← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 30178

تحفة السائل في بيان ما في عمدة الأحكام من المسائل

أبو بكر الحمادي

Полный текст (8 095 стр.). Показаны 6196–6235 · переход к 6201.

стр. 6196

وَالتَّفْسِيرُ الثَّانِي هُوَ الصَّوَابُ الَّذِي عَلَيْهِ عَمَلُ الْمُسْلِمِينَ قَدِيمًا وَحَدِيثًا أَنَّ الشَّهْرَ الْأَوَّلَ إنْ كَانَ كَامِلًا كَمُلَ ثَلَاثِينَ يَوْمًا وَإِنْ كَانَ نَاقِصًا جُعِلَ تِسْعَةً وَعِشْرِينَ يَوْمًا. فَمَتَى كَانَ الْإِيلَاءُ فِي مُنْتَصَفِ الْمُحَرَّمِ كَمُلَتْ الْأَشْهُرُ الْأَرْبَعَةُ فِي مُنْتَصَفِ جُمَادَى الْأُولَى. وَهَكَذَا سَائِرُ الْحِسَابِ. وَعَلَى هَذَا الْقَوْلِ فَالْجَمِيعُ بِالْهِلَالِ وَلَا حَاجَةَ إلَى أَنْ نَقُولَ بِالْعَدَدِ بَلْ نَنْظُرُ الْيَوْمَ الَّذِي هُوَ الْمَبْدَأُ مِنْ الشَّهْرِ الْأَوَّلِ. فَتَكُونُ النِّهَايَةُ مِثْلَهُ مِنْ الشَّهْرِ الْآخَرِ. فَإِنْ كَانَ فِي أَوَّلِ لَيْلَةٍ مِنْ الشَّهْرِ الْأَوَّلِ كَانَتْ النِّهَايَةُ فِي مِثْلِ تِلْكَ السَّاعَةِ بَعْدَ كَمَالِ الشُّهُورِ وَهُوَ أَوَّلُ لَيْلَةٍ بَعْدَ انْسِلَاخِ الشُّهُورِ؛ وَإِنْ كَانَ فِي الْيَوْمِ الْعَاشِرِ مِنْ الْمُحَرَّمِ كَانَتْ النِّهَايَةُ فِي الْيَوْمِ الْعَاشِرِ مِنْ الْمُحَرَّمِ أَوْ غَيْرِهِ عَلَى قَدْرِ الشُّهُورِ الْمَحْسُوبَةِ وَهَذَا هُوَ الْحَقُّ الَّذِي لَا مَحِيدَ عَنْهُ. وَدَلَّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ: ﴿قُلْ هِيَ مَوَاقِيتُ لِلنَّاسِ﴾ فَجَعَلَهَا مَوَاقِيتَ لِجَمِيعِ النَّاسِ مَعَ عِلْمِهِ سُبْحَانَهُ أَنَّ الَّذِي يَقَعُ فِي أَثْنَاءِ الشُّهُورِ أَضْعَافُ أَضْعَافِ مَا يَقَعُ فِي أَوَائِلهَا فَلَوْ لَمْ يَكُنْ مِيقَاتًا إلَّا لِمَا يَقَعُ فِي أَوَّلِهَا لَمَا كَانَتْ مِيقَاتًا إلَّا لِأَقَلَّ مِنْ ثُلُثِ عُشْرِ أُمُورِ النَّاسِ. وَلِأَنَّ الشَّهْرَ إذَا كَانَ مَا بَيْنَ الْهِلَالَيْنِ: فَمَا بَيْنَ الْهِلَالَيْنِ مِثْلُ مَا بَيْنَ نِصْفِ هَذَا وَنِصْفِ هَذَا سَوَاءٌ وَالتَّسْوِيَةُ مَعْلُومَةٌ بِالِاضْطِرَارِ. وَالْفَرْقُ تَحَكُّمٌ مَحْضٌ.

стр. 6197

وَأَيْضًا فَمَنْ الَّذِي جَعَلَ الشَّهْرَ الْعَدَدِيَّ ثَلَاثِينَ وَالنَّبِيُّ ﷺ قَالَ: ﴿الشَّهْرُ هَكَذَا وَهَكَذَا وَهَكَذَا وَخَنَّسَ إبْهَامَهُ فِي الثَّالِثَةِ﴾ وَنَحْنُ نَعْلَمُ أَنَّ نِصْفَ شُهُورِ السَّنَةِ يَكُونُ ثَلَاثِينَ وَنِصْفَهَا تِسْعَةً وَعِشْرِينَ وَأَيْضًا فَعَامَّةُ الْمُسْلِمِينَ فِي عِبَادَاتِهِمْ وَمُعَامَلَاتِهِمْ إذَا أَجَّلَ الْحَقَّ إلَى سَنَةٍ. فَإِنْ كَانَ مَبْدَؤُهُ هِلَالَ الْمُحَرَّمِ كَانَ مُنْتَهَاهُ هِلَالَ الْمُحَرَّمِ سَلْخَ ذِي الْحِجَّةِ عِنْدَهُمْ. وَإِنْ كَانَ مَبْدَؤُهُ عَاشِرَ الْمُحَرَّمِ كَانَ مُنْتَهَاهُ عَاشِرَ الْمُحَرَّمِ أَيْضًا. لَا يَعْرِفُ الْمُسْلِمُونَ غَيْرَ ذَلِكَ؛ وَلَا يَبْنُونَ إلَّا عَلَيْهِ وَمَنْ أَخَذَ لِيَزِيدَ يَوْمًا لِنُقْصَانِ الشَّهْرِ الْأَوَّلِ كَانَ قَدْ غَيَّرَ عَلَيْهِمْ مَا فُطِرُوا عَلَيْهِ مِنْ الْمَعْرُوفِ وَأَتَاهُمْ بِمُنْكَرِ لَا يَعْرِفُونَهُ. فَعُلِمَ أَنَّ هَذَا غَلَطٌ مِمَّنْ تَوَهَّمَهُ مِنْ الْفُقَهَاءِ وَنَبَّهْنَا عَلَيْهِ لِيُحْذَرَ الْوُقُوعُ فِيهِ وَلِيُعْلَمَ بِهِ حَقِيقَةُ قَوْلِهِ: ﴿قُلْ هِيَ مَوَاقِيتُ لِلنَّاسِ﴾ وَأَنَّ هَذَا الْعُمُومَ مَحْفُوظٌ عَظِيمُ الْقَدْرِ لَا يُسْتَثْنَى مِنْهُ شَيْءٌ» اهـ. ٢ - مشروعية إحداد المرأة على غير الزوج ثلاث ليال بأيامها. قَالَ الْعَلَّامَةُ الْقُرْطُبِي ﵀ فِي [التَّفْسِيْرِ] (١٣/ ١١٠): «ويستفاد منه: أنَّ المرأة إذا مات حميمُها فلها أن تمتنع من الزينة ثلاث ليال متتابعة، تبدأ بالعدد من الليلة التي تسقبلها إلى آخر ثالثها، فإن مات حميمُها في بقية يوم، أو ليلة ألغتها، وحسبت من الليلة القابلة المستأنفة» اهـ.

стр. 6198

قُلْتُ: وهذا مصير منه إلى عدم التلفيق في العدة، والذي يظهر هو التلفيق فيها فإذا مات في وقت الزوال من اليوم الأول فإنَّ اليوم والليلة تنتهي في وقت الزوال من اليوم الرابع. وقد جاء في الحديث تقييد الثلاث بالليال فروى البخاري (٥٣٣٤) عَنْ زَيْنَبَ بِنْتِ أَبِي سَلَمَةَ، قَالَتْ: دَخَلْتُ عَلَى أُمِّ حَبِيبَةَ، زَوْجِ النَّبِيِّ ﷺ حِينَ تُوُفِّيَ أَبُوهَا أَبُو سُفْيَانَ بْنُ حَرْبٍ، فَدَعَتْ أُمُّ حَبِيبَةَ بِطِيبٍ فِيهِ صُفْرَةٌ، خَلُوقٌ أَوْ غَيْرُهُ، فَدَهَنَتْ مِنْهُ جَارِيَةً ثُمَّ مَسَّتْ بِعَارِضَيْهَا، ثُمَّ قَالَتْ: وَاللَّهِ مَا لِي بِالطِّيبِ مِنْ حَاجَةٍ غَيْرَ أَنِّي سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: «لَا يَحِلُّ لِامْرَأَةٍ تُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَاليَوْمِ الآخِرِ أَنْ تُحِدَّ عَلَى مَيِّتٍ فَوْقَ ثَلَاثِ لَيَالٍ، إِلَّا عَلَى زَوْجٍ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْرًا». وجاء تقييد ذلك بالأيام فروى البخاري (٥٣٣٩) عَنْ زَيْنَبَ بِنْتِ أُمِّ سَلَمَةَ، تُحَدِّثُ عَنْ أُمِّ حَبِيبَةَ، أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: «لَا يَحِلُّ لِامْرَأَةٍ مُسْلِمَةٍ تُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَاليَوْمِ الآخِرِ أَنْ تُحِدَّ فَوْقَ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ، إِلَّا عَلَى زَوْجِهَا أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْرًا». قُلْتُ: والجمع بين ذلك هو حمل الليالي بأيامها، والأيام بلياليها.

