Полный текст (8 095 стр.). Показаны 6021–6060 · переход к 6026.
стр. 6021
«وأمّا نهيه أن يتزعفر الرجل فالمراد به أن يخلق بدنه بالزعفران فإنَّ طيب الرجل ما ظهر ريحه وخفي لونه» اهـ.
وَقَالَ الْعَلَّامَةُ الْنَوَوِي ﵀ فِي [شَرْحِ مُسْلِمٍ] (٥/ ١٣٦):
«والصحيح في معنى هذا الحديث أنَّه تعلق به أثر من الزعفران وغيره من طيب العروس، ولم يقصده ولا تعمد التزعفر، فقد ثبت في الصحيح النهي عن التزعفر للرجال، وكذا نهي الرجال عن الخلوق لأنَّه شعار النساء، وقد نهى الرجال عن التشبه بالنساء، فهذا هو الصحيح في معنى الحديث، وهو الذي اختاره القاضي والمحققون. وقيل: إنَّه يرخص في ذلك للرجل العروس، وقد جاء ذلك في أثر ذكره أبو عبيد أنَّهم كانوا يرخصون في ذلك للشاب أيام عرسه. قال: وقيل: لعله كان يسيراً فلم ينكر. قال: وقيل: كان في أول الإسلام من تزوج لبس ثوباً مصبوغاً علامة لسروره وزواجه. قال: وهذا غير معروف. وقيل: يحتمل أنَّه كان في ثيابه دون بدنه. ومذهب مالك وأصحابه جواز لبس الثياب المزعفرة، وحكاه مالك عن علماء المدينة، وهذا مذهب ابن عمر وغيره. وقال الشافعي وأبو حنيفة: لا يجوز ذلك للرجل» اهـ.
قُلْتُ: القول الأخير هو الأظهر لما سبق بيانه.
стр. 6022
٢ - وفيه التيسير في المهر.
٣ - وفيه استحباب الدعاء للمتزوج بالبركة.
وفي الباب ما رواه أحمد (٨٩٤٣، ٨٩٤٤)، وأبو داود (٢١٣٠)، والترمذي (١٠٩١)، وابن ماجه (١٩٠٥) مِنْ طَرِيْقِ عَبْدِ الْعَزِيزِ بْنِ مُحَمَّدٍ، عَنْ سُهَيْلِ بْنِ أَبِي صَالِحٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ كَانَ إِذَا رَفَّأَ إِنْسَانًا إِذَا تَزَوَّجَ، قَالَ: «بَارَكَ اللَّهُ لَكَ، وَبَارَكَ عَلَيْكَ، وَجَمَعَ بَيْنَكُمَا فِي خَيْرٍ».
قُلْتُ: هَذَا حَدِيْثٌ حَسَنٌ.
قَالَ الْعَلَّامَةُ الْخَطَّابِي ﵀ فِي [مَعَالِمِ الْسُّنَنِ] (٣/ ٢١٦):
«قَوْلُهُ: "رفأ" يريد هناه ودعا له وكان من عادتهم أن يقولوا: بالرفاء والبنين، وأصله من الرفئ وهو على معنيين أحدهما: التسكين؛ يقال رفوت الرجل إذا سكنت ما به من روع قال الشاعر:
رفوني وقالوا يا خويلد لم تُرع … فقلت وأنكرت الوجوه هم هم
والآخر أن يكون بمعنى الموافقة والملائمة ومنه رفوت الثوب، وفيه لغتان يقال رفوت الثوب ورفأته وأنشد أبو زيد:
عمامة غير جد واسعة … أخيطها تارة وأرفأها» اهـ.
стр. 6023
وَقَالَ الْعَلَّامَةُ الْمُبَارَكْفُورِيُّ ﵀ فِي [تُحْفَةِ الْأَحْوَذِيِّ] (٣/ ١٥٨):
«قَوْلُهُ: "كان إذا رفأ الإنسان"
بفتح الراء وتشديد الفاء مهموز معناه دعا له. قاله الحافظ في الفتح. وفي القاموس: رفأه ترفئة وترفيئاً قال له: بالرفاء والبنين أي بالالتئام وجمع الشمل انتهى. وذلك لأنَّ الترفئة في الأصل الالتئام يقال: رفأ الثوب لأم خرقه، وضم بعضه إلى بعض. وكانت هذه ترفئة الجاهلية ثم نهى النبي ﷺ عن ذلك، وأرشد إلى ما في حديث الباب» اهـ.
٤ - وفيه استحباب الوليمة.
قَالَ الْعَلَّامَةُ الْنَوَوِي ﵀ فِي [شَرْحِ مُسْلِمٍ] (٥/ ١٣٧):
«واختلف العلماء في وليمة العرس هل هي واجبة أم مستحبة؟ والأصح عند أصحابنا أنَّها سنة مستحبة، ويحملون هذا الأمر في هذا الحديث على الندب، وبه قال مالك وغيره، وأوجبها داود وغيره» اهـ.
وَقَالَ الْعَلَّامَةُ ابْنُ قُدَامَةَ ﵀ فِي [الْمُغْنِي] (١٥/ ٤٨٧ - ٤٨٨): «فصل: وليست واجبة في قول أكثر أهل العلم.
стр. 6024
وقال بعض أصحاب الشافعي: هي واجبة؛ لأنَّ النبي ﷺ أمر بها عبد الرحمن بن عوف، ولأنَّ الإجابة إليها واجبة؛ فكانت واجبة.
ولنا، أنَّها طعام لسرور حادث؛ فأشبه سائر الأطعمة، والخبر محمول على الاستحباب؛ بدليل ما ذكرناه، وكونه أمر بشاة ولا خلاف في أنَّها لا تجب، وما ذكروه من المعنى لا أصل له، ثم هو باطل بالسلام، ليس بواجب وإجابة المسلم واجبة» اهـ.
٥ - وظاهره أنَّ أقلها شاة.
وتجزئ الوليمة بغير شاة لما رواه البخاري (٥١٦٨)، ومسلم (١٤٢٨) عَنْ أَنَسٍ، قَالَ: «مَا أَوْلَمَ النَّبِيُّ ﷺ عَلَى شَيْءٍ مِنْ نِسَائِهِ مَا أَوْلَمَ عَلَى زَيْنَبَ، أَوْلَمَ بِشَاةٍ».
وروى البخاري (٥١٦٩) عَنْ أَنَسٍ، «أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ أَعْتَقَ صَفِيَّةَ وَتَزَوَّجَهَا، وَجَعَلَ عِتْقَهَا صَدَاقَهَا، وَأَوْلَمَ عَلَيْهَا بِحَيْسٍ».
قَالَ الْحِافِظُ ابْنُ حَجَرٍ ﵀ فِي [فَتْحِ الْبَارِي] (٩/ ٢٣٧):
«قَالَ أَهْلُ اللُّغَةِ الْحَيْسُ يُؤْخَذُ التَّمْرُ فَيُنْزَعُ نَوَاهُ وَيُخْلَطُ بِالْأَقِطِ أَوِ الدَّقِيقِ أَوِ السَّوِيقِ اهـ وَلَوْ جُعِلَ فِيهِ السَّمْنُ لَمْ يَخْرُجْ عَنْ كَوْنِهِ حَيْسًا» اهـ.
стр. 6025
قُلْتُ: أصل الحيس الخلط.
وروى البخاري (٥١٧٢) عَنْ صَفِيَّةَ بِنْتِ شَيْبَةَ، قَالَتْ: «أَوْلَمَ النَّبِيُّ ﷺ عَلَى بَعْضِ نِسَائِهِ بِمُدَّيْنِ مِنْ شَعِيرٍ».
قَالَ الْحِافِظُ ابْنُ حَجَرٍ ﵀ فِي [فَتْحِ الْبَارِي] (١/ ٣٢٣):
«هِيَ أم سَلمَة» اهـ.
قُلْتُ: لكن الوليمة بالشاة هو الأفضل لمن تيسر له ذلك كما يدل عليه الحديث.
٦ - ولم يوقت النبي ﷺ أياماً معينة للوليمة، فتشرع في يوم وأكثر.
قَالَ الْإِمَامُ الْبُخَارِيُّ ﵀ فِي [صَحِيْحِهِ] (٧/ ٣١ - مَعَ الْفَتْحِ): «ولم يوقت النبي ﷺ يوماً، ولا يومين» اهـ.
قُلْتُ: وروى ابن أبي شيبة في [مُصَنَّفِهِ] (١٧٤٤٨) حَدَّثَنَا أَبُو أُسَامَةَ، عَنْ هِشَامٍ، عَنْ حَفْصَةَ، قَالَتْ: «لَمَّا تَزَوَّجَ أَبِي سِيرِينَ دَعَا أَصْحَابَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ سَبْعَةَ أَيَّامٍ، فَلَمَّا كَانَ يَوْمُ الْأَنْصَارِ دَعَاهُمْ، وَدَعَا أُبَيَّ بْنَ كَعْبٍ وَزَيْدَ بْنَ ثَابِتٍ»، قَالَ هِشَامٌ: وَأَظُنُّهُ قَالَ: مُعَاذٌ، قَالَتْ: «فَكَانَ أُبَيٌّ صَائِمًا فَلَمَّا طَعِمُوا دَعَا أُبَيَّ بْنُ كَعْبٍ وَأَمَّنَ الْقَوْمُ».
стр. 6026
قُلْتُ: هَذَا أَثَرٌ صَحِيْحٌ.
ورواه معمر في [جَامِعِهِ] (١٩٦٦٥)، ومن طريقه البيهقي في [الْكُبْرَى] (١٤٢٩٣) عَنْ أَيُّوبَ، عَنِ ابْنِ سِيرِينَ، قَالَ: تَزَوَّجَ أَبِي فَدَعَا النَّاسَ ثَمَانِيَةَ أَيَّامٍ، «فَدَعَا أُبَيَّ بْنَ كَعْبٍ فِيمَنْ دَعَا، فَجَاءَ يَوْمَئِذٍ، وَهُوَ صَائِمٌ فَصَلَّى، يَقُولُ: دَعَا بِالْبَرَكَةِ، ثُمَّ خَرَجَ».
