Полный текст (8 095 стр.). Показаны 6161–6200 · переход к 6166.
стр. 6161
أَقُوْلُ: الصَّحِيْحُ أنَّ الكفاءة في المال لا تعتبر لقول الله تعالى: ﴿وَأَنْكِحُوا الْأَيَامَى مِنْكُمْ وَالصَّالِحِينَ مِنْ عِبَادِكُمْ وَإِمَائِكُمْ إِنْ يَكُونُوا فُقَرَاءَ يُغْنِهِمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ﴾ [النور: ٣٢].
وقد زوج النبي ﷺ رجلاً لم يجد شيئاً، فأنكحه بما معه من القرآن كما سبق في حديث سهل بن سعد في كتاب النكاح.
وغاية ما يدل عليه الحديث هو دلالة المرأة على الرجل الصالح ذي اليسار، وهذا إذا تقدم لها من كان من ذوي اليسار من الصالحين، ومن لم يكن كذلك، لا أنَّ الكفاءة في المال معتبرة. والله أعلم.
وما رواه أحمد (٢٠١٠٢)، والترمذي (٣٢٧١)، وابن ماجة (٤٢١٩) من طريق يُونُسَ بْنِ مُحَمَّدٍ، حَدَّثَنَا سَلَّامُ بْنُ أَبِي مُطِيعٍ، عَنْ قَتَادَةَ، عَنِ الْحَسَنِ، عَنْ سَمُرَةَ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «الْحَسَبُ الْمَالُ، وَالْكَرَمُ التَّقْوَى».
فيه سلام وروايته عن قتادة فيها ضعف، والحسن لم يسمع عن سمرة سوى حديث العقيقة.
стр. 6162
لكن له شاهد رواه البزار (٨٣٨٥)، والدارقطني (٣٧٩٩) من طريق بُنْدَارٍ، نا مَعْدِيُّ بْنُ سُلَيْمَانَ، نا ابْنُ عَجْلَانَ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «الْحَسَبُ الْمَالُ، وَالْكَرَمُ التَّقْوَى».
وفيه معدي بن سليمان ضعيف الحديث، لكنَّه يتقوى بحديث سمرة.
ولا ذكر في هذا الحديث للنكاح، وليس فيه أنَّ الكفاءة المال شرط في النكاح، وكون المال يشرف صاحبه باعتبار الدنيا فلا يدل ذلك على اعتباره واشتراطه في النكاح.
٩ - ويدل على وقوع الطلاق في حال غيبة أحد الزوجين عن الآخر، وأنَّه لا يشترط حضوره ومواجهته به.
قَالَ الْعَلَّامَةُ الْنَوَوِي ﵀ فِي [شَرْحِ مُسْلِمٍ] (٥/ ٢٤٠): «فيه أنَّ الطلاق يقع في غيبة المرأة وجواز الوكالة في أداء الحقوق وقد أجمع العلماء على هذين الحكمين» اهـ.
١٠ - وفيه أنَّ المعتدة تنتقل من بيت زوجها لأجل الضرر، ولأنَّه ليس لها سكنى.
стр. 6163
وقد جاء في مسلم (١٤٨٢) عَنْ عُرْوَةَ بْنِ الزُّبَيْرِ عَنْ فَاطِمَةَ بِنْتِ قَيْسٍ، قَالَتْ: قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللهِ، زَوْجِي طَلَّقَنِي ثَلَاثًا، وَأَخَافُ أَنْ يُقْتَحَمَ عَلَيَّ، قَالَ: «فَأَمَرَهَا، فَتَحَوَّلَتْ».
وجاء في البخاري (٥٣٢٦) عَنْ عُرْوَةَ بْنِ الزُّبَيْرِ عَنْ عَائِشَةُ، قَالَتْ: «إِنَّ فَاطِمَةَ كَانَتْ فِي مَكَانٍ وَحْشٍ، فَخِيفَ عَلَى نَاحِيَتِهَا، فَلِذَلِكَ أَرْخَصَ لَهَا النَّبِيُّ ﷺ ».
١١ - وفيه جواز استعمال المبالغة في الكلام، فإنَّه قد كان لمعاوية ثوب يلبسه ونحو ذلك من المال المحقر، وأنَّ أبا الجهم كان يضع العصا عن عاتقه في حال نومه وأكله وغيرهما ولكن لما كان كثير الحمل للعصا وكان معاوية قليل المال جداً جاز إطلاق هذا اللفظ عليهما.
١٢ - واحتج به من قال بجواز إيقاع الثلاث التطليقات دفعة واحدة، ولا حجة في ذلك فإنَّ المراد بطلاقه لها البتة أنَّه طلقها آخر ثلاث تطليقات، ويدل على ذلك ما رواه مسلم (١٤٨٠) عَنْ فَاطِمَةَ بِنْتِ قَيْسٍ: «أَنَّهَا كَانَتْ تَحْتَ أَبِي عَمْرِو بْنِ حَفْصِ بْنِ الْمُغِيرَةِ، فَطَلَّقَهَا آخِرَ ثَلَاثِ تَطْلِيقَاتٍ».
١٣ - وفي قَوْلِهِ: «فَإِذَا حَلَلْتِ فَآذِنِينِي». جواز التعريض في عدة البائن.
стр. 6164
وقد قال الله تعالى: ﴿وَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ فِيمَا عَرَّضْتُمْ بِهِ مِنْ خِطْبَةِ النِّسَاءِ﴾ [البقرة: ٢٣٥].
١٤ - وفيه جواز اعتداد المرأة في غير بيت محارمها، إذا دعت الحاجة إلى ذلك وأمنت الفتنة.
فروى مسلم (١٤٨٠) عَنْ فَاطِمَةَ بِنْتِ قَيْسٍ، قَالَتْ: طَلَّقَنِي زَوْجِي ثَلَاثًا، فَأَرَدْتُ النُّقْلَةَ، فَأَتَيْتُ النَّبِيَّ ﷺ ، فَقَالَ: «انْتَقِلِي إِلَى بَيْتِ ابْنِ عَمِّكِ عَمْرِو بْنِ أُمِّ مَكْتُومٍ، فَاعْتَدِّي عِنْدَهُ».
قَالَ الْعَلَّامَةُ الْنَوَوِي ﵀ فِي [شَرْحِ مُسْلِمٍ] (١٠/ ١٠٣):
«قَوْلُهُ: "فقال انتقلى إلى بيت بن عَمِّكِ عَمْرِو بْنِ أُمِّ مَكْتُومٍ" هَكَذَا وَقَعَ هُنَا وَكَذَا جَاءَ فِي صَحِيحِ مُسْلِمٍ فِي آخِرِ الْكِتَابِ وَزَادَ فَقَالَ هُوَ رَجُلٌ مِنْ بَنِي فِهْرٍ مِنَ الْبَطْنِ الَّذِي هِيَ مِنْهُ قَالَ الْقَاضِي وَالْمَشْهُورُ خِلَافُ هَذَا وَلَيْسَ هُمَا مِنْ بَطْنٍ وَاحِدٍ هِيَ مِنْ بَنِي مُحَارِبِ بْنِ فِهْرٍ وَهُوَ مِنْ بَنِي عَامِرِ بْنِ لؤى.
قلت: وهو بن عَمِّهَا مَجَازًا يَجْتَمِعَانِ فِي فِهْرٍ» اهـ.
* * *
стр. 6165
بَابُ الْعِدَّةِ.
٣١٣ - عَنْ سُبَيْعَةَ الأَسْلَمِيَّةِ: «أَنَّهَا كَانَتْ تَحْتَ سَعْدِ بْنِ خَوْلَةَ - وَهُوَ مِنْ بَنِي عَامِرِ بْنِ لُؤَيٍّ، وَكَانَ مِمَّنْ شَهِدَ بَدْراً - فَتُوُفِّيَ عَنْهَا فِي حَجَّةِ الْوَدَاعِ، وَهِيَ حَامِلٌ. فَلَمْ تَنْشَبْ أَنْ وَضَعَتْ حَمْلَهَا بَعْدَ وَفَاتِهِ، فَلَمَّا تَعَلَّتْ مِنْ نِفَاسِهَا: تَجَمَّلَتْ لِلْخُطَّابِ، فَدَخَلَ عَلَيْهَا أَبُو السَّنَابِلِ بْنُ بَعْكَكٍ - رَجُلٌ مِنْ بَنِي عَبْدِ الدَّارِ - فَقَالَ لَهَا: مَا لِي أَرَاك مُتَجَمِّلَةً؟ لَعَلَّكِ تُرَجِّينَ لِلنِّكَاحِ، وَاَللَّهِ مَا أَنْتِ بِنَاكِحٍ حَتَّى يَمُرَّ عَلَيْك أَرْبَعَةُ أَشْهُرٍ وَعَشْرٌ.
قَالَتْ سُبَيْعَةُ: فَلَمَّا قَالَ لِي ذَلِكَ: جَمَعْتُ عَلَيَّ ثِيَابِي حِينَ أَمْسَيْتُ، فَأَتَيْتُ رَسُولَ ﷺ فَسَأَلْتُهُ عَنْ ذَلِكَ؟ فَأَفْتَانِي بِأَنِّي قَدْ حَلَلْتُ حِينَ وَضَعْتُ حَمْلِي، وَأَمَرَنِي بِالتَّزْوِيجِ إنْ بَدَا لِي».
قَوْلُهُ: (بَابُ الْعِدَّةِ) العدة بكسر العين من العدد.
وهي في الشرع: تربص محدود شرعاً بزمن أو حال.
والزمن كعدة الوفاة من غير الحامل، واليائسة والصغيرة في الطلاق، والحال كعدة المطلقة الحائل بالحيض أو المطلقة والمتوفاة بوضع الحمل.
стр. 6166
قَوْلُهُ: «فَلَمْ تَنْشَبْ». أي تمكث وتلبث.
وَقَوْلُهُ: «تَعَلَّتْ». أي طهرت من نفاسها، أو استقلت عن آلام نفاسها.
وجاء في البخاري (٤٩٠٩) أنَّ ذلك كان بعد أربعين ليلة.
فَقَالَ ﵀ حَدَّثَنَا سَعْدُ بْنُ حَفْصٍ، حَدَّثَنَا شَيْبَانُ، عَنْ يَحْيَى، قَالَ: أَخْبَرَنِي أَبُو سَلَمَةَ، قَالَ: جَاءَ رَجُلٌ إِلَى ابْنِ عَبَّاسٍ وَأَبُو هُرَيْرَةَ جَالِسٌ عِنْدَهُ، فَقَالَ: أَفْتِنِي فِي امْرَأَةٍ وَلَدَتْ بَعْدَ زَوْجِهَا بِأَرْبَعِينَ لَيْلَةً؟ فَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: آخِرُ الأَجَلَيْنِ، قُلْتُ أَنَا: ﴿وَأُولَاتُ الأَحْمَالِ أَجَلُهُنَّ أَنْ يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ﴾ [الطلاق: ٤]، قَالَ أَبُو هُرَيْرَةَ: أَنَا مَعَ ابْنِ أَخِي - يَعْنِي أَبَا سَلَمَةَ - فَأَرْسَلَ ابْنُ عَبَّاسٍ غُلَامَهُ كُرَيْبًا إِلَى أُمِّ سَلَمَةَ يَسْأَلُهَا، فَقَالَتْ: «قُتِلَ زَوْجُ سُبَيْعَةَ الأَسْلَمِيَّةِ وَهِيَ حُبْلَى، فَوَضَعَتْ بَعْدَ مَوْتِهِ بِأَرْبَعِينَ لَيْلَةً، فَخُطِبَتْ فَأَنْكَحَهَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ، وَكَانَ أَبُو السَّنَابِلِ فِيمَنْ خَطَبَهَا».