стр. 6199

٣ - وفيه أنَّ الإحداد من شأن النساء، وأمَّا الرجال فيحرم عليهم ذلك. ٤ - واحتجت الحنفية بقَوْلِهِ: «لَا يَحِلُّ لِامْرَأَةٍ». على خصوص الاحداد بالمرأة دون الصغيرة. قَالَ الْحِافِظُ ابْنُ حَجَرٍ ﵀ فِي [فَتْحِ الْبَارِي] (٩/ ٤٨٦): «تمسك بمفهومه الحنفية فقالوا: لا يجب الإحداد على الصغيرة، وذهب الجمهور إلى وجوب الإحداد عليها كما تجب العدة، وأجابوا عن التقييد بالمرأة أنَّه خرج مخرج الغالب، وعن كونها غير مكلفة بأنَّ الولي هو المخاطب بمنعها مما تمنع منه المعتدة» اهـ. ٥ - وعموم الحديث يشمل المدخول بها وغير المدخول بها، ويشمل الحرة والأمة. ٦ - قَوْلُهُ: «إِلَّا عَلَى زَوْجٍ». خرج به السيد خلافاً للحنفية. ٧ - واحتجت الحنفية بقَوْلِهِ: «تُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَاليَوْمِ الآخِرِ». على عدم وجوب الإحداد على الذمية. قَالَ الْعَلَّامَةُ ابْنُ الْقَيِّمِ ﵀ فِي [زَادِ الْمَعَادِ] (٥/ ٦٩٨): «والتحقيق أنَّ نفي حل الفعل عن المؤمنين لا يقتضى نفي حكمه عن الكفار، ولا إثبات لهم أيضاً، وإنَّما يقتضى أن من التزم الإيمان وشرائعه، فهذا لا يحل له، ويجب على كل حال أن يلزم الإيمان وشرائعه، ولكن لا يلزمه الشارع شرائع الإيمان إلَّا بعد دخلوه فيه،

стр. 6200

وهذا كما لو قيل: لا يحل لمؤمن أن يترك الصلاة والحج والزكاة، فهذا لا يدل على أنَّ ذلك حل للكافر. وهذا كما قال في لباس الحرير: "لا ينبغي هذا للمتقين"، فلا يدل أنَّه ينبغي لغيرهم. وكذا قَوْلُهُ: "لا ينبغي للمؤمن أن يكون لعاناً". وسر المسألة: أنَّ شرائع الحلال والحرام والإيجاب، إنَّما شرعت لمن التزم الإيمان، ومن لم يلتزمه وخلي بينه وبين دينه، فإنَّه يخلى بينه وبين شرائع الدين الذى التزمه، كما خلي بينه وبين أصله ما لم يحاكم إلينا، وهذه القاعدة متفق عليها بين العلماء، ولكن عذر الذين أوجبوا الإحداد على الذمية، أنَّه يتعلق به حق الزوج المسلم، وكان منه إلزامها به كأصل العدة، ولهذا لا يلزمونها به في عدتها من الذمي، ولا يتعرض لها فيها، فصار هذا كعقودهم مع المسلمين، فإنَّهم يلزمون فيها بأحكام الإسلام وإن لم يتعرض لعقودهم مع بعضهم بعضاً، ومن ينازعهم في ذلك يقولون: الإحداد حق لله تعالى، ولهذا لو اتفقت هي والأولياء والمتوفى على سقوطه بأن أوصاها بتركه، لم يسقط، ولزمها الإتيان به فهو جار مجرى العبادات وليست الذمية من أهلها، فهذا سر المسألة» اهـ. وَقَالَ الْعَلَّامَةُ ابْنُ دَقِيْقِ الْعِيْدِ ﵀ فِي [إِحْكَامِ الْأَحْكَامِ] (ص: ٤٠٩):

стр. 6201

«قال بعض المتأخرين في السبب في ذلك: إنَّ المسلمة هي التي تستثمر خطاب الشارع وتنتفع به وتنقاد له فلهذا قيد به وغير هذا أقوى منه وهو أن يكون ذكر هذا الوصف لتأكيد التحريم لما يقتضيه سياقه ومفهومه من أنَّ خلافه مناف للإيمان بالله واليوم الآخر كما قال تعالى: ﴿وَعَلَى اللَّهِ فَتَوَكَّلُوا إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ فإنَّه يقتضي تأكيد أمر التوكل بربطه بالإيمان وكما يقال: إن كنت ولدي فافعل كذا» اهـ. ٨ - وفيه أنَّ مدة الإحداد أربعة أشهر وعشر، لكن إن كانت حاملاً وبقي من مدة الحمل أكثر من أربعة أشهر وعشر فإنَّ الإحداد يمتد بامتداد العدة. قَالَ الْعَلَّامَةُ ابْنُ الْقَيِّمِ ﵀ فِي [زَادِ الْمَعَادِ] (٥/ ٦٩٧): «فإن قيل: فإذا زادت مدة الحمل على أربعة أشهر وعشر، فهل يسقط وجوب الإحداد، أم يستمر إلى الوضع؟ قيل: بل يستمر الإحداد إلى حين الوضع، فإنَّه من توابع العدة، ولهذا قيد بمدتها، وهو حكم من أحكام العدة، وواجب من واجباتها، فكان معها وجوداً وعدماً» اهـ. ٩ - وفيه حجة على من أثبت الإحداد للمطلقة طلاقاً بائناً.

стр. 6202

قَالَ الْعَلَّامَةُ الْقُرْطُبِي ﵀ فِي [الْمُفْهِم] (١٣/ ١١٠ - ١١١): «و"إلَّا على زوج"؛ إيجاب بعد نفي. فيقتضي حصر الإحداد على المتوفى عنها زوجها، فلا تدخل المطلقة فيه من جهة لفظه بوجه. فلا إحداد على مطلَّقة عندنا، رجعية كانت أو بائنة واحدة، أو أكثر. وهو مذهب مالك، والشافعي، وربيعة، وعطاء، وابن المنذر. وقال قوم: إنَّ المطلقة ثلاثًا عليها الإحداد. وإليه ذهب أبو حنيفة، والكوفيون، وأبو ثور، وأبو عبيد. وقال الشافعي، وأحمد، وإسحاق: الاحتياط أن تتقي المطلقة الزينة، وقد شذَّ الحسن فقال: لا إحداد على مطلقة، ولا متوفى عنها زوجها. وهو قول يدلُّ على إبطاله نَصُّ الحديث الْمُتقدِّم. وأمَّا من رأى أنَّ الإحداد على المطلَّقة فمستنده: إلحاقها بالمتوفَّى عنها زوجها. وليس بصحيح؛ للحصر الذي في الحديث، ولوجود الفرق بينهما. وذلك: أنَّ الإحداد إنَّما هو مبالغة في التحرز من تعرضها لأسباب النكاح في حق المتوفى عنها، لعدم الزوج؛ إذ ليس له من جهته من يقوم مقامه في البحث عنها والتحرز بها، بخلاف المطلِّق؛ فإنَّه حيٌّ، متمكِّن من البحث عن أحوالها، فافترقا. هذا إن قلنا: إنَّ الإحداد معقول المعنى. فإن قلنا: إنَّه تعبد؛ انقطع الإلحاق

стр. 6203

القياسي. ولو سُلِّم صحة الإلحاق القياسي؛ لكان التمسَّك بظاهر اللفظ أولى. وقد بينَّا: أنَّه يدلُّ على الحصر، والله أعلم» اهـ. وَقَالَ الْعَلَّامَةُ ابْنُ بَطَّالٍ ﵀ فِي [شَرْحِ الْبُخَارِي] (٧/ ٥٠٨ - ٥٠٩): «واختلفوا في المطلقة ثلاثًا، فقالت طائفة: عليها الإحداد كالمتوفى عنها زوجها سواء، روى ذلك عن سعيد بن المسيب، وسليمان بن يسار، وابن سيرين، والحكم، وهو قول الكوفيين، وأبي ثور، وأبي عبيد. وقال الشافعي وأحمد وإسحاق: الاحتياط أن تتقي المطلقة الزينة. قال الشافعي: ولا يتبين لي أن أوجبه. واحتج من أوجبه عليها؛ لأنَّها في عدة يحفظ بها النسب، كالمتوفى عنها زوجها. وقالت طائفة: لا إحداد على مطلقة، ورخصوا لها في الزينة، روى ذلك عن عطاء، وربيعة، وهو قول مالك والليث. وقال ابن المنذر: قول النبي ﷺ : "لا يحل لامرأة تؤمن بالله واليوم الآخر أن تحد على ميت فوق ثلاث"، دليل على أنَّ المطلقة ثلاثًا والمطلق حي لا إحداد عليها؛ لأنَّه ﵇ أخبر أنَّ الإحداد إنَّما هو على نساء الموتى، مع أنَّ الأشياء على الإباحة حتى يدل كتاب أو سنة أو إجماع على حظر شيء فيمتنع منه» اهـ. قُلْتُ: وهذا هو القول الصحيح الذي دلت عليه السنة.

