Полный текст (8 095 стр.). Показаны 6056–6095 · переход к 6061.
стр. 6056
وَلَا مُسْتَأْنِسِينَ لِحَدِيثٍ إِنَّ ذَلِكُمْ كَانَ يُؤْذِي النَّبِيَّ فَيَسْتَحْيِي مِنْكُمْ وَاللَّهُ لَا يَسْتَحْيِي مِنَ الْحَقِّ﴾ [الأحزاب: ٥٣]
قَالَ الْعَلَّامَةُ السَّعْدِيُّ ﵀ فِي [تَفْسِيْرِهِ] ص (٦٧٠):
«يأمر تعالى عباده المؤمنين، بالتأدب مع رسول اللّه ﷺ ، في دخول بيوته فقال: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَدْخُلُوا بُيُوتَ النَّبِيِّ إِلا أَنْ يُؤْذَنَ لَكُمْ إِلَى طَعَامٍ﴾ أي: لا تدخلوها بغير إذن للدخول فيها، لأجل الطعام. وأيضًا لا تكونوا ﴿نَاظِرِينَ إِنَاهُ﴾ أي: منتظرين ومتأنين لانتظار نضجه، أو سعة صدر بعد الفراغ منه. والمعنى: أنكم لا تدخلوا بيوت النبي إلا بشرطين:
الإذن لكم بالدخول، وأن يكون جلوسكم بمقدار الحاجة، ولهذا قال: ﴿وَلَكِنْ إِذَا دُعِيتُمْ فَادْخُلُوا فَإِذَا طَعِمْتُمْ فَانْتَشِرُوا وَلا مُسْتَأْنِسِينَ لِحَدِيثٍ﴾ أي: قبل الطعام وبعده.
ثم بين حكمة النهي وفائدته فقال: ﴿إِنَّ ذَلِكُمْ﴾ أي: انتظاركم الزائد على الحاجة، ﴿كَانَ يُؤْذِي النَّبِيَّ﴾ أي: يتكلف منه ويشق عليه حبسكم إياه عن شئون بيته، واشتغاله فيه ﴿فَيَسْتَحْيِي مِنْكُمْ﴾ أن يقول لكم: "اخرجوا" كما هو جاري
стр. 6057
العادة، أن الناس -وخصوصًا أهل الكرم منهم- يستحيون أن يخرجوا الناس من مساكنهم، ﴿وَ﴾ لكن ﴿اللَّهُ لا يَسْتَحْيِي مِنَ الْحَقِّ﴾ فالأمر الشرعي، ولو كان يتوهم أنَّ في تركه أدبا وحياء، فإنَّ الحزم كل الحزم، اتباع الأمر الشرعي، وأن يجزم أن ما خالفه، ليس من الأدب في شيء. واللّه تعالى لا يستحي أن يأمركم، بما فيه الخير لكم، والرفق لرسوله كائنًا ما كان» اهـ.
ومنها: أن من كان مفطراً أن يطعم، ومن كان صائماً فليدعو لأهل البيت.
روى مسلم (١٤٣١) عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ، قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «إِذَا دُعِيَ أَحَدُكُمْ فَلْيُجِبْ فَإِنْ كَانَ صَائِمًا فَلْيُصَلِّ وَإِنْ كَانَ مُفْطِرًا فَلْيَطْعَمْ».
ومنها: أن لا يعيب الطعام فإن اشتهاه أكله، وإن لم يشتهه تركه.
روى البخاري (٣٥٦٣)، ومسلم (٥٣٤٨) عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁، قَالَ: «مَا عَابَ النَّبِيُّ ﷺ طَعَامًا قَطُّ، إِنِ اشْتَهَاهُ أَكَلَهُ وَإِلَّا تَرَكَهُ».
ومنها: أنَّه إذا قرَّب إليه الطعام أن يأكل ولا ينتظر طلب رب البيت منه ذلك حتى لا يظن به شراً وقد قال الله تعالى في قصة إبراهيم ﵊ مع أضيافه الكرام: ﴿فَلَمَّا رَأَى أَيْدِيَهُمْ لَا تَصِلُ إِلَيْهِ نَكِرَهُمْ وَأَوْجَسَ مِنْهُمْ خِيفَةً قَالُوا لَا تَخَفْ إِنَّا أُرْسِلْنَا إِلَى قَوْمِ لُوطٍ﴾ [هود: ٧٠].
стр. 6058
وقال الله تعالى: ﴿فَقَرَّبَهُ إِلَيْهِمْ قَالَ أَلَا تَأْكُلُونَ (٢٧) فَأَوْجَسَ مِنْهُمْ خِيفَةً قَالُوا لَا تَخَفْ وَبَشَّرُوهُ بِغُلَامٍ عَلِيمٍ﴾ [الذاريات: ٢٧، ٢٨].
قَالَ الْعَلَّامَةُ ابْنُ الْقَيِّمِ ﵀ فِي [جَلَاءِ الْأَفْهَامِ] ص (٢٧٣):
«الرابع عشر: أنَّه إنَّما عرض عليهم الأكل لأنَّه رآهم لا يأكلون ولم يكن ضيوفه يحتاجون معه إلى الآذن في الأكل بل كان إذا قدم إليهم الطعام أكلوا وهؤلاء الضيوف لما امتنعوا من الأكل قال:
﴿أَلَا تَأْكُلُونَ﴾ ولهذا أوجس منهم خيفة أي أحسها وأضمرها في نفسه ولم يبدها لهم» اهـ.
ومنها: ما قاله بكر بن عبد الله المزني: «أحوجٌ الناس إلى لطمةٍ من دعي إلى وليمةٍ فذهب معه بآخر، وأحوج الناس إلى لطمتين رجلٌ دخل دار قوم فقيل له اجلس ههنا فقال لا بل ههنا وأحوج النّاس إلى ثلاث لطماتٍ رجلٌ قدم إليه طعامٌ فقال لا آكل حتى يجلس معي ربّ البيت» اهـ.
ذكره الخطيب في كتاب [التَّطْفِيْلِ] (ص ٨١)، وابن عساكر في [تَارِيْخِ دِمَشْقَ] (٢٥/ ٢١٥).
стр. 6059
وَقَالَ الْقَاضِي عِيَاضٌ ﵀ فِي [تَرْتِيْبِ الْمَدَارِكِ وَتَقْرِيْبِ الْمَسَالِكِ] (١/ ٧٧): «قال أبو عوف عبد الرحمان ابن مرزوق، وذكر لعبيد الله بن محمد قاضي طرسوس عن بكر المزني، أنَّه قال: أحق الناس بلطمة من أكل طعاماً لم يدع إليه.
وأحق الناس بلطمتين من قال له صاحب المنزل: أقعد ها هنا.
وأحق الناس ثلاث لطمات من قال لصاحب المنزل: ادع ربة البيت تأكل معنا.
فقال لي: عندي أعجب من هذا، وأطرف من هذا.
كان مالك يوماً جالساً فأستأذن عليه صديق له، فأذن له، وكان لمالك بطيخة في ناحية، فرمى بمنديل عليها.
فدخل الرجل، فقال له مالك: ها هنا.
فأبى أن يقعد إلَّا على المنديل، فتفتحت تحته البطيخة.
فقال له مالك: يرحمك الله كنا أبصر بعوار منزلنا منك» اهـ.
قُلْتُ: وقول بكر المزني ﵀: «رجلٌ قدم إليه طعامٌ فقال لا آكل حتى يجلس معي ربّ البيت» يدل عليه ما رواه البخاري (٦٠٢)، ومسلم (٢٠٧٥) عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبِي بَكْرٍ، أَنَّ أَصْحَابَ الصُّفَّةِ، كَانُوا أُنَاسًا فُقَرَاءَ وَأَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: «مَنْ كَانَ عِنْدَهُ طَعَامُ اثْنَيْنِ فَلْيَذْهَبْ بِثَالِثٍ، وَإِنْ أَرْبَعٌ فَخَامِسٌ أَوْ
стр. 6060
سَادِسٌ» وَأَنَّ أَبَا بَكْرٍ جَاءَ بِثَلَاثَةٍ، فَانْطَلَقَ النَّبِيُّ ﷺ بِعَشَرَةٍ، قَالَ: فَهُوَ أَنَا وَأَبِي وَأُمِّي - فَلَا أَدْرِي قَالَ: وَامْرَأَتِي وَخَادِمٌ - بَيْنَنَا وَبَيْنَ بَيْتِ أَبِي بَكْرٍ، وَإِنَّ أَبَا بَكْرٍ تَعَشَّى عِنْدَ النَّبِيِّ ﷺ ، ثُمَّ لَبِثَ حَيْثُ صُلِّيَتِ العِشَاءُ، ثُمَّ رَجَعَ، فَلَبِثَ حَتَّى تَعَشَّى النَّبِيُّ ﷺ ، فَجَاءَ بَعْدَ مَا مَضَى مِنَ اللَّيْلِ مَا شَاءَ اللَّهُ، قَالَتْ لَهُ امْرَأَتُهُ: وَمَا حَبَسَكَ عَنْ أَضْيَافِكَ - أَوْ قَالَتْ: ضَيْفِكَ - قَالَ: أَوَمَا عَشَّيْتِيهِمْ؟ قَالَتْ: أَبَوْا حَتَّى تَجِيءَ، قَدْ عُرِضُوا فَأَبَوْا، قَالَ: فَذَهَبْتُ أَنَا فَاخْتَبَأْتُ، فَقَالَ يَا غُنْثَرُ فَجَدَّعَ وَسَبَّ، وَقَالَ: كُلُوا لَا هَنِيئًا، فَقَالَ: وَاللَّهِ لَا أَطْعَمُهُ أَبَدًا، وَايْمُ اللَّهِ، مَا كُنَّا نَأْخُذُ مِنْ لُقْمَةٍ إِلَّا رَبَا مِنْ أَسْفَلِهَا أَكْثَرُ مِنْهَا - قَالَ: يَعْنِي حَتَّى شَبِعُوا - وَصَارَتْ أَكْثَرَ مِمَّا كَانَتْ قَبْلَ ذَلِكَ، فَنَظَرَ إِلَيْهَا أَبُو بَكْرٍ فَإِذَا هِيَ كَمَا هِيَ أَوْ أَكْثَرُ مِنْهَا، فَقَالَ لِامْرَأَتِهِ: يَا أُخْتَ بَنِي فِرَاسٍ مَا هَذَا؟ قَالَتْ: لَا وَقُرَّةِ عَيْنِي، لَهِيَ الآنَ أَكْثَرُ مِنْهَا قَبْلَ ذَلِكَ بِثَلَاثِ مَرَّاتٍ، فَأَكَلَ مِنْهَا أَبُو بَكْرٍ، وَقَالَ: إِنَّمَا كَانَ ذَلِكَ مِنَ الشَّيْطَانِ - يَعْنِي يَمِينَهُ - ثُمَّ أَكَلَ مِنْهَا لُقْمَةً، ثُمَّ حَمَلَهَا إِلَى النَّبِيِّ ﷺ فَأَصْبَحَتْ عِنْدَهُ، وَكَانَ بَيْنَنَا وَبَيْنَ قَوْمٍ عَقْدٌ، فَمَضَى الأَجَلُ، فَفَرَّقَنَا اثْنَا عَشَرَ رَجُلًا، مَعَ كُلِّ رَجُلٍ مِنْهُمْ أُنَاسٌ، اللَّهُ أَعْلَمُ كَمْ مَعَ كُلِّ رَجُلٍ، فَأَكَلُوا مِنْهَا أَجْمَعُونَ، أَوْ كَمَا قَالَ.
