمِسْ وَلَوْ خَاتَمًا مِنْ حَدِيدٍ».
قَالَ الْعَلَّامَةُ ابْنُ قُدَامَةَ ﵀ فِي [الْمُغْنِي] (١٥/ ٣٣٣): «الفصل الأول: أنَّ الصداق غير مقدر، لا أقله ولا أكثره، بل كل ما كان مالاً جاز أن يكون صداقاً.
وبهذا قال الحسن وعطاء، وعمرو بن دينار، وابن أبي ليلى، والثوري، والأوزاعي، والليث، والشافعي، وإسحاق، وأبو ثور، وداود وزوج سعيد بن المسيب ابنته بدرهمين، وقال: لو أصدقها سوطاً لحلت.
وعن سعيد بن جبير، والنخعي، وابن شبرمة، ومالك وأبي حنيفة: هو مقدر الأقل. ثم اختلفوا، فقال مالك وأبو حنيفة: أقله ما يقطع به السارق. وقال ابن شبرمة: خمسة دراهم. وعن النخعي: أربعون درهماً. وعنه عشرون. وعنه رطل من الذهب. وعن سعيد بن جبير: خمسون درهماً.
واحتج أبو حنيفة بما روي عَنِ النَّبِيِّ ﷺ ، أنَّه قال: "لا مهر أقل من عشرة دراهم".
ولأنَّه يستباح به عضو، فكان مقدراً كالذي يقطع به السارق.
стр. 5991
ولنا، قول النبي ﷺ للذي زوجه: "هل عندك من شيء تصدقها؟ " قال: لا أجد.
قال: "التمس، ولو خاتماً من حديد". متفق عليه».
إِلَى أَنْ قَالَ ﵀ (١٥/ ٣٣٤): «ولأنَّ قول الله : ﴿وَأُحِلَّ لَكُمْ مَا وَرَاءَ ذَلِكُمْ أَنْ تَبْتَغُوا بِأَمْوَالِكُمْ﴾. يدخل فيه القليل والكثير.
ولأنَّه بدل منفعتها، فجاز ما تراضيا عليه من المال، كالعشرة وكالأجرة».
إِلَى أَنْ قَالَ ﵀ (١٥/ ٣٣٤): «وقياسهم لا يصح؛ فإنَّ النكاح استباحة الانتفاع بالجملة، والقطع إتلاف عضو دون استباحته، وهو عقوبة وحد، وهذا عوض، فقياسه على الأعواض أولى.
وأمَّا أكثر الصداق، فلا توقيت فيه، بإجماع أهل العلم» اهـ.
٧ - وفيه التيسير في المهور.
وفي الباب حديث عقبة بن عامر مرفوعاً: «خَيْرُ النِّكَاحِ أَيْسَرُهُ». رواه أبو داود (٢١١٧)، وابن حبان (٤٠٧٢)، والطبراني في [الْأَوْسَطِ] (٧٢٤)، والدولابي في [الكُنَى] (٤٦٥)، والقضاعي في [مُسْنِدِ الشِّهَابِ] (١١٣٣)، مِنْ طَرِيْقِ مُحَمَّدِ بْنِ سَلَمَةَ، عَنْ أَبِي عَبْدِ الرَّحِيمِ خَالِدِ بْنِ أَبِي يَزِيدَ، عَنْ زَيْدِ بْنِ أَبِي أُنَيْسَةَ، عَنْ يَزِيدَ بْنِ
стр. 5992
أَبِي حَبِيبٍ، عَنْ مَرْثَدِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ، عَنْ عُقْبَةَ بْنِ عَامِرٍ، أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ . فذكره وَهُوَ حَدِيْثٌ صَحِيْحٌ.
وقد روى أحمد (٢٤٥٢٢، ٢٤٦٥١) حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ إِسْحَاقَ قَالَ: حَدَّثَنَا ابْنُ مُبَارَكٍ، عَنْ أُسَامَةَ بْنِ زَيْدٍ، عَنْ صَفْوَانَ بْنِ سُلَيْمٍ، عَنْ عُرْوَةَ، عَنْ عَائِشَةَ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: «إِنَّ مِنْ يُمْنِ الْمَرْأَةِ تَيْسِيرَ خِطْبَتِهَا، وَتَيْسِيرَ صَدَاقِهَا، وَتَيْسِيرَ رَحِمِهَا».
قُلْتُ: أسامة بن زيد يحتمل أن يكون الليثي، ويحتمل أن يكون ابن أسلم القرشي العدوي، وقد ذهب الهيثمي ﵀ إلى الثاني فقال في [مَجْمَعِ الزَّوَائِدِ] (٤/ ٢٩٥): «رواه أحمد وفيه أسامة بن زيد بن أسلم وهو ضعيف وقد وثق وبقية رجاله ثقات» اهـ.
قُلْتُ: وقد جعله ابن عدي ﵀ في [الْكَامِلِ] (١/ ٣٩٥) الليثي، وذكر هذا الحديث في ترجمته، فإذا كان كذلك فَالْحَدِيْثُ حَسَنٌ.
قَوْلُهُ: «وَتَيْسِيرَ رَحِمِهَا». بأن تكون سريعة الحمل كثيرة النسل.
كما جاء في الحديث الذي رواه أبو داود (٢٠٥٠) عَنْ مَعْقِلِ بْنِ يَسَارٍ عَنْ النَّبِيِّ ﷺ ، فَقَالَ: «تَزَوَّجُوا الْوَدُودَ الْوَلُودَ فَإِنِّي مُكَاثِرٌ بِكُمُ الْأُمَمَ».
стр. 5993
قُلْتُ: هَذَا حَدِيْثٌ صَحِيْحٌ.
وروى ابن حبان (٤٠٣٤)، والطبراني في [الْكَبِيْرِ] (١١١٠٠، ١١١٠١) مِنْ طَرِيْقِ الْفَضْلِ بْنِ مُوسَى، ثنا رَجَاءُ بْنُ الْحَارِثِ، عَنْ مُجَاهِدٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵁، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : «خَيْرُهُنَّ أَيْسَرُهُنَّ صَدَاقًا».
قُلْتُ: رجاء بن الحارث ضعيف، وَالْحَدِيْثُ حَسَنٌ بما سبق.
وأمَّا ما رواه أحمد (٢٥١٦٢) حَدَّثَنَا يَزِيدُ، أَخْبَرَنَا حَمَّادُ بْنُ سَلَمَةَ، عَنِ ابْنِ سَخْبَرَةَ، عَنِ الْقَاسِمِ بْنِ مُحَمَّدٍ، عَنْ عَائِشَةَ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «أَعْظَمُ النِّسَاءِ بَرَكَةً أَيْسَرُهُنَّ مَئُونَةً».
قُلْتُ: فيه ابن سخبرة، سماه الحاكم في [الْمُسْتَدْرَكِ] (٢٧٣٢) عمر بن طفيل بن سخبرة، ورواه البيهقي في [الْكُبْرَى] (١٤١٣٤) مِنْ طَرِيْقِ الحاكم وسماه عمرو بن الطفيل بن سخبرة المدني، وعمرو هذا لم أعرفه.
وَقَالَ الْهَيْثَمِيُّ ﵀ فِي [مَجْمَعِ الزَّوَائِدِ] (٤/ ٢٩٥): «رواه أحمد والبزار وفيه ابن سخبرة يقال: اسمه عيسى بن ميمون وهو متروك» اهـ.
قُلْتُ: هكذا رواه أحمد بن منيع في مسنده كما في [اتْحِافِ الْخِيَرَةِ] (٤/ ٧) للبوصيري.
стр. 5994
قَالَ الْخَطِيْبُ الْبِغْدَادِيُّ ﵀ فِي [الْمُوضِّحِ] (١/ ٢٩٦ - ٢٩٧): «وقد ذكر يحيى بن معين أنَّ شيخ حماد بن سلمة ابن سخبرة هو عيسى بن ميمون الذي روى عنه يزيد بن هارون، وهو أيضاً ابن تليدان الذي روى عنه وكيع بن الجراح وعثمان بن عمر بن فارس، أخبرنا محمد بن عبد الواحد الأكبر أخبرنا محمد بن العباس أخبرنا أحمد بن سعيد السوسي حدثنا عباس بن محمد قال: قال يحيى بن معين: عيسى بن ميمون الذي يروي أعظم النكاح بركة أيسره مؤنة يقال له: ابن تليدان وهو من ولد أبي قحافة ويروي عنه حماد بن سلمة يقول: ابن سخبرة وهو هذا ما يبعد عندي هذا القول لأنّ ابن سخبرة وعيسى بن ميمون وابن تليدان رووا جميعاً عن القاسم بن محمد بن أبي بكر الصديق حديثاً واحداً» اهـ.
قُلْتُ: فالحديث بهذا الإسناد شَدِيْدُ الضَّعْفِ.