وجاء أنَّ ذلك كان بعد شهرين:
فروى أحمد (٢٧٤٧٨) حَدَّثَنَا يَعْقُوبُ، حَدَّثَنَا أَبِي، عَنِ ابْنِ إِسْحَاقَ، قَالَ: حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ بْنِ الْحَارِثِ التَّيْمِيُّ، عَنْ أَبِي سَلَمَةَ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، قَالَ: دَخَلْتُ عَلَى سُبَيْعَةَ بِنْتِ أَبِي بَرْزَةَ الْأَسْلَمِيَّةِ، فَسَأَلْتُهَا عَنْ أَمْرِهَا فَقَالَتْ: كُنْتُ عِنْدَ سَعْدِ ابْنِ
стр. 6167
خَوْلَةَ فَتُوُفِّيَ عَنِّي فَلَمْ أَمْكُثْ إِلَّا شَهْرَيْنِ حَتَّى وَضَعْتُ قَالَتْ: فَخَطَبَنِي أَبُو السَّنَابِلِ بْنُ بَعْكَكٍ أَخُو بَنِي عَبْدِ الدَّارِ فَتَهَيَّأْتُ لِلنِّكَاحِ قَالَتْ: فَدَخَلَ عَلَيَّ حَمْوِي وَقَدِ اخْتَضَبْتُ وَتَهَيَّأْتُ فَقَالَ: مَاذَا تُرِيدِينَ يَا سُبَيْعَةُ قَالَتْ: فَقُلْتُ: أُرِيدُ أَنْ أَتَزَوَّجَ قَالَ: وَاللَّهِ مَا لَكِ مِنْ زَوْجٍ حَتَّى تَعْتَدِّينَ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْرًا، قَالَتْ فَجِئْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ فَذَكَرْتُ ذَلِكَ لَهُ فَقَالَ ﷺ لِي: «قَدْ حَلَلْتِ فَتَزَوَّجِي».
قُلْتُ: إِسْنَادُهُ حَسَنٌ.
وجاء أنَّ ذلك كان بعد ثلاث وعشرين ليلة أو خمس وعشرين ليلة.
فروى النسائي (٣٥٠٨)، والترمذي (١١٩٣) مِنْ طَرِيْقِ مَنْصُورٍ، عَنْ إِبْرَاهِيمَ، عَنْ الْأَسْوَدِ، عَنْ أَبِي السَّنَابِلِ، قَالَ: وَضَعَتْ سُبَيْعَةُ حَمْلَهَا بَعْدَ وَفَاةِ زَوْجِهَا بِثَلَاثَةٍ وَعِشْرِينَ أَوْ خَمْسَةٍ وَعِشْرِينَ لَيْلَةً، فَلَمَّا تَعَلَّتْ تَشَوَّفَتْ لِلْأَزْوَاجِ فَعِيبَ ذَلِكَ عَلَيْهَا، فَذُكِرَ ذَلِكَ لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَقَالَ: «مَا يَمْنَعُهَا، قَدْ انْقَضَى أَجَلُهَا».
قُلْتُ: إِسْنَادُهُ صَحِيْحٌ.
وجاء أنَّ ذلك كان بنصف شهر.
стр. 6168
فروى أحمد (٢٦٧١٥)، والنسائي (٣٥١٠) مِنْ طَرِيْقِ مَالِكٌ، عَنْ عَبْدِ رَبِّهِ بْنِ سَعِيدِ بْنِ قَيْسٍ عَنْ أَبِي سَلَمَةَ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، أَنَّهُ قَالَ: سُئِلَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَبَّاسٍ وَأَبُو هُرَيْرَةَ عَنِ الْمُتَوَفَّى عَنْهَا زَوْجُهَا، فَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: «آخِرَ الْأَجَلَيْنِ» وَقَالَ أَبُو هُرَيْرَةَ: «إِذَا وَلَدَتْ، فَقَدْ حَلَّتْ»، فَدَخَلَ أَبُو سَلَمَةَ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ عَلَى أُمِّ سَلَمَةَ، زَوْجِ النَّبِيِّ ﷺ ، فَسَأَلَهَا عَنْ ذَلِكَ، فَقَالَتْ: وَلَدَتْ سُبَيْعَةُ الْأَسْلَمِيَّةُ بَعْدَ وَفَاةِ زَوْجِهَا بِنِصْفِ شَهْرٍ، فَخَطَبَهَا رَجُلَانِ، أَحَدُهُمَا شَابٌّ وَالْآخَرُ كَهْلٌ، فَحَطَّتْ إِلَى الشَّابِّ، فَقَالَ الْكَهْلُ: لَمْ تَحِلَّ، وَكَانَ أَهْلُهَا غُيَّبًا، وَرَجَا إِذَا جَاءَ أَهْلُهَا أَنْ يُؤْثِرُوهُ، فَجَاءَتْ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ فَقَالَ: «قَدْ حَلَلْتِ، فَانْكِحِي مَنْ شِئْتِ».
وجاء عند أحمد (٢٦٦٥٨)، والنسائي (٣٥٠٩) مِنْ طَرِيْقِ شُعْبَةَ، قَالَ: أَخْبَرَنِي عَبْدُ رَبِّهِ بْنُ سَعِيدٍ، قَالَ: سَمِعْتُ أَبَا سَلَمَةَ، يَقُولُ: اخْتَلَفَ أَبُو هُرَيْرَةَ وَابْنُ عَبَّاسٍ فِي الْمُتَوَفَّى عَنْهَا زَوْجُهَا إِذَا وَضَعَتْ حَمْلَهَا، قَالَ أَبُو هُرَيْرَةَ: تُزَوَّجُ، وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: أَبْعَدَ الْأَجَلَيْنِ؟ فَبَعَثُوا إِلَى أُمِّ سَلَمَةَ، فَقَالَتْ: تُوُفِّيَ زَوْجُ سُبَيْعَةَ فَوَلَدَتْ بَعْدَ وَفَاةِ زَوْجِهَا بِخَمْسَةَ عَشَرَ نِصْفِ شَهْرٍ، قَالَتْ: فَخَطَبَهَا رَجُلَانِ فَحَطَّتْ بِنَفْسِهَا إِلَى
стр. 6169
أَحَدِهِمَا، فَلَمَّا خَشُوا أَنْ تَفْتَاتَ بِنَفْسِهَا، قَالُوا: إِنَّكِ لَا تَحِلِّينَ، قَالَتْ: فَانْطَلَقْتُ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ، فَقَالَ: «قَدْ حَلَلْتِ فَانْكِحِي مَنْ شِئْتِ».
قُلْتُ: إِسْنَادُهُ صَحِيْحٌ.
قَالَ الْحِافِظُ ابْنُ حَجَرٍ ﵀ فِي [فَتْحِ الْبَارِي] (٩/ ٤٧٣):
«والْجَمْعُ بَيْنَ هَذِهِ الرِّوَايَاتِ مُتَعَذر لِاتِّحَاد الْقِصَّةِ وَلَعَلَّ هَذَا هُوَ السِّرُّ فِي إِبْهَامِ مَنْ أَبْهَمَ الْمُدَّةَ إِذْ مَحَلُّ الْخِلَافِ أَنَّ تضع لدوّنَ أَرْبَعَة أشهر» اهـ.
وهنالك اختلاف آخر في حديث سبيعة:
فروى النسائي (٣٥١٦) أَخْبَرَنَا عَبْدُ الْمَلِكِ بْنُ شُعَيْبِ بْنِ اللَّيْثِ بْنِ سَعْدٍ، قَالَ: حَدَّثَنِي أَبِي، عَنْ جَدِّي، قَالَ: حَدَّثَنِي جَعْفَرُ بْنُ رَبِيعَةَ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ هُرْمُزَ، عَنْ أَبِي سَلَمَةَ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، أَنَّ زَيْنَبَ بِنْتَ أَبِي سَلَمَةَ، أَخْبَرَتْهُ، عَنْ أُمِّهَا أُمِّ سَلَمَةَ، زَوْجِ النَّبِيِّ ﷺ : أَنَّ امْرَأَةً مِنْ أَسْلَمَ يُقَالُ لَهَا: سُبَيْعَةُ كَانَتْ تَحْتَ زَوْجِهَا، فَتُوُفِّيَ عَنْهَا وَهِيَ حُبْلَى، فَخَطَبَهَا أَبُو السَّنَابِلِ بْنُ بَعْكَكٍ فَأَبَتْ أَنْ تَنْكِحَهُ، فَقَالَ: مَا يَصْلُحُ لَكِ أَنْ تَنْكِحِي حَتَّى تَعْتَدِّي آخِرَ الْأَجَلَيْنِ، فَمَكَثَتْ قَرِيبًا مِنْ عِشْرِينَ لَيْلَةً ثُمَّ نُفِسَتْ، فَجَاءَتْ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ ، فَقَالَ: «انْكِحِي».
стр. 6170
قُلْتُ: إِسْنَادُهَا صَحِيْحٌ، لكن فيها ما يشكل وهو أنَّ خطبة أبي السنابل كانت في أثناء حملها، وهذا خلاف ما سبق في البخاري وغيره، وقد استشكل الْحَافِظُ الْعَلَائِيُّ ﵀ هذه الرواية في كتابه [التَّنْبِيْهَاتُ الْمُجْمَلَةُ عَلَى الْمَوَاضِعِ الْمُشْكِلَةِ] (ص ٧٨) وصحح ما في الصحيح.
وَقَوْلُهُ: «فَدَخَلَ عَلَيْهَا أَبُو السَّنَابِلِ بْنُ بَعْكَكٍ».
قَالَ الْعَلَّامَةُ الْنَوَوِي ﵀ فِي [شَرْحِ مُسْلِمٍ] (١٠/ ١١٠ - ١١١):
«السَّنَابِلُ بِفَتْحِ السِّينِ وَبَعْكَكٌ بِمُوَحَّدَةِ مَفْتُوحَةٍ ثُمَّ عَيْنٍ سَاكِنَةٍ ثُمَّ كَافِينَ الْأُولَى مَفْتُوحَةٌ وَاسْمُ أَبِي السَّنَابِلِ عَمْرٌو وَقِيلَ حَبَّةٌ بِالْبَاءِ الموحدة وقيل بالنون حكاهما بن مَاكُولَا وَهُوَ أَبُو السَّنَابِلِ بْنُ بَعْكَكِ بْنِ الْحَجَّاجِ بْنِ الْحَارِثِ بْنِ السَّبَّاقِ بْنِ عَبْدِ الدار كذا نسبة بن الكلبي وابن عَبْدِ الْبَرِّ، وَقِيْلَ فِي نَسَبِهِ غَيْرُ هَذَا» اهـ.