стр. 6061
قُلْتُ: وإذا دعى شخص لوليمة فتبعه من لم يدع فيفعل معه كما فعل النبي ﷺ فيما رواه البخاري (٢٤٥٦)، ومسلم (٢٠٣٦) عَنْ أَبِي مَسْعُودٍ، أَنَّ رَجُلًا مِنَ الأَنْصَارِ يُقَالُ لَهُ أَبُو شُعَيْبٍ، كَانَ لَهُ غُلَامٌ لَحَّامٌ، فَقَالَ لَهُ أَبُو شُعَيْبٍ: اصْنَعْ لِي طَعَامَ خَمْسَةٍ لَعَلِّي أَدْعُو النَّبِيَّ ﷺ خَامِسَ خَمْسَةٍ، وَأَبْصَرَ فِي وَجْهِ النَّبِيِّ ﷺ الجُوعَ، فَدَعَاهُ فَتَبِعَهُمْ رَجُلٌ لَمْ يُدْعَ، فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ : «إِنَّ هَذَا قَدِ اتَّبَعَنَا، أَتَأْذَنُ لَهُ؟»، قَالَ: نَعَمْ.
وفي لفظ للبخاري (٥٤٣٤): «إِنَّكَ دَعَوْتَنَا خَامِسَ خَمْسَةٍ، وَهَذَا رَجُلٌ قَدْ تَبِعَنَا، فَإِنْ شِئْتَ أَذِنْتَ لَهُ، وَإِنْ شِئْتَ تَرَكْتَهُ» قَالَ: بَلْ أَذِنْتُ لَهُ.
ولفظ مسلم: «إِنَّ هَذَا اتَّبَعَنَا، فَإِنْ شِئْتَ أَنْ تَأْذَنَ لَهُ، وَإِنْ شِئْتَ رَجَعَ»، قَالَ: لَا، بَلْ آذَنُ لَهُ يَا رَسُولَ اللهِ.
* * *
стр. 6062
كِتَابُ الطَّلَاقِ.
٣١١ - عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ ﵄: «أَنَّهُ طَلَّقَ امْرَأَتَهُ وَهِيَ حَائِضٌ، فَذَكَرَ ذَلِكَ عُمَرُ لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ ، فَتَغَيَّظَ مِنْهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ، ثُمَّ قَالَ: "لِيُرَاجِعْهَا، ثُمَّ لِيُمْسِكْهَا حَتَّى تَطْهُرَ، ثُمَّ تَحِيضَ فَتَطْهُرَ، فَإِنْ بَدَا لَهُ أَنْ يُطَلِّقَهَا فَلْيُطَلِّقْهَا قَبْلَ أَنْ يَمَسَّهَا، فَتِلْكَ الْعِدَّةُ، كَمَا أَمَرَ اللَّهُ "».
وَفِي لَفْظٍ: «حَتَّى تَحِيضَ حَيْضَةً مُسْتَقْبَلَةً، سِوَى حَيْضَتِهَا الَّتِي طَلَّقَهَا فِيهَا».
وَفِي لَفْظٍ: «فَحُسِبَتْ مِنْ طَلاقِهَا، وَرَاجَعَهَا عَبْدُ اللَّهِ كَمَا أَمَرَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ».
الطلاق لغة: حل القيد، يقال ناقة طالق إذا حلها قيدها.
والطلاق شرعاً: حل عقد النكاح.
وَفِي الْحَدِيْثِ مَسَائِلُ مِنْهَا:
١ - تحريم طلاق الحائض، ومثل ذلك النفساء.
стр. 6063
قَالَ الْعَلَّامَةُ الْقُرْطُبِي ﵀ فِي [الْمُفْهِم] (١٣/ ٦٧): «فيه دليلٌ: على أنَّ الطَّلاق في الحيض يحرم؛ فإنَّه أنكره بتغيُّظه عليه» اهـ.
قُلْتُ: وأمَّا إذا كانت حاملاً وحاضت فالذي يظهر لي جواز طلاقها في حال حيضها لعموم قول النَّبِيِّ ﷺ : «مُرْهُ فَلْيُرَاجِعْهَا، ثُمَّ لِيُطَلِّقْهَا طَاهِرًا، أَوْ حَامِلًا». رواه مسلم (١٤٧١) من حديث ابن عمر ﵄.
قَالَ الْعَلَّامَةُ ابْنُ الْقَيِّمِ ﵀ فِي [تَهْذِيْبِ السُّنَنِ] (١/ ٣٤٧): «وقوله "طاهراً أو حاملاً" احتج به من قال الحامل لا تحيض، لأنَّه ﷺ حرم الطلاق في زمن الحيض، وأباحه في وقت الطهر والحمل، فلو كانت الحامل تحيض لم يبح طلاقها حاملاً إذا رأت الدم، وهو خلاف الحديث.
ولأصحاب القول الآخر أن يجيبوا عن ذلك، بأنَّ حيض الحامل لم يكن له تأثير في العدة بحال لا في تطويلها ولا تخفيفها، إذ عدتها بوضع الحمل، أباح الشارع طلاقها حاملاً مطلقاً، وغير الحامل لم يبح طلاقها إلَّا إذا لم تكن حائضاً، لأنَّ الحيض يؤثر في العدة، لأنَّ عدتها بالأقراء، فالحديث دل على أنَّ المرأة لها حالتان، أحدهما: أن تكون حائلاً، فلا تطلق إلَّا في طهر لم يمسها فيه. والثانية: أن تكون حاملاً، فيجوز طلاقها.
стр. 6064
والفرق بين الحامل وغيرها في الطلاق إنَّما هو بسبب الحمل وعدمه، لا بسبب حيض ولا طهر ولهذا يجوز طلاق الحامل بعد المسيس، دون الحائل، وهذا جواب سديد والله أعلم» اهـ.
قُلْتُ: ولا يدخل في ذلك الخلع، فإنَّ الخلع ليس بطلاق على الصحيح. وهذا مذهب جمهور العلماء خلافاً للمالكية.
قَالَ شَيْخُ الْإِسْلَامِ ابْنُ تَيْمِيَّةَ ﵀ كَمَا فِي [مَجْمُوْعِ الْفَتَاوَى] (٣٣/ ٢١): «ولهذا جوز أكثر العلماء الخلع في الحيض؛ لأنَّه على قول فقهاء الحديث ليس بطلاق؛ بل فرقة بائنة» اهـ.
وَقَالَ الْعَلَّامَةُ أَبُو إِسْحَاقَ الشِّيرَازِيُّ ﵀ فِي [الْمُهَذَّبِ] (٢/ ٧١):
«فصل: ويجوز الخلع في الحيض؛ لأنَّ المنع من الطلاق في الحيض للضرر الذي يلحقها بتطويل العدة والخلع جعل للضرر الذي يلحقها بسوء العشرة والتقصير في حق الزوج والضرر بذلك أعظم من الضرر بتطويل العدة فجاز دفع أعظم الضررين بأخفهما» اهـ.
٢ - وفيه أنَّ من طلق امرأته في حيضها وجب عليه أن يراجعها، ومثل ذلك النفساء.
стр. 6065
وإلى الوجوب ذهب الإمام مالك وأحمد في رواية، والجمهور على الاستحباب، والصحيح الوجوب لظاهر الأمر. والله أعلم.
قَالَ الْعَلَّامَةُ ابْنُ الْقَيِّمِ ﵀ فِي [تَهْذِيْبِ السُّنَنِ] (١/ ٣٣٣ - ٣٣٤): «واختلفوا في قَوْلِهِ: "مره فليراجعها": هل الأمر بالرجعة على الوجوب أو الاستحباب؟ فقال الشافعي وأبو حنيفة والأوزاعي وابن أبي ليلى وسفيان الثوري وأحمد في إحدى الروايتين بل أشهرهما عنه: الأمر بالرجعة استحباب.
قال بعضهم: لأنَّ ابتداء النكاح إذا لم يكن واجباً فاستدامته كذلك.
