Полный текст (8 095 стр.). Показаны 631–670 · переход к 636.
стр. 631
الماء فلا يعود إلَّا بوجود سبب آخر كان غالطاً فإنَّه قد ثبت بالنص والإجماع: أنَّه إذا قدر على استعمال الماء استعمله وإن لم يتجدد بعد الجنابة الأولى جنابة ثانية بخلاف الماء. وإن قال: أريد برفعه أنَّه رفع منع المانع فلم يبق مانعاً إلى حين وجود الماء. فقد أصاب وليس بين القولين نزاع شرعي عملي.
وعلى هذا فيقال: على كل من القولين لم يبق الحدث مانعاً مع وجود طهارة التيمم والنبي ﷺ قد جعل التراب طهوراً كما جعل الماء طهوراً لكن جعل طهارته مقيدة إلى أن يجد الماء ولم يشترط في كونه مطهراً شرطاً آخر فالمتيمم قد صار طاهراً وارتفع منع المانع للصلاة إلى أن يجد الماء فما لم يجد الماء فالمنع زائل إذا لم يتجدد سبب آخر يوجب الطهارة كما يوجب طهارة الماء وحينئذ فيكون طهوراً قبل الوقت وبعد الوقت وفي الوقت كما كان الماء طهوراً في هذه الأحوال الثلاثة، وليس بين هذا فرق مؤثر إلَّا إذا قدر على استعمال الماء فمن أبطله بخروج الوقت فقد خالف موجب الدليل.
وأيضاً فالنبي ﷺ جعل ذلك رخصة عامة لأمته. ولم يفصل بين أن يقصد التيمم بفرض أو نفل أو تلك الصلاة أو غيرها كما لم يفصل في ذلك في الوضوء فيجب التسوية بينهما والوضوء قبل الوقت فيه نزاع لكن النزاع في التيمم أشهر.
وإذا دلت السنة الصحيحة على جواز أحد الطهورين قبل الوقت فكذلك الآخر كلاهما متطهر فعل ما أمر الله به؛ ولهذا جاز عند عامة العلماء اقتداء المتوضئ والمغتسل بالمتيمم كما فعل عمرو بن العاص وأقره النبي صلى الله تعالى عليه وسلم، وكما فعل ابن عباس حيث وطئ جارية له ثم صلى بأصحابه بالتيمم،
стр. 632
وهو مذهب الأئمة الأربعة ومذهب أبي يوسف وغيره. لكن محمد بن الحسن لم يجوز ذلك؛ لنقص حال المتيمم. وأيضاً كان دخول الوقت وخروجه من غير تجدد سبب حادث لا تأثير له في بطلان الطهارة الواجبة إذ كان حال المتطهر قبل دخول الوقت وبعده سواء. والشارع حكيم إنَّما يثبت الأحكام ويبطلها بأسباب تناسبها فكما لا يبطل الطهارة بالأمكنة لا يبطل بالأزمنة وغيرها من الأوصاف التي لا تأثير لها في الشرع. فإن قيل: هذا ينتقض بطهارة الماسح على الخفين وطهارة المستحاضة وذوي الأحداث الدائمة. قيل: أمَّا طهارة الماسح على الخفين فليست واجبة بل هو مخير بين المسح وبين الخلع والغسل؛ ولهذا وقتها الشارع ولم يوقتها لدخول وقت صلاة ولا خروجها ولكن لما كانت رخصة ليست بعزيمة حد لها وقتاً محدوداً في الزمن ثلاثاً للمسافر ويوماً وليلة للمقيم؛ ولهذا لم يجز المسح في الطهارة الكبرى ولهذا لما كانت طهارة المسح على الجبيرة عزيمة لم تتوقت بل يمسح عليها إلى أن يحلها ويمسح في الطهارتين الصغرى والكبرى كما يتيمم عن الحدثين الأصغر والأكبر فإلحاق التيمم بالمسح على الجبيرة أولى من إلحاقه بالمسح على الخفين.
وأمَّا ذوو الأحداث الدائمة: كالمستحاضة فأولئك وجد في حقهم السبب الموجب للحدث وهو خروج الخارج النجس من السبيلين ولكن لأجل الضرورة رخص لهم الشارع في الصلاة معه فجاز أن تكون الرخصة مؤقتة؛ ولهذا لو تطهرت المستحاضة ولم يخرج منها شيء لم تنتقض طهارتها بخروج الوقت وإنَّما تنتقض إذا خرج الخارج في الوقت فإنَّها تصلي به إلى أن يخرج الوقت ثم لا تصلي
стр. 633
لوجود الناقض للطهارة بخلاف المتيمم فإنَّه لم يوجد بعد تيممه ما ينقض طهارته. والتيمم كالوضوء فلا يبطل تيممه إلَّا ما يبطل الوضوء ما لم يقدر على استعمال الماء وهذا بناء على قولنا وقول من وافقنا على التوقيت في مسح الخفين وعلى انتقاض الوضوء بطهارة المستحاضة فإنَّ هذا مذهب الثلاثة: أبي حنيفة والشافعي وأحمد. وأمَّا من لم ينقض الطهارة بهذا أو لم يوقت هذا كمالك فإنَّه لا يصلح لمن قال بهذا القول المعارضة بهذا وهذا؛ فإنَّه لا يتوقت عنده لا هذا ولا هذا فالتيمم أولى أن لا يتوقت. وقول القائل: إنَّ القائم إلى الصلاة مأمور بإحدى الطهارتين. قيل: نعم يجب عليه لكن إذا كان قد تطهر قبل ذلك فقد أحسن وأتى بالواجب قبل هذا كما لو توضأ قبل هذا فإنَّ كونه على طهارة قبل الوقت إلى حين الوقت أحسن من أن يبقى محدثاً وكذلك المتيمم إذا كان قد أحسن بتقديم طهارته لكونه على طهارة قبل الوقت أحسن من كونه على غير طهارة وقد ثبت بالكتاب والسنة أنَّها طهارة حتى ثبت في الصحيح أنَّ النبي ﷺ سلم عليه رجل فلم يرد عليه حتى تيمم ورد عليه¬ السلام وقال: "كرهت أن أذكر الله إلا على طهر". وإذا كان تطهر قبل الوقت كان قد أحسن وأتى بأفضل مما وجب عليه وكان كالمتطهر للصلاة قبل وقتها وكمن أدى أكثر من الواجب في الزكاة وغيرها وكمن زاد على الواجب في الركوع والسجود وهذا كله حسن إذا لم يكن محظوراً كزيادة ركعة خامسة في الصلاة. والتيمم مع عدم الماء حسن ليس بمحرم ولهذا يجوز قبل الوقت للنافلة ولمس المصحف وقراءة القرآن وما ذكر من الأثر عن بعض الصحابة فبعضه ضعيف وبعضه معارض بقول غيره ولا إجماع في المسألة.
стр. 634
وقد قال تعالى: ﴿فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلًا (٥٩)﴾ [النساء: ٥٩]» اهـ.
قلت: ولشيخ الإسلام احتجاج حسن على عدم وجوب التيمم لكل صلاة فقال ﵀ كما في [مجموع الفتاوى] (٢١/ ٣٧٤): «أحدها: أنَّه سبحانه قال: ﴿وَإِنْ كُنْتُمْ مَرْضَى أَوْ عَلَى سَفَرٍ أَوْ جَاءَ أَحَدٌ مِنْكُمْ مِنَ الْغَائِطِ أَوْ لَامَسْتُمُ النِّسَاءَ فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا صَعِيدًا طَيِّبًا (٤٣)﴾ فقد أمر من جاء من الغائط ولم يجد الماء: أن يتيمم الصعيد الطيب. فدل على أنَّ المجيء من الغائط يوجب التيمم. فلو كان الوضوء واجباً على من جاء من الغائط ومن لم يجئ فإنَّ التيمم أولى بالوجوب. فإنَّ كثيراً من الفقهاء يوجبون التيمم لكل صلاة. وعلى هذا فلا تأثير للمجيء من الغائط. فإنَّه إذا قام إلى الصلاة وجب الوضوء أو التيمم وإن لم يجئ من الغائط. ولو جاء من الغائط ولم يقم إلى الصلاة: لا يجب عليه وضوء ولا تيمم فيكون ذكر المجيء من الغائط عبثاً على قول هؤلاء» اهـ.
٣ - وقوله: «عَلَيْكَ بِالصَّعِيدِ، فَإِنَّهُ يَكْفِيكَ» احتج به وبقول الله :
﴿فَتَيَمَّمُوا صَعِيدًا طَيِّبًا﴾. من أجاز التيمم بكل ما على الأرض.
قال شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ كما في [مجموع الفتاوى] (٢١/ ٣٦٤ - ٣٦٦): «فصل: وأمَّا الصعيد: ففيه أقوال فقيل: يجوز التيمم بكل ما كان من جنس الأرض وإن لم يعلق بيده؛ كالزرنيخ والنور والجص وكالصخرة الملساء، فأمَّا ما لم يكن من جنسها كالمعادن فلا يجوز التيمم به. وهو قول أبي حنيفة. ومحمد يوافقه؛ لكن بشرط أن يكون مغبراً لقوله: "منه". وقيل يجوز بالأرض وبما
стр. 635
اتصل بها حتى بالشجر كما يجوز عنده وعند أبي حنيفة بالحجر والمدر وهو قول مالك وله في الثلج روايتان: إحداهما: يجوز التيمم به وهو قول الأوزاعي والثوري. وقيل يجوز بالتراب والرمل وهو أحد قولي أبي يوسف وأحمد في إحدى الروايتين وروي عنه أنَّه يجوز بالرمل عند عدم التراب. وقيل: لا يجوز إلَّا بتراب طاهر له غبار يعلق باليد وهو قول أبي يوسف والشافعي وأحمد في الرواية الأخرى.
واحتج هؤلاء بقوله: ﴿فَامْسَحُوا بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكُمْ مِنْهُ (٦)﴾ [المائدة: ٦] وهذا لا يكون إلَّا فيما يعلق بالوجه واليد والصخر لا يعلق لا بالوجه ولا باليد.
واحتجوا بأنَّ ابن عباس قال: الصعيد الطيب تراب الحرث. واحتجوا بقول النبي ﷺ : "جعلت لي الأرض مسجداً وجعلت تربتها طهوراً" قالوا: فعم الأرض بحكم المسجد وخص تربتها - وهو ترابها - بحكم الطهارة. قالوا: ولأنَّ الطهارة بالماء اختصت من بين سائر المائعات بما هو ماء في الأصل فكذلك طهارة التراب تختص بما هو تراب في الأصل وهما الأصلان اللذان خلق منهما آدم: الماء، والتراب. وهما العنصران البسيطان بخلاف بقية المائعات والجامدات فإنَّها مركبة.
واحتج الأولون بقوله تعالى: ﴿صَعِيدًا﴾. قالوا: والصعيد هو الصاعد على وجه الأرض وهذا يعم كل صاعد بدليل قوله تعالى: ﴿وَإِنَّا لَجَاعِلُونَ مَا عَلَيْهَا صَعِيدًا جُرُزًا (٨)﴾ [الكهف: ٨]، وقوله: ﴿فَتُصْبِحَ صَعِيدًا زَلَقًا (٤٠)﴾ [الكهف:
стр. 636
٤٠]. واحتج من لم يخص الحكم بالتراب بأنَّ النبي صلى الله تعالى عليه وسلم قال: "جعلت لي الأرض مسجداً وطهوراً فأيما رجل من أمتي أدركته الصلاة فليصل" وفي رواية: "فعنده مسجده وطهوره" فهذا يبين أنَّ المسلم في أي موضع كان عنده مسجده وطهوره.
ومعلوم أنَّ كثيراً من الأرض ليس فيها تراب حرث فإن لم يجز التيمم بالرمل كان مخالفاً لهذا الحديث، وهذه حجة من جوز التيمم بالرمل دون غيره أو قرن بذلك السبخة؛ فإنَّ من الأرض ما يكون سبخة. واختلاف التراب بذلك كاختلافه بالألوان بدليل قول النبي صلى الله تعالى عليه وسلم: "إنَّ الله خلق آدم من قبضة قبضها من جميع الأرض فجاء بنوه على قدر تلك القبضة: جاء منهم الأسود والأبيض وبين ذلك وجاء منهم السهل والحزن وبين ذلك ومنهم الخبيث والطيب وبين ذلك". وآدم إنَّما خلق من تراب والتراب الطيب والخبيث: الذي يخرج نباته بإذن ربه والذي خبث لا يخرج إلَّا نكداً يجوز التيمم به فعلم أنَّ المراد بالطيب الطاهر وهذا بخلاف الأحجار والأشجار فإنَّها ليست من جنس التراب ولا تعلق باليد؛ بخلاف الزرنيخ والنورة فإنَّها معادن في الأرض لكنها لا تنطبع كما ينطبع الذهب والفضة والرصاص والنحاس» اهـ.
قلت: أثر ابن عباس رواه ابن أبي شيبة في [مصنف] (١٧٠٢)، وابن أبي حاتم في [تفسيره] (٥٣٧٤) من طريق قَابُوسٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، قَالَ: «أَطْيَبُ الصَّعِيدِ الْحَرْثُ وَأَرْضُ الْحَرْثِ».