قُلْتُ: بعكوكة الناس: مجتمعهم.
الحديث رواه مسلم موصولاً، ورواه البخاري (٣٩٩١) معلقاً، ووصله (٤٩٠٩، ٥٣١٨) مختصراً.
وَقَوْلُهَا: «فَلَمَّا قَالَ لِي ذَلِكَ: جَمَعْتُ عَلَيَّ ثِيَابِي حِينَ أَمْسَيْتُ، فَأَتَيْتُ رَسُولَ ﷺ فَسَأَلْتُهُ عَنْ ذَلِكَ؟».
стр. 6171
ظاهر ذلك أنَّها ذهبت إثر كلام أبي السنابل معها ولم تتأخر لكن روى البخاري (٥٣١٨) حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ بُكَيْرٍ، حَدَّثَنَا اللَّيْثُ، عَنْ جَعْفَرِ بْنِ رَبِيعَةَ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ هُرْمُزَ الأَعْرَجِ، قَالَ: أَخْبَرَنِي أَبُو سَلَمَةَ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، أَنَّ زَيْنَبَ بِنْتَ أَبِي سَلَمَةَ، أَخْبَرَتْهُ عَنْ أُمِّهَا أُمِّ سَلَمَةَ، زَوْجِ النَّبِيِّ ﷺ : أَنَّ امْرَأَةً مِنْ أَسْلَمَ يُقَالُ لَهَا سُبَيْعَةُ، كَانَتْ تَحْتَ زَوْجِهَا، تُوُفِّيَ عَنْهَا وَهِيَ حُبْلَى، فَخَطَبَهَا أَبُو السَّنَابِلِ بْنُ بَعْكَكٍ، فَأَبَتْ أَنْ تَنْكِحَهُ، فَقَالَ: «وَاللَّهِ مَا يَصْلُحُ أَنْ تَنْكِحِيهِ حَتَّى تَعْتَدِّي آخِرَ الأَجَلَيْنِ»، فَمَكُثَتْ قَرِيبًا مِنْ عَشْرِ لَيَالٍ، ثُمَّ جَاءَتِ النَّبِيَّ ﷺ فَقَالَ: «انْكِحِي».
وعلى هذا فَقَوْلُهَا: «حِينَ أَمْسَيْتُ». أي من الليلة التي توجهت فيها إلى النبي ﷺ .
قَالَ الْحِافِظُ ابْنُ حَجَرٍ ﵀ فِي [فَتْحِ الْبَارِي] (٩/ ٤٧٣):
«وَيُمْكِنُ الْجَمْعَ بَيْنَهُمَا أَنْ يُحْمَلَ قَوْلُهَا حِينَ أَمْسَيْتُ عَلَى إِرَادَةِ وَقْتِ تَوَجُّهِهَا وَلَا يَلْزَمُ مِنْهُ أَنْ يَكُونَ ذَلِكَ فِي الْيَوْمِ الَّذِي قَالَ لَهَا فِيهِ مَا قَالَ» اهـ.
وَفِي الْحَدِيْثِ مَسَائِلُ مِنْهَا:
стр. 6172
١ - أنَّ الحامل المتوفى عنها زوجها تعتد بوضع الحمل ولو كان وضعها دون أربعة أشهر وعشر.
قَالَ الْحِافِظُ ابْنُ حَجَرٍ ﵀ فِي [فَتْحِ الْبَارِي] (٩/ ٤٧٤): «وقد قال جمهور العلماء من السلف وأئمة الفتوى في الأمصار أنَّ الحامل إذا مات عنها زوجها تحل بوضع الحمل وتنقضي عدة الوفاة وخالف في ذلك علي فقال: تعتد آخر الأجلين. ومعناه أنَّها إن وضعت قبل مضي أربعة أشهر وعشر تربصت إلى انقضائها ولا تحل بمجرد الوضع وإن انقضت المدة قبل الوضع تربصت إلى الوضع.
أخرجه سعيد بن منصور وعبد بن حميد عن علي بسند صحيح، وبه قال ابن عباس كما في هذه القصة ويقال: إنَّه رجع عنه ويقويه أنَّ المنقول عن أتباعه وفاق الجماعة في ذلك» اهـ.
قَالَ الْعَلَّامَةُ ابْنُ الْقَيِّمِ ﵀ فِي [زَادِ الْمَعَادِ] (٥/ ٥٩٤ - ٥٩٩):
«ذكر حكمه ﷺ في العدد.
هذا البابُ قد تولى الله سبحانه بيانَه في كتابه أتمَّ بيانٍ، وأوضحَه، وأجمَعه بحيث لا تَشِذُّ عنه معتدة، فذكر أربعة أنواعٍ من العِدَدِ، وهي جملة أنواعها.
стр. 6173
النوع الأول: عِدَّةُ الحامل بوضع الحمل مطلقاً بائنةً كانت أو رجعية، مفارقة في الحياة، أو متوفَّى عنها، فقال: ﴿وَأُولاتُ الأَحْمالِ أَجَلُهُنَّ أَنْ يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ﴾، وهذا فيه عمومٌ مِنْ ثلاث جهات.
أحدُها: عمومُ المخَبرِ عنه، وهو أولاتُ الأحمال، فإنَّه يتناولُ جميعَهُن.
الثاني: عمومُ الأجَلِ، فإنَّه أضافه إليهن، وإضافةُ اسمِ الجمع إلى المعرفة يَعُمُّ، فجعل وضعَ الحمل جميعَ أجلهن، فلو كان لِبعضهن أجل غيره لم يكن جميعَ أجلهن.
الثالث: أنَّ المبتدأ والخبر معرفتان، أمَّا المبتدأ: فظاهر، وأمَّا الخبر وهو قوله تعالى: ﴿أَنْ يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ﴾، ففي تأويل مصدر مضاف، أي أجلهن وضع حملهن، والمبتدأ والخبر إذا كانا معرفتين، اقتضى ذلك حصرَ الثاني في الأول، كقَوْلِهِ: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ أَنْتُمُ الفُقَراءُ إلى اللهِ وَاللهُ هُوَ الغَنِىُّ الحَمِيدُ﴾، وبهذا احتج جمهورُ الصحابة على أنَّ الحامِلَ المتوفى عنها زوجُها عِدتُها وضعُ حملها، ولو وضعته والزوجُ على المغتسل كما أفتى به النبي ﷺ لِسْبَيْعَةَ الأسلمية، وكان هذا الحكمُ والفتوى منه مشتقاً من كتاب الله، مطابقاً له».
إِلَى أَنْ قَالَ ﵀ فِي [زَادِ الْمَعَادِ] (٥/ ٥٩٥ - ٥٩٦):
стр. 6174
«النوع الرابع: المتوفى عنها زوجها فبين عدتها سبحانه بقَوْلِهِ: ﴿وَالَّذِين يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَاجاً يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْراً﴾، فهذا يتناول المدخول بها وغيرها، والصغيرة والكبيرة، ولا تدخل فيه الحامل، لأنَّها خرجت بِقَوْلِهِ: ﴿وَأُولاتُ الأحْمالِ أَجَلُهُنَّ أَنْ يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ﴾ فجعل وضع حملهن جميع أجلهن، وحصره فيه، بخلاف قوله في المتوفى عنهن: ﴿يَتَربَّصْنَ﴾، فإِنَّهُ فِعْلٌ مطلقٌ لا عمومَ له.
وأيضاً: فإنَّ قَوْلَهُ: ﴿أَجَلُهُنَّ أَنْ يَضَعْنَ حَمْلهُنَّ﴾، متأخر في النزول عن قَوْلِهِ: ﴿يَتَربَّصْنَ﴾.
وأيضاً: فإنَّ قَوْلَهُ: ﴿يَتَرَبَّصْنَ بأَنْفُسِهِنَّ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْراً﴾، في غير الحامل بالاتفاق، فإنَّها لو تمادى حملها فوق ذلك تربصته، فعمومُها مخصوص اتفاقاً، وقَوْلُهُ: ﴿أَجَلُهُنَّ أَنْ يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ﴾ غيرُ مخصوص بالاتفاق، هذا لو لم تأت السنةُ الصحيحةُ بذلك، ووقعت الحوالةُ على القرآن، فكيف والسنة الصحيحة موافقة لذلك، مقررة له.
стр. 6175
فهذه أصول العدد في كتاب الله مفصلة مبينة، ولكن اختلف في فهم المراد من القرآن ودلالته في مواضع من ذلك، وقد دلت السنة بحمد الله على مراد الله منها ونحن نذكرها ونذكر أولى المعاني وأشبهها بها، ودلالة السنة عليها.
فمن ذلك اختلاف السلف في المتوفى عنها إذا كانت حاملاً، فقال علي، وابن عباس، وجماعة من الصحابة: أبعد الأجلين من وضع الحمل، أو أربعة أشهر وعشراً، وهذا أحد القولين في مذهب مالك ﵀ اختاره سحنون.
قال الإمام أحمد في رواية أبي طالب عنه: علي بن أبي طالب وابن عباس يقولان في المعتدة الحامل: أبعد الأجلين، وكان ابن مسعود يقول: من شاء باهلته، إنَّ سورة النساء القصرى نزلت بعد، وحديث سبيعة يقضى بينهم "إذا وضعت، فقد حلت". وابن مسعود يتأول القرآن: ﴿أَجَلُهُنَّ أَنْ يَضَعْنَ حَمْلهُنَّ﴾، هي في المتوفى عنها، والمطلقة مثلها إذا وضعت، فقد حلت، وانقضت عدتها، ولا تنقضي عدة الحامل إذا أسقطت حتى يتبين خلقه، فإذا بان له يد أو رجل، عتقت به الأمة، وتنقضي به العدة، وإذا ولدت ولداً وفى بطنها آخر، لم تنقض العدة حتى تلد الآخر، ولا تغيب عن منزلها الذي أصيب فيه زوجها أربعة أشهر وعشراً إذا لم تكن حاملاً، والعدة من يوم يموت أو يطلق، هذا كلام أحمد.
стр. 6176
وقد تناظر في هذه المسألة: ابن عباس، وأبو هريرة ﵄، فقال أبو هريرة: عدتها وضع الحمل، وقال ابن عباس: تعتد أقصى الأجلين، فحكما أم سلمة ﵂، فحكمت لأبي هريرة، واحتجت بحديث سبيعة.
وقد قيل: إنَّ ابن عباس رجع.