وقال مالك في الأشهر عنه، وداود وأحمد في الرواية الأخرى: الرجعة واجبة الأمر بها، ولأنَّ الطلاق لما كان محرماً في هذا الزمن كان بقاء النكاح واستدامته فيه واجباً، وبهذا يبطل قولهم: إذا لم يجب ابتداء النكاح لم تجب استدامته، فإنَّ الاستدامة ها هنا واجبة لأجل الوقت، فإنَّه لا يجوز فيه الطلاق. قالوا: ولأنَّ الرجعة إمساك، بدليل قَوْلِهِ: ﴿الطَّلَاق مَرَّتَانِ فَإِمْسَاك بِمَعْرُوفٍ أَوْ تَسْرِيح بِإِحْسَانٍ﴾ فالإمساك مراجعتها في العدة، والتسريح تركها حتى تنقضي عدتها. وإذا كانت الرجعة إمساكاً، فلا ريب في وجوب إمساكها في زمن الحيض، وتحريم طلاقها، فتكون واجبة.
стр. 6066
ثم اختلف الموجبون للرجعة في علة ذلك: فقالت طائفة: إنَّما أمره برجعتها ليقع الطلاق الذي أراده في زمن الإباحة، وهو الطهر الذي لم يمسها فيه، فلو لم يرتجعها لكان الطلاق الذي ترتبت عليه الأحكام هو الطلاق المحرم، والشارع لا يرتب الأحكام على طلاق محرم، فأمر برجعتها، ليطلقها طلاقاً مباحاً، يترتب عليه أحكام الطلاق.
وقالت طائفة: بل أمره برجعتها عقوبة له على طلاقها في زمن الحيض، فعاقبه بنقيض قصده، وأمره بارتجاعها، عكس مقصوده.
وقالت طائفة: بل العلة في ذلك أنَّ تحريم الطلاق في زمن الحيض معلل بتطويل العدة فأمره برجعتها ليزول المعنى الذي حرم الطلاق في الحيض لأجله. وقال بعض الموجبين إن أبى رجعتها أجبر عليها. فإن امتنع ضرب وحبس، فإن أصر حكم عليه برجعتها وأشهد أنَّه قد ردها عليه، فتكون امرأته، يتوارثان، ويلزمه جميع حقوقها، حتى يفارقها فراقاً ثانياً، قاله أصبغ وغيره من المالكية.
ثم اختلفوا. فقال مالك: يجبر على الرجعة، إن طهرت، ما دامت في العدة، لأنَّه وقت للرجعة.
стр. 6067
وقال أشهب: إذا طهرت ثم حاضت ثم طهرت لم تجب رجعتها في هذه الحال، وإن كانت في العدة، لأنَّه لا يجب عليه إمساكها في هذه الحال لجواز طلاقها فيه، فلا يجب عليه رجعتها فيه، إذ لو وجبت الرجعة في هذا الوقت لحرم الطلاق فيه» اهـ.
وقَالَ الْحِافِظُ ابْنُ حَجَرٍ ﵀ فِي [فَتْحِ الْبَارِي] (٩/ ٣٥٠): «وعن داود يجبر على الرجعة إذا طلقها حائضاً ولا يجبر إذا طلقها نفساء وهو جمود» اهـ.
٣ - قَوْلُهُ: «لِيُرَاجِعْهَا». يدل على أنَّ ذلك إنَّما يكون قبل انقضاء العدة، فإنَّه لا مراجعة بعد انقضاء العدة، وهكذا لا يدخل في هذا الحديث المطلقة ثلاثاً فإنَّه لا رجعة لها.
قَالَ الْحِافِظُ ابْنُ حَجَرٍ ﵀ فِي [فَتْحِ الْبَارِي] (٩/ ٣٤٩): «واتفقوا على أنَّها إذا انقضت عدتها أن لا رجعة» اهـ.
٤ - وفيه أنَّ من طلق امرأته في حيضها لا يحل له أن يطلقها في الطهر الذي بعد الحيضة التي وقع فيها الطلاق وإنَّما يحل له الطلاق في الطهر الثاني.
قَالَ الْعَلَّامَةُ ابْنُ الْقَيِّمِ ﵀ فِي [تَهْذِيْبِ السُّنَنِ] (١/ ٣٣٧ - ٣٤٠): «واختلف في جواز طلاقها في الطهر المتعقب للحيضة التي طلق فيها على قولين:
стр. 6068
هما روايتان عن أحمد ومالك: أشهرهما عند أصحاب مالك: المنع حتى تحيض حيضة مستقبلة سوى تلك الحيضة، ثم تطهر كما أمر به النبي ﷺ .
والثاني: يجوز طلاقها في الطهر المتعقب لتلك الحيضة وهو قول الشافعي وأبي حنيفة، وأحمد في الرواية الأخرى. ووجهه أنَّ التحريم إنَّما كان لأجل الحيض، فإذا طهرت زال موجب التحريم، فجاز طلاقها في هذا الطهر كما يجوز في الطهر الذي بعده، وكما يجوز أيضاً طلاقها فيه، لو لم يتقدم طلاق في الحيض، ولأنَّ في بعض طرق حديث ابن عمر في الصحيح: "ثم ليطلقها طاهراً، أو حاملاً" وفي لفظ: "ثم ليطلقها طاهراً من غير جماع في قبل عدتها" وفي لفظ: "فإذا طهرت فليطلقها لطهرها، قال: فراجعها ثم طلقها لطهرها" وفي حديث أبي الزبير وقال: "إذا طهرت فليطلق أو ليمسك" وكل هذه الألفاظ في الصحيح.
وأمَّا أصحاب القول الثاني فاحتجوا بما تقدم من أمره ﷺ بإمساكها حتى تحيض، ثم تطهر ثم تحيض، ثم تطهر. وقد تقدم. قالوا: وحكمة ذلك من وجوه:
стр. 6069
أحدها: أنَّه لو طلقها عقب تلك الحيضة كان قد راجعها ليطلقها. وهذا عكس مقصود الرجعة، فإنَّ الله سبحانه إنَّما شرع الرجعة لإمساك المرأة وإيوائها، ولم شعث النكاح، وقطع سبب الفرقة، ولهذا سماه إمساكاً، فأمره الشارع أن يمسكها في ذلك الطهر، وأن لا يطلق فيه حتى تحيض حيضة أخرى، ثم تطهر، لتكون الرجعة للإمساك لا للطلاق. قالوا: وقد أكد الشارع هذا المعنى حتى إنَّه أمر في بعض طرق هذا الحديث بأن يمسكها في الطهر المتعقب لتلك الحيضة، فإذا حاضت بعده وطهرت، فإن شاء طلقها قبل أن يمسها، فإنَّه قال: "مره فليراجعها، فإذا طهرت مسها، حتى إذا طهرت أخرى، فإن شاء طلقها، وإن شاء أمسكها" ذكره ابن عبد البر. وقال: الرجعة لا تكاد تعلم صحتها إلَّا بالوطء، لأنَّه المبتغى من النكاح، ولا يحصل الوطء إلَّا في الطهر، فإذا وطئها حرم طلاقها فيه، حتى تحيض ثم تطهر، فاعتبرنا مظنة الوطء ومحله، ولم يجعله محلاً للطلاق.
الثاني: أنَّ الطلاق حرم في الحيض لتطويل العدة عليها، فلو طلقها عقب الرجعة من غير وطء لم تكن قد استفادت بالرجعة فائدة، فإنَّ تلك الحيضة التي طلقت فيها لم تكن تحتسب عليها من العدة، وإنَّما تستقبل العدة من الطهر الذي يليها، أو من الحيضة الأخرى، على الاختلاف في الأقراء، فإذا طلقها عقب تلك الحيضة
стр. 6070
كانت في معنى ممن طلقت ثم راجعها، ولم يمسها حتى طلقها، فإنَّها تبنى على عدتها في أحد القولين، لأنَّها لم تنقطع بوطء، فالمعنى المقصود إعدامه من تطويل العدة موجود بعينه هنا، لم يزل بطلاقها عقب الحيضة، فأراد رسول الله ﷺ قطع حكم الطلاق جملة بالوطء، فاعتبر الطهر الذي هو موضع الوطء، فإذا وطئ حرم طلاقها، حتى تحيض ثم تطهر.
ومنها: أنَّها ربما كانت حاملاً، وهو لا يشعر، فإنَّ الحامل قد ترى الدم بلا ريب، وهل حكمه حكم الحيض، أو دم فساد؟ على الخلاف فيه، فأراد الشارع أن يستبرئها بعد تلك الحيضة بطهر تام، ثم بحيض تام، فحينئذ تعلم هل هي حامل أو حائل؟ فإنَّه ربما يمسكها إذا علم أنَّها حامل منه، وربما تكف هي عن الرغبة في الطلاق إذا علمت أنَّها حامل، وربما يزول الشر الموجب للطلاق بظهور الحمل، فأراد الشارع تحقيق علمها بذلك، نظراً للزوجين، ومراعاة لمصلحتهما، وحسماً لباب الندم وهذا من أحسن محاسن الشريعة.
وقيل: الحكمة فيه أنَّه عاقبه بأمره بتأخير الطلاق جزاءً له على ما فعله من إيقاعه على الوجه المحرم. ورد هذا بأنَّ ابن عمر لم يكن يعلم التحريم. وأجيب عنه بأنَّ
стр. 6071
هذا حكم شامل له ولغيره من الأمة، وكونه ﵁ لم يكن عالماً بالتحريم يفيد نفي الإثم، لا عدم ترتب هذه المصلحة على الطلاق المحرم في نفسه.