ومما يدل على ذلك أيضاً ما رواه مسلم (١٤٢٤) عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، قَالَ: جَاءَ رَجُلٌ إِلَى النَّبِيِّ ﷺ ، فَقَالَ: إِنِّي تَزَوَّجْتُ امْرَأَةً مِنَ الْأَنْصَارِ، فَقَالَ لَهُ النَّبِيُّ ﷺ : «هَلْ نَظَرْتَ إِلَيْهَا؟ فَإِنَّ فِي عُيُونِ الْأَنْصَارِ شَيْئًا» قَالَ: قَدْ نَظَرْتُ إِلَيْهَا، قَالَ: «عَلَى كَمْ تَزَوَّجْتَهَا؟» قَالَ: عَلَى أَرْبَعِ أَوَاقٍ، فَقَالَ لَهُ النَّبِيُّ
стр. 5995
ﷺ : «عَلَى أَرْبَعِ أَوَاقٍ؟ كَأَنَّمَا تَنْحِتُونَ الْفِضَّةَ مِنْ عُرْضِ هَذَا الْجَبَلِ، مَا عِنْدَنَا مَا نُعْطِيكَ، وَلَكِنْ عَسَى أَنْ نَبْعَثَكَ فِي بَعْثٍ تُصِيبُ مِنْهُ».
قُلْتُ: وهذا محمول على من لم يجد ذلك لفقره، وأمَّا من تيسر له الصداق فلا بأس بذلك، وقد كان مهر النبي ﷺ أكثر من ذلك، فقد روى مسلم (١٤٢٦) عَنْ أَبِي سَلَمَةَ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، أَنَّهُ قَالَ: سَأَلْتُ عَائِشَةَ زَوْجَ النَّبِيِّ ﷺ : كَمْ كَانَ صَدَاقُ رَسُولِ اللهِ ﷺ ؟ قَالَتْ: «كَانَ صَدَاقُهُ لِأَزْوَاجِهِ ثِنْتَيْ عَشْرَةَ أُوقِيَّةً وَنَشًّا»، قَالَتْ: «أَتَدْرِي مَا النَّشُّ؟» قَالَ: قُلْتُ: لَا، قَالَتْ: «نِصْفُ أُوقِيَّةٍ، فَتِلْكَ خَمْسُمِائَةِ دِرْهَمٍ، فَهَذَا صَدَاقُ رَسُولِ اللهِ ﷺ لِأَزْوَاجِهِ».
وروى الترمذي (١١١٤)، والدولابي في [الكُنَى] (١٠٣٥٥) مِنْ طَرِيْقِ سُفْيَانِ بْنِ عُيَيْنَةَ، عَنْ أَيُّوبَ، عَنْ ابْنِ سِيرِينَ، عَنْ أَبِي العَجْفَاءِ السُّلَمِيِّ، قَالَ: قَالَ عُمَرُ بْنُ الخَطَّابِ: «أَلَا لَا تُغَالُوا صَدُقَةَ النِّسَاءِ، فَإِنَّهَا لَوْ كَانَتْ مَكْرُمَةً فِي الدُّنْيَا، أَوْ تَقْوَى عِنْدَ اللَّهِ لَكَانَ أَوْلَاكُمْ بِهَا نَبِيُّ اللَّهِ ﷺ ، مَا عَلِمْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ نَكَحَ شَيْئًا مِنْ نِسَائِهِ وَلَا أَنْكَحَ شَيْئًا مِنْ بَنَاتِهِ عَلَى أَكْثَرَ مِنْ ثِنْتَيْ عَشْرَةَ أُوقِيَّةً».
стр. 5996
قُلْتُ: هَذَا حَدِيْثٌ صَحِيْحٌ.
قَالَ الْعَلَّامَةُ ابْنُ قُدَامَةَ ﵀ فِي [الْمُغْنِي] (١٥/ ٣٣٥):
«والأوقية أربعون درهماً، فلا تستحب الزيادة على هذا؛ لأنَّه إذا كثر ربما تعذر عليه، فيتعرض للضرر في الدنيا والآخرة» اهـ.
وَقَالَ شَيْخُ الْإِسْلَامِ ابْنُ تَيْمِيَّةَ ﵀ كَمَا فِي [الْاخْتِيَارِاتِ الْفِقْهِيَةِ] (٥٤٨):
«وكلام الإمام أحمد في رواية حنبل يقتضي أنَّه يستحب أن يكون الصداق أربعمائة درهم، وهذا هو الصواب مع القدرة واليسار. فيستحب بلوغه ولا يزاد عليه. وكلام القاضي وغيره يقتضي أنَّه لا يستحب؛ بل يكون بلوغاً مباحاً» اهـ.
قَالَ شَيْخُ الْإِسْلَامِ ابْنُ تَيْمِيَّةَ ﵀ كَمَا فِي [مَجْمُوْعِ الْفَتَاوَى] (٣٢/ ١٩٤ - ١٩٥): «والمستحب في "الصداق" مع القدرة واليسار: أن يكون جميع عاجله وآجله لا يزيد على مهر أزواج النبي ﷺ ولا بناته وكان ما بين أربعمائة إلى خمسمائة. بالدراهم الخالصة نحواً من تسعة عشر ديناراً. فهذه سنة رسول الله ﷺ من فعل ذلك فقد استن بسنة رسول الله ﷺ في الصداق قال أبو هريرة ﵁ كان: صداقنا إذ كان فينا رسول الله ﷺ عشر أواق وطبق بيديه. وذلك أربعمائة درهم
стр. 5997
رواه الإمام أحمد في مسنده، وهذا لفظ أبي داود في سننه. وقال أبو سلمة: قلت لعائشة: كم كان صداق رسول الله ﷺ ؟ قالت: كان صداقه لأزواجه ثنتي عشرة أوقية ونشاً. قالت أتدري ما النش؟ قُلْتُ: لا. قالت: نصف أوقية: فذلك خمسمائة درهم. رواه مسلم في صحيحه، وقد تقدم عن عمر أنَّ صداق بنات رسول الله ﷺ كان نحواً من ذلك فمن دعته نفسه إلى أن يزيد صداق ابنته على صداق بنات رسول الله ﷺ اللواتي هن خير خلق الله في كل فضيلة وهن أفضل نساء العالمين في كل صفة: فهو جاهل أحمق. وكذلك صداق أمهات المؤمنين. وهذا مع القدرة واليسار فأمَّا الفقير ونحوه فلا ينبغي له أن يصدق المرأة إلاَّ ما يقدر على وفائه من غير مشقة».
إِلَى أَنْ قَالَ ﵀: «وقد كان السلف الصالح الطيب يرخصون الصداق. فتزوج عبد الرحمن بن عوف في عهد رسول الله ﷺ على وزن نواة من ذهب. قالوا: وزنها ثلاثة دراهم وثلث. وزوج سعيد بن المسيب بنته على درهمين وهي من أفضل أيم من قريش بعد أن خطبها الخليفة لابنه فأبى أن يزوجها به. والذي نقل عن بعض السلف من تكثير صداق النساء فإنَّما كان ذلك لأنَّ المال اتسع عليهم وكانوا يعجلون الصداق كله قبل الدخول؛ لم يكونوا
стр. 5998
يؤخرون منه شيئاً. ومن كان له يسار ووجد فأحب أن يعطي امرأته صداقاً كثيراً فلا بأس بذلك كما قال تعالى: ﴿وَآتَيْتُمْ إحْدَاهُنَّ قِنْطَارًا فَلَا تَأْخُذُوا مِنْهُ شَيْئًا﴾. أمَّا من يشغل ذمته بصداق لا يريد أن يؤديه أو يعجز عن وفائه: فهذا مكروه. كما تقدم وكذلك من جعل في ذمته صداقاً كثيراً من غير وفاء له: فهذا ليس بمسنون. والله أعلم» اهـ.
وَقَالَ شَيْخُ الْإِسْلَامِ ابْنُ تَيْمِيَّةَ ﵀ كَمَا فِي [الْاخْتِيَارِاتِ الْفِقْهِيَةِ] (ص: ٥٤٨):
«والصداق المقدم إذا كثُر وهو قادر على ذلك لم يكره إلَّا أن يقترن بذلك ما يوجب الكراهة من معنى المباهاة ونحو ذلك فأمَّا إذا كان عاجزاً عن ذلك كره بل يحرم إذا لم يتوصل إليه إلَّا بمسألة أو غيرها من الوجوه المحرمة، فأمَّا إن كثر وهو مؤخر في ذمته فينبغي أن يكره هذا كله لما فيه من تعريض نفسه لشغل الذمة» اهـ.