стр. 6204

وَقَالَ الْعَلَّامَةُ ابْنُ الْقَيِّمِ ﵀ فِي [زَادِ الْمَعَادِ] (٥/ ٦٩٩ - ٧٠١): «فإن قيل: فهل يجب على المعتدة من طلاق أو وطء شبهة، أو زنى، أو استبراء إحداد؟ قلنا: هذا هو الحكم الخامس الذي دلت عليه السنة، أنَّه لا إحداد على واحدة من هؤلاء، لأنَّ السنة أثبتت ونفت، فخصت بالإحداد الواجب الزوجات، وبالجائز غيرهن على الأموات خاصة، وما عداهما، فهو داخل في حكم التحريم على الأموات، فمن أين لكم دخوله في الإحداد على المطلقة البائن؟ وقد قال سعيد بن المسيب، وأبو عبيد، وأبو ثور، وأبو حنيفة وأصحابه، والإمام أحمد في إحدى الروايتين عنه اختارها الخرقي: إنَّ البائن يجب عليها الإحداد، وهو محض القياس، لأنَّها معتدة بائن من نكاح، فلزمها الإحداد كالمتوفى عنها، لأنَّهما اشتركا في العدة، واختلفا في سببها، ولأنَّ العدة تحرم النكاح، فحرمت دواعيه. قالوا: ولا ريب أنَّ الإحداد معقول المعنى، وهو أنَّ إظهار الزينة والطيب والحلي، مما يدعو المرأة إلى الرجال، ويدعو الرجال إليها: فلا يؤمن أن تكذب في انقضاء عدتها استعجالاً لذلك، فمنعت من دواعي ذلك، وسدت إليه الذريعة، هذا مع أنَّ الكذب في عدة الوفاة يتعذر بظهور موت الزوج، وكون العدة أيام معدودة،

стр. 6205

بخلاف عدة الطلاق، فإنَّها بالأقراء وهي لا تعلم إلَّا من جهتها، فكان الاحتياط لها أولى. قيل: قد أنكر الله على من حرم زينته التي أخرج لعباده والطيبات من الرزق. وهذا يدل على أنَّه لا يجوز أن يحرم من الزينة إلَّا ما حرمه الله ورسوله، والله سبحانه قد حرم على لسان رسوله ﷺ زينة الإحداد على المتوفى عنها مدة العدة، وأباح رسوله الإحداد بتركها على غير الزوج، فلا يجوز تحريم غير ما حرمه، بل هو على أصل الإباحة، وليس الإحداد من لوازم العدة، ولا توابعها، ولهذا لا يجب على الموطوءة بشبهة، ولا المزني بها، ولا المستبرأة، ولا الرجعية اتفاقاً، وهذا القياس أولى من قياسها على المتوفى عنها لما بين العدتين من القروء قدراً أو سبباً وحكماً، فإلحاق عدة الأقراء بالأقراء أولى من إلحاق عدة الأقراء بعدة الوفاة، وليس المقصود من الإحداد على الزوج الميت مجرد ما ذكرتم من طلب الاستعجال، فإنَّ العدة فيه لم تكن لمجرد العلم ببراءة الرحم، ولهذا تجب قبل الدخول، وإنَّما هو من تعظيم هذا العقد وإظهار خطره وشرفه، وأنَّه عند الله بمكان، فجعلت العدة حريماً له، وجعل الإحداد من تمام هذا المقصود وتأكده، ومزيد الاعتناء به، حتى جعلت الزوجة أولى بفعله على

стр. 6206

زوجها من أبيها وابنها وأخيها وسائر أقاربها، وهذا من تعظيم هذا العقد وتشريفه، وتأكد الفرق بينه وبين السفاح من جميع أحكامه، ولهذا شرع في ابتدائه إعلانه، والإشهاد عليه، والضرب بالدف لتحقق المضادة بينه وبين السفاح، وشرع في آخره، وانتهائه من العدة والإحداد ما لم يشرع في غيره» اهـ. ١٠ - وفيه أنَّ إحداد المرأة على زوجها المتوفى أربعة أشهر وعشراً. * * *

стр. 6207

٣١٥ - عَنْ أُمِّ عَطِيَّةَ ﵂: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: «لا تُحِدُّ امْرَأَةٌ عَلَى الْمَيِّتِ فَوْقَ ثَلاثٍ، إلَّا عَلَى زَوْجٍ: أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْراً، وَلا تَلْبَسُ ثَوْباً مَصْبُوغاً إلَّا ثَوْبَ عَصْبٍ. وَلا تَكْتَحِلُ. وَلا تَمَسُّ طِيباً، إلَّا إذَا طَهُرَتْ: نُبْذَةً مِنْ قُسْطٍ أَوْ أَظْفَارٍ». العَصبُ: ثيابٌ منَ اليَمَنِ فيها بياضٌ وسوادٌ. والنُبْذَةُ: الشيءُ اليسيرُ. والقُسْطُ: العُودُ أَوْ نوعٌ منَ الطيبِ تُبَخَّرُ بِهِ النُّفَساءُ. والأَظْفارُ: جِنْسٌ منَ الطِيبِ لا واحِدَ لَهُ منْ لَفظِهِ. وقيلَ: هوَ عِطْرٌ أَسودُ، القِطْعَةُ منه تُشْبِهُ الظُفُرَ. قَالَ الْحِافِظُ ابْنُ حَجَرٍ ﵀ فِي [فَتْحِ الْبَارِي] (٩/ ٤٩١): «قَوْلُهُ: "ولا نلبس ثوباً مصبوغاً إلَّا ثوب عصب" بمهملتين مفتوحة ثم ساكنة ثم موحدة وهو بالإضافة وهي برود اليمن يعصب غزلها أي يربط ثم يصبغ ثم ينسج معصوباً فيخرج موشى لبقاء ما عصب به أبيض لم ينصبغ، وإنَّما يعصب السدي دون اللحمة. وقال صاحب "المنتهى": العصب هو المفتول من برود اليمن. وذكر أبو موسى المدني في "ذيل الغريب" عن بعض أهل اليمن أنَّه من دابة بحرية تسمى

стр. 6208

فرس فرعون يتخذ منها الخرز وغيره ويكون أبيض وهذا غريب، وأغرب منه قول السهيلي: أنَّه نبات لا ينبت إلَّا باليمن وعزاه لأبي حنيفة الدينوري، وأغرب منه قول الداودي المراد بالثوب العصب الخضرة وهي الحبرة وليس له سلف في أنَّ العصب الأخضر» اهـ. قُلْتُ: السَّدى ما نسج طولاً، واللُحمة ما نسج عرضاً على السدى. لَكِنْ قَالَ الْعَلَّامَةُ ابْنُ قُدَامَةَ ﵀ فِي [الْمُغْنِي] (٨/ ١٥٨): «قَالَ صَاحِبُ الرَّوْضِ الْأَنِفِ: الْوَرْسُ وَالْعَصْبُ نَبَتَانِ بِالْيَمَنِ، لَا يَنْبُتَانِ إلَّا بِهِ. فَأَرْخَصَ النَّبِيُّ ﷺ لِلْحَادَّةِ فِي لُبْسِ مَا صُبِغَ بِالْعَصْبِ؛ لِأَنَّهُ فِي مَعْنَى مَا صُبِغَ لِغَيْرِ التَّحْسِينِ» اهـ. وَقَالَ الْعَلَّامَةُ الْنَوَوِي ﵀ فِي [شَرْحِ مُسْلِمٍ] (٥/ ٢٥٩): «وأمَّا القُسط فبضم القاف ويقال فيه: "كست" بكاف مضمومة بدل القاف وبتاء بدل الطاء وهو والأظفار نوعان معروفان من البخور وليسا من مقصود الطيب رخص فيه للمغتسلة من الحيض لإزالة الرائحة الكريهة تتبع به أثر الدم لا للتطيب والله تعالى أعلم» اهـ. وَفِي الْحَدِيْثِ مَسَائِلُ مِنْهَا:

стр. 6209

١ - النهي عن إحداد المرأة أكثر من ثلاث لغير زوج. ٢ - أنَّ إحداد المرأة أربعة أشهر وعشر، وقد مضى القول في ذلك. قُلْتُ: ويبدأ الإحداد من موت الزوج لا من بلوغ الخبر كالعدة. قَالَ الْعَلَّامَةُ ابْنُ قُدَامَةَ ﵀ فِي [الْمُغْنِي] (١٨/ ٦٨): «قال أبو بكر: لا خلاف عن أبي عبد الله أعلمه، أنَّ العدة تجب من حين الموت والطلاق، إلَّا ما رواه إسحاق بن إبراهيم وهذا قول ابن عمر، وابن عباس، وابن مسعود، ومسروق، وعطاء، وجابر بن زيد، وابن سيرين، ومجاهد، وسعيد بن جبير، وعكرمة، وطاووس، وسليمان بن يسار، وأبي قلابة، وأبي العالية، والنخعي، ونافع، ومالك، والثوري، والشافعي، وإسحاق، وأبي عبيد، وأبي ثور وأصحاب الرأي. وعن أحمد: إن قامت بذلك بينة، فكما ذكرنا. وإلَّا فعدتها من يوم يأتيها الخبر. وروي ذلك عن سعيد بن المسيب، وعمر بن عبد العزيز. ويروى عن علي، والحسن، وقتادة، وعطاء الخراساني، وخلاس بن عمرو، أنَّ عدتها من يوم يأتيها الخبر؛ لأنَّ العدة اجتناب أشياء، وما اجتنبتها.

стр. 6210

ولنا، أنَّها لو كانت حاملاً، فوضعت حملها غير عالمة بفرقة زوجها، لانقضت عدتها، فكذلك سائر أنواع العدد؛ ولأنَّه زمان عقيب الموت أو الطلاق، فوجب أن تعتد به، كما لو كان حاضراً، ولأنَّ القصد غير معتبر في العدة، بدليل أنَّ الصغيرة والمجنونة تنقضي عدتهما من غير قصد، ولم يعدم هاهنا إلَّا القصد، وسواء في هذا اجتنبت ما تجتنبه المعتدات، أو لم تجتنبه، فإنَّ الإحداد الواجب ليس بشرط في العدة، فلو تركته قصداً، أو عن غير قصد، لانقضت عدتها» اهـ. ٣ - أنَّه لا يجوز للمحتدة أن تلبس ثوباً مصبوغاً. قَالَ الْعَلَّامَةُ ابْنُ الْقَيِّمِ ﵀ فِي [زَادِ الْمَعَادِ] (٥/ ٧٠٥ - ٧٠٨): «النوع الثاني: زينة الثياب، فيحرم عليها ما نهاها عنه النبي ﷺ ، وما هو أولى بالمنع منه، وما هو مثله. وقد صح عنه أنَّه قال: "ولا تلبس ثوباً مصبوغاً". وهذا يعم المعصفر والمزعفر، وسائر المصبوغ بالأحمر والأصفر، والأخضر، والأزرق الصافي، وكل ما يصبغ للتحسين والتزيين. وفي اللفظ الآخر: "ولا تلبس المعصفر من الثياب، ولا الممشق".