وقال جمهور الصحابة ومن بعدهم، والأئمة الأربعة: إنَّ عدتها وضع الحمل، ولو كان الزوج على مغتسله فوضعت، حلت.
قال أصحاب الأجلين: هذه قد تناولها عمومان، وقد أمكن في كليهما، فلا تخرجُ مِنْ عدتها بيقين حتى تأتى بأقصى الأجلين، قالوا: ولا يُمكِنُ تخصيصُ عموم إحداهما بخصوص الأخرى، لأنَّ كلَّ آية عامةٌ من وجه، خاصةٌ من وجه، قالوا: فإذا أمكن دخولُ بعض الصور في عموم الآيتين، يعنى إعمالاً للعموم في مقتضاه. فإذا اعتدت أقصى الأجلين دخل أدناهما في أقصاهما.
والجمهورُ أجابوا عن هذا بثلاثة أجوبة:
أحدها: أنَّ صريحَ السنة يدل على اعتبار الحمل فقط، كما في "الصحيحين": أنَّ سُبيعة الأسلميةَ توفِّي عنها زوجُها وهي حبلى، فوضعت، فأرادت أن تنكِحَ، فقال
стр. 6177
لها أبو السنابل: ما أنتِ بناكحة حتى تعتدى آخرَ الأجلين، فسألَت النبي ﷺ ، فقال: "كَذَبَ أَبو السَّنابِلِ، قَدْ حَلَلْتِ فَانْكِحِي مَنْ شِئْتِ".
الثاني: أنَّ قَوْلَهُ: ﴿وَأُولَاتُ الأَحْمَالِ أَجَلُهُنَّ أَنْ يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ﴾، نزلت بعدَ قَوْلِهِ: ﴿والَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ وَيَذرُونَ أَزْوَاجاً يَتَرَبَّصْنَ، بِأَنْفُسِهِنَّ أَرْبَعَةَ أشْهُرٍ وَعَشْراً﴾، وهذا جواب عبد الله بن مسعود، كما في صحيح البخاري عنه: أتجعلُون عليها التغليظَ، ولا تجعلون لها الرخصة، أشهد لنزلت سورةُ النساء القُصرى بعد الطولى: ﴿وَأولاتُ الأَحْمالِ أَجَلُهُنَّ أَنْ يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ﴾.
وهذا الجوابُ يحتاج إلى تقرير، فإنَّ ظاهِرَه أنَّ آيةَ الطلاق مقدَّمة على آيةِ البقرة لتأخرِها عنها، فكانت ناسخةً لها، ولكن النسخ عند الصحابة والسلف أعم منه عند المتأخرين، فإنَّهم يريدون به ثلاثة معان.
أحدها: رفع الحكم الثابت بخطاب.
الثاني: رفع دلالة الظاهر إمَّا بتخصيص، وإمَّا بتقييد، وهو أعم مما قبله.
الثالث: بيان المراد باللفظ الذى بيانه من خارج، وهذا أعم من المعنيين الأولين، فابن مسعود ﵁ أشار بتأخر نزول سورة الطلاق، إلى أن آية الاعتداد بوضع الحمل ناسخة لآية البقرة إن كان عمومها مراداً، أو مخصصة لها إن لم يكن
стр. 6178
عمومها مراداً مبينة للمراد منها، أو مقيدة لإطلاقها، وعلى التقديرات الثلاث، فيتعين تقديمها على عموم تلك وإطلاقها، وهذا من كمال فقهه ﵁، ورسوخه في العلم، ومما يبين أنَّ أصول الفقه سجية للقوم، وطبيعة لا يتكلفونها، كما أنَّ العربية والمعاني والبيان وتوابعها لهم كذلك، فمن بعدهم فإنَّما يجهد نفسه ليتعلق بغبارهم وأنى له؟
الثالث: أنَّه لو لم تأت السنة الصريحة باعتبار الحمل، ولم تكن آية الطلاق متأخرة، لكان تقديمها هو الواجب لما قررناه:
أولاً: من جهات العموم الثلاثة فيها، وإطلاق قَوْلِهِ: ﴿يَتَربَّصْنَ﴾، وقد كانت الحوالة على هذا الفهم ممكنة، ولكن لغموضه ودقته على كثير من الناس، أحيل في ذلك الحكم على بيان السنة، وبالله التوفيق» اهـ.
٢ - وفيه مشروعية تجمل المرأة للخطاب.
قُلْتُ: ويشرط في ذلك أن لا يكون فيه شيء من الزور كوصل الشعر، وتبييض الوجه ونحو ذلك.
وذلك أنَّ الرجل قد يرغب بها من أجل طول شعرها وهي في الواقع بخلاف ذلك، وقد يرغب فيها لبياضها وهي في الواقع بخلاف ذلك.
стр. 6179
وقد جاء بيان الأمور التي تجملت بها فيما رواه عبد الرزاق في [مُصَنَّفِهِ] (١١٧٢٢)، ومن طريقه أحمد (٢٧٤٣٥) عَنْ مَعْمَرٍ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ، قَالَ: أَرْسَلَ مَرْوَانُ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عُتْبَةَ إِلَى سُبَيْعَةَ بِنْتِ الْحَارِثِ يَسْأَلُهَا عَمَّا أَفْتَاهَا بِهِ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فَأَخْبَرَتْهُ أَنَّهَا كَانَتْ تَحْتَ سَعْدِ ابْنِ خَوْلَةَ فَتُوُفِّيَ عَنْهَا فِي حَجَّةِ الْوَدَاعِ وَكَانَ بَدْرِيًّا فَوَضَعَتْ حَمْلَهَا قَبْلَ أَنْ تَنْقَضِيَ أَرْبَعَةُ أَشْهُرٍ وَعَشْرٌ مِنْ وَفَاتِهِ فَلَقِيَهَا أَبُو السَّنَابِلِ يَعْنِي ابْنَ بَعْكَكٍ حِينَ تَعَلَّتْ مِنْ نِفَاسِهَا وَقَدْ اكْتَحَلَتْ فَقَالَ لَهَا: ارْبَعِي عَلَى نَفْسِكِ - أَوْ نَحْوَ هَذَا - لَعَلَّكِ تُرِيدِينَ النِّكَاحَ إِنَّهَا أَرْبَعَةُ أَشْهُرٍ وَعَشْرٌ مِنْ وَفَاةِ زَوْجِكِ قَالَتْ: فَأَتَيْتُ النَّبِيَّ ﷺ فَذَكَرْتُ لَهُ مَا قَالَ أَبُو السَّنَابِلِ بْنُ بَعْكَكٍ، فَقَالَ لَهَا النَّبِيُّ ﷺ : «قَدْ حَلَلْتِ حِينَ وَضَعْتِ حَمْلَكِ».
وروى أحمد (٢٧٤٣٨) حَدَّثَنَا يَعْقُوبُ، حَدَّثَنَا أَبِي، عَنِ ابْنِ إِسْحَاقَ، قَالَ: حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ بْنِ الْحَارِثِ التَّيْمِيُّ، عَنْ أَبِي سَلَمَةَ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، قَالَ: دَخَلْتُ عَلَى سُبَيْعَةَ بِنْتِ أَبِي بَرْزَةَ الْأَسْلَمِيَّةِ، فَسَأَلْتُهَا عَنْ أَمْرِهَا فَقَالَتْ: كُنْتُ عِنْدَ سَعْدِ ابْنِ خَوْلَةَ فَتُوُفِّيَ عَنِّي فَلَمْ أَمْكُثْ إِلَّا شَهْرَيْنِ حَتَّى وَضَعْتُ قَالَتْ: فَخَطَبَنِي أَبُو السَّنَابِلِ بْنُ بَعْكَكٍ أَخُو بَنِي عَبْدِ الدَّارِ فَتَهَيَّأْتُ لِلنِّكَاحِ قَالَتْ: فَدَخَلَ عَلَيَّ حَمْوِي وَقَدِ
стр. 6180
اخْتَضَبْتُ وَتَهَيَّأْتُ فَقَالَ: مَاذَا تُرِيدِينَ يَا سُبَيْعَةُ قَالَتْ: فَقُلْتُ: أُرِيدُ أَنْ أَتَزَوَّجَ قَالَ: وَاللَّهِ مَا لَكِ مِنْ زَوْجٍ حَتَّى تَعْتَدِّينَ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْرًا، قَالَتْ فَجِئْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ فَذَكَرْتُ ذَلِكَ لَهُ فَقَالَ ﷺ لِي: «قَدْ حَلَلْتِ فَتَزَوَّجِي».
وروى عبد الرزاق في [مُصَنَّفِهِ] (١١٧٢٣) عَنْ مَعْمَرٍ، عَنْ يَحْيَى بْنِ أَبِي كَثِيرٍ، عَنْ أَبِي سَلَمَةَ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ قَالَ: سُئِلَ ابْنُ عَبَّاسٍ، وَأَبُو هُرَيْرَةَ، عَنْ رَجُلٍ تُوُفِّيَ عَنِ امْرَأَتِهِ فَوَضَعَتْ قَبْلَ أَنَّ تَمْضِيَ لَهَا أَرْبَعَةُ أَشْهُرٍ، فَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: تَعْتَدُّ آخِرَ الْأَجَلَيْنِ، فَقَالَ أَبُو سَلَمَةَ: فَقُلْتُ: إِذَا وَضَعَتْ حَمْلَهَا فَقَدْ حَلَّ أَجَلُهَا؟ قَالَ أَبُو هُرَيْرَةَ: أَنَا مَعَ ابْنِ أَخِي، يَعْنِي أَبَا سَلَمَةَ، فَأَرْسَلَ ابْنُ عَبَّاسٍ، وَأَبُو هُرَيْرَةَ إِلَى أُمِّ سَلَمَةَ، وَهِيَ فِي حُجْرَتِهَا، وَهُمْ فِي الْمَسْجِدِ يَسْأَلُونَهَا، فَأَخْبَرَتْ أَنَّ سُبَيْعَةَ بِنْتَ الْحَارِثِ تُوُفِّيَ عَنْهَا زَوْجُهَا، فَوَضَعَتْ بَعْدَ وَفَاتِهِ بِلَيَالٍ، فَلَقِيَهَا أَبُو السَّنَابِلِ بْنُ بَعْكَكٍ حِينَ تَعَلَّتْ مِنْ نِفَاسِهَا، وَقَدِ اكْتَحَلَتْ وَلَبِسَتْ، فَقَالَ: لَعَلَّكِ تَرَيْنَ أَنْ قَدْ حَلَلْتِ، إِنَّكِ لَا تَحَلِّينَ حَتَّى تَمْضِيَ لَكِ أَرْبَعَةُ أَشْهُرٍ وَعَشْرٌ مِنْ وَفَاةِ زَوْجِكِ، فَلَمَّا أَمْسَتْ أَتَتِ النَّبِيَّ ﷺ ، فَذَكَرَتْ لَهُ شَأْنَهَا، وَمَا قَالَ لَهَا أَبُو
стр. 6181
السَّنَابِلِ، فَقَالَ لَهَا النَّبِيُّ ﷺ : «إِذَا وَضَعْتِ حَمْلَكِ فَقَدْ حَلَّ أَجَلُكِ».
