Полный текст (8 095 стр.). Показаны 6091–6130 · переход к 6096.
стр. 6091
في نفس العدة، ولا تكون عدة الطلاق ظرفاً له قط، وإنَّما اللام هنا على بابها للاختصاص. والمعنى طلقوهن مستقبلات عدتهن، ويفسر هذا قراءة النبي ﷺ في حديث ابن عمر: "فطلقوهن في قبل عدتهن"، أي في الوقت الذي يستقبل فيه العدة. وعلى هذا فإذا طلقها في طهرها استقبلت العدة من الحيضة التي تليه، فقد طلقها في قبل عدتها، بخلاف ما إذا طلقها حائضاً، فإنَّها لا تعتد بتلك الحيضة، وينتظر فراغها وانقضاء الطهر الذي يليها ثم تشرع في العدة، فلا يكون طلاقها حائضاً طلاقاً في قبل عدتها، وقد أفردت لهذه المسألة مصنفاً مستقلاً ذكرت فيه مذاهب الناس ومآخذهم، وترجيح القول الراجح والجواب عمَّا احتج به أصحاب القول الآخر» اهـ.
قُلْتُ: وقد أطال الْعَلَّامَةُ ابْنُ الْقَيِّمِ الكلام في معنى القروء في كتابه [زَادِ الْمَعَادِ] (٥/ ٦٠٠) فما بعدها، ورجح أنَّ القروء هو الحيض، وهو اختيار شَيْخِهِ شَيْخِ الْإِسْلَامِ ابْنِ تَيْمِيَّةَ ﵀ كَمَا فِي [مَجْمُوْعِ الْفَتَاوَى] (٢٠/ ٤٧٩).
وهذه المسألة من المسائل التي تنازع فيها العلماء فذهب طائفة من العلماء إلى أنَّ القروء هو الطهر.
стр. 6092
قَالَ الْعَلَّامَةُ ابْنُ الْقَيِّمِ ﵀ فِي [زَادِ الْمَعَادِ] (٥/ ٦٠١): «وهذا قولُ عائشة أم المؤمنين وزيد بن ثابت، وعبد الله بن عمر. ويُروى عن الفقهاء السبعة، وأبان بن عثمان والزهري، وعامة فقهاء المدينة، وبه قال مالك، والشافعي، وأحمد في إحدى الروايتين عنه» اهـ.
وذهب آخرون إلى أنَّ القروء هو الحيض.
قَالَ الْعَلَّامَةُ ابْنُ الْقَيِّمِ ﵀ فِي [زَادِ الْمَعَادِ] (٥/ ٦٠٠ - ٦٠١):
«فقال أكابر الصحابة: إنَّها الحيض، هذا قول أبي بكر، وعمر، وعثمان، وعلي، وابن مسعود، وأبي موسى، وعُبادة بن الصامت، وأبي الدرداء، وابن عباس، ومعاذ ابن جبل ﵃، وهو قولُ أصحاب عبد الله ابن مسعود، كلهم كعلقمة، والأسود، وإبراهيم، وشُريح وقول الشعبي، والحسن، وقتادة، وقولُ أصحاب ابن عباس، سعيدِ ابن جبير، وطاووس، وهو قولُ سعيد بن المسيِّب، وهو قولُ أئمة الحديث: كإسحاق بن إبراهيم، وأبى عُبيد القاسم، والإمام أحمد ﵀، فإنَّه رجع إلى القول به، واستقرَّ مذهبُه عليه، فليس له مذهب سواه، وكان يقول: إنَّها الأطهار، فقال في رواية الأثرم: رأيتُ الأحاديث عمن قال: القروء الحيض، تختلِفُ. والأحاديث عمن قال: إنَّه أحقُّ بها حتى تدخل في
стр. 6093
الحيضة الثالثة أحاديثُ صحاح قوية. وهذا النصُّ وحدَه هو الذي ظفر به أبو عمر بن عبد البر، فقال: رجع أحمد إلى أنَّ الأقراء: الأطهار، وليس كما قال: بل كان يقولُ هذا أولاً، ثم توقَّف فيه، فقال في رواية الأثرم أيضاً: قد كنتُ أقول الأطهار، ثم وقفت كقول الأكابر، ثم جزم أنَّها الحيضُ، وصرح بالرجوع عن الأطهار، فقال في رواية ابن هانئ. كنت أقول: إنها الأطهارُ، وأنا اليوم أذهبُ إلى أنَّ الأقراء الحيض، قال القاضي أبو يعلى: وهذا هو الصحيح عن أحمد ﵀، وإليه ذهب أصحابنا، ورجع عن قوله بالأطهار، ثم ذكر نصَّ رجوعه مِنْ رواية ابن هانئ كما تقدم، وهو قولُ أئمة أهل الرأي، كأبي حنيفة وأصحابه» اهـ.
قُلْتُ: والصحيح أنَّ القروء هو الحيض ويدل على ذلك عدة أدلة:
الدليل الأول: قول الله تعالى: ﴿وَالْمُطَلَّقَاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأنْفُسِهِنَّ ثَلاثَةَ قُروُء﴾ [البقرة: ٢٢٨].
ووجه الشاهد من هذه الآية أنَّ الله جعل العدة ثلاثة قروء وهذا لا يصدق إلَّا على الحيض، وذلك أنَّها لو كانت هي الأطهار فالمعتدة بها يكفيها قَرآنِ، ولحظةُ من الثالث، وإطلاق الثلاثة على هذا خلاف الظاهر لنصية الثلاثة في
стр. 6094
العدد المخصوص، ولو جعلنا القرء يطلق على بعض الطهر، فيلزمُ أن يكون الطهرُ الواحِدُ عدَّةَ أقراء، وهذا باطل قطعاً.
الدليل الثاني: أنَّ لفظ القرء لم يستعمل في كلام الشارع إلَّا للحيض، ولم يجئ عنه في موضع واحد استعمالُه للطهر، فحملُه في الآية على المعهود المعروفِ من خطاب الشارع أولى، بل متعين، فإنَّه ﷺ قال للمستحاضة: «دَعَي الصَّلَاةَ أَيَّامَ أَقْرَائِكِ» وهو ﷺ المعبِّرُ عن الله تعالى، وبلغة قومِه نزل القرآنُ، فإذا ورد المشتركُ في كلامِهِ على أحد معنييه، وجب حملُه في سائر كلامه عليه إذا لم تثبت إرادة الآخر في شيء من كلامه البتة، ويصيرُ هو لغةَ القرآن التي خوطبنا بها، وإن كان له معنى آخر في كلام غيره.
قُلْتُ: وتسمية الحيض بالقرء جاء في عدة أحاديث منها: ما رواه أحمد (٢٦٧٨٣) حَدَّثَنَا عَفَّانُ، حَدَّثَنَا وُهَيْبٌ، قَالَ: حَدَّثَنَا أَيُّوبُ، عَنْ سُلَيْمَانَ بْنِ يَسَارٍ، عَنْ أُمِّ سَلَمَةَ، أَنَّ فَاطِمَةَ اسْتُحِيضَتْ، وَكَانَتْ تَغْتَسِلُ فِي مِرْكَنٍ لَهَا، فَتَخْرُجُ وَهِيَ عَالِيَةُ الصُّفْرَةِ وَالْكُدْرَةِ، فَاسْتَفْتَتْ لَهَا أُمُّ سَلَمَةَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ فَقَالَ: «تَنْتَظِرُ أَيَّامَ قُرْئِهَا، أَوْ أَيَّامَ حَيْضِهَا، فَتَدَعُ فِيهِ الصَّلَاةَ، وَتَغْتَسِلُ فِيمَا سِوَى ذَلِكَ، وَتَسْتَثْفِرُ بِثَوْبٍ، وَتُصَلِّي».
стр. 6095
قُلْتُ: إِسْنَادُهُ صَحِيْحٌ.
الدليل الثالث: ويوضح ذلك ما في سياق الآية مِنْ قَوْلِهِ: ﴿ولَا يَحِّلُّ لَهُنَّ أَنْ يَكْتُمْنَ مَا خَلَقَ اللهُ في أَرْحَامِهِنَّ﴾ [البقرة: ٢٢٨].
وهذا هو الحيضُ والحمل، فإنَّ المخلوق في الرحم إنَّما هو الحيض الوجودي، أو الحمل، ولهذا قال السلف والخلف: هو الحمل والحيض، وقال بعضُهم: الحمل، وبعضهم: الحيض، ولم يقل أحد قطُّ: إنَّه الطهر، ولهذا لم ينقله من عُنىَ بجمع أقوال أهل التفسير، كابن الجوزي وغيره.
الدليل الرابع: قول الله تعالى: ﴿وَاللَّائِي يَئِسْنَ مِنَ الْمَحِيضِ مِنْ نِسَائِكُمْ إِنِ ارْتَبْتُمْ فَعِدَّتُهُنَّ ثَلَاثَةُ أَشْهُرٍ وَاللَّائِي لَمْ يَحِضْنَ﴾ [الطلاق: ٤]. فجعل كُلَّ شهر بإزاء حيضة، وعلَّق الحكم بعدم الحيض لا بعدم الطهر من الحيض.
وجعل الثلاث الأشهر كاملات، وهنَّ يقابلنَّ ثلاثة قروء كاملات، وهذا لا يكون إلَّا للحيض، فإنَّ الاعتداد بالأطهار لا يكون على وجه الكمال.
