Полный текст (8 095 стр.). Показаны 6126–6165 · переход к 6131.
стр. 6126
ذكر طعن أبي سلمة بن عبد الرحمن.
قال الليث: حدثني عقيل، عن ابن شهاب، قال: أخبرني أبو سلمة بن عبد الرحمن، فذكر حديث فاطمة ثم قال: فأنكر الناس عليها ما كانت تحدث من خروجها قبل أن تحل، قالوا: وقد عارض رواية فاطمة صريح رواية عمر في إيجاب النفقة والسكنى، فروى حماد بن سلمة، عن حماد بن أبي سليمان، أنَّه أخبر إبراهيم النخعي بحديث الشعبي عن فاطمة بنت قيس، فقال له إبراهيم: إنَّ عمر أخبر بقولها، فقال: لسنا بتاركي آية من كتاب الله وقول النبي ﷺ لقول امرأة لعلها أوهمت، سمعت النبي ﷺ يقول: "لها السكنى والنفقة" ذكره أبو محمد في "المحلى"، فهذا نص صريح يجب تقديمه على حديث فاطمة لجلالة رواته، وترك إنكار الصحابة عليه وموافقته لكتاب الله.
ذكر الأجوبة عن هذه المطاعن وبيان بطلانها.
وحاصلها أربعة:
أحدها: أنَّ راويتها امرأة لم تأت بشاهدين يتابعانها على حديثها.
الثاني: أنَّ روايتها تضمنت مخالفة القرآن.
стр. 6127
الثالث: أنَّ خروجها من المنزل لم يكن لأنَّه لا حق لها في السكنى، بل لأذاها أهل زوجها بلسانها.
الرابع: معارضة روايتها برواية أمير المؤمنين عمر بن الخطاب.
ونحن نبين ما في كل واحد من هذه الأمور الأربعة بحول الله وقوته، هذا مع أنَّ في بعضها من الانقطاع، وفي بعضها من الضعف، وفي بعضها من البطلان ما سننبه عليه، وبعضها صحيح عمن نسب إليه بلا شك.
فأمَّا المطعن الأول: وهو كون الراوي امرأة، فمطعن باطل بلا شك، والعلماء قاطبة على خلافه، والمحتج بهذا من أتباع الأئمة أول مبطل له ومخالف له، فإنَّهم لا يختلفون في أنَّ السنن تؤخذ عن المرأة كما تؤخذ عن الرجل، هذا وكم من سنة تلقاها الأئمة بالقبول عن امرأة واحدة من الصحابة، وهذه مسانيد نساء الصحابة بأيدي الناس لا تشاء أن ترى فيها سنة تفردت بها امرأة منهن إلَّا رأيتها، فما ذنب فاطمة بنت قيس دون نساء العالمين، وقد أخذ الناس بحديث فريعة بنت مالك بن سنان أخت أبي سعيد في اعتداد المتوفى عنها في بيت زوجها وليست فاطمة بدونها علماً وجلالة وثقة وأمانة، بل هي أفقه منها بلا شك، فإنَّ فريعة لا تعرف إلَّا في هذا الخبر وأمَّا شهرة فاطمة، ودعاؤها من نازعها من الصحابة إلى كتاب
стр. 6128
الله، ومناظرتها على ذلك، فأمر مشهور، وكانت أسعد بهذه المناظرة ممن خالفها كما مضى تقريره، وقد كان الصحابة ﵃ يختلفون في الشيء، فتروي لهم إحدى أمهات المؤمنين عن النبي ﷺ شيئاً، فيأخذون به، ويرجعون إليه، ويتركون ما عندهم له، وإنَّما فضلن على فاطمة بنت قيس بكونهنَّ أزواج رسول الله ﷺ ، وإلَّا فهي من المهاجرات الأول، وقد رضيها رسول الله ﷺ لحبه وابن حبه أسامة بن زيد، وكان الذي خطبها له. وإذا شئت أن تعرف مقدار حفظها وعلمها، فاعرفه من حديث الدجال الطويل الذي حدث به رسول الله ﷺ على المنبر، فوعته فاطمة وحفظته، وأدته كما سمعته، ولم ينكره عليها أحد مع طوله وغرابته، فكيف بقصة جرت لها وهي سببها، وخاصمت فيها، وحكم فيها بكلمتين: وهى لا نفقة ولا سكنى، والعادة توجب حفظ مثل هذا وذكره، واحتمال النسيان فيه أمر مشترك بينها وبين من أنكر عليها، فهذا عمر قد نسي تيمم الجنب، وذكره عمار بن ياسر أمر رسول الله ﷺ لهما بالتيمم من الجنابة، فلم يذكره عمر ﵁، وأقام على أنَّ الجنب لا يصلي حتى يجد الماء.
стр. 6129
ونسي قوله تعالى: ﴿وإِنْ أَرَدْتُم استِبْدَالَ زَوجٍ مَكَانَ زَوجٍ وَآْتيتُم إحْدَاهن قِنْطَاراً فَلَا تَأخُذُوا مِنهُ شَيئا﴾. حتى ذكرته به امرأة، فرجع إلى قولها، ونسي قَوْلَهُ: ﴿إنَّكَ ميِّتٌ وَإنَّهُمْ مَيّتونَ﴾ حتى ذكر به، فإن كان جواز النسيان على الراوي يوجب سقوط روايته، سقطت رواية عمر التي عارضتم بها خبر فاطمة، وإن كان لا يوجب سقوط روايته، بطلت المعارضة بذلك، فهي باطلة على التقديرين، ولو ردت السنن بمثل هذا، لم يبق بأيدي الأمة منها إلَّا اليسير، ثم كيف يعارض خبر فاطمة، ويطعن فيه بمثل هذا من يرى قبول خبر الواحد العدل، ولا يشترط للرواية نصاباً، وعمر ﵁ أصابه في مثل هذا ما أصابه في رد خبر أبي موسى في الاستئذان حتى شهد له أبو سعيد، ورد خبر المغيرة بن شعبة في إملاص المرأة حتى شهد له محمد بن مسلمة، وهذا كان تثبيتاً منه ﵁ حتى لا يركب الناس الصعب والذلول في الرواية عن رسول الله ﷺ ، وإلَّا فقد قبل خبر الضحاك بن سفيان الكلابي وحده وهو أعرابي، وقبل لعائشة ﵂ عدة أخبار تفردت بها، وبالجملة، فلا يقول أحد: إنَّه لا يقبل قول الراوي الثقة العدل حتى يشهد له شاهدان لا سيما إن كان من الصحابة.
стр. 6130
فصل: وأمَّا المطعن الثاني: وهو أنَّ روايتها مخالفة للقرآن، فنجيب بجوابين: مجمل، ومفصل:
أمَّا المجمل: فنقول: لو كانت مخالفة كما ذكرتم، لكانت مخالفة لعمومه، فتكون تخصيصاً للعام، فحكمها حكم تخصيص قَوْلِهِ: ﴿يُوصِيكُم اللهُ في أَوْلَادِكُم﴾، بالكافر، والرقيق، والقاتل، وتخصيص قَوْلِهِ:
﴿وأُحِلَّ لَكُمْ مَا وَرَاءَ ذلِكُم﴾ بتحريم الجمع بين المرأة وعمتها، وبينها وبين خالتها ونظائره، فإنَّ القرآن لم يخص البائن بأنَّها لا تخرج ولا تخرج، وبأنَّها تسكن من حيث يسكن زوجها، بل إمَّا أن يعمها ويعم الرجعية، وإمَّا أن يخص الرجعية.
فإن عمَّ النوعين، فالحديث مخصص لعمومه، وإن خص الرجعيات وهو الصواب للسياق الذي من تدبره وتأمله قطع بأنَّه في الرجعيات من عدة أوجه قد أشرنا إليها، فالحديث ليس مخالفاً لكتاب الله، بل موافق له، ولو ذُكِّرَ أميرُ المؤمنين ﵁ بذلك، لكان أول راجع إليه، فإنَّ الرجل كما يذهل عن النص يذهل عن دلالته وسياقه وما يقترن به مما يتبين المراد منه، وكثيراً ما يذهل عن دخول الواقعة المعينة تحت النص العام واندراجه تحتها، فهذا كثير جداً، والتفطن له من الفهم الذي يؤتيه الله من يشاء من عباده، ولقد كان أمير المؤمنين عمر ﵁ من
стр. 6131
ذلك بالمنزلة التي لا تجهل، ولا تستغرقها عبارة، غير أنَّ النسيان والذهول عرضة للإنسان، وإنَّما الفاضل العالم من إذا ذُّكِّرَ ذَكَرَ ورجع.
فحديث فاطمة ﵂ مع كتاب الله على ثلاثة أطباق لا يخرج عن واحد منها:
إمَّا: أن يكون تخصيصاً لعامه.
الثاني: أن يكون بياناً لما لم يتناوله، بل سكت عنه.
الثالث: أن يكون بياناً لما أريد به وموافقاً لما أرشد إليه سياقه وتعليله وتنبيهه، وهذا هو الصواب، فهو إذن موافق له لا مخالف، وهكذا ينبغي قطعاً، ومعاذ الله أن يحكم رسول الله ﷺ بما يخالف كتاب الله تعالى أو يعارضه، وقد أنكر الإمام أحمد ﵀ هذا من قول عمر ﵁، وجعل يتبسم ويقول: أين في كتاب الله إيجاب السكنى والنفقة للمطلقة ثلاثاً، وأنكرته قبله الفقيهة الفاضلة فاطمة، وقالت: بيني وبينكم كتاب الله، قال الله تعالى: ﴿لَا تَدْرِي لَعَلَّ الله يُحْدِثُ بَعْدَ ذلِك أَمْراً﴾ وأي أمر يحدث بعد الثلاث، وقد تقدم أنَّ قَوْلَهُ: ﴿فإِذَا بَلَغْنَ أجَلَهُنَّ فَأمْسِكُوهُنَّ﴾، يشهد بأنَّ الآيات كلها في الرجعيات.