стр. 6211

وههنا نوعان آخران. أحدهما: مأذون فيه، وهو ما نسج من الثياب على وجهه ولم يدخل فيه صبغ من خز، أو قز، أو قطن، أو كتان، أو صوف، أو وبر، أو شعر، أو صبغ غزله ونسج مع غيره كالبرود. والثاني: ما لا يراد بصبغه الزينة مثل السواد، وما صبغ لتقبيح، أو ليستر الوسخ، فهذا لا يمنع منه. قال الشافعي ﵀: في الثياب زينتان. إحداهما: جمال الثياب على اللابسين، والسترة للعورة. فالثياب زينة لمن يلبسها، وإنَّما نهيت الحادة عن زينة بدنها، ولم تنه عن ستر عورتها، فلا بأس أن تلبس كل ثوب من البياض، لأنَّ البياض ليس بمزين، وكذلك الصوف والوبر، وكل ما ينسج على وجهه ولم يدخل عليه صبغ من خز أو غيره، وكذلك كل صبغ لم يرد تزيين الثوب مثل السواد، وما صبغ لتقبيحه، أو لنفي الوسخ عنه، فأمَّا كان من زينة، أو وشي في ثوبه أو غيره فلا تلبسه الحادة، وذلك لكل حرة أو أمة، كبيرة أو صغيرة، مسلمة أو ذمية انتهى كلامه. قال أبو عمر: وقول الشافعي ﵀ في هذا الباب نحو قول مالك، وقال أبو حنيفة: لا تلبس ثوب عصب ولا خز وإن لم يكن مصبوغاً إذا أرادت به الزينة،

стр. 6212

وإن لم ترد بلبس الثوب المصبوغ الزينة، فلا بأس أن تلبسه. وإذا اشتكت عينها، اكتحلت بالأسود وغيره، وإن لم تشتك عينها، لم تكتحل. فصل: وأمَّا الإمام أحمد ﵀، فقال في رواية أبي طالب: ولا تتزين المعتدة، ولا تتطيب بشيء من الطيب، ولا تكتحل بكحل زينة، وتدهن بدهن ليس فيه طيب، ولا تقرب مسكاً، ولا زعفراناً للطيب، والمطلقة واحدة أو اثنتين تتزين، وتتشوف لعله أن يراجعها. وقال أبو داود في مسائله: سمعت أحمد قال: المتوفى عنها زوجها، والمطلقة ثلاثاً، والمحرمة يجتنبن الطيب والزينة. وقال حرب في "مسائله": سألت أحمد ﵀، قُلْتُ: المتوفى عنها زوجها والمطلقة، هل تلبسان البرد ليس بحرير؟ فقال: لا تتطيب المتوفى عنها، ولا تتزين بزينة، وشدد في الطيب، إلَّا أن يكون قليلاً عند طهرها. ثم قال: وشبهت المطلقة ثلاثاً بالمتوفى عنها، لأنَّه ليس لزوجها عليها رجعة. ثم ساق حرب بإسناده إلى أم سلمة قال: المتوفى عنها لا تلبس المعصفر من الثياب، ولا تختضب، ولا تكتحل، ولا تتطيب، ولا تمتشط بطيب.

стр. 6213

وقال إبراهيم بن هانئ النيسابوري في "مسائله": سألت أبا عبد الله عن المرأة تنتقب في عدتها، أو تدهن في عدتها؟ قال: لا بأس به، وإنَّما كره للمتوفى عنها زوجها أن تتزين. وقال أبو عبد الله: كل دهن فيه طيب، فلا تدهن به، فقد دار كلام الإمام أحمد، والشافعي، وأبي حنيفة ﵏ على أنَّ الممنوع منه من الثياب ما كان من لباس الزينة من أي نوع كان، وهذا هو الصواب قطعاً، فإنَّ المعنى الذي منعت من المعصفر والممشق لأجله مفهوم، والنبي ﷺ خصه بالذكر مع المصبوغ تنبيهاً على ما هو مثله، وأولى بالمنع، فإذا كان الأبيض والبرود المحبرة الرفيعة الغالية الأثمان مما يراد للزينة لارتفاعهما وتناهي جودتهما، كان أولى بالمنع من الثوب المصبوغ. وكل من عقل عن الله ورسوله لم يسترب في ذلك، لا كما قال أبو محمد ابن حزم: إنَّها تجتنب الثياب المصبغة فقط، ومباح لها أن تلبس بعد ما شاءت من حرير أبيض وأصفر من لونه الذي لم يصبغ، وصوف البحر الذي هو لونه، وغير ذلك. ومباح لها أن تلبس المنسوج بالذهب والحلى كله من الذهب والفضة، والجوهر والياقوت، والزمرد وغير ذلك، فهي خمسة أشياء تجتنبها فقط، وهي: الكحل كله لضرورة أو لغير ضرورة، ولو ذهبت عيناها لا ليلاً ولا نهاراً،

стр. 6214

وتجتنب فرضاً كل ثوب مصبوغ مما يلبس في الرأس والجسد، أو على شيء منه، سواء في ذلك السواد والخضرة، والحمرة والصفرة، وغير ذلك، إلَّا العصب وحده وهي ثياب موشاة تعمل في اليمن، فهو مباح لها. وتجتنب أيضاً: فرضاً الخضاب كله جملة، وتجتنب الامتشاط حاشا التسريح بالمشط فقط، فهو حلال لها، وتجتنب أيضاً: فرضاً الطيب كله، ولا تقرب شيئاً حاشا شيئاً من قسط أو أظفار عند طهرها فقط، فهذه الخمسة التي ذكرها حكينا كلامه فيها بنصه. وليس بعجيب منه تحريم لبس ثوب أسود عليها ليس من الزينة في شيء، وإباحة ثوب يتقد ذهباً ولؤلؤا وجوهراً، ولا تحريم المصبوغ الغليظ لحمل الوسخ، وإباحة الحرير الذى يأخذ بالعيون حسنه وبهاؤه ورواؤه، وإنَّما العجب منه أن يقول: هذا دين الله في نفس الأمر، وأنَّه لا يحل لأحد خلافه» اهـ. قُلْتُ: هذا تحرير نفيس لا مزيد عليه. وَقَالَ الْعَلَّامَةُ ابْنُ قُدَامَةَ ﵀ فِي [الْمُغْنِي] (١٨/ ٤١ - ٤٢): «القسم الثاني: زينة الثياب، فتحرم عليها الثياب المصبغة للتحسين، كالمعصفر، والمزعفر، وسائر الأحمر، وسائر الملون للتحسين، كالأزرق الصافي، والأخضر الصافي، والأصفر،

стр. 6215

فلا يجوز لبسه؛ لقول النبي ﷺ : "لا تلبس ثوباً مصبوغاً". وقَوْلِهِ: "لا تلبس المعصفر من الثياب ولا الممشق". فأمَّا ما لا يقصد بصبغه حسنه، كالكحلي، والأسود، والأخضر الْمُشْبَعِ، فلا تمنع منه؛ لأنَّه ليس بزينة» اهـ. ٤ - جواز لبس ثوب العصب للمحتدة. قَالَ الْعَلَّامَةُ ابْنُ الْقَيِّمِ ﵀ فِي [زَادِ الْمَعَادِ] (٥/ ٧١١): «فإن قيل: فما تقولون في الثوب إذا صبغ غزله ثم نسج، هل لها لبسه؟ قيل: فيه وجهان، وهما احتمالات في المغني أحدهما: يحرم لبسه، لأنَّه أحسن وأرفع ولأنَّه مصبوغ للحسن، فأشبه ما صبغ بعد نسجه. والثاني: لا يحرم لقول رسول الله ﷺ في حديث أم سلمة ﵂: "إلَّا ثوب عصب"، وهو ما صبغ غزله قبل نسجه، ذكره القاضي، قال الشيخ: والأول أصح، وأمَّا العصب: فالصحيح: أنَّه نبت تصبغ به الثياب، قال السهيلي: الورس والعصب نبتان باليمن لا ينبتان إلَّا به، فرخص النبي ﷺ للحادة في لبس ما يصبغ بالعصب، لأنَّه في معنى ما يصبغ لغير

стр. 6216

تحسين، كالأحمر والأصفر، فلا معنى لتجويز لبسه مع حصول الزينة بصبغه، كحصولها بما صبغ بعد نسجه. والله أعلم» اهـ. قُلْتُ: ومثل ذلك أو أشد التحلي بالذهب وأنواع الجواهر. ٥ - حرمة الاكتحال على المحتدة. وروى البخاري (٥٣٣٨)، ومسلم (١٤٨٨) عَنْ زَيْنَبَ بِنْتِ أُمِّ سَلَمَةَ، عَنْ أُمِّهَا، أَنَّ امْرَأَةً تُوُفِّيَ زَوْجُهَا، فَخَشُوا عَلَى عَيْنَيْهَا، فَأَتَوْا رَسُولَ اللَّهِ ﷺ فَاسْتَأْذَنُوهُ فِي الكُحْلِ، فَقَالَ: «لَا تَكَحَّلْ، قَدْ كَانَتْ إِحْدَاكُنَّ تَمْكُثُ فِي شَرِّ أَحْلَاسِهَا أَوْ شَرِّ بَيْتِهَا، فَإِذَا كَانَ حَوْلٌ فَمَرَّ كَلْبٌ رَمَتْ بِبَعَرَةٍ، فَلَا حَتَّى تَمْضِيَ أَرْبَعَةُ أَشْهُرٍ وَعَشْرٌ». قُلْتُ: ويلحق بالكحل سائر الزينة في البدن. قَالَ الْعَلَّامَةُ ابْنُ الْقَيِّمِ ﵀ فِي [زَادِ الْمَعَادِ] (٥/ ٧٠٢ - ٧٠٥): «الحكم السابع: وهى ثلاثة أنواع. أحدها: الزينة في بدنها، فيحرم عليها الخضاب، والنقش، والتطريف، والحمرة، والاسفيداج، فإنَّ النبي ﷺ نص على الخضاب منبهاً به على هذه الأنواع التي هي أكثر زينة منه، وأعظم فتنة، وأشد