الدليل الخامس: وهو ما رواه أحمد (١١٢٤٤)، وأبو داود (٢١٥٧) من طريق شَرِيكٍ، عَنْ قَيْسِ بْنِ وَهْبٍ، عَنْ أَبِي الْوَدَّاكِ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ، وَرَفَعَهُ، أَنَّهُ
стр. 6096
قَالَ فِي سَبَايَا أَوْطَاسَ: «لَا تُوطَأُ حَامِلٌ حَتَّى تَضَعَ، وَلَا غَيْرُ ذَاتِ حَمْلٍ حَتَّى تَحِيضَ حَيْضَةً».
قُلْتُ: إِسْنَادُهُ ضَعِيْفٌ من أجل شريك وهو النخعي، لكنَّ الْحَدِيْثَ حَسَنٌ بِشَوَاهِدِهِ.
ومنها: ما رواه الدارقطني (٣٦٤٠) نا أَبُو مُحَمَّدِ بْنُ صَاعِدٍ، نا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عِمْرَانَ الْعَائِذِيُّ بِمَكَّةَ، نا سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ، عَنْ عَمْرِو بْنِ مُسْلِمٍ الْجَنَدِيِّ، عَنْ عِكْرِمَةَ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، قَالَ: «نَهَى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ أَنْ تُوطَأَ حَامِلٌ حَتَّى تَضَعَ، أَوْ حَائِلٌ حَتَّى تَحِيضَ».
قُلْتُ: عمرو بن مسلم الجندي في حفظه ضعف، لكن يشهد له ما سبق.
ومنها: حديث أبي هريرة رواه الطبراني في [الْكَبِيْرِ] (٤)، و [الْأَوْسَطِ] (٢٩٧٤)، و [الصَّغِيْرِ] (٢٦٢) وفيه عنعنة بقية بن الوليد، وفيه الحجاج بن أرطأة كثير الخطأ والتدليس.
ومنها: مرسل الشعبي رواه عبد الرزاق في [الْمُصَنَّفِ] (١٢٩٠٤)، وابن أبي شيبة في [الْمُصَنَّفِ] (١٧٧٤٦).
стр. 6097
ووجه الاستدلال بذلك أن يقال: إنَّ الاستبراء في حق الأمة كالعِدة في حق الحرة، بل الاعتداد في حق الحرة بالحيض أولى من الأمة من وجهين.
أحدهما: أنَّ الاحتياط في حقها ثابت بتكرير القرء ثلاث استبراءات، فهكذا ينبغي أن يكونَ الاعتدادُ في حقها بالحيض الذي هو أحوطُ مِنْ الطهر، فإنَّها لا تُحسب بقية الحيضة قرءاً، وتُحتسب ببقية الطهر قرءاً.
الثاني: أنَّ استبراء الأمة فرع عدة الحُرَّةِ، وهي الثابتة بنص القرآن، والاستبراء إنَّما ثبت بالسنة، فإذا كان قد احتاط له الشارعُ بأن جعله بالحيض، فاستبراء الحرة أولى، فعِدة الحرة استبراء لها، واستبراء الأمة عِدة لها.
الدليل السادس: قول الله تعالى: ﴿فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ﴾ [الطلاق: ١]، ووجه الاستشهاد بهذه الآية أن يقال: إنَّ طلاق المرأة يكون قبل العدة ضرورة، إذ لا يمكن حملُ الآية على الطلاق في العِدة فإنَّ هذا مع تضمنه لكون اللام للظرفية بمعنى- في - فاسد معنى، إذ لا يُمكن إيقاعُ الطلاق في العِدة، فإنَّه سبُبها، والسببُ يتقدم الحكم، وإذا تقرر ذلك فمن قال: الأقراء الحيض، فقد عمل بالآية.
стр. 6098
ولا ريب أنَّ القائل: افعل كذا لثلاث بَقِينَ مِنْ الشهر، إنَّما يكون المأمور ممتثلاً إذا فعله قبل مجيء الثلاث، وكذلك إذا قال: فعلته لثلاث مضين من الشهر، إنَّما يصدق إذا فعله بعد مضى الثلاث، وهو بخلاف حرف الظرف الذى هو "في" فإنَّه إذا قال: فعلته في ثلاث بقين، كان الفعل واقعاً في نفس الثلاث، وههنا نكتة حسنة، وهى أنَّهم يقولون: فعلُته لثلاث ليال خَلَوْن أو بقين من الشهر، وفعلته في الثاني أو الثالث من الشهر، أو في ثانية أو ثالثة، فمتى أرادوا مضى الزمان أو استقباله، أتَوْا باللام، ومتى أرادوا وقوعَ الفعل فيه، أتوا بـ"في"، وسِرُّ ذلك أنَّهم إذا أرادوا مضى زمن الفعل أو استقباله أتوا بالعلامة الدالة على اختصاص العدد الذى يلفظون به بما مضى، أو بما يُستقبل، وإذا أرادوا وقوع الفعل في ذلك الزمان أتوا بالأداة المعينة له، وهى أداة "في"، وهذا خير من قول كثير من النحاة: إنَّ اللام تكون بمعنى قبل في قولهم: كتبته لثلاث بقين، وقَوْلِهِ: ﴿فَطَلِّقُوهُنَّ لِعدَّتِهِنَّ﴾ [الطلاق: ١]، وبمعنى بعد، كقولهم: لثلاث خلون. وبمعنى في: كقوله تعالى: ﴿وَنَضَعُ الْمَوَازِينَ القِسْطَ لِيَوْمِ القِيَامَةِ﴾ [الأنبياء: ٤٧]، وقَوْلِهِ: ﴿فَكَيْفَ إذَا جَمَعْنَاهُمْ لِيَوْمٍ لَا رَيْبَ فِيهِ﴾ [آل عمران: ٢٥]، والتحقيقُ أنَّ اللام على بابها
стр. 6099
للاختصاص بالوقت المذكور، كأنَّهم جعلوا الفِعل للزمان المذكور اتساعاً لاختصاصه به، فكأنَّه له، فتأمله.
وفرق آخر: وهو أنَّك إذا أتيت باللام، لم يكن الزمانُ المذكورُ بعدَه إلَّا ماضياً أو منتظراً، ومتى أتيت بـ"في" لم يكن الزمان المجرور بها إلَّا مقارناً للفعل، وإذا تقرَّر هذا مِنْ قواعد العربية، فقولُه تعالى: ﴿فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ﴾ [الطلاق: ١]، معناه: لاستقبال عدتهن لا فيها، وإذا كانت العدة التي يُطلق لها النساء مستقبلةً بعد الطلاق، فالمستقبَلُ بعدها إنَّما هو الحيضُ، فإنَّ الطاهر لا تستَقْبِلُ الطهر إذ هي فيه، وإنَّما تستقبلُ الحيضَ بعد حالها التي هي فيها، هذا المعروفُ لغةً وعقلاً وعُرفاً، فإنَّه لا يُقال لمن هو في عافية: هو مستقبل العافية، ولا لمن هو في أمن: هو مستقبل الأمن، ولا لمن هو في قبض مغله وإحرازه: هو مستقبل المغل، وإنَّما المعهودُ لغة وعُرفاً أن يستقبلَ الشيء منْ هو على حال ضِد، وهذا أظهرُ من أن نُكثَر شواهده.
إذا عرف هذا، فقَوْلُهُ: ﴿ونَضَعُ المَوازِينَ القِسْطَ لِيَوْمِ القِيَامَةِ﴾ [الأنبياء: ٤٧]، يجوز أن تكون اللامُ لامَ التعليل، أي: لأجل يومِ القيامة. وقد قيل: إنَّ القِسط منصوب على أنَّه مفعول له، أي: نضعها لأجل القسط، وقد استوفى شروطَ نصبه،
стр. 6100
وأمَّا قوله تعالى: ﴿أَقِمِ الصَّلَاةَ لِدُلُوكِ الشَّمْسِ﴾ [الإسراء: ٧٨]، فليست اللام بمعنى "في" قطعاً، بل قيل: إنَّها لام التعليل، أي: لأجل دلوك الشمس، وقيل: إنَّها بمعنى بعد، فإنَّه ليس المرادُ إقامتهَا وقتَ الدلوك سواء فسر بالزوال أو الغروب، وإنَّما يُؤمر بالصلاة بعده، ويستحيلُ حمل آية العدة على ذلك، وهكذا يستحيلُ حملُ آية العِدة عليه، إذ يصيرُ المعنى: فَطَلِّقُوهُنَّ بَعْدَ عِدَّتِهِنَّ. فلم يبق إلَّا أن يكون المعنى: فطلقوهن لاستقبال عِدتهن، ومعلوم أنَّها إذا طلقت طاهراً استقبلت العدةَ بالحيض. ولو كانت الأقراء الأطهار، لكانت السنة أن تطلق حائضاً لتستقبل العدة بالأطهار، فبيَّن النبيُّ ﷺ أن العدة التي أمر الله أن تطلق لها النساء هي أن تطلَّق طاهراً لتستقبل عدتها بعد الطلاق.
الدليل السابع: أن يقال: القروء مشتق من الظهور والخروج على وجه التوقيت والتحديد، ومنه قراءة القرآن، لأنَّ قارئه يُظهره ويُخرجه مقداراً محدوداً لا يزيدُ ولا ينقُصُ.
