← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 30178

تحفة السائل في بيان ما في عمدة الأحكام من المسائل

أبو بكر الحمادي

Полный текст (8 095 стр.). Показаны 6231–6270 · переход к 6236.

стр. 6231

وروى البيهقي في [الْكُبْرَى] (١٥٩١٦) وَأَخْبَرَنَا أَبُو بَكْرٍ الْأَرْدَسْتَانِيُّ، أنا أَبُو نَصْرٍ الْعِرَاقِيُّ، نا سُفْيَانُ بْنُ مُحَمَّدٍ الْجَوْهَرِيُّ، ثنا عَلِيُّ بْنُ الْحَسَنِ، ثنا عَبْدُ اللهِ بْنُ الْوَلِيدِ، ثنا سُفْيَانُ، حَدَّثَنِي ابْنُ جُرَيْجٍ، وَابْنُ أَبِي ذِئْبٍ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، عَنْ سَالِمٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ قَالَ: «الْمُطَلَّقَةُ وَالْمُتَوَفَّى عَنْهَا زَوْجُهَا تَخْرُجَانِ بِالنَّهَارِ وَلَا تَبِيتَانِ لَيْلَةً تَامَّةً غَيْرَ بُيُوتِهِمَا». قُلْتُ: هَذَا أَثَرٌ ضَعِيْفٌ. أبو بكر الأردستاني هو محمد بن إبراهيم بن أحمد ثقة، أبو نصر العراقي لم أعرفه، وسفيان بن محمد الجوهري لم أقف له على ترجمة، وعلى بن الحسن هو ابن موسى الهلالي ثقة، وعبد الله بن الوليد هو ابن ميمون العدني حسن الحديث. قُلْتُ: وبهذا يتبين أنَّ خروج المحتدة ليلاً من أجل الأنس لم يثبت في السنة ولا الآثار. وأمَّا خروجها من أجل ذلك نهاراً فقد جاءت بذلك الآثار. فروى عبد الرزاق في [مُصَنَّفِهِ] (١٢٠٦٨)، ومن طريقه الطبراني في [الْكَبِيْرِ] (٩٥٤٢)، ورواه ابن أبي شيبة في [مُصَنَّفِهِ] (١٩١٨٩) كلهم مِنْ طَرِيْقِ مَنْصُورٍ، عَنْ إِبْرَاهِيمَ، عَنْ عَلْقَمَةَ قَالَ: سَأَلَ ابْنَ مَسْعُودٍ نِسَاءٌ مِنْ هَمْدَانَ نُعِيَ إِلَيْهِنَّ

стр. 6232

أَزْوَاجَهُنَّ، فَقُلْنَ: إِنَّا نَسْتَوْحِشُ. فَقَالَ عَبْدُ اللَّهِ: «تَجْتَمِعْنَ بِالنَّهَارِ، ثُمَّ تَرْجِعُ كُلُّ امْرَأَةٍ مِنْكُنَّ إِلَى بَيْتِهَا بِاللَّيْلِ». قُلْتُ: إِسْنَادُهُ صَحِيْحٌ. ورواه ابن أبي شيبة في [مُصَنَّفِهِ] (١٩١٩٠) حَدَّثَنَا أَبُو الْأَحْوَصِ، عَنْ مَنْصُورٍ، عَنْ إِبْرَاهِيمَ قَالَ: تُوُفِّيَ عَنْ نِسْوَةٍ مِنْ هَمْدَانَ أَزْوَاجُهُنَّ، فَأَرَدْنَ أَنْ يَجْتَمِعْنَ فِي بَيْتِ امْرَأَةٍ مِنْهُمْ يَعْتَدِدْنَ، فَأَرْسَلْنَ إِلَى ابْنِ مَسْعُودٍ يَسْأَلْنَهُ، قَالَ: «تَعْتَدُّ كُلُّ امْرَأَةٍ فِي بَيْتِهَا». قُلْتُ: إبراهيم إنَّما سمعه من علقمة كما في الرواية السابقة، ورواية أبي الأحوص هذه خلاف رواية الثوري وابن عيينة عن منصور، وروايتهما أصح من حيث اللفظ والإسناد. وروى عبد الرزاق في [مُصَنَّفِهِ] (١٢٠٦٤) عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ، عَنْ نَافِعٍ، وَمَعْمَرٍ، عَنْ أَيُّوبَ، عَنْ نَافِعٍ قَالَ: «كَانَتْ بِنْتُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ تَعْتَدُّ مِنْ وَفَاةِ زَوْجِهَا، فكَانَتْ تَأتِيهِمْ بِالنَّارِ فَتُحَدِّثُ عِنْدَهُمْ، فَإِذَا كَانَ اللَّيْلُ أَمَرَهَا أَنْ تَرْجِعَ إِلَى بَيْتِهَا».

стр. 6233

قُلْتُ: الْإِسْنَادُ الْأَوَّلُ ضَعِيْفٌ من أجل عبد الله بن عمر العمري، والآخر صَحِيْحٌ. وهل لها أن تبيت في غير بيت زوجها من أجل زيارة أبيها في مرض الموت. جاء في ذلك ما رواه عبد الرزاق في [مُصَنَّفِهِ] (١٢٠٦٥) عَنْ مَعْمَرٍ، عَنْ أَيُّوبَ، أَنَّ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ، «لَمْ يَأْذَنْ لِلْمُتَوَفَّى عَنْهَا زَوْجُهَا أَنْ تَبِيتَ عِنْدَ أَبِيهَا إِلَّا لَيْلَةً وَاحِدَةً وَهُوَ فِي الْمَوْتِ». قُلْتُ: إِسْنَادُهُ مُنْقَطِعٌ بين أيوب وعمر. وروى عبد الرزاق في [مُصَنَّفِهِ] (١٢٠٦٦) عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ قَالَ: سَمِعْتُ يَحْيَى بْنَ سَعِيدٍ، يُحَدِّثُ، أَنَّ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ، «أَرْخَصَ لِلْمُتَوَفَّى عَنْهَا أَنْ تَبِيتَ عِنْدَ أَبِيهَا وَهُوَ وَجِعٌ، لَيْلَةً وَاحِدَةً». قُلْتُ: إِسْنَادُهُ مُنْقَطِعٌ بين يحيى بن سعيد وعمر، ويتقوى الأثر من هذين الوجهين. وهل لها أن تفعل ذلك في النهار.

стр. 6234

جاء في ذلك ما رواه عبد الرزاق في [مُصَنَّفِهِ] (١٢٠٧٠) عَنِ الثَّوْرِيِّ، عَنْ مَنْصُورٍ، عَنْ إِبْرَاهِيمَ، عَنْ رَجُلٍ مِنْ أَسْلَمَ، عَنْ أُمِّ سَلَمَةَ، أَنَّ امْرَأَةً سَأَلَتْهَا تُوُفِّيَ عَنْهَا زَوْجُهَا، فَقَالَتْ: إَنَّ أَبِي وَجِعٌ قَالَتْ: «كُونِي أَحَدَ طَرَفَيِ النَّهَارِ فِي بَيْتِكِ». قُلْتُ: فِي إِسْنَادِهِ رَجُلٌ مُبْهَمٌ. ورواه ابن أبي شيبة في [مُصَنَّفِهِ] (١٩١٩٤) حَدَّثَنَا جَرِيرٌ، عَنْ مَنْصُورٍ، عَنْ إِبْرَاهِيمَ قَالَ: كَانَتِ امْرَأَةٌ تَعْتَدُّ مِنْ زَوْجِهَا تُوُفِّيَ عَنْهَا، فَاشْتَكَى أَبُوهَا، فَأَرْسَلَتْ إِلَى أُمِّ سَلَمَةَ تَسْأَلُهَا: تَأْتِي أَبَاهَا تُمَرِّضُهُ؟ فَقَالَتْ: «إِذَا كُنْتُ أَحَدَ طَرَفَيِ النَّهَارِ فِي بَيْتِكِ». قُلْتُ: إِسْنَادُهُ مُنْقَطِعٌ، وقد أسقط جرير الرجل المبهم والصحيح إثباته كما في رواية الثوري. وهل للمعتدة أن تسافر للحج في أثناء عدتها؟ فالجواب: لا يشرع ذلك لأنَّ عدة تفوت والحج لا يفوت. وقد روى مالك في [الْمُوَطَّأِ] (٨٨) عَنْ حُمَيْدِ بْنِ قَيْسٍ الْمَكِّيِّ، عَنْ عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيِّبِ: «أَنَّ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ كَانَ يَرُدُّ الْمُتَوَفَّى عَنْهُنَّ أَزْوَاجُهُنَّ مِنَ الْبَيْدَاءِ، يَمْنَعُهُنَّ الْحَجَّ».

стр. 6235

وروى سعيد بن منصور في [سُنَنِهِ] (١٣٤٣) قَالَ: نا جَرِيرُ بْنُ عَبْدِ الْحَمِيدِ، عَنْ مَنْصُورٍ، عَنْ مُجَاهِدٍ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيِّبِ، قَالَ: «تُوُفِّيَ أَزْوَاجُ نِسْوَةٍ وَهُنَّ حَاجَّاتٌ أَوْ، فَرَدَّهُنَّ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ مِنْ ذِي الْحُلَيْفَةِ يَعْتَدُّونَ فِي بُيُوتِهِنَّ». قُلْتُ: مُرْسَلاتُ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيِّبِ جِيَادٌ. ويقويه ما رواه سعيد بن منصور في [سُنَنِهِ] (١٣٤٤) قَالَ: نا هُشَيْمٌ، قَالَ: أنا عَبْدُ الْمَلِكِ، عَنْ عَطَاءٍ، «أَنَّ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ، ﵁ رَدَّ نِسْوَةً خَرَجْنَ حُجَّاجًا فِي عِدَّتِهِنَّ، فَرَدَّهُنَّ مِنْ ذِي الْحُلَيْفَةِ إِلَى بُيُوتِهِنَّ». قُلْتُ: هَذَا مِنْ مُرْسَلاتُ عَطَاء، وعبد الملك هو ابن أبي سليمان ميسرة العرزمي. وروى ابن أبي شيبة في [مُصَنَّفِهِ] (١٨٨٥٣) قَالَ: نا أَبُو خَالِدٍ الْأَحْمَرُ، عَنْ أَشْعَثَ، عَنْ أَبِي الزُّبَيْرِ، عَنْ جَابِرٍ قَالَ: «رَدَّ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ نِسْوَةً مِنْ ذِي الْحُلَيْفَةِ حَاجَّاتٍ قُتِلَ أَزْوَاجُهُنَّ فِي بَعْضِ تِلْكَ الْمِيَاهِ». قُلْتُ: إِسْنَادُهُ ضَعِيْفٌ، لضعف أشعث بن سوار، وفيه عنعنة ابن الزبير، وهذه الطرق يقوي بعضها بعضاً. وروى ابن أبي شيبة في [مُصَنَّفِهِ] (١٨٨٥٠) قَالَ: نا وَكِيعٌ، عَنْ سُفْيَانَ، عَنْ حَمَّادٍ، عَنْ إِبْرَاهِيمَ، «أَنَّ ابْنَ مَسْعُودٍ رَدَّ نِسْوَةً حَاجَّاتٍ وَمُعْتَمِرَاتٍ خَرَجْنَ فِي عِدَّتِهِنَّ».