ورواه الدولابي في [الْكُنَى] (٢٠٣)، وابن منده في [مَعْرِفَةِ الصَّحَابَةِ] (ص: ٩٠٠) من طريق عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ مُوسَى قَالَ: ثَنَا إِسْرَائِيلُ، عَنْ مَنْصُورٍ عَنْ إِبْرَاهِيمَ عَنِ الْأَسْوَدِ عَنْ أَبِي السَّنَابِلِ قَالَ: وَلَدَتْ سُبَيْعَةُ بِنْتُ الْحَارِثِ فَمَكَثَتْ ثَلَاثًا وَعِشْرِينَ لَيْلَةً أَوْ خَمْسَةً وَعِشْرِينَ لَيْلَةً ثُمَّ إِنَّهَا تَعَلَّتْ مِنْ نِفَاسِهَا فَتَطَيَّبَتْ وَتَصَنَّعَتْ فَقَالَ بَعْضُهُمْ: فَإِنَّهَا تُرِيدُ التَّزْوِيجَ فَرُفِعَ ذَلِكَ إِلَى النَّبِيِّ ﷺ فَقَالَ: «إِنَّهُ قَدْ خَلَا أَجَلُهَا».
قُلْتُ: إِسْنَادَهُ صَحِيْحٌ، والمراد بالطيب ما لا ريح له كالكحل والخضاب كما تدل عليه سائر الألفاظ. والله أعلم.
قَالَ الْحِافِظُ ابْنُ حَجَرٍ ﵀ فِي [فَتْحِ الْبَارِي] (٩/ ٤٧٥):
«وفِيهِ جَوَازُ تَجَمُّلِ الْمَرْأَةِ بَعْدَ انْقِضَاءِ عِدَّتِهَا لِمَنْ يَخْطُبُهَا لِأَنَّ فِي رِوَايَةِ الزُّهْرِيِّ الَّتِي فِي الْمَغَازِي فَقَالَ مَالِي أَرَاك تجملت للخطاب وَفِي رِوَايَة بن إِسْحَاقَ فَتَهَيَّأَتْ لِلنِّكَاحِ وَاخْتَضَبَتْ وَفِي رِوَايَةِ مُعَمِّرٍ عَنِ الزُّهْرِي عِنْدَ أَحْمَدَ فَلَقِيَهَا أَبُو السَّنَابِلِ وَقد اكتحلت وَفِي رِوَايَة الْأَسْوَدَ فَتَطَيَّبَتْ وَتَصَنَّعَتْ» اهـ.
стр. 6182
قُلْتُ: دخول أبي السنابل عليها والنظر إليها على هذه الهيئة مشكل، إلَّا أن يحمل على أنَّه كان خاطباً من الخطاب كما روى البخاري (٤٩٠٩) حَدَّثَنَا سَعْدُ بْنُ حَفْصٍ، حَدَّثَنَا شَيْبَانُ، عَنْ يَحْيَى، قَالَ: أَخْبَرَنِي أَبُو سَلَمَةَ، قَالَ: جَاءَ رَجُلٌ إِلَى ابْنِ عَبَّاسٍ وَأَبُو هُرَيْرَةَ جَالِسٌ عِنْدَهُ، فَقَالَ: أَفْتِنِي فِي امْرَأَةٍ وَلَدَتْ بَعْدَ زَوْجِهَا بِأَرْبَعِينَ لَيْلَةً؟ فَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: آخِرُ الأَجَلَيْنِ، قُلْتُ أَنَا: ﴿وَأُولَاتُ الأَحْمَالِ أَجَلُهُنَّ أَنْ يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ﴾ [الطلاق: ٤]، قَالَ أَبُو هُرَيْرَةَ: أَنَا مَعَ ابْنِ أَخِي - يَعْنِي أَبَا سَلَمَةَ - فَأَرْسَلَ ابْنُ عَبَّاسٍ غُلَامَهُ كُرَيْبًا إِلَى أُمِّ سَلَمَةَ يَسْأَلُهَا، فَقَالَتْ: «قُتِلَ زَوْجُ سُبَيْعَةَ الأَسْلَمِيَّةِ وَهِيَ حُبْلَى، فَوَضَعَتْ بَعْدَ مَوْتِهِ بِأَرْبَعِينَ لَيْلَةً، فَخُطِبَتْ فَأَنْكَحَهَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ، وَكَانَ أَبُو السَّنَابِلِ فِيمَنْ خَطَبَهَا».
وروى أحمد (٢٧٤٧٨) حَدَّثَنَا يَعْقُوبُ، حَدَّثَنَا أَبِي، عَنِ ابْنِ إِسْحَاقَ، قَالَ: حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ بْنِ الْحَارِثِ التَّيْمِيُّ، عَنْ أَبِي سَلَمَةَ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، قَالَ: دَخَلْتُ عَلَى سُبَيْعَةَ بِنْتِ أَبِي بَرْزَةَ الْأَسْلَمِيَّةِ، فَسَأَلْتُهَا عَنْ أَمْرِهَا فَقَالَتْ: كُنْتُ عِنْدَ سَعْدِ ابْنِ خَوْلَةَ فَتُوُفِّيَ عَنِّي فَلَمْ أَمْكُثْ إِلَّا شَهْرَيْنِ حَتَّى وَضَعْتُ قَالَتْ: فَخَطَبَنِي أَبُو السَّنَابِلِ بْنُ بَعْكَكٍ أَخُو بَنِي عَبْدِ الدَّارِ فَتَهَيَّأْتُ لِلنِّكَاحِ قَالَتْ: فَدَخَلَ عَلَيَّ حَمْوِي وَقَدِ اخْتَضَبْتُ وَتَهَيَّأْتُ فَقَالَ: مَاذَا تُرِيدِينَ يَا سُبَيْعَةُ قَالَتْ: فَقُلْتُ: أُرِيدُ أَنْ أَتَزَوَّجَ قَالَ:
стр. 6183
وَاللَّهِ مَا لَكِ مِنْ زَوْجٍ حَتَّى تَعْتَدِّينَ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْرًا، قَالَتْ فَجِئْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ فَذَكَرْتُ ذَلِكَ لَهُ فَقَالَ ﷺ لِي: «قَدْ حَلَلْتِ فَتَزَوَّجِي».
قُلْتُ: إِسْنَادُهُ حَسَنٌ.
فإن قيل: كيف يخطبها وقد أخبرها أنَّها لا تحل للأزواج حتى تعتد أربعة أشهر وعشراً.
فالجواب: أنَّه قال لها ذلك حتى تمتنع من الأزواج.
ويدل عليه ما رواه البخاري (٥٣١٨) حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ بُكَيْرٍ، حَدَّثَنَا اللَّيْثُ، عَنْ جَعْفَرِ بْنِ رَبِيعَةَ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ هُرْمُزَ الأَعْرَجِ، قَالَ: أَخْبَرَنِي أَبُو سَلَمَةَ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، أَنَّ زَيْنَبَ بِنْتَ أَبِي سَلَمَةَ، أَخْبَرَتْهُ عَنْ أُمِّهَا أُمِّ سَلَمَةَ، زَوْجِ النَّبِيِّ ﷺ : أَنَّ امْرَأَةً مِنْ أَسْلَمَ يُقَالُ لَهَا سُبَيْعَةُ، كَانَتْ تَحْتَ زَوْجِهَا، تُوُفِّيَ عَنْهَا وَهِيَ حُبْلَى، فَخَطَبَهَا أَبُو السَّنَابِلِ بْنُ بَعْكَكٍ، فَأَبَتْ أَنْ تَنْكِحَهُ، فَقَالَ: «وَاللَّهِ مَا يَصْلُحُ أَنْ تَنْكِحِيهِ حَتَّى تَعْتَدِّي آخِرَ الأَجَلَيْنِ»، فَمَكُثَتْ قَرِيبًا مِنْ عَشْرِ لَيَالٍ، ثُمَّ جَاءَتِ النَّبِيَّ ﷺ فَقَالَ: «انْكِحِي».
стр. 6184
ورواه الدارمي (٢٢٧٩)، وابن أبي شيبة في [مُصَنَّفِهِ] (١٧٣٧٧)، والبيهقي في [الْكُبْرَى] (١٥٨٦٩) من طريق يَزِيدَ بْنِ هَارُونَ، أَنْبَأَنَا يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ، أَنَّ سُلَيْمَانَ بْنَ يَسَارٍ، أَخْبَرَهُ أَنَّ أَبَا سَلَمَةَ بْنَ عَبْدِ الرَّحْمَنِ أَخْبَرَهُ أَنَّهُ اجْتَمَعَ هُوَ وَابْنُ عَبَّاسٍ عِنْدَ أَبِي هُرَيْرَةَ فَذَكَرُوا الرَّجُلَ يُتَوَفَّى عَنِ الْمَرْأَةِ فَتَلِدُ بَعْدَهُ بِلَيَالٍ قَلَائِلَ، فَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: حِلُّهَا آخِرُ الْأَجَلَيْنِ، وَقَالَ أَبُو سَلَمَةَ إِذَا وَضَعَتْ، فَقَدْ حَلَّتْ، فَتَرَاجَعَا فِي ذَلِكَ بَيْنَهُمَا، فَقَالَ أَبُو هُرَيْرَةَ: أَنَا مَعَ ابْنِ أَخِي - يَعْنِي أَبَا سَلَمَةَ - فَبَعَثُوا كُرَيْبًا مَوْلَى ابْنِ عَبَّاسٍ إِلَى أُمِّ سَلَمَةَ فَسَأَلَهَا فَذَكَرَتْ أُمُّ سَلَمَةَ أَنَّ سُبَيْعَةَ بِنْتَ الْحَارِثِ الْأَسْلَمِيَّةَ مَاتَ عَنْهَا زَوْجُهَا، فَنَفِسَتْ بَعْدَهُ بِلَيَالٍ، وَأَنَّ رَجُلًا مِنْ بَنِي عَبْدِ الدَّارِ يُكَنَّى أَبَا السَّنَابِلِ خَطَبَهَا، وَأَخْبَرَهَا أَنَّهَا قَدْ حَلَّتْ، فَأَرَادَتْ أَنْ تَتَزَوَّجَ غَيْرَهُ، فَقَالَ لَهَا أَبُو السَّنَابِلِ: فَإِنَّكِ لَمْ تَحِلِّينَ، فَذَكَرَتْ سُبَيْعَةُ ذَلِكَ لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ : «فَأَمَرَهَا أَنْ تَتَزَوَّجَ».
قُلْتُ: إِسْنَادُهُ صَحِيْحٌ.