стр. 6217

مضادة لمقصود الإحداد، ومنها: الكحل، والنهى عنه ثابت بالنص الصريح الصحيح. ثم قال طائفة من أهل العلم من السلف والخلف: منهم أبو محمد ابن حزم: لا تكتحل ولو ذهبت عيناها لا ليلاً ولا نهاراً، ويساعد قولهم، حديث أم سلمة المتفق عليه: أنَّ امرأة توفى عنها زوجها، فخافوا على عينها، فأتوا النبي ﷺ ، فاستأذنوه في الكحل، فما أذن فيه، بل قال: "لا" مرتين أو ثلاثاً، ثم ذكر لهم ما كانوا يفعلونه في الجاهلية من الإحداد البليغ سنة، ويصبرن على ذلك، أفلا يصبرن أربعة أشهر وعشراً. ولا ريب أنَّ الكحل من أبلغ الزينة، فهو كالطيب أو أشد منه. وقال بعض الشافعية: للسوداء أن تكتحل، وهذا تصرف مخالف للنص والمعنى، وأحكام رسول الله ﷺ لا تفرق بين السود والبيض، كما لا تفرق بين الطوال والقصار، ومثل هذا القياس بالرأي الفاسد الذى اشتد نكير السلف له وذمهم إياه. وأمَّا جمهور العلماء، كمالك، وأحمد، وأبي حنيفة والشافعي، وأصحابهم، فقالوا: إن اضطرت إلى الكحل بالإثمد تداوياً لا زينة، فلها أن تكتحل به ليلاً وتمسحه نهاراً، وحجتهم: حديث أم سلمة المتقدم ﵂، فإنَّها قالت في كحل الجلاء: لا تكتحل إلَّا لما لا

стр. 6218

بد منه، يشتد عليك فتكتحلين بالليل، وتغسلينه بالنهار. ومن حجتهم: حديث أم سلمة ﵂ الآخر أنَّ رسول الله ﷺ دخل عليها، وقد جعلت عليها صبراً فقال: ما هذا يا أم سلمة؟ فقُلْتُ: صبر يا رسول الله، ليس فيه طيب فقال: إنَّه يشب الوجه، فقال: "لا تجعليه إلَّا بالليل وتنزعيه بالنهار"، وهما حديث واحد، فرقه الرواة، وأدخل مالك هذا القدر منه في "موطئه" بلاغاً، وذكر أبو عمر في "التمهيد" له طرقاً يشد بعضها بعضاً، ويكفى احتجاج مالك به، وأدخله أهل السنن في كتبهم، واحتج به الأئمة، وأقل درجاته أن يكون حسناً، ولكن حديثها لهذا مخالف في الظاهر لحديثها المسند المتفق عليه، فإنَّه يدل على أنَّ المتوفى عنها لا تكتحل بحال، فإنَّ النبي ﷺ لم يأذن للمشتكية عينها في الكحل لا ليلاً ولا نهاراً، ولا من ضرورة ولا غيرها، وقال: "لا"، مرتين أو ثلاثاً، ولم يقل: إلَّا أن تضطر. وقد ذكر مالك عن نافع، عن صفية ابنة عبيد، أنَّها اشتكت عينها وهي حاد على زوجها عبد الله بن عمر، فلم تكتحل حتى كادت عيناها ترمصان. قال أبو عمر: وهذا عندي وإن كان ظاهره مخالفاً لحديثها الآخر، لما فيه من إباحته بالليل. وقوله في الحديث الآخر: "لا"، مرتين أو ثلاثاً على الإطلاق، أن ترتيب

стр. 6219

الحديثين والله أعلم أنَّ الشكاة التي قال فيها رسول الله ﷺ : "لا"، لم تبلغ والله أعلم منها مبلغاً لا بد لها فيه من الكحل، فلذلك نهاها، ولو كانت محتاجة مضطرة تخاف ذهاب بصرها، لأباح لها ذلك، كما فعل بالتي قال لها: "اجعليه بالليل وامسحيه بالنهار"، والنظر يشهد لهذا التأويل، لأنَّ الضرورات تنقل المحظورات إلى حال المباح في الأصول، ولهذا جعل مالك فتوى أم سلمة ﵂ تفسيراً للحديث المسند في الكحل، لأنَّ أم سلمة ﵂ روته، وما كانت لتخالفه إذا صح عندها، وهى أعلم بتأويله ومخرجه، والنظر يشهد لذلك، لأنَّ المضطر إلى شيء لا يحكم له بحكم المرفه المتزين بالزينة، وليس الدواء والتداوي من الزينة في شيء، وإنَّما نهيت الحادة عن الزينة لا عن التداوي، وأم سلمة ﵂ أعلم بما روت مع صحته في النظر، وعليه أهل الفقه، وبه قال مالك والشافعي، وأكثر الفقهاء. وقد ذكر مالك ﵀ في "موطئه": أنَّه بلغه عن سالم بن عبد الله، وسليمان بن يسار، أنَّهما كانا يقولان في المرأة يتوفى عنها زوجها: إنَّها إذا خشيت على بصرها من رمد بعينيها، أو شكوى أصابتها، أنَّها تكتحل وتتداوى بالكحل وإن كان فيه طيب. قال أبو عمر: لأنَّ القصد إلى التداوي لا إلى التطيب، والأعمال بالنيات.

стр. 6220

وقال الشافعي ﵀: الصبر يصفر، فيكون زينة، وليس بطيب، وهو كحل الجلاء، فأذنت أم سلمة ﵂ للمرأة بالليل حيث لا ترى، وتمسحه بالنهار حيث يرى، وكذلك ما أشبهه. وقال أبو محمد بن قدامة في "المغنى": وإنَّما تمنع الحادة من الكحل بالإثمد، لأنَّه تحصل به الزينة، فأمَّا الكحل بالتوتيا والعنزروت ونحوهما، فلا بأس به، لأنَّه لا زينة فيه، بل يقبح العين ويزيدها مرها. قال: ولا تمنع من جعل الصبر على غير وجهها من بدنها، لأنَّه إنَّما منع منه في الوجه، لأنَّه يصفره، فيشبه الخضاب، فلهذا قال النبي ﷺ : "إنَّه يشب الوجه". قال: ولا تمنع من تقليم الأظفار، ونتف الإبط، وحلق الشعر المندوب إلى حلقه، ولا من الاغتسال بالسدر، والامتشاط به، لحديث أم سلمة ﵂، ولأنَّه يراد للتنظيف لا للتطيب، وقال إبراهيم بن هانئ النيسابوري في "مسائله" قيل لأبي عبد الله: المتوفى عنها تكتحل بالإثمد؟ قال: لا، ولكن إن أرادت، اكتحلت بالصبر إذا خافت على عينها واشتكت شكوى شديدة» اهـ. قُلْتُ: حديث أم سلمة رواه أبو داود (٢٣٠٥)، والنسائي (٣٥٣٧) من طريق ابْنِ وَهْبٍ، أَخْبَرَنِي مَخْرَمَةُ، عَنْ أَبِيهِ، قَالَ: سَمِعْتُ الْمُغِيرَةَ بْنَ الضَّحَّاكِ، يَقُولُ: أَخْبَرَتْنِي

стр. 6221

أُمُّ حَكِيمٍ بِنْتُ أَسِيدٍ، عَنْ أُمِّهَا، أَنَّ زَوْجَهَا، تُوُفِّيَ وَكَانَتْ تَشْتَكِي عَيْنَيْهَا فَتَكْتَحِلُ بِالْجِلَاءِ، - قَالَ أَحْمَدُ: الصَّوَابُ بِكُحْلِ الْجِلَاءِ - فَأَرْسَلَتْ مَوْلَاةً لَهَا إِلَى أُمِّ سَلَمَةَ، فَسَأَلَتْهَا عَنْ كُحْلِ الْجِلَاءِ؟، فَقَالَتْ: لَا تَكْتَحِلِي بِهِ إِلَّا مِنْ أَمْرٍ لَا بُدَّ مِنْهُ يَشْتَدُّ عَلَيْكِ، فَتَكْتَحِلِينَ بِاللَّيْلِ، وَتَمْسَحِينَهُ بِالنَّهَارِ، ثُمَّ قَالَتْ عِنْدَ ذَلِكَ أُمُّ سَلَمَةَ: دَخَلَ عَلَيَّ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ حِينَ تُوُفِّيَ أَبُو سَلَمَةَ، وَقَدْ جَعَلْتُ عَلَى عَيْنِي صَبْرًا، فَقَالَ: «مَا هَذَا يَا أُمَّ سَلَمَةَ؟» فَقُلْتُ: إِنَّمَا هُوَ صَبْرٌ يَا رَسُولَ اللَّهِ، لَيْسَ فِيهِ طِيبٌ، قَالَ: «إِنَّهُ يَشُبُّ الْوَجْهَ فَلَا تَجْعَلِيهِ إِلَّا بِاللَّيْلِ، وَتَنْزَعِينَهُ بِالنَّهَارِ، وَلَا تَمْتَشِطِي بِالطِّيبِ وَلَا بِالْحِنَّاءِ، فَإِنَّهُ خِضَابٌ»، قَالَتْ: قُلْتُ: بِأَيِّ شَيْءٍ أَمْتَشِطُ يَا رَسُولَ اللَّهِ؟ قَالَ: «بِالسِّدْرِ تُغَلِّفِينَ بِهِ رَأْسَكِ». قُلْتُ: هَذَا إِسْنَادٌ ضَعِيْفٌ المغيرة ومن فوقه لا يعرفون. ورواه مالك في [الْمُوَطَّأِ] (١٢٤٩) أَنَّهُ بَلَغَهُ، أَنَّ أُمَّ سَلَمَةَ زَوْجَ النَّبِيِّ ﷺ قَالَتْ لِامْرَأَةٍ حَادٍّ عَلَى زَوْجِهَا، اشْتَكَتْ عَيْنَيْهَا فَبَلَغَ ذَلِكَ مِنْهَا: «اكْتَحِلِي بِكُحْلِ الْجِلَاءِ بِاللَّيْلِ وَامْسَحِيهِ بِالنَّهَارِ». ورواه مالك في [الْمُوَطَّأِ] (١٢٥٢) أَنَّهُ بَلَغَهُ: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ دَخَلَ عَلَى أُمِّ سَلَمَةَ، وَهِيَ حَادٌّ عَلَى أَبِي سَلَمَةَ، وَقَدْ جَعَلَتْ عَلَى عَيْنَيْهَا صَبِرًا،