وقيل: حكمته أنَّ الطهر الذي بعد تلك الحيضة هو من حريم تلك الحيضة، فهما كالقرء الواحد، فلو شرع الطلاق فيه لصار كموقع طلقتين في قرء واحد، وليس هذا بطلاق السنة. وقيل: حكمته أنَّه نهى عن الطلاق في الطهر، ليطول مقامه معها، ولعله تدعوه نفسه إلى وطئها، وذهاب ما في نفسه من الكراهة لها، فيكون ذلك حرصاً على ارتفاع الطلاق البغيض إلى الله، المحبوب إلى الشيطان، وحضاً على بقاء النكاح، ودوام المودة والرحمة والله أعلم» اهـ.
وقَالَ الْحِافِظُ ابْنُ حَجَرٍ ﵀ فِي [فَتْحِ الْبَارِي] (٩/ ٣٤٩ - ٣٥٠):
«واختلف في جواز تطليقها في الطهر الذي يلي الحيضة التي وقع فيها الطلاق والرجعة، وفيه للشافعية وجهان: أصحهما المنع، وبه قطع المتولي وهو الذي يقتضيه ظاهر الزيادة التي في الحديث، وعبارة الغزالي في "الوسيط" وتبعه مجلي: هل يجوز أن يطلق في هذا الطهر وجهان. وكلام المالكية يقتضي أنَّ التأخير مستحب، وقال بن تيمية في "المحرر": ولا يطلقها في الطهر المتعقب له فإنَّه بدعة،
стр. 6072
وعنه أي عن أحمد جواز ذلك، وفي كتب الحنفية عن أبي حنيفة الجواز، وعن أبي يوسف ومحمد المنع» اهـ.
٥ - وفيه أنَّ الطلاق يكون في طهر لم يمس فيه امرأته.
قَالَ الْعَلَّامَةُ ابْنُ الْقَيِّمِ ﵀ فِي [تَهْذِيْبِ السُّنَنِ] (١/ ٣٤٢ - ٣٤٥):
«وقوله ﷺ : "ثم ليطلقها طاهراً قبل أن يمس" دليل على أنَّ طلاقها في الطهر الذي مس فيه ممنوع منه وهو طلاق بدعة، وهذا متفق عليه، فلو طلق فيه. قالوا: لم يجب عليه رجعتها، قال ابن عبد البر: أجمعوا على أنَّ الرجعة لا تجب في هذه الصورة، وليس هذا الإجماع ثابتاً، وإن كان قد حكاه صاحب "المغني" أيضاً، فإنَّ أحد الوجهين في مذهب أحمد وجوب الرجعة في هذا الطلاق، حكاه في الرعاية، وهو القياس، لأنَّه طلاق محرم، فتجب الرجعة فيه، كما تجب في الطلاق في زمن الحيض. ولمن فرق بينهما أن يقول: زمن الطهر وقت للوطء وللطلاق، وزمن الحيض ليس وقتاً لواحد منهما، فظهر الفرق بينهما، فلا يلزم من الأمر بالرجعة في غير زمن الطلاق الأمر بها في زمنه، ولكن هذا الفرق ضعيف جداً، فإنَّ زمن الطهر متى اتصل به المسيس صار كزمن الحيض في تحريم الطلاق سواء، ولا فرق بينهما، بل الفرق المؤثر عند الناس أنَّ المعنى الذي وجبت
стр. 6073
لأجله الرجعة إذا طلقها حائضاً منتف في صورة الطلاق في الطهر الذي مسها فيه، فإنَّها إنِّما حرم طلاقها في زمن الحيض لتطويل العدة عليها، فإنَّها لا تحتسب ببقية الحيضة قرءاً اتفاقاً. فتحتاج إلى استئناف ثلاثة قروء كوامل، وأمَّا الطهر فإنَّها تعتد بما بقي منه قرءاً، ولو كان لحظة، فلا حاجة بها إلى أن يراجعها، فإنَّ من قال الأقراء الأطهار كانت أول عدتها عنده عقب طلاقها، ومن قال هي الحيض استأنف بها بعد الطهر، وهو لو راجعها ثم أراد أن يطلقها لم يطلقها إلَّا في طهر، فلا فائدة في الرجعة. هذا هو الفرق المؤثر بين الصورتين. وبعد، ففيه إشكال لا ينتبه له إلَّا من به خبرة بمأخذ الشرع وأسراره، وجمعه وفرقه. وذلك أنَّ النبي ﷺ أمره أن يطلقها إذا شاء قبل أن يمسها، وقال: "فتلك العدة التي أمر بها الله أن تطلق لها النساء"، وهذا ظاهر في أنَّ العدة إنَّما يكون استقبالها من طهر لم يمسها فيه، إن دل على أنَّها بالأطهار، وأمَّا طهر قد أصابها فيه فلم يجعله النبي ﷺ من العدة التي أمر الله أن تطلق لها النساء فكما لا تكون عدتها متصلة بالحيضة التي طلق فيها ينبغي أن لا تكون متصلة بالطهر الذي مسها فيه. لأنَّ النبي ﷺ سوى بينهما في المنع من الطلاق فيهما، وأخبر أنَّ العدة التي أمر بها الله أن يطلق لها النساء هي من وقت الطهر
стр. 6074
الذي لم يمسها فيه، فمن أين لنا أنَّ الطهر الذي مسها فيه هو أول العدة التي أمر الله أن تطلق لها النساء، وهذا مذهب أبي عبيد، وهو في الظهور والحجة كما ترى، وقال الإمام أحمد والشافعي ومالك وأصحابهم: لو بقي من الطهر لحظة حسبت لها قرءاً، وإن كان قد جامع فيه، إذا قلنا: الأقراء الأطهار.
قال المنتصرون لهذا القول: إنَّما حرم الطلاق في زمن الحيض دفعاً لضرر تطويل العدة عليها، فلو لم تحتسب ببقية الطهر قرءاً كان الطلاق في زمن الطهر أضر بها وأطول عليها. وهذا ضعيف جداً، فإنَّها إذ طلقت فيه قبل المسيس احتسب به، وأمَّا إذا طلقت بعد المسيس كان حكمها حكم المطلقة في زمن الحيض، فكما لا تحتسب ببقية الحيضة لا تحتسب ببقية هذا الطهر الممسوسة فيه.
قالوا: ولم يحرم الطلاق في الطهر لأجل التطويل الموجود في الحيض، بل إنَّما حرم لكونها مرتابة، فلعلها قد حملت من ذلك الوطء، فيشتد ندمه إذا تحقق الحمل، ويكثر الضرر. فإذا أراد أن يطلقها طلقها طاهراً من غير جماع، لأنَّهما قد تيقنا عدم الريبة، وأمَّا إذا ظهر الحمل فقد دخل على بصيرة وأقدم على فراقها حاملاً.
قالوا: فهذا الفرق بين الطلاق في الحيض والطهر المجامع فيه.
стр. 6075
قالوا: وسر ذلك أنَّ المرأة إن كانت حاملاً من هذا الوطء فعدتها بوضع الحمل، وإن لم تكن قد حملت منه فهو قرء صحيح، فلا ضرر عليها في طلاقها فيه.
ولمن نصر قول أبي عبيد أن يقول: الشارع إنَّما جعل استقبال عدة المطلقة من طهر لم يمسها فيه، ليكون المطلق على بصيرة من أمره، والمطلقة على بصيرة من عدتها أنَّها بالأقراء. فأمَّا إذا مسها في الطهر ثم طلقها، لم يدر أحاملاً أم حائلاً، ولم تدر المرأة: أعدتها بالحمل أم بالأقراء، فكان الضرر عليهما في هذا الطلاق أشد من الضرر في طلاقها وهي حائض، فلا تحتسب ببقية ذلك الطهر قرءاً، كما لم يحتسب الشارع به في جواز إيقاع الطلاق فيه.
وهذا التفريع كله على أقوال الأئمة والجمهور. وأمَّا من لم يوقع الطلاق البدعي فلا يحتاج إلى شيء من هذا» اهـ.
وقَالَ الْحِافِظُ ابْنُ حَجَرٍ ﵀ فِي [فَتْحِ الْبَارِي] (٩/ ٣٥٠): «فلو طلق هل يجبر على الرجعة كما يجبر عليها إذا طلقها وهي حائض طرده بعض المالكية فيهما، والمشهور عنهم إجباره في الحائض دون الطاهر، وقالوا فيما إذا طلقها وهي حائض يجبر على الرجعة فإن امتنع أدبه الحاكم فإن أصر ارتجع الحاكم عليه. وهل يجوز له وطؤها بذلك روايتان لهم أصحهما الجواز» اهـ.
стр. 6076
قُلْتُ: الذي يظهر لي أنَّه إذا طلقها في طهر قد جامع فيه فلا يؤمر بإرجاعها لعدم الدليل في ذلك. والله أعلم.
٦ - وفيه وقوع الطلاق في الحيض.
وهذا مذهب أكثر علماء الأمة، وذهب بعض العلماء إلى عدم وقوعه، ونصر هذا القول شيخ الإسلام ابن تيمية، وتلميذه العلامة ابن القيم، وابن حزم الظاهري ﵏.
وقد أضيف هذا القول لبعض الصحابة والتابعين، وسيأتي بمشيئة الله تعالى ما يتعلق بذلك.
وقد روى الطيالسي في [مُسْنَدِهِ] (٦٨)، ومن طريقه البيهقي في [الْكُبْرَى] (١٤٧٠٥)، ورواه الدارقطني (٣٩١٢) من طريق ابْنِ أَبِي ذِئْبٍ، عَنْ نَافِعٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ ﵁، «أَنَّهُ طَلَّقَ امْرَأَتَهُ وَهِيَ حَائِضٌ فَأَتَى عُمَرُ النَّبِيَّ ﷺ فَذَكَرَ ذَلِكَ لَهُ فَجَعَلَهَا وَاحِدَةً».
قُلْتُ: إِسْنَادُهُ صَحِيْحٌ. وظاهر قَوْلِهِ: «فَجَعَلَهَا وَاحِدَةً» أنَّ الذي جعلها واحدة هو النبي ﷺ .