قلت: قَابُوسَ هو ابْنُ أَبِي ظَبْيَانَ، وَأَبُو ظَبْيَانَ اسْمُهُ حُصَيْنُ بْنُ جُنْدُبٍ.
стр. 637
قال ابن حبان ﵀ في [المجروحين] (٢/ ٢١٦):
«كَانَ رَدِيء الْحِفْظ يتفرد عَنْ أَبِيه بِمَا لَا أصل لَهُ رُبمَا رفع الْمَرَاسِيل وَأسْندَ الْمَوْقُوف» اهـ.
قلت: والذي يظهر لي هو أنَّ التيمم يكون بالتراب والرمل.
أمَّا التراب فالأدلة فيه معروفة.
وأمَّا الرمل فيدل على التيمم به من وجوه:
الوجه الأول: أنَّ النبي ﷺ وأصحابه كانوا يمرون بالأراضي الرملية ولم يكونوا يحملون التراب معهم في أسفارهم ولا شك أنَّهم كانوا يتيممون بالأرض التي يمرون بها.
الوجه الثاني: أنَّ الأرض تنقسم إلى ثلاثة أقسام: ماء، وتراب، ورمل. فأوجب الشرع للمحدث عند حضور الصلاة إذا مرَّ بالماء أن يتطهر به، وإذا مرَّ بالأراضي الترابية ولا ماء معه أن يتيمم. فبقت الأراضي الرملية وهي تمثل ثلث الأرض فلا بد أن يجعل الشارع للمسلم فيها طهوراً وليس هنالك غير التيمم بالرمل.
الوجه الثالث: أنَّ الرمل يدخل في قول الله تعالى: ﴿فَتَيَمَّمُوا صَعِيدًا طَيِّبًا﴾، وفي قول النبي ﷺ :
«عَلَيْكَ بِالصَّعِيدِ، فَإِنَّهُ يَكْفِيكَ».
الوجه الرابع: ما رواه أحمد (٢٢١٩٠) حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ أَبِي عَدِيٍّ، عَنْ سُلَيْمَانَ يَعْنِي التَّيْمِيَّ، عَنْ سَيَّارٍ، عَنْ أَبِي أُمَامَةَ، أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَالَ:
стр. 638
«فَضَّلَنِي رَبِّي عَلَى الأَنْبِيَاءِ، أَوْ قَالَ عَلَى الأُمَمِ، بِأَرْبَعٍ قَالَ: أُرْسِلْتُ إِلَى النَّاسِ كَافَّةً، وَجُعِلَتِ الأَرْضُ كُلُّهَا لِي وَلأُمَّتِي مَسْجِدًا وَطَهُورًا فَأَيْنَمَا أَدْرَكَتْ رَجُلاً مِنْ أُمَّتِي الصَّلَاةُ فَعِنْدَهُ مَسْجِدُهُ وَعِنْدَهُ طَهُورُهُ، وَنُصِرْتُ بِالرُّعْبِ مَسِيرَةَ شَهْرٍ يَقْذِفُهُ فِي قُلُوبِ أَعْدَائِي وَأَحَلَّ لَنَا الْغَنَائِمَ».
وهذا الحديث يدل على أنَّ الإنسان في أي بقعة عنده مسجده وطهوره فيدخل في هذا الأرض الرملية.
قلت: وفي إسناد الحديث سيار لم يوثقه غير ابن حبان ويشهد له حديث جابر بن عبد الله أنَّ النبي ﷺ قال: «أُعْطِيتُ خَمْسًا لَمْ يُعْطَهُنَّ أَحَدٌ قَبْلِي نُصِرْتُ بِالرُّعْبِ مَسِيرَةَ شَهْرٍ وَجُعِلَتْ لِيَ الأَرْضُ مَسْجِدًا وَطَهُورًا فَأَيُّمَا رَجُلٍ مِنْ أُمَّتِي أَدْرَكَتْهُ الصَّلَاةُ فَلْيُصَلِّ وَأُحِلَّتْ لِيَ الْمَغَانِمُ وَلَمْ تَحِلَّ لأَحَدٍ قَبْلِي وَأُعْطِيتُ الشَّفَاعَةَ، وَكَانَ النَّبِيُّ يُبْعَثُ إِلَى قَوْمِهِ خَاصَّةً وَبُعِثْتُ إِلَى النَّاسِ عَامَّةً».
رواه البخاري (٣٣٥، ٤٣٨)، ومسلم (٥٢١).
وروى ابن الجارود في [الْمُنْتَقَى] (١٢٤)، والسَّراج في [مَسْنَدِهِ] (٣١٣، ٥١٣)، ومحمد بن عبد الباقي في [مَشْيَخَتِهِ] (٧١)، ومن طريقه الضياء في [الْمُخْتَارَةِ] (١٦٥٣)
مِنْ طَرِيْقِ حَجَّاجٍ بِنِ الْمِنْهَالِ الْأَنْمَاطِيِّ، قَالَ: ثَنَا حَمَّادٌ، عَنْ ثَابِتٍ، وَحُمَيْدٍ، عَنْ أَنَسٍ، ﵁ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: «جُعِلَتْ لِي كُلُّ أَرْضٍ طَيِّبَةٍ مَسْجِدًا وَطَهُورًا».
стр. 639
وجاء من حديث أبي ذر رواه اللالكائي في [أُصُوْلِ السُّنَّةِ] (١٤٤٩) بِإِسْنَادٍ صَحِيْحٍ.
الوجه الخامس: قول النبي ﷺ في حديث جابر السابق:
«وَجُعِلَتْ لِيَ الأَرْضُ مَسْجِدًا وَطَهُورًا». يدل على أنَّ جميع الأرض طهور فيدخل في ذلك الرمل، نعم تخرج الأحجار والأشجار، لقول الله تعالى:
﴿فَتَيَمَّمُوا صَعِيدًا طَيِّبًا فَامْسَحُوا بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكُمْ مِنْهُ (٦)﴾ [المائدة: ٦]، فإنَّ الباء في قوله: ﴿بِوُجُوهِكُمْ﴾ للإلصاق، ومن في قوله: ﴿مِنْهُ﴾ للتبعيض، ولا إلصاق، ولا تبعيض في الأشجار، والأحجار الملساء التي لا غبار فيها.
الوجه السادس: أنَّ الله تعالى علل مشروعية التيمم بنفي الحرج فقال:
﴿مَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيَجْعَلَ عَلَيْكُمْ مِنْ حَرَجٍ وَلَكِنْ يُرِيدُ لِيُطَهِّرَكُمْ وَلِيُتِمَّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكُمْ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ (٦)﴾ [المائدة: ٦]، والحرج في هذه الآية نكرة في سياق النفي والنكرة في سياق النفي تفيد العموم، فالحرج المنفي عام يشمل الأراضي الترابية والأراضي الرملية.
قلت: وقد عزى هذا المذهب المرداوي في [الإنصاف] (١/ ٤٥٠) لشيخ الإسلام ابن تيمية حيث قال ﵀:
«وعنه بالرمل أيضاً، واختاره الشيخ تقي الدين» اهـ.
وقال شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ كما في [مجموع الفتاوى] (٢١/ ٣٦٥ - ٣٦٤): «واحتج من لم يخص الحكم بالتراب بأنَّ النبي صلى الله تعالى
стр. 640
عليه وسلم قال: "جعلت لي الأرض مسجداً وطهوراً فأيما رجل من أمتي أدركته الصلاة فليصل" وفي رواية: "فعنده مسجده وطهوره" فهذا يبين أنَّ المسلم في أي موضع كان عنده مسجده وطهوره.
ومعلوم أنَّ كثيراً من الأرض ليس فيها تراب حرث فإن لم يجز التيمم بالرمل كان مخالفاً لهذا الحديث وهذه حجة من جوز التيمم بالرمل دون غيره أو قرن بذلك السبخة؛ فإنَّ من الأرض ما يكون سبخة» اهـ.
وقال العلامة ابن القيم ﵀ في [زاد المعاد] (٣/ ٤٨٨): «ومنها: جواز التيمم بالرمل فإنَّ النبي ﷺ وأصحابه قطعوا الرمال التي بين المدينة وتبوك ولم يحملوا معهم تراباً بلا شك وتلك مفاوز معطشة شكوا فيها العطش إلى رسول الله ﷺ وقطعاً كانوا يتيممون بالأرض التي هم فيها نازلون هذا كله مما لا شك فيه مع قوله صلى الله عليه و سلم: "فحيثما أدركت رجلاً من أمتي الصلاة فعنده مسجده وطهوره"» اهـ.
قلت: وقد احتج القائلون بتخصيص التيمم بالتراب بحديث حذيفة قال: قال رسول الله ﷺ «فُضِّلْنَا عَلَى النَّاسِ بِثَلَاثٍ جُعِلَتْ صُفُوفُنَا كَصُفُوفِ الْمَلَائِكَةِ وَجُعِلَتْ لَنَا الْأَرْضُ كُلُّهَا مَسْجِدًا وَجُعِلَتْ تُرْبَتُهَا لَنَا طَهُورًا إِذَا لَمْ نَجِدْ الْمَاءَ». رواه مسلم (٥٢٢).
فقالوا: الحديث فيه تخصيص التراب بالطهورية في مقام الامتنان فيفهم منه أنَّ غيره من الصعيد ليس كذلك.
стр. 641
وقد أجاب عن الاستدلال به العلامة الشنقيطي ﵀ فقال في كتابه [أضواء البيان] (٦/ ٤٠ - ٤٤)
فقال ﵀: «فالجواب من ثلاثة أوجه:
الأول: أنَّ كون الأمر مذكوراً في معرض الامتنان، مما يمنع فيه اعتبار مفهوم المخالفة، كما تقرر في الأصول، قال في "مراقي السعود" في موانع اعتبار مفهوم المخالفة:
أو امتنان أو وفاق الواقع … والجهل والتأكيد عند السامع
ولذا أجمع العلماء على جواز أكل القديد من الحوت مع أنَّ الله خص اللحم الطري منه في قوله: ﴿وَهُوَ الَّذِي سَخَّرَ الْبَحْرَ لِتَأْكُلُوا مِنْهُ لَحْمًا طَرِيًّا (١٤)﴾ [النحل: ١٤]؛ لأنَّه ذكر اللحم الطري في معرض الامتنان، فلا مفهوم مخالفة له، فيجوز أكل القديد مما في البحر.
الثاني: أنَّ مفهوم التربة مفهوم لقب، وهو لا يعتبر عند جماهير العلماء، وهو الحق كما هو معلوم في الأصول.
الثالث: أنَّ التربة فرد من أفراد الصعيد. وذكر بعض أفراد العام بحكم العام لا يكون مخصصاً له عند الجمهور، سواء ذكرا في نص واحد كقوله تعالى: ﴿حَافِظُوا عَلَى الصَّلَوَاتِ وَالصَّلَاةِ الْوُسْطَى (٢٣٨)﴾ [البقرة: ٢٣٨]، أو ذكرا في نصين كحديث: "أيَّما إهاب دبغ فقد طهر" عند أحمد، ومسلم، وابن ماجه، والترمذي وغيرهم، مع حديث: "هلا انتفعتم بجلدها" يعني شاة ميتة عند الشيخين، كلاهما من حديث ابن عباس، فذكر الصلاة الوسطى في الأول، وجلد الشاة في الأخير لا
стр. 642
يقتضي أن غيرهما من الصلوات في الأول، ومن الجلود في الثاني ليس كذلك، قال في "مراقي السعود" عاطفاً على ما لا يخصص به العموم:
وذكر ما وافقه من مفرد … ومذهب الراوي على المعتمد
ولم يخالف في عدم التخصيص بذكر بعض أفراد العام بحكم العام، إلَّا أبو ثور محتجاً بأنَّه لا فائدة لذكره إلَّا التخصيص.
وأجيب من قبل الجمهور بأنَّ مفهوم اللقب ليس بحجة، وفائدة ذكر البعض نفي احتمال إخراجه من العام، والصعيد في اللغة: وجه الأرض، كان عليه تراب، أو لم يكن، قاله الخليل، وابن الأعرابي، والزجاج.
قال الزجاج: لا أعلم فيه خلافاً بين أهل اللغة قال الله تعالى: ﴿وَإِنَّا لَجَاعِلُونَ مَا عَلَيْهَا صَعِيدًا جُرُزًا (٨)﴾ [الكهف: ٨]، أي أرضاً غليظة لا تنبت شيئاً، وقال تعالى: ﴿فَتُصْبِحَ صَعِيدًا زَلَقًا (٤٠)﴾ [الكهف: ٤٠]، ومنه قول ذي الرمة:
كأنَّه بالضحى ترمى الصعيد به دبابة في عظام الرأس خرطوم
وإنَّما سمي صعيداً، لأنَّه نهاية ما يصعد إليه من الأرض، وجمع الصعيد صعدات على غير قياس، ومنه حديث: "إياكم والجلوس في الصعدات"، قاله القرطبي وغيره عنه» اهـ.
٤ - الحديث يرد على من اشترط في التراب المتطهر به أن يكون منبتاً كما هو المشهور في مذهب الشافعي وأحمد، وذلك أنَّ النبي ﷺ أمره بالصعيد، ولم يشترط فيه أن يكون منبتاً.