قُلْتُ: إِسْنَادُهُ صَحِيْحٌ.
ورواه البيهقي في [الْكُبْرَى] (١٤٢٩٢) مِنْ طَرِيْقِ وُهَيْبٍ، عَنْ أَيُّوبَ، عَنْ مُحَمَّدٍ قَالَ: حَدَّثَتْنِي حَفْصَةُ:
«أَنَّ سِيرِينَ، عَرَّسَ بِالْمَدِينَةِ " فَأَوْلَمَ فَدَعَا النَّاسَ سَبْعًا " وَكَانَ فِيمَنْ دَعَا أُبَيُّ بْنُ كَعْبٍ، " فَجَاءَ وَهُوَ صَائِمٌ فَدَعَا لَهُمْ بِخَيْرٍ وَانْصَرَفَ».
قَالَ الْعَلَّامَةُ الْبَيْهَقِيُّ ﵀: «وَكَذَا قَالَهُ حَمَّادُ بْنُ زَيْدٍ عَنْ أَيُّوبَ سَبْعًا إِلَّا أَنَّهُ لَمْ يَذْكُرْ حَفْصَةَ فِي إِسْنَادِهِ، وَقَالَ مَعْمَرٌ عَنْ أَيُّوبَ ثَمَانِيَ أَيَّامٍ وَالْأَوَّلُ أَصَحُّ» اهـ.
وأمَّا ما رواه أبو يعلى (٣٨٣٤) حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ سَعِيدٍ الْجَوْهَرِيُّ، حَدَّثَنَا أَبُو النَّضْرِ، حَدَّثَنَا أَبُو جَعْفَرٍ الرَّازِيُّ، عَنْ حُمَيْدٍ، عَنْ أَنَسٍ، «تَزَوَّجَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ
стр. 6027
وَسَلَّمَ صَفِيَّةَ وَجَعَلَ عِتْقَهَا صَدَاقَهَا، وَجَعَلَ الْوَلِيمَةَ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ، وَبَسَطَ نِطَعًا جَاءَتْ بِهِ أُمُّ سُلَيْمٍ، وَأَلْقَى عَلَيْهِ أَقِطًا وَتَمْرًا، وَأَطْعَمَ النَّاسَ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ».
فَلَا يَصِّحُ فإنَّ فيه أبو جعفر الرازي وهو سيء الحفظ.
قَالَ الْعَلَّامَةُ الْنَوَوِي ﵀ فِي [شَرْحِ مُسْلِمٍ] (٥/ ١٣٧):
«قال القاضي: واختلف السلف في تكرارها أكثر من يومين فكرهته طائفة، ولم تكرهه طائفة. قال: واستحب أصحاب مالك للموسر كونها أسبوعاً» اهـ.
قُلْتُ: وعمدة من كره ذلك ما رواه أحمد (٢٠٣٤٠)، وأبو داود (٣٧٤٥)، والنسائي في [الْكُبْرَى] (٦٥٩٦، ٦٥٦١) مِنْ طَرِيْقِ هَمَّامٍ، حَدَّثَنَا قَتَادَةُ، عَنِ الْحَسَنِ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُثْمَانَ الثَّقَفِيِّ، عَنْ - رَجُلٍ أَعْوَرَ مِنْ ثَقِيفٍ كَانَ يُقَالُ لَهُ مَعْرُوفًا أَيْ يُثْنَى عَلَيْهِ خَيْرًا إِنْ لَمْ يَكُنِ اسْمُهُ - زُهَيْرُ بْنُ عُثْمَانَ فَلَا أَدْرِي مَا اسْمُهُ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: «الْوَلِيمَةُ أَوَّلَ يَوْمٍ حَقٌّ، وَالثَّانِيَ مَعْرُوفٌ، وَالْيَوْمَ الثَّالِثَ سُمْعَةٌ وَرِيَاءٌ».
قُلْتُ: هَذَا حَدِيْثٌ ضَعِيْفٌ، عبد الله بن عثمان الثقفي مجهول، وزهير مختلف في صحبته.
стр. 6028
وروى ابن ماجه (١٩١٥) حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبَادَةَ الْوَاسِطِيُّ قَالَ: حَدَّثَنَا يَزِيدُ بْنُ هَارُونَ قَالَ: حَدَّثَنَا عَبْدُ الْمَلِكِ بْنُ حُسَيْنٍ أَبُو مَالِكٍ النَّخَعِيُّ، عَنْ مَنْصُورٍ، عَنْ أَبِي حَازِمٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «الْوَلِيمَةُ أَوَّلَ يَوْمٍ حَقٌّ، وَالثَّانِيَ مَعْرُوفٌ، وَالثَّالِثَ رِيَاءٌ وَسُمْعَةٌ».
قُلْتُ: هَذَا حَدِيْثٌ شَدِيْدُ الضَّعْفِ، فإنَّ عبد الملك بن حسين متروك الحديث.
وله شواهد لا يثبت بها الحديث، وقد قَالَ الْعَلَّامَةُ الْأَلْبَانِيُّ ﵀ [الْإِرْوَاءِ] تحت حديث برقم (١٩٥٠):
«وجملة القول في هذا الحديث أنَّ أكثر طرقه وشواهده شديدة الضعف لا يخلو طريق منها من متهم أو متروك فلذلك يبقى على الضعف الذي استفيد من الطريق الأولى. والله أعلم» اهـ.
٧ - واحتج به من قال: إنَّ الوليمة تكون بعد البناء.
قَالَ الْعَلَّامَةُ الْنَوَوِي ﵀ فِي [شَرْحِ مُسْلِمٍ] (٥/ ١٣٧): «واختلف العلماء في وقت فعلها، فحكى القاضي أنَّ الأصح عند مالك وغيره أنَّه يستحب فعلها بعد الدخول، وعن جماعة من المالكية استحبابها عند العقد، وعن ابن حبيب المالكي استحبابها عند العقد وعند الدخول» اهـ.
стр. 6029
وَقَالَ الْعَلَّامَةُ الْبَاجِيُّ ﵀ فِي [الْمُنْتَقَى] (٣/ ٢٢٨):
«رأيت بعض من حاول تفسير هذا الحديث من أهل بلدنا قال: إنَّ هذا اللفظ يدل على أنَّ الوليمة بعد البناء جائزة. قال القاضي أبو الوليد ﵁: وليس في الحديث ما يدل على ذلك لأنَّه يحتمل أن يكون سؤال النبي ﷺ لعبد الرحمن بعد العقد وقبل البناء، ولو بلغنا أنَّه كان بعد البناء لم يدل على ذلك أيضاً لجواز أن يكون قد فات ذلك قبل البناء فأمره به بعد البناء فيتعقبه البناء ويتصل به، وقد روى ابن المواز عن مالك: أرى أن يولم بعد البناء. وفي "العتبية" من رواية أشهب عن مالك: لا بأس أن يولم بعد البناء. قال: فليجب وليس مثل الوليمة. قال ابن حبيب: وكان النبي ﷺ يستحب الإطعام على النكاح عند عقده وعند البناء. ولفظ: "عند البناء" يقتضي قرب البناء، ويحتمل أن يريد به قبله وبعده، وكيفما كان فليس فيه منع لأنَّ منه شهرة النكاح وهذا لا يعدم لتقديمه ولا لتأخيره إلَّا أن تقديم إشهاره قبل البناء ويتصل البناء به عندي أفضل كالإشهاد فأمَّا تأخيره فإنَّه عار من فائدة الإشهاد الذي شرع تقديمه على البناء ومنع تقديم البناء قبل وجود شيء منه كالإشهاد وهي عادة الناس اليوم في الوليمة فيحتمل أن يكون مالك قال ذلك لمن فاته قبل البناء، ويحتمل أن يكون
стр. 6030
اختار ذلك لأنَّه لا يقتصر عليه في إشهار النكاح وإنَّما يشهر أولاً بالإشهاد وهذه زيادة في الإشهار تختص بإشهار البناء ويكون فيه معنى الرضا بما اطلع عليه من حال الزوجة فعلى هذا يختص بما بعد البناء والله أعلم» اهـ.
قُلْتُ: الذي يظهر لي أنَّ الأفضل في الوليمة أن تكون بعد البناء لما رواه البخاري (٥١٧٠) عَنْ أَنَسٍ ﵁ قَالَ: «بَنَى النَّبِيُّ ﷺ بِامْرَأَةٍ، فَأَرْسَلَنِي فَدَعَوْتُ رِجَالًا إِلَى الطَّعَامِ».
وبوَّب الْعَلَّامَةُ الْبَيْهَقِيُّ ﵀ على هذا الحديث في [سُنَنِهِ الْكُبْرَى] (٧/ ٢٦٠) بِقَوْلِهِ: «باب وقت الوليمة» اهـ.