قُلْتُ: قوله ﵀: «وكان ما بين أربعمائة إلى خمسمائة بالدراهم الخالصة نحواً من تسعة عشر ديناراً». لعل ذلك باعتبار الدراهم في زمنه، والمقرر عند جمهور العلماء أنَّ الدينار يصرف باثني عشر درهماً، ولهذا كانت الدية مائة من الإبل أو
стр. 5999
قدرها من الذهب وهو ألف دينار، ومن الفضة اثنا عشر ألف درهم، ومن البقر مائتان، ومن الشاء ألفان.
وإذا صرفنا كل اثني عشر درهما بدينار فالخمسمائة الدرهم تصرف بواحد وأربعين دينار ونصف دينار وشيء يسير من أجزاء الدينار.
وإذا صرفنا الأربعمائة الدرهم بالدنانير فإنَّها تكون ثلاثة وثلاثين دينار وثلث دينار وشيء يسير من أجزاء الدينار.
وعلى هذين الاحتمالين فقول شيخ الإسلام يخالفهما جميعاً، لكن لعل الدراهم في زمنه كثر فيها الغش فنقص قيمتها.
٨ - واحتج به على أنَّ الهبة لا تتم إلَّا بالقبول، وذلك لأنَّ الواهبة لم تصر زوجة للنبي ﷺ بمجرد الهبة.
٩ - وفيه استحباب تعجيل تسليم المهر.
قَالَ شَيْخُ الْإِسْلَامِ ابْنُ تَيْمِيَّةَ ﵀ كَمَا فِي [مَجْمُوْعِ الْفَتَاوَى] (٣٢/ ١٩٥):
«والأولى تعجيل الصداق كله للمرأة قبل الدخول إذا أمكن فإن قدم البعض وأخر البعض: فهو جائز» اهـ.
стр. 6000
وَقَالَ شَيْخُ الْإِسْلَامِ ابْنُ تَيْمِيَّةَ ﵀ كَمَا فِي [الْاخْتِيَارِاتِ الْفِقْهِيَةِ] (ص: ٥٤٨):
«ولو قيل: إنَّه يكره جعل الصداق ديناً سواء كان مؤخر الوفاء وهو حال، أو كان مؤجلاً لكان متوجهاً لحديث الواهبة» اهـ.
١٠ - واحتج بعموم قَوْلِهِ: «هَلْ عِنْدَكَ مِنْ شَيْءٍ تُصْدِقُهَا؟». من ذهب إلى جواز المهر بالشيء التافه كحبة الشعير.
قَالَ الْحِافِظُ ابْنُ حَجَرٍ ﵀ فِي [فَتْحِ الْبَارِي] (٩/ ٢١١):
«وفي قَوْلِهِ: "أعندك شيء" فقال: لا. دليل على تخصيص العموم بالقرينة لأنَّ لفظ شيء يشمل الخطير والتافه وهو كان لا يعدم شيئاً تافها كالنواة ونحوها لكنه فهم أنَّ المراد ما له قيمة في الجملة فلذلك نفى أن يكون عنده، ونقل عياض الإجماع على أنَّ مثل الشيء الذي لا يتمول ولا له قيمة لا يكون صداقاً ولا يحل به النكاح فإن ثبت نقله فقد خرق هذا الإجماع أبو محمد بن حزم فقال: يجوز بكل ما يسمى شيئاً ولو كان حبة من شعير. ويؤيد ما ذهب إليه الكافة قوله ﷺ : "التمس ولو خاتماً من حديد" لأنَّه أورده مورد التقليل بالنسبة لما فوقه ولا شك أنَّ الخاتم من الحديد له قيمة وهو أعلى خطراً من النواة وحبة الشعير،
стр. 6001
ومساق الخبر يدل على أنَّه لا شيء دونه يستحل به البضع، وقد وردت أحاديث في أقل الصداق لا يثبت منها شيء» اهـ.
١١ - وفيه جواز جعل الإجارة صداقاً.
ويدل على ذلك أيضاً قول الله تعالى: ﴿قَالَ إِنِّي أُرِيدُ أَنْ أُنْكِحَكَ إِحْدَى ابْنَتَيَّ هَاتَيْنِ عَلَى أَنْ تَأْجُرَنِي ثَمَانِيَ حِجَجٍ فَإِنْ أَتْمَمْتَ عَشْرًا فَمِنْ عِنْدِكَ وَمَا أُرِيدُ أَنْ أَشُقَّ عَلَيْكَ سَتَجِدُنِي إِنْ شَاءَ اللَّهُ مِنَ الصَّالِحِينَ (٢٧) قَالَ ذَلِكَ بَيْنِي وَبَيْنَكَ أَيَّمَا الْأَجَلَيْنِ قَضَيْتُ فَلَا عُدْوَانَ عَلَيَّ وَاللَّهُ عَلَى مَا نَقُولُ وَكِيلٌ﴾ [القصص: ٢٧، ٢٨].
قَالَ الْحِافِظُ ابْنُ حَجَرٍ ﵀ فِي [فَتْحِ الْبَارِي] (٩/ ٢١٣):
«وفيه جواز كون الإجارة صداقاً ولو كانت المصدوقة المستأجرة فتقوم المنفعة من الإجارة مقام الصداق، وهو قول الشافعي وإسحاق والحسن بن صالح، وعند المالكية فيه خلاف، ومنعه الحنفية في الحر وأجازوه في العبد إلَّا في الإجارة في تعليم القرآن فمنعوه مطلقاً بناء على أصلهم في أنَّ أخذ الأجرة على تعليم القرآن لا يجوز، وقد نقل عياض جواز الاستئجار لتعليم القرآن عن العلماء كافة إلَّا الحنفية، وقال ابن العربي: من العلماء من قال زوجه على أن يعلمها من القرآن فكأنَّها كانت إجارة وهذا كرهه مالك ومنعه أبو حنيفة، وقال ابن القاسم: يفسخ
стр. 6002
قبل الدخول ويثبت بعده. قال: والصحيح جوازه بالتعليم. وقد روى يحيى بن مضر عن مالك في هذه القصة أنَّ ذلك أجرة على تعليمها وبذلك جاز أخذ الأجرة على تعليم القرآن، وبالوجهين قال الشافعي وإسحاق، وإذا جاز أن يؤخذ عنه العوض جاز أن يكون عوضاً، وقد إجازة مالك من إحدى الجهتين فيلزم أن يجيزه من الجهة الأخرى، وقال القرطبي: قوله "علمها" نص في الأمر بالتعليم والسياق يشهد بأنَّ ذلك لأجل النكاح فلا يلتفت لقول من قال: إنَّ ذلك كان إكراماً للرجل فإنَّ الحديث يصرح بخلافه، وقولهم: إنَّ الباء بمعنى اللام ليس بصحيح لغة ولا مساقاً» اهـ.
١٢ - واحتج به من قال: إنَّ الحاكم يجوز له أن يزوج المرأة من غير أن يستفصل عن وجود وليها.
قَالَ الْحِافِظُ ابْنُ حَجَرٍ ﵀ فِي [فَتْحِ الْبَارِي] (٩/ ٢١٥ - ١٢٦):
«وفيه جواز نكاح المرأة دون أن تسأل هل لها ولي خاص أو لا، ودون أن تسأل هل هي في عصمة رجل أو في عدته. قال الخطابي: ذهب إلى ذلك جماعة حملاً على ظاهر الحال، ولكن الحكام يحتاطون في ذلك ويسألونها. قُلْتُ: وفي أخذ هذا الحكم من هذه القصة نظر لاحتمال أن يكون النبي ﷺ اطلع على
стр. 6003
جلية أمرها أو أخبره بذلك من حضر مجلسه ممن يعرفها ومع هذا الاحتمال لا ينتهض الاستدلال به، وقد نص الشافعي على أنَّه ليس للحاكم أن يزوج امرأة حتى يشهد عدلان أنَّها ليس لها ولي خاص ولا أنَّها في عصمة رجل ولا في عدته لكن اختلف أصحابه هل هذا على سبيل الاشتراط أو الاحتياط والثاني المصحح عندهم» اهـ.
١٣ - وفيه جواز تزويج الفقراء، إذا علمت المرأة بذلك ورضيت به.
وقد قال الله تعالى: ﴿وَأَنْكِحُوا الْأَيَامَى مِنْكُمْ وَالصَّالِحِينَ مِنْ عِبَادِكُمْ وَإِمَائِكُمْ إِنْ يَكُونُوا فُقَرَاءَ يُغْنِهِمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ﴾ [النور: ٣٢].
قَالَ الْعَلَّامَةُ ابْنُ بَطَّالٍ ﵀ فِي [شَرْحِ الْبُخَارِي] (٧/ ١٨١): «فيه: جواز إنكاح المعسر» اهـ.
١٤ - واحتج به من قال بجواز النكاح من غير ولي.