стр. 643
وأمَّا قول الله : ﴿فَتَيَمَّمُوا صَعِيدًا طَيِّبًا (٦)﴾ [المائدة: ٦]، فالذي عليه أكثر أهل العلم أنَّ الصعيد الطيب هو الطاهر، وقال بعضهم هو الحلال، وذهب الإمام الشافعي وأحمد في المشهور عنهما أنَّه المنبت لقول الله تعالى:
﴿وَالْبَلَدُ الطَّيِّبُ يَخْرُجُ نَبَاتُهُ بِإِذْنِ رَبِّهِ وَالَّذِي خَبُثَ لَا يَخْرُجُ إِلَّا نَكِدًا (٥٨)﴾ [الأعراف: ٥٨]. وبناء على ذلك لم يجوزوا التيمم بالأرض السبخة وهي الأرض المالحة التي لا تنبت كأرض المدينة، ولا بالرمال، وخصوا ذلك بالتراب المنبت.
قلت: الصحيح أنَّ الطيب هو الطاهر، فإنَّه المعنى المناسب للتطهير.
قال الحافظ العراقي ﵀ في [طرح التثريب] (٢/ ١١٦) بعد ذكره لحديث جابر: «المراد بالطيبة الطاهرة وبه فسر قوله تعالى: ﴿صَعِيدًا طَيِّبًا (٦)﴾ أي طاهراً» اهـ.
٥ - وفي الحديث من الفوائد الاستفسار قبل الإنكار في الأمر الذي قد يكون لصاحبه فيه عذر.
* * *
стр. 644
قال المؤلف رحمه الله تعالى:
٣٨ - عَنْ عَمَّارِ بْنِ يَاسِرٍ ﵄ قَالَ: بَعَثَنِي النَّبِيُّ ﷺ فِي حَاجَةٍ، فَأَجْنَبْتُ، فَلَمْ أَجِدِ الْمَاءَ، فَتَمَرَّغْتُ فِي الصَّعِيدِ، كَمَا تَمَرَّغُ الدَّابَّةُ، ثُمَّ أَتَيْتُ النَّبِيَّ ﷺ فَذَكَرْتُ ذَلِكَ لَهُ، فَقَالَ: «إنَّمَا يَكْفِيَكَ أَنْ تَقُولَ بِيَدَيْكَ هَكَذَا» ثُمَّ ضَرَبَ بِيَدَيْهِ الأَرْضَ ضَرْبَةً وَاحِدَةً، ثُمَّ مَسَحَ الشِّمَالَ عَلَى الْيَمِينِ، وَظَاهِرَ كَفَّيْهِ وَوَجْهَهُ.
هذا الحديث الذي أورده المؤلف هو لفظ مسلم (٣٦٨).
وفي الحديث مسائل منها:
١ - أنَّ التيمم ضربة واحدة للوجه والكفين، وهو مذهب أحمد ﵀ خلافاً للإمام أبي حنيفة، ومالك، الشافعي ﵏ فقد ذهبوا إلى أنَّ التيمم ضربتين ضربة للوجه وضربة لليدين إلى المرفقين.
وذهب الشافعي في القديم إلى أنَّ التيمم ضربتان ضربة للوجه وضربة لليدين إلى الرسغين.
وذهب ابن سيرين إلى أنَّه تيمم بثلاث ضربات: ضربة للوجه، وضربة للكفين، وضربة للذراعين إلى المرفقين.
قلت: إذا لم تكف الضربة الواحدة للمسح فلا بد من ضربة ثانية، وذلك كأن يزول جميع الغبار من اليد عند مسح الوجه.
قال شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ في [شرح عمدة الفقه] (١/ ٤١٢):
стр. 645
«فَإِذَا قِيلَ: غُبَارُ الضَّرْبَةِ الْأُولَى يَذْهَبُ بِمَسْحِ الْوَجْهِ، قُلْنَا: إِنَّمَا يُجْزِئُ إِذَا مَسَحَ الْوَجْهَ بِبُطُونِ الْأَصَابِعِ، فَيَبْقَى بَطْنُ الرَّاحَةِ لِلْيَدِ، أَوْ يَمْسَحُ الْوَجْهَ بِالطَّبَقَةِ الْأُولَى مِنَ التُّرَابِ، وَيَبْقَى عَلَى الْيَدِ غُبَارٌ يَمْسَحُهَا بِهِ، فَإِذَا لَمْ يَبْقَ غُبَارٌ لَزِمَهُ ضَرْبَةٌ ثَانِيَةٌ كَمَا إِذَا لَمْ يَبْقَ مَاءٌ لِلِاسْتِنْشَاقِ وَلَا بَلَلٌ لِلْأُذُنِ» اهـ.
قلت: ولو وضع يده على التراب من غير ضرب جاز وخالف السنة، وهكذا إذا مرغ وجهه بالتراب.
قال شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ في [شرح عمدة الفقه] (١/ ٤٢١):
«وَأَمَّا التَّمَرُّغُ فَإِنَّمَا يُجْزِئُ بِهِ فِي الْمَشْهُورِ؛ لِأَنَّهُ مَسْحٌ إِذْ لَا فَرْقَ بَيْنَ إِمْرَارِ مَحَلِّ التُّرَابِ عَلَى الْوَجْهِ أَوْ إِمْرَارِ الْوَجْهِ عَلَى مَحَلِّ التُّرَابِ، وَلَوْ وَضَعَ يَدَهُ عَلَى التُّرَابِ فَعَلِقَ بِهَا مِنْ غَيْرِ ضَرْبٍ جَازَ» اهـ.
٢ - وفي الحديث تقديم اليدين على الوجه في التيمم لكن العطف بالواو لا يقتضي الترتيب لكن وردت رواية في البخاري (٣٤٧) وفيها العطف بثم التي تقتضي الترتيب وفيه: «فَقَالَ: "إِنَّمَا كَانَ يَكْفِيكَ أَنْ تَصْنَعَ هَكَذَا". فَضَرَبَ بِكَفِّهِ ضَرْبَةً عَلَى الأَرْضِ ثُمَّ نَفَضَهَا ثُمَّ مَسَحَ بِهَا ظَهْرَ كَفِّهِ بِشِمَالِهِ، أَوْ ظَهْرَ شِمَالِهِ بِكَفِّهِ ثُمَّ مَسَحَ بِهِمَا وَجْهَهُ».
لكن قال الحافظ ابن رجب ﵀ في [فتح الباري] (٣/ ٤٣ - ٤٤): «وفي حديث أبي معاوية الذي خرجه البخاري هاهنا شيئان أنكرا على أبي معاوية:
أحدهما: ذكره مسح الوجه بعد مسح الكفين، فإنَّه قال: "ثم مسح وجهه"، وقد اختلف في هذه اللفظة على أبي معاوية، وليست هي في رواية مسلم كما ذكرناه.
стр. 646
وكذلك خرجه النسائي عن أبي كريب، عن أبي معاوية، ولفظ حديثه: "إنَّما كان يكفيك أن تقول هكذا، وضرب بيديه على الأرض ضربة فمسح كفيه، ثم نفضهما، ثم ضرب بشماله على يمينه وبيمينه على شماله، على كفيه ووجهه".
وخرجه أبو داود عن محمد بن سليمان الأنباري، عن أبي معاوية، ولفظه: "إنَّما كان يكفيك أن تصنع هكذا، فضرب بيده على الأرض فنفضهما، ثم ضرب بشماله على يمينه وبيمينه على شماله على الكفين، ثم مسح وجهه.
فاختلف على أبي معاوية في ذكر مسح الوجه، وعطفه: هل هو بالواو، أو بلفظ: "ثم"؟
وقد قال الإمام أحمد في رواية بن عَبدةَ: رواية أبي معاوية، عن الأعمش في تقديم مسح الكفين على الوجه غلط» اهـ.
وقال ﵀ (٢/ ٢٩٩ - ٣٠٠):
«وإنَّما يجب الترتيب في التيمم عن الحدث الأصغر. فأمَّا الترتيب في التيمم عن الجنابة ففيه وجهان لأصحابنا وأصحاب الشافعي:
أحدهما: أنَّه واجب - أيضاً -؛ لأنَّ صفة التيمم عن الجنابة والحدث لا تختلف بخلاف الغسل والوضوء، وأيضاً؛ فإنَّ البدن كله في غسل الجنابة كالعضو الواحد، وفي التيمم عضوان متغايران، فيلزم الترتيب بينهما كأعضاء الوضوء.
والثاني: لا يجب؛ لأنَّ التيمم عن الجنابة يلتحق بالغسل ولا ترتيب فيه، وعلى هذا الوجه فلا إشكال في توجيه رواية أبي معاوية، عن الأعمش التي خرجها
стр. 647
البخاري بتقديم الكفين على الوجه؛ لأنَّ النبي ﷺ إنَّما علم عماراً ما كان يكفيه من التيمم عن الجنابة.
وقد حكى بعضهم عن الأعمش: أنَّه كان يذهب إلى تقديم مسح الكفين على الوجه في التيمم مطلقاً، فإن صح هذا عنه دل على أنَّ ما روى عنه أبو معاوية محفوظ عن الأعمش، وأنَّ أبا معاوية حَفِظَ عنه ولم يهم فيه، كما قاله الإمام أحمد. والله أعلم.
ويحتمل أنَّ الأعمش فسر هذا التفسير من عنده كما فسره شعبة - أيضاً - من عنده كذلك بتقديم دلك اليدين على الوجه، وقد ذكرناه فيما تقدم من طريق النسائي، أو أن يكون ذلك من تفسير بعض الرواة عن شعبة والأعمش؛ فإنَّ كثيراً منهم لم يكن يفرق بين مدلول العطف بـ "ثُمَّ" وبالواو. والله تعالى أعلم» اهـ.
قلت: الأظهر أنَّه لا بد من الترتيب كما أمر الله تعالى، ويستوي في ذلك التيمم للحدثين، وذلك أنَّ الآية وردت في التيمم للحدثين.
قال شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ في [شرح عمدة الفقه] (١/ ٤٢١ - ٤٢٢):
«وَالتَّرْتِيبُ وَالْمُوَالَاةُ وَاجِبَانِ فِي التَّيَمُّمِ كَالْوُضُوءِ عِنْدَ جَمَاهِيرِ أَصْحَابِنَا، قَالَ أَحْمَدُ: يَبْدَأُ بِالْوَجْهِ ثُمَّ الْكَفَّيْنِ فِي التَّيَمُّمِ، وَمِنْهُمْ مَنْ قَالَ: لَا يُجِبْ هُنَا وَإِنْ أَوْجَبْنَاهُ فِي الْوُضُوءِ؛ لِأَنَّ التَّيَمُّمَ بِضَرْبَةٍ وَاحِدَةٍ جَائِزٌ، وَإِذَا مَسَحَ وَجْهَهُ بِبَاطِنِ أَصَابِعِهِ لَمْ يَجِبْ عَلَيْهِ أَنْ يَمْسَحَهُ بَعْدَ وَجْهِهِ، بَلْ لَوْ مَسَحَ وَجْهَهُ بِجَمِيعِ بَاطِنِ يَدَيْهِ وَبَقِيَ بِهِ
стр. 648
غُبَارٌ يَكْفِي لِظَاهِرِهِمَا لَمْ يُعِدْ مَسْحَ الْبَاطِنِ بَعْدَ الْوَجْهِ، صَرَّحَ بِهِ جَمَاعَةٌ مِنْ أَصْحَابِنَا، فَقَدْ سَقَطَ التَّرْتِيبُ فِي الْيَدِ، فَكَذَلِكَ فِي ظَاهِرِهَا.
وَوَجْهُهُ الْمَشْهُورُ أَنَّ التَّرْتِيبَ سَقَطَ فِي بَاطِنِ الْيَدِ ضَرُورَةً، فَإِنَّا إِنْ أَوْجَبْنَا مَسْحَهُ مَرَّتَيْنِ كَانَ خِلَافَ قَاعِدَةِ التَّيَمُّمِ فَيَجِبُ مِنَ التَّرْتِيبِ مَا يُمْكِنُ لِقَوْلِهِ: "إِذَا أَمَرْتُكُمْ بِأَمْرٍ فَأْتُوا مِنْهُ مَا اسْتَطَعْتُمْ"، وَلِأَنَّ مَسْحَ بَاطِنِ الْيَدِ لَمَّا حَصَلَ تَبَعًا لِمَسْحِ الْوَجْهِ سَقَطَ التَّرْتِيبُ كَمَا سَقَطَ عَنْ أَعْضَاءِ الْوُضُوءِ إِذَا أُدْخِلَتْ فِي الْغُسْلِ تَبَعًا، عَلَى أَنَّ قَوْلَ بَعْضِ أَصْحَابِنَا يَقْتَضِي التَّرْتِيبَ مُطْلَقًا فِي الْجَمِيعِ عَلَى ظَاهِرِ الْآيَةِ وَالْحَدِيثِ» اهـ.
٣ - ويدل الحديث على الاكتفاء بمسح الكفين في التيمم كما هو مذهب الإمام أحمد ومالك في رواية، وذهب أبو حنيفة، ومالك في الرواية الأخرى، والشافعي إلى أنَّ التيمم يكون إلى المرافق.