стр. 6132
فصل: وأما المطعن الثالث: وهو أنَّ خروجها لم يكن إلَّا لفحش من لسانها، فما أبرده من تأويل وأسمجه، فإنَّ المرأة من خيار الصحابة ﵃ وفضلائهم، ومن المهاجرات الأول، وممن لا يحملها رقة الدين وقلة التقوى على فحش يوجب إخراجها من دارها، وأن يمنع حقها الذي جعله الله لها، ونهى عن إضاعته، فيا عجباً! كيف لم ينكر عليها النبي ﷺ هذا الفحش؟ ويقول لها: اتقي الله، وكفي لسانك عن أذى أهل زوجك، واستقري في مسكنك؟ وكيف يعدل عن هذا إلى قَوْلِهِ: "لا نفقة لك ولا سكنى"، إلى قَوْلِهِ: "إنَّما السكنى والنفقة للمرأة إذا كان لزوجها عليها رجعة؟! " فيا عجباً! كيف يترك هذا المانع الصريح الذي خرج من بين شفتي النبي ﷺ ، ويعلل بأمر موهوم لم يعلل به رسول الله ﷺ البتة ولا أشار إليه، ولا نبه عليه؟ هذا من المحال البين. ثم لو كانت فاحشة اللسان وقد أعاذها الله من ذلك، لقال لها النبي ﷺ ، وسمعت وأطاعت: كفي لسانك حتى تنقضي عدتك، وكان من دونها يسمع ويطيع لئلا تخرج من سكنه.
فصل: وأمَّا المطعن الرابع: وهو معارضة روايتها برواية عمر ﵁، فهذه المعارضة تورد من وجهين:
стр. 6133
أحدهما: قَوْلُهُ: "لا ندع كتاب ربنا وسنة نبينا"، وأنَّ هذا من حكم المرفوع.
الثاني: قَوْلُهُ: سمعت رسول الله ﷺ يقول: "لها السكنى والنفقة". ونحن نقول: قد أعاذ الله أمير المؤمنين من هذا الكلام الباطل الذي لا يصح عنه أبداً.
قال الإمام أحمد: لا يصح ذلك عن عمر. وقال أبو الحسن الدارقطني: بل السنة بيد فاطمة بنت قيس قطعاً، ومن له إلمام بسنة رسول الله ﷺ يشهد شهادة الله أنَّه لم يكن عند عمر ﵁ سنة عن رسول الله ﷺ أنَّ للمطلقة ثلاثاً، السكنى والنفقة، وعمر كان أتقى لله، وأحرص في تبليغ سنن رسول الله ﷺ في أن تكون هذه السنة عنده، ثم لا يرويها أصلاً، ولا تبينهاً ولا يبلغها عن رسول الله ﷺ .
وأمَّا حديث حماد بن سلمة عن حماد بن أبي سليمان، عن إبراهيم، عن عمر ﵁، رسول الله ﷺ يقول: "لها السكنى والنفقة"، فنحن نشهد بالله شهادة نسأل عنها إذا لقيناه، أنَّ هذا كذب على عمر ﵁، وكذب على رسول الله ﷺ ، وينبغي أن لا يحمل الإنسان فرط الانتصار للمذاهب والتعصب لها على معارضة سنن رسول الله صلى الله عليه
стр. 6134
وسلم الصحيحة الصريحة بالكذب البحت، فلو يكون هذا عند عمر ﵁ عن النبي ﷺ ، لخرست فاطمة وذووها، ولم ينبسوا بكلمة، ولا دعت فاطمة إلى المناظرة، ولا احتيج إلى ذكر إخراجها لبذاء لسانها، ولما فات هذا الحديث أئمة الحديث والمصنفين في السنن والأحكام المنتصرين للسنن فقط لا لمذهب، ولا لرجل، هذا قبل أن نصل به إلى إبراهيم، ولو قدر؟ وصولنا بالحديث إلى إبراهيم لا نقطع نخاعه، فإنَّ إبراهيم لم يولد إلَّا بعد موت عمر ﵁ بسنين، فإن كان مخبرٌ أخبر به إبراهيم عن عمر ﵁، وحسنَّا به الظن، كان قد روى له قول عمر ﵁ بالمعنى، وظن أنَّ رسول الله ﷺ هو الذي حكم بثبوت النفقة والسكنى للمطلقة، حتى قال عمر ﵁: لا ندع كتاب ربنا لقول امرأة، فقد يكون الرجل صالحاً ويكون مغفلاً، ليس تحمل الحديث وحفظه وروايته من شأنه، وبالله التوفيق.
وقد تناظر في هذه المسألة ميمون بن مهران، وسعيد بن المسيب، فذكر له ميمون خبر فاطمة، فقال سعيد: تلك امرأة فتنت الناس، فقال له ميمون: لئن كانت إنَّما أخذت بما أفتاها به رسول الله ﷺ ما فتنت الناس، وإن لنا في
стр. 6135
رسول الله ﷺ أسوة حسنة، مع أنَّها أحرم الناس عليه ليس لها عليه رجعة، ولا بينهما ميراث. انتهى.
ولا يعلم أحد من الفقهاء ﵏ إلَّا وقد احتج بحديث فاطمة بنت قيس هذا، وأخذ به في بعض الأحكام كمالك، والشافعي. وجمهور الأمة يحتجون به في سقوط نفقة المبتوتة إذا كانت حائلاً، والشافعي نفسه احتج به على جواز جمع الثلاث، لأنَّ في بعض، ألفاظه: فطلقني ثلاثاً، وقد بينا أنَّه إنَّما طلقها آخر ثلاث كما أخبرت به عن نفسها. واحتج به من يرى جواز نظر المرأة إلى الرجال، واحتج به الأئمة كلهم على، جواز خطبة الرجل على خطبة أخيه إذا لم تكن المرأة قد سكنت إلى الخاطب الأول، واحتجوا به على جواز بيان ما في الرجل إذا كان على وجه النصيحة لمن استشاره أن يزوجه، أو يعامله، أو تسافر معه، وأنَّ ذلك ليس بغيبة، واحتجوا به على جواز نكاح القرشية من غير القرشي، واحتجوا به على وقوع الطلاق في حال غيبة أحد الزوجين عن الآخر، وأنَّه لا يشترط حضوره ومواجهته به، واحتجوا به على جواز التعريض بخطبة المعتدة البائن، وكانت هذه الأحكام كلها حاصلة ببركة روايتها، وصدق حديثها، فاستنبطتها الأمة منها، وعملت بها، فما بال روايتها ترد في حكم واحد من أحكام هذا الحديث، وتقبل
стр. 6136
فيما عداه؟! فإن كانت حفظته، قبلت في جميعه، وإن لم تكن حفظته وجب أن لا يقبل في شيء من أحكامه وبالله التوفيق.
فإن قيل: بقي عليكم شيء واحد، وهو أنَّ قوله سبحانه: ﴿أَسْكِنُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ سَكَنْتُم مِنْ وُجْدِكُم﴾، إنَّما هو في البوائن لا في الرجعيات، بدليل قوله عقيبه: ﴿وَلَا تُضارُوهُنَ لِتُضَيِّقوا عَلَيْهِن وَإِنْ كُنْ أولاتِ حَمْلٍ فَأنْفِقُوا عَلَيْهِنَّ حَتَى يَضَعْنَ حَملَهُنَ﴾، فهذا في البائن، إذ لو كانت رجعية، لما قيد النفقة عليها بالحمل، ولكان عديم التأثير، فإنَّها تستحقها حائلاً كانت أو حاملاً، والظاهر: أنَّ الضمير في ﴿أَسْكِنُوهُنَّ﴾ هو، والضمير في قَوْلِهِ: ﴿وإنْ كُنَ أولاتِ حَمْل فَأَنْفِقُوا عَلَيْهِنَ﴾، واحد.
فالجواب: أنَّ مورد هذا السؤال إمَّا أن يكون من الموجبين النفقة والسكنى، أو ممن يوجب السكنى دون النفقة، فإن كان الأول، فالآية على زعمه حجة عليه، لأنَّه سبحانه شرط في إيجاب النفقة عليهن كونهنَّ حوامل، والحكم المعلق على الشرط ينتفي عند انتفائه، فدل على أنَّ البائن الحائل لا نفقة لها.
فإن قيل: فهذه دلالة على المفهوم، ولا يقول بها.
стр. 6137
قيل: ليس ذلك من دلالة المفهوم، بل من انتفاء الحكم عند انتفاء شرطه، فلو بقي الحكم بعد انتفائه، لم يكن شرطاً.