стр. 6222

فَقَالَ: «مَا هَذَا يَا أُمَّ سَلَمَةَ؟». فَقَالَتْ: إِنَّمَا هُوَ صَبِرٌ يَا رَسُولَ اللَّهِ، قَالَ: «اجْعَلِيهِ فِي اللَّيْلِ وَامْسَحِيهِ بِالنَّهَارِ». قُلْتُ: وهذا من بلاغات الإمام مالك التي لم يسندها. وخلاصة القول أنَّ المرفوع والموقوف من حديث أم سلمة لا يثبت. والله أعلم. والذي يظهر لي في الكحل أنَّ ما لا زينة فيه وإنَّما الغرض منه التداوي فلا بأس به، وأمَّا ما فيه زينة فالأصل اجتنابه والاعتياض عنه بغيره من الأدوية الكثيرة التي تستعمل للعين، وقد روى الطحاوي في [شَرْحِ مُشْكِلِ الآثَارِ] (١١٤٢) حَدَّثَنَا الْحُسَيْنُ بْنُ نَصْرٍ، قَالَ: ثَنَا الْفِرْيَابِيُّ، قَالَ: ثَنَا سُفْيَانُ، عَنْ أَيُّوبَ بْنِ مُوسَى، عَنْ حُمَيْدِ بْنِ نَافِعٍ، عَنْ زَيْنَبَ ابْنَةِ أُمِّ سَلَمَةَ، أَنَّ ابْنَةَ النَّحَّامِ، تُوُفِّيَ عَنْهَا زَوْجُهَا فَأَتَتْ أُمُّهَا النَّبِيَّ ﷺ فَقَالَتْ: إِنَّ ابْنَتِي تَشْتَكِي عَيْنَهَا فَأُكَحِّلُهَا فَإِنِّي أَخْشَى أَنْ تَنْفَقِئَ عَيْنُهَا؟ قَالَ: «وَإِنِ انْفَقَأَتْ - أَيْ:، فَلَا تَفْعَلِي - قَدْ كَانَتْ إحْدَاكُنَّ تَمْكُثُ بَعْدَ وَفَاةِ زَوْجِهَا حَوْلًا ثُمَّ تَرْمِي مِنْ خَلْفِهَا بِبَعْرَةٍ». قُلْتُ: إِسْنَادُهُ صَحِيْحٌ. وسبق في أول المسألة حديث أم مسلمة في الصحيحين بمعناه.

стр. 6223

قَالَ الْحِافِظُ ابْنُ حَجَرٍ ﵀ فِي [فَتْحِ الْبَارِي] (٩/ ٤٨٨ - ٤٨٩) - بعد ذكره لحديث زينب -: «وسنده صحيح وبمثل ذلك افتت أسماء بنت عميس أخرجه ابن أبي شيبة، وبهذا قال مالك في رواية عنه بمنعه مطلقاً، وعنه يجوز إذا خافت على عينها بما لا طيب فيه، وبه قال الشافعية مقيداً بالليل، وأجابوا عن قصة المرأة باحتمال أنَّه كان يحصل لها البرء بغير الكحل كالتضميد بالصبر ونحوه، وقد أخرج بن أبي شيبة عن صفية بنت أبي عبيد أنَّها احدت على ابن عمر فلم تكتحل حتى كادت عيناها تزيغان فكانت تقطر فيهما الصبر، ومنهم من تأول النهي على كحل مخصوص وهو ما يقتضي التزين به لأنَّ محض التداوي قد يحصل بما لا زينة فيه فلم ينحصر فيما فيه زينة، وقالت طائفة من العلماء يجوز ذلك ولو كان فيه طيب وحملوا النهي على التنزيه جمعاً بين الأدلة» اهـ. قُلْتُ: والأظهر عندي حمل الحديث على ما فيه زينة. والله أعلم. ٦ - حرمة تطيب المحتدة. قَالَ الْعَلَّامَةُ ابْنُ الْقَيِّمِ ﵀ فِي [زَادِ الْمَعَادِ] (٥/ ٧٠١): «ولا خلاف في تحريمه عند من أوجب الإحداد» اهـ.

стр. 6224

وَقَالَ ﵀ (٥/ ٧٠١ - ٧٠٢): «ويدخل في الطيب: المسك، والعنبر، والكافور، والند، والغالية، والزباد، والذريرة، والبخور، والأدهان، كدهن البان، والورد والبنفسج، والياسمين، والمياه المعتصرة من الأدهان الطيبة، كماء الورد، وماء القرنفل، وماء زهر النارنج، فهذا كله طيب، ولا يدخل فيه الزيت، ولا الشيرج، ولا السمن، ولا تمتع من الادهان بشيء من ذلك» اهـ. ٧ - جواز استعمال يسير الطيب عند التطهر من الحيض أو النفاس. ٨ - وليس في الحديث نهي المعتدة من النقاب ونحوه كالبرقع، والأصل الجواز. وقد منع من ذلك بعض العلماء. قَالَ الْعَلَّامَةُ ابْنُ قُدَامَةَ ﵀ فِي [الْمُغْنِي] (١٨/ ٤٣): «فصل: والثالث مما تجتنبه الحادة النقاب، وما في معناه، مثل البرقع ونحوه؛ لأنَّ المعتدة مشبهة بالمحرمة والمحرمة تمنع من ذلك، وإذا احتاجت إلى ستر وجهها أسدلت عليه كما تفعل المحرمة» اهـ. وَقَالَ الْعَلَّامَةُ ابْنُ الْقَيِّمِ ﵀ فِي [زَادِ الْمَعَادِ] (٥/ ٧١٠ - ٧١١): «ولم أجد بهذا نصاً عن أحمد. وقد قال إسحاق ابن هانئ في "مسائله": سألت أبا عبد الله عن المرأة تنتقب في عدتها، أو تدهن في عدتها؟ قال: لا بأس به، وإنَّما كره للمتوفى

стр. 6225

عنها زوجها أن تتزين. ولكن قد قال أبو داود في "مسائله" عن المتوفى عنها زوجها، والمطلقة ثلاثاً، والمحرمة: تجتنبن الطيب والزينة. فجعل المتوفى عنها بمنزلة المحرمة فيما تجتنبه، فظاهر هذا أنَّها تجتنب النقاب، فلعل أبا القاسم أخذ من نصه هذا والله أعلم» اهـ. ٩ - ومن جملة ما تحد به المرأة المبيت في بيت زوجها. وقد جاء في ذلك ما رواه مالك في [الْمُوَطَّأِ] (١٢٢٩)، ومن طريقه أبو داود (٢٣٠٠)، والترمذي (١٢٠٤)، والنسائي في [الْكُبْرَى] (١١٠٤٤) عَنْ سَعْدِ بْنِ إِسْحَاقَ بْنِ كَعْبِ بْنِ عَجْرَةَ، عَنْ عَمَّتِهِ زَيْنَبَ بِنْتِ كَعْبِ بْنِ عَجْرَةَ، أَنَّ الْفُرَيْعَةَ بِنْتَ مَالِكِ بْنِ سِنَانٍ، وَهِيَ أُخْتُ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ أَخْبَرَتْهَا، أَنَّهَا جَاءَتْ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ تَسْأَلُهُ أَنْ تَرْجِعَ إِلَى أَهْلِهَا فِي بَنِي خُدْرَةَ، فَإِنَّ زَوْجَهَا خَرَجَ فِي طَلَبِ أَعْبُدٍ لَهُ أَبَقُوا، حَتَّى إِذَا كَانُوا بِطَرَفِ الْقَدُومِ لَحِقَهُمْ فَقَتَلُوهُ، فَسَأَلْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ : أَنْ أَرْجِعَ إِلَى أَهْلِي، فَإِنِّي لَمْ يَتْرُكْنِي فِي مَسْكَنٍ يَمْلِكُهُ، وَلَا نَفَقَةٍ؟ قَالَتْ: فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «نَعَمْ»، قَالَتْ: فَخَرَجْتُ حَتَّى إِذَا كُنْتُ فِي الْحُجْرَةِ، أَوْ فِي الْمَسْجِدِ، دَعَانِي، أَوْ أَمَرَ بِي، فَدُعِيتُ لَهُ، فَقَالَ: «كَيْفَ قُلْتِ؟»، فَرَدَدْتُ عَلَيْهِ الْقِصَّةَ الَّتِي ذَكَرْتُ مِنْ شَأْنِ