قال الحافظ ابن حجر ﵀ في [فتح الباري] (١/ ٥٢٢ - ٥٢٣): «فإنَّ الأحاديث الواردة في صفة التيمم لم يصح منها سوى حديث أبي جهيم وعمار وما عداهما فضعيف أو مختلف في رفعه ووقفه والراجح عدم رفعه، فأمَّا حديث أبي جهيم فورد بذكر اليدين مجملاً، وأمَّا حديث عمار فورد بذكر الكفين في الصحيحين وبذكر المرفقين في السنن وفي رواية إلى نصف الذراع وفي رواية إلى الآباط، فأمَّا رواية المرفقين وكذا نصف الذراع ففيهما مقال، وأمَّا رواية الآباط فقال الشافعي وغيره: إن كان ذلك وقع بأمر النبي ﷺ فكل تيمم صح للنبي ﷺ بعده فهو ناسخ له، وإن كان وقع بغير أمره
стр. 649
فالحجة فيما أمر به، ومما يقوي رواية الصحيحين في الاقتصار على الوجه والكفين كون عمار كان يفتي بعد النبي ﷺ بذلك وراوي الحديث أعرف بالمراد به من غيره ولا سيما الصحابي المجتهد» اهـ.
قلت: روى الطيالسي (١٨٥١)، وأبو داود (٣٣٠) من طريق محمد بن ثابت العبدي قال حدثنا نافع قال: «انْطَلَقْتُ مَعَ ابْنِ عُمَرَ فِي حَاجَةٍ إِلَى ابْنِ عَبَّاسٍ فَقَضَى ابْنُ عُمَرَ حَاجَتَهُ فَكَانَ مِنْ حَدِيثِهِ يَوْمَئِذٍ أَنْ قَالَ مَرَّ رَجُلٌ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فِي سِكَّةٍ مِنَ السِّكَكِ وَقَدْ خَرَجَ مِنْ غَائِطٍ أَوْ بَوْلٍ فَسَلَّمَ عَلَيْهِ فَلَمْ يَرُدَّ عَلَيْهِ حَتَّى إِذَا كَادَ الرَّجُلُ أَنْ يَتَوَارَى فِي السِّكَّةِ ضَرَبَ بِيَدَيْهِ عَلَى الْحَائِطِ وَمَسَحَ بِهِمَا وَجْهَهُ ثُمَّ ضَرَبَ ضَرْبَةً أُخْرَى فَمَسَحَ ذِرَاعَيْهِ ثُمَّ رَدَّ عَلَى الرَّجُلِ السَّلَامَ وَقَالَ: "إِنَّهُ لَمْ يَمْنَعْنِي أَنْ أَرُدَّ عَلَيْكَ السَّلَامَ إِلاَّ أَنِّى لَمْ أَكُنْ عَلَى طُهْرٍ"».
قلت: محمد بن ثابت العبدي ضعيف الحديث، وقد أنكر عليه ابن معين هذا الحديث كما في "التهذيب".
ورواه أبو داود (٣٣١) من طريق ابْنِ الْهَادِ أَنَّ نَافِعًا حَدَّثَهُ عَنِ ابْنِ عُمَرَ قَالَ:
«أَقْبَلَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ مِنَ الْغَائِطِ فَلَقِيَهُ رَجُلٌ عِنْدَ بِئْرِ جَمَلٍ فَسَلَّمَ عَلَيْهِ فَلَمْ يَرُدَّ عَلَيْهِ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ حَتَّى أَقْبَلَ عَلَى الْحَائِطِ فَوَضَعَ يَدَهُ عَلَى الْحَائِطِ ثُمَّ مَسَحَ وَجْهَهُ وَيَدَيْهِ ثُمَّ رَدَّ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَلَى الرَّجُلِ السَّلَامَ».
قلت: ابن الهاد هو: يزيد بن عبد الله بن أسامة بن الهاد الليثي، وحديثه أصح من حديث العبدي. والله أعلم.
وروى ابن ماجه (٥٧٠) حَدَّثَنَا عُثْمَانُ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا حُمَيْدُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، عَنِ ابْنِ أَبِي لَيْلَى، عَنِ الْحَكَمِ، وَسَلَمَةَ بْنِ كُهَيْلٍ، أَنَّهُمَا سَأَلَا عَبْدَ اللهِ بْنَ أَبِي
стр. 650
أَوْفَى عَنِ التَّيَمُّمِ فَقَالَ: «أَمَرَ النَّبِيُّ ﷺ عَمَّارًا أَنْ يَفْعَلَ هَكَذَا، وَضَرَبَ بِيَدَيْهِ إِلَى الأَرْضِ، ثُمَّ نَفَضَهُمَا، وَمَسَحَ عَلَى وَجْهِهِ».
قَالَ الْحَكَمُ: وَيَدَيْهِ، وَقَالَ سَلَمَةُ: وَمِرْفَقَيْهِ اهـ.
قلت: وفي إسناده محمد بن عبد الرحمن بن أبي ليلى وهو ضعيف الحديث.
وروى الدارقطني (٦٨٠) حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ مَخْلَدٍ وَإِسْمَاعِيلُ بْنُ عَلِيٍّ وَعَبْدُ الْبَاقِي بْنُ قَانِعٍ قَالُوا، حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ إِسْحَاقَ الْحَرْبِيُّ، حَدَّثَنَا عُثْمَانُ بْنُ مُحَمَّدٍ الأَنْمَاطِيُّ، حَدَّثَنَا حَرَمِيُّ بْنُ عُمَارَةَ عَنْ عَزْرَةَ بْنِ ثَابِتٍ عَنْ أَبِي الزُّبَيْرِ عَنْ جَابِرٍ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «التَّيَمُّمُ ضَرْبَةٌ لِلْوَجْهِ وَضَرْبَةٌ لِلذِّرَاعَيْنِ إِلَى الْمِرْفَقَيْنِ».
قال الدارقطني ﵀ بعد روايته للحديث: «رِجَالُهُ كُلُّهُمْ ثِقَاتٌ وَالصَّوَابُ مَوْقُوفٌ» اهـ.
ثم قال ﵀ (٦٨١) حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ مَخْلَدٍ وَإِسْمَاعِيلُ بْنُ عَلِيٍّ وَعَبْدُ الْبَاقِي بْنُ قَانِعٍ قَالُوا، حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ الْحَرْبِيُّ، حَدَّثَنَا أَبُو نُعَيْمٍ، حَدَّثَنَا عَزْرَةُ بْنُ ثَابِتٍ عَنْ أَبِي الزُّبَيْرِ عَنْ جَابِرٍ قَالَ: «جَاءَ رَجُلٌ فَقَالَ أَصَابَتْنِي جَنَابَةٌ وَإِنِّي تَمَعَّكْتُ فِي التُّرَابِ قَالَ اضْرِبْ فَضَرَبَ بِيَدِهِ الأَرْضَ فَمَسَحَ وَجْهَهُ، ثُمَّ ضَرَبَ بِيَدِهِ أُخْرَى فَمَسَحَ بِهِمَا يَدَيْهِ إِلَى الْمِرْفَقَيْنِ».
وروى الدارقطني (٦٦١) حَدَّثَنَا الْقَاضِي أَبُو عُمَرَ مُحَمَّدُ بْنُ يُوسُفَ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ إِسْحَاقَ، حَدَّثَنَا أَبُو صَالِحٍ حَدَّثَنِي اللَّيْثُ حَدَّثَنِي جَعْفَرُ بْنُ رَبِيعَةَ عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ هُرْمُزَ عَنْ عُمَيْرٍ مَوْلَى ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّهُ سَمِعَهُ يَقُولُ أَقْبَلْتُ أَنَا وَعَبْدُ اللهِ بْنُ يَسَارٍ مَوْلَى مَيْمُونَةَ زَوْجِ النَّبِيِّ ﷺ حَتَّى دَخَلْنَا عَلَى أَبِي الْجُهَيْمِ بْنِ
стр. 651
الْحَارِثِ بْنِ الصِّمَّةِ الأَنْصَارِيِّ فَقَالَ أَبُو الْجُهَيْمِ: «أَقْبَلَ رَسُولُ اللهِ ﷺ مِنْ نَحْوِ بِئْرِ جَمَلٍ فَلَقِيَهُ رَجُلٌ فَسَلَّمَ عَلَيْهِ فَلَمْ يَرُدَّ رَسُولُ اللهِ ﷺ عَلَيْهِ¬ السَّلَامَ حَتَّى أَقْبَلَ عَلَى الْجِدَارِ فَمَسَحَ بِوَجْهِهِ وَذِرَاعَيْهِ، ثُمَّ رَدَّ عَلَيْهِ¬ السَّلَامَ».
قلت: في إسناده أبو صالح كاتب الليث وهو ضعيف الحديث.
وقد رواه البخاري (٣٣٧) حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ بُكَيْرٍ قَالَ: حَدَّثَنَا اللَّيْثُ عَنْ جَعْفَرِ بْنِ رَبِيعَةَ، عَنِ الأَعْرَجِ قَالَ: سَمِعْتُ عُمَيْرًا مَوْلَى ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: أَقْبَلْتُ أَنَا وَعَبْدُ اللهِ بْنُ يَسَارٍ مَوْلَى مَيْمُونَةَ زَوْجِ النَّبِيِّ ﷺ حَتَّى دَخَلْنَا عَلَى أَبِي جُهَيْمِ بْنِ الْحَارِثِ بْنِ الصِّمَّةِ الأَنْصَارِيِّ فَقَالَ أَبُو الْجُهَيْمِ: «أَقْبَلَ النَّبِيُّ ﷺ مِنْ نَحْوِ بِئْرِ جَمَلٍ فَلَقِيَهُ رَجُلٌ فَسَلَّمَ عَلَيْهِ فَلَمْ يَرُدَّ عَلَيْهِ النَّبِيُّ ﷺ حَتَّى أَقْبَلَ عَلَى الْجِدَارِ فَمَسَحَ بِوَجْهِهِ وَيَدَيْهِ ثُمَّ رَدَّ عَلَيْهِ¬ السَّلَامَ».
وروى الدارقطني (٦٦٤) حَدَّثَنَا أَبُو سَعِيدٍ مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللهِ بْنِ إِبْرَاهِيمَ الْمَرْوَزِيُّ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ خَلَفِ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ بْنِ عُثْمَانَ بْنِ جَبَلَةَ، حَدَّثَنَا أَبُو حَاتِمٍ أَحْمَدُ بْنُ حَمْدَوَيْهِ بْنِ جَمِيلِ بْنِ مِهْرَانَ الْمَرْوَزِيُّ، حَدَّثَنَا أَبُو مُعَاذٍ، حَدَّثَنَا أَبُو عِصْمَةَ عَنْ مُوسَى بْنِ عُقْبَةَ عَنِ الأَعْرَجِ عَنْ أَبِي جُهَيْمٍ قَالَ: «أَقْبَلَ رَسُولُ اللهِ ﷺ مِنْ بِئْرِ جَمَلٍ إِمَّا مِنْ غَائِطٍ وَإِمَّا مِنْ بَوْلٍ فَسَلَّمْتُ عَلَيْهِ فَلَمْ يَرُدَّ عَلَيَّ السَلَامَ وَضَرَبَ الْحَائِطَ بِيَدِهِ ضَرْبَةً فَمَسَحَ بِهَا وَجْهَهُ، ثُمَّ ضَرَبَ أُخْرَى فَمَسَحَ بِهَا ذِرَاعَيْهِ إِلَى الْمِرْفَقَيْنِ، ثُمَّ رَدَّ عَلَيَّ السَلَامَ».
قَالَ أَبُو مُعَاذٍ وَحَدَّثَنِي خَارِجَةُ عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ عَطَاءٍ عَنْ مُوسَى بْنِ عُقْبَةَ عَنِ الأَعْرَجِ عَنْ أَبِي جُهَيْمٍ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ مِثْلَهُ اهـ.
стр. 652
قلت: أبو عصمة هو: نوح بن أبى مريم كان يضع الحديث.
وروى أبو داود (٣٢٤)، والنسائي (٣١٢) من طريق سَلَمَةَ، عَنْ ذَرٍّ، عَنِ ابْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبْزَى، عَنْ أَبِيهِ: «أَنَّ رَجُلاً أَتَى عُمَرَ فَقَالَ: إِنِّي أَجْنَبْتُ فَلَمْ أَجِدِ الْمَاءَ. قَالَ عُمَرُ: لَا تُصَلِّ. فَقَالَ عَمَّارُ بْنُ يَاسِرٍ: يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ، أَمَا تَذْكُرُ إِذْ أَنَا وَأَنْتَ فِي سَرِيَّةٍ فَأَجْنَبْنَا فَلَمْ نَجِدِ الْمَاءَ، فَأَمَّا أَنْتَ فَلَمْ تُصَلِّ، وَأَمَّا أَنَا فَتَمَعَّكْتُ فِي التُّرَابِ فَصَلَّيْتُ، فَأَتَيْنَا النَّبِيَّ ﷺ فَذَكَرْنَا ذَلِكَ لَهُ فَقَالَ: إِنَّمَا كَانَ يَكْفِيكَ، فَضَرَبَ النَّبِيُّ ﷺ يَدَيْهِ إِلَى الأَرْضِ، ثُمَّ نَفَخَ فِيهِمَا، ثُمَّ مَسَحَ بِهِمَا وَجْهَهُ وَكَفَّيْهِ - وَسَلَمَةُ شَكَّ لَا يَدْرِي فِيهِ إِلَى الْمِرْفَقَيْنِ أَوْ إِلَى الْكَفَّيْنِ -. فَقَالَ عُمَرُ: نُوَلِّيكَ مَا تَوَلَّيْتَ». هذا لفظ النسائي.