стр. 6236

قُلْتُ: إِسْنَادُهُ حَسَنٌ، سفيان هو الثوري، وحماد هو ابن أبي سليمان، وإبراهيم هو النخعي، ومرسله عن ابن مسعود حسن. قَالَ الْعَلَّامَةُ ابْنُ قُدَامَةَ ﵀ فِي [الْمُغْنِي] (٨/ ١٦٧ - ١٦٨): «مَسْأَلَةٌ: قَالَ: "وَإِذَا خَرَجَتْ إلَى الْحَجِّ فَتُوُفِّيَ عَنْهَا زَوْجُهَا، وَهِيَ بِالْقُرْبِ، رَجَعَتْ لِتَقْضِيَ الْعِدَّةَ، فَإِنْ كَانَتْ قَدْ تَبَاعَدَتْ، مَضَتْ فِي سَفَرِهَا، فَإِنْ رَجَعَتْ وَقَدْ بَقِيَ مِنْ عِدَّتِهَا شَيْءٌ، أَتَتْ بِهِ فِي مَنْزِلِهَا". وَجُمْلَتُهُ أَنَّ الْمُعْتَدَّةَ مِنْ الْوَفَاةِ لَيْسَ لَهَا أَنْ تَخْرُجَ إلَى الْحَجِّ، وَلَا إلَى غَيْرِهِ. رُوِيَ ذَلِكَ عَنْ عُمَرَ، وَعُثْمَانَ، ﵄. وَبِهِ قَالَ سَعِيدُ بْنُ الْمُسَيِّبِ، وَالْقَاسِمُ، وَمَالِكٌ، وَالشَّافِعِيُّ، وَأَبُو عُبَيْدٍ وَأَصْحَابُ الرَّأْيِ، وَالثَّوْرِيُّ. وَإِنْ خَرَجَتْ، فَمَاتَ زَوْجُهَا فِي الطَّرِيقِ، رَجَعَتْ إنْ كَانَتْ قَرِيبَةً؛ لِأَنَّهَا فِي حُكْمِ الْإِقَامَةِ، وَإِنْ تَبَاعَدَتْ، مَضَتْ فِي سَفَرِهَا. وَقَالَ مَالِكٌ: تُرَدُّ مَا لَمْ تُحْرِمْ. وَالصَّحِيحُ أَنَّ الْبَعِيدَةَ لَا تُرَدُّ؛ لِأَنَّهُ يَضُرُّ بِهَا، وَعَلَيْهَا مَشَقَّةٌ، وَلَا بُدَّ لَهَا مِنْ سَفَرٍ وَإِنْ رَجَعَتْ. قَالَ الْقَاضِي: يَنْبَغِي أَنْ يُحَدَّ الْقَرِيبُ بِمَا لَا تُقْصَرُ فِيهِ الصَّلَاةُ، وَالْبَعِيدُ مَا تُقْصَرُ فِيهِ؛ لِأَنَّ مَا لَا تُقْصَرُ الصَّلَاةُ فِيهِ أَحْكَامُهُ أَحْكَامُ الْحَضَرِ. وَهَذَا قَوْلُ أَبِي حَنِيفَةَ، إلَّا أَنَّهُ

стр. 6237

لَا يَرَى الْقَصْرَ إلَّا فِي مَسِيرَةِ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ. فَقَالَ: مَتَى كَانَ بَيْنَهَا وَبَيْنَ مَسْكَنِهَا دُونِ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ، فَعَلَيْهَا الرُّجُوعُ إلَيْهِ، وَإِنْ كَانَ فَوْقَ ذَلِكَ لَزِمَهَا الْمُضِيُّ إلَى مَقْصِدِهَا، وَالِاعْتِدَادُ فِيهِ إذَا كَانَ بَيْنَهَا وَبَيْنَهُ دُونَ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ، وَإِنْ كَانَ بَيْنَهُ وَبَيْنَهَا ثَلَاثَةُ أَيَّامٍ، وَفِي مَوْضِعِهَا الَّذِي هِيَ بِهِ مَوْضِعٌ يُمْكِنُهَا الْإِقَامَةُ فِيهِ، لَزِمَهَا الْإِقَامَةُ، وَإِنْ لَمْ يُمْكِنْهَا الْإِقَامَةُ، مَضَتْ إلَى مَقْصِدِهَا. وَقَالَ الشَّافِعِيُّ: إنْ فَارَقَتْ الْبُنْيَانَ، فَلَهَا الْخِيَارُ بَيْنَ الرُّجُوعِ وَالتَّمَامِ؛ لِأَنَّهَا صَارَتْ فِي مَوْضِعٍ أَذِنَ لَهَا زَوْجُهَا فِيهِ، وَهُوَ السَّفَرُ، فَأَشْبَهَ مَا لَوْ كَانَتْ قَدْ بَعُدَتْ. وَلَنَا، عَلَى وُجُوبِ الرُّجُوعِ إذَا كَانَتْ قَرِيبَةً، مَا رَوَى سَعِيدٌ، ثنا جَرِيرٌ، عَنْ مَنْصُورٍ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيِّبِ قَالَ: تُوُفِّيَ أَزْوَاجٌ، نِسَاؤُهُنَّ حَاجَّاتٌ أَوْ مُعْتَمِرَاتٌ، فَرَدَّهُنَّ عُمَرُ مِنْ ذِي الْحُلَيْفَةِ، حَتَّى يَعْتَدِدْنَ فِي بُيُوتِهِنَّ. وَلِأَنَّهُ أَمْكَنَهَا الِاعْتِدَادُ فِي مَنْزِلهَا قَبْلَ أَنْ يَبْعُدَ سَفَرُهَا، فَلَزِمَهَا، كَمَا لَوْ لَمْ تُفَارِقْ الْبُنْيَانَ. وَعَلَى أَنَّ الْبَعِيدَةَ لَا يَلْزَمُهَا الرُّجُوعُ؛ لِأَنَّ عَلَيْهَا مَشَقَّةً وَتَحْتَاجُ إلَى سَفَرٍ فِي رُجُوعِهَا، فَأَشْبَهَتْ مَنْ بَلَغَتْ مَقْصِدَهَا. وَإِنْ اخْتَارَتْ الْبَعِيدَةُ الرُّجُوعَ، فَلَهَا ذَلِكَ إذَا كَانَتْ تَصِلُ إلَى مَنْزِلهَا قَبْلَ انْقِضَاءِ عِدَّتِهَا، وَمَتَى كَانَ عَلَيْهَا فِي الرُّجُوعِ خَوْفٌ أَوْ ضَرَرٌ، فَلَهَا الْمُضِيُّ فِي سَفَرِهَا، كَمَا لَوْ بَعُدَتْ، وَمَتَى رَجَعَتْ، وَقَدْ بَقِيَ عَلَيْهَا شَيْءٌ، مِنْ عِدَّتِهَا، لَزِمَهَا أَنْ تَأْتِيَ بِهِ فِي مَنْزِلِ

стр. 6238

زَوْجِهَا، بِلَا خِلَافٍ نَعْلَمُهُ بَيْنَهُمْ فِي ذَلِكَ؛ لِأَنَّهُ أَمْكَنَهَا الِاعْتِدَادُ فِيهِ، فَلَزِمَهَا كَمَا لَوْ لَمْ تُسَافِرْ مِنْهُ. فَصْلٌ: وَلَوْ كَانَتْ عَلَيْهَا حِجَّةُ الْإِسْلَامِ، فَمَاتَ زَوْجُهَا، لَزِمَتْهَا الْعِدَّةُ فِي مَنْزِلِهَا وَإِنْ فَاتَهَا الْحَجُّ؛ لِأَنَّ الْعِدَّةَ فِي الْمَنْزِلِ تَفُوتُ، وَلَا بَدَلَ لَهَا، وَالْحَجُّ يُمْكِنُ الْإِتْيَانُ بِهِ فِي غَيْرِ هَذَا الْعَامِ. وَإِنْ مَاتَ زَوْجُهَا بَعْدَ إحْرَامِهَا بِحَجِّ الْفَرْضِ، أَوْ بِحَجِّ أَذِنَ لَهَا زَوْجُهَا فِيهِ، نَظَرْت؛ فَإِنْ كَانَ وَقْتُ الْحَجِّ مُتَّسِعًا، لَا تَخَافُ فَوْتَهُ، وَلَا فَوْتَ الرُّفْقَةِ، لَزِمَهَا الِاعْتِدَادُ فِي مَنْزِلِهَا؛ لِأَنَّهُ أَمْكَنَ الْجَمْعُ بَيْنَ الْحَقَّيْنِ، فَلَمْ يَجُزْ إسْقَاطُ أَحَدِهِمَا، وَإِنْ خَشِيَتْ فَوَاتَ الْحَجِّ، لَزِمَهَا الْمُضِيُّ فِيهِ. وَبِهَذَا قَالَ الشَّافِعِيُّ. وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ: يَلْزَمُهَا الْمُقَامُ وَإِنْ فَاتَهَا الْحَجُّ؛ لِأَنَّهَا مُعْتَدَّةٌ، فَلَمْ يَجُزْ لَهَا أَنْ تُنْشِئَ سَفَرًا، كَمَا لَوْ أَحْرَمَتْ بَعْدَ وُجُوبِ الْعِدَّةِ عَلَيْهَا. وَلَنَا، أَنَّهُمَا عِبَادَتَانِ اسْتَوَيَا فِي الْوُجُوبِ، وَضِيقِ الْوَقْتِ، فَوَجَبَ تَقْدِيمُ الْأَسْبَقِ مِنْهُمَا، كَمَا لَوْ كَانَتْ الْعِدَّةُ أَسْبَقَ؛ وَلِأَنَّ الْحَجَّ آكَدُ؛ لِأَنَّهُ أَحَدُ أَرْكَانِ الْإِسْلَامِ، وَالْمَشَقَّةُ بِتَفْوِيتِهِ تَعْظُمُ، فَوَجَبَ تَقْدِيمُهُ كَمَا لَوْ مَاتَ زَوْجُهَا بَعْدَ أَنْ بَعُدَ سَفَرُهَا إلَيْهِ.