قَالَ الْحِافِظُ ابْنُ حَجَرٍ ﵀ فِي [فَتْحِ الْبَارِي] (٩/ ٢١٦):
«واستدل به على صحة النكاح بغير ولي وتعقب باحتمال أنَّه لم يكن لها ولي خاص والإمام ولي من لا ولي له» اهـ.
стр. 6004
قُلْتُ: وهذا الاحتمال وارد، وقد قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «أَيُّمَا امْرَأَةٍ نَكَحَتْ بِغَيْرِ إِذْنِ مَوَالِيهَا، فَنِكَاحُهَا بَاطِلٌ»، ثَلَاثَ مَرَّاتٍ «فَإِنْ دَخَلَ بِهَا فَالْمَهْرُ لَهَا بِمَا أَصَابَ مِنْهَا، فَإِنْ تَشَاجَرُوا فَالسُّلْطَانُ وَلِيُّ مَنْ لَا وَلِيَّ لَهُ».
ويمكن أن يقال: هذا خاص بالنبي ﷺ لأنَّه أولى بالمؤمنين من أنفسهم. واختاره الْعَلَّامَةُ ابْنُ الْمُلَّقِنِ ﵀ فِي [الْإِعْلَامِ] (٨/ ٣٠٤).
١٥ - قَالَ الْحِافِظُ ابْنُ حَجَرٍ ﵀ فِي [فَتْحِ الْبَارِي] (٩/ ٢١٦): «وفي الحديث أيضاً المراوضة في الصداق وخطبة المرء لنفسه» اهـ.
١٦ - وفيه جواز عرض المرأة نفسها للرجل الصالح ليتزوج بها.
قَالَ الْعَلَّامَةُ ابْنُ بَطَّالٍ ﵀ فِي [شَرْحِ الْبُخَارِي] (٧/ ٢٢٧):
«قال المهلب: فيه جواز عرض المرأة نفسها على الرجل الصالح وتعريفه برغبتها فيه لصلاحه وفضله، ولعلمه وشرفه، أو لخصلة من خصال الدين، وأنَّه لا عار عليها في ذلك ولا غضاضة، بل ذلك زائد في فضلها» اهـ.
١٧ - واحتج به من قال بمشروعية لبس خاتم الحديد.
وقد جاء في كراهة لبس خاتم الحديد ما رواه أحمد (٦٥١٨، ٦٦٨٠) حَدَّثَنَا يَحْيَى، عَنِ ابْنِ عَجْلَانَ، عَنْ عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ جَدِّهِ: أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ
стр. 6005
عَلَيْهِ وَسَلَّمَ رَأَى عَلَى بَعْضِ أَصْحَابِهِ خَاتَمًا مِنْ ذَهَبٍ، فَأَعْرَضَ عَنْهُ، فَأَلْقَاهُ وَاتَّخَذَ خَاتَمًا مِنْ حَدِيدٍ، فَقَالَ: «هَذَا شَرٌّ، هَذَا حِلْيَةُ أَهْلِ النَّارِ»، فَأَلْقَاهُ، فَاتَّخَذَ خَاتَمًا مِنْ وَرِقٍ، فَسَكَتَ عَنْهُ.
قُلْتُ: إِسْنَادُهُ حَسَنٌ.
وروى أبو داود (٤٢٢٣)، والترمذي (١٧٨٥)، والنسائي (٥١٩٥) مِنْ طَرِيْقِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مُسْلِمٍ السُّلَمِيِّ الْمَرْوَزِيِّ أَبِي طَيْبَةَ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ بُرَيْدَةَ، عَنْ أَبِيهِ، أَنَّ رَجُلًا، جَاءَ إِلَى النَّبِيِّ ﷺ وَعَلَيْهِ خَاتَمٌ مِنْ شَبَهٍ، فَقَالَ لَهُ: «مَا لِي أَجِدُ مِنْكَ رِيحَ الْأَصْنَامِ» فَطَرَحَهُ، ثُمَّ جَاءَ وَعَلَيْهِ خَاتَمٌ مِنْ حَدِيدٍ، فَقَالَ: «مَا لِي أَرَى عَلَيْكَ حِلْيَةَ أَهْلِ النَّارِ» فَطَرَحَهُ، فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، مِنْ أَيِّ شَيْءٍ أَتَّخِذُهُ؟ قَالَ: «اتَّخِذْهُ مِنْ وَرِقٍ، وَلَا تُتِمَّهُ مِثْقَالًا».
قُلْتُ: فيه أبو طيبة ضعيف الحديث.
وروى أحمد (١٣٢) حَدَّثَنَا عَفَّانُ، حَدَّثَنَا حَمَّادٌ، أَخْبَرَنَا عَمَّارُ بْنُ أَبِي عَمَّارٍ، أَنَّ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ، قَالَ: إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ رَأَى فِي يَدِ رَجُلٍ خَاتَمًا مِنْ ذَهَبٍ، فَقَالَ: «أَلْقِ ذَا»، فَأَلْقَاهُ، فَتَخَتَّمَ بِخَاتَمٍ مِنْ حَدِيدٍ، فَقَالَ: «ذَا شَرٌّ مِنْهُ» فَتَخَتَّمَ بِخَاتَمٍ مِنْ فِضَّةٍ، فَسَكَتَ عَنْهُ.
стр. 6006
قُلْتُ: في إسناده انقطاع بين عمار وعمر بن الخطاب ﵁.
قَالَ الْعَلَّامَةُ الْقُرْطُبِي ﵀ فِي [الْمُفْهِم] (١٣/ ٤):
«وفي هذا الحديث من الفقه: جواز اتخاذ خاتم الحديد. وقد أجازه بعض السلف، ومنعه آخرون لقوله ﷺ فيه: "حلية أهل النار". ورأوا أنَّ المنع هو المتأخر عن الإباحة» اهـ.
وَقَالَ الْعَلَّامَةُ الْخَطَّابِي ﵀ فِي [مَعَالِمِ الْسُّنَنِ] (٤/ ٢١٣):
«وأمَّا الحديد فقد قيل إنَّما كره ذلك من سهوكته وريحه ويقال: معنى حلية أهل النار أنَّه زي بعض الكفار وهم أهل النار والله أعلم» اهـ.
وَقَالَ الْحَافِظُ ابْنُ رَجَبٍ ﵀ كَمَا فِي [مَجْمُوعِ رَسَائِلِ ابنِ رَجَبِ] (٢/ ٦٦٧):
«والصحيح عدم التحريم، فإن الأحاديث فيه لا تخلوا عن مقال، وقد عارضها ما هو أثبت منها كالحديث الَّذِي في الصحيحين أن النبي ﷺ قال لخاطب المرأة التي عرضت نفسها عليه: "التمس ولو خاتمًا من حديد"» اهـ.
١٨ - وفيه جواز أخذ العوض في تعليم القرآن، ويدل عليه أيضاً ما رواه البخاري (٥٧٣٧) عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: أَنَّ نَفَرًا مِنْ أَصْحَابِ النَّبِيِّ ﷺ مَرُّوا
стр. 6007
بِمَاءٍ، فِيهِمْ لَدِيغٌ أَوْ سَلِيمٌ، فَعَرَضَ لَهُمْ رَجُلٌ مِنْ أَهْلِ المَاءِ، فَقَالَ: هَلْ فِيكُمْ مِنْ رَاقٍ، إِنَّ فِي المَاءِ رَجُلًا لَدِيغًا أَوْ سَلِيمًا، فَانْطَلَقَ رَجُلٌ مِنْهُمْ، فَقَرَأَ بِفَاتِحَةِ الكِتَابِ عَلَى شَاءٍ، فَبَرَأَ، فَجَاءَ بِالشَّاءِ إِلَى أَصْحَابِهِ، فَكَرِهُوا ذَلِكَ وَقَالُوا: أَخَذْتَ عَلَى كِتَابِ اللَّهِ أَجْرًا، حَتَّى قَدِمُوا المَدِينَةَ، فَقَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ، أَخَذَ عَلَى كِتَابِ اللَّهِ أَجْرًا، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «إِنَّ أَحَقَّ مَا أَخَذْتُمْ عَلَيْهِ أَجْرًا كِتَابُ اللَّهِ».