ووقع عند أبي داود، والنسائي بعد ذكره للحديث: «قَالَ شُعْبَةُ: كَانَ يَقُولُ الْكَفَّيْنِ وَالْوَجْهَ وَالذِّرَاعَيْنِ، فَقَالَ لهُ مَنْصُورٌ: مَا تَقُولُ فَإِنَّهُ لَا يَذْكُرُ الذِّرَاعَيْنِ أَحَدٌ غَيْرُكَ فَشَكَّ سَلَمَةُ فَقَالَ: لَا أَدْرِي ذَكَرَ الذِّرَاعَيْنِ أَمْ لَا».
ورواه أبو داود (٣٢٣) من طريق الأعمش عن سلمة بن كهيل بذكر الذراعين من غير شك.
قلت: هذا إسناد صحيح، وقد شك فيه سلمة بن كهيل هل قال: إلى المرفقين أو إلى الكفين. والصحيح أنَّه قال إلى الكفين.
فقد رواه الحكم بن عتيبة عن ذر بذكر الكف من غير شك وحديثه في البخاري (٣٣٨)، ومسلم (٣٦٨).
ورواه أبو داود (٣٢٧) حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْمِنْهَالِ حَدَّثَنَا يَزِيدُ بْنُ زُرَيْعٍ عَنْ سَعِيدٍ عَنْ قَتَادَةَ عَنْ عَزْرَةَ عَنْ سَعِيدِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبْزَى عَنْ أَبِيهِ عَنْ عَمَّارِ بْنِ يَاسِرٍ
стр. 653
قَالَ: «سَأَلْتُ النَّبِيَّ ﷺ عَنِ التَّيَمُّمِ فَأَمَرَنِي ضَرْبَةً وَاحِدَةً لِلْوَجْهِ وَالْكَفَّيْنِ».
وروى أبو داود (٣١٨) حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ صَالِحٍ حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ وَهْبٍ أَخْبَرَنِي يُونُسُ عَنِ ابْنِ شِهَابٍ عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُتْبَةَ حَدَّثَهُ عَنْ عَمَّارِ بْنِ يَاسِرٍ: «أَنَّهُ كَانَ يُحَدِّثُ أَنَّهُمْ تَمَسَّحُوا وَهُمْ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ بِالصَّعِيدِ لِصَلَاةِ الْفَجْرِ فَضَرَبُوا بِأَكُفِّهِمُ الصَّعِيدَ ثُمَّ مَسَحُوا وُجُوهَهُمْ مَسْحَةً وَاحِدَةً ثُمَّ عَادُوا فَضَرَبُوا بِأَكُفِّهِمُ الصَّعِيدَ مَرَّةً أُخْرَى فَمَسَحُوا بِأَيْدِيهِمْ كُلِّهَا إِلَى الْمَنَاكِبِ وَالآبَاطِ مِنْ بُطُونِ أَيْدِيهِمْ».
قلت: هذا إسناد مرسل عبيد الله لا يصح له سماع من عمار.
وقال أبو داود ﵀ (٣١٩) حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ بْنُ دَاوُدَ الْمَهْرِيُّ وَعَبْدُ الْمَلِكِ بْنُ شُعَيْبٍ عَنِ ابْنِ وَهْبٍ نَحْوَ هَذَا الْحَدِيثِ قَالَ: «قَامَ الْمُسْلِمُونَ فَضَرَبُوا بِأَكُفِّهِمُ التُّرَابَ وَلَمْ يَقْبِضُوا مِنَ التُّرَابِ شَيْئًا». فَذَكَرَ نَحْوَهُ وَلَمْ يَذْكُرِ الْمَنَاكِبَ وَالآبَاطَ.
قَالَ ابْنُ اللَّيْثِ: إِلَى مَا فَوْقَ الْمِرْفَقَيْنِ اهـ.
وقال أبو داود ﵀ (٣٢٠) حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ أَبِى خَلَفٍ وَمُحَمَّدُ بْنُ يَحْيَى النَّيْسَابُورِيُّ - فِي آخَرِينَ - قَالُوا حَدَّثَنَا يَعْقُوبُ أَخْبَرَنَا أَبِي عَنْ صَالِحٍ عَنِ ابْنِ شِهَابٍ حَدَّثَنِي عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ عَنْ عَمَّارِ بْنِ يَاسِرٍ: «أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ عَرَّسَ بِأُولَاتِ الْجَيْشِ وَمَعَهُ عَائِشَةُ فَانْقَطَعَ عِقْدٌ لَهَا مِنْ جَزْعِ ظَفَارِ فَحَبَسَ النَّاسَ ابْتِغَاءُ عِقْدِهَا ذَلِكَ حَتَّى أَضَاءَ الْفَجْرُ وَلَيْسَ مَعَ النَّاسِ مَاءٌ فَتَغَيَّظَ عَلَيْهَا أَبُو بَكْرٍ وَقَالَ حَبَسْتِ النَّاسَ وَلَيْسَ مَعَهُمْ مَاءٌ فَأَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى عَلَى رَسُولِهِ ﷺ رُخْصَةَ التَّطَهُّرِ بِالصَّعِيدِ الطَّيِّبِ
стр. 654
فَقَامَ الْمُسْلِمُونَ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَضَرَبُوا بِأَيْدِيهِمْ إِلَى الأَرْضِ ثُمَّ رَفَعُوا أَيْدِيَهُمْ وَلَمْ يَقْبِضُوا مِنَ التُّرَابِ شَيْئًا فَمَسَحُوا بِهَا وُجُوهَهُمْ وَأَيْدِيَهُمْ إِلَى الْمَنَاكِبِ وَمِنْ بُطُونِ أَيْدِيهِمْ إِلَى الآبَاطِ». زَادَ ابْنُ يَحْيَى فِي حَدِيثِهِ قَالَ ابْنُ شِهَابٍ فِي حَدِيثِهِ وَلَا يَعْتَبِرُ بِهَذَا النَّاسُ.
قَالَ أَبُو دَاوُدَ وَكَذَلِكَ رَوَاهُ ابْنُ إِسْحَاقَ قَالَ فِيهِ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ وَذَكَرَ ضَرْبَتَيْنِ كَمَا ذَكَرَ يُونُسُ، وَرَوَاهُ مَعْمَرٌ عَنِ الزُّهْرِيِّ ضَرْبَتَيْنِ وَقَالَ مَالِكٌ عَنِ الزُّهْرِيِّ عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ عَنْ أَبِيهِ عَنْ عَمَّارٍ وَكَذَلِكَ قَالَ أَبُو أُوَيْسٍ عَنِ الزُّهْرِيِّ وَشَكَّ فِيهِ ابْنُ عُيَيْنَةَ قَالَ مَرَّةً عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ عَنْ أَبِيهِ أَوْ عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ وَمَرَّةً قَالَ عَنْ أَبِيهِ وَمَرَّةً قَالَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ اضْطَرَبَ ابْنُ عُيَيْنَةَ فِيهِ وَفِى سَمَاعِهِ مِنَ الزُّهْرِيِّ وَلَمْ يَذْكُرْ أَحَدٌ مِنْهُمْ فِي هَذَا الْحَدِيثِ الضَّرْبَتَيْنِ إِلاَّ مَنْ سَمَّيْتُ اهـ.
ورواه أحمد (١٨٣٤٨)، والنسائي (٣١٣) من طريق يعقوب بن إبراهيم به.
قلت: هذا إسناد صحيح من حيث الظاهر لكن قال الحافظ ابن رجب ﵀ في [فتح الباري] (٣/ ٢٥ - ٢٦): «وقد روي عن عمار، أنَّهم تيمموا مع النبي ﷺ إلى المناكب والآباط: من رواية الزهري، عن عبيد الله بن عبد الله بن عتبة، عن ابن عباس، عن ابن عمار، قال: نزلت رخصة التطهر بالصعيد الطيب، فقام المسلمون مع النبي، فضربوا بأيديهم الأرض، ثم رفعوا أيديهم ولم يقبضوا من التراب شيئاً، فمسحوا بها وجوههم وأيديهم إلى المناكب، ومن بطون أيديهم إلى الآباط.
خرجه الإمام أحمد وأبو داود والنسائي.
стр. 655
وقد اختلف في إسناده على الزهري:
فقيل: عنه، كما ذكرنا.
وقيل: عنه، عن عبيد الله بن عبد الله بن عتبة، عن أبيه، عن عمار، كذا رواه عنه: مالك وابن عيينة، وصحح قولهما أبو زرعة وأبو حاتم الرازيان.
وقيل: عن الزهري، عن عبيد الله بن عبد الله، عن عمار - مرسلاً.
وهذا حديث منكر جداً، لم يزل العلماء ينكرونه، وقد أنكره الزهري راويه، وقال: هو لا يعتبر به الناس -: ذكره الإمام أحمد وأبو داود وغيرهما.
وروي عن الزهري، أنه امتنع أن يحدث به، وقال: لم اسمعه إلَّا من عبيد الله.
وروي عنه، أنه قال: لا ادري ما هو؟!.
وروي عن مكحول، أنه كان يغضب إذا حدث الزهري بهذا الحديث. وعن ابن عيينة، أنه امتنع أن يحدث به، وقال: ليس العمل عليه.
وسأل الإمام أحمد عنه، فقال: ليس بشيء. وقال - أيضاً -: اختلفوا في إسناده، وكان الزهري يهابه. وقال: ما أرى العمل عليه.
وعلى تقدير صحته، ففي الجواب عنه وجهان:
أحدهما: أنَّ النبي ﷺ لم يعلم أصحابه التيمم على هذه الصفة، وإنما فعلوه عند نزول الآية؛ لظنهم أنَّ اليد المطلقة تشمل اليدين والذراعين والمنكبين والعضدين، ففعلوا ذلك احتياطاً كما تمعك عمَّار بالأرض للجنابة، وضن أن تيمم الجنب يعم البدن كله كالغسل، ثم بين النبي ﷺ التيمم بفعله وقوله: "التيمم للوجه والكفين"، فرجع الصحابة
стр. 656
كلهم إلى بيانه ﷺ ، ومنهم عمَّار راوي الحديث؛ فإنه أفتى أن التيمم ضربة للوجه والكفين كما رواه حصين، عن أبي مالك، عنه، كما سبق.
وهذا الجواب ذكره إسحاق بن راهويه وغيره من الأئمة.
والثاني: ما قاله الشافعي، وأنَّه إن كان ذلك بأمر رسول الله ﷺ ، فهو منسوخ؛ لأن عماراً أخبر أن هذا أول تيمم كان حين نزلت أية التيمم، فكل تيمم كان للنبي ﷺ بعده مخالف له، فهو له ناسخ.
وكذا ذكر أبو بكر الأثرم وغيره من العلماء.
وقد حكى غير واحد من العلماء عن الزهري، أنه كان يذهب إلى هذا الحديث الذي رواه.
وروي عن عبد الوهاب بن عطاء، عن سعيد، عن قتادة، أن الزهري قال: التيمم إلى الآباط. قال سعيد: ولا يعجبنا هذا.
قلت: قد سبق عن الزهري أنَّه أنكر هذا القول، واخبر أن الناس لا يعتبرون به، فالظاهر أن رجع عنه لما علم إجماع العلماء على مخالفته. والله أعلم.
وذهب كثير من العلماء إلى أنه ينتهي المسح لليدين بالتراب إلى المرفقين:
هذا مروي عن ابن عمر وجابر ﵃ وروي -أيضاً- سالم بن عبد الله والشعبي، والحسن، والنخعي، وقتادة، وسفيان، وابن المبارك، والليث، ومالك، والشافعي، وأبي حنيفة وأصحابه.
стр. 657
واستدل بعضهم: بالأحاديث المرفوعة المروية في ذلك، ولا يثبت منها شيء، كما سبق الإشارة إلى ذلك.
واستدلوا - أيضاً-: بأنَّ الله تعالى أمر بغسل اليدين في الوضوء إلى المرفقين، ثم ذكر في التيمم مسح الوجه واليدين، فينصرف إطلاقهما في التيمم إلى تقييدهما في الوضوء، لا سيما وذلك في آية واحدة، فهو أولى من حمل المطلق على المقيد في آيتين.
وأجاب من خالفهم: بأنَّ المطلق إنما يحمل على المقيد في قضية واحدة، والوضوء والتيمم طهارتان مختلفتان، فلا يصح حمل مطلق أحدهما على مقيد الأخر.
ويدل على ذلك: أنَّ أصحاب النبي ﷺ عند نزول أية التيمم لم يفهموا حمل المطلق على المقيد فيها، بل تيمموا إلى المناكب والآباط، وهم أعلم الناس بلغة العرب، ثم بين النبي ﷺ أنَّ التيمم للوجه والكفين، وهو - أيضاً - ينافي حمل المطلق على المقيد فيها.
وذهب آخرون: إلى أنَّ التيمم يمسح فيه الكفان خاصة» اهـ.
٤ - ظاهر الحديث أنَّ النبي ﷺ مسح جميع وجهه وكفيه، وهذا هو ظاهر ما أمر الله به في القرآن.