٣ - وفيه أنَّ عدة المتوفاة الحامل تكون بوضع الحمل ولا يشترط انقطاع دم النفاس، فيجوز لها أن تتزوج وهي في أثناء دم نفاسها وإلى هذا ذهب جمهور العلماء، وقال الشعبي والحسن والنخعي وحماد بن سلمة: لا تنكح حتى تطهر.
стр. 6185
وهذا خلاف القران والسنة، قال الله تعالى: ﴿وَأُولَاتُ الْأَحْمَالِ أَجَلُهُنَّ أَنْ يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ﴾ [الطلاق: ٤].
ولا حجة لهؤلاء في قوله في الحديث: «فَلَمَّا تَعَلَّتْ مِنْ نِفَاسِهَا، تَجَمَّلَتْ لِلْخُطَّابِ». فإنَّ ذلك من فعلها، وأمَّا قضاء النبي ﷺ فهو أنَّها حلت للأزواج منذ وضعها لحملها، ويمكن أن يحمل قَوْلُهُ: «فَلَمَّا تَعَلَّتْ مِنْ نِفَاسِهَا، تَجَمَّلَتْ لِلْخُطَّابِ». أي استقلت من آلام نفاسها ولا إشكال حينئذ. والله أعلم.
٤ - وعمومه يشمل كل ما تيقن أنَّه من الحمل.
قَالَ الْعَلَّامَةُ ابْنُ قُدَامَةَ ﵀ فِي [الْمُغْنِي] (١٧/ ٤٥٢ - ٤٥٤): «مسألة قال: والحمل الذي تنقضي به العدة، ما يتبين فيه شيء من خلق الإنسان، حرة كانت أو أمة.
وجملة ذلك، أنَّ المرأة إذا ألقت بعد فرقة زوجها شيئاً، لم يخل من خمسة أحوال: أحدها: أن تضع ما بان فيه خلق الآدمي، من الرأس واليد والرجل، فهذا تنقضي به العدة، بلا خلاف بينهم.
стр. 6186
قال ابن المنذر: أجمع كل من نحفظ عنه من أهل العلم، على أنَّ عدة المرأة تنقضي بالسقط إذا علم أنَّه ولد، وممن نحفظ عنه ذلك: الحسن وابن سيرين وشريح والشعبي والنخعي والزهري والثوري ومالك والشافعي وأحمد وإسحاق.
قال الأثرم: قلت لأبي عبد الله: إذا نكس في الخلق الرابع؟ يعني تنقضي به العدة.
فقال: إذا نكس في الخلق الرابع، فليس فيه اختلاف، ولكن إذا تبين خلقه هذا أدل وذلك لأنَّه إذا بان فيه شيء من خلق الآدمي، علم أنَّه حمل، فيدخل في عموم قوله تعالى: ﴿وَأُولَاتُ الْأَحْمَالِ أَجَلُهُنَّ أَنْ يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ﴾.
الحال الثاني: ألقت نطفة أو دماً، لا تدري هل هو ما يخلق منه الآدمي أو لا؟ فهذا لا يتعلق به شيء من الأحكام؛ لأنَّه لم يثبت أنَّه ولد، لا بالمشاهدة ولا بالبينة.
الحال الثالث: ألقت مضغة لم تبن فيها الخلقة، فشهد ثقات من القوابل، أنَّ فيه صورة خفية، بان بها أنَّها خلقة آدمي، فهذا في حكم الحال الأول، لأنَّه قد تبين بشهادة أهل المعرفة أنَّه ولد.
الحال الرابع: إذا ألقت مضغة لا صورة فيها، فشهد ثقات من القوابل أنَّه مبتدأ خلق آدمي، فاختلف عن أحمد فنقل أبو طالب أنَّ عدتها لا تنقضي به، ولكن تصير به أم ولد؛ لأنَّه مشكوك في كونه ولداً، فلم يحكم بانقضاء العدة المتيقنة بأمر
стр. 6187
شكوك فيه، ولم يجز بيع الأمة الوالدة له مع الشك في رقها، فيثبت كونها أم ولد احتياطاً، ولا تنقضي العدة احتياطاً.
ونقل حنبل أنَّها تصير أم ولد، ولم يذكر العدة، فقال بعض أصحابنا: على هذا تنقضي به العدة.
وهو قول الحسن وظاهر مذهب الشافعي لأنَّهم شهدوا بأنَّه خلقة آدمي، أشبه ما لو تصور.
والصحيح أنَّ هذا ليس برواية في العدة، لأنَّه لم يذكرها، ولم يتعرض لها.
الحال الخامس: أن تضع مضغة لا صورة فيها، ولم تشهد القوابل بأنَّها مبتدأ خلق آدمي، فهذا لا تنقضي به عدة، ولا تصير به أم ولد؛ لأنَّه لم يثبت كونه ولداً ببينة ولا مشاهدة، فأشبه العلقة، فلا تنقضي العدة بوضع ما قبل المضغة بحال، سواء كان نطفة أو علقة، وسواء قيل: إنَّه مبتدأ خلق آدمي أو لم يقل.
نص عليه أحمد فقال: أمَّا إذا كان علقة، فليس بشيء، إنَّما هي دم، لا تنقضي به عدة، ولا تعتق به أمة.
ولا نعلم مخالفاً في هذا، إلَّا الحسن، فإنَّه قال: إذا علم أنَّها حمل، انقضت به العدة، وفيه الغرة.
стр. 6188
والأول أصح، وعليه الجمهور.
وأقل ما تنقضي به العدة من الحمل، أن تضعه بعد ثمانين يوماً منذ أمكنه وطؤها؛ لأنَّ النبي ﷺ قال: "إنَّ خلق أحدكم ليجمع في بطن أمه، فيكون نطفة أربعين يوماً، ثم يكون علقة مثل ذلك، ثم يكون مضغة مثل ذلك".
ولا تنقضي العدة بما دون المضغة، فوجب أن تكون بعد الثمانين، فأمَّا ما بعد الأربعة أشهر، فليس فيه إشكال؛ لأنَّه منكس في الخلق الرابع» اهـ.
٥ - والحمل الذي تنقضي به العدة هو جميعه.
قَالَ الْعَلَّامَةُ ابْنُ قُدَامَةَ ﵀ فِي [الْمُغْنِي] (١٧/ ٤٥١):
«فصل: وإذا كان الحمل واحداً، انقضت العدة بوضعه، وانفصال جميعه، وإن ظهر بعضه، فهي في عدتها حتى ينفصل باقيه؛ لأنَّها لا تكون واضعة لحملها ما لم يخرج كله.
وإن كان الحمل اثنين أو أكثر، لم تنقض عدتها إلَّا بوضع الآخر؛ لأنَّ الحمل هو الجميع.
هذا قول جماعة أهل العلم، إلَّا أبا قلابة وعكرمة، فإنَّهما قالا: تنقضي عدتها بوضع الأول، ولا تتزوج حتى تضع الآخر.
стр. 6189
وذكر ابن أبي شيبة عن قتادة، عن عكرمة أنَّه قال: إذا وضعت أحدهما، فقد انقضت عدتها.
قيل له: فتتزوج؟ قال لا.
قال قتادة خصم العبد.
وهذا قول شاذ، يخالف ظاهر الكتاب وقول أهل العلم، والمعنى فإنَّ العدة شرعت لمعرفة البراءة من الحمل، فإذا علم وجود الحمل، فقد تيقن وجود الموجب للعدة، وانتفت البراءة الموجبة لانقضائها، ولأنَّها لو انقضت عدتها بوضع الأول، لأبيح لها النكاح، كما لو وضعت الآخر.
فإن وضعت ولداً، وشكت في وجود ثان، لم تنقض عدتها حتى تزول الريبة، وتتيقن أنَّها لم يبق معها حمل؛ لأنَّ الأصل بقاؤها، فلا يزول بالشك» اهـ.
٦ - فيه حصول الفتوى من بعض الصحابة في زمن رسول الله ﷺ .
٧ - وفيه الرجوع في الفتيا إلى الأعلم.
٨ - وفيه جواز سؤال المرأة للعالم بنفسها.
٩ - وفيه أنَّه لا عيب على المرأة إذا ما بادرت للزواج مع قرب موت زوجها.
стр. 6190
١٠ - خروج المرأة للفتيا ليلاً.
١١ - وفي قَوْلِهَا: «وَأَمَرَنِي بِالتَّزْوِيجِ، إِنْ بَدَا لِي» ما يدل أنَّ الثيب أمر الزواج إلى نفسها.
١٢ - وفيه أنَّ الأصل عدم وجوب الزواج.
* * *
стр. 6191
٣١٤ - عَنْ زَيْنَبَ بِنْتِ أُمِّ سَلَمَةَ قَالَتْ: «تُوُفِّيَ حَمِيمٌ لأُمِّ حَبِيبَةَ، فَدَعَتْ بِصُفْرَةٍ، فَمَسَحَتْ بِذِرَاعَيْهَا، فَقَالَتْ: إنَّمَا أَصْنَعُ هَذَا; لأَنِّي سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: "لا يَحِلُّ لامْرَأَةٍ تُؤْمِنُ بِاَللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ أَنْ تُحِدَّ عَلَى مَيِّتٍ فَوْقَ ثَلاثٍ، إلَّا عَلَى زَوْجٍ: أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْراً"».
قَوْلُهَا: «تُوُفِّيَ حَمِيمٌ». أي: قريب. وهو أبو سفيان، ويدل على ذلك ما رواه البخاري (٥٣٣٤)، ومسلم (١٤٨٦) عَنْ زَيْنَبَ بِنْتِ أَبِي سَلَمَةَ قَالَتْ: دَخَلْتُ عَلَى أُمِّ حَبِيبَةَ، زَوْجِ النَّبِيِّ ﷺ حِينَ تُوُفِّيَ أَبُوهَا أَبُو سُفْيَانَ بْنُ حَرْبٍ، فَدَعَتْ أُمُّ حَبِيبَةَ بِطِيبٍ فِيهِ صُفْرَةٌ، خَلُوقٌ أَوْ غَيْرُهُ، فَدَهَنَتْ مِنْهُ جَارِيَةً ثُمَّ مَسَّتْ بِعَارِضَيْهَا، ثُمَّ قَالَتْ: وَاللَّهِ مَا لِي بِالطِّيبِ مِنْ حَاجَةٍ غَيْرَ أَنِّي سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: «لَا يَحِلُّ لِامْرَأَةٍ تُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَاليَوْمِ الآخِرِ أَنْ تُحِدَّ عَلَى مَيِّتٍ فَوْقَ ثَلَاثِ لَيَالٍ، إِلَّا عَلَى زَوْجٍ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْرًا».
قُلْتُ: وأصل الحميم الماء الحار، وسمي القريب بذلك باعتبار أنَّ القرابة تورث حرارة الشفقة والحمية.
و «الصُفْرَةُ» طيب مخلوط.