قُلْتُ: لكن يُشكل على هذا ما رواه الطبراني في [مُسْنَدِ الشَّامِيِّينِ] (٢٧٩)، وفي [فَضَائِلِ الرَّمْيِّ] (٦١)، والبيهقي في [الْكُبْرَى] (١١٤٦٥)، وابن عساكر في [تَارِيْخِ دِمَشْقَ] (٨/ ٤٣٧، ٤٣٨/ ٣٦/ ٣٨/ ٦٣/ ٣١٧) مِنْ طَرِيْقِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنُ يَحْيَى بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ بْنِ إِسْمَاعِيلَ بْنِ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي الْمُهَاجِرِ الْمَخْزُومِيُّ، ثنا الْوَلِيدُ بْنُ مُسْلِمٍ، ثنا سَعِيدُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ، عَنْ إِسْمَاعِيلَ بْنِ عُبَيْدِ اللَّهِ، قَالَ: قَالَ لِي عَبْدُ الْمَلِكِ بْنُ مَرْوَانَ: أَدِّبْ وَلَدِي فَإِنِّي مُعْطِيكَ، قُلْتُ كَيْفَ بِذَلِكَ يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ وَقَدْ حَدَّثَتْنِي أُمُّ الدَّرْدَاءِ عَنْ أَبِي الدَّرْدَاءِ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: «مَنْ يَأْخُذُ عَلَى تَعْلِيمِ الْقُرْآنِ قَوْسًا قَلَّدَهُ اللَّهُ قَوْسًا مِنْ نَارٍ».
стр. 6008
ورواه ابن عساكر في [تَارِيْخِ دِمَشْقَ] (٧/ ٢٧١) مِنْ طَرِيْقِ إبراهيم بن يحيى بن إسماعيل بن عبيد الله بن أبي المهاجر نا الوليد بن مسلم نا سعيد بن عبد العزيز عن إسماعيل بن عبيد الله قال، قال لي عبد الملك بن مروان. فذكره.
قُلْتُ: الوليد بن مسلم مدلس تدليس تسوية، وقد عنعن بين سعيد، وإسماعيل، فيخشى أن يكون أسقط رجلاً، وسعيد اختلط في آخر عمره.
وروى ابن ماجه (٢١٥٨) حَدَّثَنَا سَهْلُ بْنُ أَبِي سَهْلٍ قَالَ: حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ، عَنْ ثَوْرِ بْنِ يَزِيدَ قَالَ: حَدَّثَنَا خَالِدُ بْنُ مَعْدَانَ قَالَ: حَدَّثَنِي عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ سَلْمٍ، عَنْ عَطِيَّةَ الْكَلَاعِيِّ، عَنْ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ، قَالَ: عَلَّمْتُ رَجُلًا الْقُرْآنَ، فَأَهْدَى إِلَيَّ قَوْسًا، فَذَكَرْتُ ذَلِكَ لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ ، فَقَالَ: «إِنْ أَخَذْتَهَا أَخَذْتَ قَوْسًا مِنْ نَارٍ»، فَرَدَدْتُهَا.
قُلْتُ: عبد الرحمن بن سلم مجهول، وعطية عن كعب مرسل.
وروى الضياء في [الأَحَادِيْثِ الْمُخْتَارَةِ] (٩٠) وَأَخْبَرَنَا أَبُو غَالِبِ بْنُ حَمْزَةَ بْنِ الْحُسَيْنِ الأَسَدِيُّ بِدِمَشْقَ أَنَّ جَدَّهُ الْحُسَيْنَ بْنَ الْحَسَنِ أَخْبَرَهُمْ أبنا عَلِيُّ بْنُ أَبِي الْعَلاءِ وَالْحُسَيْنُ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ عَبْدِ الْوَاحِدِ بْنِ أَبِي الْحَدِيدِ قَالا ثَنَا عَلِيُّ بْنُ مُوسَى بْنِ الْحُسَيْنِ بْنِ السِّمْسَارِ الدِّمَشْقِيُّ ثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ سَهْلٍ التَّنُوخِيُّ الْفَضْلُ ثَنَا أَحْمَدُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ بْنِ
стр. 6009
فِيلٍ ثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ مُصَفًّى ثَنَا عِصَامُ بْنُ الْمُثَنَّى قَالَ سَمِعْتُ أَبِي الْمُثَنَّى بْنَ وَائِلٍ يَقُولُ أَتَيْتُ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ بُسْرٍ فَمَسَحَ رَأْسِي وَوَضَعْتُ يَدِي عَلَى ذِرَاعِهِ فَسَأَلَهُ رَجُلٌ عَنْ أَجْرِ الْمُعَلِّمِ فَقَالَ دَخَلَ على رَسُولِ اللهِ ﷺ رَجُلٌ مُتَنَكِّبُ قَوْسًا فَأَعْجَبَ النَّبِيُّ ﷺ فَقَالَ: «مَا أَجْوَدَ قَوْسَكَ اشْتَرَيْتَهَا». قَالَ: لَا وَلَكِنْ أَهْدَاهَا لِي رَجُلٌ أَقْرَأْتُ ابْنَهُ الْقُرْآنَ. قَالَ: «فَتُحِبُّ أَنْ يُقَلِّدَكَ اللَّهُ قَوْسًا مِنْ نَارٍ» قَالَ: لَا قَالَ: «فَرُدَّهَا».
لَفْظُ إِبْرَاهِيمَ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ عَوْفٍ وَفِي رِوَايَةِ أَحْمَدَ بْنِ إِبْرَاهِيمَ بْنِ فِيلٍ عَنْ أَجْرِ الْمُعَلِّمِ أَوِ الْمُؤَدِّبِ فَقَالَ:
دَخَلَ رَجُلٌ عَلَى النَّبِيِّ ﷺ مُتَقَلِّدًا قَوْسًا فَعَجِبَ مِنْهَا النَّبِيُّ ﷺ وَعِنْدَهُ: «اشْتَرَيْتَهَا». قَالَ: لَا يَا رَسُولَ اللَّهِ وَعِنْدَهُ قَالَ: «أَفَتُحِبُّ أَنْ تُقَلَّدَ قَوْسًا مِنْ نَار».
قُلْتُ: عصام بن المثنى بن وائل، لم أقف له ولا لأبيه على جرح ولا تعديل.
وروى أحمد (٢٢٧٤١)، وأبو داود (٣٤١٦)، وابن ماجه (٢١٥٧) مِنْ طَرِيْقِ وَكِيعٍ، وَحُمَيْدِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ الرُّوَاسِيُّ، عَنْ مُغِيرَةَ بْنِ زِيَادٍ، عَنْ عُبَادَةَ بْنِ نُسَيٍّ، عَنِ الْأَسْوَدِ بْنِ ثَعْلَبَةَ، عَنْ عُبَادَةَ بْنِ الصَّامِتِ، قَالَ: عَلَّمْتُ نَاسًا مِنْ أَهْلِ الصُّفَّةِ
стр. 6010
الْكِتَابَ، وَالْقُرْآنَ فَأَهْدَى إِلَيَّ رَجُلٌ مِنْهُمْ قَوْسًا فَقُلْتُ: لَيْسَتْ بِمَالٍ وَأَرْمِي عَنْهَا فِي سَبِيلِ اللَّهِ ، لَآتِيَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ فَلَأَسْأَلَنَّهُ فَأَتَيْتُهُ، فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، رَجُلٌ أَهْدَى إِلَيَّ قَوْسًا مِمَّنْ كُنْتُ أُعَلِّمُهُ الْكِتَابَ وَالْقُرْآنَ، وَلَيْسَتْ بِمَالٍ وَأَرْمِي عَنْهَا فِي سَبِيلِ اللَّهِ، قَالَ: «إِنْ كُنْتَ تُحِبُّ أَنْ تُطَوَّقَ طَوْقًا مِنْ نَارٍ فَاقْبَلْهَا».
قُلْتُ: الأسود مجهول.
وروى ابن السماك في [جُزْءِ حْنْبَلٍ] (٤٥)، والبغوي في [مُعْجَمِ الصَّحَابَةِ] (١٣٧٠)، وابن عساكر في [تَارِيْخِ دِمَشْقَ] (٢٥/ ٧) مِنْ طَرِيْقِ دَاوُدَ بْنِ عَمْرِو، حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ عَيَّاشٍ، حَدَّثَنِي عَبْدُ رَبِّهِ بْنُ سُلَيْمَانَ، عَنِ الطُّفَيْلِ بْنِ عَمْرِو الدَّوْسِي، قَالَ: أَقْرَأَنِي أُبَيُّ بْنُ كَعْبٍ ﵁ الْقُرْآنَ، فَأَهْدَيْتُ لَهُ قَوْسًا، فَغَدَا إِلَى النَّبِي ﷺ ، مُتَقَلِّدَهَا، فَقَالَ لَهُ النَّبِيُّ ﷺ : «يَا أُبَيُّ مَنْ سَلَّحَكَ هَذِهِ الْقَوْسَ؟». قَالَ: الطُّفَيْلُ بْنُ عَمْرِو الدَّوْسِيُّ، أَقْرَأْتُهُ الْقُرْآنَ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «تَقَلَّدْتَهَا شِلْوَةً مِنْ جَهَنَّمَ» قَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، إِنَّا نَأْكُلُ مِنْ طَعَامِهِمْ؟ قَالَ: «أَمَّا طَعَامٌ صُنِعَ لِغَيْرِكَ فَحَضَرْتَهُ فَلَا بَأْسَ أَنْ تَأْكُلُهُ، وَأَمَّا مَا صُنِعَ لَكَ فَإِنَّكَ إِنْ أَكَلْتَهُ فَإِنَّمَا تَأْكُلُ بِخَلَاقِكَ».