قال الحافظ ابن رجب ﵀ في [فتح الباري] (٣/ ٢٢ - ٢٣): «وقد أجمع العلماء على أنَّ مسح الوجه واليدين بالتراب في التيمم فرض لا بد منه في الجملة؛ فإنَّ الله تعالى يقول: ﴿فَامْسَحُوا بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكُمْ مِنْهُ﴾
ولكن اختلفوا في قدر الفرض من ذلك:
стр. 658
فأمَّا الوجه: فمذهب مالك والشافعي وأحمد وجمهور العلماء: أنَّه يجب استيعاب بشرته بالمسح بالتراب، ومسح ظاهر الشعر الذي عليه، وسواء كان ذلك الشعر يجب إيصال الماء إلى ما تحته كالشعر الخفيف الذي يصف البشرة، أم لا، هذا هو الصحيح.
وفي مذهبنا ومذهب الشافعي وجه أخر: أنَّه يجب إيصال التراب إلى ما تحت الشعور التي يجب إيصال الماء إلى ما تحتها، ولا يجب عند أصحابنا إيصال الماء إلى باطن الفم والأنف، وإن وجب عندهم المضمضة والاستنشاق في الوضوء.
وعن أبي حنيفة روايات، إحداها: كقول الشافعي وأحمد. والثانية: إن ترك قدر درهم لم يجزئه، وإن ترك دونه أجزأه. والثالثة: إن ترك دون ربع الوجه أجزأه، وإلَّا فلا. والرابعة: إن مسح أكثره وترك الأقل منه أو من الذراع أجزأه، وإلَّا فلا. وحكاه الطحاوي عن أبي حنيفة وأبي يوسف وزفر.
وحكى ابن المنذر، عن سليمان بن داود الهاشمي: أنَّ مسح التيمم حكمه حكم مسح الرأس في الوضوء يجزئ فيه البعض.
وكلام الإمام أحمد يدل على حكاية الإجماع على خلاف ذلك.
قال: الجوزجاني: ثنا إسماعيل بن سعيد الشالنجي، قال: سألت أحمد بن حنبل عمن ترك مسح بعض وجهه في التيمم؟ قال: يعيد الصلاة. فقلت له: فما بال الرأس يجزئ في المسح ولم يجز أن يترك ذلك من الوجه في التيمم؟ فقال: لم يبلغنا أن أحداً ترك ذَلكَ من تيممه.
стр. 659
قَالَ الشالنجي: وقال أبو أيوب -يعني: سليمان بن داود الهاشمي-: يجزئه في التيمم أن لم يصب بعض وجهه أو بعض كفيه؛ لأنَّه بمنزلة المسح على الرأس؛ إذا ترك منه بعضاً أجزأه.
قال الجوزجاني: فذكرت ذلك ليحيى بن يحيى - يعني: النيسابوري ـ، فقال: المسح في التيمم كما يمسح الرأس، لا يتعمد لترك شيء من ذلك، فإن بقي شيء منه لم يعد، وليس هو عندي بمنزلة الوضوء.
قال الجوزجاني: لم نسمع أحداً يتبع ذلك من رأسه في المسح ولا بين أصابعه في التيمم كما يتبع في الوضوء بالتخليل، فأحسن الأقاويل منها ما ذكره يحيى بن يحيى: أن لا يتعمد ترك شيء من ذلك، فإن بقي شيء لم يعد. انتهى.
وظاهر هذا: يدل على أنَّ مذهب سليمان بن داود ويحيى بن يحيى والجوزجاني: أنَّه إذا ترك شيء من وجهه ويديه في التيمم لم يعد الصلاة. ونقل حرب، عن إسحاق، أنَّه قال تضرب بكفيك على الأرض ثم تمسح بهما وجهك، وتمر بيديك على جميع الوجه واللحية، أصاب ما أصاب وأخطأ ما أخطأ ثم تضرب مرة أخرى بكفيك.
ومراد إسحاق: أنَّه لا يشترط وصول التراب إلى جميع أجزاء الوجه، كما يقوله من يقوله من الشافعية وغيرهم، حتى نص الشافعي: أنَّه لو بقي من محل الفرض شيء لا يدركه الطرف لم يصح التيمم.
واستشكل أبو المعالي الجويني تحقق وصول التراب إلى اليدين إلى المرفقين بضربة واحدة، وقال: الذي يجب اعتقاده أنَّ الواجب استيعاب المحل بالمسح
стр. 660
باليد المغبرة من غير ربط الفكر بانبساط الغبار على جميع المحل. قال: وهذا شيء أظهر به، ولم أرَ منه بداً.
وحكى ابن عطية في "تفسيره" عن محمد بن مسلمة من المالكية: أنَّه لا يجب أن يتبع الوجه بالتراب كما يتبع بالماء وجعله كالخف وما بين الأصابع في اليدين - يعني: في التيمم.
وحكى في وجوب تخليل الأصابع وتحريك الخاتم قولين لأصحابهم: بالوجوب، والاستحباب.
وحكى ابن حزم في وجوب تخليل اللحية بالتراب اختلافاً.
وأمَّا اليدان: فأكثر العلماء على وجوب مسح الكفين: ظاهرهما وباطنهما بالتراب إلى الكوعين، وقد ذكرنا أنَّ بعض العلماء لم يوجب استيعاب ذلك بالمسح» اهـ.
وقال شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ في [شرح عمدة الفقه] (١/ ٤٢٠):
«فَأَمَّا مَا يَشُقُّ إِيصَالُ التُّرَابِ إِلَيْهِ كَبَاطِنِ الشُّعُورِ الْخَفِيفَةِ وَالْكَثِيفَةِ، فَلَا؛ لِمَا فِيهِ مِنَ الْمَشَقَّةِ، وَلِأَنَّ الْوَاجِبَ ضَرْبَةٌ أَوْ بَعْضُ ضَرْبَةٍ لِلْوَجْهِ، وَبِذَلِكَ لَا يَصِلُ التُّرَابُ إِلَى أَثْنَاءِ الشَّعْرِ» اهـ.
وقال العلامة أبو الوليد الباجي ﵀ في [المنتقى] (١/ ١١٥):
«قَالَ الشَّيْخُ أَبُو إِسْحَاقَ وَيُخَلِّلُ أَصَابِعَهُ فِي التَّيَمُّمِ وَلَيْسَ عَلَيْهِ مُتَابَعَةُ الْعُضْوَيْنِ وَوَجْهُ ذَلِكَ اسْتِيعَابُ ظَاهِرِ بَشَرَةِ الْيَدَيْنِ بِالْمَسْحِ وَقَالَ الشَّيْخُ أَبُو مُحَمَّدٍ لَمْ أَرَ تَخْلِيلَ الْأَصَابِعِ فِي التَّيَمُّمِ لِغَيْرِهِ» اهـ.
стр. 661
وقال العلامة القرافي ﵀ في [الذخيرة] (١/ ٣٥٥):
«قَالَ ابْنُ شَاسٍ: يُخَلِّلُ أَصَابِعَهُ وَيَنْزِعُ الْخَاتَمَ قِيَاسًا عَلَى الْوُضُوءِ وَقَالَ صَاحِبُ الطَّرَّازِ تَخْلِيلُ الْأَصَابِعِ فِي التَّيَمُّمِ أَوْلَى مِنَ الْوُضُوءِ لِبُلُوغِ الْمَاءِ مَا لَا يَبْلُغُهُ التُّرَابُ قَالَهُ ابْنُ شَعْبَانَ قَالَ ابْنُ أَبِي زَيْدٍ: وَمَا رَأَيْتُ ذَلِكَ لِغَيْرِهِ قَالَ قَالَ ابْنُ عَبْدِ الْحَكَمِ يَنْزِعُ الْخَاتَمَ وَمُقْتَضَى الْمَذْهَبِ أَنَّهُ لَا يَنْزِعُهُ لِأَنَّهُ أَخَفُّ مِنَ الْوُضُوءِ» اهـ.
قلت: لا أعلم دليلاً على وجوب تخليل الأصابع في التيمم ولو كان واجباً لعلمه النبي ﷺ عماراً.
٥ - قوله: «إنَّمَا يَكْفِيَكَ أَنْ تَقُولَ بِيَدَيْكَ هَكَذَا» فيه استعمال القول في معنى الفعل وقد قال بعض العلماء: إنَّ العرب استعملت القول في كل فعل.
والأصل في القول عند الإطلاق هو قول اللسان، ويطلق على الفعل بقرائن تدل عليه.
٦ - وقوله: «ثُمَّ مَسَحَ الشِّمَالَ عَلَى الْيَمِينِ». فيه نفض اليدين قبل مسح الوجه والكفين.
قال إمام الأئمة ابن خزيمة ﵀ في [صحيحه] (١/ ١٣٦):
«فَقَوْلُهُ فِي هَذَا الْخَبَرِ: ثُمَّ تَمْسَحَهُمَا هُوَ النَّفْضُ بِعَيْنِهِ وَهُوَ مَسْحُ إِحْدَى الرَّاحَتَيْنِ بِالْأُخْرَى لِيَنْفُضَ مَا عَلَيْهِمَا مِنَ التُّرَابِ» اهـ.
قلت: وكلام ابن خزيمة على رواية أبي موسى الأشعري لحديث عمار ولفظه:
«إِنَّمَا كَانَ يَكْفِيكَ أَنْ تَضْرِبَ بِكَفَّيْكَ عَلَى الأَرْضِ، ثُمَّ تَمْسَحَهُمَا، ثُمَّ تَمْسَحَ بِهِمَا وَجْهَكَ وَكَفَّيْكَ».
стр. 662
قلت: وقد فهم من ذلك الحافظ ابن رجب ﵀ مسح باطن الكف فيكون مسح باطنهما وظاهرهما فقال في [فتح الباري] (٢/ ٢٩٦):
«وفي رواية مسلم: "مسح الشمال على اليمين وظاهر كفيه"، فهذه تدل على أنَّه مسح كفيه إحداهما بالأخرى ظاهرهما وباطنهما» اهـ.
قلت: وقد جاء في بعض ألفاظ حديث عمار التصريح بذكر النفخ والنفض للكفين بعد ضربهما في التراب.
فروى البخاري (٣٣٨) من طريق سَعِيدِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبْزَى، عَنْ أَبِيهِ، قَالَ: «جَاءَ رَجُلٌ إِلَى عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ فَقَالَ: إِنِّي أَجْنَبْتُ فَلَمْ أُصِبِ الْمَاءَ فَقَالَ عَمَّارُ بْنُ يَاسِرٍ لِعُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ: أَمَا تَذْكُرُ أَنَّا كُنَّا فِي سَفَرٍ أَنَا وَأَنْتَ فَأَمَّا أَنْتَ فَلَمْ تُصَلِّ، وَأَمَّا أَنَا فَتَمَعَّكْتُ فَصَلَّيْتُ فَذَكَرْتُ لِلنَّبِيِّ ﷺ فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ : "إِنَّمَا كَانَ يَكْفِيكَ هَكَذَا". فَضَرَبَ النَّبِيُّ ﷺ بِكَفَّيْهِ الأَرْضَ وَنَفَخَ فِيهِمَا ثُمَّ مَسَحَ بِهِمَا وَجْهَهُ وَكَفَّيْهِ».
وفي رواية لمسلم (٣٦٨): «فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ : "إِنَّمَا كَانَ يَكْفِيكَ أَنْ تَضْرِبَ بِيَدَيْكَ الْأَرْضَ ثُمَّ تَنْفُخَ ثُمَّ تَمْسَحَ بِهِمَا وَجْهَكَ وَكَفَّيْكَ"».
وفي رواية للبخاري (٣٤٧): «فَذَكَرْتُ ذَلِكَ لِلنَّبِيِّ ﷺ فَقَالَ: "إِنَّمَا كَانَ يَكْفِيكَ أَنْ تَصْنَعَ هَكَذَا" فَضَرَبَ بِكَفِّهِ ضَرْبَةً عَلَى الأَرْضِ ثُمَّ نَفَضَهَا ثُمَّ مَسَحَ بِهَا ظَهْرَ كَفِّهِ بِشِمَالِهِ، أَوْ ظَهْرَ شِمَالِهِ بِكَفِّهِ ثُمَّ مَسَحَ بِهِمَا وَجْهَهُ».
قال الحافظ ابن رجب ﵀ في [فتح الباري] (٢/ ٢٣٨ - ٢٤٠):
стр. 663
«وقد اختلف العلماء في نفخ اليدين من الغبار في التيمم: فمنهم من استحبه، ومنهم من كرهه.
وروى عبد الرزاق، عن معمر، عن الزهري، عن سالم، عن ابن عمر، أنَّه كان إذا تيمم ضرب بيديه ضربة، فمسح بهما وجهه، ثم ضرب بيديه ضربة أخرى، ثم مسح بهما يديه إلى المرفقين، ولا ينفض يديه من التراب.
وكره النفض حماد وغيره، واستحبه الحسن ويحيى ابن أبي كثير.
واختلفت الرواية عن أحمد في ذَلكَ: فروي عنه أنَّه لم يذهب إلى النفخ. وروي عنه أنه قَالَ: أن شاء فعل، وإن شاء لم يفعل.
ونقل عنه الميموني قَالَ: لا ينفخهما. ثم قَالَ: ومن الناس من ينفضهما، ولست أنفضهما، وكأني للنفخ أكره.