стр. 6239

وَإِنْ أَحْرَمَتْ بِالْحَجِّ بَعْدَ مَوْتِ زَوْجِهَا، وَخَشِيَتْ فَوَاتَهُ، احْتَمَلَ أَنْ يَجُوزَ لَهَا الْمُضِيُّ إلَيْهِ؛ لِمَا فِي بَقَائِهَا فِي الْإِحْرَامِ مِنْ الْمَشَقَّةِ، وَاحْتُمِلَ أَنْ يَلْزَمَهَا الِاعْتِدَادُ فِي مَنْزِلِهَا؛ لِأَنَّ الْعِدَّةَ أَسْبَقُ؛ وَلِأَنَّهَا فَرَّطَتْ وَغَلِطَتْ عَلَى نَفْسِهَا، فَإِذَا قَضَتْ الْعِدَّةَ، وَأَمْكَنَهَا السَّفَرُ إلَى الْحَجِّ، لَزِمَهَا ذَلِكَ، فَإِنْ أَدْرَكَتْهُ، وَإِلَّا تَحَلَّلَتْ بِعَمَلِ عُمْرَةٍ، وَحُكْمُهَا فِي الْقَضَاءِ حُكْمُ مَنْ فَاتَهُ الْحَجُّ، وَإِنْ لَمْ يُمْكِنْهَا السَّفَرُ، فَحُكْمُهَا حُكْمُ الْمُحْصَرِ، كَاَلَّتِي يَمْنَعُهَا زَوْجُهَا مِنْ السَّفَرِ. وَحُكْمُ الْإِحْرَامِ بِالْعُمْرَةِ كَذَلِكَ، إذَا خِيفَ فَوَاتُ الرُّفْقَةِ أَوْ لَمْ يُخَفْ» اهـ. قُلْتُ: وقد رخص بعض السلف في الحج للمعتدة. وروى ابن أبي شيبة في [مُصَنَّفِهِ] (١٨٨٥٥) قَالَ: نا وَكِيعٌ، عَنْ أُسَامَةَ، عَنِ الْقَاسِمِ، وَعَنْ جَرِيرِ بْنِ حَازِمٍ، عَنْ عَطَاءٍ، «أَنَّ عَائِشَةَ أَحَجَّتْ أُمَّ كُلْثُومٍ فِي عِدَّتِهَا». قُلْتُ: إِسْنَادُهُ صَحِيْحٌ. وروى ابن أبي شيبة في [مُصَنَّفِهِ] (١٨٨٥٧) قَالَ: نا الثَّقَفِيُّ، عَنْ حَبِيبٍ الْمُعَلِّمِ، قَالَ: سَأَلْتُ عَطَاءً، عَنْ الْمُطَلَّقَةِ ثَلَاثًا، وَالْمُتَوَفَّى عَنْهَا: تَحُجَّانِ عَنْهُمَا فِي عِدَّتِهِمَا؟ قَالَ: «نَعَمْ»، وَقَالَ حَبِيبٌ: وَكَانَ الْحَسَنُ يَقُولُ مِثْلَ ذَلِكَ. قُلْتُ: إِسْنَادُهُ حَسَنٌ. والثقفي هو عبد الوهاب بن عبد المجيد. * * *

стр. 6240

٣١٦ - عَنْ أُمِّ سَلَمَةَ ﵂ قَالَتْ: «جَاءَتْ امْرَأَةٌ إلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَقَالَتْ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، إنَّ ابْنَتِي تُوُفِّيَ عَنْهَا زَوْجُهَا، وَقَدْ اشْتَكَتْ عَيْنَهَا أَفَنُكَحِّلُهَا؟ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "لا"- مَرَّتَيْنِ، أَوْ ثَلاثَاً - ثُمَّ قَالَ: "إنَّمَا هِيَ أَرْبَعَةُ أَشْهُرٍ وَعَشْرٌ. وَقَدْ كَانَتْ إحْدَاكُنَّ فِي الْجَاهِلِيَّةِ تَرْمِي بِالْبَعْرَةِ عَلَى رَأْسِ الْحَوْلِ"». فَقَالَتْ زَيْنَبُ: «كَانَتْ الْمَرْأَةُ إذَا تُوُفِّيَ عَنْهَا زَوْجُهَا: دَخَلَتْ حِفْشاً، وَلَبِسَتْ شَرَّ ثِيَابِهَا، وَلَمْ تَمَسَّ طِيباً وَلا شَيْئاً حَتَّى تَمُرَّ بِهَا سَنَةٌ، ثُمَّ تُؤْتَى بِدَابَّةٍ - حِمَارٍ أَوْ طَيْرٍ أَوْ شَاةٍ - فَتَفْتَضَّ بِهِ. فَقَلَّمَا تَفْتَضُّ بِشَيْءٍ إلَّا مَاتَ. ثُمَّ تَخْرُجُ فَتُعْطَى بَعْرَةً، فَتَرْمِي بِهَا ثُمَّ تُرَاجِعُ بَعْدُ مَا شَاءَتْ مِنْ طِيبٍ أَوْ غَيْرِهِ». الْحَوْلُ: العام. الحِفْشُ: البيتُ الصغيرُ. تَفْتَضَّ: تُدْلِكُ بِهِ جَسَدَها.

стр. 6241

قَوْلُهَا: «فَتَفْتَضُّ بِهِ». قَالَ الْحِافِظُ ابْنُ حَجَرٍ ﵀ فِي [فَتْحِ الْبَارِي] (٩/ ٤٨٩): «وأصل الفض الكسر أي: تكسر ما كانت فيه وتخرج منه بما تفعله بالدابة» اهـ. إِلَى أَنْ قَالَ ﵀ (٩/ ٤٨٩ - ٤٩٠): «قال ابن قتيبة: سألت الحجازيين عن الافتضاض فذكروا أنَّ المعتدة كانت لا تمس ماء ولا تقلم ظفراً ولا تزيل شعراً ثم تخرج بعد الحول بأقبح منظر ثم تفتض أي تكسر ما هي فيه من العدة بطائر تمسح به قبلها وتنبذه فلا يكاد يعيش بعد ما تفتض به. قُلْتُ: وهذا لا يخالف تفسير مالك لكنَّه أخص منه لأنَّه أطلق الجلد وتبين أنَّ المراد به جلد القبل. وقال ابن وهب: معناه أنَّها تمسح بيدها على الدابة وعلى ظهره، وقيل: المراد تمسح به، ثم تفتض أي تغتسل، والافتضاض الاغتسال بالماء العذب لإزالة الوسخ وإرادة النقاء حتى تصير بيضاء نقية كالفضة، ومن ثم قال الأخفش: معناه تنتظف فتنتقي من الوسخ فتشبه الفضة في نقائها وبياضها، والغرض بذلك الإشارة إلى إهلاك ما هي فيه، ومن الرمي الانفصال منه بالكلية» اهـ. وَقَوْلُهُ فَي الْحَدِيِثِ: «تَرْمِي بِالْبَعْرَةِ».

стр. 6242

قَالَ الْحِافِظُ ابْنُ حَجَرٍ ﵀ فِي [فَتْحِ الْبَارِي] (٩/ ٤٩٠): «واختلف في المراد برمي البعرة، فقيل: هو إشارة إلى أنَّها رمت العدة رمى البعرة، وقيل: إشارة إلى أنَّ الفعل الذي فعلته من التربص والصبر على البلاء الذي كانت فيه لما انقضى كان عندها بمنزلة البعرة التي رمتها استحقاراً له وتعظيماً لحق زوجها، وقيل: بل ترميها على سبيل التفاؤل بعدم عودها إلى مثل ذلك» اهـ. وَفِي الْحَدِيْثِ مَسَائِلُ مِنْهَا: ١ - تحريم استعمال الكحل لمن توفى عنها زوجها، ويدخل في ذلك ما إذا اشتكت عينها. وقد سبق القول في ذلك في شرح الحديث الماضي. ٢ - وفيه أنَّ إحداد المرأة على زوجها المتوفى عنها زوجها أربعة أشهر وعشر. ويشكل على هذا ما رواه أحمد (٢٧١٢٨) حَدَّثَنَا يَزِيدُ، قَالَ: أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ طَلْحَةَ قَالَ: حَدَّثَنَا الْحَكَمُ بْنُ عُتَيْبَةَ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ شَدَّادٍ، عَنْ أَسْمَاءَ بِنْتِ عُمَيْسٍ قَالَتْ: دَخَلَ عَلَيَّ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ الْيَوْمَ الثَّالِثَ مِنْ قَتْلِ جَعْفَرٍ فَقَالَ: «لَا تَحِدِّي بَعْدَ يَوْمِكِ هَذَا». قُلْتُ: هَذَا الْحَدِيْثُ ظَاهِرُ إِسْنَادِهِ أنَّهُ حَسَنٌ.