стр. 6226

زَوْجِي، قَالَتْ: فَقَالَ: «امْكُثِي فِي بَيْتِكِ حَتَّى يَبْلُغَ الْكِتَابُ أَجَلَهُ»، قَالَتْ: فَاعْتَدَدْتُ فِيهِ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْرًا، قَالَتْ: فَلَمَّا كَانَ عُثْمَانُ بْنُ عَفَّانَ أَرْسَلَ إِلَيَّ فَسَأَلَنِي عَنْ ذَلِكَ، فَأَخْبَرْتُهُ فَاتَّبَعَهُ، وَقَضَى بِهِ. ورواه أحمد (٢٧١٣٢، ٢٧٤٠٣)، والنسائي (٣٥٢٩)، وابن ماجة (٢٠٣١) من طريق سعد بن إسحاق بن كعب بن عجرة، عن زينب بنت كعب بن عجرة، وكانت تحت أبي سعيد الخدري، أنَّ أخته الفريعة بنت مالك، قالت: فذكره. قُلْتُ: إِسْنَادُهُ مُحْتَمِلٌ للتَّحْسِيْنِ فإنَّ زينب بنت كعب بن عجرة لم يوثقها معتبر لكن عدها بعضهم في الصحابة. قَالَ الْعَلَّامَةُ ابْنُ الْمُلَقِّنِ ﵀ في [الْبَدْرِ الْمُنِيْرِ] (٨/ ٢٤٩): «قُلْتُ: وأمَّا زينب فقد أسلفنا ثقتها في كلام ابن القطان، وممن وثقها ابن حبان فإنَّه ذكرها في "ثقاته" بل ذكرها ابن فتحون وأبو إسحاق بن الأمين في جملة الصحابة فصح الحديث ولله الحمد» اهـ. وَقَالَ الْحَافِظُ ابْنُ عَبْدِ الْهَادِي ﵀ فِي [الْمُحَرِّرِ] (ص: ٥٨٧): «رواه أحمد، وأبو داود، وابن ماجة، والنسائي، والترمذي، وهذا لفظه وصححه. وكذلك

стр. 6227

صححه الذهلي، والحاكم، وابن القطان وغيرهم. وتكلم فيه ابن حزم بلا حجة» اهـ. وقَالَ الْحِافِظُ ابْنُ حَجَرٍ ﵀ فِي [الدِّرَايَةِ] (٢/ ٨٠): «صححه الترمذي وابن حبان والحاكم ونقل عن الذهلي تصحيحه» اهـ. وَقَالَ الْعَلَّامَةُ ابْنُ قُدَامَةَ ﵀ فِي [الْمُغْنِي] (١٨/ ٤٤): «وممن أوجب على المتوفى عنها زوجها الاعتداد في منزلها، عمر، وعثمان ﵄ وروي ذلك عن ابن عمر، وابن مسعود، وأم سلمة، وبه يقول مالك، والثوري، والأوزاعي، وأبو حنيفة، والشافعي، وإسحاق وقال ابن عبد البر: وبه يقول جماعة فقهاء الأمصار، بالحجاز، والشام، والعراق، ومصر. وقال جابر بن زيد، والحسن، وعطاء تعتد حيث شاءت. وروي ذلك عن علي، وابن عباس، وجابر، وعائشة ﵃». وَقَالَ ﵀ (١٨/ ٤٥ - ٤٦): «فصل: فإن خافت هدماً أو غرقاً أو عدواً أو نحو ذلك، أو حولها صاحب المنزل لكونه عارية رجع فيها، أو بإجارة انقضت مدتها، أو منعها السكنى تعدياً، أو امتنع من إجارته، أو طلب به أكثر من أجرة المثل، أو لم تجد ما تكتري به، أو لم تجد إلَّا من مالها، فلها أن تنتقل؛ لأنَّها حال

стр. 6228

عذر، ولا يلزمها بذلك أجر المسكن، وإنَّما الواجب عليها فعل السكنى، لا تحصيل المسكن، وإذا تعذرت السكنى، سقطت، ولها أن تسكن حيث شاءت. ذكره القاضي وذكر أبو الخطاب، أنَّها تنتقل إلى أقرب ما يمكنها النقلة إليه. وهو مذهب الشافعي؛ لأنَّه أقرب إلى موضع الوجود، فأشبه من وجبت عليه الزكاة في موضع لا يجد فيه أهل السهمان، فإنَّه ينقلها إلى أقرب موضع يجدهم فيه. ولنا، أنَّ الواجب سقط لعذر، ولم يرد الشرع له ببدل، فلا يجب، كما لو سقط الحج للعجز عنه وفوات شرط، والمعتكف إذا لم يقدر على الاعتكاف في المسجد؛ ولأنَّ ما ذكروه إثبات حكم بلا نص، ولا معنى نص، فإنَّ معنى الاعتداد في بيتها لا يوجد في السكنى فيما قرب منه، ويفارق أهل السهمان؛ فإن القصد نفع الأقرب، وفي نقلها إلى أقرب موضع يجده نفع الأقرب، فوجب لذلك» اهـ. قُلْتُ: هذا تحرير حسن. قُلْتُ: وليس للورثة إخراجها من بيت زوجها قبل انقضاء عدتها، وإذا كان المسكن مستأجراً فأجرته من تركة الميت. قَالَ الْعَلَّامَةُ ابْنُ قُدَامَةَ ﵀ فِي [الْمُغْنِي] (١٨/ ٤٧ - ٤٨): «فإذا قلنا لها السكنى فهي أحق بسكنى المسكن الذي كانت تسكنه من الورثة والغرماء، من

стр. 6229

رأس مال المتوفى، ولا يباع في دينه بيعاً يمنعها السكنى، فيه حتى تقضي العدة، وبهذا قال مالك، والشافعي، وأبو حنيفة وجمهور العلماء، وإن تعذر المسكن، فعلى الوارث أن يكتري لها مسكناً من مال الميت، فإن لم يفعل، أجبره الحاكم، وليس لها أن تنتقل من مسكنها إلَّا لعذر، كما ذكرنا» اهـ. وَقَالَ ﵀ (١٨/ ٤٩ - ٥٠): «وإن كان المسكن لغير الميت فتبرع صاحبه بإسكانها فيه، لزمها الاعتداد به، وإن أبى أن يسكنها إلَّا بأجرة، وجب بذلها من مال الميت، إلَّا أن يتبرع إنسان ببذلها، فيلزمها الاعتداد به، فإن حولها صاحب المكان، أو طلب أكثر من أجرة المثل، فعلى الورثة إسكانها إن كان للميت تركة يستأجر لها به مسكن؛ لأنَّه حق لها يقدم على الميراث، فإن اختارت النقلة عن هذا المسكن الذي ينقلونها إليه، فلها ذلك؛ لأنَّ سكناها به حق لها، وليس بواجب عليها، فإن المسكن الذي كان يجب عليها السكنى به، هو الذي كانت تسكنه حين موت زوجها، وقد سقطت عنها السكنى به، وسواء كان المسكن الذي كانت به لأبويها، أو لأحدهما، أو لغيرهم. وإن كانت تسكن في دارها فاختارت الإقامة فيها، والسكنى بها متبرعة أو بأجرة تأخذها من التركة، جاز، ويلزم الورثة بذل الأجرة إذا طلبتها وإن طلبت أن

стр. 6230

تسكنها غيرها، وتنتقل عنها، فلها ذلك؛ لأنَّه ليس عليها أن تؤجر دارها ولا تعيرها، وعليهم إسكانها» اهـ. قُلْتُ: ولها أن تخرج لحوائجها في النهار، وأمَّا الليل فلا تخرج فيه لغير ضرورة. قَالَ الْعَلَّامَةُ ابْنُ قُدَامَةَ ﵀ فِي [الْمُغْنِي] (١٨/ ٥٤): «ليس لها المبيت في غير بيتها، ولا الخروج ليلاً، إلَّا لضرورة؛ لأنَّ الليل مظنة الفساد، بخلاف النهار، فإنَّه مظنة قضاء الحوائج والمعاش، وشراء ما يحتاج إليه» اهـ. وهل لها أن تخرج في النهار وبعض الليل إلى بعض جاراتها من أجل الأنس وإزالة الوحشة. جاء في ذلك ما رواه عبد الرزاق في [مُصَنَّفِهِ] (١٢٠٧٧) عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ كَثِيرٍ قَالَ: قَالَ مُجَاهِدٌ: اسْتُشْهِدَ رِجَالٌ يَوْمَ أُحُدٍ عَنْ نِسَائِهِمْ، وَكُنَّ مُتَجَاوِرَاتٍ فِي دَارِهِ، فَجِئْنَ النَّبِيَّ ﷺ فَقُلْنَ: إِنَّا نَسْتَوْحِشُ يَا رَسُولَ اللَّهِ بِاللَّيْلِ، فَنَبِيتُ عِنْدَ إِحْدَانَا، حَتَّى إِذَا أَصْبَحْنَا تَبَدَّدْنَا إِلَى بُيُوتِنَا؟ فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ : «تَحَدَّثْنَ عِنْدَ إِحْدَاكُنَ مَا بَدَا لَكِنَّ، حَتَّى إِذَا أَرَدْتُنَ النَّوْمَ فَلْتَأْتِ كُلُّ امْرَأَةٍ إِلَى بَيْتِهَا». قُلْتُ: هَذَا حَدِيْثٌ مُرْسَلٌ.