وإن كان فمن يوجب السكنى وحدها فيقال له: ليس في الآية ضمير واحد يخص البائن، بل ضمائرها نوعان: نوع يخص الرجعية قطعاً، كقَوْلِهِ: ﴿فَإذَا بَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَأَمْسِكُوهُنَّ بمَعْرُوفٍ أَوْ فَارِقُوهنَّ بمَعْروفٍ﴾، ونوع يحتمل أن يكون للبائن، وأن يكون للرجعية، وأن يكون لهما، وهو قَوْلُهُ: ﴿لَا تُخْرِجُوهُنَّ مِنْ بُيوتِهِنَّ وَلا يَخْرُجْنَ﴾، وقَوْلُهُ: ﴿أَسْكِنُوهُنَّ مِنْ حيثُ سكنتُمْ مِنْ وجْدِكُم﴾ فحمله على الرجعية هو المتعين لتتحد الضمائر ومفسرها، فلو حمل على غيرها لزم اختلاف الضمائر ومفسرها وهو خلاف الأصل، والحمل على الأصل أولى.
فإن قيل: فما الفائدة في تخصيص، نفقة الرجعية بكونها حاملاً؟
قيل: ليس في الآية ما يقتضي أنَّه، لا نفقة للرجعية الحائل، بل الرجعية نوعان، قد بين الله حكمهما في كتابه: حائل، فلها النفقة بعقد الزوجية، إذ حكمها حكم الأزواج، أو حامل، فلها النفقة بهذه الآية إلى أن تضع حملها، فتصير النفقة بعد الوضع نفقة قريب لا نفقة زوج، فيخالف حالها قبل الوضع حالها بعده، فإنَّ الزوج ينفق عليها وحده إذا كانت حاملاً، فإذا وضعت، صارت نفقتها على من
стр. 6138
تجب عليه نفقة الطفل، ولا يكون حالها في حال حملها كذلك، بحيث تجب نفقتها على من تجب عليه نفقة الطفل، فإنَّه في حال حملها جزء من أجزائها، فإذا انفصل، كان له حكم آخر، وانتقلت النفقة من حكم إلى حكم، فظهرت فائدة التقييد وسر الاشتراط والله أعلم بما أراد من كلامه» اهـ.
٤ - احتج به من يرى جواز نظر المرأة إلى الرجال.
قَالَ الْعَلَّامَةُ الْنَوَوِي ﵀ فِي [شَرْحِ مُسْلِمٍ] (٥/ ٢٤٠): «وقد احتج به بعض الناس بهذا على جواز نظر المرأة إلى الأجنبي بخلاف نظره إليها، وهذا قول ضعيف، بل الصحيح الذي عليه جمهور العلماء وأكثر الصحابة أنَّه يحرم على المرأة النظر إلى الأجنبي كما يحرم عليه النظر إليها لقوله تعالى: ﴿قُلْ لِلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصَارهمْ … ﴾ ﴿وَقُلْ لِلْمُؤْمِنَاتِ يَغْضُضْنَ مِنْ أَبْصَارهنَّ﴾ ولأنَّ الفتنة مشتركة وكما يخاف الافتتان بها تخاف الافتتان به، ويدل عليه من السنة حديث نبهان مولى أم سلمة عن أم سلمة أنَّها كانت هي وميمونة عند النبي ﷺ فدخل ابن أم مكتوم فقال النبي ﷺ : "احتجبا منه" فقالتا: إنَّه أعمى لا يبصر فقال النبي ﷺ : "أفعمياوان أنتما فليس
стр. 6139
تبصرانه؟ ". وهذا الحديث حديث حسن رواه أبو داود والترمذي وغيرهما قال الترمذي هو حديث حسن ولا يلتفت إلى قدح من قدح فيه بغير حجة معتمدة.
وأمَّا حديث فاطمة بنت قيس مع ابن أم مكتوم، فليس فيه إذن لها في النظر إليه بل فيه أنَّها تأمن عنده من نظر غيرها وهي مأمورة بغض بصرها فيمكنها الاحتراز عن النظر بلا مشقة بخلاف مكثها في بيت أم شريك» اهـ.
قُلْتُ: حديث نبهان رواه أحمد (٢٦٥٧٩)، وأبو داود (٤١١٢)، والترمذي (٢٧٧٨) من طريق ابْنِ الْمُبَارَكِ، عَنْ يُونُسَ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، قَالَ: حَدَّثَنِي نَبْهَانُ، مَوْلَى أُمِّ سَلَمَةَ، عَنْ أُمِّ سَلَمَةَ، قَالَتْ: كُنْتُ عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَعِنْدَهُ مَيْمُونَةُ، فَأَقْبَلَ ابْنُ أُمِّ مَكْتُومٍ وَذَلِكَ بَعْدَ أَنْ أُمِرْنَا بِالْحِجَابِ، فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ : «احْتَجِبَا مِنْهُ»، فَقُلْنَا: يَا رَسُولَ اللَّهِ، أَلَيْسَ أَعْمَى لَا يُبْصِرُنَا، وَلَا يَعْرِفُنَا؟ فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ : «أَفَعَمْيَاوَانِ أَنْتُمَا، أَلَسْتُمَا تُبْصِرَانِهِ».
قُلْتُ: والصحيح أنَّ هذا الحديث لا يثبت لجهالة حال نبهان، وليس يكفي ذكر ابن حبان له في كتابه "الثقات" فقد أورد فيه كثيراً من المجاهيل.
٥ - وفيه جواز خطبة الرجل على خطبة أخيه إذا لم تكن المرأة قد سكنت إلى الخاطب الأول.
стр. 6140
٦ - وفيه جواز بيان ما في الرجل إذا كان على وجه النصيحة لمن استشاره أن يزوجه، أو يعامله، أو تسافر معه، وأنَّ ذلك ليس بغيبة.
قَالَ الْعَلَّامَةُ الْقُرْطُبِي ﵀ فِي [الْمُفْهِم] (١٣/ ١٠٢): «وفيه ما يدلُّ على أنَّ ذكر مساوئ الخاطب، أو من يعامل، أو من يحتاج إلى قبول قوله، أو فتياه جائز. ولا يعدُّ ذلك غيبة، ولا بهتانًا؛ إذ لا يذكر ذلك على جهة التنقيص وإضافة العيب إليه، لكن على جهة الإخبار، وأداء النصيحة، وأداء الأمانة، كما فعله أهل الحديث وغيرهم» اهـ.
٧ - وفيه أنَّ الكفاءة بالنسب غير معتبرة.
قَالَ الْعَلَّامَةُ الْقُرْطُبِي ﵀ فِي [الْمُفْهِم] (١٣/ ١٠٢): «فيه ما يدل على جواز نكاح المولى للقرشية؛ فإنَّ أسامة مولى، وفاطمة قرشية، كما تقدم. وإنَّ الكفاءة المعتبرة هي كفاءة الدين، لا النسب، كما هو مذهب مالك» اهـ.
وقَالَ الْحِافِظُ ابْنُ حَجَرٍ ﵀ فِي [فَتْحِ الْبَارِي] (٩/ ١٣٢): «واعتبر الكفاءة في النسب الجمهور، وقال أبو حنيفة: قريش أكفاء بعضهم بعضاً، والعرب كذلك وليس أحد من العرب كفأ لقريش كما ليس أحد من غير العرب كفأ للعرب، وهو وجه للشافعية، والصحيح تقديم بني هاشم والمطلب على غيرهم ومن عدا
стр. 6141
هؤلاء أكفاء بعضهم لبعض. وقال الثوري: إذا نكح المولى العربية يفسخ النكاح، وبه قال أحمد في رواية، وتوسط الشافعي فقال: ليس نكاح غير الأكفاء حراماً فأرد به النكاح وإنَّما هو تقصير بالمرأة والأولياء فإذا رضوا صح ويكون حقاً لهم تركوه فلو رضوا إلَّا واحداً فله فسخه وذكر أنَّ المعنى في اشتراط الولاية في النكاح كيلا تضيع المرأة نفسها في غير كفء انتهى.
ولم يثبت في اعتبار الكفاءة بالنسب حديث، وأمَّا ما أخرجه البزار من حديث معاذ رفعه: "العرب بعضهم أكفاء بعض والموالي بعضهم أكفاء بعض" فإسناده ضعيف، واحتج البيهقي بحديث وائلة مرفوعاً "أنَّ الله اصطفى بني كنانة من بني إسماعيل" الحديث وهو صحيح أخرجه مسلم لكن في الاحتجاج به لذلك نظر، لكن ضم بعضهم إليه حديث: "قدموا قريشاً ولا تقدموها" ونقل ابن المنذر عن البويطي أنَّ الشافعي قال: الكفاءة في الدين. وهو كذلك في "مختصر البويطي"، قال الرافعي: وهو خلاف مشهور، ونقل الأبزي عن الربيع أنَّ رجلاً سأل الشافعي عنه فقال: أنا عربي لا تسألني عن هذا» اهـ.
قُلْتُ: الذي يظهر لي أنَّ العبرة بالكفاءة هو الدين فقط، والكفاءة بالدين مجمع على اعتبارها من حيث الجملة فلا يجوز تزويج المسلمة من الكافر.
стр. 6142
قَالَ شَيْخُ الْإِسْلَامِ ابْنُ تَيْمِيَّةَ ﵀ كَمَا فِي [مَجْمُوْعِ الْفَتَاوَى] (١٩/ ٢٨ - ٢٩): «وما ذكره كثير من العلماء من أنَّ غير العرب ليسوا أكفاء للعرب في النكاح فهذه مسألة نزاع بين العلماء فمنهم من لا يرى الكفاءة إلَّا في الدين ومن رآها في النسب أيضاً فإنَّه يحتج بقول عمر: لأمنعنَّ ذوات الأحساب إلَّا من الأكفاء؛ لأنَّ النكاح مقصوده حسن الألفة فإذا كانت المرأة أعلى منصباً اشتغلت عن الرجل فلا يتم به المقصود. وهذه حجة من جعل ذلك حقاً لله حتى أبطل النكاح إذا زوجت المرأة بمن لا يكافئها في الدين أو المنصب.