стр. 6192
قَوْلُهُ: «أَنْ تُحِدَّ». أصل الإحداد في اللغة المنع، ومنه سمي الحديد حديداً لحصول المنع به، فإنَّه يصنع منه الأبواب المانعة من الدخول إلى الدور، وبه تصنع الأسلحة المانعة للأعداء، ومن هذا الباب سمي الحد حداً لأنَّه يمنع من معاودة الذنب، ومنه تحديد النظر بمعنى امتناع تقلبه في الجهات.
والإحداد في الشرع هو: امتناع المرأة من الزينة والطيب والخروج من بيت زوجها لغير ضرورة ليلاً، ولغير حاجة نهاراً حتى تنقضي عدتها.
وَفِي الْحَدِيْثِ مَسَائِلُ مِنْهَا:
١ - وجوب الإحداد على المرأة إذا مات عنها زوجها أربعة أشهر وعشراً إذا كانت حائلاً، وأمَّا الحامل فبوضع الحمل.
وفي الإحداد مراعاة لحق الزوج وفيه حفظ لنسبه.
قَالَ الْعَلَّامَةُ الْنَوَوِي ﵀ فِي [شَرْحِ مُسْلِمٍ] (٥/ ٢٥٤): «وأمَّا قوله ﷺ : "أربعة أشهر وعشراً"، فالمراد به وعشرة أيام بلياليها. هذا مذهبنا ومذهب العلماء كافة، إلَّا ما حكي عن يحيى بن أبي كثير والأوزاعي أنَّها أربعة أشهر وعشر ليال وأنَّها تحل في اليوم العاشرة، وعندنا وعند الجمهور لا تحل حتى تدخل ليلة الحادي عشر.
стр. 6193
واعلم أنَّ التقييد عندنا بأربعة أشهر وعشر خرج على غالب المعتدات أنَّها تعتد بالأشهر، أمَّا إذا كانت حاملاً فعدتها بالحمل. ويلزمها الإحداد في جميع العدة حتى تضع سواء قصرت المدة أم طالت فإذا وضعت فلا إحداد بعده.
وقال بعض العلماء: لا يلزمها الإحداد بعد أربعة أشهر وعشر وإن لم تضع الحمل والله أعلم.
قال العلماء: والحكمة في وجوب الإحداد في عدة الوفاة دون الطلاق، لأنَّ الزينة والطيب يدعوان إلى النكاح ويوقعان فيه فنهيت عنه ليكون الامتناع من ذلك زاجراً عن النكاح، لكون الزوج ميتاً لا يمنع معتدته من النكاح ولا يراعيه ناكحها، ولا يخاف منه بخلاف المطلق الحي فإنَّه يستغني بوجوده عن زاجر آخر ولهذه العلة وجبت العدة على كل متوفى عنها، وإن لم تكن مدخولاً بها بخلاف الطلاق فاستظهر للميت بوجوب العدة وجعلت أربعة أشهر وعشراً، لأنَّ الأربعة فيها ينفخ الروح في الولد إن كان والعشر احتياطاً، وفي هذه المدة يتحرك الولد في البطن قالوا: ولم يوكل ذلك إلى أمانة النساء ويجعل بالأقراء كالطلاق، لما ذكرناه من الاحتياط للميت» اهـ.
فَائِدَةٌ: قَالَ الْعَلَّامَةُ أَبُو الْحسن عَليّ بن إِسْمَاعِيل بن سَيّده ﵀ فِي
стр. 6194
[الْعَدَدِ] (ص: ٤٩):
«قَالَ أَبُو عَليّ: اعْلَم أَنْ الْأَيَّام والليالي إِذا اجْتمعت غلب التَّأْنِيث على التَّذْكِير وَهُوَ على خلاف الْمَعْرُوف من غَلَبَة التَّذْكِير على التَّأْنِيث فِي عَامَّة الْأَشْيَاء وَالسَّبَب فِي ذَلِك أَنْ ابْتِدَاء الْأَيَّام اللَّيَالِي لِأَن دُخُول الشَّهْر الْجَدِيد من شهور الْعَرَب بِرُؤْيَة الْهلَال. والهلال يرى فِي أول اللَّيْل، فَتَصِير اللَّيْلَة مَعَ الْيَوْم الَّذِي بعْدهَا يَوْمًا فِي حِسَاب أَيَّام الشَّهْر، وَاللَّيْلَة هِيَ السَّابِقَة فَجرى الحكم لَهَا فِي اللَّفْظ، فَإِذا أبهمت وَلم تذكر الْأَيَّام، وَلَا اللَّيَالِي جرى اللَّفْظ على التَّأْنِيث فَقلت: أَقَامَ زيد عندنَا ثَلَاثًا، تُرِيدُ ثَلَاثَة أَيَّام وَثَلَاث لَيَال. قَالَ الله : ﴿يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ أَرْبَعَة أَشْهُرٍ وَعَشْراً﴾. يُرِيد عشرَة أَيَّام مَعَ اللَّيَالِي فأجري اللَّفْظ على اللَّيَالِي وأنث وَلذَلِك جرت الْعَادة فِي التوريخ بالليالي، فَيُقَال: لخمس خلون، ولخمس بَقينَ، يُرِيد لخمس لَيَال» اهـ.
قُلْتُ: وحساب العدة يكون بالأهلة، حتى ولو كانت العدة من أثناء الشهر على الصحيح.
قَالَ شَيْخُ الْإِسْلَامِ ابْنُ تَيْمِيَّةَ ﵀ كَمَا فِي [مَجْمُوْعِ الْفَتَاوَى] (٢٥/ ١٤٣ - ١٤٥): «فَصْلٌ:
стр. 6195
لَمَّا ظَهَرَ بِمَا ذَكَرْنَاهُ عَوْدُ الْمَوَاقِيتِ إلَى الْأَهِلَّةِ. وَجَبَ أَنْ يَكُونَ الْمَوَاقِيتُ كُلُّهَا مُعَلَّقَةً بِهَا. فَلَا خِلَافَ بَيْنِ الْمُسْلِمِينَ أَنَّهُ إذَا كَانَ مَبْدَأُ الْحُكْمِ فِي الْهِلَالِ حُسِبَتْ الشُّهُورُ كُلُّهَا هِلَالِيَّةً: مِثْلُ أَنْ يَصُومَ لِلْكَفَّارَةِ فِي هِلَالِ الْمُحَرَّمِ أَوْ يَتَوَفَّى زَوْجُ الْمَرْأَةِ فِي هِلَالِ الْمُحَرَّمِ أَوْ يُولِيَ مِنْ امْرَأَتِهِ فِي هِلَالِ الْمُحَرَّمِ أَوْ يَبِيعَهُ فِي هِلَالِ الْمُحَرَّمِ إلَى شَهْرَيْنِ أَوْ ثَلَاثَةٍ. فَإِنَّ جَمِيعَ الشُّهُورِ تُحْسَبُ بِالْأَهِلَّةِ. وَإِنْ كَانَ بَعْضُهَا أَوْ جَمِيعُهَا نَاقِصًا. فَأَمَّا إنْ وَقَعَ مَبْدَأُ الْحُكْمِ فِي أَثْنَاءِ الشَّهْرِ. فَقَدْ قِيلَ: تُحْسَبُ الشُّهُورُ كُلُّهَا بِالْعَدَدِ بِحَيْثُ لَوْ بَاعَهُ إلَى سَنَةٍ فِي أَثْنَاءِ الْمُحَرَّمِ عَدَّ ثَلَاثَمِائَةٍ وَسِتِّينَ يَوْمًا وَإِنْ كَانَ إلَى سِتَّةِ أَشْهُرٍ عَدَّ مِائَةً وَثَمَانِينَ يَوْمًا فَإِذَا كَانَ الْمُبْتَدَأُ مُنْتَصَفَ الْمُحَرَّمِ كَانَ الْمُنْتَهَى الْعِشْرِينَ مِنْ الْمُحَرَّمِ.
وَقِيلَ: بَلْ يُكْمِلُ الشَّهْرَ بِالْعَدَدِ وَالْبَاقِيَ بِالْأَهِلَّةِ. وَهَذَانِ الْقَوْلَانِ رِوَايَتَانِ عَنْ أَحْمَد وَغَيْرِهِ. وَبَعْضُ الْفُقَهَاءِ يُفَرِّقُ فِي بَعْضِ الْأَحْكَامِ.
ثُمَّ لِهَذَا الْقَوْلِ تَفْسِيرَانِ أَحَدُهُمَا: أَنَّهُ يَجْعَلُ الشَّهْرَ الْأَوَّلَ ثَلَاثِينَ يَوْمًا وَبَاقِيَ الشُّهُورِ هِلَالِيَّةً. فَإِذَا كَانَ الْإِيلَاءُ فِي مُنْتَصَفِ الْمُحَرَّمِ حَسَبَ بَاقِيَهُ. فَإِنْ كَانَ الشَّهْرُ نَاقِصًا أَخَذَ مِنْهُ أَرْبَعَةَ عَشَرَ يَوْمًا وَكَمَّلَهُ بستة عَشَرَ يَوْمًا مِنْ جُمَادَى الْأُولَى. وَهَذَا يَقُولُهُ طَائِفَةٌ مِنْ أَصْحَابِنَا وَغَيْرُهُمْ.
стр. 6196
وَالتَّفْسِيرُ الثَّانِي هُوَ الصَّوَابُ الَّذِي عَلَيْهِ عَمَلُ الْمُسْلِمِينَ قَدِيمًا وَحَدِيثًا أَنَّ الشَّهْرَ الْأَوَّلَ إنْ كَانَ كَامِلًا كَمُلَ ثَلَاثِينَ يَوْمًا وَإِنْ كَانَ نَاقِصًا جُعِلَ تِسْعَةً وَعِشْرِينَ يَوْمًا. فَمَتَى كَانَ الْإِيلَاءُ فِي مُنْتَصَفِ الْمُحَرَّمِ كَمُلَتْ الْأَشْهُرُ الْأَرْبَعَةُ فِي مُنْتَصَفِ جُمَادَى الْأُولَى. وَهَكَذَا سَائِرُ الْحِسَابِ. وَعَلَى هَذَا الْقَوْلِ فَالْجَمِيعُ بِالْهِلَالِ وَلَا حَاجَةَ إلَى أَنْ نَقُولَ بِالْعَدَدِ بَلْ نَنْظُرُ الْيَوْمَ الَّذِي هُوَ الْمَبْدَأُ مِنْ الشَّهْرِ الْأَوَّلِ. فَتَكُونُ النِّهَايَةُ مِثْلَهُ مِنْ الشَّهْرِ الْآخَرِ. فَإِنْ كَانَ فِي أَوَّلِ لَيْلَةٍ مِنْ الشَّهْرِ الْأَوَّلِ كَانَتْ النِّهَايَةُ فِي مِثْلِ تِلْكَ السَّاعَةِ بَعْدَ كَمَالِ الشُّهُورِ وَهُوَ أَوَّلُ لَيْلَةٍ بَعْدَ انْسِلَاخِ الشُّهُورِ؛ وَإِنْ كَانَ فِي الْيَوْمِ الْعَاشِرِ مِنْ الْمُحَرَّمِ كَانَتْ النِّهَايَةُ فِي الْيَوْمِ الْعَاشِرِ مِنْ الْمُحَرَّمِ أَوْ غَيْرِهِ عَلَى قَدْرِ الشُّهُورِ الْمَحْسُوبَةِ وَهَذَا هُوَ الْحَقُّ الَّذِي لَا مَحِيدَ عَنْهُ. وَدَلَّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ: ﴿قُلْ هِيَ مَوَاقِيتُ لِلنَّاسِ﴾ فَجَعَلَهَا مَوَاقِيتَ لِجَمِيعِ النَّاسِ مَعَ عِلْمِهِ سُبْحَانَهُ أَنَّ الَّذِي يَقَعُ فِي أَثْنَاءِ الشُّهُورِ أَضْعَافُ أَضْعَافِ مَا يَقَعُ فِي أَوَائِلهَا فَلَوْ لَمْ يَكُنْ مِيقَاتًا إلَّا لِمَا يَقَعُ فِي أَوَّلِهَا لَمَا كَانَتْ مِيقَاتًا إلَّا لِأَقَلَّ مِنْ ثُلُثِ عُشْرِ أُمُورِ النَّاسِ. وَلِأَنَّ الشَّهْرَ إذَا كَانَ مَا بَيْنَ الْهِلَالَيْنِ: فَمَا بَيْنَ الْهِلَالَيْنِ مِثْلُ مَا بَيْنَ نِصْفِ هَذَا وَنِصْفِ هَذَا سَوَاءٌ وَالتَّسْوِيَةُ مَعْلُومَةٌ بِالِاضْطِرَارِ. وَالْفَرْقُ تَحَكُّمٌ مَحْضٌ.