ويدل على ذلك أيضاً ما رواه البخاري (٥٤٦٦)، ومسلم (١٤٢٨) عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، أَنَّ أَنَسًا، قَالَ: أَنَا أَعْلَمُ النَّاسِ بِالحِجَابِ، كَانَ أُبَيُّ بْنُ كَعْبٍ يَسْأَلُنِي عَنْهُ «أَصْبَحَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَرُوسًا بِزَيْنَبَ بِنْتِ جَحْشٍ، وَكَانَ تَزَوَّجَهَا بِالْمَدِينَةِ، فَدَعَا النَّاسَ لِلطَّعَامِ بَعْدَ ارْتِفَاعِ النَّهَارِ، فَجَلَسَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وَجَلَسَ مَعَهُ رِجَالٌ بَعْدَ مَا قَامَ القَوْمُ، حَتَّى قَامَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فَمَشَى وَمَشَيْتُ مَعَهُ، حَتَّى بَلَغَ بَابَ حُجْرَةِ عَائِشَةَ، ثُمَّ ظَنَّ أَنَّهُمْ خَرَجُوا فَرَجَعْتُ مَعَهُ، فَإِذَا هُمْ جُلُوسٌ مَكَانَهُمْ، فَرَجَعَ وَرَجَعْتُ مَعَهُ الثَّانِيَةَ، حَتَّى
стр. 6031
بَلَغَ بَابَ حُجْرَةِ عَائِشَةَ، فَرَجَعَ وَرَجَعْتُ مَعَهُ فَإِذَا هُمْ قَدْ قَامُوا، فَضَرَبَ بَيْنِي وَبَيْنَهُ سِتْرًا، وَأُنْزِلَ الحِجَابُ».
وفي رواية لمسلم (١٤٢٨) عَنِ الْجَعْدِ أَبِي عُثْمَانَ، عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ، قَالَ: تَزَوَّجَ رَسُولُ اللهِ ﷺ ، فَدَخَلَ بِأَهْلِهِ، قَالَ: فَصَنَعَتْ أُمِّي أُمُّ سُلَيْمٍ حَيْسًا، فَجَعَلَتْهُ فِي تَوْرٍ، فَقَالَتْ: يَا أَنَسُ، اذْهَبْ بِهَذَا إِلَى رَسُولِ اللهِ ﷺ ، فَقُلْ: بَعَثَتْ بِهَذَا إِلَيْكَ أُمِّي وَهِيَ تُقْرِئُكَ السَّلَامَ، وَتَقُولُ: إِنَّ هَذَا لَكَ مِنَّا قَلِيلٌ يَا رَسُولَ اللهِ، قَالَ: فَذَهَبْتُ بِهَا إِلَى رَسُولِ اللهِ ﷺ ، فَقُلْتُ: إِنَّ أُمِّي تُقْرِئُكَ السَّلَامَ، وَتَقُولُ: إِنَّ هَذَا لَكَ مِنَّا قَلِيلٌ يَا رَسُولَ اللهِ، فَقَالَ: «ضَعْهُ»، ثُمَّ قَالَ: «اذْهَبْ، فَادْعُ لِي فُلَانًا وَفُلَانًا وَفُلَانًا، وَمَنْ لَقِيتَ»، وَسَمَّى رِجَالًا، قَالَ: فَدَعَوْتُ مَنْ سَمَّى، وَمَنْ لَقِيتُ، قَالَ: قُلْتُ لِأَنَسٍ: عَدَدَ كَمْ كَانُوا؟ قَالَ: زُهَاءَ ثَلَاثِمِائَةٍ، وَقَالَ لِي رَسُولُ اللهِ ﷺ : «يَا أَنَسُ، هَاتِ التَّوْرَ»، قَالَ: فَدَخَلُوا حَتَّى امْتَلَأَتِ الصُّفَّةُ وَالْحُجْرَةُ، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : «لِيَتَحَلَّقْ عَشَرَةٌ عَشَرَةٌ، وَلْيَأْكُلْ كُلُّ إِنْسَانٍ مِمَّا يَلِيهِ»، قَالَ: فَأَكَلُوا حَتَّى شَبِعُوا، قَالَ: فَخَرَجَتْ طَائِفَةٌ، وَدَخَلَتْ طَائِفَةٌ، حَتَّى أَكَلُوا كُلُّهُمْ، فَقَالَ لِي: «يَا أَنَسُ، ارْفَعْ»، قَالَ: فَرَفَعْتُ، فَمَا أَدْرِي حِينَ وَضَعْتُ كَانَ أَكْثَرَ، أَمْ حِينَ رَفَعْتُ … الحديث.
стр. 6032
قَالَ الْعَلَّامَةُ الْمَرْدَاوِي ﵀ فِي [الْإِنْصَافِ] (٨/ ٢٣٤): «وقال الشيخ تقي الدين ﵀: تستحب بالدخول» اهـ.
قُلْتُ: هذا الوقت هو المستحب، وتشرع الوليمة من حين العقد.
٨ - قَالَ الْعَلَّامَةُ الْنَوَوِي ﵀ فِي [شَرْحِ مُسْلِمٍ] (٥/ ١٣٦): «فيه أنَّه يستحب للإمام والفاضل تفقد أصحابه والسؤال عما يختلف من أحوالهم» اهـ.
فوائد متنوعة:
الفائدة الأولى: إذا تزوج أكثر من امرأة كفاه وليمة واحدة للجميع.
قَالَ الْخَطِيْبُ الْشَّرْبِيْنِيُّ ﵀ فِي [مُغْنِي الْمُحْتَاجِ] (١٣/ ٩١): «تنبيه: لو نكح أربعاً هل يستحب لكل واحدة وليمة واحدة عن الجميع أو يكفيه، أو يفصل بين العقد الواحد والعقود.
قال الزركشي: فيه نظر اهـ. والأوجه الأول كما قاله غيره» اهـ.
الفائدة الثانية: في وقت الوليمة.
قُلْتُ: تشرع الوليمة في الليل أو النهار، والذي جاء عَنِ النَّبِيِّ ﷺ الوليمة أول النهار.
стр. 6033
فروى البخاري (٥٤٦٦)، ومسلم (١٤٢٨) عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، أَنَّ أَنَسًا، قَالَ: أَنَا أَعْلَمُ النَّاسِ بِالحِجَابِ، كَانَ أُبَيُّ بْنُ كَعْبٍ يَسْأَلُنِي عَنْهُ «أَصْبَحَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَرُوسًا بِزَيْنَبَ بِنْتِ جَحْشٍ، وَكَانَ تَزَوَّجَهَا بِالْمَدِينَةِ، فَدَعَا النَّاسَ لِلطَّعَامِ بَعْدَ ارْتِفَاعِ النَّهَارِ، فَجَلَسَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وَجَلَسَ مَعَهُ رِجَالٌ بَعْدَ مَا قَامَ القَوْمُ، حَتَّى قَامَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فَمَشَى وَمَشَيْتُ مَعَهُ، حَتَّى بَلَغَ بَابَ حُجْرَةِ عَائِشَةَ، ثُمَّ ظَنَّ أَنَّهُمْ خَرَجُوا فَرَجَعْتُ مَعَهُ، فَإِذَا هُمْ جُلُوسٌ مَكَانَهُمْ، فَرَجَعَ وَرَجَعْتُ مَعَهُ الثَّانِيَةَ، حَتَّى بَلَغَ بَابَ حُجْرَةِ عَائِشَةَ، فَرَجَعَ وَرَجَعْتُ مَعَهُ فَإِذَا هُمْ قَدْ قَامُوا، فَضَرَبَ بَيْنِي وَبَيْنَهُ سِتْرًا، وَأُنْزِلَ الحِجَابُ».
الفائدة الثالثة: الوليمة عدة أنواع منها:
١ - وليمة العرس، وقد مضى القول فيها.
٢ - وليمة الخُرس بضم الخاء المعجمة والسين المهملة، ويقال أيضاً بالصاد المهملة، ويقال الخرسة: وهي الطعام الذي يصنع لسلامة المرأة من الطلق في النفاس.
٣ - العَقِيْقَة، وهي: أسم للشاة المذبوحة عن المولود يوم السابع من ولادته.
стр. 6034
٤ - وليمة الوَكِيرة، بفتح الواو وكسر الكاف وبعدها ياء مثناة من تحت، وهي الطعام الذي يصنع لإحداث بناء الدار، مأخوذة من الوكر وهو المأوى والمستقر.
٥ - وليمة الوَضِيمة، بفتح الواو وكسر الضاد المعجمة، وهي: الطعام الذي يصنعه الأقارب والجيران لمن حدثت عندهم مصيبة.
٦ - وليمة النقيعة، بفتح النون، وهي الدعوة لقدوم المسافر.
قَالَ الْحِافِظُ ابْنُ حَجَرٍ ﵀ فِي [فَتْحِ الْبَارِي] (٦/ ١٩٤): «وهذا الطعام يقال له: النقيعة بالنون والقاف قيل اشتق من النقع وهو الغبار لأنَّ المسافر يأتي وعليه غبار السفر، وقيل النقيعة من اللبن إذا برد، وقيل غير ذلك» اهـ.
٧ - وليمة العَذِير، بالعين المهملة والذال المعجمة. ويقال: العذيرة كذا في الاستقصاء، والإعذار بكسرة الهمزة مصدر أعذره، وهي الدعوة للختان، والإعذار الختان.
وقد روى عبد الرزاق في [مُصَنَّفِهِ] (٧٩٨٢) قَالَ: أَخْبَرَنَا مَعْمَرٌ، عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ، عَنْ أَبِيهِ قَالَ: «مَا صَنَعَتْ لِي أُمِّي يَوْمَ خُتِنْتُ إِلَّا عَصِيدَةً بِتَمْرٍ».
قُلْتُ: إِسْنَادُهُ صَحِيْحٌ.
٨ - وليمة المأدُبَة، بضم الدال وفتحها، وهي الضيافة التي تعمل بلا سبب.
стр. 6035
٩ - وليمة الحِذَاقة، بكسر الحاء المهملة، وهي الإطعام عند ختم القرآن، وكذا إذا ختم الثمُنَ أو الرُبُعَ أو النصف.
١٠ - وليمة التحفة، وهي الإطعام الذي يعطى للزائر.
١١ - وليمة القِرى، وهي الإطعام للضيف.
الفائدة الرابعة: في حكم إجابة الوليمة.