стр. 6077
وروى البخاري (٥٢٥٣) حَدَّثَنَا أَبُو مَعْمَرٍ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الوَارِثِ، حَدَّثَنَا أَيُّوبُ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، عَنْ ابْنِ عُمَرَ، قَالَ: «حُسِبَتْ عَلَيَّ بِتَطْلِيقَةٍ».
قَالَ الْحِافِظُ ابْنُ حَجَرٍ ﵀ فِي [فَتْحِ الْبَارِي] (٩/ ٣٥٢): «وقد أخرجه أبو نعيم من طريق عبد الصمد بن عبد الوارث عن أبيه مثل ما أخرجه البخاري مختصراً، وزاد يعني حين طلق امرأته فسأل عمر النبي ﷺ » اهـ.
وروى الدارقطني (٣٩١٥) حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرٍ، نا عَيَّاشُ بْنُ مُحَمَّدٍ، نا أَبُو عَاصِمٍ، عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ، عَنْ نَافِعٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: «هِيَ وَاحِدَةٌ».
قُلْتُ: إِسْنَادُهُ صَحِيْحٌ.
وروى الدارقطني (٣٩١٨)، والبيهقي في [الْكُبْرَى] (١٤٧٠٣) من طريق مُحَمَّدِ بْنُ سَابِقٍ، نا شَيْبَانُ، عَنْ فِرَاسٍ، عَنِ الشَّعْبِيِّ، قَالَ: طَلَّقَ ابْنُ عُمَرَ امْرَأَتَهُ وَاحِدَةً وَهِيَ حَائِضٌ فَانْطَلَقَ عُمَرُ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَأَخْبَرَهُ، فَأَمَرَهُ «أَنْ يُرَاجِعَهَا ثُمَّ يَسْتَقْبِلَ الطَّلَاقَ فِي عِدَّتِهَا وَتُحْتَسَبُ بِهَذِهِ التَّطْلِيقَةِ الَّتِي طَلَّقَ أَوَّلَ مَرَّةٍ».
قُلْتُ: إِسْنَادُهُ حَسَنٌ إلى الشعبي ثم هو مرسل.
وهذه الروايات ترجح ما ذهب إليه الجمهور من وقوع الطلاق في الحيض.
стр. 6078
وأمَّا ما رواه أحمد (٥٥٢٤)، وأبو داود (٢١٨٥) من طريق ابْنِ جُرَيْجٍ، أَخْبَرَنِي أَبُو الزُّبَيْرِ، أَنَّهُ سَمِعَ عَبْدَ الرَّحْمَنِ بْنَ أَيْمَنَ يَسْأَلُ ابْنَ عُمَرَ وَأَبُو الزُّبَيْرِ يَسْمَعُ، فَقَالَ: كَيْفَ تَرَى فِي رَجُلٍ طَلَّقَ امْرَأَتَهُ حَائِضًا؟ فَقَالَ: إِنَّ ابْنَ عُمَرَ طَلَّقَ امْرَأَتَهُ عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ، فَقَالَ عُمَرُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، إِنَّ عَبْدَ اللَّهِ طَلَّقَ امْرَأَتَهُ وَهِيَ حَائِضٌ، فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ : «لِيُرَاجِعْهَا» عَلَيَّ، وَلَمْ يَرَهَا شَيْئًا، وَقَالَ: فَرَدَّهَا، «إِذَا طَهُرَتْ فَلْيُطَلِّقْ، أَوْ يُمْسِكْ»، قَالَ ابْنُ عُمَرَ: وَقَرَأَ النَّبِيُّ ﷺ : ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ فَطَلِّقُوهُنَّ﴾ [الطلاق: ١] فِي قُبُلِ عِدَّتِهِنَّ، قَالَ ابْنُ جُرَيْجٍ: «وَسَمِعْتُ مُجَاهِدًا يَقْرَؤُهَا كَذَلِكَ».
هذا لفظ أحمد.
ولفظ أبي داود من طريق ابْنِ جُرَيْجٍ، أَخْبَرَنِي أَبُو الزُّبَيْرِ، أَنَّهُ سَمِعَ عَبْدَ الرَّحْمَنِ بْنَ أَيْمَنَ، مَوْلَى عُرْوَةَ، يَسْأَلُ ابْنَ عُمَرَ، وَأَبُو الزُّبَيْرِ يَسْمَعُ، قَالَ: كَيْفَ تَرَى فِي رَجُلٍ طَلَّقَ امْرَأَتَهُ حَائِضًا؟ قَالَ: طَلَّقَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ امْرَأَتَهُ، وَهِيَ حَائِضٌ عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ، فَسَأَلَ عُمَرُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ ، فَقَالَ: إِنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عُمَرَ طَلَّقَ امْرَأَتَهُ، وَهِيَ حَائِضٌ، قَالَ عَبْدُ اللَّهِ: فَرَدَّهَا عَلَيَّ، وَلَمْ يَرَهَا شَيْئًا، وَقَالَ: «إِذَا طَهُرَتْ فَلْيُطَلِّقْ أَوْ لِيُمْسِكْ»، قَالَ ابْنُ عُمَرَ: وَقَرَأَ النَّبِيُّ
стр. 6079
ﷺ : ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ فَطَلِّقُوهُنَّ﴾ [الطلاق: ١] فِي قُبُلِ عِدَّتِهِنَّ.
فلا تثبت فيه زيادة: «فَرَدَّهَا عَلَيَّ، وَلَمْ يَرَهَا شَيْئًا».
قَالَ الْحَافِظُ أَبُو دَاودَ ﵀ بعد روايته للحديث: «رَوَى هَذَا الْحَدِيثَ عَنْ ابْنِ عُمَرَ يُونُسُ بْنُ جُبَيْرٍ، وَأَنَسُ بْنُ سِيرِينَ، وَسَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ، وَزَيْدُ بْنُ أَسْلَمَ، وَأَبُوالزُّبَيْرِ، وَمَنْصُورٌ، عَنْ أَبِي وَائِلٍ، مَعْنَاهُمْ كُلُّهُمْ، أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ ، أَمَرَهُ أَنْ يُرَاجِعَهَا حَتَّى تَطْهُرَ، ثُمَّ إِنْ شَاءَ طَلَّقَ، وَإِنْ شَاءَ أَمْسَكَ، وَكَذَلِكَ رَوَاهُ مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، عَنْ سَالِمٍ، عَنْ ابْنِ عُمَرَ، وَأَمَّا رِوَايَةُ الزُّهْرِيِّ، عَنْ سَالِمٍ، وَنَافِعٍ، عَنْ ابْنِ عُمَرَ، أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ ، أَمَرَهُ أَنْ يُرَاجِعَهَا حَتَّى تَطْهُرَ، ثُمَّ تَحِيضَ، ثُمَّ تَطْهُرَ، ثُمَّ إِنْ شَاءَ طَلَّقَ، وَإِنْ شَاءَ أَمْسَكَ، وَرُوِيَ، عَنْ عَطَاءٍ الْخُرَاسَانِيِّ، عَنِ الْحَسَنِ، عَنْ ابْنِ عُمَرَ نَحْوَ رِوَايَةِ نَافِعٍ، وَالزُّهْرِيِّ.
وَالْأَحَادِيثُ كُلُّهَا عَلَى خِلَافِ مَا قَالَ: أَبُو الزُّبَيْرِ» اهـ.
وَقَالَ الْحَافِظُ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِ ﵀ فِي [التَّمْهِيْدِ] (١٥/ ٦٥ - ٦٦):
«قوله في هذا الحديث: "ولم يرها شيئاً" منكر عن ابن عمر لما ذكرنا عنه أنَّه اعتد بها ولم يقله أحد عنه غير أبي الزبير وقد رواه عنه جماعة جلة فلم يقل ذلك واحد
стр. 6080
منهم وأبو الزبير ليس بحجة فيما خالفه فيه مثله فكيف بخلاف من هو أثبت منه ولو صح لكان معناه عندي والله أعلم ولم يرها على استقامة أي ولم يرها شيئاً مستقيماً لأنَّه لم يكن طلاقه لها على سنة الله وسنة رسوله هذا أولى المعاني بهذه اللفظة إن صحت وكل من روى هذا الخبر من الحفاظ لم يذكروا ذلك وليس من خالف الجماعة الحفاظ بشيء فيما جاء به» اهـ.
وَقَالَ الْعَلَّامَةُ الْخَطَّابِي ﵀ فِي [مَعَالِمِ الْسُّنَنِ] (٣/ ٢٣٥):
«وقال أهل الحديث: لم يرْو أبو الزبير حديثاً أنكر من هذا، وقد يحتمل أن يكون معناه أنَّه لم يره شيئاً باتاً يحرم معه المراجعة ولا تحل له إلَّا بعد زوج، أو لم يره شيئاً جائزاً في السنة ماضياً في حكم الاختيار وإن كان لازماً على سبيل الكراهة والله أعلم» اهـ.
وَقَالَ الْحَافِظُ ابْنُ رَجَبٍ ﵀ فِي [جَامِعِ الْعُلُوْمِ] ص (٦٣):
«وقد أنكر أئمة العلماء هذه اللفظة على أبي الزبير من المحدثين والفقهاء، وقالوا: إنَّه تفرَّد بما خالف الثِّقات، فلا يُقبل تفرّده، فإنَّ في رواية الجماعة عن ابن عمر ما يدلُّ على أنَّ النَّبيَّ ﷺ حسب عليه الطلقة من وجوه كثيرة» اهـ.