ونقل عنه حنبل أنَّه ذكر حديث عمار هذا، وقال: اذهب إليه. قيل له: ينفخ فيهما؟ قَالَ: ينفخ فيهما ويمسحهما.
قال الخلال: العمل من مذهبه: على أنَّه يجوز فعل ذلك كله: النفخ والنفض، ويجوز تركه.
وقال غيره من أصحابنا: إن كان التراب خفيفاً كره النفخ؛ لأنَّه ينقص به كمال التعميم بالطهور، وإن كان كثيراً ففي كراهته روايتان، والصحيح: لا يكره؛ لأنَّه تخفيف لا يكره ابتداء، فكذلك دواماً.
وللشافعي في تخفيف التراب بالنفخ ونحوه قولان: أحدهما: يستحب. والثاني: لا. وقيل: إنَّ القديم استحبابه والجديد عدم استحبابه.
стр. 664
واختلف أصحابه في ذلك على طريقين: فمنهم من قال: له قولان مطلقاً. ومنهم من قال: هما منزلان على حالين، فإن كان التراب كثيراً نفخ، وإلَّا لم ينفخ.
ونقل حرب، عن إسحاق، قال: إن لزق بالكفين تراب كثير نفخهما، وإن لم يلزق بهما تراب كثير أجزأه أن لا ينفخ.
قال حرب: ووصف لنا إسحاق التيمم، فضرب بيديه، ثم نفخهما فمسح بهما وجهه، ثم ضرب بيديه الثانية ولم ينفخهما، ثم مسح ظهور الكفين: اليمنى باليسرى واليسرى باليمنى.
وروى بإسناده، عن عمار، أنَّه غمس باطن كفيه بالتراب ثم نفخ يده، ثم مسح وجهه ويديه إلى المفصل. وقال عمار: هذا التيمم.
وبإسناده: عن عبد العزيز بن أبي رواد، عن نافع، عن ابن عمر، أنَّه وصف التيمم فمسح ظهر يديه وذراعيه من لدن أصابعه إلى مرفقيه، ثم من بطن اليدين من لدن مرفقه إلى أصابعه مرتين ينفضهما.
ورواية الزهري، عن سالم، عن ابن عمر المتقدمة أصح من هذه.
وذكر بعض المالكية: أنَّ جواز نفض اليدين من التراب في التيمم قول مالك والشافعي دون استقصاء لما فيهما، لكن لخشية ما يضر به من ذلك من تلويث وجهه، أو شيء يؤذيه.
وقال ابن المنذر: ثبت أن رسول الله ﷺ لما ضرب بيديه الأرض للتيمم نفخ فيهما. واختلفوا في ذلك، فكان الشعبي يقول: ينفضهما. وقال مالك: نفضاً خفيفاً. وقال الشافعي: لا باس أن ينفض إذا بقي في يده غبار. وقال
стр. 665
إسحاق نحواً من قول الشافعي. وقال أحمد: لا يضره فعل أو لم يفعل. وقال أصحاب الرأي: ينفضهما. وكان ابن عمر لا ينفض يديه.
قال ابن المنذر: قول أحمد حسن» اهـ.
قلت: السنة صريحة وصحيحة في النفخ والنفض وهي تدل على استحباب ذلك.
وصفة التيمم عند الحنابلة بيَّنه شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ في [شرح عمدة الفقه] (١/ ٤١٤) فقال:
«قَالَ أَصْحَابُنَا: وَالْأَفْضَلُ أَنْ يَضْرِبَ بِيَدَيْهِ الصَّعِيدَ مُفَرَّجَةً أَصَابِعُهُ، وَيَمْسَحَ ظَاهِرَ كَفِّهِ الْيُمْنَى بِبَاطِنِ رَاحَتِهِ الْيُسْرَى بِأَنْ يُمِرَّ الرَّاحَةَ مِنْ رُءُوسِ أَصَابِعِ الْيَدِ الْيُمْنَى حَتَّى تَنْتَهِيَ إِلَى الْكُوعِ، ثُمَّ يَمْسَحُ ظَاهِرَ إِبْهَامِ الْيُمْنَى بِبَاطِنِ إِبْهَامِ الْيُسْرَى، ثُمَّ يَمْسَحُ الْيُسْرَى بِالْيُمْنَى كَذَلِكَ، وَيُخَلِّلُ بَيْنَ الْأَصَابِعِ، وَلَوْ مَسَحَ الْوَجْهَ بِجَمِيعِ الْيَدَيْنِ ثُمَّ مَسَحَ إِحْدَاهُمَا بِالْأُخْرَى جَازَ وَإِنْ لَمْ يَبْقَ عَلَيْهِمَا غُبَارٌ وَاحْتَاجَ إِلَى ضَرْبَةٍ أُخْرَى؛ لِأَنَّهُ لَا بُدَّ مِنْ مَسْحِ الْوَجْهِ وَالْيَدَيْنِ بِالصَّعِيدِ، هَكَذَا ذَكَرَ طَائِفَةٌ مِنْ أَصْحَابِنَا، وَهُوَ ظَاهِرُ الْمَنْقُولِ عَنْ أَحْمَدَ.
قَالَ أَبُو دَاوُدَ: " رَأَيْتُ أَحْمَدَ عَلَّمَ رَجُلًا التَّيَمُّمَ، فَضَرَبَ بِيَدَيْهِ عَلَى الْأَرْضِ ضَرْبَةً خَفِيفَةً، ثُمَّ مَسَحَ إِحْدَاهُمَا بِالْأُخْرَى مَسْحًا خَفِيفًا، كَأَنَّهُ نَفَضَ مِنْهُمَا التُّرَابَ، ثُمَّ مَسَحَ بِهِمَا وَجْهَهُ مَرَّةً، ثُمَّ مَسَحَ كَفَّيْهِ إِحْدَاهُمَا بِالْأُخْرَى ".
وَقَالَ الْقَاضِي: " لَا يَجُوزُ أَنْ يَمْسَحَ وَجْهَهُ بِجَمِيعِ كَفَّيْهِ لِأَنَّهُ يَصِيرُ التُّرَابُ الَّذِي عَلَى رَاحَتَيْهِ مُسْتَعْمَلًا، فَإِذَا مَسَحَ بِهِ ظَهْرَ كَفَّيْهِ لَمْ يُجْزِئْهُ ". وَهَذَا ضَعِيفٌ؛ لِأَنَّ
стр. 666
الْمُسْتَعْمَلَ مَا وَصَلَ إِلَى الْوَجْهِ، أَمَّا مَا يَبْقَى فِي الْيَدِ فَلَيْسَ بِمُسْتَعْمَلٍ كَمَا تَقَدَّمَ مِثْلَ هَذَا فِي الْوُضُوءِ» اهـ.
٧ - ظاهر الحديث أنَّ ظاهر الكفين يمسحان من غير حاجة إلى إعادة مسح باطنهما، وذلك أنَّه إذا مسح ظهر كفه اليمنى ببطن كفه اليسرى، والعكس كذلك فإنَّه يكون قد مسح حينئذ باطن كفيه.
وقال شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ كما في [مجموع الفتاوى] (٢١/ ٤٢٢ - ٤٢٧):
«وَقَدْ اخْتَلَفَ الْأَصْحَابُ فِي هَذِهِ الصِّفَةِ. فَقِيلَ: يُرَتِّبُ. فَيَمْسَحُ وَجْهَهُ بِبُطُونِ أَصَابِعِهِ وَظَاهِرِ يَدَيْهِ بِرَاحَتِهِ. وَقِيلَ: لَا يَجِبُ ذَلِكَ. بَلْ يَمْسَحُ بِهِمَا وَجْهَهُ وَظَاهِرَ كَفَّيْهِ.
وَعَلَى الْوَجْهَيْنِ: لَا يُؤَخِّرُ مَسْحَ الرَّاحَتَيْنِ إلَى مَا بَعْدَ الْوَجْهِ. بَلْ يَمْسَحُهُمَا: إمَّا قَبْلَ الْوَجْهِ وَإِمَّا مَعَ الْوَجْهِ وَظُهُورِ الْكَفَّيْنِ. وَلِهَذَا قَالَ ابْنُ عَقِيلٍ: رَأَيْت التَّيَمُّمَ بِضَرْبَةٍ وَاحِدَةٍ قَدْ أَسْقَطَ تَرْتِيبًا مُسْتَحَقًّا فِي الْوُضُوءِ. وَهُوَ أَنَّهُ بَعْدَ أَنْ مَسَحَ بَاطِنَ يَدَيْهِ مَسَحَ وَجْهَهُ. وَفِي الصَّحِيحَيْنِ مِنْ حَدِيثِ عَمَّارِ بْنِ يَاسِرٍ مِنْ طَرِيقِ أَبِي مُوسَى ﵄ قَالَ: "إنَّمَا يَكْفِيك أَنْ تَقُولَ بِيَدَيْك هَكَذَا". ثُمَّ ضَرَبَ بِيَدَيْهِ الْأَرْضَ ضَرْبَةً وَاحِدَةً. ثُمَّ مَسَحَ الشِّمَالَ عَلَى الْيَمِينِ وَظَاهِرَ كَفَّيْهِ وَوَجْهَهُ. لَفْظُ الْبُخَارِيِّ: وَضَرَبَ بِكَفَّيْهِ ضَرْبَةً عَلَى الْأَرْضِ. ثُمَّ نَفَضَهُمَا ثُمَّ مَسَحَ بِهِمَا ظَهْرَ كَفِّهِ بِشَمَالِهِ - أَوْ ظَهْرَ شِمَالِهِ بِكَفِّهِ - ثُمَّ مَسَحَ بِهِمَا وَجْهَهُ. وَهَذَا صَرِيحٌ فِي أَنَّهُ لَمْ يَمْسَحْ الرَّاحَتَيْنِ بَعْدَ الْوَجْهِ. وَلَا يَخْتَلِفُ مَذْهَبُ أَحْمَد: أَنَّ ذَلِكَ لَا يَجِبُ.
стр. 667
وَأَمَّا ظُهُورُ الْكَفَّيْنِ: فَرِوَايَةُ الْبُخَارِيِّ صَرِيحَةٌ فِي أَنَّهُ مَرَّ عَلَى ظَهْرِ الْكَفِّ قَبْلَ الْوَجْهِ، وَقَوْلُهُ فِي الرِّوَايَةِ الْأُخْرَى: "وَظَاهِرَ كَفَّيْهِ" يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ مَسَحَ ظَاهِرَ كُلٍّ مِنْهُمَا بِرَاحَةِ الْيَدِ الْأُخْرَى. وَقَالَ فِيهَا: ثُمَّ مَسَحَ الشِّمَالَ عَلَى الْيَمِينِ وَظَاهِرَ كَفَّيْهِ قَبْلَ الْوَجْهِ. وَقَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ: فَرْضُ الرَّاحَتَيْنِ سَقَطَ بِإِمْرَارِ كُلِّ وَاحِدَةٍ عَلَى ظَهْرِ
الْكَفِّ. وَهَذَا إنَّمَا يُوجِبُ سُقُوطَ فَرْضِ بَاطِنِ الرَّاحَةِ. وَأَمَّا بَاطِنُ الْأَصَابِعِ: فَعَلَى مَا ذَكَرَهُ سَقَطَ مَعَ الْوَجْهِ. وَعَلَى كُلِّ حَالٍ: فَبَاطِنُ الْيَدَيْنِ يُصِيبُهُمَا التُّرَابُ حِينَ يَضْرِبُ بِهِمَا الْأَرْضَ وَحِينَ يَمْسَحُ بِهِمَا الْوَجْهَ وَظَهْرَ الْكَفَّيْنِ. وَإِنْ مَسَحَ إحْدَاهُمَا بِالْأُخْرَى فَهُوَ ثَلَاثُ مَرَّاتٍ. وَلَوْ كَانَ التَّرْتِيبُ وَاجِبًا لَوَجَبَ أَنْ يَمْسَحَ بَاطِنَهُمَا بَعْدَ الْوَجْهِ. وَهَذَا لَا يُمْكِنُ مَعَ الْقَوْلِ بِضَرْبَةٍ وَاحِدَةٍ. وَلَوْ فَعَلَ ذَلِكَ لَلَزِمَ تَكْرَارُ مَسْحِهِمَا مَرَّةً بَعْدَ مَرَّةٍ. فَسَقَطَ لِذَلِكَ. فَإِنَّ التَّيَمُّمَ لَا يُشْرَعُ فِيهِ التَّكْرَارُ بِخِلَافِ الْوُضُوءِ. فَإِنَّهُ - وَإِنْ غَسَلَ يَدَيْهِ ابْتِدَاءً وَأَخَذَ بِهِمَا الْمَاءَ لِوَجْهِهِ فَهُوَ - بَعْدَ الْوَجْهِ يَغْسِلُهُمَا إلَى الْمِرْفَقَيْنِ. وَهُوَ يَأْخُذُ الْمَاءَ - بِهِمَا. فَيَتَكَرَّرُ غَسْلُهُمَا؛ لِأَنَّ الْوُضُوءَ يُسْتَحَبُّ فِيهِ التَّكْرَارُ فِي الْجُمْلَةِ. لِأَنَّهُ طَهَارَةٌ بِالْمَاءِ؛ وَلَكِنْ لَوْ لَمْ يَغْسِلْ كَفَّيْهِ بَعْدَ غَسْلِ الْوَجْهِ فَهُوَ مَحَلُّ نَظَرٍ فَإِنَّهُ يَغْرِفُ بِهِمَا الْمَاءَ وَقَدْ قَالُوا: إذَا نَوَى الِاغْتِرَافَ لَمْ يَصِرْ الْمَاءُ مُسْتَعْمَلًا وَإِنْ نَوَى غَسْلَهُمَا فِيهِ: صَارَ مُسْتَعْمَلًا وَإِنْ لَمْ يَنْوِ شَيْئًا فَفِيهِ وَجْهَانِ. وَالصَّحِيحُ: أَنَّهُ لَا يَصِيرُ مُسْتَعْمَلًا وَإِنْ نَوَى غَسْلَهُمَا فِيهِ؛ لِمَجِيءِ السُّنَّةِ بِذَلِكَ وَهَذَا يَقْتَضِي أَنَّ غَسْلَهُمَا بِنِيَّةِ الِاغْتِرَافِ لَا تَحْصُلُ بِهِ طَهَارَتُهُمَا بَلْ لَا بُدَّ مِنْ غَسْلٍ آخَرَ.