ومن جعلها حقاً لآدمي قال: إنَّ في ذلك غضاضة على أولياء المرأة وعليها والأمر إليهم في ذلك. ثم هؤلاء لا يخصون الكفاءة بالنسب بل يقولون: هي من الصفات التي تتفاضل بها النفوس كالصناعة واليسار والحرية وغير ذلك وهذه مسائل اجتهادية ترد إلى الله والرسول؛ فإن جاء عن الله ورسوله ما يوافق أحد القولين فما جاء عن الله لا يختلف وإلَّا فلا يكون قول أحد حجة على الله ورسوله. وليس عن النبي ﷺ نص صحيح صريح في هذه الأمور بل قد قال ﷺ : "إنَّ الله أذهب عنكم عيبة الجاهلية وفخرها بالآباء الناس رجلان: مؤمن تقي؛ وفاجر شقي" وفي صحيح مسلم عنه
стр. 6143
ﷺ أنَّه قال: "أربع في أمتي من أمر الجاهلية لا يتركونهن: الفخر بالأحساب؛ والطعن في الأنساب؛ والنياحة؛ والاستسقاء بالنجوم"» اهـ.
قُلْتُ: أثر عمر رواه ابن منده في [الْفَوَائِدِ] (٨٥) حَدَّثَنَا أَبُو صَالِحٍ، حَدَّثَنِي إِبْرَاهِيمُ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ إِبْرَاهِيمَ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ طَلْحَةَ، قَالَ: قَالَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ ﵁: «لأَمْنَعَنَّ ذَوَاتَ الأَحْسَابِ، فَزَوِّجُهُنَّ إِلَّا مِنَ الأَكْفَاءِ».
قُلْتُ: إِسْنَادُهُ مُنْقَطِعٌ بين إبراهيم بن محمد بن طلحة وعمر بن الخطاب ﵁.
لكن روى عبد الرزاق في [مُصَنَّفِهِ] (٤٢٨٣، ١٠٣٢٩)، ومن طريقه الطبراني في [الْكَبِيْرِ] (٦٠٥٣)، وأبو نعيم في [الْحِلْيَّةِ] (١/ ١٨٩)، والبيهقي في [الْكُبْرَى] (٥٤٣٩) عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ، عَنْ أَبِي لَيْلَى الْكِنْدِيِّ قَالَ: أَقْبَلَ سُلَيْمَانُ فِي اثْنَيْ عَشَرَ رَاكِبًا - أَوْ ثَلَاثَةَ عَشَرَ - مِنْ أَصْحَابِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ، فَلَمَّا حَضَرَتِ الصَّلَاةُ قَالُوا: تَقَدَّمْ يَا أَبَا عَبْدِ اللَّهِ قَالَ: «إِنَّا لَا نَؤُمُّكُمْ، وَلَا نَنْكِحُ نِسَاءَكُمْ، إِنَّ اللَّهَ هَدَانَا بِكُمْ». قَالَ: فَتَقَدَّمَ رَجُلٌ مِنَ الْقَوْمِ فَصَلَّى أَرْبَعَ رَكَعَاتٍ، فَلَمَّا سَلَّمَ قَالَ سَلْمَانُ: «مَا لَنَا وَلِلْمَرْبَعَةِ، إِنَّمَا كَانَ يَكْفِينَا نِصْفُ الْمَرْبَعَةِ، وَنَحْنُ إِلَى الرُّخْصَةِ أَحْوَجُ».
стр. 6144
قُلْتُ: إِسْنَادُهُ صَحِيْحٌ.
ورواه وسعيد بن منصور في [سُنَنِهِ] (٥٩٣) قَالَ: نا حُدَيْجُ بْنُ مُعَاوِيَةَ، عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ، عَنْ أَبِي لَيْلَى الْكِنْدِيِّ به.
وروى ابن الجعد في [مُسْنَدِه] (٤٤٢)، وسعيد بن منصور في [سُنَنِهِ] (٥٩٤) من طريق شُعْبَةَ، عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ قَالَ: سَمِعْتُ أَوْسَ بْنَ ضَمْعَجٍ قَالَ: قَالَ سَلْمَانُ: «لَا نَؤُمُّكُمْ فِي الصَّلَاةِ، وَلَا نَنْكِحُ نِسَاءَكُمْ. يَعْنِي الْعَرَبَ».
قَالَ الْحَافِظُ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ ﵀ فِي [الْعِلَلِ] (٢/ ١٨٠ - ١٨١):
«وسألتُ أَبِي وَأَبَا زُرْعَةَ عَنْ حديثٍ رَوَاهُ سُفْيانُ، وإسرائيلُ، عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ، عَنْ أَبِي لَيْلَى الكِنْدي، عَنْ سَلْمان؛ قَالَ: لا نَؤُمُّكُمْ، ولا نَنكِحُ نساءَكُمْ.
قلتُ: وَرَوَاهُ شُعْبة، عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ، عَنْ أَوْس بْنِ ضَمْعَج، عَنْ سَلْمان.
قلتُ: أيُّهما الصَّحيحُ؟.
فَقَالا: سُفْيانُ أحفَظُ من شُعْبة، وحديثُ الثوريُّ أصَحُّ» اهـ.
قَالَ شَيْخُ الْإِسْلَامِ ابْنُ تَيْمِيَّةَ ﵀ فِي [الْاقْتِضَاءِ] (١/ ٤٤٥ - ٤٤٦):
стр. 6145
«وهذا مما احتج به أكثر الفقهاء الذين جعلوا العربية من الكفاءة بالنسبة إلى العجمي، واحتج به أحمد في إحدى الروايتين على أن الكفاءة ليست حقا لواحد معين، بل هي من الحقوق المطلقة في النكاح، حتى إنه يفرق بينهما عند عدمها.
واحتج أصحاب الشافعي وأحمد بهذا على أن الشرف مما يستحق به التقديم في الصلاة» اهـ.
قَالَ شَيْخُ الْإِسْلَامِ ابْنُ تَيْمِيَّةَ ﵀ كَمَا فِي [مَجْمُوْعِ الْفَتَاوَى] (١٩/ ٢٦ - ٢٧):
«وَكَذَلِكَ التَّقْدِيمُ فِي إمَامَةِ الصَّلَاةِ بِالنَّسَبِ لَا يَقُولُ بِهِ أَكْثَرُ الْعُلَمَاءِ وَلَيْسَ فِيهِ نَصٌّ عَنْ النَّبِيِّ ﷺ بَلْ الَّذِي ثَبَتَ فِي الصَّحِيحِ عَنْهُ ﷺ أَنَّهُ قَالَ: "يَؤُمُّ الْقَوْمَ أَقْرَؤُهُمْ لِكِتَابِ اللَّهِ فَإِنْ كَانُوا فِي الْقِرَاءَةِ سَوَاءً فَأَعْلَمُهُمْ بِالسُّنَّةِ فَإِنْ كَانُوا فِي السُّنَّةِ سَوَاءً فَأَقْدَمُهُمْ هِجْرَةً فَإِنْ كَانُوا فِي الْهِجْرَةِ سَوَاءً فَأَقْدَمُهُمْ سِنًّا" فَقَدَّمَهُ ﷺ بِالْفَضِيلَةِ الْعِلْمِيَّةِ ثُمَّ بِالْفَضِيلَةِ الْعَمَلِيَّةِ وَقَدَّمَ الْعَالِمَ بِالْقُرْآنِ عَلَى الْعَالِمِ بِالسُّنَّةِ ثُمَّ الْأَسْبَقَ إلَى الدِّينِ بِاخْتِيَارِهِ ثُمَّ الْأَسْبَقَ إلَى الدِّينِ بِسِنِّهِ وَلَمْ يَذْكُرْ النَّسَبَ. وَبِهَذَا أَخَذَ أَحْمَد وَغَيْرُهُ فَرَتَّبَ الْأَئِمَّةَ كَمَا رَتَّبَهُمْ النَّبِيُّ ﷺ وَلَمْ يَذْكُرْ النَّسَبَ وَكَذَلِكَ أَكْثَرُ الْعُلَمَاءِ كَمَالِكٍ وَأَبِي حَنِيفَةَ لَمْ
стр. 6146
يُرَجِّحُوا بِالنَّسَبِ وَلَكِنْ رَجَّحَ بِهِ الشَّافِعِيُّ وَطَائِفَةٌ مِنْ أَصْحَابِ أَحْمَد؛ كالخرقي وَابْنِ حَامِدٍ وَالْقَاضِي وَغَيْرِهِمْ وَاحْتَجُّوا بِقَوْلِ سَلْمَانَ الْفَارِسِيِّ: إنَّ لَكُمْ عَلَيْنَا مَعْشَرَ الْعَرَبِ أَلَّا نَؤُمَّكُمْ فِي صَلَاتِكُمْ وَلَا نَنْكِحَ نِسَاءَكُمْ.