أَقُوْلُ: أمَّا وليمة العرس فيجب إجابتها، وذلك لما رواه مسلم (١٤٢٩) عَنِ ابْنِ عُمَرَ، أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: «إِذَا دُعِيَ أَحَدُكُمْ إِلَى وَلِيمَةِ عُرْسٍ، فَلْيُجِبْ».
وروى البخاري (٥١٧٧)، ومسلم (١٤٣٢) عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁، أَنَّهُ كَانَ يَقُولُ: «شَرُّ الطَّعَامِ طَعَامُ الوَلِيمَةِ، يُدْعَى لَهَا الأَغْنِيَاءُ وَيُتْرَكُ الفُقَرَاءُ، وَمَنْ تَرَكَ الدَّعْوَةَ فَقَدْ عَصَى اللَّهَ وَرَسُولَهُ ﷺ ».
وجاء مرفوعاً عند مسلم (١٤٣٢) عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ ، قَالَ: «شَرُّ الطَّعَامِ طَعَامُ الْوَلِيمَةِ، يُمْنَعُهَا مَنْ يَأْتِيهَا، وَيُدْعَى إِلَيْهَا مَنْ يَأْبَاهَا، وَمَنْ لَمْ يُجِبِ الدَّعْوَةَ، فَقَدْ عَصَى اللهَ وَرَسُولَهُ».
стр. 6036
قَالَ الْحَافِظُ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِ ﵀ فِي [التَّمْهِيْدِ] (١٠/ ١٧٩): «ولا أعلم خلافاً في وجوب إتيان الوليمة لمن دعي إليها إذا لم يكن فيها منكر ولهو» اهـ.
وَقَالَ الْعَلَّامَةُ ابْنُ بَطَّالٍ ﵀ فِي [شَرْحِ الْبُخَارِي] (٧/ ٢٨٩): «وهذا الحديث حجة في وجوب إجابة دعوة الوليمة، ولا خلاف في ذلك بين الصحابة والتابعين إلَّا ما روى عن ابن مسعود أنَّه قال: نهينا أن نجيب من يدعو الأغنياء ويترك الفقراء» اهـ.
وَقَالَ الْعَلَّامَةُ ابْنُ قُدَامَةَ ﵀ فِي [الْمُغْنِي] (١٥/ ٤٨٩): «قال ابن عبد البر: لا خلاف في وجوب الإجابة إلى الوليمة لمن دعي إليها، إذا لم يكن فيها لهو. وبه يقول مالك، والشافعي والعنبري، وأبو حنيفة وأصحابه.
ومن أصحاب الشافعي من قال: هي من فروض الكفايات؛ لأنَّ الإجابة إكرام وموالاة، فهي كرد السلام» اهـ.
وَقَالَ الْعَلَّامَةُ الْنَوَوِي ﵀ فِي [شَرْحِ مُسْلِمٍ] (٥/ ١٤٩): «ونقل القاضي اتفاق العلماء على وجوب الإجابة في وليمة العرس. قال: واختلفوا فيما سواها. فقال مالك والجمهور: لا تجب الإجابة إليها.
стр. 6037
وقال أهل الظاهر: تجب الإجابة إلى كل دعوة من عرس وغيره، وبه قال بعض السلف» اهـ.
وَقَالَ الْعَلَّامَةُ ابْنُ قُدَامَةَ ﵀ فِي [الْمُغْنِي] (١٥/ ٤٨٩ - ٤٩٠):
«فصل: وإنَّما تجب الإجابة على من عين بالدعوة، بأن يدعو رجلاً بعينه، أو جماعة معينين.
فإن دعا الجفلى؛ بأن يقول: يا أيها الناس، أجيبوا إلى الوليمة.
أو يقول الرسول: أمرت أن أدعو كل من لقيت، أو من شئت. لم تجب الإجابة، ولم تستحب؛ لأنَّه لم يعين بالدعوة، فلم تتعين عليه الإجابة، ولأنَّه غير منصوص عليه، ولا يحصل كسر قلب الداعي بترك إجابته، وتجوز الإجابة بهذا؛ لدخوله في عموم الدعاء» اهـ.
قُلْتُ: الْجَفَلَى بِفَتْحِ الْفَاءِ، وَاللَّامِ، وَالْقَصْرِ، وهي الدعوة العامة وَتُسَمَّى الدَّعْوَةَ الْخَاصَّةَ النَّقَرَى بِالتَّحْرِيكِ.
وهذه الكلمة تدل على معنى الاجتماع يقال: جاءُوا أَجْفَلَةً: أَي جَماعةً.
وَأَمَّا "النَّقَرَى" فقَالَ الْعَلَّامَةُ أَبْو الْحُسَيْنِ أَحْمَدَ بْنِ فَارِسِ ﵀ فِي [مَقَايِيسِ اللُّغَةِ] (٥/ ٤٦٩):
стр. 6038
«وَقَوْلُهُمْ: دَعَاهُمُ النَّقَرَى: أَنْ يَدْعُوَ جَمَاعَةً وَيَدَعَ آخَرِينَ مِنْ لُؤْمِهِ. وَهُوَ قِيَاسٌ صَحِيحٌ، لِأَنَّهُ لَا يُنَادِيهِمْ أَجْمَعَ، لَكِنْ يَأْتِي الْمَحْفِلَ فَيُوحِي إِلَى وَاحِدٍ كَأَنَّهُ يَنْقُرُهُ، أَوْ يَنْقُرُهُ بِيَدِهِ لِيَقُومَ مَعَهُ» اهـ.
قُلْتُ: ولا تكون الوليمة شر الطعام إلَّا إذا دعي لها الأغنياء، وترك الفقراء.
قَالَ الْحِافِظُ ابْنُ حَجَرٍ ﵀ فِي [فَتْحِ الْبَارِي] (٩/ ٢٤٥): «فلو دعا الداعي عاماً لم يكن طعامه شر الطعام» اهـ.
قُلْتُ: وقد جاءت أدلة عامة ظاهرها يشمل وجوب الإجابة لسائر الولائم، ومن أصرحها ما رواه مسلم (١٤٢٩) عَنْ نَافِعٍ، أَنَّ ابْنَ عُمَرَ، كَانَ يَقُولُ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ : «إِذَا دَعَا أَحَدُكُمْ أَخَاهُ، فَلْيُجِبْ عُرْسًا كَانَ أَوْ نَحْوَهُ».
وفي لفظ له من حديث ابْنِ عُمَرَ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : «مَنْ دُعِيَ إِلَى عُرْسٍ أَوْ نَحْوِهِ، فَلْيُجِبْ».
قَالَ الْحِافِظُ ابْنُ حَجَرٍ ﵀ فِي [فَتْحِ الْبَارِي] (٩/ ٢٤٧): «وهذا يؤيد ما فهمه ابن عمر وأنَّ الأمر بالإجابة لا يختص بطعام العرس وقد أخذ بظاهر الحديث بعض الشافعية فقال بوجوب الإجابة إلى الدعوة مطلقاً عرساً كان أو غيره بشرطه ونقله ابن عبد البر عن عبيد الله بن الحسن العنبري قاضي البصرة،
стр. 6039
وزعم ابن حزم أنَّه قول جمهور الصحابة والتابعين، ويعكر عليه ما نقلناه عن عثمان بن أبي العاص وهو من مشاهير الصحابة أنَّه قال في وليمة الختان: لم يكن يدعى لها. لكن يمكن الانفصال عنه بأنَّ ذلك لا يمنع القول بالوجوب لو دعوا، وعند عبد الرزاق بإسناد صحيح عن ابن عمر أنَّه دعا بالطعام فقال رجل من القوم: أعفني فقال ابن عمر أنَّه لا عافية لك من هذا فقم. وأخرج الشافعي وعبد الرزاق بسند صحيح عن ابن عباس أنَّ بن صفوان دعاه فقال إنِّي مشغول وأن لم تعفني جئته. وجزم بعدم الوجوب في غير وليمة النكاح المالكية والحنفية والحنابلة وجمهور الشافعية وبالغ السرخسي منهم فنقل فيه الإجماع، ولفظ الشافعي: إتيان دعوة الوليمة حق والوليمة التي تعرف وليمة العرس، وكل دعوة دعي إليها رجل وليمة فلا أرخص لأحد في تركها ولو تركها لم يتبين لي أنَّه عاص في تركها كما تبين لي في وليمة العرس» اهـ.
قُلْتُ: الذي يظهر لي عدم وجوب إجابة الوليمة في غير العرس، ويدل عليه ما رواه مسلم (٢٠٣٧) عَنْ أَنَسٍ، أَنَّ جَارًا لِرَسُولِ اللهِ ﷺ فَارِسِيًّا كَانَ طَيِّبَ الْمَرَقِ، فَصَنَعَ لِرَسُولِ اللهِ ﷺ ، ثُمَّ جَاءَ يَدْعُوهُ، فَقَالَ: «وَهَذِهِ؟» لِعَائِشَةَ، فَقَالَ: لَا، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : «لَا»، فَعَادَ
стр. 6040
يَدْعُوهُ، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : «وَهَذِهِ؟»، قَالَ: لَا، قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : «لَا»، ثُمَّ عَادَ يَدْعُوهُ، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : «وَهَذِهِ؟»، قَالَ: نَعَمْ فِي الثَّالِثَةِ، فَقَامَا يَتَدَافَعَانِ حَتَّى أَتَيَا مَنْزِلَهُ.
قُلْتُ: فلو كانت إجابة الدعوة واجبة لما رده ﵊ في الأولى والثانية.
الفائدة الخامسة: في بيان حكم الأكل من طعام الوليمة.
أَقُوْلُ: لا يجب الأكل من طعام الوليمة لمن كان صائماً، لما رواه مسلم (١٤٣١) عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : «إِذَا دُعِيَ أَحَدُكُمْ، فَلْيُجِبْ، فَإِنْ كَانَ صَائِمًا، فَلْيُصَلِّ، وَإِنْ كَانَ مُفْطِرًا، فَلْيَطْعَمْ».