وَالْأَقْوَى: أَنَّ هَذَا لَا يَجِبُ بَلْ غَسْلُهُمَا بِنِيَّةِ الِاغْتِرَافِ يُجْزِئُ عَنْ تَكْرَارِ غَسْلِهِمَا كَمَا فِي التَّيَمُّمِ. وَأَيْضًا فَإِنَّهُ يَغْسِلُ ذِرَاعَيْهِ بِيَدَيْهِ؛ فَيَكُونُ هَذَا غَسْلًا لِبَاطِنِ الْيَدِ. وَلَوْ
стр. 668
قِيلَ: بَلْ بَقِيَ غَسْلُهُمَا ابْتِدَاءً وَمَعَ الْوَجْهِ يَسْقُطُ فَرْضُهُمَا كَمَا قِيلَ مِثْلُ ذَلِكَ فِي التَّيَمُّمِ: لَكَانَ مُتَوَجِّهًا. فَإِنَّهُ قَالَ فِي الْوُضُوءِ: ﴿فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ (٦)﴾ [المائدة: ٦] كَمَا قَالَ فِي التَّيَمُّمِ: ﴿فَامْسَحُوا بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكُمْ مِنْهُ (٦)﴾ [المائدة: ٦] فَفِي الْوُضُوءِ أَخَّرَ ذِكْرَ الْيَدِ. لَكِنَّ الرِّوَايَةَ الَّتِي انْفَرَدَ بِهَا الْبُخَارِيُّ: تُبَيِّنُ أَنَّهُ مَسَحَ ظَهْرَ الْكَفَّيْنِ قَبْلَ الْوَجْهِ. وَسَائِرُ الرِّوَايَاتِ مُجْمَلَةٌ تَقْتَضِي أَنَّهُ لَمَّا مَسَحَ لَمْ يَمْسَحْ الرَّاحَتَيْنِ بَعْدَ الْوَجْهِ فَكَذَلِكَ ظَهْرُ الْكَفَّيْنِ بَلْ مَسَحَ ظَهْرَهُمَا مَعَ بَطْنِهِمَا؛ لِأَنَّ مَسْحَهُمَا جُمْلَةً أَقْرَبُ إلَى التَّرْتِيبِ. فَإِنَّ مَسْحَ الْعُضْوِ الْوَاحِدِ بَعْضَهُ مَعَ بَعْضٍ أَوْلَى مِنْ تَفْرِيقِ ذَلِكَ.
وَأَيْضًا: فَتَكُونُ الرَّاحَتَانِ مَمْسُوحَتَيْنِ مَعَ ظَهْرِ الْكَفِّ. وَالِاعْتِدَادُ بِذَلِكَ أَوْلَى مِنْ الِاعْتِدَادِ بِمَسْحِهِمَا مَعَ الْوَجْهِ. وَمَا ذَكَرَهُ بَعْضُ الْأَصْحَابِ - مِنْ أَنَّهُ يَجْعَلُ الْأَصَابِعَ لِلْوَجْهِ وَبُطُونَ الرَّاحَتَيْنِ لِظُهُورِ الْكَفَّيْنِ - خِلَافُ مَا جَاءَتْ بِهِ الْأَحَادِيثُ.
وَلَيْسَ فِي كَلَامِ أَحْمَد مَا يَدُلُّ عَلَيْهِ. وَهُوَ مُتَعَسِّرٌ أَوْ مُتَعَذِّرٌ. وَهُوَ بِدْعَةٌ لَا أَصْلَ لَهَا فِي الشَّرْعِ. وَبُطُونُ الْأَصَابِعِ لَا تَكَادُ تَسْتَوْعِبُ الْوَجْهَ. وَإِنَّمَا احْتَاجُوا إلَى هَذَا لِيَجْعَلُوا بَعْضَ التُّرَابِ لِظَاهِرِ الْكَفَّيْنِ بَعْدَ الْوَجْهِ. فَيُقَالُ لَهُمْ: كَمَا أَنَّ الرَّاحَتَيْنِ لَا يُمْسَحَانِ بَعْدَ الْوَجْهِ بِلَا نِزَاعٍ فَكَذَلِكَ ظَهْرُ الْكَفَّيْنِ. فَإِنَّهُمْ - وَإِنْ مَسَحُوا ظَهْرَ الْكَفَّيْنِ بِالرَّاحَتَيْنِ بِبُطُونِ الْأَصَابِعِ - مَسَحُوا مَعَ الْوَجْهِ: مَسَحَ بِالْيَدَيْنِ قَبْلَ الْوَجْهِ كَمَا قَالَ ابْنُ عَقِيلٍ؛ وَلِهَذَا اخْتَارَ الْمَجْدُ: أَنَّهُ لَا يَجِبُ التَّرْتِيبُ فِيهِ بَلْ يَجُوزُ مَسْحُ ظَهْرِ الْكَفَّيْنِ قَبْلَ الْوَجْهِ كَمَا دَلَّ عَلَيْهِ الْحَدِيثُ الصَّحِيحُ وَالْحَدِيثُ الصَّحِيحُ يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ
стр. 669
يَمْسَحُ الْوَجْهَ وَظَاهِرَ الْكَفَّيْنِ بِذَلِكَ التُّرَابِ وَأَنَّ مَسْحَ ظَهْرِ الْكَفَّيْنِ بِمَا بَقِيَ فِي الْيَدَيْنِ مِنْ التُّرَابِ يَكْفِي لِظَهْرِ الْكَفَّيْنِ. فَإِنَّ أَلْفَاظَ الْحَدِيثِ كُلَّهَا تَتَعَلَّقُ بِأَنَّهُ يَمْسَحُ وَجْهَهُ بِيَدَيْهِ وَمَسْحُ الْيَدَيْنِ إحْدَاهُمَا بِالْأُخْرَى: لَمْ يَجْعَلْ بَعْضَ بَاطِنِ الْيَدِ لِلْوَجْهِ وَبَعْضَهُ لِلْكَفَّيْنِ بَلْ بِبَاطِنِ الْيَدَيْنِ مَسَحَ وَجْهَهُ وَمَسَحَ كَفَّيْهِ وَمَسَحَ إحْدَاهُمَا بِالْأُخْرَى. وَأَجَابَ الْقَاضِي وَمَنْ وَافَقَهُ - مُتَابَعَةً لِأَصْحَابِ الشَّافِعِيِّ - بِأَنَّهُ إذَا تَيَمَّمَ لِجُرْحِ فِي عُضْوٍ: يَكُونُ التَّيَمُّمُ فِيهِ عِنْدَ وُجُوبِ غَسْلِهِ فَيَفْصِلُ بِالتَّيَمُّمِ بَيْنَ أَبْعَاضِ الْوُضُوءِ هَذَا فِعْلٌ مُبْتَدَعٌ وَفِيهِ ضَرَرٌ عَظِيمٌ وَمَشَقَّةٌ لَا تَأْتِي بِهَا الشَّرِيعَةُ. وَهَذَا وَنَحْوُهُ إسْرَافٌ فِي وُجُوبِ التَّرْتِيبِ حَيْثُ لَمْ يُوجِبْهُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ. والْنُّفَاةِ يُجَوِّزُونَ التَّنْكِيسَ لِغَيْرِ عُذْرٍ وَخِيَارُ الْأُمُورِ أَوْسَاطُهَا وَدِينُ اللَّهِ بَيْنَ الْغَالِي وَالْجَافِي. وَاَللَّهُ أَعْلَمُ» اهـ.
وقال العلامة ابن قدامة ﵀ في [المغني] (١/ ١٨٦):
«فَيَضْرِبُ ضَرْبَةً وَاحِدَةً، فَيَمْسَحُ وَجْهَهُ بِبَاطِنِ أَصَابِعِ يَدَيْهِ، وَظَاهِرَ كَفَّيْهِ إلَى الْكُوعَيْنِ بِبَاطِنِ رَاحَتَيْهِ، وَيُسْتَحَبُّ أَنْ يَمْسَحَ إحْدَى الرَّاحَتَيْنِ بِالْأُخْرَى، وَيُخَلِّلَ بَيْنَ الْأَصَابِعِ، وَلَيْسَ بِفَرْضٍ؛ لِأَنَّ فَرْضَ الرَّاحَتَيْنِ قَدْ سَقَطَ بِإِمْرَارِ كُلِّ وَاحِدَةٍ عَلَى ظَهْرِ الْكَفِّ» اهـ.
٨ - وفي الحديث التيمم في السفر لمن لم يجد الماء، وفي التيمم في الحضر نزاع، والأكثر على مشروعيته، وخالف أبو حنيفة في رواية فذهب إلى أنَّه لا يصلي حتى يجد الماء.
стр. 670
والصحيح مشروعية التيمم في الحضر لحديث أبي ذر وأبي هريرة فإنَّ النبي ﷺ أخبر فيهما أنَّ الصعيد الطيب وضوء المسلم إذا لم يجد الماء، وهذا يشمل السفر والحضر، والآية ذكر فيها السفر باعتبار الغالب ولا مفهوم لها.
وفي إعادة الصلاة عند وجدان الماء نزاع بين العلماء فمنهم من أوجب الإعادة كالشافعي وأحمد في رواية.
ومنهم من لم يوجب الإعادة كمالك وأحمد في الرواية الأخرى.
وهذا هو الصحيح فإنَّ الأمر بالإعادة يفتقر إلى دليل.
قال شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ كما في [مجموع الفتاوى] (٢١/ ٤٤٠ - ٤٤١):
«التَّيَمُّمُ جَائِزٌ إذَا عَدِمَ الْمَاءَ وَخَافَ الْمَرَضَ بِاسْتِعْمَالِهِ كَمَا نَبَّهَ اللَّهُ تَعَالَى عَلَى ذَلِكَ بِذِكْرِ الْمَرِيضِ وَذِكْرِ مَنْ لَمْ يَجِدْ الْمَاءَ. فَمَنْ كَانَ الْمَاءُ يَضُرُّهُ بِزِيَادَةِ فِي مَرَضِهِ لِأَجْلِ جُرْحٍ بِهِ أَوْ مَرَضٍ أَوْ لِخَشْيَةِ الْبَرْدِ وَنَحْوِ ذَلِكَ فَإِنَّهُ يَتَيَمَّمُ سَوَاءٌ كَانَ جُنُبًا أَوْ مُحْدِثًا وَيُصَلِّي. وَإِذَا جَازَ لَهُ الصَّلَاةُ جَازَ لَهُ الطَّوَافُ وَقِرَاءَةُ الْقُرْآنِ وَمَسُّ الْمُصْحَفِ وَاللُّبْثُ فِي الْمَسْجِدِ. وَلَا إعَادَةَ عَلَيْهِ إذَا صَلَّى سَوَاءٌ كَانَ فِي الْحَضَرِ أَوْ فِي السَّفَرِ فِي أَصَحِّ قَوْلَيْ الْعُلَمَاءِ. فَإِنَّ الصَّحِيحَ أَنَّ كُلَّ مَنْ فَعَلَ مَا أُمِرَ بِهِ بِحَسَبِ قُدْرَتِهِ مِنْ غَيْرِ
تَفْرِيطٍ مِنْهُ وَلَا عُدْوَانٍ فَلَا إعَادَةَ عَلَيْهِ لَا فِي الصَّلَاةِ وَلَا فِي الصِّيَامِ وَلَا الْحَجِّ. وَلَمْ يُوجِبْ اللَّهُ عَلَى الْعَبْدِ أَنْ يُصَلِّيَ الصَّلَاةَ الْوَاحِدَةَ مَرَّتَيْنِ وَلَا يَصُومَ شَهْرَيْنِ فِي عَامٍ وَلَا يَحُجَّ حجين. إلَّا أَنْ يَكُونَ مِنْهُ تَفْرِيطٌ أَوْ عُدْوَانٌ. فَإِنْ نَسِيَ الصَّلَاةَ كَانَ عَلَيْهِ أَنْ يُصَلِّيَهَا إذَا ذَكَرَهَا وَكَذَلِكَ إذَا نَسِيَ بَعْضَ فَرَائِضِهَا: كَالطَّهَارَةِ وَالرُّكُوعِ
следующие страницы →