وقول من قال: إنَّه مشتق من الجمع، وإنَّما يُجمع الحيض في زمن الطهر. فغير صحيح، ويدل على خطئه قَوْلُهُ: ﴿إِنَّ عَلَيْنَا جَمْعَهُ وقُرْآنَه﴾ [القيامة: ١٧]، ففرق بين الجمع والقُرْآنِ. ولو كانا واحداً، لكان تكريراً محضاً، ولهذا قال ابن عباس
стр. 6101
﵄: ﴿فإذَا قَرأْنَاهُ فاتَّبع قُرْآنَهُ﴾ [القيامة: ١٨]، فإذا بيناه، فجعل قراءته نفس إظهاره وبيانه، لا كما زعم أبو عُبيدة أنَّ القرآن مشتق من الجمع. ومنه قولهم: ما قرأت هذه الناقةُ سَلَى قَطُّ، وما قرأت جنيناً هو من هذا الباب، أي ما ولدته وأخرجته وأظهرته، ومنه: فلان يَقرؤك السلام، ويقرأ عليك السلام، هو من الظهور والبيان، ومنه قولهم: قرأت المرأة حيضة أو حيضتين، أي: حاضتهما، لأنَّ الحيض ظهورُ ما كان كامناً، كظهور الجنين، ومنه: قروء الثريا، وقروء الريح: وهو الوقت الذي يظهر المطر والريح، فإنَّهما يظهران في وقت مخصوص، وقد ذكر هذا الاشتقاق المصنفون في كتب الاشتقاق، وذكره أبو عمرو وغيره، ولا ريب أن هذا المعْنَى في الحيض أظهرُ منه في الطهر.
الدليل الثامن وهو دليل نظري: فيقال: المقصودُ الأصلي مِنْ العدة إنَّما هو استبراءُ الرحم، وإن كان لها فوائد أخر، ولِشرف الحرة المنكوحة وخطرها، جعل العلم الدال على براءة رحمها ثلاثة أقراء، فلو كان القرء: هو الطهر، لم تحصل بالقرء الأول دلالة، فإنَّه لو جامعها في الطهر، ثم طلقها، ثم حاضت كان ذلك قرءاً محسوباً من الأقراء عند من يقول: الأقراء الأطهار. ومعلوم: أنَّ هذا لم يدل على شيء، وإنَّما الذي يَدُلُّ على البراءة الحيض الحاصل بعد الطلاق، ولو طلقها في
стр. 6102
طهر، لم يُصبها فيه، فإنَّما يعلم هنا براءة الرحم بالحيض الموجود قبلَ الطلاق، والعِدة لا تكونُ قبل الطلاق لأنَّها حُكمه، والحكم لا يسبِقُ سببه، فإذا كان الطهرُ الموجود بعد الطلاق لا دلالة له على البراءة أصلاً، لم يجز إدخالهُ في العِدد الدالة على براءة الرحم، وكان مثلُه كمثل شاهدٍ غيرِ مقبول، ولا يجوزُ تعليقُ الحكم بشهادة شاهد لا شهادة له.
قُلْتُ: هذا بعض ما انتقيته من كلام العلامة ابن القيم ﵀ مع شيء من التصرف بزيادة أو نقصان، أو تقديم أو تأخير، ولولا أنَّ العلامة ابن القيم ﵀ أطال بذلك النفس لنقلت كلامه بحروفه فإنَّه مليء بالفوائد النفيسة.
١١ - قَوْلُهُ: «لِيُرَاجِعْهَا». احتج به من قال: إنَّ الأمر بالأمر بالشيء أمر به.
قَالَ الْعَلَّامَةُ ابْنُ الْقَيِّمِ ﵀ فِي [تَهْذِيْبِ السُّنَنِ] (١/ ٣٥١): «وقَوْلُهُ: "مره فليراجعها" دليل على أنَّ الأمر بالأمر بالشيء أمر به. وقد اختلف الناس في ذلك، وفصل النزاع أنَّ المأمور الأول إن كان مبلغاً محضاً كأمر النبي ﷺ آحاد الصحابة أن يأمر الغائب عنه بأمره، فهذا أمر به من جهة الشارع قطعاً، ولا يقبل ذلك نزاعاً أصلاً، ومنه قَوْلُهُ: "مرها فلتصبر ولتحتسب" وقَوْلُهُ: "مروهم بصلاة كذا في حين كذا" ونظائره، فهذا الثاني مأمور به من جهة الرسول
стр. 6103
ﷺ ، فإذا عصاه المبلغ إليه فقد عصى أمر الرسول صلوات الله وسلامه عليه، والمأمور الأول مبلغ محض، وإن كان الأمر متوجهاً إلى المأمور الأول توجه التكليف، والثاني غير مكلف، لم يكن أمراً للثاني من جهة الشارع، كقوله ﷺ : "مروهم بالصلاة لسبع". فهذا الأمر خطاب للأولياء بأمر الصبيان بالصلاة، فهذا فصل الخطاب في هذا الباب. والله أعلم بالصواب» اهـ.
١٢ - فيه دليل على أنَّ الرجعة يستقل بها الزوج دون الولي، ويدل على ذلك من القرآن قول الله تعالى: ﴿وَبُعُولَتُهُنَّ أَحَقُّ بِرَدِّهِنَّ فِي ذَلِكَ إِنْ أَرَادُوا إِصْلَاحًا﴾ [البقرة: ٢٢٨].
* * *
стр. 6104
٣١٢ - عَنْ فَاطِمَةَ بِنْتِ قَيْسٍ: «أَنَّ أَبَا عَمْرِو بْنَ حَفْصٍ طَلَّقَهَا الْبَتَّةَ، وَهُوَ غَائِبٌ».
وَفِي رِوَايَةٍ: «طَلَّقَهَا ثَلاثاً - فَأَرْسَلَ إلَيْهَا وَكِيلَهُ بِشَعِيرٍ، فَسَخِطَتْهُ. فَقَالَ: وَاَللَّهِ مَا لَكِ عَلَيْنَا مِنْ شَيْءٍ: فَجَاءَتْ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ فَذَكَرَتْ ذَلِكَ لَهُ، فَقَالَ: "لَيْسَ لَكِ عَلَيْهِ نَفَقَةٌ"».
وَفِي لَفْظٍ: «وَلا سُكْنَى».
«فَأَمَرَهَا أَنْ تَعْتَدَّ فِي بَيْتِ أُمِّ شَرِيكٍ، ثُمَّ قَالَ: "تِلْكَ امْرَأَةٌ يَغْشَاهَا أَصْحَابِي، اعْتَدِّي عِنْدَ ابْنِ أُمِّ مَكْتُومٍ. فَإِنَّهُ رَجُلٌ أَعْمَى، تَضَعِينَ ثِيَابَكَ، فَإِذَا حَلَلْتِ فَآذِنِينِي".
قَالَتْ: فَلَمَّا حَلَلْتُ ذَكَرْتُ لَهُ: أَنَّ مُعَاوِيَةَ بْنَ أَبِي سُفْيَانَ وَأَبَا جَهْمٍ خَطَبَانِي، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "أَمَّا أَبُو جَهْمٍ: فَلا يَضَعُ عَصَاهُ عَنْ عَاتِقِهِ. وَأَمَّا مُعَاوِيَةُ: فَصُعْلُوكٌ لا مَالَ لَهُ، انْكِحِي أُسَامَةَ بْنَ زَيْدٍ"، فَكَرِهَتْهُ ثُمَّ قَالَ: "انْكِحِي أُسَامَةَ بْنَ زَيْدٍ"، فَنَكَحَتْهُ. فَجَعَلَ اللَّهُ فِيهِ خَيْراً، وَاغْتَبَطَتْ بِهِ».
قَالَ الْعَلَّامَةُ الْقُرْطُبِي ﵀ فِي [الْمُفْهِم] (١٣/ ١٠٢): «واختلف في معنى قَوْلِهِ: "ولا يضع عصاه عن عاتقه"، فقيل: معناه: أنَّه ضرَّاب للنساء، كما جاء مفسَّرًا في الرواية الأخرى. وفي أخرى: "فيه شدَّة على النساء". وقيل: المراد به: أنَّه
стр. 6105
كثير الأسفار. وقد جاء أيضًا في بعض رواياته في غير كتاب مسلم ما يدل على ذلك. غير أنَّ التأويل الأول أحسن وأصحّ» اهـ.
قُلْتُ: روى مسلم (١٤٨٠) عَنْ فَاطِمَةَ بِنْتِ قَيْسٍ، قَالَتْ: إِنَّ زَوْجَهَا طَلَّقَهَا ثَلَاثًا، فَلَمْ يَجْعَلْ لَهَا رَسُولُ اللهِ ﷺ سُكْنَى، وَلَا نَفَقَةً، قَالَتْ: قَالَ لِي رَسُولُ اللهِ ﷺ : «إِذَا حَلَلْتِ فَآذِنِينِي»، فَآذَنْتُهُ، فَخَطَبَهَا مُعَاوِيَةُ، وَأَبُو جَهْمٍ، وَأُسَامَةُ بْنُ زَيْدٍ، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : «أَمَّا مُعَاوِيَةُ فَرَجُلٌ تَرِبٌ، لَا مَالَ لَهُ، وَأَمَّا أَبُو جَهْمٍ فَرَجُلٌ ضَرَّابٌ لِلنِّسَاءِ، وَلَكِنْ أُسَامَةُ بْنُ زَيْدٍ» فَقَالَتْ بِيَدِهَا هَكَذَا: أُسَامَةُ، أُسَامَةُ، فَقَالَ لَهَا رَسُولُ اللهِ ﷺ : «طَاعَةُ اللهِ، وَطَاعَةُ رَسُولِهِ خَيْرٌ لَكِ»، قَالَتْ: فَتَزَوَّجْتُهُ، فَاغْتَبَطْتُ.