стр. 6011
قال أبو القاسم: والذي روى عنه إسماعيل بن عياش هذا الحديث عبد ربه واسمه ابن زيتون أحسبه من أهل حمص ولم يسمع من الطفيل بن عمرو وهو حديث غريب وللطفيل بن عمرو رواية عَنِ النَّبِيِّ ﷺ غير هذا، ويقال: إنَّ الطفيل قتل يوم اليمامة اهـ.
قُلْتُ: عبد ربه بن سليمان لا يعرف حاله.
وَقَالَ الْحِافِظُ ابْنُ حَجَرٍ ﵀ فِي [الإِصَابَةِ] (٣/ ٥٢٢): «وعبد ربه يقال له بن زيتون ولم يسمع من الطفيل بن عمرو» اهـ.
قُلْتُ: وهذه الأحاديث يقوي بعضها بعضاً فتبلغ إلى مرتبة الحسن لغيره. والله أعلم.
قَالَ الْحِافِظُ ابْنُ حَجَرٍ ﵀ فِي [فَتْحِ الْبَارِي] (٤/ ٤٥٣ - ٤٥٤) - عند كلامه على حديث اللديغ-:
«واستدل به للجمهور في جواز أخذ الأجرة على تعليم القرآن وخالف الحنفية فمنعوه في التعليم وأجازوه في الرقي كالدواء، قالوا لأنَّ تعليم القرآن عبادة والأجر فيه على الله، وهو القياس في الرقي إلَّا أنَّهم أجازوه فيها لهذا الخبر، وحمل بعضهم الأجر في هذا الحديث على الثواب، وسياق القصة التي في الحديث يأبى
стр. 6012
هذا التأويل، وادعى بعضهم نسخه بالأحاديث الواردة في الوعيد على أخذ الأجرة على تعليم القرآن، وقد رواها أبو داود وغيره، وتعقب بأنَّه إثبات للنسخ بالاحتمال وهو مردود، وبأنَّ الأحاديث ليس فيها تصريح بالمنع على الإطلاق بل هي وقائع أحوال محتملة للتأويل لتوافق الأحاديث الصحيحة كحديثي الباب، وبأنَّ الأحاديث المذكورة أيضاً ليس فيها ما تقوم به الحجة فلا تعارض الأحاديث الصحيحة» اهـ.
وَقَالَ الْعَلَّامَةُ الْقُرْطُبِي ﵀ فِي [الْمُفْهِم] (١٨/ ٧٠):
«وأمَّا الجواب عن الحديث بعد تسليم صحته: فالقول بموجبه؛ لأنَّ تعليم عبادة لم تكن بإجارةٍ، ولا جُعل، وإنما علَّم لله تعالى تطوعًا، لا لغيره. ومن كان كذلك حرم عليه أخذ العوض على ما فعله لله تعالى؛ لأنَّه ربما يفسد عمله، ويأكل مالاً بالباطل» اهـ.
وَقَالَ الْعَلَّامَةُ ابْنُ الْقَيِّمِ ﵀ فِي [إِعْلَامِ الْمُوَقِعِيْنَ] (٤/ ٣٣٣):
«ولا ينافي هذا قَوْلَهُ: "إنَّ أحق ما أخذتم عليه أجراً كتاب الله" في قصة الرقية لأنَّ تلك جعالة على الطب فطبه بالقرآن فأخذ الأجرة على الطب لا على تعليم القرآن وههنا منعه من أخذ الأجرة على تعليم القرآن فإنَّ الله تعالى قال لنبيه: ﴿قُلْ لَا
стр. 6013
أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْرًا﴾، وقال تعالى: ﴿قُلْ مَا سَأَلْتُكُمْ مِنْ أَجْرٍ فَهُوَ لَكُمْ﴾، وقال تعالى: ﴿اتَّبِعُوا مَنْ لَا يَسْأَلُكُمْ أَجْرًا﴾، فلا يجوز أخذ الاجرة على تبليغ الاسلام والقرآن» اهـ.
قُلْتُ: الذي يظهر لي هو صحة ما ذهب إليه الجمهور من جواز أخذ الأجرة على تعليم القرآن، لعموم حديث ابن عباس، ولحديث الباب، وتلك الأحاديث التي فيها الوعيد على أخذ الأجرة على تعليم القرآن محمولة على من علم القرآن لوجه الله ثم أخذ عليه أجراً، أو من تعيَّن عليه ذلك. والله أعلم.
١٩ - وفيه أنَّ الخطبة لا تجب لمن أراد النكاح.
وهذا مذهب جمهور العلماء، وخالفهم داود الظاهري فأوجبها.
قَالَ الْعَلَّامَةُ ابْنُ قُدَامَةَ ﵀ فِي [الْمُغْنِي] (١٥/ ٣٥):
«والمستحب خطبة واحدة يخطبها الولي، أو الزوج، أو غيرهما، وقال الشافعي: المسنون خطبتان، هذه التي ذكرناها في أوله، وخطبة من الزوج قبل قبوله.
والمنقول عَنِ النَّبِيِّ ﷺ وعن السلف، خطبة واحدة، وهو أولى ما اتبع» اهـ.
стр. 6014
قُلْتُ: وخطبة الزوج عندهم هي قوله قبل الإيجاب: الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله.
أوصيكم بتقوى الله قبلت نكاحها.
قُلْتُ: والمستحب خطبة الحاجة المذكورة في حديث ابن مسعود وقد أخرجها أحمد (٣٧٢٠، ٣٧٢١، ٤١١٥، ٤١١٦) أبو داود (٢١١٨)، والنسائي رقم (٣٢٧٧)، والترمذي (١١٠٥)، وابن ماجه رقم (١٨٩٢) مِنْ طُرِقٍ عَنْ أَبِي الْأَحْوَصِ وَأَبِي عُبَيْدَةَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ قَالَ: عَلَّمَنَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ خُطْبَةَ الْحَاجَةِ: «إِنَّ الْحَمْدَ لِلَّهِ، نَحْمَدُهُ وَنَسْتَعِينُهُ، مَنْ يَهْدِهِ اللَّهُ، فَلَا مُضِلَّ لَهُ، وَمَنْ يُضْلِلْ، فَلَا هَادِيَ لَهُ، وَأَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ.
﴿يَأَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِّن نَّفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالاً كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا﴾ [النساء: ١].
﴿يَأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلاَّ وَأَنْتُمْ مُّسْلِمُونَ﴾ [آل عمران: ١٠٢].
стр. 6015
﴿يَأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلاً سَدِيدًا* يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا﴾ [الأحزاب: ٧٠ - ٧١]».
قُلْتُ: هَذَا حَدِيْثٌ صَحِيْحٌ.
* * *
стр. 6016
٣١٠ - عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ ﵁: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ رَأَى عَبْدَ الرَّحْمَنِ بْنَ عَوْفٍ، وَعَلَيْهِ رَدْعُ زَعْفَرَانٍ.
فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ : «مَهْيَمْ؟». فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ تَزَوَّجْتُ امْرَأَةً، فَقَالَ: «مَا أَصْدَقْتَهَا؟» قَالَ: وَزْنَ نَوَاةٍ مِنْ ذَهَبٍ قَالَ: «فَبَارَكَ اللَّهُ لَكَ، أَوْلِمْ وَلَوْ بِشَاةٍ».
قَوْلُهُ: «رَدْعُ زَعْفَرَانٍ». أي صبغ زعفران.
قَالَ الْعَلَّامَةُ الْقُرْطُبِي ﵀ فِي [الْمُفْهِم] (١٣/ ٦): «"رَدْع" بالعين المهملة. يعني: الأثر واللطخ» اهـ.
وَقَوْلُهُ: «مَهْيَمْ». على وَزْن مَرْيَم، ويقال ليس في العربية على هذا الوزن إلَّا مريم.
قَالَ الْحِافِظُ ابْنُ حَجَرٍ ﵀ فِي [مُقَدِمَةِ الْفَتْحِ] (ص: ١٨٦):
«قَوْلُهُ: "مَهْيَمْ" هي كلمة يمانية معناه: ما هذا. ووقع في قصة هاجر موضع مهيم مهيا، والأول المعروف. وأفاد بعض حذاق المتأخرين أنَّ أصلها ما هذا الأمر فاقتصر في كل كلمة على حرف لأمن اللبس» اهـ.
قُلْتُ: وقيل أصلها: مه يا امرؤ؟.