ومثل الصائم في ذلك من كان يتضرر بما قدم له من الطعام، أو كان الطعام مما لم يعتاد أن يأكله.
وأمَّا من لا عذر له في عدم الأكل فهل يجب عليه أن يأكل؟ في ذلك نزاع بين العلماء.
فروى مسلم (١٤٣٠) عَنْ جَابِرٍ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : «إِذَا دُعِيَ أَحَدُكُمْ إِلَى طَعَامٍ، فَلْيُجِبْ، فَإِنْ شَاءَ طَعِمَ، وَإِنْ شَاءَ تَرَكَ».
стр. 6041
قَالَ الْحِافِظُ ابْنُ حَجَرٍ ﵀ فِي [فَتْحِ الْبَارِي] (٩/ ٢٤٧): «فيؤخذ منه أنَّ المفطر ولو حضر لا يجب عليه الأكل وهو أصح الوجهين، عند الشافعية.
وقال ابن الحاجب في "مختصره" ووجوب أكل المفطر محتمل وصرح الحنابلة بعدم الوجوب، واختار النووي الوجوب وبه قال أهل الظاهر، والحجة لهم قوله في إحدى روايات ابن عمر عند مسلم: "فإن كان مفطراً فليطعم". قال النووي: وتحمل رواية جابر على من كان صائماً، ويؤيده رواية ابن ماجه فيه بلفظ: "من دعي إلى طعام وهو صائم فليجب فإن شاء طعم وأن شاء ترك" ويتعين حمله على من كان صائماً نفلاً» اهـ.
قُلْتُ: الذي يظهر لي عدم وجوب الأكل لحديث جابر الذي في مسلم فإنَّ ظاهره العموم، وأمَّا حديث ابن ماجه فرواه (١٧٥١) حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ يُوسُفَ السُّلَمِيُّ قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو عَاصِمٍ قَالَ: أَنْبَأَنَا ابْنُ جُرَيْجٍ، عَنْ أَبِي الزُّبَيْرِ، عَنْ جَابِرٍ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «مَنْ دُعِيَ إِلَى طَعَامٍ وَهُوَ صَائِمٌ، فَلْيُجِبْ، فَإِنْ شَاءَ طَعِمَ، وَإِنْ شَاءَ تَرَكَ».
стр. 6042
وفيه عنعنة ابن جريج، وعنعنة أبي الزبير وهما مدلسان، لكن ابن جرج تابعه سفيان عند أبي عوانة في [مُسْتَخْرَجِهِ] (٣٣٩٢) مِنْ طَرِيْقِ إسحاق بن يوسف عن سفيان الثوري به.
وهو عند مسلم مِنْ طَرِيْقِ عبد الرحمن بن مهدي، وعبد الله بن نمير عن سفيان عن أبي الزبير عن جابر به.
ورواه أبو داود (٣٧٤٠) مِنْ طَرِيْقِ محمد بن كثير عن سفيان، ولم يذكر في حديثه الصوم.
ورواه أحمد (١٥٢٥٦) مِنْ طَرِيْقِ عبد الرزاق عن سفيان، ولم يذكر في حديثه الصوم.
ورواه النسائي في [الْكُبْرَى] (٦٦١٠) مِنْ طَرِيْقِ أبي الأحوص عن سفيان، ولم يذكر في حديثه الصوم.
ورواه البيهقي في [الْكُبْرَى] (١٤٣١٦) مِنْ طَرِيْقِ أبي نعيم عن سفيان، ولم يذكر في حديثه الصوم.
ورواه عبد بن حميد في [الْمُنْتَخَبِ] (١٠٦٦) حدثنا عمر بن سعد، عن سفيان، عن أبي الزبير، عن جابر، ولم يذكر في حديثه الصوم.
стр. 6043
ورواه أبو نعيم في [مُسْتَخْرَجِهِ] (٣٣٩٢) مِنْ طَرِيْقِ الفريابي، وعبيد الله بن موسى، عن سفيان، عن أبي الزبير، عن جابر، ولم يذكرا في حديثهما الصوم.
ورواه البغوي في [شَرْحِ السُّنَّةِ] (٢٣١٦) مِنْ طَرِيْقِ علي بن قادم، حدثنا سفيان، عن أبي الزبير، عن جابر، ولم يذكر في حديثه الصوم.
فالذي يظهر لي عدم ثبوت هذه اللفظة في حديث سفيان.
وقد روى الحديث ابن حبان (٥٣٠٣) مِنْ طَرِيْقِ عمرو بن علي بن بحر، قال: حدثنا أبو عاصم، عن ابن جريج، عن أبي الزبير به، ولم يذكر في حديثه الصوم.
ورواه أبو نعيم في [مُسْتَخْرَجِهِ] (٣٣٤٧) مِنْ طَرِيْقِ أحمد بن علي بن نمير ثنا أبو عاصم عن ابن جريج عن أبي الزبير عن جابر به، ولم يذكر في حديثه الصوم.
ورواه أبو عوانة في [مُسْتَخْرَجِهِ] (٣٣٩٣) حدثنا حمدان بن الجنيد، حدثنا أبو عاصم، عن سفيان، وابن جريج، عن أبي الزبير عن جابر به، ولم يذكر في حديثه الصوم.
ورواه الطحاوي في [شَرْحِ مُشْكِلِ الْآثَارِ] (٣٠٣٠) يزيد وهو ابن سنان قال: حدثنا أبو عاصم قال: حدثنا ابن جريج، عن أبي الزبير عن جابر به، ولم يذكر في حديثه الصوم.
стр. 6044
ورواه أبو عوانة في [مُسْتَخْرَجِهِ] (٣٣٩٤) حجاج وهو ابن محمد المصيصي، عن ابن جريج، قال: أخبرني أبو الزبير به، ولم يذكر في حديثه الصوم.
قُلْتُ: فالذي يظهر لي أيضاً عدم ثبوت هذه اللفظة في حديث ابن جريج. والله أعلم.
وَقَالَ الْعَلَّامَةُ الْقُرْطُبِي ﵀ فِي [الْمُفْهِم] (١٣/ ١٨):
«وَقَوْلُهُ: "فإن شاء طعم، وإن شاء ترك"؛ هذا صريح في أنَّ الأكل في الوليمة ليس بواجب، وهو مذهب الجمهور. ولأهل الظاهر في الوجوب قولان في الوليمة وغيرها. وقال الشافعي: إذا كان مفطرًا أكل، وإن كان صائمًا دعا، أخذًا بالحديث.
ويظهر من هذا: أنَّ الأكل أولى من التَّرْك عندهم. وهو الحاصل من مذاهب العلماء؛ لما فيه من إدخال السُّرور، وحسن المعاشرة، وتطييب القلوب، ولما في تركه من نقيض ذلك.
وهذا كله ما لم يكن في الطعام شبهة، أو تلحق فيه مِنَّة، أو قَارَنَه منكر. فلا يجوز الحضور، ولا الأكل. ولا يختلف فيه» اهـ.
الفائدة السادسة: في آداب المضيف.
стр. 6045
قُلْتُ: جل آداب الضيافة مأخوذة من قصة إبراهيم ﵊ مع أضيافه.
قال الله تعالى: ﴿وَلَقَدْ جَاءَتْ رُسُلُنَا إِبْرَاهِيمَ بِالْبُشْرَى قَالُوا سَلَامًا قَالَ سَلَامٌ فَمَا لَبِثَ أَنْ جَاءَ بِعِجْلٍ حَنِيذٍ (٦٩) فَلَمَّا رَأَى أَيْدِيَهُمْ لَا تَصِلُ إِلَيْهِ نَكِرَهُمْ وَأَوْجَسَ مِنْهُمْ خِيفَةً قَالُوا لَا تَخَفْ إِنَّا أُرْسِلْنَا إِلَى قَوْمِ لُوطٍ﴾ [هود: ٦٩، ٧٠].
وقال الله تعالى: ﴿هَلْ أَتَاكَ حَدِيثُ ضَيْفِ إِبْرَاهِيمَ الْمُكْرَمِينَ (٢٤) إِذْ دَخَلُوا عَلَيْهِ فَقَالُوا سَلَامًا قَالَ سَلَامٌ قَوْمٌ مُنْكَرُونَ (٢٥) فَرَاغَ إِلَى أَهْلِهِ فَجَاءَ بِعِجْلٍ سَمِينٍ (٢٦) فَقَرَّبَهُ إِلَيْهِمْ قَالَ أَلَا تَأْكُلُونَ (٢٧) فَأَوْجَسَ مِنْهُمْ خِيفَةً قَالُوا لَا تَخَفْ وَبَشَّرُوهُ بِغُلَامٍ عَلِيمٍ﴾ [الذاريات: ٢٤ - ٢٨].
ومجموع هذه الآداب:
١ - الذهاب خفية لإحضار قرى الضيف.
٢ - المبادرة في إحضار قرى الضيف.
قَالَ الْعَلَّامَةُ ابْنُ الْقَيِّمِ ﵀ فِي [الرِّسَالَةِ التَّبُوكِيَّةِ] (ص: ٦٧):
«والروغان الذهاب بسرعة واختفاء وهو يتضمن المبادرة الى إكرام الضيف والاختفاء يتضمن ترك تخجيله وألَّا يعرض للحياء وهذا بخلاف من يتثاقل
стр. 6046
ويتبارد على ضيفه ثم يبرز بمرأى منه ويحل صرة النفقة ويزن ما يأخذ ويتناول الإناء بمرأى منه ونحو ذلك مما يتضمن تخجيل الضيف وحياءه فلفظة راغ تنفي هذين الأمرين» اهـ.