وَالْأَوَّلُونَ يَقُولُونَ: إنَّمَا قَالَ سَلْمَانُ هَذَا تَقْدِيمًا مِنْهُ لِلْعَرَبِ عَلَى الْفُرْسِ كَمَا يَقُولُ الرَّجُلُ لِمَنْ هُوَ أَشْرَفُ مِنْهُ: حَقُّك عَلَيَّ كَذَا وَلَيْسَ قَوْلُ سَلْمَانَ حُكْمًا شَرْعِيًّا يَلْزَمُ جَمِيعَ الْخَلْقِ اتِّبَاعُهُ كَمَا يَجِبُ عَلَيْهِمْ اتِّبَاعُ أَحْكَامِ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَلَكِنْ مَنْ تَأَسَّى مِنْ الْفُرْسِ بِسَلْمَانَ فَلَهُ بِهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ؛ فَإِنَّ سَلْمَانَ سَابِقُ الْفُرْسِ. وَكَذَلِكَ اعْتِبَارُ النَّسَبِ فِي أَهْلِ الْكِتَابِ لَيْسَ هُوَ قَوْلَ أَحَدٍ مِنْ الصَّحَابَةِ وَلَا يَقُولُ بِهِ جُمْهُورُ الْعُلَمَاءِ كَمَالِكٍ وَأَبِي حَنِيفَةَ وَأَحْمَد بْنِ حَنْبَلٍ وَقُدَمَاءِ أَصْحَابِهِ وَلَكِنْ طَائِفَةٌ مِنْهُمْ ذَكَرَتْ عَنْهُ رِوَايَتَانِ وَاخْتَارَ بَعْضُهُمْ اعْتِبَارَ النَّسَبِ مُوَافَقَةً لِلشَّافِعِيِّ وَالشَّافِعِيُّ أَخَذَ ذَلِكَ عَنْ عَطَاءٍ وَبَسْطُ هَذَا لَهُ مَوْضِعٌ آخَرُ» اهـ.
والحديث الأول الذي أورده شيخ الإسلام رواه أحمد (٨٧٢١، ١٠٧٩١)، وأبو داود (٥١١٦)، والترمذي (٣٩٥٦) من طريق هِشَامِ بْنِ سَعْدٍ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ أَبِي سَعِيدٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «إِنَّ اللَّهَ قَدْ أَذْهَبَ عَنْكُمْ عُبِّيَّةَ الْجَاهِلِيَّةِ، وَفَخْرَهَا بِالْآبَاءِ مُؤْمِنٌ تَقِيٌّ، وَفَاجِرٌ
стр. 6147
شَقِيٌّ، أَنْتُمْ بَنُو آدَمَ وَآدَمُ مِنْ تُرَابٍ، لَيَدَعَنَّ رِجَالٌ فَخْرَهُمْ بِأَقْوَامٍ، إِنَّمَا هُمْ فَحْمٌ مِنْ فَحْمِ جَهَنَّمَ، أَوْ لَيَكُونُنَّ أَهْوَنَ عَلَى اللَّهِ مِنَ الْجِعْلَانِ الَّتِي تَدْفَعُ بِأَنْفِهَا النَّتِنَ».
قُلْتُ: هشام بن سعد مختلف فيه، لكن قال فيه أبو زرعة. وهشام أحب إلى من محمد بن إسحاق، فالذي يظهر لي حسن حديثه. والله أعلم.
والحديث الآخر رواه مسلم (٩٣٤) عَنْ أَبِي مَالِكٍ الْأَشْعَرِيَّ، أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: «أَرْبَعٌ فِي أُمَّتِي مِنْ أَمْرِ الْجَاهِلِيَّةِ، لَا يَتْرُكُونَهُنَّ: الْفَخْرُ فِي الْأَحْسَابِ، وَالطَّعْنُ فِي الْأَنْسَابِ، وَالْاسْتِسْقَاءُ بِالنُّجُومِ، وَالنِّيَاحَةُ». وَقَالَ: «النَّائِحَةُ إِذَا لَمْ تَتُبْ قَبْلَ مَوْتِهَا، تُقَامُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَعَلَيْهَا سِرْبَالٌ مِنْ قَطِرَانٍ، وَدِرْعٌ مِنْ جَرَبٍ».
وَقَالَ الْعَلَّامَةُ ابْنُ الْقَيِّمِ ﵀ فِي [زَادِ الْمَعَادِ] (٥/ ١٥٨ - ١٦١): «فصل: في حكمه ﷺ في الكفاءة في النكاح.
قال الله تعالى: ﴿يَأَيُّهَا النَّاسُ إنَّا خَلَقْنَاكُم مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثَى وجَعَلْنَاكُم شُعُوباً وقَبَائِلَ لِتَعارَفُوا إنَّ أكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللهِ أَتْقَاكُم﴾، وقال تعالى: ﴿إِنَّما المُؤْمِنُونَ إخْوَةٌ﴾، وقال: ﴿والمُؤْمِنُونَ والمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُم أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ﴾، وقال تعالى: ﴿فَاسْتَجَابَ لَهُمْ رَبُّهُمْ أَنِّى لا أُضِيعُ عَمَلَ عَامِلٍ مِنْكُمْ مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى بَعْضُكُمْ مِنْ بَعْضٍ﴾.
стр. 6148
وقال ﷺ : "لا فضل لعربي على عجمي، ولا لعجمي على عربي، ولا لأبيض على أسود ولا لأسود على أبيض، إلَّا بالتقوى، الناس من آدم، وآدم من تراب".
وقال ﷺ : "إنَّ آل بني فلان ليسوا لي بأولياء، إنَّ أوليائي المتقون حيث كانوا وأين كانوا". وفي الترمذي: عنه ﷺ : "إذا جاءكم من ترضون دينه وخلقه فأنكحوه، إلَّا تفعلوه، تكن فتنة في الأرض وفساد كبير". قالوا: يا رسول الله، وإن كان فيه؟ فقال: "إذا جاءكم من ترضون دينه وخلقه فأنكحوه"، ثلاث مرات.
وقال النبي ﷺ لبنى بياضة: "أنكحوا أبا هند، وأنكحوا إليه". وكان حجاماً.
وزوج النبي ﷺ زينب بنت جحش القرشية من زيد بن حارثة مولاه، وزوج فاطمة بنت قيس الفهرية القرشية. من أسامة ابنه، وتزوج بلال ابن رباح بأخت عبد الرحمن بن عوف، وقد قال الله تعالى: ﴿والطَّيِّباتُ لِلطَّيِّبِين والطَّيِّبُونَ لِلطَّيِّبَاتِ﴾، وقد قال تعالى: ﴿فانْكِحُوا مَا طَابَ لَكُمْ مِنَ النِّسَاءِ﴾.
стр. 6149
فالذي يقتضيه حكمه ﷺ اعتبار الدين في الكفاءة أصلاً، وكمالاً، فلا تزوج مسلمة بكافر، ولا عفيفة بفاجر، ولم يعتبر القرآن والسنة في الكفاءة أمراً وراء ذلك، فإنَّه حرم على المسلمة نكاح الزاني الخبيث، ولم يعتبر نسباً ولا صناعة، ولا غنى ولا حرية، فجوز للعبد القن نكاح الحرة النسيبة الغنية إذا كان عفيفاً مسلماً، وجوز لغير القرشيين نكاح القرشيات، ولغير الهاشميين نكاح الهاشميات وللفقراء نكاح الموسرات.
وقد تنازع الفقهاء في أوصاف الكفاءة:
فقال مالك في ظاهر مذهبه: إنَّها الدين، وفي رواية عنه: إنَّها ثلاثة: الدين، والحرية، والسلامة من العيوب.
وقال أبو حنيفة: هي النسب والدين.
وقال أحمد في رواية عنه: هي الدين والنسب خاصة.
وفي رواية أخرى: هي خمسة: الدين، والنسب، والحرية، والصناعة، والمال. وإذا اعتبر فيها النسب، فعنه فيه روايتان:
إحداهما: أنَّ العرب بعضهم لبعض أكفاء.
الثانية: أنَّ قريشاً لا يكافئهم إلَّا قرشي، وبنو هاشم لا يكافئهم إلَّا هاشمي.
стр. 6150
وقال أصحاب الشافعي: يعتبر فيها الدين، والنسب، والحرية، والصناعة، والسلامة من العيوب المنفرة.
ولهم في اليسار ثلاثة أوجه: اعتباره فيها، وإلغاؤه، واعتباره في أهل المدن دون أهل البوادي.
فالعجمي ليس عندهم كفئاً للعربي، ولا غير القرشي للقرشية، ولا غير الهاشمي للهاشمية، ولا غير المنتسبة إلى العلماء والصلحاء المشهورين كفئاً لمن ليس منتسباً إليهما، ولا العبد كفئاً للحرة، ولا العتيق كفئاً لحرة الأصل، ولا من مس الرق أحد آبائه كفئاً لمن لم يمسها رق، ولا أحداً من آبائها، وفي تأثير رق الأمهات وجهان، ولا من به عيب مثبت للفسخ كفئاً للسليمة منه، فإن لم يثبت الفسخ وكان منفراً كالعمى والقطع، وتشويه الخلقة، فوجهان. واختار الروياني أنَّ صاحبه ليس بكفء، ولا الحجام والحائك والحارس كفئاً لبنت التاجر والخياط ونحوهما، ولا المحترف لبنت العالم، ولا الفاسق كفئاً للعفيفة، ولا المبتدع للسنية.
ولكن الكفاءة عند الجمهور هي حق المرأة والأولياء.