стр. 6017
وإعرابها: اسمُ فعل أمر مبنيٌّ على السكون؛ بمعنى أخْبرني.
وَقَوْلُهُ: «وَزْنَ نَوَاةٍ مِنْ ذَهَبٍ». قَالَ الْحِافِظُ ابْنُ حَجَرٍ ﵀ فِي [مُقَدِمَةِ الْفَتْحِ] (٩/ ٢٣٤ - ٢٣٥):
«واختلف في المراد بِقَوْلِهِ: "نواة" فقيل: المراد واحدة نوى التمر كما يوزن بنوى الخروب وأنَّ القيمة عنها يومئذ كانت خمسة دراهم، وقيل: كان قدرها يومئذ ربع دينار، ورد بأنَّ نوى التمر يختلف في الوزن فكيف يجعل معياراً لما يوزن به.
وقيل: لفظ النواة من ذهب عبارة عمَّا قيمته خمسة دراهم من الورق، وجزم به الخطابي واختاره الأزهري، ونقله عياض عن أكثر العلماء ويؤيده أنَّ في رواية للبيهقي مِنْ طَرِيْقِ سعيد بن بشر عن قتادة: "وزن نواة من ذهب قومت خمسة دراهم". وقيل: وزنها من الذهب خمسة دراهم، حكاه بن قتيبة، وجزم به ابن فارس، وجعله البيضاوي الظاهر، واستبعد؛ لأنَّه يستلزم أن يكون ثلاثة مثاقيل ونصفاً، ووقع في رواية حجاج بن أرطاة عن قتادة عند البيهقي: "قومت ثلاثة دراهم وثلثاً" وإسناده ضعيف، ولكن جزم به أحمد، وقيل: ثلاثة ونصف، وقيل: ثلاثة وربع، وعن بعض المالكية النواة عند أهل المدينة ربع دينار، ويؤيد هذا ما وقع عند الطبراني في "الأوسط" في آخر حديث قال أنس: جاء وزنها ربع دينار،
стр. 6018
وقد قال الشافعي: النواة ربع النش والنش نصف أوقية والأوقية أربعون درهماً فيكون خمسة دراهم، وكذا قال أبو عبيد أنَّ عبد الرحمن بن عوف دفع خمسة دراهم وهي تسمى نواة كما تسمى الأربعون أوقية وبه جزم أبو عوانة وآخرون» اهـ.
وَقَوْلُهُ: «أَوْلِمْ وَلَوْ بِشَاةٍ». قَالَ الْعَلَّامَةُ الْنَوَوِي ﵀ فِي [شَرْحِ مُسْلِمٍ] (٥/ ١٣٧): «قال العلماء من أهل اللغة والفقهاء وغيرهم: الوليمة الطعام المتخذ للعرس مشتقة من الولم وهو الجمع لأنَّ الزوجين يجتمعان. قاله الأزهري وغيره. وقال الأنباري: أصلها تمام الشيء واجتماعه، والفعل منها أولم» اهـ.
وَفِي الْحَدِيْثِ مَسَائِلُ مِنْهَا:
١ - احتج به على جواز التزعفر للرجل.
قُلْتُ: وهو محمول على أنَّه لصق فيه من امرأته، أو أنَّه تزعفر في ثوبه جمعاً بين هذا الحديث وبين ما رواه البخاري (٥٨٤٦)، ومسلم (٢١٠١) عَنْ أَنَسٍ، قَالَ: «نَهَى النَّبِيُّ ﷺ أَنْ يَتَزَعْفَرَ الرَّجُلُ».
стр. 6019
قُلْتُ: وأمَّا ما رواه النسائي (٥٢٥٧) أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عُمَرَ بْنِ عَلِيِّ بْنِ مُقَدَّمٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا زَكَرِيَّا بْنُ يَحْيَى بْنِ عُمَارَةَ الْأَنْصَارِيُّ، عَنْ عَبْدِ الْعَزِيزِ بْنِ صُهَيْبٍ، عَنْ أَنَسٍ قَالَ: «نَهَى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ أَنْ يُزَعْفِرَ الرَّجُلُ جِلْدَهُ».
قُلْتُ: زيادة الجلد في الحديث شاذة أو منكرة، خالف فيها وزكريا كل من روى الحديث عبد العزيز بن صهيب من الثقات الأثبات.
والذي يظهر لي أنَّ التزعفر إنَّما نهي عنه في البدن لما فيه من التشبه بطيب النساء، وأمَّا التزعفر في الثوب فيشرع، لما رواه أحمد (٥٧١٧، ٦٠٩٦)، والنسائي (٥١١٥) مِنْ طَرِيْقِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ زَيْدٍ، عَنْ أَبِيهِ، أَنَّ ابْنَ عُمَرَ، كَانَ يَصْبُغُ ثِيَابَهُ بِالزَّعْفَرَانِ، فَقِيلَ لَهُ، فَقَالَ: «كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَصْبُغُ».
ولفظ أحمد: «وَيَصْبُغُ بِهِ ثِيَابَهُ».
قُلْتُ: هَذَا حَدِيْثٌ حَسَنٌ.
وروى البخاري (١٦٦)، ومسلم (١١٨٧) عَنْ سَعِيدٍ المَقْبُرِيِّ، عَنْ عُبَيْدِ بْنِ جُرَيْجٍ، أَنَّهُ قَالَ: لِعَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ يَا أَبَا عَبْدِ الرَّحْمَنِ رَأَيْتُكَ تَصْنَعُ أَرْبَعًا لَمْ أَرَ أَحَدًا مِنْ أَصْحَابِكَ يَصْنَعُهَا، قَالَ: وَمَا هِيَ يَا ابْنَ جُرَيْجٍ قَالَ: رَأَيْتُكَ لَا تَمَسُّ مِنَ الأَرْكَانِ إِلَّا اليَمَانِيَّيْنِ، وَرَأَيْتُكَ تَلْبَسُ النِّعَالَ السِّبْتِيَّةَ، وَرَأَيْتُكَ تَصْبُغُ بِالصُّفْرَةِ،
стр. 6020
وَرَأَيْتُكَ إِذَا كُنْتَ بِمَكَّةَ أَهَلَّ النَّاسُ إِذَا رَأَوُا الْهِلَالَ وَلَمْ تُهِلَّ أَنْتَ حَتَّى كَانَ يَوْمُ التَّرْوِيَةِ. قَالَ عَبْدُ اللَّهِ: أَمَّا الأَرْكَانُ: فَإِنِّي لَمْ «أَرَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَمَسُّ إِلَّا اليَمَانِيَّيْنِ»، وَأَمَّا النِّعَالُ السِّبْتِيَّةُ: فَإِنِّي «رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَلْبَسُ النَّعْلَ الَّتِي لَيْسَ فِيهَا شَعَرٌ وَيَتَوَضَّأُ فِيهَا»، فَأَنَا أُحِبُّ أَنْ أَلْبَسَهَا، وَأَمَّا الصُّفْرَةُ: فَإِنِّي «رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَصْبُغُ بِهَا، فَأَنَا أُحِبُّ أَنْ أَصْبُغَ بِهَا»، وَأَمَّا الإِهْلَالُ: فَإِنِّي «لَمْ أَرَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يُهِلُّ حَتَّى تَنْبَعِثَ بِهِ رَاحِلَتُهُ».
قُلْتُ: والمراد بالصفرة الزعفران المذكور بالحديث السابق. والله أعلم.
قَالَ الْعَلَّامَةُ ابْنُ بَطَّالٍ ﵀ فِي [شَرْحِ الْبُخَارِي] (٧/ ٢٧٤):
«وقد قال ابن عباس: أحسن الألوان كلها الصفرة؛ لقوله تعالى: ﴿صَفْرَاءُ فَاقِعٌ لَوْنُهَا تَسُرُّ النَّاظِرِينَ﴾، فقرن السرور بالصفرة، وكان ﵇ يحب الصفرة، ألا ترى قول ابن عمر حين سئل عن صبغه بها، فقال: إنِّي رأيت النبي ﷺ يصبغ بالصفرة، فأنَّا أصبغ بها وأحبها» اهـ.
قَالَ شَيْخُ الْإِسْلَامِ ابْنُ تَيْمِيَّةَ ﵀ فِي [شَرْحِ الْعُمْدَةِ] (٤/ ٣٨٣):
стр. 6021
«وأمّا نهيه أن يتزعفر الرجل فالمراد به أن يخلق بدنه بالزعفران فإنَّ طيب الرجل ما ظهر ريحه وخفي لونه» اهـ.