стр. 6243

لَكِنْ قَالَ الْحَافِظُ الدَّارَقُطْنِيُّ ﵀ فِي [الْعِلَلِ] (١٥/ ٣٠٣): «يَرْوِيهِ الْحَكَمُ بْنُ عُتَيْبَةَ، وَاخْتُلِفَ عَنْهُ: فرواه محمد بن طلحة، عن الحكم، عن عبد الله بن شداد، عن أسماء، وأرسله معاذ بن معاذ، وغندر، عن شعبة. ورواه الحسن بن عمارة، عن الحكم، والحسن بن سعد، عن عبد الله بن شداد، عن أسماء. وَرَوَاهُ الْحَجَّاجُ بْنُ أَرْطَأةَ، وَاخْتُلِفَ عَنْهُ: فَرَوَاهُ أبو خالد الأحمر، عن حجاج، عن الحسن بن سعد، عن عبد الله بن شداد، عن أسماء ابنة عميس. قال ذلك عبد الصمد، عن حماد. وأرسله أسد بن عمرو البجلي، عن حجاج، عن الحسن بن سعد، عن عبد الله بن شداد، لم يتجاوز به، والمرسل أصح» اهـ. وَقَالَ الْحِافِظُ ابْنُ حَجَرٍ ﵀ فِي [فَتْحِ الْبَارِي] (٩/ ٤٨٧): «قال شيخنا في "شرح الترمذي": ظاهره أنَّه لا يجب الإحداد على المتوفى عنها بعد اليوم الثالث لأنَّ أسماء بنت عميس كانت زوج جعفر بن أبي طالب بالاتفاق وهي والدة

стр. 6244

أولاده عبد الله ومحمد وعون وغيرهم، قال: بل ظاهر النهي أنَّ الإحداد لا يجوز، وأجاب بأنَّ هذا الحديث شاذ مخالف للأحاديث الصحيحة وقد اجمعوا على خلافة، قال: ويحتمل أن يقال أنَّ جعفراً قتل شهيداً والشهداء أحياء عند ربهم، قال: وهذا ضعيف لأنَّه لم يرد في حق غير جعفر من الشهداء ممن قطع بأنَّهم شهداء كما قطع لجعفر كحمزة بن عبد المطلب عمه، وكعبد الله بن عمرو بن حرام والد جابر اهـ كلام شيخنا ملخصاً. وأجاب الطحاوي بأنَّه منسوخ وأنَّ الإحداد كان على المعتدة في بعض عدتها في وقت ثم أمرت بالإحداد أربعة أشهر وعشراً، ثم ساق أحاديث الباب وليس فيها ما يدل على ما ادعاه من النسخ لكنه يكثر من ادعاء النسخ بالاحتمال فجرى على عادته، ويحتمل وراء ذلك أجوبة أخرى: أحدها: أن يكون المراد بالإحداد المقيد بالثلاث قدراً زائداً على الإحداد المعروف فعلته أسماء مبالغة في حزنها على جعفر فنهاها عن ذلك بعد الثلاث. ثانيها: أنَّها كانت حاملاً فوضعت بعد ثلاث فانقضت العدة فنهاها بعدها عن الإحداد، ولا يمنع ذلك قوله في الرواية الأخرى ثلاثاً لأنَّه يحمل على أنَّه ﷺ اطلع على أنَّ عدتها تنقضي عند الثلاث.

стр. 6245

ثالثها: لعله كان أبانها بالطلاق قبل استشهاده فلم يكن عليها إحداد. رابعها: أنَّ البيهقي أعلَّ الحديث بالانقطاع فقال لم يثبت سماع عبد الله بن شداد من أسماء. وهذا تعليل مدفوع فقد صححه أحمد لكنه قال: إنَّه مخالف للأحاديث الصحيحة في الإحداد. قُلْتُ: وهو مصير منه إلى أنَّه يعله بالشذوذ. وذكر الأثرم أنَّ أحمد سئل عن حديث حنظلة عن سالم عن ابن عمر رفعه: "لا إحداد فوق ثلاث". فقال: هذا منكر والمعروف عن ابن عمر من رأيه اهـ. وهذا يحتمل أن يكون لغير المرأة المعتدة فلا نكارة فيه بخلاف حديث أسماء. والله أعلم» اهـ. قُلْتُ: وقد روى الحديث أحمد (٢٧٥٠٨) حَدَّثَنَا أَبُو كَامِلٍ، وَيَزِيدُ بْنُ هَارُونَ، وَعَفَّانُ، قَالُوا: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ طَلْحَةَ - قَالَ: يَزِيدُ، فِي حَدِيثِهِ حَدَّثَنَا الْحَكَمُ، وَقَالَ: عَفَّانُ فِي حَدِيثِهِ سَمِعْتُ الْحَكَمَ بْنَ عُتَيْبَةَ - عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ شَدَّادٍ، عَنِ أَسْمَاءَ بِنْتِ عُمَيْسٍ، قَالَتْ: لَمَّا أُصِيبَ جَعْفَرٌ أَتَانَا النَّبِيُّ ﷺ فَقَالَ: «تَسَلَّبِي ثَلَاثًا ثُمَّ اصْنَعِي مَا شِئْتِ» قَالَ عَبْدُ اللَّهِ: وحَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بَكَّارٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ طَلْحَةَ مِثْلَهُ.

стр. 6246

وهكذا رواه ابن الجعد في [مُسْنَدِهِ] (٢٧١٤)، وأبو نعيم في [أَخْبَارِ أَصْبَهَانَ] (٦٥٣)، والبيهقي في [الْكُبْرَى] (١٥٩٣١). قُلْتُ: وهذا اللفظ أصح من اللفظ السابق. ورواه ابن حبان (٣١٤٨) بلفظ: «تَسَلَّمِي ثَلَاثًا». وهو تصحيف للفظة. وقد روى أحمد (١٧٥٠)، وأبو داود (٤١٩٢)، والنسائي (٥٢٢٧) مِنْ طَرِيْقِ وَهْبِ بْنِ جَرِيرٍ، حَدَّثَنَا أَبِي، قَالَ: سَمِعْتُ مُحَمَّدَ بْنَ أَبِي يَعْقُوبَ، يُحَدِّثُ عَنِ الْحَسَنِ بْنِ سَعْدٍ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ جَعْفَرٍ، أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ أَمْهَلَ آلَ جَعْفَرٍ ثَلَاثًا أَنْ يَأْتِيَهُمْ، ثُمَّ أَتَاهُمْ، فَقَالَ: «لَا تَبْكُوا عَلَى أَخِي بَعْدَ الْيَوْمِ»، ثُمَّ قَالَ: «ادْعُوا لِي بَنِي أَخِي»، فَجِيءَ بِنَا كَأَنَّا أَفْرُخٌ، فَقَالَ: «ادْعُوا لِي الْحَلَّاقَ»، فَأَمَرَهُ فَحَلَقَ رُءُوسَنَا قَالَ الْحَافِظُ ابْنُ كَثِيْرٍ ﵀ فِي [الْبِدَايَةِ والنِّهَايَةِ] (٤/ ٢٨٨): «وهذا يقتضي أنَّه ﵊ أرخص لهم في البكاء ثلاثة أيام ثم نهاهم عنه بعدها. ولعله معنى الحديث الذي رواه الامام أحمد من حديث الحكم بن عبد الله بن شداد عن أسماء أنَّ رسول الله ﷺ قال لها لما أصيب جعفر "تسلبي ثلاثاً ثم اصنعي ما شئت" تفرد به أحمد فيحتمل أنَّه أذن لها في التسلب وهو المبالغة في البكاء وشق الثياب، ويكون هذا من باب التخصيص لها بهذا

стр. 6247

لشدة حزنها على جعفر أبي أولادها، وقد يحتمل أن يكون أمراً لها بالتسلب وهو المبالغة في الإحداد ثلاثة أيام، ثم تصنع بعد ذلك ما شاءت مما يفعله المعتدات على أزواجهن من الإحداد المعتاد والله أعلم. ويروى تسلي ثلاثاً - أي تصبري ثلاثاً - وهذا بخلاف الرواية الأخرى والله أعلم. فأمَّا الحديث الذي قال الامام أحمد: حدثنا يزيد، ثنا محمد بن طلحة، ثنا الحكم بن عيينة عن عبد الله بن شداد، عن أسماء بنت عميس قالت: دخل رسول الله ﷺ اليوم الثالث من قتل جعفر فقال: لا تحدي بعد يومك هذا. فإنَّه من أفراد أحمد أيضاً. وإسناده لا بأس به ولكنه مشكل إن حمل على ظاهره لأنَّه قد ثبت في الصحيحين أنَّ رسول الله ﷺ قال: "لا يحل لامرأة تؤمن بالله واليوم الآخر أن تحد على ميتها أكثر من ثلاثة أيام إلَّا على زوج أربعة أشهر وعشراً" فإن كان ما رواه الامام أحمد محفوظاً فتكون مخصوصة بذلك أو هو أمر بالمبالغة في الإحداد هذه الثلاثة أيام كما تقدم والله أعلم» اهـ. قُلْتُ: سبق أنَّ الحديث لا يثبت.

стр. 6248

٣ - واحتج به من قال بنسخ الإحداد حولاً كاملاً، ووجه الشاهد أنَّ النبي ﷺ حصر العدة في أربعة أشهر وعشر، وذكر أنَّ إحداد المتوفى عنها زوجها حولاً كاملاً من الأحكام التي كان عليها أهل الجاهلية، فظاهره أنَّ الإسلام جاء بخلافه، لكن يشكل على هذا أنَّ الاعتداد إلى الحول مذكور في القران، وقد تنازع العلماء في نسخه، وقد أجاب على ذلك الْحِافِظُ ابْنُ حَجَرٍ ﵀ فِي [فَتْحِ الْبَارِي] (٩/ ٤٨٩): «وفي التقييد بالجاهلية إشارة إلى أنَّ الحكم في الإسلام صار بخلافة وهو كذلك بالنسبة لما وصف من الصنيع، لكن التقدير بالحول استمر في الإسلام بنص قوله تعالى: ﴿وَصِيَّةً لِأَزْوَاجِهِمْ مَتَاعًا إِلَى الْحَوْلِ﴾، ثم نسخت بالآية التي قبل وهي: ﴿يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْرًا﴾» اهـ. وقد تنازع العلماء هل للمتوفى عنها زوجها أن تحد حولاً كاملاً أو لا؟ فأجاز ذلك بعض العلماء واحتج بقول الله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَاجًا وَصِيَّةً لِأَزْوَاجِهِمْ مَتَاعًا إِلَى الْحَوْلِ غَيْرَ إِخْرَاجٍ فَإِنْ خَرَجْنَ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ فِي مَا فَعَلْنَ فِي أَنْفُسِهِنَّ مِنْ مَعْرُوفٍ وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ (٢٤٠) وَلِلْمُطَلَّقَاتِ مَتَاعٌ بِالْمَعْرُوفِ حَقًّا عَلَى الْمُتَّقِينَ﴾ [البقرة: ٢٤٠، ٢٤١].

