← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 30178

تحفة السائل في بيان ما في عمدة الأحكام من المسائل

أبو بكر الحمادي

Полный текст (8 095 стр.). Показаны 6266–6305 · переход к 6271.

стр. 6266

وَقَالَ الْعَلَّامَةُ الْقُرْطُبِيُّ ﵀ فِي [تَفْسِيْرِهِ] (١٢/ ١٩٣): «وَلَا خِلَافَ فِي أَنَّهُ لَا يَكُونُ اللِّعَانُ إِلَّا فِي مَسْجِدٍ جَامِعٍ تُجْمَعُ فِيهِ الْجُمُعَةُ بِحَضْرَةِ السُّلْطَانِ أَوْ مَنْ يَقُومُ مَقَامَهُ مِنَ الْحُكَّامِ. وَقَدِ اسْتَحَبَّ جَمَاعَةٌ مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ أَنْ يَكُونَ اللِّعَانُ فِي الْجَامِعِ بَعْدَ الْعَصْرِ» اهـ. قُلْتُ: والتغليظ في اللعان يكون بعدة أشياء: الأول: التغليظ في ألفاظه. الثاني: أن يكون بمجمع من الناس. فقد جاء في البخاري (٥٢٥٩)، ومسلم (١٤٩٢) عَنْ سَهْلِ بْنِ سَعْدٍ السَّاعِدِيِّ قَالَ: «فَتَلَاعَنَا وَأَنَا مَعَ النَّاسِ عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ». الثالث: أنَّ يكون في المسجد. فقد روى البخاري (٤٢٣)، ومسلم (١٤٩٢) عَنْ سَهْلِ بْنِ سَعْدٍ، «أَنَّ رَجُلًا قَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ أَرَأَيْتَ رَجُلًا وَجَدَ مَعَ امْرَأَتِهِ رَجُلًا أَيَقْتُلُهُ؟ فَتَلَاعَنَا فِي المَسْجِدِ، وَأَنَا شَاهِدٌ». قَالَ الْحَافِظُ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِ ﵀ فِي [التَّمْهِيْدِ] (٦/ ١٩١):

стр. 6267

«وَكَذَلِكَ لَا يَخْتَلِفُونَ أَنَّ اللِّعَانَ لَا يَكُونُ إِلَّا فِي الْمَسْجِدِ الَّذِي تُجْمَعُ فِيهِ الْجُمُعَةُ لِأَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ لَاعَنَ بَيْنَ الْمُتَلَاعِنَيْنِ الْمَذْكُورَيْنِ فِي الْمَسْجِدِ» اهـ. وقَالَ الْعَلَّامَةُ الْنَوَوِي ﵀ فِي [شَرْحِ مُسْلِمٍ] (١٠/ ١٢١): «فِيهِ أَنَّ اللِّعَانَ يَكُونُ بِحَضْرَةِ الامام أو القاضي وَبِمَجْمَعٍ مِنَ النَّاسِ وَهُوَ أَحَدُ أَنْوَاعِ تَغْلِيظِ اللِّعَانِ فَإِنَّهُ تَغْلِيظٌ بِالزَّمَانِ وَالْمَكَانِ وَالْجَمْعِ فَأَمَّا الزَّمَانُ فَبَعْدَ الْعَصْرِ وَالْمَكَانُ فِي أَشْرَفِ مَوْضِعٍ فِي ذَلِكَ الْبَلَدِ وَالْجَمْعُ طَائِفَةٌ مِنَ النَّاسِ أَقَلُّهُمْ أَرْبَعَةٌ وَهَلْ هَذِهِ التَّغْلِيظَاتُ وَاجِبَةٌ أَمْ مُسْتَحَبَّةٌ فِيهِ خِلَافٌ عِنْدَنَا الْأَصَحُّ الِاسْتِحْبَابُ» اهـ. ٧ - وفيه أنَّ اللعان يرفع عن الرجل حد القذف، ويرفع عن المرأة حد الزنا. ولهذا فإنَّ النبي ﷺ لم يقم الحد على واحد منهما. قُلْتُ: وإذا حصل النكول من أحدهما أقيم عليه الحد على الصحيح من أقوال العلماء. قَالَ الْعَلَّامَةُ ابْنُ الْقَيِّمِ ﵀ فِي [زَادِ الْمَعَادِ] (٥/ ٣٦٥ - ٣٦٦): «وهذا يتضح بالفصل الثاني المستفاد من قضاء رسول الله ﷺ ، وهو أنَّ المرأة إذا لم تلتعن، فهل تحد أو تحبس حتى تقر، أو تلاعن؟ فيه قولان للفقهاء:

стр. 6268

فقال الشافعي، وجماعة من السلف والخلف: تحد، وهو قول أهل الحجاز. وقال أحمد: تحبس حتى تقر أو تلاعن، وهو قول أهل العراق. وعنه رواية ثانية: لا تحبس ويخلى سبيلها». إِلَى أَنْ قَالَ ﵀ (٥/ ٣٦٨ - ٣٦٩): «قال الموجبون للحد: معلوم أنَّ الله جعل التعان الزوج بدلاً عن الشهود، وقائماً مقامهم، بل جعل الأزواج الملتعنين شهداء كما تقدم، وصرح بأنَّ لعانهم شهادة، وأوضح ذلك بقَوْلِهِ: ﴿ويَدْرَؤا عَنْهَا العَذَابَ أَنْ تَشْهَدَ﴾، وهذا يدل على أنَّ سبب العذاب الدنيوي قد وجد، وأنَّه لا يدفعه عنها إلَّا لعانها، والعذاب المدفوع عنها بلعانها هو المذكور في قوله تعالى: ﴿ولْيَشْهَدْ عَذَابَهُمَا طَائِفَةٌ مِنَ المُؤْمِنِينَ﴾، وهذا عذاب الحد قطعاً، فذكره مضافاً، ومعرفاً بلام العهد، فلا يجوز أن ينصرف إلى عقوبة لم تذكر في اللفظ، ولا دل عليها بوجه من حبس أو غيره، فكيف يخلى سبيلها، ويدرأ عنها العذاب بغير لعان، وهل هذا إلَّا مخالفة لظاهر القرآن؟. قالوا: وقد جعل الله سبحانه لعان الزوج دارئاً لحد القذف عنه، وجعل لعان الزوجة دارئاً لعذاب حد الزنى عنها، فكما أنَّ الزوج إذا لم يلاعن يحد حد القذف، فكذلك الزوجة إذا لم تلاعن يجب عليها الحد».

стр. 6269

إِلَى أَنْ قَالَ ﵀ (٥/ ٣٧٣ - ٣٧٤): «قالوا: وأمَّا قولكم: إنَّ العذاب المدرأ عنها بلعانها هو عذاب الحبس أو غيره، فجوابه: أنَّ العذاب المذكور، إمَّا عذاب الدنيا، أو عذاب الآخرة، وحمل الآية على عذاب الآخرة باطل قطعاً، فإنَّ لعانها لا يدرؤه إذا وجب عليها، وإنَّما هو عذاب الدنيا وهو الحد قطعاً فإنَّه عذاب المحدود، وهو فداء له من عذاب الآخرة، ولهذا شرعه سبحانه طهرة وفدية من ذلك العذاب، كيف وقد صرح به في أول السورة بقَوْلِهِ: ﴿وَلْيَشْهَدْ عَذَابَهُمَا طَائِفَةٌ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾، ثم أعاده بعينه بقَوْلِهِ: ﴿وَيَدْرَأُ عَنْهَا الْعَذَابَ﴾، فهذا هو العذاب المشهود مكنها من دفعه بلعانها، فأين هنا عذاب غيره حتي تفسر الآية به؟ وإذا تبين هذا، فهذا هو القول الصحيح الذي لا نعتقد سواه، ولا نرتضي إلَّا إياه، وبالله التوفيق. فإن قيل: فلو نكل الزوج عن اللعان بعد قذفه، فما حكم نكوله؟ قلنا: يحد حد القذف عند جمهور العلماء من السلف والخلف، وهو قول الشافعي ومالك وأحمد وأصحابهم، وخالف في ذلك أبو حنيفة وقال: يحبس حتى يلاعن، أو تقر الزوجة، وهذا الخلاف مبنى على أن موجب قذف الزوج لامرأته هل هو الحد، كقذف الأجنبي، وله إسقاطه باللعان، أو موجبه اللعان نفسه؟

стр. 6270

فالأول: قول الجمهور. والثاني: قول أبو حنيفة، واحتجوا عليه بعموم قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يَرْمُونَ المُحْصَنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَأْتُوا بأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ فَاجْلِدُوهُم ثَمَانِينَ جَلْدَةً﴾، وبقوله ﷺ لهلال بن أمية: "البينة أوحد في ظهرك"، وبقوله له: "عذاب الدنيا أهون من عذاب الآخرة "، وهذا قاله لهلال بن أمية قبل شروعه في اللعان. فلو لم يجب الحد بقذفه، لم يكن لهذا معنى، وبأنَّه قذف حرة عفيفة يجرى بينه وبينها القود، فحد بقذفها كالأجنبي، وبأنَّه لو لاعنها، ثم أكذب نفسه بعد لعنها، لوجب عليه الحد، فدل على أنَّ قذفه سبب لوجوب الحد عليه، وله إسقاطه باللعان، إذ لو لم يكن سبباً لما وجب بإكذابه نفسه بعد اللعان، وأبو حنيفة يقول: قذفه لها دعوى توجب أحد أمرين، إمَّا لعانه، وإمَّا إقرارها، فإذا لم يلاعن، حبس حتى يلاعن، إلَّا أن تقر فيزول موجب الدعوى، وهذا بخلاف قذف الأجنبي، فإنَّه لا حق له عند المقذوفة، فكان قاذفاً محضاً، والجمهور يقولون: بل قذفه جناية منه على عرضها، فكان موجبها الحد كقذف الأجنبي، ولما كان فيها شائبة الدعوى عليها بإتلافها لحقه وخيانتها فيه، ملك إسقاط ما يوجبه القذف من الحد بلعانه، فإذا لم يلاعن