وَقَالَ الْعَلَّامَةُ الشِّنْقِيطِيُّ ﵀ فِي [أَضْوَاءِ الْبَيَانِ] (٢/ ١٨٦):
«يؤخذ من قصة إبراهيم مع ضيفه هؤلاء أشياء من آداب الضيافة: منها تعجيل القرى; لِقَوْلِهِ: ﴿فَمَا لَبِثَ أَنْ جَاءَ بِعِجْلٍ حَنِيذٍ﴾» اهـ.
قُلْتُ: ومعنى الآية: أي ما أبطأ إبراهيم عن مجيئه بعجل. والتعجيل أيضاً مأخوذ من قوله تعالى: ﴿فَرَاغَ إِلَى أَهْلِهِ فَجَاءَ بِعِجْلٍ سَمِينٍ﴾، على ما سبق بيانه في كلام العلامة ابن القيم ﵀.
قُلْتُ: وإن استدعى الأمر تأخير القرى فمن المستحسن أن يلهي الضيف ببعض ما عنده من الفاكهة، ويدل على ذلك ما رواه مسلم (٢٠٣٨) عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، قَالَ: خَرَجَ رَسُولُ اللهِ ﷺ ذَاتَ يَوْمٍ - أَوْ لَيْلَةٍ - فَإِذَا هُوَ بِأَبِي بَكْرٍ وَعُمَرَ، فَقَالَ: «مَا أَخْرَجَكُمَا مِنْ بُيُوتِكُمَا هَذِهِ السَّاعَةَ؟» قَالَا: الْجُوعُ يَا رَسُولَ اللهِ،، قَالَ: «وَأَنَا، وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ، لَأَخْرَجَنِي الَّذِي أَخْرَجَكُمَا، قُومُوا»، فَقَامُوا مَعَهُ، فَأَتَى رَجُلًا مِنَ الْأَنْصَارِ فَإِذَا هُوَ لَيْسَ فِي بَيْتِهِ، فَلَمَّا رَأَتْهُ الْمَرْأَةُ، قَالَتْ: مَرْحَبًا وَأَهْلًا،
стр. 6047
فَقَالَ لَهَا رَسُولُ اللهِ ﷺ : «أَيْنَ فُلَانٌ؟» قَالَتْ: ذَهَبَ يَسْتَعْذِبُ لَنَا مِنَ الْمَاءِ، إِذْ جَاءَ الْأَنْصَارِيُّ، فَنَظَرَ إِلَى رَسُولِ اللهِ ﷺ وَصَاحِبَيْهِ، ثُمَّ قَالَ: الْحَمْدُ لِلَّهِ مَا أَحَدٌ الْيَوْمَ أَكْرَمَ أَضْيَافًا مِنِّي، قَالَ: فَانْطَلَقَ، فَجَاءَهُمْ بِعِذْقٍ فِيهِ بُسْرٌ وَتَمْرٌ وَرُطَبٌ، فَقَالَ: كُلُوا مِنْ هَذِهِ، وَأَخَذَ الْمُدْيَةَ، فَقَالَ لَهُ رَسُولُ اللهِ ﷺ : «إِيَّاكَ، وَالْحَلُوبَ»، فَذَبَحَ لَهُمْ، فَأَكَلُوا مِنَ الشَّاةِ وَمِنْ ذَلِكَ الْعِذْقِ وَشَرِبُوا، فَلَمَّا أَنْ شَبِعُوا وَرَوُوا، قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ لِأَبِي بَكْرٍ، وَعُمَرَ: «وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ، لَتُسْأَلُنَّ عَنْ هَذَا النَّعِيمِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ، أَخْرَجَكُمْ مِنْ بُيُوتِكُمُ الْجُوعُ، ثُمَّ لَمْ تَرْجِعُوا حَتَّى أَصَابَكُمْ هَذَا النَّعِيمُ».
قَالَ الْعَلَّامَةُ الْنَوَوِي ﵀ فِي [شَرْحِ مُسْلِمٍ] (٧/ ٩٠):
«وفيه: دليل على استحباب تقديم الفاكهة على الخبز واللحم وغيرهما، وفيه استحباب المبادرة إلى الضيف بما تيسر، وإكرامه بعده بطعام يصنعه له لا سيما إن غلب على ظنه حاجته في الحال إلى الطعام، وقد يكون شديد الحاجة إلى التعجيل، وقد يشق عليه انتظار ما يصنع له لاستعجاله للانصراف» اهـ.
٣ - خدمة الضيف بنفسه.
٤ - القرى بالحيوان التام السمين.
стр. 6048
٥ - القرى بأنفس ما لدى الشخص من الطعام.
٦ - اختيار أحسن أنواع الطبخ، فإنَّ الحنيذ هو المشوي أفضل من المطبوخ بالماء.
٧ - تقريب الطعام إلى الضيوف بحيث لا يحوجهم الانتقال إليه.
٨ - التلطف معهم بالخطاب حيث استعمل العرض دون الأمر فقال: ﴿أَلَا تَأْكُلُونَ﴾.
قَالَ الْعَلَّامَةُ ابْنُ الْقَيِّمِ ﵀ فِي [الرِّسَالَةِ التَّبُوكِيَّةِ] (ص: ٦٧ - ٦٨):
«وَقَوْلُهُ: فجاء بعجل سمين يتضمن ثلاثة أنواع من المدح:
أحدها: خدمة ضيفه بنفسه فإنَّه لم يرسل به وإنَّما جاء به بنفسه.
الثاني: أنَّه جاءهم بحيوان تام لم يأتهم ببعضه ليتخيروا من أطيب لحمه ما شاءوا.
الثالث: أنَّه سمين ليس بمهزول وهذا من نفائس الأموال ولد البقر السمين فإنَّهم يعجبون به فمن كرمه هان عليه ذبحه واحضاره.
وَقَوْلُهُ: ﴿إِلَيْهِمْ﴾ متضمن المدح وآداباً أخرى وهو إحضار الطعام الى بين يدي الضيف بخلاف من يهيئ الطعام في موضع ثم يقيم ضيفه فيورده عليه.
стр. 6049
وَقَوْلُهُ: ﴿أَلَا تَأْكُلُونَ﴾ فيه مدح وآداب أخر فإنَّه عرض عليهم الأكل بِقَوْلِهِ: ﴿أَلَا تَأْكُلُونَ﴾ وهذه صيغة عرض مؤذنة بالتلطف بخلاف من يقول: ضعوا أيديكم في الطعام كلوا تقدموا ونحو هذا» اهـ.
وَقَالَ الْعَلَّامَةُ الشِّنْقِيطِيُّ ﵀ فِي [أَضْوَاءِ الْبَيَانِ] (٢/ ١٨٦):
«ومنها: كون القرى من أحسن ما عنده؛ لأنَّهم ذكروا أنَّ الذي عنده البقر وأطيبه لحماً الفتي السمين المنصح.
ومنها: تقريب الطعام إلى الضيف.
ومنها: ملاطفته بالكلام بغاية الرفق، كقوله: ﴿أَلَا تَأْكُلُونَ﴾» اهـ.
قُلْتُ: وقد أوصل العلامة ابن القيم ﵀ أدب إبراهيم الخليل ﵊ في الضيافة إلى خمسة عشر أدباً، فقَالَ ﵀ فِي [جَلَاءِ الْأَفْهَامِ] (ص: ٢٧١ - ٢٧٤):
«ففي هذا الثناء على إبراهيم من وجوه متعددة:
أحدها: أنَّه وصف ضيفه بأنَّهم مكرمون وهذا على أحد القولين أنَّه إكرام إبراهيم لهم أنَّهم المكرمون عند الله ولا تنافي بين القولين فالآية تدل على المعنيين.
стр. 6050
الثاني: قوله تعالى: ﴿إِذْ دَخَلُوا عَلَيْهِ﴾ فلم يذكر استئذانهم ففي هذا دليل على أنَّه كان قد عرف بإكرام الضيفان واعتياد قراهم فبقي منزله مضيفة مطروقاً لمن ورده لا يحتاج إلى الاستئذان بل استئذان الداخل دخوله وهذا غاية ما يكون من الكرم.
الثالث: قوله لهم: ﴿سَلَامٌ﴾ بالرفع وهم سلموا عليه بالنصب، والسلام بالرفع أكمل فإنَّه يدل على الجملة الاسمية الدالة على الثبوت والتجدد، والمنصوب يدل على الفعلية الدالة على الحدوث والتجدد فإبراهيم حياهم أحسن من تحيتهم فإنَّ قولهم: ﴿سَلَامًا﴾ يدل على سلمنا سلاماً وَقَوْلُهُ: ﴿سَلَامٌ﴾ أي: سلام عليكم.
الرابع: أنَّه حذف من قَوْلِهِ: ﴿قَوْمٌ مُنْكَرُونَ﴾ فإنَّه لما انكرهم ولم يعرفهم احتشم من مواجهتهم بلفظ ينفر الضيف لو قال: أنتم قوم منكرون فحذف المبتدأ هنا من ألطف الكلام.
الخامس: أنَّه بنى الفعل للمفعول وحذف فاعله فقال: ﴿مُنْكَرُونَ﴾، ولم يقل أنِّي أنكركم وهو أحسن في هذا المقام وأبعد من التنفير والمواجهة بالخشونة.
السادس: أنَّه راغ إلى أهله ليجيئهم بنزلهم، والروغان هو الذهاب في اختفاء بحيث لا يكاد يشعر به الضيف وهذا من كرم رب المنزل المضيف أن يذهب في اختفاء بحيث لا يشعر به الضيف فيشق عليه ويستحي فلا يشعر به إلاَّ وقد جاءه
стр. 6051
بالطعام بخلاف من يسمع ضيفه ويقول له أو لمن حضر: مكانكم حتى آتيكم بالطعام، ونحو ذلك مما يوجب حياء الضيف واحتشامه.