وفي رواية لمسلم: «إِنَّ مُعَاوِيَةَ تَرِبٌ، خَفِيفُ الْحَالِ، وَأَبُو الْجَهْمِ مِنْهُ شِدَّةٌ عَلَى النِّسَاءِ - أَوْ يَضْرِبُ النِّسَاءَ، أَوْ نَحْوَ هَذَا -، وَلَكِنْ عَلَيْكِ بِأُسَامَةَ بْنِ زَيْدٍ».
قَوْلُهَا: «طَلَّقَهَا الْبَتَّةَ». أي آخر ثلاث تطليقات. والبت في اللغة القطع.
قَالَ الْعَلَّامَةُ الْقُرْطُبِي ﵀ فِي [الْمُفْهِم] (١٣/ ٩٧): «وإنَّما سَمَّى آخر الثلاث: البتة؛ لأنَّها طلقة تَبُتُّ العصمة، ولا تُبْقي منها شيئاً» اهـ.
وقَوْلُهُ: «فَإِذَا حَلَلْتِ فَآذِنِينِي». أي: أعلميني.
стр. 6106
وَقَوْلُهُ: «أَمَّا أَبُو جَهْمٍ، فَلَا يَضَعُ عَصَاهُ عَنْ عَاتِقِهِ» العاتق ما بين العنق والمنكب.
وَقَوْلُهَا: «وَاغْتَبَطْتُ بِهِ». الغبطة أن يتمنى مثل حال المغبوط من غير إرادة زوالها عنه وليس هو بحسد.
تَنْبِيْهٌ: هذا الحديث انفرد بإخراجه مسلم (١٤٨٠)، ولم يخرجه البخاري.
وَفِي الْحَدِيْثِ مَسَائِلُ مِنْهَا:
١ - جواز العمل بالوكالة. وهذا مما لا خلاف فيه بين العلماء.
٢ - وفيه أنَّ المتعة تكون للمطلقة ثلاثاً.
قُلْتُ: والصحيح من أقوال العلماء أنَّ المتعة تجب لجميع المطلقات، لعموم قول الله تعالى: ﴿وَلِلْمُطَلَّقَاتِ مَتَاعٌ بِالْمَعْرُوفِ حَقًّا عَلَى الْمُتَّقِينَ﴾ [البقرة: ٢٤١].
وقد دل القرآن على المتعة للمطلقة قبل المسيس، وقبل أن يُفرض لها مهرٌ، كما قال الله تعالى: ﴿لَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ إِنْ طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ مَا لَمْ تَمَسُّوهُنَّ أَوْ تَفْرِضُوا لَهُنَّ فَرِيضَةً وَمَتِّعُوهُنَّ عَلَى الْمُوسِعِ قَدَرُهُ وَعَلَى الْمُقْتِرِ قَدَرُهُ مَتَاعًا بِالْمَعْرُوفِ حَقًّا عَلَى الْمُحْسِنِينَ﴾ [البقرة: ٢٣٦].
стр. 6107
وهكذا إن فرض لها فريضة فلها المتعة لعموم قول الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نَكَحْتُمُ الْمُؤْمِنَاتِ ثُمَّ طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَمَسُّوهُنَّ فَمَا لَكُمْ عَلَيْهِنَّ مِنْ عِدَّةٍ تَعْتَدُّونَهَا فَمَتِّعُوهُنَّ وَسَرِّحُوهُنَّ سَرَاحًا جَمِيلًا﴾ [الأحزاب: ٤٩].
وإن كانت المطلقة مدخول بها فلها المتعة كما يدل على ذلك قول الله تعالى:
﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لِأَزْوَاجِكَ إِنْ كُنْتُنَّ تُرِدْنَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا وَزِينَتَهَا فَتَعَالَيْنَ أُمَتِّعْكُنَّ وَأُسَرِّحْكُنَّ سَرَاحًا جَمِيلًا﴾ [الأحزاب: ٢٨].
قَالَ الْحَافِظُ ابْنُ كَثِيْرٍ ﵀ فِي [تَفْسِيْرِهِ] (١/ ٦٤١ - ٦٤٢):
«وقد اختلف العلماء أيضًا: هل تجب المتعة لكل مطلقة، أو إنَّما تجب المتعة لغير المدخول بها التي لم يفرض لها؟ على أقوال:
أحدها: أنَّه تجب المتعة لكل مطلقة، لعموم قوله تعالى: ﴿وَلِلْمُطَلَّقَاتِ مَتَاعٌ بِالْمَعْرُوفِ حَقًّا عَلَى الْمُتَّقِينَ﴾، ولقوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لأزْوَاجِكَ إِنْ كُنْتُنَّ تُرِدْنَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا وَزِينَتَهَا فَتَعَالَيْنَ أُمَتِّعْكُنَّ وَأُسَرِّحْكُنَّ سَرَاحًا جَمِيلاً﴾. وقد كنَّ مفروضاً لهنَّ ومدخولاً بهنَّ، وهذا قول سعيد بن جُبير، وأبي العالية، والحسن البصري. وهو أحد قولي الشافعي، ومنهم من جعله الجديد الصحيح، فالله أعلم.
стр. 6108
والقول الثاني: أنَّها تجب للمطلقة إذا طلقت قبل المسيس، وإن كانت مفروضاً لها لقوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نَكَحْتُمُ الْمُؤْمِنَاتِ ثُمَّ طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَمَسُّوهُنَّ فَمَا لَكُمْ عَلَيْهِنَّ مِنْ عِدَّةٍ تَعْتَدُّونَهَا فَمَتِّعُوهُنَّ وَسَرِّحُوهُنَّ سَرَاحاً جَمِيلاً﴾. قال شعبة وغيره، عن قتادة، عن سعيد بن المسيب قال: نسخت هذه الآية التي في الأحزاب الآية التي في البقرة.
وقد روى البخاري في صحيحه، عن سهل بن سعد، وأبي أسَيد أنَّهما قالا تزوج رسول الله ﷺ أميمة بنت شراحيل، فلما أدخلت عليه بسط يده إليها فكأنَّما كرهت ذلك، فأمر أبا أسيد أن يجهزها ويكسوها ثوبين رازِقِيَّين.
والقول الثالث: أنَّ المتعة إنَّما تجب للمطلقة إذا لم يدخل بها، ولم يفرض لها، فإن كان قد دخل بها وجب لها مهر مثلها إذا كانت مفوضة، وإن كان قد فرض لها وطلقها قبل الدخول، وجب لها عليه شطره، فإن دخل بها استقر الجميع، وكان ذلك عوضاً لها عن المتعة، وإنَّما المصابة التي لم يفرض لها ولم يدخل بها فهذه التي دلت هذه الآية الكريمة على وجوب متعتها. وهذا قول ابن عمر، ومجاهد. ومن العلماء: من استحبها لكل مطلقة ممن عدا المفوضة المفارقة قبل الدخول: وهذا
стр. 6109
ليس بمنكور وعليه تحمل آية التخيير في الأحزاب؛ ولهذا قال تعالى: ﴿وَلِلْمُطَلَّقَاتِ مَتَاعٌ بِالْمَعْرُوفِ حَقًّا عَلَى الْمُتَّقِينَ﴾.
ومن العلماء من يقول: إنَّها مستحبة مطلقًا. قال ابن أبي حاتم: حدثنا كثير بن شهاب القزويني، حدثنا محمد بن سعيد بن سابق، حدثنا عمرو -يعني ابن أبي قيس -عن أبي إسحاق، عن الشعبي قال: ذكروا له المتعة، أيحبس فيها؟ فقرأ: ﴿عَلَى الْمُوسِعِ قَدَرُهُ وَعَلَى الْمُقْتِرِ قَدَرُهُ﴾ قال الشعبي: والله ما رأيت أحداً حبس فيها، والله لو كانت واجبة لحبس فيها القضاة» اهـ.
وَقَالَ الْعَلَّامَةُ ابْنُ قُدَامَةَ ﵀ فِي [الْمُغْنِي] (١٥/ ٤٠٢ - ٤٠٣): «وروي عن أحمد: لكل مطلقة متاع. وروي ذلك عن علي بن أبي طالب، والحسن، وسعيد بن جبير، وأبي قلابة، والزهري، وقتادة، والضحاك، وأبي ثور؛ لظاهر قوله تعالى: ﴿وَلِلْمُطَلَّقَاتِ مَتَاعٌ بِالْمَعْرُوفِ حَقًّا عَلَى الْمُتَّقِينَ﴾.
ولقوله تعالى لنبيه: ﵇: ﴿قُلْ لأزْوَاجِكَ﴾ إلى قوله: ﴿فَتَعَالَيْنَ أُمَتِّعْكُنَّ وَأُسَرِّحْكُنَّ سَرَاحًا جَمِيلاً﴾ وعلى هذه الرواية، لكل مطلقة متاع، سواء كانت مفوضة أو مسمى لها، مدخولاً بها أو غيرها؛ لما ذكرنا.