стр. 6249

ومن منع من ذلك قال: إنَّ هذه الآية منسوخة بقول الله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَاجًا يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْرًا فَإِذَا بَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ فِيمَا فَعَلْنَ فِي أَنْفُسِهِنَّ بِالْمَعْرُوفِ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ﴾ [البقرة: ٢٣٤]. قَالَ الْحَافِظُ ابْنُ كَثِيْرٍ ﵀ فِي [تَفْسِيْرِهِ] (١/ ٦٥٩): «وقال البخاري: حدثنا إسحاق بن راهويه، حدثنا روح حدثنا شبل عن ابن أبي نجيح عن مجاهد: ﴿وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَاجًا﴾ قال: كانت هذه العدة، تعتد عند أهل زوجها واجب فأنزل الله: ﴿وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَاجًا وَصِيَّةً لأزْوَاجِهِمْ مَتَاعًا إِلَى الْحَوْلِ غَيْرَ إِخْرَاجٍ فَإِنْ خَرَجْنَ فَلا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ فِي مَا فَعَلْنَ فِي أَنْفُسِهِنَّ مِنْ مَعْرُوفٍ﴾ قال: جعل الله لها تمام السنة سبعة أشهر وعشرين ليلة وصية إن شاءت سكنت في وصيتها، وإن شاءت خرجت وهو قول الله: ﴿غَيْرَ إِخْرَاجٍ فَإِنْ خَرَجْنَ فَلا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ﴾ فالعدة كما هي واجب عليها زعم ذلك عن مجاهد: ﵀. وقال عطاء: وقال ابن عباس: نسخت هذه الآية عدتها عند أهلها فتعتد حيث شاءت وهو قول الله تعالى: ﴿غَيْرَ إِخْرَاجٍ﴾ قال عطاء: إن

стр. 6250

شاءت اعتدت عند أهلها وسكنت في وصيتها، وإن شاءت خرجت لقول الله: ﴿فَلا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ فِيمَا فَعَلْنَ فِي أَنْفُسِهِنَّ﴾ قال عطاء: ثم جاء الميراث فنسخ السكنى، فتعتد حيث شاءت ولا سكنى لها ثم أسند البخاري عن ابن عباس مثل ما تقدم عنه. فهذا القول الذي عول عليه مجاهد وعطاء من أنَّ هذه الآية لم تدل على وجوب الاعتداد سنة كما زعمه الجمهور حتى يكون ذلك منسوخاً بالأربعة الأشهر وعشراً، وإنَّما دلت على أنَّ ذلك كان من باب الوصاة بالزوجات أن يمكنَّ من السكنى في بيوت أزواجهن بعد وفاتهم حولاً كاملاً إن اخترن ذلك ولهذا قال: ﴿وَصِيَّةً لأزْوَاجِهِمْ﴾ أي: يوصيكم الله بهن وصية كقَوْلِهِ: ﴿يُوصِيكُمُ اللَّهُ فِي أَوْلادِكُمْ﴾ الآية وقال: ﴿وَصِيَّةً مِنَ اللَّهِ﴾ وقيل: إنَّما انتصب على معنى: فلتوصوا بهن وصية. وقرأ آخرون بالرفع "وَصِيَّةٌ" على معنى: كتب عليكم وصية واختارها ابن جرير ولا يمنعن من ذلك لقَوْلِهِ: ﴿غَيْرَ إِخْرَاجٍ﴾ فأمَّا إذا انقضت عدتهن بالأربعة الأشهر والعشر أو بوضع الحمل، واخترن الخروج والانتقال من ذلك المنزل فإنَّهن لا يمنعن من ذلك لقوله: ﴿فَإِنْ خَرَجْنَ فَلا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ فِي مَا فَعَلْنَ فِي أَنْفُسِهِنَّ مِنْ مَعْرُوفٍ﴾ وهذا القول له اتجاه، وفي اللفظ مساعدة له، وقد

стр. 6251

اختاره جماعة منهم: الإمام أبو العباس بن تيمية ورده آخرون منهم: الشيخ أبو عمر بن عبد البر» اهـ. * * *

стр. 6252

كِتَابُ الْلَّعَانِ. ٣١٧ - عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ ﵄: «أَنَّ فُلانَ بْنَ فُلانٍ قَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، أَرَأَيْتَ أَنْ لَوْ وَجَدَ أَحَدُنَا امْرَأَتَهُ عَلَى فَاحِشَةٍ، كَيْفَ يَصْنَعُ؟ إنْ تَكَلَّمَ تَكَلَّمَ بِأَمْرٍ عَظِيمٍ، وَإِنْ سَكَتَ سَكَتَ عَلَى مِثْلِ ذَلِكَ. قَالَ: فَسَكَتَ النَّبِيُّ ﷺ فَلَمْ يُجِبْهُ. فَلَمَّا كَانَ بَعْدَ ذَلِكَ أَتَاهُ فَقَالَ: إنَّ الَّذِي سَأَلْتُكَ عَنْهُ قَدْ اُبْتُلِيتُ بِهِ. فَأَنْزَلَ اللَّهُ هَؤُلاءِ الآيَاتِ فِي سُورَةِ النُّورِ: ﴿وَاَلَّذِينَ يَرْمُونَ أَزْوَاجَهُمْ﴾ فَتَلاهُنَّ عَلَيْهِ وَوَعَظَهُ وَذَكَّرَهُ. وَأَخْبَرَهُ أَنَّ عَذَابَ الدُّنْيَا أَهْوَنُ مِنْ عَذَابِ الآخِرَةِ. فَقَالَ: لا، وَاَلَّذِي بَعَثَكَ بِالْحَقِّ، مَا كَذَبْتُ عَلَيْهَا. ثُمَّ دَعَاهَا، فَوَعَظَهَا، وَأَخْبَرَهَا: أَنَّ عَذَابَ الدُّنْيَا أَهْوَنُ مِنْ عَذَابِ الآخِرَةِ. فَقَالَتْ: لا، وَاَلَّذِي بَعَثَكَ بِالْحَقِّ، إنَّهُ لَكَاذِبٌ. فَبَدَأَ بِالرَّجُلِ فَشَهِدَ أَرْبَعَ شَهَادَاتٍ بِاَللَّهِ: إنَّهُ لَمِنْ الصَّادِقِينَ. وَالْخَامِسَةَ: أَنَّ لَعْنَةَ اللَّهِ عَلَيْهِ إنْ كَانَ مِنْ الْكَاذِبِينَ. ثُمَّ ثَنَّى بِالْمَرْأَةِ. فَشَهِدَتْ أَرْبَعَ شَهَادَاتٍ بِاَللَّهِ: إنَّهُ لَمِنْ الْكَاذِبِينَ، وَالْخَامِسَةَ: أَنَّ غَضَبَ اللَّهِ عَلَيْهَا إنْ كَانَ مِنْ الصَّادِقِينَ. ثُمَّ فَرَّقَ بَيْنَهُمَا. ثُمَّ قَالَ: "إنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ أَنَّ أَحَدَكُمَا كَاذِبٌ فَهَلْ مِنْكُمَا تَائِبٌ؟ "» ثَلاثاً.

стр. 6253

وَفِي لَفْظٍ: «"لا سَبِيلَ لَكَ عَلَيْهَا" قَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، مَالِي؟ قَالَ: "لا مَالَ لَكَ. إنْ كُنْتَ صَدَقْتَ عَلَيْهَا فَهُوَ بِمَا اسْتَحْلَلْتَ مِنْ فَرْجِهَا وَإِنْ كُنْتَ كَذَبْتَ فَهُوَ أَبْعَدُ لَكَ مِنْهَا"». . اللعان مشتق من اللعن، وسمي اللعان لما فيه من ذكر التلاعن بين الزوجين. قَالَ الْحَافِظُ أَبُو زُرْعَةَ ابْنُ الْحَافِظِ الْعِرَاقِيِّ ﵀ فِي [طَرْحِ الْتَثْرِيْبِ] (٧/ ٢٩٦): «قال العلماء من أصحابنا وغيرهم، واختير لفظ اللعن على لفظ الغضب، وإن كانا موجودين في الآية الكريمة، وفي صورة اللعان لأنَّ لفظ اللعنة متقدم في الآية الكريمة، ولأنَّ جانب الرجل فيه أقوى من جانبها لأنَّه قادر على الابتداء باللعان دونها، ولأنَّه قد ينفك لعانه عن لعانها، ولا ينعكس، وقيل سمي لعاناً من اللعن، وهو الطرد والإبعاد لأنَّ كلا منهما يبعد عن صاحبه، ويحرم النكاح بينهما على التأبيد بخلاف المطلق وغيره» اهـ. وقَوْلُهُ: «أَنَّ فُلانَ بْنَ فُلانٍ». هو عويمر العجلاني، فقد روى البخاري (٥٣١١)، ومسلم (١٤٩٢) عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، قَالَ: قُلْتُ لِابْنِ عُمَرَ: رَجُلٌ قَذَفَ امْرَأَتَهُ، فَقَالَ: فَرَّقَ النَّبِيُّ ﷺ بَيْنَ أَخَوَيْ بَنِي العَجْلَانِ، وَقَالَ: «اللَّهُ يَعْلَمُ