السابع: أنَّه ذهب إلى أهله فجاء بالضيافة فدل على أنَّ ذلك كان معداً عندهم مهيئاً للضيفان، ولم يحتج أن يذهب إلى غيرهم من جيرانه أو غيرهم فيشتريه أو يستقرضه.
الثامن: قوله تعالى: ﴿فَجَاءَ بِعِجْلٍ سَمِينٍ﴾ دل على خدمته للضيف بنفسه، ولم يقل: فأمر لهم، بل هو الذي ذهب وجاء به بنفسه ولم يبعثه مع خادمه وهذا أبلغ في إكرام الضيف.
التاسع: أنَّه جاء بعجل كامل ولم يأت ببضعة منه وهذا من تمام كرمه.
العاشر: أنَّه سمين لا هزيل ومعلوم أنَّ ذلك من أفخر أموالهم ومثله يتخذ للاقتناء والتربية فآثر به ضيفانه.
الحادي عشر: أنَّه قربه إليهم بنفسه ولم يأمر خادمه بذلك.
الثاني عشر: أنَّه قربه ولم يقربهم إليه وهذا أبلغ في الكرامة أن يجلس الضيف ثم يقرب الطعام اليه ويحمله إلى حضرته ولا يضع الطعام في ناحية ثم يأمر الضيف بأن يتقرب اليه.
стр. 6052
الثالث عشر: أنَّه قال: ﴿أَلَا تَأْكُلُونَ﴾ وهذا عرض وتلطف في القول وهو أحسن من قَوْلِهِ: كلوا، أو مدوا أيديكم، وهذا مما يعلم الناس بعقولهم حسنه ولطفه، ولهذا يقولون: بسم الله، أو ألا تتصدق أو ألا تجبر ونحو ذلك.
الرابع عشر: أنَّه إنَّما عرض عليهم الأكل لأنَّه رآهم لا يأكلون، ولم يكن ضيوفه يحتاجون معه إلى الإذن في الأكل بل كان إذا قدم إليهم الطعام أكلوا، وهؤلاء الضيوف لما امتنعوا من الأكل قال لهم: ﴿أَلَا تَأْكُلُونَ﴾ ولهذا أوجس منهم خيفة أي: أحسها واضمرها في نفسه، ولم يبدها لهم.
وهو الوجه الخامس عشر: فإنَّهم لما امتنعوا من آكل طعامه خاف منهم ولم يظهر لهم ذلك فلما علمت الملائكة منه ذلك قالوا: لا تخف وبشروه بالغلام.
فقد جمعت هذه الآية آداب الضيافة التي هي أشرف الآداب وما عداها من التكلفات التي هي تخلف وتكلف إنَّما هي من أوضاع الناس وعوائدهم وكفى بهذه الآداب شرفاً وفخراً فصلى الله على نبينا وعلى إبراهيم وعلى آلهما وعلى سائر النبيين» اهـ.
стр. 6053
قُلْتُ: ومن أهل العلم من استحسن في تقدير المبتدأ لقوله: ﴿قَوْمٌ مُنْكَرُون﴾ هَؤلاءِ قومٌ، أو هُمْ قَوْمٌ، وتكون مقالته هذه مع أهل بيته وخاصته، لا للأضياف لأنَّ ذلك يوحشهم.
٩ - ومن جملة الآداب المتعلقة بالمضيف عدم التكلف للضيف، وليس في قصة إبراهيم ﵊، ولا الأنصاري ما يدل على التكلف للضيف فإنَّ ذلك محمول على تيسر ذلك في حقهما. والله أعلم.
قَالَ الْعَلَّامَةُ الْنَوَوِي ﵀ فِي [شَرْحِ مُسْلِمٍ] (٧/ ٩٠):
«وقد كره جماعة من السلف التكلف للضيف، وهو محمول على ما يشق على صاحب البيت مشقة ظاهرة؛ لأنَّ ذلك يمنعه من الإخلاص وكمال السرور بالضيف، وربما ظهر عليه شيء من ذلك فيتأذى به الضيف، وقد يحضر شيئاً يعرف الضيف من حاله أنَّه يشق عليه، وأنَّه يتكلفه له فيتأذى لشفقته عليه، وكل هذا مخالف لقوله ﷺ : "من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليكرم ضيفه" لأنَّ أكمل إكرامه، إراحة خاطره، وإظهار السرور به، وأمَّا فعل الأنصاري، وذبحه الشاة فليس مما يشق عليه، بل لو ذبح أغناماً بل جمالاً وأنفق
стр. 6054
أموالاً في ضيافة رسول الله ﷺ وصاحبيه ﵄ كان مسروراً بذلك، مغبوطاً فيه. والله أعلم» اهـ.
قُلْتُ: وقد جاء في النهي عن التكلف للضيف ما رواه البزار في [سُنَنِهِ] (٢٥١٤)، والحاكم في [الْمُسْتَدْرَكِ] (٧١٤٦)، والطبراني في [الْكَبِيْرِ] (٥٩٦٢)، والبيهقي في [الشُّعَبِ] (٩١٥٣)، و [الْآدَابِ] (٧٣)، وابن أبي الدنيا في [الْجُوعِ] (٢٦٩)، وابن عدي في [الْكَامِلِ] (٣/ ٢٥٦) مِنْ طَرِيْقِ سُلَيْمَانَ بْنِ قَرْمٍ، عَنِ الْأَعْمَشِ، عَنْ أَبِي وَائِلٍ، عَنْ سَلْمَانَ ﵁، قَالَ: «نَهَانَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ أَنْ نَتَكَلَّفَ لِلضَّيْفِ مَا لَيْسَ عِنْدَنَا».
قُلْتُ: سليمان بن قرم سيء الحفظ.
ورواه أحمد (٢٣٧٨٤)، والبزار (٢٥١٥)، والطبراني في [الْكَبِيْرِ] (٥٩٦٠)، و [الْأَوْسَطِ] (٥٩٣٥)، والمحاملي في [أَمَالِيْهِ] (٢٨٩)، وابن أبي خيثمة في [تَارِيْخِهِ] (٤٤٣٦) مِنْ طَرِيْقِ قيس بن الربيع عن عثمان بن شابور عن شقيق بن سلمة به.
قُلْتُ: قيس بن الربيع ضعيف، عثمان بن شابور لم أقف له على جرح ولا تعديل.
стр. 6055
ورواه الطبراني في [الْكَبِيْرِ] (٦٠٦٤)، والحاكم في [الْمُسْتَدْرَكِ] (٧١٤٧)، وأبو نعيم في [أَخَبَارِ أَصْبَهَانَ] (١٣٦) مِنْ طَرِيْقِ الْحُسَيْنِ بْنِ الرَّمَّاسِ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ مَسْعُودٍ، عَنْ سَلْمَانَ قَالَ: «نَهَانَا رَسُولُ اللهِ ﷺ أَنْ نَتَكَلَّفَ لِلضَّيْفِ مَا لَيْسَ عِنْدَنَا».
قُلْتُ: الحسين بن رماس لا بأس به فقد روى الخطيب في [تَارِيْخِ بِغْدَادَ] (٨/ ٤٥) مِنْ طَرِيْقِ مهنأ قال: سألت أحمد عن الحسين بن الرماح فقال: «إنَّما هو الحسين بن الرماس. قُلْتُ: من أين هو. قال: من أهل المدائن. قُلْتُ: كيف هو قال: ما أرى به بأساً» اهـ.
وعبد الرحمن بن مسعود هو العبدي لا يعرف حاله.
قُلْتُ: والحديث بمجموع هذه الطرق يتقوى ويرتقي إلى الحسن.
الفائدة السابعة: في آداب الضيف.
منها: أن لا يأتي قبل موعد نضج الطعام.
ومنها: أن ينصرف إثر الانتهاء من الطعام.
ويدل عليهما قول الله : ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَدْخُلُوا بُيُوتَ النَّبِيِّ إِلَّا أَنْ يُؤْذَنَ لَكُمْ إِلَى طَعَامٍ غَيْرَ نَاظِرِينَ إِنَاهُ وَلَكِنْ إِذَا دُعِيتُمْ فَادْخُلُوا فَإِذَا طَعِمْتُمْ فَانْتَشِرُوا
стр. 6056
وَلَا مُسْتَأْنِسِينَ لِحَدِيثٍ إِنَّ ذَلِكُمْ كَانَ يُؤْذِي النَّبِيَّ فَيَسْتَحْيِي مِنْكُمْ وَاللَّهُ لَا يَسْتَحْيِي مِنَ الْحَقِّ﴾ [الأحزاب: ٥٣]
قَالَ الْعَلَّامَةُ السَّعْدِيُّ ﵀ فِي [تَفْسِيْرِهِ] ص (٦٧٠):
«يأمر تعالى عباده المؤمنين، بالتأدب مع رسول اللّه ﷺ ، في دخول بيوته فقال: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَدْخُلُوا بُيُوتَ النَّبِيِّ إِلا أَنْ يُؤْذَنَ لَكُمْ إِلَى طَعَامٍ﴾ أي: لا تدخلوها بغير إذن للدخول فيها، لأجل الطعام. وأيضًا لا تكونوا ﴿نَاظِرِينَ إِنَاهُ﴾ أي: منتظرين ومتأنين لانتظار نضجه، أو سعة صدر بعد الفراغ منه. والمعنى: أنكم لا تدخلوا بيوت النبي إلا بشرطين:
الإذن لكم بالدخول، وأن يكون جلوسكم بمقدار الحاجة، ولهذا قال: ﴿وَلَكِنْ إِذَا دُعِيتُمْ فَادْخُلُوا فَإِذَا طَعِمْتُمْ فَانْتَشِرُوا وَلا مُسْتَأْنِسِينَ لِحَدِيثٍ﴾ أي: قبل الطعام وبعده.