стр. 6231

وروى البيهقي في [الْكُبْرَى] (١٥٩١٦) وَأَخْبَرَنَا أَبُو بَكْرٍ الْأَرْدَسْتَانِيُّ، أنا أَبُو نَصْرٍ الْعِرَاقِيُّ، نا سُفْيَانُ بْنُ مُحَمَّدٍ الْجَوْهَرِيُّ، ثنا عَلِيُّ بْنُ الْحَسَنِ، ثنا عَبْدُ اللهِ بْنُ الْوَلِيدِ، ثنا سُفْيَانُ، حَدَّثَنِي ابْنُ جُرَيْجٍ، وَابْنُ أَبِي ذِئْبٍ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، عَنْ سَالِمٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ قَالَ: «الْمُطَلَّقَةُ وَالْمُتَوَفَّى عَنْهَا زَوْجُهَا تَخْرُجَانِ بِالنَّهَارِ وَلَا تَبِيتَانِ لَيْلَةً تَامَّةً غَيْرَ بُيُوتِهِمَا». قُلْتُ: هَذَا أَثَرٌ ضَعِيْفٌ. أبو بكر الأردستاني هو محمد بن إبراهيم بن أحمد ثقة، أبو نصر العراقي لم أعرفه، وسفيان بن محمد الجوهري لم أقف له على ترجمة، وعلى بن الحسن هو ابن موسى الهلالي ثقة، وعبد الله بن الوليد هو ابن ميمون العدني حسن الحديث. قُلْتُ: وبهذا يتبين أنَّ خروج المحتدة ليلاً من أجل الأنس لم يثبت في السنة ولا الآثار. وأمَّا خروجها من أجل ذلك نهاراً فقد جاءت بذلك الآثار. فروى عبد الرزاق في [مُصَنَّفِهِ] (١٢٠٦٨)، ومن طريقه الطبراني في [الْكَبِيْرِ] (٩٥٤٢)، ورواه ابن أبي شيبة في [مُصَنَّفِهِ] (١٩١٨٩) كلهم مِنْ طَرِيْقِ مَنْصُورٍ، عَنْ إِبْرَاهِيمَ، عَنْ عَلْقَمَةَ قَالَ: سَأَلَ ابْنَ مَسْعُودٍ نِسَاءٌ مِنْ هَمْدَانَ نُعِيَ إِلَيْهِنَّ

стр. 6232

أَزْوَاجَهُنَّ، فَقُلْنَ: إِنَّا نَسْتَوْحِشُ. فَقَالَ عَبْدُ اللَّهِ: «تَجْتَمِعْنَ بِالنَّهَارِ، ثُمَّ تَرْجِعُ كُلُّ امْرَأَةٍ مِنْكُنَّ إِلَى بَيْتِهَا بِاللَّيْلِ». قُلْتُ: إِسْنَادُهُ صَحِيْحٌ. ورواه ابن أبي شيبة في [مُصَنَّفِهِ] (١٩١٩٠) حَدَّثَنَا أَبُو الْأَحْوَصِ، عَنْ مَنْصُورٍ، عَنْ إِبْرَاهِيمَ قَالَ: تُوُفِّيَ عَنْ نِسْوَةٍ مِنْ هَمْدَانَ أَزْوَاجُهُنَّ، فَأَرَدْنَ أَنْ يَجْتَمِعْنَ فِي بَيْتِ امْرَأَةٍ مِنْهُمْ يَعْتَدِدْنَ، فَأَرْسَلْنَ إِلَى ابْنِ مَسْعُودٍ يَسْأَلْنَهُ، قَالَ: «تَعْتَدُّ كُلُّ امْرَأَةٍ فِي بَيْتِهَا». قُلْتُ: إبراهيم إنَّما سمعه من علقمة كما في الرواية السابقة، ورواية أبي الأحوص هذه خلاف رواية الثوري وابن عيينة عن منصور، وروايتهما أصح من حيث اللفظ والإسناد. وروى عبد الرزاق في [مُصَنَّفِهِ] (١٢٠٦٤) عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ، عَنْ نَافِعٍ، وَمَعْمَرٍ، عَنْ أَيُّوبَ، عَنْ نَافِعٍ قَالَ: «كَانَتْ بِنْتُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ تَعْتَدُّ مِنْ وَفَاةِ زَوْجِهَا، فكَانَتْ تَأتِيهِمْ بِالنَّارِ فَتُحَدِّثُ عِنْدَهُمْ، فَإِذَا كَانَ اللَّيْلُ أَمَرَهَا أَنْ تَرْجِعَ إِلَى بَيْتِهَا».

стр. 6233

قُلْتُ: الْإِسْنَادُ الْأَوَّلُ ضَعِيْفٌ من أجل عبد الله بن عمر العمري، والآخر صَحِيْحٌ. وهل لها أن تبيت في غير بيت زوجها من أجل زيارة أبيها في مرض الموت. جاء في ذلك ما رواه عبد الرزاق في [مُصَنَّفِهِ] (١٢٠٦٥) عَنْ مَعْمَرٍ، عَنْ أَيُّوبَ، أَنَّ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ، «لَمْ يَأْذَنْ لِلْمُتَوَفَّى عَنْهَا زَوْجُهَا أَنْ تَبِيتَ عِنْدَ أَبِيهَا إِلَّا لَيْلَةً وَاحِدَةً وَهُوَ فِي الْمَوْتِ». قُلْتُ: إِسْنَادُهُ مُنْقَطِعٌ بين أيوب وعمر. وروى عبد الرزاق في [مُصَنَّفِهِ] (١٢٠٦٦) عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ قَالَ: سَمِعْتُ يَحْيَى بْنَ سَعِيدٍ، يُحَدِّثُ، أَنَّ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ، «أَرْخَصَ لِلْمُتَوَفَّى عَنْهَا أَنْ تَبِيتَ عِنْدَ أَبِيهَا وَهُوَ وَجِعٌ، لَيْلَةً وَاحِدَةً». قُلْتُ: إِسْنَادُهُ مُنْقَطِعٌ بين يحيى بن سعيد وعمر، ويتقوى الأثر من هذين الوجهين. وهل لها أن تفعل ذلك في النهار.

стр. 6234

جاء في ذلك ما رواه عبد الرزاق في [مُصَنَّفِهِ] (١٢٠٧٠) عَنِ الثَّوْرِيِّ، عَنْ مَنْصُورٍ، عَنْ إِبْرَاهِيمَ، عَنْ رَجُلٍ مِنْ أَسْلَمَ، عَنْ أُمِّ سَلَمَةَ، أَنَّ امْرَأَةً سَأَلَتْهَا تُوُفِّيَ عَنْهَا زَوْجُهَا، فَقَالَتْ: إَنَّ أَبِي وَجِعٌ قَالَتْ: «كُونِي أَحَدَ طَرَفَيِ النَّهَارِ فِي بَيْتِكِ». قُلْتُ: فِي إِسْنَادِهِ رَجُلٌ مُبْهَمٌ. ورواه ابن أبي شيبة في [مُصَنَّفِهِ] (١٩١٩٤) حَدَّثَنَا جَرِيرٌ، عَنْ مَنْصُورٍ، عَنْ إِبْرَاهِيمَ قَالَ: كَانَتِ امْرَأَةٌ تَعْتَدُّ مِنْ زَوْجِهَا تُوُفِّيَ عَنْهَا، فَاشْتَكَى أَبُوهَا، فَأَرْسَلَتْ إِلَى أُمِّ سَلَمَةَ تَسْأَلُهَا: تَأْتِي أَبَاهَا تُمَرِّضُهُ؟ فَقَالَتْ: «إِذَا كُنْتُ أَحَدَ طَرَفَيِ النَّهَارِ فِي بَيْتِكِ». قُلْتُ: إِسْنَادُهُ مُنْقَطِعٌ، وقد أسقط جرير الرجل المبهم والصحيح إثباته كما في رواية الثوري. وهل للمعتدة أن تسافر للحج في أثناء عدتها؟ فالجواب: لا يشرع ذلك لأنَّ عدة تفوت والحج لا يفوت. وقد روى مالك في [الْمُوَطَّأِ] (٨٨) عَنْ حُمَيْدِ بْنِ قَيْسٍ الْمَكِّيِّ، عَنْ عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيِّبِ: «أَنَّ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ كَانَ يَرُدُّ الْمُتَوَفَّى عَنْهُنَّ أَزْوَاجُهُنَّ مِنَ الْبَيْدَاءِ، يَمْنَعُهُنَّ الْحَجَّ».

стр. 6235

وروى سعيد بن منصور في [سُنَنِهِ] (١٣٤٣) قَالَ: نا جَرِيرُ بْنُ عَبْدِ الْحَمِيدِ، عَنْ مَنْصُورٍ، عَنْ مُجَاهِدٍ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيِّبِ، قَالَ: «تُوُفِّيَ أَزْوَاجُ نِسْوَةٍ وَهُنَّ حَاجَّاتٌ أَوْ، فَرَدَّهُنَّ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ مِنْ ذِي الْحُلَيْفَةِ يَعْتَدُّونَ فِي بُيُوتِهِنَّ». قُلْتُ: مُرْسَلاتُ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيِّبِ جِيَادٌ. ويقويه ما رواه سعيد بن منصور في [سُنَنِهِ] (١٣٤٤) قَالَ: نا هُشَيْمٌ، قَالَ: أنا عَبْدُ الْمَلِكِ، عَنْ عَطَاءٍ، «أَنَّ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ، ﵁ رَدَّ نِسْوَةً خَرَجْنَ حُجَّاجًا فِي عِدَّتِهِنَّ، فَرَدَّهُنَّ مِنْ ذِي الْحُلَيْفَةِ إِلَى بُيُوتِهِنَّ». قُلْتُ: هَذَا مِنْ مُرْسَلاتُ عَطَاء، وعبد الملك هو ابن أبي سليمان ميسرة العرزمي. وروى ابن أبي شيبة في [مُصَنَّفِهِ] (١٨٨٥٣) قَالَ: نا أَبُو خَالِدٍ الْأَحْمَرُ، عَنْ أَشْعَثَ، عَنْ أَبِي الزُّبَيْرِ، عَنْ جَابِرٍ قَالَ: «رَدَّ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ نِسْوَةً مِنْ ذِي الْحُلَيْفَةِ حَاجَّاتٍ قُتِلَ أَزْوَاجُهُنَّ فِي بَعْضِ تِلْكَ الْمِيَاهِ». قُلْتُ: إِسْنَادُهُ ضَعِيْفٌ، لضعف أشعث بن سوار، وفيه عنعنة ابن الزبير، وهذه الطرق يقوي بعضها بعضاً. وروى ابن أبي شيبة في [مُصَنَّفِهِ] (١٨٨٥٠) قَالَ: نا وَكِيعٌ، عَنْ سُفْيَانَ، عَنْ حَمَّادٍ، عَنْ إِبْرَاهِيمَ، «أَنَّ ابْنَ مَسْعُودٍ رَدَّ نِسْوَةً حَاجَّاتٍ وَمُعْتَمِرَاتٍ خَرَجْنَ فِي عِدَّتِهِنَّ».
следующие страницы →