стр. 6271

مع قدرته على اللعان، وتمكنه منه، عمل مقتضى القذف عمله، واستقل بإيجاب الحد، إذ لا معارض له، وبالله التوفيق» اهـ. ٨ - وفيه أنَّ مهر الملاعنة مستقر بالدخول. ٩ - وأخذ من تسمية اللعان شهادة من اشترط في اللعان أن يكون من زوجين مسلمين عدلين، فلا يصح اللعان من فاسق ولا كافر. وذهب إلى هذا القول أهل الرأي، والأوزاعي، والثوري، وهو رواية عن أحمد. وذهب الإمام أحمد في الرواية الأخرى، مالك وإسحاق وقول سعيد بن المسيب، والحسن، وربيعة، وسليمان بن يسار إلى أنَّ الأزواج يلتعنون، الحر من الحرة والأمة إذا كانت زوجة، والعبد من الحرة والأمة إذا كانت زوجة، والمسلم من اليهودية والنصرانية. قَالَ الْعَلَّامَةُ ابْنُ الْقَيِّمِ ﵀ فِي [زَادِ الْمَعَادِ] (٥/ ٣٥٩ - ٣٦٥): «ومأخذ القولين: أنَّ اللعان يجمع وصفين، اليمين والشهادة، وقد سماه الله سبحانه شهادة، وسماه رسول الله ﷺ يميناً حيث يقول: "لولا الأيمان، لكان لي ولها شأن"، فمن غلب عليه حكم الأيمان قال: يصح من كل من يصح يمينه.

стр. 6272

قالوا: ولعموم قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يَرْمُونَ أَزْواجَهُمْ﴾ قالوا: وقد سماه رسول الله ﷺ يميناً. قالوا: ولأنَّه مفتقر إلى اسم الله، وإلى ذكر القسم المؤكد وجوابه. قالوا: ولأنَّه يستوي فيه الذكر والأنثى، بخلاف الشهادة. قالوا: ولو كان شهادة، لما تكرر لفظه، بخلاف اليمين، فإنَّه قد يشرع فيها التكرار، كأيمان القَسَامة. قالوا: ولأنَّ حاجة الزوج التي لا تصح منه الشهادة إلى اللعان ونفي الولد، كحاجة من تصح شهادته سواء، والأمر الذى ينزل به مما يدعو إلى اللعان، كالذي ينزل بالعدل الحر، والشريعة لا ترفع ضرر أحد النوعين، وتجعل له فرجاً ومخرجاً مما نزل به، وتدع النوع الآخر في الآصار والأغلال، لا فرج له مما نزل به، ولا مخرج، بل يستغيث فلا يغاث، ويستجير فلا يجار، إن تكلم، تكلم بأمر عظيم، وإن سكت، سكت على مثله، قد ضاقت عنه الرحمة التي وسعت من تصح شهادته، وهذا تأباه الشريعة الواسعة الحنيفية السمحة. قال الآخرون: قال الله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يَرْمُونَ أَزْوَاجَهُمْ وَلَمْ يَكُنْ لَهُمْ شُهَدَاءُ إِلَّا أَنْفُسُهُم فَشَهَادَةُ أَحَدِهمْ أَرْبَعُ شَهَادَاتٍ بِاللهِ﴾، وفي الآية دليل من ثلاثة أوجه.