وَقَالَ الْعَلَّامَةُ الْنَوَوِي ﵀ فِي [شَرْحِ مُسْلِمٍ] (٥/ ١٣٦):
«والصحيح في معنى هذا الحديث أنَّه تعلق به أثر من الزعفران وغيره من طيب العروس، ولم يقصده ولا تعمد التزعفر، فقد ثبت في الصحيح النهي عن التزعفر للرجال، وكذا نهي الرجال عن الخلوق لأنَّه شعار النساء، وقد نهى الرجال عن التشبه بالنساء، فهذا هو الصحيح في معنى الحديث، وهو الذي اختاره القاضي والمحققون. وقيل: إنَّه يرخص في ذلك للرجل العروس، وقد جاء ذلك في أثر ذكره أبو عبيد أنَّهم كانوا يرخصون في ذلك للشاب أيام عرسه. قال: وقيل: لعله كان يسيراً فلم ينكر. قال: وقيل: كان في أول الإسلام من تزوج لبس ثوباً مصبوغاً علامة لسروره وزواجه. قال: وهذا غير معروف. وقيل: يحتمل أنَّه كان في ثيابه دون بدنه. ومذهب مالك وأصحابه جواز لبس الثياب المزعفرة، وحكاه مالك عن علماء المدينة، وهذا مذهب ابن عمر وغيره. وقال الشافعي وأبو حنيفة: لا يجوز ذلك للرجل» اهـ.
قُلْتُ: القول الأخير هو الأظهر لما سبق بيانه.
стр. 6022
٢ - وفيه التيسير في المهر.
٣ - وفيه استحباب الدعاء للمتزوج بالبركة.
وفي الباب ما رواه أحمد (٨٩٤٣، ٨٩٤٤)، وأبو داود (٢١٣٠)، والترمذي (١٠٩١)، وابن ماجه (١٩٠٥) مِنْ طَرِيْقِ عَبْدِ الْعَزِيزِ بْنِ مُحَمَّدٍ، عَنْ سُهَيْلِ بْنِ أَبِي صَالِحٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ كَانَ إِذَا رَفَّأَ إِنْسَانًا إِذَا تَزَوَّجَ، قَالَ: «بَارَكَ اللَّهُ لَكَ، وَبَارَكَ عَلَيْكَ، وَجَمَعَ بَيْنَكُمَا فِي خَيْرٍ».
قُلْتُ: هَذَا حَدِيْثٌ حَسَنٌ.
قَالَ الْعَلَّامَةُ الْخَطَّابِي ﵀ فِي [مَعَالِمِ الْسُّنَنِ] (٣/ ٢١٦):
«قَوْلُهُ: "رفأ" يريد هناه ودعا له وكان من عادتهم أن يقولوا: بالرفاء والبنين، وأصله من الرفئ وهو على معنيين أحدهما: التسكين؛ يقال رفوت الرجل إذا سكنت ما به من روع قال الشاعر:
رفوني وقالوا يا خويلد لم تُرع … فقلت وأنكرت الوجوه هم هم
والآخر أن يكون بمعنى الموافقة والملائمة ومنه رفوت الثوب، وفيه لغتان يقال رفوت الثوب ورفأته وأنشد أبو زيد:
عمامة غير جد واسعة … أخيطها تارة وأرفأها» اهـ.
стр. 6023
وَقَالَ الْعَلَّامَةُ الْمُبَارَكْفُورِيُّ ﵀ فِي [تُحْفَةِ الْأَحْوَذِيِّ] (٣/ ١٥٨):
«قَوْلُهُ: "كان إذا رفأ الإنسان"
بفتح الراء وتشديد الفاء مهموز معناه دعا له. قاله الحافظ في الفتح. وفي القاموس: رفأه ترفئة وترفيئاً قال له: بالرفاء والبنين أي بالالتئام وجمع الشمل انتهى. وذلك لأنَّ الترفئة في الأصل الالتئام يقال: رفأ الثوب لأم خرقه، وضم بعضه إلى بعض. وكانت هذه ترفئة الجاهلية ثم نهى النبي ﷺ عن ذلك، وأرشد إلى ما في حديث الباب» اهـ.
٤ - وفيه استحباب الوليمة.
قَالَ الْعَلَّامَةُ الْنَوَوِي ﵀ فِي [شَرْحِ مُسْلِمٍ] (٥/ ١٣٧):
«واختلف العلماء في وليمة العرس هل هي واجبة أم مستحبة؟ والأصح عند أصحابنا أنَّها سنة مستحبة، ويحملون هذا الأمر في هذا الحديث على الندب، وبه قال مالك وغيره، وأوجبها داود وغيره» اهـ.
وَقَالَ الْعَلَّامَةُ ابْنُ قُدَامَةَ ﵀ فِي [الْمُغْنِي] (١٥/ ٤٨٧ - ٤٨٨): «فصل: وليست واجبة في قول أكثر أهل العلم.
стр. 6024
وقال بعض أصحاب الشافعي: هي واجبة؛ لأنَّ النبي ﷺ أمر بها عبد الرحمن بن عوف، ولأنَّ الإجابة إليها واجبة؛ فكانت واجبة.
ولنا، أنَّها طعام لسرور حادث؛ فأشبه سائر الأطعمة، والخبر محمول على الاستحباب؛ بدليل ما ذكرناه، وكونه أمر بشاة ولا خلاف في أنَّها لا تجب، وما ذكروه من المعنى لا أصل له، ثم هو باطل بالسلام، ليس بواجب وإجابة المسلم واجبة» اهـ.
٥ - وظاهره أنَّ أقلها شاة.
وتجزئ الوليمة بغير شاة لما رواه البخاري (٥١٦٨)، ومسلم (١٤٢٨) عَنْ أَنَسٍ، قَالَ: «مَا أَوْلَمَ النَّبِيُّ ﷺ عَلَى شَيْءٍ مِنْ نِسَائِهِ مَا أَوْلَمَ عَلَى زَيْنَبَ، أَوْلَمَ بِشَاةٍ».
وروى البخاري (٥١٦٩) عَنْ أَنَسٍ، «أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ أَعْتَقَ صَفِيَّةَ وَتَزَوَّجَهَا، وَجَعَلَ عِتْقَهَا صَدَاقَهَا، وَأَوْلَمَ عَلَيْهَا بِحَيْسٍ».
قَالَ الْحِافِظُ ابْنُ حَجَرٍ ﵀ فِي [فَتْحِ الْبَارِي] (٩/ ٢٣٧):
«قَالَ أَهْلُ اللُّغَةِ الْحَيْسُ يُؤْخَذُ التَّمْرُ فَيُنْزَعُ نَوَاهُ وَيُخْلَطُ بِالْأَقِطِ أَوِ الدَّقِيقِ أَوِ السَّوِيقِ اهـ وَلَوْ جُعِلَ فِيهِ السَّمْنُ لَمْ يَخْرُجْ عَنْ كَوْنِهِ حَيْسًا» اهـ.
стр. 6025
قُلْتُ: أصل الحيس الخلط.
وروى البخاري (٥١٧٢) عَنْ صَفِيَّةَ بِنْتِ شَيْبَةَ، قَالَتْ: «أَوْلَمَ النَّبِيُّ ﷺ عَلَى بَعْضِ نِسَائِهِ بِمُدَّيْنِ مِنْ شَعِيرٍ».
قَالَ الْحِافِظُ ابْنُ حَجَرٍ ﵀ فِي [فَتْحِ الْبَارِي] (١/ ٣٢٣):
«هِيَ أم سَلمَة» اهـ.
قُلْتُ: لكن الوليمة بالشاة هو الأفضل لمن تيسر له ذلك كما يدل عليه الحديث.
٦ - ولم يوقت النبي ﷺ أياماً معينة للوليمة، فتشرع في يوم وأكثر.
قَالَ الْإِمَامُ الْبُخَارِيُّ ﵀ فِي [صَحِيْحِهِ] (٧/ ٣١ - مَعَ الْفَتْحِ): «ولم يوقت النبي ﷺ يوماً، ولا يومين» اهـ.
قُلْتُ: وروى ابن أبي شيبة في [مُصَنَّفِهِ] (١٧٤٤٨) حَدَّثَنَا أَبُو أُسَامَةَ، عَنْ هِشَامٍ، عَنْ حَفْصَةَ، قَالَتْ: «لَمَّا تَزَوَّجَ أَبِي سِيرِينَ دَعَا أَصْحَابَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ سَبْعَةَ أَيَّامٍ، فَلَمَّا كَانَ يَوْمُ الْأَنْصَارِ دَعَاهُمْ، وَدَعَا أُبَيَّ بْنَ كَعْبٍ وَزَيْدَ بْنَ ثَابِتٍ»، قَالَ هِشَامٌ: وَأَظُنُّهُ قَالَ: مُعَاذٌ، قَالَتْ: «فَكَانَ أُبَيٌّ صَائِمًا فَلَمَّا طَعِمُوا دَعَا أُبَيَّ بْنُ كَعْبٍ وَأَمَّنَ الْقَوْمُ».
следующие страницы →