وظاهر المذهب أنَّ المتعة لا تجب إلَّا لِلْمُفَوَّضَةِ التي لم يدخل بها إذا طلقت.
стр. 6110
قال أبو بكر: كل من روى عن أبي عبد الله فيما أعلم، روى عنه أنَّه لا يحكم بالمتعة إلَّا لمن لم يسم لها مهر، إلَّا حنبلاً، فإنَّه روى عن أحمد أنَّ لكل مطلقة متاعاً.
قال أبو بكر: والعمل عليه عندي لولا تواتر الروايات عنه بخلافها.
ولنا: قوله تعالى ﴿لَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ إنْ طَلَّقْتُمْ النِّسَاءَ مَا لَمْ تَمَسُّوهُنَّ أَوْ تَفْرِضُوا لَهُنَّ فَرِيضَةً وَمَتِّعُوهُنَّ﴾.
ثم قال: ﴿وَإِنْ طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَمَسُّوهُنَّ وَقَدْ فَرَضْتُمْ لَهُنَّ فَرِيضَةً فَنِصْفُ مَا فَرَضْتُمْ﴾.
فخص الأولى بالمتعة، والثانية بنصف المفروض، مع تقسيمه النساء قسمين، وإثباته لكل قسم حكماً، فيدل ذلك على اختصاص كل قسم بحكمه، وهذا يخص ما ذكروه.
ويحتمل أن يحمل الأمر بالمتاع في غير المفوضة على الاستحباب؛ لدلالة الآيتين اللتين ذكرناهما على نفي وجوبها، جمعاً بين دلالة الآيات والمعنى، فإنَّه عوض واجب في عقد، فإذا سمي فيه عوض صحيح، لم يجب غيره، كسائر عقود المعاوضة، ولأنَّها لا تجب لها المتعة قبل الفرقة، ولا ما يقوم مقامها، فلم تجب لها عند الفرقة، كالمتوفى عنها زوجها» اهـ.
стр. 6111
وَقَالَ الْعَلَّامَةُ النَّسَفِيُّ ﵀ فِي [طَلِبَةِ الطَّلَبَةِ] (ص: ١٢٥):
«الْمُفَوِّضَةُ بِكَسْرِ الْوَاوِ هِيَ الَّتِي زَوَّجَتْ نَفْسَهَا مِنْ رَجُلٍ مِنْ غَيْرِ تَسْمِيَةِ مَهْرٍ وَالْمُفَوَّضَةُ بِفَتْحِ الْوَاوِ هِيَ الَّتِي زَوَّجَهَا وَلِيُّهَا مِنْ رَجُلٍ مِنْ غَيْرِ تَسْمِيَةِ مَهْرٍ فَبِالْكَسْرِ نَعْتُ الْفَاعِلَةِ وَبِالْفَتْحِ نَعْتُ الْمَفْعُولَةِ وَالتَّفْوِيضُ هُوَ التَّسْلِيمُ وَهُوَ تَرْكُ الْمُنَازَعَةِ وَالْمُضَايَقَةِ وَيُرَادُ بِهِ تَفْوِيضُ أَمْرِ الْمَهْرِ إلَى الزَّوْجِ وَتَرْكُ الْمُنَازَعَةِ فِي تَقْدِيرِهِ» اهـ.
قُلْتُ: واختار شَيْخُ الْإِسْلَامِ ابْنُ تَيْمِيَّةَ ﵀ أنَّ المتعة لكل مطلقة فقال كما في [مَجْمُوْعِ الْفَتَاوَى] (٣٢/ ٢٧ - ٢٨):
«فالقول الثالث أصح؛ وهو الرواية الأخرى عن أحمد: أنَّ كل مطلقة لها متعة؛ كما دل عليه ظاهر القرآن وعمومه حيث قال: ﴿وَلِلْمُطَلَّقَاتِ مَتَاعٌ بِالْمَعْرُوفِ﴾، وأيضاً: فإنَّه قد قال: ﴿إِذَا نَكَحْتُمُ الْمُؤْمِنَاتِ ثُمَّ طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَمَسُّوهُنَّ فَمَا لَكُمْ عَلَيْهِنَّ مِنْ عِدَّةٍ تَعْتَدُّونَهَا فَمَتِّعُوهُنَّ وَسَرِّحُوهُنَّ سَرَاحاً جَمِيلاً﴾. فأمر بتمتيع المطلقات قبل المسيس ولم يخص ذلك بمن لم يفرض لها مع أنَّ غالب النساء يطلقن بعد الفرض.
стр. 6112
وأيضاً: فإذا كان سبب المتعة هو الطلاق فسبب المهر هو العقد. فالمفوضة التي لم يسم لها مهراً يجب لها مهر المثل بالعقد ويستقر بالموت على القول الصحيح الذي دل عليه حديث بروع بنت واشق التي تزوجت ومات عنها زوجها قبل أن يفرض لها مهر وقضى لها النبي ﷺ بأنَّ لها مهر امرأة من نسائها لا وكس ولا شطط. لكن هذه لو طلقت قبل المسيس لم يجب لها نصف المهر بنص القرآن؛ لكونها لم تشترط مهراً مسمى والكسر الذي حصل لها بالطلاق انجبر بالمتعة» اهـ.
قُلْتُ: وقد ذكر ﵀ قبل ذلك قولين:
الأول: أنَّ المتعة تكون لكل مطلقة إلَّا لمن طلقت بعد الفرض وقبل الدخول والمسيس فحسبها ما فرض لها، وهو مذهب ابن عمر ومالك والشافعي وأحمد في إحدى الروايات عنه.
والآخر: أنَّ المتعة لا تجب إلَّا لمن طلقت قبل الفرض والدخول ويجعلون المتعة عوضاً عن نصف الصداق ويقولون: كل مطلقة فإنَّها تأخذ صداقاً؛ إلاَّ هذه، وهذا مذهب أحمد في الرواية الأخرى وأبي حنيفة وغيرهما.
стр. 6113
قُلْتُ: والذي يظهر لي رجحانه هو ما اختاره شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ لعموم الأدلة.
وقد ندب الله تعالى إلى العفو في حق من طلقت بعد الفريضة وقبل المسيس فقال الله تعالى:
﴿وَإِنْ طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَمَسُّوهُنَّ وَقَدْ فَرَضْتُمْ لَهُنَّ فَرِيضَةً فَنِصْفُ مَا فَرَضْتُمْ إِلَّا أَنْ يَعْفُونَ أَوْ يَعْفُوَ الَّذِي بِيَدِهِ عُقْدَةُ النِّكَاحِ وَأَنْ تَعْفُوا أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى وَلَا تَنْسَوُا الْفَضْلَ بَيْنَكُمْ إِنَّ اللَّهَ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ﴾ [البقرة: ٢٣٧]، وقد اختلف العلماء في الذي بيده عقدة النكاح فقيل الزوج كما هو مذهب علي بن أبي طالب وجماعة من التابعين ومن جاء بعدهم، وهو مذهب الشافعي وأحمد وأبي حنيفة رحمهم الله تعالى.
وقيل هو الولي كمذهب ابن عباس وجماعة من التابعين ومن جاء بعدهم، وهو مذهب مالك، وأحمد في رواية وشيخ الإسلام ابن تيمية وتلميذه العلامة ابن القيم رحمهم الله تعالى.
والأظهر أنَّه الولي ويدل على ذلك عدة أوجه:
стр. 6114
الأول: أنَّ الله تعالى ذكر في أول الآية الأزواج وفرض عليهم دفع النصف من المفروض ثم ذكر الزوجات ثم عطف عليهن من بيده عقدة النكاح، وظاهر ذلك أنَّهم غير من سبق.
الثاني: أنَّ الله تعالى ذكر الزوج بلفظ الخطاب، وذكر الذي بيده عقدة النكاح بلفظ الغيبة، ولو كان المراد به الزوج لذكره بلفظ الخطاب ولقال: "أو تعفون" فدلَّ ذلك أنَّ المراد به الولي.
الثالث: أنَّ عقدة النكاح هي عقد النكاح وهو ابتداء فعله كما تدل على ذلك الآية قبلها وهي قول الله تعالى: ﴿وَلَا تَعْزِمُوا عُقْدَةَ النِّكَاحِ حَتَّى يَبْلُغَ الْكِتَابُ أَجَلَهُ﴾ [البقرة: ٢٣٥]. والقرآن يفسر بالقرآن، والذي بيده عقد النكاح هو الولي وليس الزوج، فالزوج ليس بيده عقد النكاح لمن أراد الزواج بها، فإن قيل له عقدة النكاح لنفسه قيل: هذا بعيد عن معنى الآية غاية البعد وأشبه ما يكون بالألغاز لا بتفسير القرآن، ثم يقال: المراد بقَوْلِهِ: ﴿أَوْ يَعْفُوَ الَّذِي بِيَدِهِ عُقْدَةُ النِّكَاحِ﴾ أي عقدة نكاحهن والتعريف في النكاح بدل من الضمير كقوله تعالى: ﴿فَإِنَّ الْجَحِيمَ هِيَ الْمَأْوَى﴾ [النازعات: ٣٩] أي مأواهم، وإن قيل: المراد أنَّ له أن يبقي النكاح
стр. 6115
أو يفكه، فالجواب أنَّ العقدة بمعنى العقد ولا يفهم من ذلك إلَّا ابتداء النكاح دون إبقائه، وأيضاً يرد ذلك ما سيأتي في الوجه الذي بعده.