стр. 6081
وأمَّا ما رواه النسائي (٣٣٩٨) أَخْبَرَنِي زِيَادُ بْنُ أَيُّوبَ، قَالَ: حَدَّثَنَا هُشَيْمٌ، قَالَ: أَخْبَرَنَا أَبُو بِشْرٍ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، عَنْ ابْنِ عُمَرَ: أَنَّهُ «طَلَّقَ امْرَأَتَهُ وَهِيَ حَائِضٌ، فَرَدَّهَا عَلَيْهِ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ حَتَّى طَلَّقَهَا وَهِيَ طَاهِرٌ». فَإِسْنَادُهَا صَحِيْحٌ، لكن ليس المراد بقَوْلِهِ: «فَرَدَّهَا عَلَيْهِ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ». أنَّها لم تحسب تطليقة، لكن المراد أنَّه لم يجعله يمضي فيها. والله أعلم.
وَقَالَ الْعَلَّامَةُ ابْنُ الْقَيِّمِ ﵀ فِي [زَادِ الْمَعَادِ] (٥/ ٢٢١):
«قال محمد بن عبد السلام الخُشني: حدثنا محمد بن بشار؛ حدثنا عبد الوهَّاب بنُ عبد المجيدِ الثقفي، حدثنا عُبيد الله بن عمر، عن نافع مولى ابن عمر، عن ابن عمر ﵁ أنَّه قال في رجل طلق امرأته وهى حائض. قال ابن عمر: لا يعتد بذلك» اهـ.
قُلْتُ: هذا الأثر رواه ابن أبي شيبة في [مُصَنَّفِهِ] (١٨٠٤٩) بغير هذا اللفظ فقال: حَدَّثِنَا عَبْدُ الْوَهَّابِ الثَّقَفِيُّ، عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ، عَنْ نَافِعٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ، فِي الَّذِي يُطَلِّقُ امْرَأَتَهُ وَهِيَ حَائِضٌ، قَالَ: «لَا تَعْتَدُّ بِتِلْكَ الْحَيْضَةِ».
стр. 6082
ورواه ابن معين في [التَّارِيْخِ] (٤٤٨٧)، ومن طريقه ابن الأعرابي في [مُعْجَمِهِ] (١٧٠٦)، والبيهقي في [الْكُبْرَى] (١٥١٧٩) حَدثنَا عبد الْوَهَّاب الثَّقَفِيّ عَنْ عبيد الله عَنْ نَافِع عَنْ بن عمر «إِذا طَلقهَا وَهِي حَائِض لم تَعْتَد بِتِلْكَ الْحَيْضَة».
قَالَ الْحَافِظُ ابْنُ رَجَبٍ ﵀ فِي [جَامِعِ الْعُلُوْمِ] ص (٦٥):
«وأمَّا ما حكاه ابنُ حزم عن ابن عمر أنَّه لا يقع الطلاقُ في الحيضِ مستنداً إلى ما رواه من طريق محمد بن عبد السلام الخشني الأندلسي: حدَّثنا محمَّد بن بشار، حدثنا عبد الوهَّاب الثقفي، عن عُبيد الله بن عمر، عن نافع، عن ابنِ عمر في الرجل يطلق امرأته وهي حائض، قال: لا يُعتَدُّ بها، وبإسناده عن خِلاس نحوه، فإنَّ هذا الأثرَ قد سقط من آخره لفظة وهي قال: لا يعتد بتلك الحيضة، كذلك رواه أبو بكر بنُ أبي شيبة في كتابه عن عبد الوهَّاب الثقفي، وكذا رواه يحيى بنُ معين، عن عبد الوهَّاب أيضاً، وقال: هو غريب لم يحدث به إلَّا عبدُ الوهَّاب، ومرادُ ابنِ عمر أنَّ الحيضة التي طلق فيها المرأة لا تعتدُّ بها المرأة قرءاً، وهذا هو مرادُ خِلاس وغيره، وقد روي ذلك أيضاً عن جماعةٍ منَ السَّلف، منهم: زيدُ بنُ ثابت، وسعيد بنُ المسيب، فوهم جماعة من المفسرين وغيرهم كما وهم ابنُ حزم
стр. 6083
فحَكَوا عن بعضِ من سمينا أنَّ الطلاق في الحيض لا يقع، وهذا سببُ وهمهم، والله أعلم» اهـ.
قُلْتُ: والمراد بغير خلاس من ذكر الْعَلَّامَةُ ابْنُ الْقَيِّمِ ﵀ بِقَوْلِهِ فِي [إَغَاثَةِ اللَّهْفَانِ فِي حُكْمِ طَلَاقِ الْغَضْبَانِ] (ص: ٦٣):
«وهذا مذهب خلاس بن عمرو.
قال ابن حزم: حدثنا محمد بن سعيد بن ساث قال: حدثنا عباس بن أصبع قال: حدثنا محمد بن قاسم بن محمد قال: حدثنا محمد بن عبد السلام الخشني قال: حدثنا محمد بن المثنى قال: حدثنا عبد الرحمن من مهدي قال: حدثنا هشام بن يحيى عن قتادة عن خلاس بن عمرو أنَّه قال في الرجل يطلق امراته وهي حائض فقال: لا يعتد بها.
وهذا قول أبي قلابة قال ابن أبي شيبة: حدثنا عبد الرزاق عن معمر عن أبي قلابة قال: اذا طلق الرجل امراته وهي حائض فلا يعتد بها» اهـ.
قُلْتُ: أثر خلاس محمول على عدم الاعتداد بالحيضة التي وقع فيها الطلاق، وقد جاء ذلك صريحاً فيما رواه ابن أبي شيبة في [مُصَنَّفِهِ] (١٨٠٥٨) نا ابْنُ مَهْدِيٍّ، عَنْ هَمَّامٍ، عَنْ قَتَادَةَ، عَنْ سَعِيدٍ، وَخِلَاسٍ، قَالَا: «لَا تَعْتَدُّ بِتِلْكَ الْحَيْضَةِ».
стр. 6084
وأثر أبي قلابة رواه ابن أبي شيبة في [مُصَنَّفِهِ] (١٨٠٤٨) نا عَبْدُ الرَّزَّاقِ، عَنْ مَعْمَرٍ، عَنْ أَيُّوبَ، عَنْ أَبِي قِلَابَةَ قَالَ: «إِذَا طَلَّقَ الرَّجُلُ امْرَأَتَهُ وَهِيَ حَائِضٌ فَلَا تَعْتَدُّ بِهَا». وَقَالَ الزُّهْرِيُّ وَقَتَادَةُ مِثْلَهُ.
قُلْتُ: وقد أورد ابن أبي شيبة هذا الأثر مع الآثار التي تدل على أنَّ المرأة لا تعتد بالحيضة التي وقع الطلاق فيها بحيث لا تحسبها من عدتها.
وروى ابن أبي شيبة في [مُصَنَّفِهِ] (١٨٠٥٢) حَدَّثَنَا ابْنُ عُلَيَّةَ، عَنْ مَعْمَرٍ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، قَالَ: «لَا تَعْتَدُّ بِهَا».
وروى ابن أبي شيبة في [مُصَنَّفِهِ] (١٨٠٥٣) حَدَّثَنَا عَبَّادُ بْنُ الْعَوَّامِ، وَعَبْدَةُ بْنُ سُلَيْمَانَ، عَنِ ابْنِ أَبِي عَرُوبَةَ، عَنْ قَتَادَةَ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيِّبِ قَالَ: «لَا تَعْتَدُّ بِهَا».
وروى ابن أبي شيبة في [مُصَنَّفِهِ] (١٨٠٥٤) حَدَّثَنَا عَبْدَةُ، عَنْ سَعِيدٍ، عَنْ أَبِي مَعْشَرٍ، عَنْ إِبْرَاهِيمَ، قَالَ: «لَا تَعْتَدُّ بِهَا».
وروى ابن أبي شيبة في [مُصَنَّفِهِ] (١٨٠٥٦) حَدَّثَنَا الضَّحَّاكُ بْنُ مَخْلَدٍ، عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ، عَنْ عَطَاءٍ، فِي الرَّجُلِ يُطَلِّقُ امْرَأَتَهُ سَاعَةَ حَاضَتْ، قَالَ: «لَا تَعْتَدُّ بِهَا».
قُلْتُ: مراد عطاء عدم الاعتداد بتلك الحيضة لا بالطلاق، ويدل عليه ما رواه عبد الرزاق في [مُصَنَّفِهِ] (١٠٩٦٩) عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ قَالَ: قُلْتُ لِعَطَاءٍ: يُطَلِّقُهَا
стр. 6085
حَائِضًا؟ قَالَ: لَا تَعْتَدُّ بِهَا لِتَسْتَوْفِ ثَلَاثَ حِيَضٍ، قُلْتُ: فَطَلَّقَهَا سَاعَةَ حَاضَتْ؟ قَالَ: لَا تَعْتَدُّ بِهَا. قَالَ: بَلَغَنَا أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ ، قَالَ لِابْنِ عُمَرَ: «ارْدُدْهَا حَتَّى إِذَا طَهُرَتْ فَطَلِّقْ، أَوْ أَمْسِكْ».
وروى ابن أبي شيبة في [مُصَنَّفِهِ] (١٨٠٥٩) حَدَّثَنَا ابْنُ مَهْدِيٍّ، عَنْ حُمَيْدِ بْنِ الْأَسْوَدِ، عَنِ ابْنِ عَوْنٍ، عَنِ ابْنِ سِيرِينَ، قَالَ: «لَا تَعْتَدُّ بِهَا».
قُلْتُ: وهذه الآثار أوردها الحافظ ابن أبي شيبة مع جملة الآثار الدالة على عدم الاعتداد بالحيضة التي وقع فيها الطلاق، فهي محمولة على ما ذكره الحافظ ابن رجب ﵀.
٧ - وقَوْلُهُ: «فَتِلْكَ العِدَّةُ كَمَا أَمَرَ اللَّهُ ». يدل على أنَّ حرمة الطلاق في الحيض مختص بمن لها عدة فيخرج من ذلك المطلقة الغير مدخول بها.