ثم بين حكمة النهي وفائدته فقال: ﴿إِنَّ ذَلِكُمْ﴾ أي: انتظاركم الزائد على الحاجة، ﴿كَانَ يُؤْذِي النَّبِيَّ﴾ أي: يتكلف منه ويشق عليه حبسكم إياه عن شئون بيته، واشتغاله فيه ﴿فَيَسْتَحْيِي مِنْكُمْ﴾ أن يقول لكم: "اخرجوا" كما هو جاري
стр. 6057
العادة، أن الناس -وخصوصًا أهل الكرم منهم- يستحيون أن يخرجوا الناس من مساكنهم، ﴿وَ﴾ لكن ﴿اللَّهُ لا يَسْتَحْيِي مِنَ الْحَقِّ﴾ فالأمر الشرعي، ولو كان يتوهم أنَّ في تركه أدبا وحياء، فإنَّ الحزم كل الحزم، اتباع الأمر الشرعي، وأن يجزم أن ما خالفه، ليس من الأدب في شيء. واللّه تعالى لا يستحي أن يأمركم، بما فيه الخير لكم، والرفق لرسوله كائنًا ما كان» اهـ.
ومنها: أن من كان مفطراً أن يطعم، ومن كان صائماً فليدعو لأهل البيت.
روى مسلم (١٤٣١) عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ، قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «إِذَا دُعِيَ أَحَدُكُمْ فَلْيُجِبْ فَإِنْ كَانَ صَائِمًا فَلْيُصَلِّ وَإِنْ كَانَ مُفْطِرًا فَلْيَطْعَمْ».
ومنها: أن لا يعيب الطعام فإن اشتهاه أكله، وإن لم يشتهه تركه.
روى البخاري (٣٥٦٣)، ومسلم (٥٣٤٨) عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁، قَالَ: «مَا عَابَ النَّبِيُّ ﷺ طَعَامًا قَطُّ، إِنِ اشْتَهَاهُ أَكَلَهُ وَإِلَّا تَرَكَهُ».
ومنها: أنَّه إذا قرَّب إليه الطعام أن يأكل ولا ينتظر طلب رب البيت منه ذلك حتى لا يظن به شراً وقد قال الله تعالى في قصة إبراهيم ﵊ مع أضيافه الكرام: ﴿فَلَمَّا رَأَى أَيْدِيَهُمْ لَا تَصِلُ إِلَيْهِ نَكِرَهُمْ وَأَوْجَسَ مِنْهُمْ خِيفَةً قَالُوا لَا تَخَفْ إِنَّا أُرْسِلْنَا إِلَى قَوْمِ لُوطٍ﴾ [هود: ٧٠].
стр. 6058
وقال الله تعالى: ﴿فَقَرَّبَهُ إِلَيْهِمْ قَالَ أَلَا تَأْكُلُونَ (٢٧) فَأَوْجَسَ مِنْهُمْ خِيفَةً قَالُوا لَا تَخَفْ وَبَشَّرُوهُ بِغُلَامٍ عَلِيمٍ﴾ [الذاريات: ٢٧، ٢٨].
قَالَ الْعَلَّامَةُ ابْنُ الْقَيِّمِ ﵀ فِي [جَلَاءِ الْأَفْهَامِ] ص (٢٧٣):
«الرابع عشر: أنَّه إنَّما عرض عليهم الأكل لأنَّه رآهم لا يأكلون ولم يكن ضيوفه يحتاجون معه إلى الآذن في الأكل بل كان إذا قدم إليهم الطعام أكلوا وهؤلاء الضيوف لما امتنعوا من الأكل قال:
﴿أَلَا تَأْكُلُونَ﴾ ولهذا أوجس منهم خيفة أي أحسها وأضمرها في نفسه ولم يبدها لهم» اهـ.
ومنها: ما قاله بكر بن عبد الله المزني: «أحوجٌ الناس إلى لطمةٍ من دعي إلى وليمةٍ فذهب معه بآخر، وأحوج الناس إلى لطمتين رجلٌ دخل دار قوم فقيل له اجلس ههنا فقال لا بل ههنا وأحوج النّاس إلى ثلاث لطماتٍ رجلٌ قدم إليه طعامٌ فقال لا آكل حتى يجلس معي ربّ البيت» اهـ.
ذكره الخطيب في كتاب [التَّطْفِيْلِ] (ص ٨١)، وابن عساكر في [تَارِيْخِ دِمَشْقَ] (٢٥/ ٢١٥).
стр. 6059
وَقَالَ الْقَاضِي عِيَاضٌ ﵀ فِي [تَرْتِيْبِ الْمَدَارِكِ وَتَقْرِيْبِ الْمَسَالِكِ] (١/ ٧٧): «قال أبو عوف عبد الرحمان ابن مرزوق، وذكر لعبيد الله بن محمد قاضي طرسوس عن بكر المزني، أنَّه قال: أحق الناس بلطمة من أكل طعاماً لم يدع إليه.
وأحق الناس بلطمتين من قال له صاحب المنزل: أقعد ها هنا.
وأحق الناس ثلاث لطمات من قال لصاحب المنزل: ادع ربة البيت تأكل معنا.
فقال لي: عندي أعجب من هذا، وأطرف من هذا.
كان مالك يوماً جالساً فأستأذن عليه صديق له، فأذن له، وكان لمالك بطيخة في ناحية، فرمى بمنديل عليها.
فدخل الرجل، فقال له مالك: ها هنا.
فأبى أن يقعد إلَّا على المنديل، فتفتحت تحته البطيخة.
فقال له مالك: يرحمك الله كنا أبصر بعوار منزلنا منك» اهـ.
قُلْتُ: وقول بكر المزني ﵀: «رجلٌ قدم إليه طعامٌ فقال لا آكل حتى يجلس معي ربّ البيت» يدل عليه ما رواه البخاري (٦٠٢)، ومسلم (٢٠٧٥) عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبِي بَكْرٍ، أَنَّ أَصْحَابَ الصُّفَّةِ، كَانُوا أُنَاسًا فُقَرَاءَ وَأَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: «مَنْ كَانَ عِنْدَهُ طَعَامُ اثْنَيْنِ فَلْيَذْهَبْ بِثَالِثٍ، وَإِنْ أَرْبَعٌ فَخَامِسٌ أَوْ
стр. 6060
سَادِسٌ» وَأَنَّ أَبَا بَكْرٍ جَاءَ بِثَلَاثَةٍ، فَانْطَلَقَ النَّبِيُّ ﷺ بِعَشَرَةٍ، قَالَ: فَهُوَ أَنَا وَأَبِي وَأُمِّي - فَلَا أَدْرِي قَالَ: وَامْرَأَتِي وَخَادِمٌ - بَيْنَنَا وَبَيْنَ بَيْتِ أَبِي بَكْرٍ، وَإِنَّ أَبَا بَكْرٍ تَعَشَّى عِنْدَ النَّبِيِّ ﷺ ، ثُمَّ لَبِثَ حَيْثُ صُلِّيَتِ العِشَاءُ، ثُمَّ رَجَعَ، فَلَبِثَ حَتَّى تَعَشَّى النَّبِيُّ ﷺ ، فَجَاءَ بَعْدَ مَا مَضَى مِنَ اللَّيْلِ مَا شَاءَ اللَّهُ، قَالَتْ لَهُ امْرَأَتُهُ: وَمَا حَبَسَكَ عَنْ أَضْيَافِكَ - أَوْ قَالَتْ: ضَيْفِكَ - قَالَ: أَوَمَا عَشَّيْتِيهِمْ؟ قَالَتْ: أَبَوْا حَتَّى تَجِيءَ، قَدْ عُرِضُوا فَأَبَوْا، قَالَ: فَذَهَبْتُ أَنَا فَاخْتَبَأْتُ، فَقَالَ يَا غُنْثَرُ فَجَدَّعَ وَسَبَّ، وَقَالَ: كُلُوا لَا هَنِيئًا، فَقَالَ: وَاللَّهِ لَا أَطْعَمُهُ أَبَدًا، وَايْمُ اللَّهِ، مَا كُنَّا نَأْخُذُ مِنْ لُقْمَةٍ إِلَّا رَبَا مِنْ أَسْفَلِهَا أَكْثَرُ مِنْهَا - قَالَ: يَعْنِي حَتَّى شَبِعُوا - وَصَارَتْ أَكْثَرَ مِمَّا كَانَتْ قَبْلَ ذَلِكَ، فَنَظَرَ إِلَيْهَا أَبُو بَكْرٍ فَإِذَا هِيَ كَمَا هِيَ أَوْ أَكْثَرُ مِنْهَا، فَقَالَ لِامْرَأَتِهِ: يَا أُخْتَ بَنِي فِرَاسٍ مَا هَذَا؟ قَالَتْ: لَا وَقُرَّةِ عَيْنِي، لَهِيَ الآنَ أَكْثَرُ مِنْهَا قَبْلَ ذَلِكَ بِثَلَاثِ مَرَّاتٍ، فَأَكَلَ مِنْهَا أَبُو بَكْرٍ، وَقَالَ: إِنَّمَا كَانَ ذَلِكَ مِنَ الشَّيْطَانِ - يَعْنِي يَمِينَهُ - ثُمَّ أَكَلَ مِنْهَا لُقْمَةً، ثُمَّ حَمَلَهَا إِلَى النَّبِيِّ ﷺ فَأَصْبَحَتْ عِنْدَهُ، وَكَانَ بَيْنَنَا وَبَيْنَ قَوْمٍ عَقْدٌ، فَمَضَى الأَجَلُ، فَفَرَّقَنَا اثْنَا عَشَرَ رَجُلًا، مَعَ كُلِّ رَجُلٍ مِنْهُمْ أُنَاسٌ، اللَّهُ أَعْلَمُ كَمْ مَعَ كُلِّ رَجُلٍ، فَأَكَلُوا مِنْهَا أَجْمَعُونَ، أَوْ كَمَا قَالَ.
следующие страницы →