стр. 6254

أَنَّ أَحَدَكُمَا كَاذِبٌ، فَهَلْ مِنْكُمَا تَائِبٌ» فَأَبَيَا، وَقَالَ: «اللَّهُ يَعْلَمُ أَنَّ أَحَدَكُمَا كَاذِبٌ، فَهَلْ مِنْكُمَا تَائِبٌ» فَأَبَيَا، فَقَالَ: «اللَّهُ يَعْلَمُ أَنَّ أَحَدَكُمَا كَاذِبٌ، فَهَلْ مِنْكُمَا تَائِبٌ» فَأَبَيَا، فَفَرَّقَ بَيْنَهُمَا قَالَ أَيُّوبُ: فَقَالَ لِي عَمْرُو بْنُ دِينَارٍ، إِنَّ فِي الحَدِيثِ شَيْئًا لَا أَرَاكَ تُحَدِّثُهُ؟ قَالَ: قَالَ الرَّجُلُ مَالِي؟ قَالَ: قِيلَ: «لَا مَالَ لَكَ، إِنْ كُنْتَ صَادِقًا فَقَدْ دَخَلْتَ بِهَا، وَإِنْ كُنْتَ كَاذِبًا فَهُوَ أَبْعَدُ مِنْكَ». قُلْتُ: وقد حصلت قصة الملاعنة لهلال بن أمية، لكن حديث ابن عمر وارد في قصة عويمر. والله أعلم. تنبيه: الحديث انفرد به مسلم (١٤٩٣) بهذا السياق. وروى البخاري (٥٣١١، ٥٣٤٩) بعضه، وهي الرواية الماضية قريباً. فائدة: قَوْلُهُ: «وَالْخَامِسَةَ» في الموضعين. يصح فيها النصب على الاتباع فتكون معطوفة على أربع، ويجوز نصبها على القطع بإضمار فعل تقديره: وتشهد «الْخَامِسَةَ». ويجوز فيها الرفع على القطع، فتكون الواو اعتراضية و «الْخَامِسَةُ» مبتدأ وخبرها جملة إنَّ وما دخلت عليه. وَفِي الْحَدِيْثِ مَسَائِلُ مِنْهَا:

стр. 6255

١ - مشروعية اللعان. قَالَ الْحِافِظُ ابْنُ حَجَرٍ ﵀ فِي [فَتْحِ الْبَارِي] (٩/ ٤٤٧): «وهو ينقسم إلى واجب ومكروه وحرام فالأول: أن يراها تزني أو أقرت بالزنا فصدقها وذلك في طهر لم يجامعها فيه ثم اعتزلها مدة العدة فأتت بولد لزمه قذفها لنفي الولد لئلا يلحقه فيترتب عليه المفاسد. الثاني: أن يرى أجنبياً يدخل عليها بحيث يغلب على ظنه أنَّه زنى بها فيجوز له أن يلاعن لكن لو ترك لكان أولى للستر لأنَّه يمكنه فراقها بالطلاق. الثالث: ما عدا ذلك» اهـ. ٢ - وعظ الزوجين قبل اللعان. ٣ - البداءة بالرجل في اللعان. قَالَ الْعَلَّامَةُ ابْنُ الْقَيِّمِ ﵀ فِي [زَادِ الْمَعَادِ] (٥/ ٣٧٧): «ومنها: البداءة بالرجل في اللعان، كما بدأ الله ورسوله به، فلو بدأت هي، لم يعتد بلعانها عند الجمهور، واعتد به أبو حنيفة. وقد بدأ الله سبحانه في الحد بذكر المرأة فقال: ﴿الزَّانِيَةُ والزَّاني فَاجْلِدُوا كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مِائَةَ جَلْدَةٍ﴾، وفي اللعان بذكر الزوج، وهذا في غاية المناسبة، لأنَّ الزنى من المرأة أقبح منه بالرجل، لأنَّها تزيد على هتك

стр. 6256

حق الله إفساد فراش بعلها، وتعليق نسب من غيره عليه، وفضيحة أهلها وأقاربها والجناية على محض حق الزوج وخيانته فيه وإسقاط حرمته عند الناس، وتعييره بإمساك البغي، وغير ذلك من مفاسد زناها، فكانت البداءة بها في الحدث أهم، وأمَّا اللعان: فالزوج هو الذى قذفها وعرضها للعان، وهتك عرضها، ورماها بالعظيمة، وفضحها عند قومها وأهلها، ولهذا يجب عليه الحد إذا لم يلاعن، فكانت البداءة به في اللعان أولى من البداءة بها» اهـ. ٤ - ظاهر القران والسنة أنَّه يكفي الرجل أن يقول في لعانه: أشهد بالله إنِّي لمن الصادقين، أشهد بالله إنِّي لمن الصادقين، أشهد بالله إنِّي لمن الصادقين، أشهد بالله إنِّي لمن الصادقين، لعنة الله عليه إن كنت من الكاذبين. ويكفي المرأة أن تقول: أشهد بالله إنَّه لمن الكاذبين، أشهد بالله إنَّه لمن الكاذبين، أشهد بالله إنَّه لمن الكاذبين، أشهد بالله إنَّه لمن الكاذبين، غضب الله عليها إن كان من الصادقين. قَالَ الْعَلَّامَةُ ابْنُ الْقَيِّمِ ﵀ فِي [زَادِ الْمَعَادِ] (٥/ ٣٧٨ - ٣٧٩): «ومنها: أنَّه لا يفتقر أن يزيد على الألفاظ المذكورة في القرآن والسنة شيئاً، بل لا يستحب ذلك، فلا يحتاج أن يقول: أشهد بالله الذي لا إله إلَّا هو عالم الغيب والشهادة الذي

стр. 6257

يعلم من السر ما يعلم من العلانية، ونحو ذلك، بل يكفيه أن يقول: أشهد بالله إني لمن الصادقين، وهي تقول: أشهد بالله إنَّه لمن الكاذبين، ولا يحتاج أن يقول: فيما رميتها به من الزنى، ولا أن تقول هي: إنَّه لمن الكاذبين فيما رماني به من الزنى، ولا يشترط أن يقول إذا ادعى الرؤية: رأيتها تزني كالمرود في المكحلة، ولا أصل لذلك في كتاب الله، ولا سنة رسوله، فإنَّ الله سبحانه بعلمه وحكمته كفانا بما شرعه لنا وأمرنا به عن تكلف زيادة عليه. قال صاحب "الإفصاح" وهو يحيى بن محمد بن هبيرة في "إفصاحه": من الفقهاء من اشترط أن يزاد بعد قوله من الصادقين: فيما رميتها به من الزنى، واشترط في نفيها عن نفسها أن تقول: فيما رماني به من الزنى. قال: ولا أراه يحتاج إليه، لأنَّ الله تعالى أنزل ذلك وبينه، ولم يذكر هذا الاشتراط. وظاهر كلام أحمد، أنَّه لا يشترط ذكر الزنى في اللعان، فإنَّ إسحاق بن منصور قال: قلت لأحمد: كيف يلاعن؟ قال: على ما في كتاب الله يقول أربع مرات: أشهد بالله إنِّي فيما رميتها به لمن الصادقين، ثم يقف عند الخامسة فيقول: لعنة الله عليه إن كان من الكاذبين، والمرأة مثل ذلك.

стр. 6258

ففي هذا النص أنَّه لا يشترط أن يقول: من الزنى، ولا تقوله هي، ولا يشترط أن يقول عند الخامسة: فيما رميتها به، وتقول هي: فيما رماني به، والذين اشترطوا ذلك حجتهم أن قالوا: ربما نوى: إنِّي لمن الصادقين في شهادة التوحيد أو غيره من الخبر الصادق، ونوت: إنَّه لمن الكاذبين في شأن آخر، فإذا ذكرا ما رميت به من الزنى، انتفى هذا التأويل. قال الآخرون: هب أنَّهما نويا ذلك، فإنَّهما لا ينتفعان بنيتهما، فإنَّ الظالم لا ينفعه تأويله، ويمينه على نية خصمه، ويمينه بما أمر الله به إذا كان مجاهراً فيها بالباطل، والكذب موجبه عليه اللعنة أو الغضب، نوى ما ذكرتم، أو لم ينوه، فإنَّه لا يموه على من يعلم السر وأخفى بمثل هذا» اهـ. قُلْتُ: وهذه الزيادة وهي قوله: فيما رميتها به من الزنا. رآها جمهور العلماء، والصحيح عدم زيادتها. ٥ - واحتج بقَوْلِهِ: «ثُمَّ فَرَّقَ بَيْنَهُمَا». من قال: إنَّ التفريق بين الزوجين لا يكون بمجرد اللعان، وإنَّما بتفريق الحاكم. وهذا مذهب الثوري وأبي حنيفة، وأحمد في إحدى الروايتين.

стр. 6259

وذهب مالك والشافعي وأحمد في إحدى الروايتين ومن تبعهم إلى أنَّ الفرقة تقع بنفس اللعان. قال مالك وغالب أصحابه، وأحمد في إحدى الروايتين: بعد فراغ المرأة. وقال الشافعي وأتباعه، وسحنون من المالكية بعد فراغ الزوج. وذهب أبو عبيد أنَّ الفرقة بين الزوجين تقع بنفس القذف ولو لم يقع اللعان. وذهب عثمان البتي، وأبو الشعثاء جابر بن زيد، ومحمد بن أبي صفرة إلى أنَّ الفرقة لا تقع إلَّا إذا أوقعها الزوج. واحتج لذلك بما رواه البخاري (٥٢٥٩)، ومسلم (١٤٩٢) عَنْ سَهْلِ بْنِ سَعْدٍ ﵁، قَالَ: «قَالَ عُوَيْمِرٌ: كَذَبْتُ عَلَيْهَا يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنْ أَمْسَكْتُهَا، فَطَلَّقَهَا ثَلَاثًا، قَبْلَ أَنْ يَأْمُرَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ». وَقَدْ أَجَابَ شَيْخُ الْإِسْلَامِ ابْنُ تَيْمِيَّةَ ﵀ كَمَا فِي [مَجْمُوْعِ الْفَتَاوَى] (٣٣/ ٧٧) فَقَالَ: «وأمَّا الملاعن فإنَّ طلاقه وقع بعد البينونة؛ أو بعد وجوب الإبانة التي تحرم بها المرأة أعظم مما يحرم بالطلقة الثالثة فكان مؤكداً لموجب اللعان» اهـ. وَقَالَ الْعَلَّامَةُ ابْنُ الْقَيِّمِ ﵀ فِي [زَادِ الْمَعَادِ] (٥/ ٣٨٨ - ٣٩٠): «الحكم الأول: التفريق بين المتلاعنين، وفي ذلك خمسة مذاهب.