الرابع: أنَّ الله تعالى ذكر الذي بيده عقدة النكاح بعد تقدم الطلاق من الزوج، ولا يمكن أن يراد به الزوج فإنَّه بطلاقه زال عنه النكاح فلم يبق معه عقدة النكاح. وأمَّا الولي فعقد النكاح ما زال في يده.
الخامس: أنَّ الله تعالى ذكر ما يتعلق بعفو الزوجة في أول الآية في قَوْلِهِ: ﴿إِلَّا أَنْ يَعْفُونَ﴾، وذكر عفو الزوج في آخر الآية في قَوْلِهِ: ﴿وَأَنْ تَعْفُوا أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى﴾ وذكر ذلك بلفظ الخطاب، فبقى عفو من بيده عقدة النكاح فهو نوع ثالث ذكره بلفظ الغيبة ولا يكون إلَّا الولي.
السادس: أنَّ الله تعالى قال: ﴿إِلَّا أَنْ يَعْفُونَ﴾، ومعلوم أنَّه ليس كل زوجة يصح عفوها، فالزوجة قد تكون كبيرة راشدة يصح عفوها، وقد تكون صغيرة أو محجور عليها ولا يصح عفوها، فالعفو من الكبيرة الرشيدة يكون من جهتها، فبقت الصغيرة والمحجور عليها فإنَّه لا يصح منهما العفو وإنَّما من يكون وليها وهو الأب، ولهذا ذكر بعد ذلك عفو من بيده عقدة النكاح لبيان هذا الأمر وتقريره، والله أعلم، وبهذا تكون الآية جامعة مانعة، ولو فسرنا أنَّ بيده عقدة
стр. 6116
النكاح بالزوج لم تكن الآية جامعة لكل ما يحتاج إلى معرفته من أمر العفو في نصف المهر، ويبقى الأشكال فيها وارد في شأن الصغيرة والمحجور عليها هل لهما العفو أو لا.
وبناء على ذلك فيكون معنى الآية ﴿إِلَّا أَنْ يَعْفُونَ﴾ إن كنَّ أهلاً للعفو، ﴿أَوْ يَعْفُوَ الَّذِي بِيَدِهِ عُقْدَةُ النِّكَاحِ﴾ إذا لم يكنَّ أهلاً للعفو.
السابع: أنَّ الله تعالى قال: ﴿إِلَّا أَنْ يَعْفُونَ أَوْ يَعْفُوَ الَّذِي بِيَدِهِ عُقْدَةُ النِّكَاحِ﴾ فذكر عفو الزوجة وعفو الذي بيده عقدة النكاح والأصل أن يكون العفوان بمعنى واحد، فعفو الزوجة عفو إسقاط، وعفو الذي بيده عقدة النكاح عفو إسقاط فالزوجة تعفو بإسقاط نصف مهرها إن كانت أهلاً للعفو، والذي بيده عقدة النكاح يعفو بإسقاط نصف المهر إن لم تكن الزوجة أهلاً للعفو، ولو تأولنا الذي بيده عقدة النكاح بالزوج فإنَّ عفوه إفضال وليس بإسقاط.
الثامن: أنَّ في أول الآية ﴿وَإِنْ طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَمَسُّوهُنَّ وَقَدْ فَرَضْتُمْ لَهُنَّ فَرِيضَةً فَنِصْفُ مَا فَرَضْتُمْ﴾، أي فنصف ما فرضتم واجب عليكم أن تؤدوه لمن طلقتموهنَّ ثم استثنى من هذا الوجوب ما إذا عفت المرأة أو عفا الذي بيده عقدة النكاح، والمعنى إذا عفوتم عن نصف المهر أو عفا عنه الولي فقد سقط الوجوب
стр. 6117
عن الزوج بإعطائه، وأمَّا إذا فسرنا الذي بيده عقدة النكاح على الزوج فإنَّ معنى الاستثناء لا يستقيم إلَّا بكلفة.
قَالَ الْعَلَّامَةُ ابْنُ الْقَيِّمِ ﵀ فِي [بَدَائِعِ الْفَوَائِدِ] (٣/ ١١٤):
«قُلْتُ: ونص أحمد في رواية أخرى أنه الأب وهو مذهب مالك واختاره شيخ الإسلام ابن تيمية وقد ذكرت على رجحانه بضعة عشر دليلا في موضع آخر» اهـ.
٣ - وفيه أنَّ المطلقة البائن ليس لها نفقة ولا سكنى.
وذهب إلى هذا القول من الأئمة الأربعة الإمام أحمد، ومن الصحابة ابن عباس، وجابر، وفاطمة بنت قيس راوية الحديث، وذهب عمر بن الخطاب ﵁ إلى أنَّه لها السكنى والنفقة وهو مذهب أبي حنيفة، وذهب الإمام مالك والشافعي إلى أنَّ لها السكنى دون النفقة.
والصحيح أنَّه ليس لها نفقة ولا سكنى.
قَالَ شَيْخُ الْإِسْلَامِ ابْنُ تَيْمِيَّةَ ﵀ كَمَا فِي [مَجْمُوْعِ الْفَتَاوَى] (٣٣/ ٣٢ - ٣٣): «ولهذا لما رأى عمر ﵁ أنَّ المبتوتة لها السكنى والنفقة فظن أنَّ القرآن يدل عليه نازعه أكثر الصحابة فمنهم من قال: لها السكنى فقط. ومنهم من قال: لا نفقة لها ولا سكنى. وكان من هؤلاء ابن عباس وجابر وفاطمة بنت قيس
стр. 6118
وهي التي روت عن النبي ﷺ أنَّه قال: "ليس لك نفقة ولا سكنى" فلما احتجوا عليها بحجة عمر وهي قوله تعالى: ﴿لَا تُخْرِجُوهُنَّ مِنْ بُيُوتِهِنَّ وَلَا يَخْرُجْنَ إلَّا أَنْ يَأْتِينَ بِفَاحِشَةٍ مُبَيِّنَةٍ﴾، قالت هي وغيرها من الصحابة - كابن عباس وجابر وغيرهما -: هذا في الرجعية لقوله تعالى: ﴿لَا تَدْرِي لَعَلَّ اللَّهَ يُحْدِثُ بَعْدَ ذَلِكَ أَمْرًا﴾ فأي أمر يحدث بعد الثلاث وفقهاء الحديث كأحمد ابن حنبل في ظاهر مذهبه وغيره من فقهاء الحديث مع فاطمة بنت قيس» اهـ.
وقد حرَّر هذه المسألة الْعَلَّامَةُ ابْنُ الْقَيِّمِ ﵀ تحريراً نفيساً فِي [زَادِ الْمَعَادِ] (٥/ ٥٢٦ - ٥٤٢) فقال: «ذكر موافقة هذا الحكم لكتاب الله .
قال الله تعالى: ﴿يَأَيُّهَا النَّبيُّ إِذَا طَلَّقْتُمُ النَسَاءَ فَطَلِّقُوهُنَ لِعِدَّتِهِنَّ وَأَحْصُوا العِدَّةَ واتَّقُوا اللهَ رَبّكُم لا تُخْرِجُوهنَّ مِنْ بُيُوتِهِنَّ وَلَا يَخْرُجْنَ إلاَّ أَنْ يَأتِينَ بِفَاحِشَةٍ مُبيَّنَةٍ وَتِلْكَ حُدُودُ اللهِ وَمَنْ يَتَعَدَّ حُدُودَ اللهِ فَقَدْ ظَلَم نفْسَهُ لا تدْرِي لعلَ الله يُحْدِثُ بعْد ذلِكَ أَمْراً * فَإذا بَلَغْنَ أجَلَهُنَّ فَأَمْسِكُوهُنَّ بمعروفٍ أَوْ فَارقُوهُنَّ بمَعْرُوفٍ وأَشهِدوا ذوَيْ عَدْلٍ مِنْكُمُ وَأَقِيمُوا الشّهَادَةَ للّهِ﴾، إلى قَوْلِهِ: ﴿قدْ جعل اللهُ لِكُلّ شيءَ قَدْراً﴾.
стр. 6119
فأمر الله سبحانه الأزواج الذين لهم عند بلوغ الأجلِ الإِمساكُ والتسريحُ بأن لا يُخرجوا أزواجهم مِنْ بيوتهم، وأمر أزواجَهنَّ أن لا يَخْرُجْنَّ، فدلَّ على جواز إخراج من ليس لزوجها إمساكُها بعدَ الطلاق، فإنَّه سبحانه ذكر لهؤلاء المطلقات أحكاماً متلازمة لا ينفكُّ بعضُها عن بعض.
أحدها: أنَّ الأزواج لا يخرجوهن من بيوتهن.
والثاني: أنَّهن لا يخرجن من بيوت أزواجهن.
والثالث: أنَّ لأزواجهن إمساكهن بالمعروف قبل انقضاء الأجل، وترك الإمساك، فيسرحوهن بإحسان.