стр. 6273

أحدها: أنَّه سبحانه استثنى أنفسهم من الشهداء، وهذا استثناء متصل قطعاً، ولهذا جاء مرفوعاً. والثاني: أنَّه صرح بأنَّ التعانهم شهادة، ثم زاد سبحانه هذا بياناً، فقال: ﴿وَيَدْرَؤُا عَنْهَا العَذَابَ أَنْ تَشْهَدَ أَرْبَعَ شَهَادَاتٍ بِاللهِ إِنَّهُ لَمِنَ الكَاذِبينَ﴾. والثالث: أنَّه جعله بدلاً من الشهود، وقائماً مقامهم عند عدمهم. قالوا: وقد روى عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده، أنَّ النبي ﷺ قال: "لا لعان بين مملوكين ولا كافرين"، ذكره أبو عمر بن عبد البر في "التمهيد". وذكر الدارقطني من حديثه أيضاً، عن أبيه، عن جده مرفوعا: "أربعة ليس بينهم لعان: ليس بين الحر والأمة لعان، وليس بين الحرة والعبد لعان، وليس بين المسلم واليهودية لعان، وليس بين المسلم والنصرانية لعان". وذكر عبد الرزاق في "مصنفه"، عن ابن شهاب، قال: من وصية النبي ﷺ لعتاب بن أسيد: أن لا لعان بين أربع، فذكر معناه.

стр. 6274

قالوا: ولأنَّ اللعان جعل بدل الشهادة، وقائماً مقامها عند عدمها، فلا يصح إلَّا ممن تصح منه، ولهذا تحد المرأة بلعان الزوج، ونكولها تنزيلاً للعانه منزلة أربعة شهود. قالوا: وأمَّا الحديث: "لولا ما مضى من الأيمان، لكان لي ولها شأن"، فالمحفوظ فيه: لولا ما مضى من كتاب الله، هذا لفظ البخاري في "صحيحه". وأمَّا قَوْلُهُ: "لولا ما مضى من الأيمان"، فمن رواية عباد بن منصور، وقد تكلم فيه غير واحد. قال يحيى بن معين: ليس بشيء. وقال على بن الحسين بن الجنيد الرازي: متروك قدري. وقال النسائي: ضعيف. وقد استقرت قاعدة الشريعة أنَّ البينة على المدعي، واليمين على المدعى عليه، والزوج ها هنا مدع، فلعانه شهادة، ولو كان يميناً لم تشرع في جانبه. قال الأولون: أَّما تسميته شهادة، فلقول الملتعن في يمينه: أشهد بالله، فسمى بذلك شهادة، وإن كان يميناً اعتباراً بلفظها. قالوا: وكيف وهو مصرح فيه بالقسم وجوابه، وكذلك لو قال: أشهد بالله، انعقدت يمينه فبذلك، سواء نوى اليمين أو أطلق، والعرب تعد ذلك يميناً في لغتها واستعمالها. قال قيس: فأشهد عند الله أني أحبها … فهذا لها عندي فما عندها ليا

стр. 6275

وفي هذا حجة لمن قال: إنَّ قَوْلَهُ: "أشهد" تنعقد به اليمين، ولو لم يقل: بالله، كما هو إحدى الروايتين عن أحمد. والثانية، لا يكون يميناً إلَّا بالنية، وهو قول الأكثرين. كما أنَّ قَوْلَهُ: أشهد بالله يمين عند الأكثرين بمطلقة. قالوا: وأمَّا استثناؤه سبحانه أنفسهم من الشهداء، فيقال أولاً: "إلَّا" ها هنا: صفة بمعنى غير، والمعنى: ولم يكن لهم شهداء غير أنفسهم، فإنَّ "غير"، و"إلَّا" يتعارضان الوصفية والاستثناء، فيستثنى بـ "غير" حملاً على "إلَّا"، ويوصف بـ "إلَّا" حملاً على "غير". ويقال ثانياً: إنَّ "أنفسهم" مستثنى من الشهداء، ولكن يجوز أن يكون منقطعاً على لغة بني تميم، فإنَّهم يبدلون في الانقطاع، كما يبدل أهل الحجاز وهم في الاتصال. ويقال ثالثاً: إنَّما استثنى "أنفسهم" من الشهداء لأنَّه نزلهم منزلتهم في قبول قولهم، وهذا قوي جداً على قول من يرجم المرأة بالتعان الزوج إذا نكلت وهو الصحيح، كما يأتي تقريره إن شاء الله تعالى. والصحيح: أنَّ لعانهم يجمع الوصفين، اليمين والشهادة، فهو شهادة مؤكدة بالقسم والتكرار، ويمين مغلظة بلفظ الشهادة والتكرار لاقتضاء الحال تأكيد الأمر. ولهذا اعتبر فيه من التأكيد عشرة أنواع.