стр. 6260

أحدها: أنَّ الفرقة تحصل بمجرد القذف، هذا قول أبي عبيد، والجمهور خالفوه في ذلك، ثم اختلفوا. فقال جابر بن زيد، وعثمان البتي، ومحمد بن أبي صفرة، وطائفة من فقهاء البصرة: لا يقع باللعان فرقة البتة، وقال ابن أبي صفرة: اللعان لا يقطع العصمة، واحتجوا بأنَّ النبي ﷺ لم ينكر عليه الطلاق بعد اللعان، بل هو أنشأ طلاقها، ونزه نفسه أن يمسك من قد اعترف بأنَّها زنت، أو أن يقوم عليه دليل كذب بإمساكها، فجعل النبي ﷺ فعله سنة. ونازع هؤلاء جمهور العلماء، وقالوا: اللعان يوجب الفرقة، ثم اختلفوا على ثلاثة مذاهب. أحدها: أنَّها تقع بمجرد لعان الزوج وحده، وإن لم تلتعن المرأة، وهذا القول مما تفرد به الشافعي، واحتج له بأنَّها فرقة حاصلة بالقول، فحصلت بقول الزوج وحده كالطلاق. المذهب الثاني: أنَّها لا تحصل إلَّا بلعانهما جميعاً، فإذا تم لعانهما، وقعت الفرقة، ولا يعتبر تفريق الحاكم، وهذا مذهب أحمد في إحدى الروايتين عنه اختارها أبو بكر، وقول مالك وأهل الظاهر، واحتج لهذا القول بأنَّ الشرع إنَّما ورد بالتفريق بين

стр. 6261

المتلاعنين، ولا يكونان متلاعنين بلعان الزوج وحده، وإنَّما فرق النبي ﷺ بينهما بعد تمام اللعان منهما، فالقول بوقوع الفرقة قبله مخالف لمدلول السنة وفعل النبي ﷺ ، واحتجوا بأنَّ لفظ اللعان لا يقتضى فرقة، فإنَّه إمَّا أيمان على زناها، وإمَّا شهادة به، وكلاهما لا يقتضى فرقة، وإنَّما ورد الشرع بالتفريق بينهما بعد تمام لعانهما لمصلحة ظاهرة، وهي أنَّ الله سبحانه جعل بين الزوجين مودة ورحمة، وجعل كلا منهما سكناً للآخر، وقد زال هذا بالقذف، وأقامها مقام الخزي والعار والفضيحة، فإنَّه إن كان كاذباً فقد فضحها وبهتها، ورماها بالداء العضال، ونكس رأسها ورؤوس قومها، وهتكها على رؤوس الأشهاد. وإن كانت كاذبة، فقد أفسدت فراشه، وعرضته للفضيحة والخزي والعار بكونه زوج بغي، وتعليق ولد غيره عليه، فلا يحصل بعد هذا بينهما من المودة والرحمة والسكن ما هو مطلوب بالنكاح، فكان من محاسن شريعة الإسلام التفريق بينهما، والتحريم المؤبد على ما سنذكره، ولا يترتب هذا على بعض اللعان كما لا يترتب على بعض لعان الزوج. قالوا: ولأنَّه فسخ ثبت بأيمان متحالفين، فلم يثبت بأيمان أحدهما، كالفسخ لتخالف المتبايعين عند الاختلاف.

стр. 6262

المذهب الثالث: أنَّ الفرقة لا تحصل إلَّا بتمام لعانهما، وتفريق الحاكم، وهذا مذهب أبي حنيفة، وإحدى الروايتين عن أحمد، وهي ظاهر كلام الخرقي، فإنَّه قال: ومتى تلاعنا، وفرق الحاكم بينهما، لم يجتمعا أبداً. واحتج أصحاب هذا القول بقول ابن عباس في حديثه: ففرق رسول الله ﷺ بينهما. وهذا يقتضي أنَّ الفرقة لم تتحصل قبله، واحتجوا بأنَّ عويمراً قال: كذبت عليها يا رسول الله، إن أمسكتها، فطلقها ثلاثاً قبل أن يأمره رسول الله ﷺ ، وهذا حجة من وجهين: أحدهما: أنَّه يقتضي إمكان إمساكها. والثاني: وقوع الطلاق، ولو حصلت الفرقة باللعان وحده، لما ثبت واحد من الأمرين، وفي حديث سهل بن سعد: أنَّه طلقها ثلاثاً، فأنفذه رسول الله ﷺ . رواه أبو داود. قال الموقعون للفرقة بتمام اللعان بدون تفريق الحاكم: اللعان معنى يقتضي التحريم المؤبد، كما سنذكره، فلم يقف على تفريق الحاكم كالرضاع. قالوا: ولأنَّ الفرقة لو وقعت على تفريق الحاكم، لساغ ترك التفريق إذا كرهه الزوجان، كالتفريق بالعيب والإعسار.

стр. 6263

قالوا: وقَوْلُهُ: فرق النبي ﷺ ، يحتمل أموراً ثلاثة: أحدها: إنشاء الفرقة. والثاني: الإعلام بها. والثالث: إلزامه بموجبها من الفرقة الحسية. وأمَّا قَوْلُهُ: "كذبت عليها إن أمسكتها"، فهذا لا يدل على أنَّ إمساكها بعد اللعان مأذون فيه شرعاً، بل هو بادر إلى فراقها، وإن كان الأمر صائراً إلى ما بادر إليه، وأمَّا طلاقه ثلاثة، فما زاد الفرقة الواقعة إلَّا تأكيداً، فإنَّها حرمت عليه تحريماً مؤبداً، فالطلاق تأكيد لهذا التحريم، وكأنَّه قال: لا تحل لي بعد هذا، وأمَّا إنفاذ الطلاق عليه، فتقرير لموجبه من التحريم، فإنَّها إذا لم تحل له باللعان أبداً، كان الطلاق الثلاث تأكيداً للتحريم الواقع باللعان، فهذا معنى إنفاذه، فلما لم ينكره عليه، وأقره على التكلم به وعلى موجبه، جعل هذا إنفاذاً من النبي ﷺ ، وسهل لم يحك لفظ النبي ﷺ أنَّه قال: وقع طلاقك، وإنَّما شاهد القصة، وعدم إنكار النبي ﷺ للطلاق، فظن ذلك تنفيذاً، وهو صحيح بما ذكرنا من الاعتبار، والله أعلم» اهـ. قُلْتُ: هذا تحرير جيد.

стр. 6264

وقد تنازع العلماء في فرقة اللعان هل هي طلاق أم فسخ، والذي يظهر لي أنَّها من قبيل الفسخ وليست من قبيل الطلاق؛ لقول النبي ﷺ في المتلاعنين: «لَا يَجْتَمِعَانِ أَبَدًا». وهو حديث صحيح، وسيأتي الكلام فيه، فلو كان اللعان طلاقاً لما حصل به الفرقة المؤبدة كشأن الطلاق. قَالَ الْعَلَّامَةُ ابْنُ الْقَيِّمِ ﵀ فِي [زَادِ الْمَعَادِ] (٥/ ٣٩٠ - ٣٩١) «الحكم الثاني: أنَّ فرقة اللعان فسخ، وليست بطلاق، وإلى هذا ذهب الشافعي وأحمد، ومن قال بقولهما، واحتجوا بأنَّها فرقة توجب تحريماً مؤبداً، فكانت فسخاً كفرقة الرضاع، واحتجوا بأنَّ اللعان ليس صريحاً في الطلاق، ولا نوى الزوج به الطلاق، فلا يقع به الطلاق. قالوا: ولو كان اللعان صريحاً في الطلاق، أو كناية فيه، لوقع بمجرد لعان الزوج، ولم يتوقف على لعان المرأة. قالوا: ولأنَّه لو كان طلاقاً، فهو طلاق من مدخول بها بغير عوض لم ينو به الثلاث، فكان يكون رجعياً. قالوا: ولأنَّ الطلاق بيد الزوج، إن شاء طلق، وإن شاء أمسك، وهذا الفسخ حاصل بالشرع وبغير اختياره.

стр. 6265

قالوا: وإذا ثبت بالسنة وأقوال الصحابة، ودلالة القرآن، أنَّ فرقة الخلع ليست بطلاق، بل هي فسخ مع كونها بتراضيهما، فكيف تكون فرقة اللعان طلاقاً؟» اهـ. قَالَ الْعَلَّامَةُ ابْنُ قُدَامَةَ ﵀ فِي [الْمُغْنِي] (٨/ ٦٥): «فَصْلٌ: وَفُرْقَةُ اللِّعَانِ فَسْخٌ. وَبِهَذَا قَالَ الشَّافِعِيُّ. وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ: هِيَ طَلَاقٌ؛ لِأَنَّهَا فُرْقَةٌ مِنْ جِهَةِ الزَّوْجِ، تَخْتَصُّ النِّكَاحَ، فَكَانَتْ طَلَاقًا، كَالْفُرْقَةِ بِقَوْلِهِ: أَنْتِ طَالِقٌ. وَلَنَا أَنَّهَا فُرْقَةٌ تُوجِبُ تَحْرِيمًا مُؤَبَّدًا، فَكَانَتْ فَسْخًا، كَفُرْقَةِ الرَّضَاعِ، وَلِأَنَّ اللِّعَانَ لَيْسَ بِصَرِيحٍ فِي الطَّلَاقِ، وَلَا نَوَى بِهِ الطَّلَاقَ، فَلَمْ يَكُنْ طَلَاقًا، كَسَائِرِ مَا يَنْفَسِخُ بِهِ النِّكَاحُ، وَلِأَنَّهُ لَوْ كَانَ طَلَاقًا، لَوَقَعَ بِلِعَانِ الزَّوْجِ دُونَ لِعَانِ الْمَرْأَةِ» اهـ. ٦ - واستدل به من قال: إنَّ اللعان لا يكون إلَّا عند الحاكم، وهو كذلك لما فيه من التغليظ، ولما يترتب عليه من الأحكام المغلظة. قَالَ الْعَلَّامَةُ ابْنُ الْقَيِّمِ ﵀ فِي [زَادِ الْمَعَادِ] (٥/ ٣٧٥): «ومنها: أنَّ النَّبي ﷺ أمره بأن يأتي بها، فتلاعنا بحضرته، فكان في هذا بيان أنَّ اللعان إنَّما يكون بحضرة الإمام أو نائبة، وأنَّه ليس لآحاد الرعية أن يلاعن بينهما، كما أنَّه ليس له إقامة الحد، بل هو للإمام أو نائبه» اهـ.