قَالَ الْعَلَّامَةُ ابْنُ الْقَيِّمِ ﵀ فِي [زَادِ الْمَعَادِ] (٥/ ٢١٩ - ٢٢٠):
«وأمَّا من لم يدخل بها، فيجوز طلاقها حائضاً وطاهراً، كما قال تعالى: ﴿لَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ إنْ طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ مَا لَمْ تَمَسُّوهُنَّ أَوْ تَفْرِضُوا لَهُنَّ فَرِيضَةً﴾ [البقرة: ٢٣٦].
وقال تعالى: ﴿يَأيُّها الَّذِينَ آمَنُوا إذَا نَكَحْتُمُ المُؤْمِنَاتِ ثُمَّ طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِنْ قَبْلِ أنْ تَمَسُّوهُنَّ فَمَالكُمْ عَلَيْهِنَّ مِنْ عِدَّةٍ تَعْتَدُّونَها﴾، وقد دل على هذا قوله تعالى:
стр. 6086
﴿فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ﴾ وهذه لا عدة لها، ونبه عليه رسول الله ﷺ بقَوْله: "فتلك العدة التي أمر الله أن تطلق لها النساء"، ولولا هاتان الآيتان اللتان فيهما إباحة الطلاق قبل الدخول، لمنع من طلاق من لا عدة له عليها» اهـ.
وقَالَ الْحِافِظُ ابْنُ حَجَرٍ ﵀ فِي [فَتْحِ الْبَارِي] (٩/ ٣٤٩): «واتفقوا على أنَّه لو طلق قبل الدخول وهي حائض لم يؤمر بالمراجعة إلَّا ما نقل عن زفر فطرد الباب» اهـ.
٨ - وفيه التغيظ من الأمر المخالف للشرع.
فإن قيل: كيف يتغيظ النبي ﷺ من ذلك قبل ورود النهي عنه.
أجاب عن ذلك الْحِافِظُ ابْنُ حَجَرٍ ﵀ فَقَالَ فِي [فَتْحِ الْبَارِي] (٩/ ٣٤٧ - ٣٤٨):
«وفيه إشعار بأنَّ الطلاق في الحيض كان تقدم النهي عنه وإلَّا لم يقع التغيظ على أمر لم يسبق النهي عنه ولا يعكر على ذلك مبادرة عمر بالسؤال عن ذلك لاحتمال أن يكون عرف حكم الطلاق في الحيض وأنَّه منهي عنه ولم يعرف ماذا يصنع من وقع له ذلك.
стр. 6087
قال ابن العربي: سؤال عمر محتمل لأن يكون إنَّهم لم يروا قبلها مثلها فسأل ليعلم ويحتمل أن يكون لما رأى في القرآن قَوْلَهُ: ﴿فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ﴾، وقَوْلَهُ: ﴿يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ ثَلَاثَةَ قُرُوءٍ﴾ أراد أن يعلم أن هذا قرء أم لا، ويحتمل أن يكون سمع من النبي ﷺ النهي فجاء ليسأل عن الحكم بعد ذلك» اهـ.
وَقَالَ الْعَلَّامَةُ ابْنُ دَقِيْقِ الْعِيْدِ ﵀ فِي [إِحْكَامِ الْأَحْكَامِ] (ص: ٤٠٣):
«وتغيظ النبي ﷺ إمَّا لأنَّ المعنى الذي يقتضي المنع كان ظاهراً وكان يقتضي الحال التثبت في الأمر أو لأنَّه كان يقتضي الأمر المشاورة لرسول الله ﷺ في مثل ذلك إذا عزم عليه» اهـ.
٩ - وقَوْلُهُ: «ثُمَّ تَحِيضَ فَتَطْهُرَ». المراد بالطهر بعد الحيض هو الاغتسال لا انقطاع الدم فقط.
قَالَ الْعَلَّامَةُ ابْنُ الْقَيِّمِ ﵀ فِي [تَهْذِيْبِ السُّنَنِ] (١/ ٣٤٠ - ٣٤٢): «وقوله ﷺ : "ثم ليطلقها طاهراً" وفي اللفظ الآخر "فإذا طهرت فليطلقها إن شاء" هل المراد به انقطاع الدم، أو التطهر بالغسل، أو ما يقوم مقامه من التيمم؟ على قولين، هما روايتان عن أحمد:
стр. 6088
إحداهما: أنَّه انقطاع الدم وهو قول الشافعي.
والثانية: أنَّه الاغتسال، وقال أبو حنيفة: إن طهرت لأكثر الحيض حل طلاقها بانقطاع الدم، وإن طهرت لدون أكثره لم يحل طلاقها حتى تصير في حكم الطاهرات بأحد ثلاثة أشياء، إمَّا أن تغتسل، وإمَّا أن تتيمم عند العجز وتصلي، وإمَّا أن يخرج عنها وقت صلاة، لأنَّه متى وجد أحد هذه الأشياء حكمنا بانقطاع حيضها.
وسر المسألة أنَّ الأحكام المترتبة على الحيض نوعان:
منها: ما يزول بنفس انقطاعه كصحة الغسل والصوم، ووجوب الصلاة في ذمتها. ومنها: ما لا يزول إلَّا بالغسل كحل الوطء، وصحة الصلاة، وجواز اللبث في المسجد، وصحة الطواف، وقراءة القرآن على أحد الأقوال، فهل يقال الطلاق من النوع الأول، أو من الثاني؟ ولمن رجح إباحته قبل الغسل أن يقول: الحائض إذا انقطع دمها صارت كالجنب، يحرم عليها ما يحرم عليه، ويصح منها ما يصح منه، ومعلوم أنَّ المرأة الجنب لا يحرم طلاقها. ولمن رجح الثاني أن يجيب عن هذا بأنَّها لو كانت كالجنب لحل وطؤها، ويحتج بما رواه النسائي في سننه من حديث المعتمر بن سليمان قال: سمعت عبيد الله عن نافع عن عبد الله: "أنَّه طلق امرأته وهي
стр. 6089
حائض تطليقة، فانطلق عمر فأخبر النبي ﷺ بذلك، فقال النبي ﷺ : مر عبد الله فليراجعها، فإذا اغتسلت من حيضتها الأخرى فلا يمسها حتى يطلقها، فإن شاء أن يمسكها فليمسكها فإنَّها العدة التي أمر الله أن تطلق لها النساء". وهذا على شرط الصحيحين، وهو مفسر لقَوْلِهِ: "فإذا طهرت" فيجب حمله عليه» اهـ.
قُلْتُ: هذه الرواية رواها النسائي (٣٣٩٦) أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الْأَعْلَى، قَالَ: حَدَّثَنَا الْمُعْتَمِرُ، قَالَ: سَمِعْتُ عُبَيْدَ اللَّهِ بْنَ عُمَرَ، عَنْ نَافِعٍ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ: أَنَّهُ طَلَّقَ امْرَأَتَهُ وَهِيَ حَائِضٌ تَطْلِيقَةً، فَانْطَلَقَ عُمَرُ فَأَخْبَرَ النَّبِيَّ ﷺ بِذَلِكَ، فَقَالَ لَهُ النَّبِيُّ ﷺ : «مُرْ عَبْدَ اللَّهِ فَلْيُرَاجِعْهَا، فَإِذَا اغْتَسَلَتْ فَلْيَتْرُكْهَا حَتَّى تَحِيضَ، فَإِذَا اغْتَسَلَتْ مِنْ حَيْضَتِهَا الْأُخْرَى فَلَا يَمَسَّهَا حَتَّى يُطَلِّقَهَا، فَإِنْ شَاءَ أَنْ يُمْسِكَهَا فَلْيُمْسِكْهَا، فَإِنَّهَا الْعِدَّةُ الَّتِي أَمَرَ اللَّهُ أَنْ تُطَلَّقَ لَهَا النِّسَاءُ».
قُلْتُ: إِسْنَادُهُ صَحِيْحٌ.
١٠ - واحتج به من قال: إنَّ الأقراء هي الأطهار.
стр. 6090
قَالَ الْحِافِظُ ابْنُ حَجَرٍ ﵀ فِي [فَتْحِ الْبَارِي] (٩/ ٣٥١): «واستدل به من ذهب إلى أنَّ الإقراء الاطهار للأمر بطلاقها في الطهر: وقوله: ﴿فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ﴾ أي وقت ابتداء عدتهن، وقد جعل للمطلقة تربص ثلاثة قروء فلما نهى عن الطلاق في الحيض وقال: إنَّ الطلاق في الطهر هو الطلاق المأذون فيه علم أنَّ الإقراء الاطهار قاله ابن عبد البر» اهـ.
وَقَالَ الْعَلَّامَةُ ابْنُ الْقَيِّمِ ﵀ فِي [تَهْذِيْبِ السُّنَنِ] (١/ ٣٤٩ - ٣٥١):
«وقوله "فتلك العدة التي أمر الله أن تطلق لها النساء"، احتج به من يرى الأقراء هي الأطهار.
قالوا: واللام بمعنى الوقت، كقوله تعالى: ﴿أَقِمِ الصَّلَاةَ لِدُلُوكِ الشَّمْسِ﴾، وقول العرب: كتب لثلاث مضين ولثلاث بقين. وفي الحديث "فليصلها حين ذكرها، ومن الغد للوقت" قالوا: فهذه اللام الوقتية بمعنى "فيه".