стр. 6151
ثم اختلفوا، فقال أصحاب الشافعي: هي لمن له ولاية في الحال. وقال أحمد في رواية: حق لجميع الأولياء، قريبهم وبعيدهم، فمن لم يرض منهم، فله الفسخ وقال أحمد في رواية ثالثة: إنَّها حق الله، فلا يصح رضاهم بإسقاطه، ولكن على هذه الرواية لا تعتبر الحرية ولا اليسار، ولا الصناعة ولا النسب، إنَّما يعتبر الدين فقط، فإنَّه لم يقل أحمد، ولا أحد من العلماء: إنَّ نكاح الفقير للموسرة باطل وإن رضيت، ولا يقول هو ولا أحد: إن نكاح الهاشمية لغير الهاشمي، والقرشية لغير القرشي باطل، وإنَّما نبهنا على هذا لأنَّ كثيراً من أصحابنا يحكون الخلاف في الكفاءة، هل هي حق لله أو للآدمي؟ ويطلقون مع قولهم: إنَّ الكفاءة هي الخصال المذكورة، وفى هذا من التساهل وعدم التحقيق ما فيه» اهـ.
قُلْتُ: الحديث الأول الذي أورده العلامة ابن القيم ﵀ رواه أحمد (٢٣٥٣٦) حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ، حَدَّثَنَا سَعِيدٌ الْجُرَيْرِيُّ، عَنْ أَبِي نَضْرَةَ، حَدَّثَنِي مَنْ سَمِعَ خُطْبَةَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فِي وَسَطِ أَيَّامِ التَّشْرِيقِ فَقَالَ: «يَا أَيُّهَا النَّاسُ، أَلَا إِنَّ رَبَّكُمْ وَاحِدٌ، وَإِنَّ أَبَاكُمْ وَاحِدٌ، أَلَا لَا فَضْلَ لِعَرَبِيٍّ عَلَى عَجَمِيٍّ، وَلَا لِعَجَمِيٍّ عَلَى عَرَبِيٍّ، وَلَا أَحْمَرَ عَلَى أَسْوَدَ، وَلَا أَسْوَدَ عَلَى أَحْمَرَ، إِلَّا بِالتَّقْوَى أَبَلَّغْتُ».
قُلْتُ: هَذَا حَدِيْثٌ صَحِيْحٌ.
стр. 6152
والحديث الثاني رواه مسلم (٢١٥) عَنْ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ، قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ جِهَارًا غَيْرَ سِرٍّ، يَقُولُ: «أَلَا إِنَّ آلَ أَبِي، يَعْنِي فُلَانًا، لَيْسُوا لِي بِأَوْلِيَاءَ، إِنَّمَا وَلِيِّيَ اللهُ وَصَالِحُ الْمُؤْمِنِينَ».
والحديث الثالث رواه الترمذي (١٠٨٤)، وابن ماجة (١٩٦٧) من طريق عَبْدِ الحَمِيدِ بْنِ سُلَيْمَانَ، عَنْ ابْنِ عَجْلَانَ، عَنْ ابْنِ وَثِيمَةَ النَّصْرِيِّ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «إِذَا خَطَبَ إِلَيْكُمْ مَنْ تَرْضَوْنَ دِينَهُ وَخُلُقَهُ فَزَوِّجُوهُ، إِلَّا تَفْعَلُوا تَكُنْ فِتْنَةٌ فِي الأَرْضِ، وَفَسَادٌ عَرِيضٌ».
قُلْتُ: هَذَا حَدِيْثٌ مُعَلٌ.
قَالَ الْحَافِظُ التِّرْمِذِيُّ ﵀ -بعد روايته للحديث-: «حَدِيثُ أَبِي هُرَيْرَةَ قَدْ خُولِفَ عَبْدُ الحَمِيدِ بْنُ سُلَيْمَانَ فِي هَذَا الحَدِيثِ.
وَرَوَاهُ اللَّيْثُ بْنُ سَعْدٍ، عَنْ ابْنِ عَجْلَانَ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ مُرْسَلًا.
قَالَ مُحَمَّدٌ: وَحَدِيثُ اللَّيْثِ أَشْبَهُ وَلَمْ يَعُدَّ حَدِيثَ عَبْدِ الحَمِيدِ مَحْفُوظًا» اهـ.
قُلْتُ: وعبد الحميد بن سليمان مع مخالفته لليث فهو ضعيف الحديث.
стр. 6153
لكن رواه الترمذي (١٠٨٥) حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَمْرٍو السَّوَّاقُ البَلْخِيُّ قَالَ: حَدَّثَنَا حَاتِمُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ هُرْمُزَ، عَنْ مُحَمَّدٍ وَسَعِيدٍ، ابْنَيْ عُبَيْدٍ، عَنْ أَبِي حَاتِمٍ المُزَنِيِّ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «إِذَا جَاءَكُمْ مَنْ تَرْضَوْنَ دِينَهُ وَخُلُقَهُ فَأَنْكِحُوهُ، إِلَّا تَفْعَلُوا تَكُنْ فِتْنَةٌ فِي الأَرْضِ وَفَسَادٌ»، قَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ، وَإِنْ كَانَ فِيهِ؟ قَالَ: «إِذَا جَاءَكُمْ مَنْ تَرْضَوْنَ دِينَهُ وَخُلُقَهُ فَأَنْكِحُوهُ»، ثَلَاثَ مَرَّاتٍ.
قُلْتُ: عبد الله بن مسلم بن هرمز ضعيف، وابنا عبيد مجهولان.
قَالَ الْحَافِظُ ابْنُ مَعِيْنٍ ﵀ فِي [تَارِيْخِهِ-رِوَايَةِ الدُّوْرِيِّ] (١٦٤): «وابن عجلان سمعه من عبد الله بن هرمز هذا» اهـ.
قُلْتُ: بهذا يتبين أنَّ مرجع الحديثين على رجل واحد ضعيف، فلا يثبت هذا الحديث. والله أعلم.
ثم رأيت له شاهداً مرسلاً وهو ما رواه عبد الرزاق في [مُصَنَّفِهِ] (١٠٣٢٥) عَنْ مَعْمَرٍ، عَنْ يَحْيَى بْنِ أَبِي كَثِيرٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «إِذَا جَاءَكُمْ مَنْ تَرْضَوْنَ أَمَانَتَهُ وَخُلُقَهُ فَأَنْكِحُوهُ كَائِنًا مَنْ كَانَ، فَإِنْ لَا تَفْعَلُوا تَكُنْ فِتْنَةٌ فِي الْأَرْضِ وَفَسَادٌ كَبِيرٌ»، أَوْ قَالَ: «عَرِيضٌ».
стр. 6154
ورأيت له شاهداً آخر من حديث أبي أمامة رواه البيهقي في [شُعَبِ الْإِيْمَانِ] (٤٧٧٣) من طريق سَلْمِ بْنِ سَالِمٍ، عَنْ شَيْخٍ، مِنْ بَنِي لَيْثٍ، عَنْ أَبِي عُثْمَانَ النَّهْدِيِّ، عَنْ أَبِي أُمَامَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : «يَا أَبَا أُمَامَةَ، مَا أَنَا وَأَمَةٌ سَفْعَاءُ الْخَدَّيْنِ، سَفْعَاءُ الْمِعْصَمَيْنِ، آمَنَتْ بِرَبِّهَا، وَتَحَنَّنَتْ عَلَى وَلَدِهَا إِلَّا كَهَاتَيْنِ - وَفَرَّقَ بَيْنَ السَّبَّابَةِ وَالْوُسْطَى - وَاللهُ أَذْهَبَ فَخْرَ الْجَاهِلِيَّةِ وَتَكَبُّرَهَا بِآبَائِهَا، كُلُّكُمْ لِآدَمَ وَحَوَّاءَ كَطَفِّ الصَّاعِ بِالصَّاعِ، وَإِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللهِ أَتْقَاكُمْ، فَمَنْ أَتَاكُمْ تَرْضَوْنَ دِينَهُ وَأَمَانَتَهُ فَزَوِّجُوهُ».
قَالَ الْحَافِظُ الْبَيْهَقِيُّ ﵀: سَلْمُ بْنُ سَالِمٍ الْبَلْخِيُّ غَيْرُ قَوِيٍّ، وَقَدْ رَوَاهُ عَنْ رَجُلٍ مَجْهُولٍ اهـ.
فيتقوى الحديث بهذه الشواهد. والله أعلم.
والحديث الرابع حديث أبي هند رواه أبو داود (٢١٠٢) حَدَّثَنَا عَبْدُ الْوَاحِدِ بْنُ غِيَاثٍ، حَدَّثَنَا حَمَّادٌ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَمْرٍو، عَنْ أَبِي سَلَمَةَ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، أَنَّ أَبَا هِنْدٍ، حَجَمَ النَّبِيَّ ﷺ فِي الْيَافُوخِ، فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ : «يَا بَنِي بَيَاضَةَ أَنْكِحُوا أَبَا هِنْدٍ وَأَنْكِحُوا إِلَيْهِ».
وَقَالَ: «وَإِنْ كَانَ فِي شَيْءٍ مِمَّا تَدَاوُونَ بِهِ خَيْرٌ فَالْحِجَامَةُ».
стр. 6155
قُلْتُ: إِسْنَادُهُ حَسَنٌ.
قَالَ الْحَافِظُ ابْنُ عَبْدِ الْهَادِي ﵀ فِي [تَنْقِيْحِ الْتَحْقِيْقِ] (٤/ ٣٣٣): «هذا إسناد جيد» اهـ.
وَقَالَ الْحِافِظُ ابْنُ حَجَرٍ ﵀ فِي [التَّلْخِيْصِ الْحَبِيْرِ] (٣/ ٣٥٦): «إسناده حسن» اهـ.
وَقَالَ ﵀ فِي [بُلُوْغِ الْمَرَامِ] (١٠٠٥): «رواه أبو داود، والحاكم بسند جيد» اهـ.