стр. 6266

وَقَالَ الْعَلَّامَةُ الْقُرْطُبِيُّ ﵀ فِي [تَفْسِيْرِهِ] (١٢/ ١٩٣): «وَلَا خِلَافَ فِي أَنَّهُ لَا يَكُونُ اللِّعَانُ إِلَّا فِي مَسْجِدٍ جَامِعٍ تُجْمَعُ فِيهِ الْجُمُعَةُ بِحَضْرَةِ السُّلْطَانِ أَوْ مَنْ يَقُومُ مَقَامَهُ مِنَ الْحُكَّامِ. وَقَدِ اسْتَحَبَّ جَمَاعَةٌ مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ أَنْ يَكُونَ اللِّعَانُ فِي الْجَامِعِ بَعْدَ الْعَصْرِ» اهـ. قُلْتُ: والتغليظ في اللعان يكون بعدة أشياء: الأول: التغليظ في ألفاظه. الثاني: أن يكون بمجمع من الناس. فقد جاء في البخاري (٥٢٥٩)، ومسلم (١٤٩٢) عَنْ سَهْلِ بْنِ سَعْدٍ السَّاعِدِيِّ قَالَ: «فَتَلَاعَنَا وَأَنَا مَعَ النَّاسِ عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ». الثالث: أنَّ يكون في المسجد. فقد روى البخاري (٤٢٣)، ومسلم (١٤٩٢) عَنْ سَهْلِ بْنِ سَعْدٍ، «أَنَّ رَجُلًا قَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ أَرَأَيْتَ رَجُلًا وَجَدَ مَعَ امْرَأَتِهِ رَجُلًا أَيَقْتُلُهُ؟ فَتَلَاعَنَا فِي المَسْجِدِ، وَأَنَا شَاهِدٌ». قَالَ الْحَافِظُ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِ ﵀ فِي [التَّمْهِيْدِ] (٦/ ١٩١):

стр. 6267

«وَكَذَلِكَ لَا يَخْتَلِفُونَ أَنَّ اللِّعَانَ لَا يَكُونُ إِلَّا فِي الْمَسْجِدِ الَّذِي تُجْمَعُ فِيهِ الْجُمُعَةُ لِأَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ لَاعَنَ بَيْنَ الْمُتَلَاعِنَيْنِ الْمَذْكُورَيْنِ فِي الْمَسْجِدِ» اهـ. وقَالَ الْعَلَّامَةُ الْنَوَوِي ﵀ فِي [شَرْحِ مُسْلِمٍ] (١٠/ ١٢١): «فِيهِ أَنَّ اللِّعَانَ يَكُونُ بِحَضْرَةِ الامام أو القاضي وَبِمَجْمَعٍ مِنَ النَّاسِ وَهُوَ أَحَدُ أَنْوَاعِ تَغْلِيظِ اللِّعَانِ فَإِنَّهُ تَغْلِيظٌ بِالزَّمَانِ وَالْمَكَانِ وَالْجَمْعِ فَأَمَّا الزَّمَانُ فَبَعْدَ الْعَصْرِ وَالْمَكَانُ فِي أَشْرَفِ مَوْضِعٍ فِي ذَلِكَ الْبَلَدِ وَالْجَمْعُ طَائِفَةٌ مِنَ النَّاسِ أَقَلُّهُمْ أَرْبَعَةٌ وَهَلْ هَذِهِ التَّغْلِيظَاتُ وَاجِبَةٌ أَمْ مُسْتَحَبَّةٌ فِيهِ خِلَافٌ عِنْدَنَا الْأَصَحُّ الِاسْتِحْبَابُ» اهـ. ٧ - وفيه أنَّ اللعان يرفع عن الرجل حد القذف، ويرفع عن المرأة حد الزنا. ولهذا فإنَّ النبي ﷺ لم يقم الحد على واحد منهما. قُلْتُ: وإذا حصل النكول من أحدهما أقيم عليه الحد على الصحيح من أقوال العلماء. قَالَ الْعَلَّامَةُ ابْنُ الْقَيِّمِ ﵀ فِي [زَادِ الْمَعَادِ] (٥/ ٣٦٥ - ٣٦٦): «وهذا يتضح بالفصل الثاني المستفاد من قضاء رسول الله ﷺ ، وهو أنَّ المرأة إذا لم تلتعن، فهل تحد أو تحبس حتى تقر، أو تلاعن؟ فيه قولان للفقهاء:

стр. 6268

فقال الشافعي، وجماعة من السلف والخلف: تحد، وهو قول أهل الحجاز. وقال أحمد: تحبس حتى تقر أو تلاعن، وهو قول أهل العراق. وعنه رواية ثانية: لا تحبس ويخلى سبيلها». إِلَى أَنْ قَالَ ﵀ (٥/ ٣٦٨ - ٣٦٩): «قال الموجبون للحد: معلوم أنَّ الله جعل التعان الزوج بدلاً عن الشهود، وقائماً مقامهم، بل جعل الأزواج الملتعنين شهداء كما تقدم، وصرح بأنَّ لعانهم شهادة، وأوضح ذلك بقَوْلِهِ: ﴿ويَدْرَؤا عَنْهَا العَذَابَ أَنْ تَشْهَدَ﴾، وهذا يدل على أنَّ سبب العذاب الدنيوي قد وجد، وأنَّه لا يدفعه عنها إلَّا لعانها، والعذاب المدفوع عنها بلعانها هو المذكور في قوله تعالى: ﴿ولْيَشْهَدْ عَذَابَهُمَا طَائِفَةٌ مِنَ المُؤْمِنِينَ﴾، وهذا عذاب الحد قطعاً، فذكره مضافاً، ومعرفاً بلام العهد، فلا يجوز أن ينصرف إلى عقوبة لم تذكر في اللفظ، ولا دل عليها بوجه من حبس أو غيره، فكيف يخلى سبيلها، ويدرأ عنها العذاب بغير لعان، وهل هذا إلَّا مخالفة لظاهر القرآن؟. قالوا: وقد جعل الله سبحانه لعان الزوج دارئاً لحد القذف عنه، وجعل لعان الزوجة دارئاً لعذاب حد الزنى عنها، فكما أنَّ الزوج إذا لم يلاعن يحد حد القذف، فكذلك الزوجة إذا لم تلاعن يجب عليها الحد».

стр. 6269

إِلَى أَنْ قَالَ ﵀ (٥/ ٣٧٣ - ٣٧٤): «قالوا: وأمَّا قولكم: إنَّ العذاب المدرأ عنها بلعانها هو عذاب الحبس أو غيره، فجوابه: أنَّ العذاب المذكور، إمَّا عذاب الدنيا، أو عذاب الآخرة، وحمل الآية على عذاب الآخرة باطل قطعاً، فإنَّ لعانها لا يدرؤه إذا وجب عليها، وإنَّما هو عذاب الدنيا وهو الحد قطعاً فإنَّه عذاب المحدود، وهو فداء له من عذاب الآخرة، ولهذا شرعه سبحانه طهرة وفدية من ذلك العذاب، كيف وقد صرح به في أول السورة بقَوْلِهِ: ﴿وَلْيَشْهَدْ عَذَابَهُمَا طَائِفَةٌ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾، ثم أعاده بعينه بقَوْلِهِ: ﴿وَيَدْرَأُ عَنْهَا الْعَذَابَ﴾، فهذا هو العذاب المشهود مكنها من دفعه بلعانها، فأين هنا عذاب غيره حتي تفسر الآية به؟ وإذا تبين هذا، فهذا هو القول الصحيح الذي لا نعتقد سواه، ولا نرتضي إلَّا إياه، وبالله التوفيق. فإن قيل: فلو نكل الزوج عن اللعان بعد قذفه، فما حكم نكوله؟ قلنا: يحد حد القذف عند جمهور العلماء من السلف والخلف، وهو قول الشافعي ومالك وأحمد وأصحابهم، وخالف في ذلك أبو حنيفة وقال: يحبس حتى يلاعن، أو تقر الزوجة، وهذا الخلاف مبنى على أن موجب قذف الزوج لامرأته هل هو الحد، كقذف الأجنبي، وله إسقاطه باللعان، أو موجبه اللعان نفسه؟

стр. 6270

فالأول: قول الجمهور. والثاني: قول أبو حنيفة، واحتجوا عليه بعموم قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يَرْمُونَ المُحْصَنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَأْتُوا بأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ فَاجْلِدُوهُم ثَمَانِينَ جَلْدَةً﴾، وبقوله ﷺ لهلال بن أمية: "البينة أوحد في ظهرك"، وبقوله له: "عذاب الدنيا أهون من عذاب الآخرة "، وهذا قاله لهلال بن أمية قبل شروعه في اللعان. فلو لم يجب الحد بقذفه، لم يكن لهذا معنى، وبأنَّه قذف حرة عفيفة يجرى بينه وبينها القود، فحد بقذفها كالأجنبي، وبأنَّه لو لاعنها، ثم أكذب نفسه بعد لعنها، لوجب عليه الحد، فدل على أنَّ قذفه سبب لوجوب الحد عليه، وله إسقاطه باللعان، إذ لو لم يكن سبباً لما وجب بإكذابه نفسه بعد اللعان، وأبو حنيفة يقول: قذفه لها دعوى توجب أحد أمرين، إمَّا لعانه، وإمَّا إقرارها، فإذا لم يلاعن، حبس حتى يلاعن، إلَّا أن تقر فيزول موجب الدعوى، وهذا بخلاف قذف الأجنبي، فإنَّه لا حق له عند المقذوفة، فكان قاذفاً محضاً، والجمهور يقولون: بل قذفه جناية منه على عرضها، فكان موجبها الحد كقذف الأجنبي، ولما كان فيها شائبة الدعوى عليها بإتلافها لحقه وخيانتها فيه، ملك إسقاط ما يوجبه القذف من الحد بلعانه، فإذا لم يلاعن
следующие страницы →