стр. 6276

أحدها: ذكر لفظ الشهادة. الثاني: ذكر القسم بأحد أسماء الرب سبحانه وأجمعها لمعاني أسمائه الحسنى، وهو اسم الله جل ذكره. الثالث: تأكيد الجواب بما يؤكد به المقسم عليه، من "إن، واللام"، وإتيانه باسم الفاعل الذي هو صادق وكاذب دون الفعل الذي هو صدق وكذب. الرابع: تكرار ذلك أربع مرات. الخامس: دعاؤه على نفسه في الخامسة بلعنة الله إن كان من الكاذبين. السادس: إخباره عند الخامسة أنَّها الموجبة لعذاب الله وأنَّ عذاب الدنيا أهون من عذاب الآخرة. السابع: جعل لعانه مقتضى لحصول العذاب عليها، وهو إمَّا الحد أو الحبس، وجعل لعانها دارئاً للعذاب عنها. الثامن: أنَّ هذا اللعان يوجب العذاب على أحدهما إمَّا في الدنيا، وإمَّا في الآخرة. التاسع: التفريق بين المتلاعنين، وخراب بيتها، وكسرها بالفراق. العاشر: تأبيد تلك الفرقة ودوام التحريم بينهما، فلما كان شأن هذا اللعان هذا الشأن، جعل يميناً مقروناً بالشهادة، وشهادة مقرونة باليمين، وجعل الملتعن

стр. 6277

لقبول قوله كالشاهد، فإن نكلت المرأة، مضت شهادته وحدت، وأفادت شهادته ويمينه شيئين: سقوط الحد عنه، ووجوبه عليها. وإن التعنت المرأة وعارضت لعانه بلعان آخر منها، أفاد لعانه سقوط الحد عنه دون وجبه عليها، فكان شهادة ويميناً بالنسبة إليه دونها، لأنَّه إن كان يميناً محضة فهي لا تحد بمجرد حلفه، وإن كان شهادة فلا تحد بمجرد شهادته عليها وحده. فإذا انضم إلى ذلك نكولها، قوي جانب الشهادة واليمين في حقه بتأكده ونكولها، فكان دليلاً ظاهراً على صدقة، فأسقط الحد عنه، وأوجبه عليها، وهذا أحسن ما يكون من الحكم، ﴿وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ حُكْمًا لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ﴾، وقد ظهر بهذا أنَّه يمين فيها معنى الشهادة، وشهادة فيها معنى اليمين. وأمَّا حديث عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده، فما أبين دلالته لو كان صحيحاً بوصوله إلى عمرو، ولكن في طريقه إلى عمرو مهالك ومفاوز. قال أبو عمر بن عبد البر: ليس دون عمرو بن شعيب من يحتج به. وأمَّا حديثه الآخر الذي رواه الدارقطني، فعلى طريق الحديث عثمان بن عبد الرحمن الوقاصي، وهو متروك بإجماعهم، فالطريق به مقطوعة.

стр. 6278

وأمَّا حديث عبد الرزاق، فمراسيل الزهري عندهم ضعيفة لا يحتج بها، وعتاب بن أسيد كان عاملاً للنبي ﷺ على مكة، ولم يكن بمكة يهودي ولا نصراني البتة حتى يوصيه أن لا يلاعن بينهما. قالوا: وأمَّا ردكم لقَوْلِهُ: "لولا ما مضى من الأيمان، لكان لي ولها شأن"، وهو حديث رواه أبو داود في سننه، وإسناده لا بأس به، وأمَّا تعلقكم فيه على عباد بن منصور، فأكثر ما عيب عليه أنَّه قدري داعية إلى القدر، وهذا لا يوجب رد حديثه، ففي الصحيح: الاحتجاج بجماعة من القدرية والمرجئة والشيعة ممن علم صدقه، ولا تنافي بين قَوْلِهِ: "لولا ما مضى من كتاب الله تعالى"، "ولولا ما مضى من الأيمان"، فيحتاج إلى ترجيح أحد اللفظين، وتقديمه على الآخر، بل الأيمان المذكورة هي في كتاب الله، وكتاب الله تعالى حكمه الذى حكم به بين المتلاعنين، وأراد ﷺ : لولا ما مضى من حكم الله الذى فصل بين المتلاعنين، لكان لها شأن آخر. قالوا: وأمَّا قولكم: إنَّ قاعدة الشريعة استقرت على أنَّ الشهادة في جانب المدعي، واليمين في جانب المدعى عليه، فجوابه من وجوه:

стр. 6279

أحدها: أنَّ الشريعة لم تستقر على هذا، بل قد استقرت في القسامة بأن يبدأ بأيمان المدعين، وهذ لقوة جانبهم باللوث، وقاعدة الشريعة أنَّ اليمين تكون من جنبة أقوى المتداعيين، فلما كان جانب المدعى عليه قويا بالبراءة الأصلية، شرعت اليمين في جانبه، فلما قوى جانب المدعى في القسامة باللوث كانت اليمين في جانبه، وكذلك على الصحيح لما قوي جانبه بالنكول صارت اليمين في جانبه فيقال له: احلف واستحق، وهذا من كمال حكمة الشارع واقتضائه للمصالح بحسب الإمكان، ولو شرعت اليمين من جانب واحد دائماً، لذهبت قوة الجانب الراجح هدراً، وحكمة الشارع تأبى ذلك، فالذي جاء به هو غاية الحكمة والمصلحة. وإذا عرف هذا، فجانب الزوج ها هنا أقوى من جانبها، فإنَّ المرأة تنكر زناها، وتبهته، والزوج ليس له غرض في هتك حرمته، وإفساد فراشه، ونسبة أهله إلى الفجور، بل ذلك أشوش عليه، وأكره شيء إليه، فكان هذا لوثاً ظاهراً، فإذا انضاف إليه نكول المرأة قوى الأمر جداً في قلوب الناس خاصهم وعامهم، فاستقل ذلك بثبوت حكم الزنى عليها شرعاً، فحدت بلعانه، ولكن لما تكن أيمانه بمنزلة الشهداء الأربعة حقيقة، كان لها أن تعارضها بأيمان أخرى مثلها يدرأ

стр. 6280

عنها بها العذاب عذاب الحد المذكور في قوله تعالى: ﴿وَلْيَشْهَدْ عَذَابَهُمَا طَائِفَةٌ مِنَ المُؤْمِنِينَ﴾، ولو كان لعانه بينة حقيقة، لما دفعت أيمانها عنها شيئاً» اهـ. قُلْتُ: الذي يظهر لي رجحانه في هذه المسألة هو أنَّه لا يشترط في اللعان الإسلام والعدالة لعموم قول الله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يَرْمُونَ أَزْوَاجَهُمْ﴾ [النور: ٦]. ١٠ - وفيه أنَّ النبي ﷺ كان يقضي في السنن الكلية بالوحي لا بالرأي. قَالَ الْعَلَّامَةُ ابْنُ الْقَيِّمِ ﵀ فِي [زَادِ الْمَعَادِ] (٥/ ٣٧٥): «ومنها: أنَّ رسول الله ﷺ إنَّما كان يقضى بالوحي، وبما أراه الله، لا بما رآه هو، فإنَّه ﷺ لم يقض بين المتلاعنين حتى جاءه الوحي، ونزل القرآن، فقال لعويمر حينئذ: "قد نزل فيك وفي صاحبتك، فاذهب فأت بها"، وقد قال ﷺ : "لا يسألني الله عن سنة أحدثتها فيكم لم أومر بها" وهذا في الأقضية، والأحكام، والسنن الكلية، وأمَّا الأمور الجزئية التي لا ترجع إلى أحكام، كالنزول في منزل معين، وتأمير رجل معين، ونحو ذلك مما هو متعلق بالمشاورة المأمور بها بقَوْلِهِ: ﴿وَشَاوِرْهُمْ فِي الأَمْرِ﴾ فتلك للرأي فيها مدخل،

стр. 6281

ومن هذا قوله ﷺ في شأن تلقيح النخل: "إنَّما هو رأى رأيته". فهذا القسم شيء، والأحكام والسنن الكلية شيء آخر» اهـ. ١١ - قَالَ الْعَلَّامَةُ ابْنُ الْقَيِّمِ ﵀ فِي [زَادِ الْمَعَادِ] (٥/ ٣٧٨): «ومنها: أنَّه لا يقبل من الرجل أقل من خمس مرات، ولا من المرأة، ولا يقبل منه إبدال اللعنة بالغضب والإبعاد والسخط، ولا منها إبدال الغضب باللعنة والإبعاد والسخط، بل يأتي كل منهما بما قسم الله له من ذلك شرعاً وقدراً، وهذا أصح القولين في مذهب أحمد ومالك وغيرهما» اهـ. قَالَ الْعَلَّامَةُ ابْنُ قُدَامَةَ ﵀ فِي [الْمُغْنِي] (٨/ ٨٦ - ٨٧): «وَعَدَدُ هَذِهِ الْأَلْفَاظِ الْخَمْسَةِ شَرْطٌ فِي اللِّعَانِ، فَإِنْ أَخَلَّ بِوَاحِدَةٍ مِنْهَا، لَمْ يَصِحَّ عَلَى مَا ذَكَرْنَاهُ فِيمَا مَضَى، وَإِنْ أَبْدَلَ لَفْظًا مِنْهَا، فَظَاهِرُ كَلَامِ الْخِرَقِيِّ أَنَّهُ يَجُوزُ أَنْ يُبَدِّلَ قَوْلَهُ: إنِّي لَمِنْ الصَّادِقِينَ. بِقَوْلِهِ: لَقَدْ زَنَتْ. لِأَنَّ مَعْنَاهُمَا وَاحِدٌ، وَيَجُوزُ لَهَا إبْدَالُ: إنَّهُ لَمِنْ الْكَاذِبِينَ. بِقَوْلِهَا: لَقَدْ كَذَبَ. لِأَنَّهُ ذَكَرَ صِفَةَ اللِّعَانِ كَذَلِكَ. وَاتِّبَاعُ لَفْظِ النَّصِّ أَوْلَى وَأَحْسَنُ. وَإِنْ أَبْدَلَ لَفْظَةَ: "أَشْهَدُ" بِلَفْظٍ مِنْ أَلْفَاظِ الْيَمِينِ، فَقَالَ: أَحْلِفُ أَوْ أُقْسِمُ أَوْ أُولِي. لَمْ يُعْتَدَّ بِهِ. وَقَالَ أَبُو الْخَطَّابِ: فِيهِ وَجْهٌ آخَرُ، أَنَّهُ يُعْتَدُّ بِهِ؛ لِأَنَّهُ أَتَى بِالْمَعْنَى، فَأَشْبَهَ مَا لَوْ أَبْدَلَ: إنِّي لَمِنْ الصَّادِقِينَ. بِقَوْلِهِ: لَقَدْ زَنَتْ.