وَقَالَ الْعَلَّامَةُ الْأَلْبَانِيُّ ﵀ فِي [الصَّحِيْحَةِ] (٢٤٤٦): «قُلْتُ: وهذا إسناد حسن» اهـ.
وَقَالَ الْعَلَّامَةُ مُقْبِلٌ الْوَادِعِيُّ ﵀ فِي [الصَّحِيْحِ الْمُسْنَدِ] (١٣٦٨): «هذا حديث حسن» اهـ.
لَكِنْ قَالَ الْعَلَّامَةُ ابْنُ قُدَامَةَ ﵀ فِي [الْمُغْنِي] (١٤/ ٤١٥): «رواه أبو داود، إلَّا أنَّ أحمد ضعفه، وأنكره إنكاراً شديداً» اهـ.
стр. 6156
وَقَالَ الْحَافِظُ الدَّارَقُطْنِيُّ ﵀ فِي [الْعِلَلِ] (٩/ ٢٨٩): «يرويه محمد بن عمرو واختلف عنه؛ فرواه حماد بن سلمة، عن محمد بن عمرو، عن أبي سلمة، عن أبي هريرة.
وغيره يرويه عن محمد بن عمرو، عن أبي سلمة مرسلاً، والمرسل أشبه» اهـ.
وَقَالَ الْعَلَّامَةُ الْخَطَّابِي ﵀ فِي [مَعَالِمِ الْسُّنَنِ] (٣/ ٢٠٦): «في هذا الحديث حجة لمالك ولمن ذهب مذهبه في أنَّ الكفاءة بالدين وحده دون غيره وأبو هند مولى بني بياضة ليس من أنفسهم. والكفاءة معتبرة في قول أكثر العلماء بأربعة أشياء بالدين والحرية والنسب والصناعة، ومنهم من اعتبر فيها السلامة من العيوب واليسار فيكون جماعها ست خصال» اهـ.
وَقَالَ الْحَافِظُ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِ ﵀ فِي [التَّمْهِيْدِ] (١٩/ ١٦٥): «وأبو هند مولى وبنو بياضة فخذ من العرب في الأنصار» اهـ.
قُلْتُ: واعتبر بعض العلماء كفاءة الحرفة في الأصول أيضاً.
قَالَ سُلَيْمَانُ بْنُ عُمَرَ الْشَّافِعِيُّ الْمَعْرُوفُ بِالْجَمَلِ ﵀ فِي [حَاشِيَتِهِ عَلَى شَرْحِ الْمَنْهَجِ] (٤/ ١٦٧):
стр. 6157
«"قَوْلُهُ "لَيْسَ كُفْءَ بِنْتِ خَيَّاطٍ" الْمُنَاسِبُ أَنْ يَقُولَ لِخِيَاطَةٍ لِأَنَّ حِرْفَةَ الْآبَاءِ لَا تُعْتَبَرُ إلَّا بَعْدَ اتِّحَادِ الزَّوْجَيْنِ فِي الْحِرْفَةِ اهـ ح ل قَالَ شَيْخُنَا الْعَزِيزِيُّ لَمْ يَقُلْ لَيْسَ كُفْءَ خِيَاطَةٍ مَعَ أَنَّهُ الْمُلَائِمُ لِمَا قَبْلَهُ لِلتَّنْبِيهِ عَلَى أَنَّ الْحِرْفَةَ مُعْتَبَرَةٌ فِي الْأُصُولِ كَمَا تُعْتَبَرُ فِي الزَّوْجَيْنِ» اهـ.
وَقَالَ الْعَلَّامَةُ الْنَوَوِي ﵀ فِي [الرَّوْضَةِ] (٧/ ٨٢):
«الْحِرْفَةُ الدَّنِيَّةُ فِي الْآبَاءِ، وَالِاشْتِهَارُ بِالْفِسْقِ، مِمَّا يُعَيَّرُ بِهِ الْوَلَدُ، فَيُشْبِهُ أَنْ يَكُونَ حَالُ مَنْ كَانَ أَبُوهُ صَاحِبَ حِرْفَةٍ دَنِيَّةٍ، أَوْ مَشْهُورًا بِفِسْقٍ، مَعَ مَنْ أَبَوْهَا عَدْلٌ، كَمَا ذَكَرْنَا فِيمَنْ أَسْلَمَ بِنَفْسِهِ مَعَ مَنْ أَبَوْهَا مُسْلِمٌ» اهـ.
قُلْتُ: والذي عليه أكثر العلماء أنَّ الكفاءة ليست بشرط في النكاح، واشترطها الإمام أحمد في رواية وهو محمول على كفاءة الدين كما سبق في كلام ابن القيم ﵀.
قَالَ الْعَلَّامَةُ ابْنُ قُدَامَةَ ﵀ فِي [الْمُغْنِي] (١٤/ ٤١٤): «والرواية الثانية عن أحمد أنَّها ليست شرطاً في النكاح. وهذا قول أكثر أهل العلم.
стр. 6158
روي نحو هذا عن عمر وابن مسعود وعمر بن عبد العزيز، وعبيد بن عمير وحماد بن أبي سليمان وابن سيرين وابن عون ومالك والشافعي وأصحاب الرأي؛ لقوله تعالى: ﴿إنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ﴾» اهـ.
قُلْتُ: لكن لا بد أن تستثنى كفاءة الدين فإنَّه لا بد من اشتراطها، أعني أنَّه لا يصح تزويج المسلمة من الكافر، وأمَّا ما سوى الإيمان الكفر، من البدع والفسق فيدخل في النزاع.
وَقَالَ الْعَلَّامَةُ ابْنُ قُدَامَةَ ﵀ فِي [الْمُغْنِي] (١٤/ ٤١٦ - ٤١٧): «فإن قلنا: ليست شرطاً. فرضيت المرأة والأولياء كلهم، صح النكاح، وإن لم يرض بعضهم، فهل يقع العقد باطلاً من أصله أو صحيحاً؟ فيه روايتان عن أحمد وقولان للشافعي:
أحدهما، هو باطل؛ لأنَّ الكفاءة حق لجميعهم، والعاقد متصرف فيها بغير رضاهم، فلم يصح، كتصرف الفضولي.
والثانية، هو صحيح؛ بدليل أنَّ المرأة التي رفعت إلى النبي ﷺ أنَّ أباها زوجها من غير كفئها خيرها، ولم يبطل النكاح من أصله.
стр. 6159
ولأنَّ العقد وقع بالإذن، والنقص الموجود فيه لا يمنع صحته، وإنَّما يثبت الخيار، كالعيب من العنة وغيرها. فعلى هذه الرواية لمن لم يرض الفسخ.
وبهذا قال الشافعي ومالك، وقال أبو حنيفة: إذا رضيت المرأة وبعض الأولياء، لم يكن لباقي الأولياء فسخ؛ لأنَّ هذا الحق لا يتجزأ، وقد أسقط بعض الشركاء حقه، فسقط جميعه، كالقصاص.
ولنا، أن كل واحد من الأولياء يعتبر رضاه، فلم يسقط برضا غيره، كالمرأة مع الولي فأمَّا القصاص فلا يثبت لكل واحد كاملاً، فإذا سقط بعضه، تعذر استيفاؤه، وهاهنا بخلافه، ولأنَّه لو زوجها بدون مهر مثلها، ملك الباقون عندهم الاعتراض، مع أنَّه خالص حقها، فهاهنا مع أنَّه حق لهم أولى.
وسواء كانوا متساوين في الدرجة، أو متفاوتين، فزوج الأقرب، مثل أن يزوج الأب بغير كفء، فإنَّ للإخوة الفسخ.
وقال مالك والشافعي ليس لهم فسخ إذا زوج الأقرب؛ لأنَّه لا حق للأبعد معه، فرضاؤه لا يعتبر.
ولنا، أنَّه ولي في حال يلحقه العار بفقد الكفاءة، فملك الفسخ كالمتساويين» اهـ.
стр. 6160
أقول: لا أعلم للفسخ حجة، والصواب أنَّ المرأة إذا رضيت بالرجل، ووافق على ذلك وليها القريب صح النكاح، وليس لأحد من الأولياء فسخ ذلك النكاح.
والكفاءة التي اعتبرها بعض العلماء متعلقة بالمرأة دون الرجل، فأمَّا الرجل فله أن يتزوج بامرأة لا تكافؤه كالكتابية، والمعتقة، وقد تزوج النبي ﷺ بصفية وهي من مواليه، وقد توسع الناس في هذه العصور المتأخرة في ذلك فمنعوا الرجل من الزواج بمن ليست بكفوء له، ولا أعلم لهذا أصلاً.
وكثير من الناس في هذه الأزمان حصروا الكفاءة في الحرف والصناعات ولم يعتبروا الدين.
ومن العجب أنَّ المرأة قد تكون فاسقة وأهلها فساق ويتقدم رجل صالح في دينه لكنَّ وجد في بعض آبائه من كان صاحب مهنة رديئة فلا يقبلونه ولا يرونه كفئاً لها، وكل هذا من انقلاب الموازين فراعوا ما لم تراعيه الشريعة وتركوا ما راعته الشريعة.
٨ - واحتج بقَوْلِهِ: «أَمَّا مُعَاوِيَةُ فَصُعْلُوكٌ لَا مَالَ لَهُ». على من قال بالكفاءة بالمال. وقد اشترط ذلك الإمام أحمد في إحدى الروايتين.