والرابع: إشهاد ذوي عدل، وهو إشهاد على الرجعة إمَّا وجوباً، وإمَّا استحباباً، وأشار سبحانه إلى حكمة ذلك، وأنَّه في الرجعيات خاصة بقَوْلِهِ: ﴿لا تَدْرِي لَعَلَّ اللهَ يُحْدِثُ بَعْدَ ذلِكَ أَمْراً﴾ والأمر الذي يرجى إحداثه هاهنا: هو المراجعة. هكذا قال السلف ومن بعدهم. قال ابن أبي شيبة: حدثنا أبو معاوية، عن داود الأودي، عن الشعبي: ﴿لا تَدْرِي لَعَلَّ اللهَ يُحْدِثُ بَعْدَ ذلِكَ أَمْراً﴾، قال: لعلك تندم، فيكون لك سبيل إلى الرجعة، وقال الضحاك: ﴿لَعَلَّ اللهَ يُحْدِثُ بَعْدَ ذلِكَ أَمْراً﴾ قال: لعله أن يراجعها في العدة، وقاله عطاء، وقتادة، والحسن، وقد تقدم قول
стр. 6120
فاطمة بنت قيس: أي أمر يحدث بعد الثلاث؟ فهذا يدل على أنَّ الطلاق المذكور: هو الرجعي الذي ثبتت فيه هذه الأحكام، وأنَّ حكمة أحكم الحاكمين وأرحم الراحمين، اقتضته لعل الزوج أن يندم، ويزول الشر الذي نزغه الشيطان بينهما، فتتبعها نفسه، فيراجعها، كما قال علي بن أبي طالب ﵁: لو أنَّ الناس أخذوا بأمر الله في الطلاق، ما تتبع رجل نفسه امرأة يطلقها أبداً.
ثم ذكر سبحانه الأمر بإسكان هؤلاء المطلقات، فقال: ﴿أَسْكِنوهُنَّ مِنْ حَيْثُ سَكَنتم منْ وُجْدِكُم﴾ فالضمائر كلها يتحد مفسرها، وأحكامها كلها متلازمة، وكان قول النبي ﷺ : "إنَّما النفقة والسكنى للمرأة إذا كان لزوجها عليها رجعة"، مشتقاً من كتاب الله ، ومفسراً له، وبياناً لمراد المتكلم به منه، فقد تبين اتحاد قضاء رسول الله ﷺ ، وكتاب الله ، والميزان العادل معهما أيضاً لا يخالفهما، فإنَّ النفقة إنَّما تكون للزوجة، فإذا بانت منه، صارت أجنبية حكمها حكم سائر الأجنبيات، ولم يبق إلَّا مجرد اعتدادها منه، وذلك لا يوجب لها نفقة، كالموطوءة بشبهة أو زنى، ولأنَّ النفقة إنَّما تجب في مقابلة التمكن من الاستمتاع، وهذا لا يمكن استمتاعه بها بعد بينونتها، ولأنَّ النفقة لو وجبت لها عليه لأجل عدتها، لوجبت للمتوفى عنها من
стр. 6121
ماله، ولا فرق بينهما البتة، فإن كل واحد منهما قد بانت عنه، وهي معتدة منه، قد تعذر منهما الاستمتاع، ولأنَّها لو وجبت لها السكنى، لوجبت لها النفقة، كما يقوله من يوجبها. فأمَّا أن تجب لها السكنى دون النفقة، فالنص والقياس يدفعه، وهذا قول عبد الله بن عباس وأصحابه، وجابر بن عبد الله، وفاطمة بنت قيس إحدى فقهاء نساء الصحابة وكانت فاطمة تناظر عليه، وبه يقول أحمد بن حنبل وأصحابه، وإسحاق بن راهويه وأصحابه، وداود بن علي وأصحابه، وسائر أهل الحديث.
وللفقهاء في هذه المسألة ثلاثة أقوال، وهي ثلاث روايات عن أحمد: أحدها: هذا. والثاني: أنَّ لها النفقة والسكنى، وهو قول عمر بن الخطاب، وابن مسعود، وفقهاء الكوفة. والثالث: أنَّ لها السكنى دون النفقة، وهذا مذهب أهل المدينة، وبه يقول مالك والشافعي.
ذكر المطاعن التي طعن بها على حديث فاطمة بنت قيس قديماً وحديثاً:
فأولها طعن أمير المؤمنين عمر بن الخطاب ﵁، فروى مسلم في "صحيحه": عن أبي إسحاق، قال: كنت مع الأسود بن يزيد جالساً في المسجد الأعظم، ومعنا الشعبي، فحدث الشعبي بحديث فاطمة بنت قيس، أنَّ رسول
стр. 6122
الله ﷺ لم يجعل لها سكنى ولا نفقة، ثم أخذ الأسود كفاً من حصى، فحصبه به، فقال: ويلك تحدث بمثل هذا؟ قال عمر: لا نترك كتاب الله وسنة نبينا! لقول امرأة لا ندري لعلها حفظت أو نسيت؟ لها السكنى والنفقة قال الله : ﴿لا تُخْرِجُوهُنَّ مِنْ بُيُوتِهِنَّ وَلا يَخْرُجْنَ إِلَّا أَنْ يَأتِينَ بِفَاحِشَةٍ مُبيِّنَةٍ﴾ قالوا: فهذا عمر يخبر أنَّ سنة رسول الله ﷺ أنَّ لها النفقة والسكنى، ولا ريب أنَّ هذا مرفوع، فإنَّ الصحابي إذا قال: من السنة كذا، كان مرفوعاً، فكيف إذا قال: من سنة رسول الله ﷺ فكيف إذا كان القائل عمر بن الخطاب؟ وإذا تعارضت رواية عمر ﵁، ورواية فاطمة، فرواية عمر ﵁ أولى لا سيما ومعها ظاهر القرآن، كما سنذكر. وقال سعيد بن منصور: حدثنا أبو معاوية، حدثنا الأعمش، عن إبراهيم، قال: كان عمر بن الخطاب إذا ذكر عنده حديث فاطمة بنت قيس قال: ما كنا نغير في ديننا بشهادة امرأة.
ذكر طعن عائشة ﵂ في خبر فاطمة بنت قيس.
في "الصحيحين": من حديث هشام بن عروة، عن أبيه، قال: تزوج يحيى بن سعيد بن العاص بنت عبد الرحمن بن الحكم فطلقها، فأخرجها من عنده، فعاب ذلك
стр. 6123
عليهم عروة، فقالوا: إنَّ فاطمة قد خرجت، قال عروة: فأتيت عائشة ﵂، فأخبرتها بذلك، فقالت: ما لفاطمة بنت قيس خير أن تذكر هذا الحديث. وقال البخاري: فانتقلها عبد الرحمن، فأرسلت عائشة إلى مروان وهو أمير المدينة، اتق الله وارددها إلى بيتها. قال مروان: إنَّ عبد الرحمن بن الحكم غلبني، وقال القاسم بن محمد: أو ما بلغك شأن فاطمة بنت قيس؟ قالت: لا يضرك ألَّا تذكر حديث فاطمة، فقال مروان: إن كان بك شر، فحسبك ما بين هذين من الشر.
ومعنى كلامه: إن كان خروج فاطمة لما يقال من شر كان في لسانها، فيكفيك ما بين يحيى بن سعيد بن العاص وبين امرأته من الشر.
وفي "الصحيحين": عن عروة، أنَّه قال لعائشة ﵂: ألم تري إلى فلانة بنت الحكم طلقها زوجها البتة فخرجت، فقالت: بئس ما صنعت، فقُلْتُ: ألم تسمعي إلى قول فاطمة، فقالت: أما إنَّه لا خير لها في ذكر ذلك.
وفي حديث القاسم، عن عائشة ﵂ يعني: في قَوْلِهَا: لا سكنى لها ولا نفقة. وفي "صحيح البخاري": عن عائشة ﵂ أنَّها قالت لفاطمة: ألَّا تتقي الله، تعني في قَوْلِهَا: لا سكنى لها ولا نفقة. وفي "صحيحه" أيضاً: عنها
стр. 6124
قالت: إنَّ فاطمة كانت في مكان وحش، فخيف على ناحيتها، فلذلك أرخص النبي ﷺ لها.
وقال عبد الرزاق: عن ابن جريج، أخبرني ابن شهاب، عن عروة، أنَّ عائشة ﵂ أنكرت ذلك على فاطمة بنت قيس، تعني: "انتقال المطلقة ثلاثاً".
وذكر القاضي إسماعيل حدثنا نصر بن علي، حدثني أبي، عن هارون عن محمد بن إسحاق، قال: أحسبه عن محمد بن إبراهيم، أنَّ عائشة ﵂ قالت لفاطمة بنت قيس: إنَّما أخرجك هذا اللسان.
ذكر طعن أسامة بن زيد حب رسول الله ﷺ وابن حبه على حديث فاطمة.
روى عبد الله بن صالح كاتب الليث، قال: حدثني الليث بن سعد، حدثني جعفر، عن ابن هرمز، عن أبي سلمة بن عبد الرحمن، قال: كان محمد بن أسامة بن زيد يقول: كان أسامة إذا ذكرت فاطمة شيئاً من ذلك يعنى انتقالها في عدتها رماها بما في يده.
ذكر طعن مروان على حديث فاطمة.
стр. 6125
روى مسلم في "صحيحه": من حديث الزهري، عن عبيد الله بن عبد الله بن عتبة حديث فاطمة هذا: أنَّه حدث به مروان، فقال مروان، لم نسمع هذا إلَّا من امرأة سنأخذ بالعصمة التي وجدنا الناس عليها.