стр. 6282

وَلِلشَّافِعِيِّ وَجْهَانِ فِي هَذَا. وَالصَّحِيحُ أَنَّهُ لَا يَصِحُّ؛ لِأَنَّ مَا اُعْتُبِرَ فِيهِ لَفْظُ الشَّهَادَةِ، لَمْ يَقُمْ غَيْرُهُ مَقَامَهُ، كَالشَّهَادَاتِ فِي الْحُقُوقِ، وَلِأَنَّ اللِّعَانَ يُقْصَدُ فِيهِ التَّغْلِيظُ، وَاعْتِبَارُ لَفْظِ الشَّهَادَاتِ أَبْلَغُ فِي التَّغْلِيظِ، فَلَمْ يَجُزْ تَرْكُهُ، وَلِهَذَا لَمْ يَجُزْ أَنْ يُقْسِمَ بِاَللَّهِ مِنْ غَيْرِ كَلِمَةٍ تَقُومُ مَقَامَ أَشْهَدُ. وَالثَّانِي، يُعْتَدُّ بِهِ؛ لِأَنَّهُ أَتَى بِالْمَعْنَى، أَشْبَهَ مَا قَبْلَهُ. وَلِلشَّافِعِيِّ وَجْهَانِ كَهَذَيْنِ. وَإِنْ أَبْدَلَ لَفْظَةَ اللَّعْنَةِ بِالْإِبْعَادِ، لَمْ يَجُزْ؛ لِأَنَّ لَفْظَ اللَّعْنَةِ أَبْلَغُ فِي الزَّجْرِ وَأَشَدُّ فِي أَنْفُسِ النَّاسِ، وَلِأَنَّهُ عَدَلَ عَنْ الْمَنْصُوصِ. وَقِيلَ: يَجُوزُ؛ لِأَنَّ مَعْنَاهُمَا وَاحِدٌ. وَإِنْ أَبْدَلَتْ الْمَرْأَةُ لَفْظَةَ الْغَضَبِ بِاللَّعْنَةِ، لَمْ يَجُزْ؛ لِأَنَّ الْغَضَبَ أَغْلَظُ، وَلِهَذَا خُصَّتْ الْمَرْأَةُ بِهِ؛ لِأَنَّ الْمَعَرَّةَ بِزِنَاهَا أَقْبَحُ، وَإِثْمُهَا بِفِعْلِ الزِّنَا أَعْظَمُ مِنْ إثْمِهِ بِالْقَذْفِ. وَإِنْ أَبْدَلَتْهَا بِالسَّخَطِ، خُرِّجَ عَلَى وَجْهَيْنِ فِيمَا إذَا أَبْدَلَ الرَّجُلُ لَفْظَ اللَّعْنَةِ بِالْإِبْعَادِ. وَإِنْ أَبْدَلَ الرَّجُلُ لَفْظَةَ اللَّعْنَةِ بِالْغَضَبِ احْتَمَلَ أَنْ يَجُوزَ لِأَنَّهُ أَبْلَغُ، وَاحْتَمَلَ أَنْ لَا يَجُوزَ؛ لِمُخَالَفَتِهِ الْمَنْصُوصَ» اهـ. ١٢ - وقَوْلُهُ: «لَا سَبِيلَ لَكَ عَلَيْهَا». يدل بعمومه تحريمها عليه أبداً.