стр. 6161
أَقُوْلُ: الصَّحِيْحُ أنَّ الكفاءة في المال لا تعتبر لقول الله تعالى: ﴿وَأَنْكِحُوا الْأَيَامَى مِنْكُمْ وَالصَّالِحِينَ مِنْ عِبَادِكُمْ وَإِمَائِكُمْ إِنْ يَكُونُوا فُقَرَاءَ يُغْنِهِمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ﴾ [النور: ٣٢].
وقد زوج النبي ﷺ رجلاً لم يجد شيئاً، فأنكحه بما معه من القرآن كما سبق في حديث سهل بن سعد في كتاب النكاح.
وغاية ما يدل عليه الحديث هو دلالة المرأة على الرجل الصالح ذي اليسار، وهذا إذا تقدم لها من كان من ذوي اليسار من الصالحين، ومن لم يكن كذلك، لا أنَّ الكفاءة في المال معتبرة. والله أعلم.
وما رواه أحمد (٢٠١٠٢)، والترمذي (٣٢٧١)، وابن ماجة (٤٢١٩) من طريق يُونُسَ بْنِ مُحَمَّدٍ، حَدَّثَنَا سَلَّامُ بْنُ أَبِي مُطِيعٍ، عَنْ قَتَادَةَ، عَنِ الْحَسَنِ، عَنْ سَمُرَةَ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «الْحَسَبُ الْمَالُ، وَالْكَرَمُ التَّقْوَى».
فيه سلام وروايته عن قتادة فيها ضعف، والحسن لم يسمع عن سمرة سوى حديث العقيقة.
стр. 6162
لكن له شاهد رواه البزار (٨٣٨٥)، والدارقطني (٣٧٩٩) من طريق بُنْدَارٍ، نا مَعْدِيُّ بْنُ سُلَيْمَانَ، نا ابْنُ عَجْلَانَ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «الْحَسَبُ الْمَالُ، وَالْكَرَمُ التَّقْوَى».
وفيه معدي بن سليمان ضعيف الحديث، لكنَّه يتقوى بحديث سمرة.
ولا ذكر في هذا الحديث للنكاح، وليس فيه أنَّ الكفاءة المال شرط في النكاح، وكون المال يشرف صاحبه باعتبار الدنيا فلا يدل ذلك على اعتباره واشتراطه في النكاح.
٩ - ويدل على وقوع الطلاق في حال غيبة أحد الزوجين عن الآخر، وأنَّه لا يشترط حضوره ومواجهته به.
قَالَ الْعَلَّامَةُ الْنَوَوِي ﵀ فِي [شَرْحِ مُسْلِمٍ] (٥/ ٢٤٠): «فيه أنَّ الطلاق يقع في غيبة المرأة وجواز الوكالة في أداء الحقوق وقد أجمع العلماء على هذين الحكمين» اهـ.
١٠ - وفيه أنَّ المعتدة تنتقل من بيت زوجها لأجل الضرر، ولأنَّه ليس لها سكنى.
стр. 6163
وقد جاء في مسلم (١٤٨٢) عَنْ عُرْوَةَ بْنِ الزُّبَيْرِ عَنْ فَاطِمَةَ بِنْتِ قَيْسٍ، قَالَتْ: قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللهِ، زَوْجِي طَلَّقَنِي ثَلَاثًا، وَأَخَافُ أَنْ يُقْتَحَمَ عَلَيَّ، قَالَ: «فَأَمَرَهَا، فَتَحَوَّلَتْ».
وجاء في البخاري (٥٣٢٦) عَنْ عُرْوَةَ بْنِ الزُّبَيْرِ عَنْ عَائِشَةُ، قَالَتْ: «إِنَّ فَاطِمَةَ كَانَتْ فِي مَكَانٍ وَحْشٍ، فَخِيفَ عَلَى نَاحِيَتِهَا، فَلِذَلِكَ أَرْخَصَ لَهَا النَّبِيُّ ﷺ ».
١١ - وفيه جواز استعمال المبالغة في الكلام، فإنَّه قد كان لمعاوية ثوب يلبسه ونحو ذلك من المال المحقر، وأنَّ أبا الجهم كان يضع العصا عن عاتقه في حال نومه وأكله وغيرهما ولكن لما كان كثير الحمل للعصا وكان معاوية قليل المال جداً جاز إطلاق هذا اللفظ عليهما.
١٢ - واحتج به من قال بجواز إيقاع الثلاث التطليقات دفعة واحدة، ولا حجة في ذلك فإنَّ المراد بطلاقه لها البتة أنَّه طلقها آخر ثلاث تطليقات، ويدل على ذلك ما رواه مسلم (١٤٨٠) عَنْ فَاطِمَةَ بِنْتِ قَيْسٍ: «أَنَّهَا كَانَتْ تَحْتَ أَبِي عَمْرِو بْنِ حَفْصِ بْنِ الْمُغِيرَةِ، فَطَلَّقَهَا آخِرَ ثَلَاثِ تَطْلِيقَاتٍ».
١٣ - وفي قَوْلِهِ: «فَإِذَا حَلَلْتِ فَآذِنِينِي». جواز التعريض في عدة البائن.
стр. 6164
وقد قال الله تعالى: ﴿وَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ فِيمَا عَرَّضْتُمْ بِهِ مِنْ خِطْبَةِ النِّسَاءِ﴾ [البقرة: ٢٣٥].
١٤ - وفيه جواز اعتداد المرأة في غير بيت محارمها، إذا دعت الحاجة إلى ذلك وأمنت الفتنة.
فروى مسلم (١٤٨٠) عَنْ فَاطِمَةَ بِنْتِ قَيْسٍ، قَالَتْ: طَلَّقَنِي زَوْجِي ثَلَاثًا، فَأَرَدْتُ النُّقْلَةَ، فَأَتَيْتُ النَّبِيَّ ﷺ ، فَقَالَ: «انْتَقِلِي إِلَى بَيْتِ ابْنِ عَمِّكِ عَمْرِو بْنِ أُمِّ مَكْتُومٍ، فَاعْتَدِّي عِنْدَهُ».
قَالَ الْعَلَّامَةُ الْنَوَوِي ﵀ فِي [شَرْحِ مُسْلِمٍ] (١٠/ ١٠٣):
«قَوْلُهُ: "فقال انتقلى إلى بيت بن عَمِّكِ عَمْرِو بْنِ أُمِّ مَكْتُومٍ" هَكَذَا وَقَعَ هُنَا وَكَذَا جَاءَ فِي صَحِيحِ مُسْلِمٍ فِي آخِرِ الْكِتَابِ وَزَادَ فَقَالَ هُوَ رَجُلٌ مِنْ بَنِي فِهْرٍ مِنَ الْبَطْنِ الَّذِي هِيَ مِنْهُ قَالَ الْقَاضِي وَالْمَشْهُورُ خِلَافُ هَذَا وَلَيْسَ هُمَا مِنْ بَطْنٍ وَاحِدٍ هِيَ مِنْ بَنِي مُحَارِبِ بْنِ فِهْرٍ وَهُوَ مِنْ بَنِي عَامِرِ بْنِ لؤى.
قلت: وهو بن عَمِّهَا مَجَازًا يَجْتَمِعَانِ فِي فِهْرٍ» اهـ.
* * *
стр. 6165
بَابُ الْعِدَّةِ.
٣١٣ - عَنْ سُبَيْعَةَ الأَسْلَمِيَّةِ: «أَنَّهَا كَانَتْ تَحْتَ سَعْدِ بْنِ خَوْلَةَ - وَهُوَ مِنْ بَنِي عَامِرِ بْنِ لُؤَيٍّ، وَكَانَ مِمَّنْ شَهِدَ بَدْراً - فَتُوُفِّيَ عَنْهَا فِي حَجَّةِ الْوَدَاعِ، وَهِيَ حَامِلٌ. فَلَمْ تَنْشَبْ أَنْ وَضَعَتْ حَمْلَهَا بَعْدَ وَفَاتِهِ، فَلَمَّا تَعَلَّتْ مِنْ نِفَاسِهَا: تَجَمَّلَتْ لِلْخُطَّابِ، فَدَخَلَ عَلَيْهَا أَبُو السَّنَابِلِ بْنُ بَعْكَكٍ - رَجُلٌ مِنْ بَنِي عَبْدِ الدَّارِ - فَقَالَ لَهَا: مَا لِي أَرَاك مُتَجَمِّلَةً؟ لَعَلَّكِ تُرَجِّينَ لِلنِّكَاحِ، وَاَللَّهِ مَا أَنْتِ بِنَاكِحٍ حَتَّى يَمُرَّ عَلَيْك أَرْبَعَةُ أَشْهُرٍ وَعَشْرٌ.
قَالَتْ سُبَيْعَةُ: فَلَمَّا قَالَ لِي ذَلِكَ: جَمَعْتُ عَلَيَّ ثِيَابِي حِينَ أَمْسَيْتُ، فَأَتَيْتُ رَسُولَ ﷺ فَسَأَلْتُهُ عَنْ ذَلِكَ؟ فَأَفْتَانِي بِأَنِّي قَدْ حَلَلْتُ حِينَ وَضَعْتُ حَمْلِي، وَأَمَرَنِي بِالتَّزْوِيجِ إنْ بَدَا لِي».
قَوْلُهُ: (بَابُ الْعِدَّةِ) العدة بكسر العين من العدد.
وهي في الشرع: تربص محدود شرعاً بزمن أو حال.
والزمن كعدة الوفاة من غير الحامل، واليائسة والصغيرة في الطلاق، والحال كعدة المطلقة الحائل بالحيض أو المطلقة والمتوفاة بوضع الحمل.
следующие страницы →