وأجاب الآخرون عن هذا بأنَّ اللام في قوله تعالى: ﴿فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ﴾ هي اللام المذكورة في قوله ﷺ : "أن تطلق لها النساء"، ولا يصح أن تكون وقتية، ولا ذكر أحد من أهل العربية أنَّ اللام تأتي بمعنى "في" أصلاً. ولا يصح أن تكون بمعنى "في"، ولو صح في غير هذا الموضع، لأنَّ الطلاق لا يكون
стр. 6091
في نفس العدة، ولا تكون عدة الطلاق ظرفاً له قط، وإنَّما اللام هنا على بابها للاختصاص. والمعنى طلقوهن مستقبلات عدتهن، ويفسر هذا قراءة النبي ﷺ في حديث ابن عمر: "فطلقوهن في قبل عدتهن"، أي في الوقت الذي يستقبل فيه العدة. وعلى هذا فإذا طلقها في طهرها استقبلت العدة من الحيضة التي تليه، فقد طلقها في قبل عدتها، بخلاف ما إذا طلقها حائضاً، فإنَّها لا تعتد بتلك الحيضة، وينتظر فراغها وانقضاء الطهر الذي يليها ثم تشرع في العدة، فلا يكون طلاقها حائضاً طلاقاً في قبل عدتها، وقد أفردت لهذه المسألة مصنفاً مستقلاً ذكرت فيه مذاهب الناس ومآخذهم، وترجيح القول الراجح والجواب عمَّا احتج به أصحاب القول الآخر» اهـ.
قُلْتُ: وقد أطال الْعَلَّامَةُ ابْنُ الْقَيِّمِ الكلام في معنى القروء في كتابه [زَادِ الْمَعَادِ] (٥/ ٦٠٠) فما بعدها، ورجح أنَّ القروء هو الحيض، وهو اختيار شَيْخِهِ شَيْخِ الْإِسْلَامِ ابْنِ تَيْمِيَّةَ ﵀ كَمَا فِي [مَجْمُوْعِ الْفَتَاوَى] (٢٠/ ٤٧٩).
وهذه المسألة من المسائل التي تنازع فيها العلماء فذهب طائفة من العلماء إلى أنَّ القروء هو الطهر.
стр. 6092
قَالَ الْعَلَّامَةُ ابْنُ الْقَيِّمِ ﵀ فِي [زَادِ الْمَعَادِ] (٥/ ٦٠١): «وهذا قولُ عائشة أم المؤمنين وزيد بن ثابت، وعبد الله بن عمر. ويُروى عن الفقهاء السبعة، وأبان بن عثمان والزهري، وعامة فقهاء المدينة، وبه قال مالك، والشافعي، وأحمد في إحدى الروايتين عنه» اهـ.
وذهب آخرون إلى أنَّ القروء هو الحيض.
قَالَ الْعَلَّامَةُ ابْنُ الْقَيِّمِ ﵀ فِي [زَادِ الْمَعَادِ] (٥/ ٦٠٠ - ٦٠١):
«فقال أكابر الصحابة: إنَّها الحيض، هذا قول أبي بكر، وعمر، وعثمان، وعلي، وابن مسعود، وأبي موسى، وعُبادة بن الصامت، وأبي الدرداء، وابن عباس، ومعاذ ابن جبل ﵃، وهو قولُ أصحاب عبد الله ابن مسعود، كلهم كعلقمة، والأسود، وإبراهيم، وشُريح وقول الشعبي، والحسن، وقتادة، وقولُ أصحاب ابن عباس، سعيدِ ابن جبير، وطاووس، وهو قولُ سعيد بن المسيِّب، وهو قولُ أئمة الحديث: كإسحاق بن إبراهيم، وأبى عُبيد القاسم، والإمام أحمد ﵀، فإنَّه رجع إلى القول به، واستقرَّ مذهبُه عليه، فليس له مذهب سواه، وكان يقول: إنَّها الأطهار، فقال في رواية الأثرم: رأيتُ الأحاديث عمن قال: القروء الحيض، تختلِفُ. والأحاديث عمن قال: إنَّه أحقُّ بها حتى تدخل في
стр. 6093
الحيضة الثالثة أحاديثُ صحاح قوية. وهذا النصُّ وحدَه هو الذي ظفر به أبو عمر بن عبد البر، فقال: رجع أحمد إلى أنَّ الأقراء: الأطهار، وليس كما قال: بل كان يقولُ هذا أولاً، ثم توقَّف فيه، فقال في رواية الأثرم أيضاً: قد كنتُ أقول الأطهار، ثم وقفت كقول الأكابر، ثم جزم أنَّها الحيضُ، وصرح بالرجوع عن الأطهار، فقال في رواية ابن هانئ. كنت أقول: إنها الأطهارُ، وأنا اليوم أذهبُ إلى أنَّ الأقراء الحيض، قال القاضي أبو يعلى: وهذا هو الصحيح عن أحمد ﵀، وإليه ذهب أصحابنا، ورجع عن قوله بالأطهار، ثم ذكر نصَّ رجوعه مِنْ رواية ابن هانئ كما تقدم، وهو قولُ أئمة أهل الرأي، كأبي حنيفة وأصحابه» اهـ.
قُلْتُ: والصحيح أنَّ القروء هو الحيض ويدل على ذلك عدة أدلة:
الدليل الأول: قول الله تعالى: ﴿وَالْمُطَلَّقَاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأنْفُسِهِنَّ ثَلاثَةَ قُروُء﴾ [البقرة: ٢٢٨].
ووجه الشاهد من هذه الآية أنَّ الله جعل العدة ثلاثة قروء وهذا لا يصدق إلَّا على الحيض، وذلك أنَّها لو كانت هي الأطهار فالمعتدة بها يكفيها قَرآنِ، ولحظةُ من الثالث، وإطلاق الثلاثة على هذا خلاف الظاهر لنصية الثلاثة في
стр. 6094
العدد المخصوص، ولو جعلنا القرء يطلق على بعض الطهر، فيلزمُ أن يكون الطهرُ الواحِدُ عدَّةَ أقراء، وهذا باطل قطعاً.
الدليل الثاني: أنَّ لفظ القرء لم يستعمل في كلام الشارع إلَّا للحيض، ولم يجئ عنه في موضع واحد استعمالُه للطهر، فحملُه في الآية على المعهود المعروفِ من خطاب الشارع أولى، بل متعين، فإنَّه ﷺ قال للمستحاضة: «دَعَي الصَّلَاةَ أَيَّامَ أَقْرَائِكِ» وهو ﷺ المعبِّرُ عن الله تعالى، وبلغة قومِه نزل القرآنُ، فإذا ورد المشتركُ في كلامِهِ على أحد معنييه، وجب حملُه في سائر كلامه عليه إذا لم تثبت إرادة الآخر في شيء من كلامه البتة، ويصيرُ هو لغةَ القرآن التي خوطبنا بها، وإن كان له معنى آخر في كلام غيره.
قُلْتُ: وتسمية الحيض بالقرء جاء في عدة أحاديث منها: ما رواه أحمد (٢٦٧٨٣) حَدَّثَنَا عَفَّانُ، حَدَّثَنَا وُهَيْبٌ، قَالَ: حَدَّثَنَا أَيُّوبُ، عَنْ سُلَيْمَانَ بْنِ يَسَارٍ، عَنْ أُمِّ سَلَمَةَ، أَنَّ فَاطِمَةَ اسْتُحِيضَتْ، وَكَانَتْ تَغْتَسِلُ فِي مِرْكَنٍ لَهَا، فَتَخْرُجُ وَهِيَ عَالِيَةُ الصُّفْرَةِ وَالْكُدْرَةِ، فَاسْتَفْتَتْ لَهَا أُمُّ سَلَمَةَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ فَقَالَ: «تَنْتَظِرُ أَيَّامَ قُرْئِهَا، أَوْ أَيَّامَ حَيْضِهَا، فَتَدَعُ فِيهِ الصَّلَاةَ، وَتَغْتَسِلُ فِيمَا سِوَى ذَلِكَ، وَتَسْتَثْفِرُ بِثَوْبٍ، وَتُصَلِّي».
стр. 6095
قُلْتُ: إِسْنَادُهُ صَحِيْحٌ.
الدليل الثالث: ويوضح ذلك ما في سياق الآية مِنْ قَوْلِهِ: ﴿ولَا يَحِّلُّ لَهُنَّ أَنْ يَكْتُمْنَ مَا خَلَقَ اللهُ في أَرْحَامِهِنَّ﴾ [البقرة: ٢٢٨].
وهذا هو الحيضُ والحمل، فإنَّ المخلوق في الرحم إنَّما هو الحيض الوجودي، أو الحمل، ولهذا قال السلف والخلف: هو الحمل والحيض، وقال بعضُهم: الحمل، وبعضهم: الحيض، ولم يقل أحد قطُّ: إنَّه الطهر، ولهذا لم ينقله من عُنىَ بجمع أقوال أهل التفسير، كابن الجوزي وغيره.
الدليل الرابع: قول الله تعالى: ﴿وَاللَّائِي يَئِسْنَ مِنَ الْمَحِيضِ مِنْ نِسَائِكُمْ إِنِ ارْتَبْتُمْ فَعِدَّتُهُنَّ ثَلَاثَةُ أَشْهُرٍ وَاللَّائِي لَمْ يَحِضْنَ﴾ [الطلاق: ٤]. فجعل كُلَّ شهر بإزاء حيضة، وعلَّق الحكم بعدم الحيض لا بعدم الطهر من الحيض.
وجعل الثلاث الأشهر كاملات، وهنَّ يقابلنَّ ثلاثة قروء كاملات، وهذا لا يكون إلَّا للحيض، فإنَّ الاعتداد بالأطهار لا يكون على وجه الكمال.
الدليل الخامس: وهو ما رواه أحمد (١١٢٤٤)، وأبو داود (٢١٥٧) من طريق شَرِيكٍ، عَنْ قَيْسِ بْنِ وَهْبٍ، عَنْ أَبِي الْوَدَّاكِ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ، وَرَفَعَهُ، أَنَّهُ
следующие страницы →