ذكر طعن سعيد بن المسيب.
روى أبو داود في "سننه": من حديث ميمون بن مهران، قال: قدمت المدينة، فدفعت إلى سعيد بن المسيب، فقُلْتُ: فاطمة بنت قيس طلقت، فخرجت من بيتها، فقال سعيد: تلك امرأة فتنت الناس إنَّها كانت امرأة لسنة، فوضعت على يدي ابن أم مكتوم الأعمى.
ذكر طعن سليمان بن يسار.
روى أبو داود في "سننه" أيضاً، قال في خروج فاطمة: إنَّما كان من سوء الخلق.
ذكر طعن الأسود بن يزيد.
تقدم حديث مسلم: أنَّ الشعبي حدث بحديث فاطمة، فأخذ الأسود كفاً من حصباء فحصبه به، وقال: ويلك تحدث بمثل هذا؟! وقال النسائي: ويلك لم تفتي بمثل هذا؟ قال عمر لها: إن جئت بشاهدين يشهدان أنَّهما سمعاه من رسول الله ﷺ ، وإلَّا لم نترك كتاب ربنا لقول امرأة.
стр. 6126
ذكر طعن أبي سلمة بن عبد الرحمن.
قال الليث: حدثني عقيل، عن ابن شهاب، قال: أخبرني أبو سلمة بن عبد الرحمن، فذكر حديث فاطمة ثم قال: فأنكر الناس عليها ما كانت تحدث من خروجها قبل أن تحل، قالوا: وقد عارض رواية فاطمة صريح رواية عمر في إيجاب النفقة والسكنى، فروى حماد بن سلمة، عن حماد بن أبي سليمان، أنَّه أخبر إبراهيم النخعي بحديث الشعبي عن فاطمة بنت قيس، فقال له إبراهيم: إنَّ عمر أخبر بقولها، فقال: لسنا بتاركي آية من كتاب الله وقول النبي ﷺ لقول امرأة لعلها أوهمت، سمعت النبي ﷺ يقول: "لها السكنى والنفقة" ذكره أبو محمد في "المحلى"، فهذا نص صريح يجب تقديمه على حديث فاطمة لجلالة رواته، وترك إنكار الصحابة عليه وموافقته لكتاب الله.
ذكر الأجوبة عن هذه المطاعن وبيان بطلانها.
وحاصلها أربعة:
أحدها: أنَّ راويتها امرأة لم تأت بشاهدين يتابعانها على حديثها.
الثاني: أنَّ روايتها تضمنت مخالفة القرآن.
стр. 6127
الثالث: أنَّ خروجها من المنزل لم يكن لأنَّه لا حق لها في السكنى، بل لأذاها أهل زوجها بلسانها.
الرابع: معارضة روايتها برواية أمير المؤمنين عمر بن الخطاب.
ونحن نبين ما في كل واحد من هذه الأمور الأربعة بحول الله وقوته، هذا مع أنَّ في بعضها من الانقطاع، وفي بعضها من الضعف، وفي بعضها من البطلان ما سننبه عليه، وبعضها صحيح عمن نسب إليه بلا شك.
فأمَّا المطعن الأول: وهو كون الراوي امرأة، فمطعن باطل بلا شك، والعلماء قاطبة على خلافه، والمحتج بهذا من أتباع الأئمة أول مبطل له ومخالف له، فإنَّهم لا يختلفون في أنَّ السنن تؤخذ عن المرأة كما تؤخذ عن الرجل، هذا وكم من سنة تلقاها الأئمة بالقبول عن امرأة واحدة من الصحابة، وهذه مسانيد نساء الصحابة بأيدي الناس لا تشاء أن ترى فيها سنة تفردت بها امرأة منهن إلَّا رأيتها، فما ذنب فاطمة بنت قيس دون نساء العالمين، وقد أخذ الناس بحديث فريعة بنت مالك بن سنان أخت أبي سعيد في اعتداد المتوفى عنها في بيت زوجها وليست فاطمة بدونها علماً وجلالة وثقة وأمانة، بل هي أفقه منها بلا شك، فإنَّ فريعة لا تعرف إلَّا في هذا الخبر وأمَّا شهرة فاطمة، ودعاؤها من نازعها من الصحابة إلى كتاب
стр. 6128
الله، ومناظرتها على ذلك، فأمر مشهور، وكانت أسعد بهذه المناظرة ممن خالفها كما مضى تقريره، وقد كان الصحابة ﵃ يختلفون في الشيء، فتروي لهم إحدى أمهات المؤمنين عن النبي ﷺ شيئاً، فيأخذون به، ويرجعون إليه، ويتركون ما عندهم له، وإنَّما فضلن على فاطمة بنت قيس بكونهنَّ أزواج رسول الله ﷺ ، وإلَّا فهي من المهاجرات الأول، وقد رضيها رسول الله ﷺ لحبه وابن حبه أسامة بن زيد، وكان الذي خطبها له. وإذا شئت أن تعرف مقدار حفظها وعلمها، فاعرفه من حديث الدجال الطويل الذي حدث به رسول الله ﷺ على المنبر، فوعته فاطمة وحفظته، وأدته كما سمعته، ولم ينكره عليها أحد مع طوله وغرابته، فكيف بقصة جرت لها وهي سببها، وخاصمت فيها، وحكم فيها بكلمتين: وهى لا نفقة ولا سكنى، والعادة توجب حفظ مثل هذا وذكره، واحتمال النسيان فيه أمر مشترك بينها وبين من أنكر عليها، فهذا عمر قد نسي تيمم الجنب، وذكره عمار بن ياسر أمر رسول الله ﷺ لهما بالتيمم من الجنابة، فلم يذكره عمر ﵁، وأقام على أنَّ الجنب لا يصلي حتى يجد الماء.
стр. 6129
ونسي قوله تعالى: ﴿وإِنْ أَرَدْتُم استِبْدَالَ زَوجٍ مَكَانَ زَوجٍ وَآْتيتُم إحْدَاهن قِنْطَاراً فَلَا تَأخُذُوا مِنهُ شَيئا﴾. حتى ذكرته به امرأة، فرجع إلى قولها، ونسي قَوْلَهُ: ﴿إنَّكَ ميِّتٌ وَإنَّهُمْ مَيّتونَ﴾ حتى ذكر به، فإن كان جواز النسيان على الراوي يوجب سقوط روايته، سقطت رواية عمر التي عارضتم بها خبر فاطمة، وإن كان لا يوجب سقوط روايته، بطلت المعارضة بذلك، فهي باطلة على التقديرين، ولو ردت السنن بمثل هذا، لم يبق بأيدي الأمة منها إلَّا اليسير، ثم كيف يعارض خبر فاطمة، ويطعن فيه بمثل هذا من يرى قبول خبر الواحد العدل، ولا يشترط للرواية نصاباً، وعمر ﵁ أصابه في مثل هذا ما أصابه في رد خبر أبي موسى في الاستئذان حتى شهد له أبو سعيد، ورد خبر المغيرة بن شعبة في إملاص المرأة حتى شهد له محمد بن مسلمة، وهذا كان تثبيتاً منه ﵁ حتى لا يركب الناس الصعب والذلول في الرواية عن رسول الله ﷺ ، وإلَّا فقد قبل خبر الضحاك بن سفيان الكلابي وحده وهو أعرابي، وقبل لعائشة ﵂ عدة أخبار تفردت بها، وبالجملة، فلا يقول أحد: إنَّه لا يقبل قول الراوي الثقة العدل حتى يشهد له شاهدان لا سيما إن كان من الصحابة.
стр. 6130
فصل: وأمَّا المطعن الثاني: وهو أنَّ روايتها مخالفة للقرآن، فنجيب بجوابين: مجمل، ومفصل:
أمَّا المجمل: فنقول: لو كانت مخالفة كما ذكرتم، لكانت مخالفة لعمومه، فتكون تخصيصاً للعام، فحكمها حكم تخصيص قَوْلِهِ: ﴿يُوصِيكُم اللهُ في أَوْلَادِكُم﴾، بالكافر، والرقيق، والقاتل، وتخصيص قَوْلِهِ:
﴿وأُحِلَّ لَكُمْ مَا وَرَاءَ ذلِكُم﴾ بتحريم الجمع بين المرأة وعمتها، وبينها وبين خالتها ونظائره، فإنَّ القرآن لم يخص البائن بأنَّها لا تخرج ولا تخرج، وبأنَّها تسكن من حيث يسكن زوجها، بل إمَّا أن يعمها ويعم الرجعية، وإمَّا أن يخص الرجعية.
فإن عمَّ النوعين، فالحديث مخصص لعمومه، وإن خص الرجعيات وهو الصواب للسياق الذي من تدبره وتأمله قطع بأنَّه في الرجعيات من عدة أوجه قد أشرنا إليها، فالحديث ليس مخالفاً لكتاب الله، بل موافق له، ولو ذُكِّرَ أميرُ المؤمنين ﵁ بذلك، لكان أول راجع إليه، فإنَّ الرجل كما يذهل عن النص يذهل عن دلالته وسياقه وما يقترن به مما يتبين المراد منه، وكثيراً ما يذهل عن دخول الواقعة المعينة تحت النص العام واندراجه تحتها، فهذا كثير جداً، والتفطن له من الفهم الذي يؤتيه الله من يشاء من عباده، ولقد كان أمير المؤمنين عمر ﵁ من
следующие страницы →