стр. 6197
وَأَيْضًا فَمَنْ الَّذِي جَعَلَ الشَّهْرَ الْعَدَدِيَّ ثَلَاثِينَ وَالنَّبِيُّ ﷺ قَالَ: ﴿الشَّهْرُ هَكَذَا وَهَكَذَا وَهَكَذَا وَخَنَّسَ إبْهَامَهُ فِي الثَّالِثَةِ﴾ وَنَحْنُ نَعْلَمُ أَنَّ نِصْفَ شُهُورِ السَّنَةِ يَكُونُ ثَلَاثِينَ وَنِصْفَهَا تِسْعَةً وَعِشْرِينَ وَأَيْضًا فَعَامَّةُ الْمُسْلِمِينَ فِي عِبَادَاتِهِمْ وَمُعَامَلَاتِهِمْ إذَا أَجَّلَ الْحَقَّ إلَى سَنَةٍ. فَإِنْ كَانَ مَبْدَؤُهُ هِلَالَ الْمُحَرَّمِ كَانَ مُنْتَهَاهُ هِلَالَ الْمُحَرَّمِ سَلْخَ ذِي الْحِجَّةِ عِنْدَهُمْ. وَإِنْ كَانَ مَبْدَؤُهُ عَاشِرَ الْمُحَرَّمِ كَانَ مُنْتَهَاهُ عَاشِرَ الْمُحَرَّمِ أَيْضًا. لَا يَعْرِفُ الْمُسْلِمُونَ غَيْرَ ذَلِكَ؛ وَلَا يَبْنُونَ إلَّا عَلَيْهِ وَمَنْ أَخَذَ لِيَزِيدَ يَوْمًا لِنُقْصَانِ الشَّهْرِ الْأَوَّلِ كَانَ قَدْ غَيَّرَ عَلَيْهِمْ مَا فُطِرُوا عَلَيْهِ مِنْ الْمَعْرُوفِ وَأَتَاهُمْ بِمُنْكَرِ لَا يَعْرِفُونَهُ. فَعُلِمَ أَنَّ هَذَا غَلَطٌ مِمَّنْ تَوَهَّمَهُ مِنْ الْفُقَهَاءِ وَنَبَّهْنَا عَلَيْهِ لِيُحْذَرَ الْوُقُوعُ فِيهِ وَلِيُعْلَمَ بِهِ حَقِيقَةُ قَوْلِهِ: ﴿قُلْ هِيَ مَوَاقِيتُ لِلنَّاسِ﴾ وَأَنَّ هَذَا الْعُمُومَ مَحْفُوظٌ عَظِيمُ الْقَدْرِ لَا يُسْتَثْنَى مِنْهُ شَيْءٌ» اهـ.
٢ - مشروعية إحداد المرأة على غير الزوج ثلاث ليال بأيامها.
قَالَ الْعَلَّامَةُ الْقُرْطُبِي ﵀ فِي [التَّفْسِيْرِ] (١٣/ ١١٠): «ويستفاد منه: أنَّ المرأة إذا مات حميمُها فلها أن تمتنع من الزينة ثلاث ليال متتابعة، تبدأ بالعدد من الليلة التي تسقبلها إلى آخر ثالثها، فإن مات حميمُها في بقية يوم، أو ليلة ألغتها، وحسبت من الليلة القابلة المستأنفة» اهـ.
стр. 6198
قُلْتُ: وهذا مصير منه إلى عدم التلفيق في العدة، والذي يظهر هو التلفيق فيها فإذا مات في وقت الزوال من اليوم الأول فإنَّ اليوم والليلة تنتهي في وقت الزوال من اليوم الرابع.
وقد جاء في الحديث تقييد الثلاث بالليال فروى البخاري (٥٣٣٤) عَنْ زَيْنَبَ بِنْتِ أَبِي سَلَمَةَ، قَالَتْ: دَخَلْتُ عَلَى أُمِّ حَبِيبَةَ، زَوْجِ النَّبِيِّ ﷺ حِينَ تُوُفِّيَ أَبُوهَا أَبُو سُفْيَانَ بْنُ حَرْبٍ، فَدَعَتْ أُمُّ حَبِيبَةَ بِطِيبٍ فِيهِ صُفْرَةٌ، خَلُوقٌ أَوْ غَيْرُهُ، فَدَهَنَتْ مِنْهُ جَارِيَةً ثُمَّ مَسَّتْ بِعَارِضَيْهَا، ثُمَّ قَالَتْ: وَاللَّهِ مَا لِي بِالطِّيبِ مِنْ حَاجَةٍ غَيْرَ أَنِّي سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: «لَا يَحِلُّ لِامْرَأَةٍ تُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَاليَوْمِ الآخِرِ أَنْ تُحِدَّ عَلَى مَيِّتٍ فَوْقَ ثَلَاثِ لَيَالٍ، إِلَّا عَلَى زَوْجٍ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْرًا».
وجاء تقييد ذلك بالأيام فروى البخاري (٥٣٣٩) عَنْ زَيْنَبَ بِنْتِ أُمِّ سَلَمَةَ، تُحَدِّثُ عَنْ أُمِّ حَبِيبَةَ، أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: «لَا يَحِلُّ لِامْرَأَةٍ مُسْلِمَةٍ تُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَاليَوْمِ الآخِرِ أَنْ تُحِدَّ فَوْقَ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ، إِلَّا عَلَى زَوْجِهَا أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْرًا».
قُلْتُ: والجمع بين ذلك هو حمل الليالي بأيامها، والأيام بلياليها.
стр. 6199
٣ - وفيه أنَّ الإحداد من شأن النساء، وأمَّا الرجال فيحرم عليهم ذلك.
٤ - واحتجت الحنفية بقَوْلِهِ: «لَا يَحِلُّ لِامْرَأَةٍ». على خصوص الاحداد بالمرأة دون الصغيرة.
قَالَ الْحِافِظُ ابْنُ حَجَرٍ ﵀ فِي [فَتْحِ الْبَارِي] (٩/ ٤٨٦): «تمسك بمفهومه الحنفية فقالوا: لا يجب الإحداد على الصغيرة، وذهب الجمهور إلى وجوب الإحداد عليها كما تجب العدة، وأجابوا عن التقييد بالمرأة أنَّه خرج مخرج الغالب، وعن كونها غير مكلفة بأنَّ الولي هو المخاطب بمنعها مما تمنع منه المعتدة» اهـ.
٥ - وعموم الحديث يشمل المدخول بها وغير المدخول بها، ويشمل الحرة والأمة.
٦ - قَوْلُهُ: «إِلَّا عَلَى زَوْجٍ». خرج به السيد خلافاً للحنفية.
٧ - واحتجت الحنفية بقَوْلِهِ: «تُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَاليَوْمِ الآخِرِ». على عدم وجوب الإحداد على الذمية.
قَالَ الْعَلَّامَةُ ابْنُ الْقَيِّمِ ﵀ فِي [زَادِ الْمَعَادِ] (٥/ ٦٩٨): «والتحقيق أنَّ نفي حل الفعل عن المؤمنين لا يقتضى نفي حكمه عن الكفار، ولا إثبات لهم أيضاً، وإنَّما يقتضى أن من التزم الإيمان وشرائعه، فهذا لا يحل له، ويجب على كل حال أن يلزم الإيمان وشرائعه، ولكن لا يلزمه الشارع شرائع الإيمان إلَّا بعد دخلوه فيه،
стр. 6200
وهذا كما لو قيل: لا يحل لمؤمن أن يترك الصلاة والحج والزكاة، فهذا لا يدل على أنَّ ذلك حل للكافر. وهذا كما قال في لباس الحرير: "لا ينبغي هذا للمتقين"، فلا يدل أنَّه ينبغي لغيرهم. وكذا قَوْلُهُ: "لا ينبغي للمؤمن أن يكون لعاناً".
وسر المسألة: أنَّ شرائع الحلال والحرام والإيجاب، إنَّما شرعت لمن التزم الإيمان، ومن لم يلتزمه وخلي بينه وبين دينه، فإنَّه يخلى بينه وبين شرائع الدين الذى التزمه، كما خلي بينه وبين أصله ما لم يحاكم إلينا، وهذه القاعدة متفق عليها بين العلماء، ولكن عذر الذين أوجبوا الإحداد على الذمية، أنَّه يتعلق به حق الزوج المسلم، وكان منه إلزامها به كأصل العدة، ولهذا لا يلزمونها به في عدتها من الذمي، ولا يتعرض لها فيها، فصار هذا كعقودهم مع المسلمين، فإنَّهم يلزمون فيها بأحكام الإسلام وإن لم يتعرض لعقودهم مع بعضهم بعضاً، ومن ينازعهم في ذلك يقولون: الإحداد حق لله تعالى، ولهذا لو اتفقت هي والأولياء والمتوفى على سقوطه بأن أوصاها بتركه، لم يسقط، ولزمها الإتيان به فهو جار مجرى العبادات وليست الذمية من أهلها، فهذا سر المسألة» اهـ.
وَقَالَ الْعَلَّامَةُ ابْنُ دَقِيْقِ الْعِيْدِ ﵀ فِي [إِحْكَامِ الْأَحْكَامِ] (ص: ٤٠٩):
следующие страницы →