стр. 6283

قَالَ الْحِافِظُ ابْنُ حَجَرٍ ﵀ فِي [فَتْحِ الْبَارِي] (٩/ ٤٥٩): «وهو نكرة في سياق النفي فيشمل المال والبدن ويقتضي نفى تسليطه عليها بوجه من الوجوه» اهـ. ويدل عليه قول النبي ﷺ في المتلاعنين: «لَا يَجْتَمِعَانِ أَبَدًا». جاء ذلك في حديث سهل بن سعد عند أبي داود (٢٢٥٠) وفيه عياض بن عبد الله الفهري ضعيف الحديث لكنه متابع في نفس السند بمبهم. وتابعهما محمد بن الوليد الزبيدي عند الدارقطني (٣٧٠٥)، والبيهقي في [الْكُبْرَى] (١٥١٣٤) وَإِسْنَادُهُ صَحِيْحٌ. وتابعهم محمد بن إسحاق عند الطحاوي في [شَرْحِ مُشْكِلِ الآثَارِ] (٥٢٨٨). وللحديث شواهد واهية. قَالَ الْعَلَّامَةُ ابْنُ الْقَيِّمِ ﵀ فِي [زَادِ الْمَعَادِ] (٥/ ٣٩١ - ٣٩٤): «الحكم الثالث: أنَّ هذه الفرقة توجب تحريماً مؤبداً لا يجتمعان بعدها أبداً. قال الأوزاعي: حدثنا الزبيدي، حدثنا الزهري، عن سهل بن سعد، فذكر قصة الملاعنين، وقال: ففرق رسول الله ﷺ بينهما وقال: "لا يجتمعان أبداً".

стр. 6284

وذكر البيهقي من حديث سعيد بن جبير، عن ابن عمر، عن النبي ﷺ قال: "المتلاعنان إذا تفرقا لا يجتمعان أبداً". قال: وروينا عن علي، وعبد الله بن عباس ﵃، قالا: مضت السنة في المتلاعنين أن لا يجتمعا أبداً. قال: وروى عن عمر بن الخطاب ﵁ أنَّه قال: يفرق بينهما ولا يجتمعان أبداً. وإلى هذا ذهب أحمد، والشافعي ومالك، والثوري، وأبو عبيد، وأبو يوسف. وعن أحمد رواية أخرى: أنَّه إن أكذب نفسه، حلت له، وعاد فراشه بحاله، وهي رواية شاذة شذ بها حنبل عنه. قال أبو بكر: لا نعلم أحداً رواها غيره، وقال صاحب "المغني": وينبغي أن تحمل هذه الرواية على ما إذا لم يفرق بينهما. فأمَّا مع تفريق الحاكم بينهما، فلا وجه لبقاء النكاح بحاله. قُلْتُ: الرواية مطلقة، ولا أثر لتفريق الحاكم في دوام التحريم، فإنَّ الفرقة الواقعة بنفس اللعان أقوى من الفرقة الحاصلة بتفريق الحاكم، فإذا كان إكذاب نفسه مؤثراً في تلك الفرقة القوية، رافعاً للتحريم الناشئ منها، فلأن يؤثر في الفرقة التي هي دونها، ويرفع تحريمها أولى.

стр. 6285

وإنَّما قلنا: إنَّ الفرقة بنفس اللعان أقوى من الفرقة بتفريق الحاكم، لأنَّ فرقة اللعان تستند إلى حكم الله ورسوله، وسواء رضى الحاكم والمتلاعنان التفريق أو أبوه، فهي فرقة من الشارع بغير رضى أحد منهم ولا اختياره، بخلاف فرقة الحاكم فإنَّه إنَّما يفرق باختياره. وأيضاً: فإنَّ اللعان يكون قد اقتضى بنفسه التفريق لقوته وسلطانه عليه، بخلاف ما إذا توقف على تفريق الحاكم، فإنَّه لم يقو بنفسه على اقتضاء الفرقة، ولا كان له سلطان عليها، وهذه الرواية هي مذهب سعيد بن المسيب، قال: فإن أكذب نفسه، فهو خاطب من الخطاب، ومذهب أبي حنيفة ومحمد، وهذا على أصله اطرد، لأنَّ فرقة اللعان عنده طلاق. وقال سعيد بن جبير: إن أكذب نفسه، ردت إليه ما دامت في العدة. والصحيح: القول الأول الذي دلت عليه السنة الصحيحة الصريحة، وأقوال الصحابة ﵃، وهو الذي تقتضيه حكمة اللعان، ولا تقتضي سواه، فإنَّ لعنة الله تعالى وغضبه قد حل بأحدهما لا محالة، ولهذا قال النبي ﷺ عند الخامسة: "إنَّها الموجبة"، أي الموجبة لهذا الوعيد، ونحن لا نعلم عين من حلت به يقيناً، ففرق بينهما خشية أن يكون هو الملعون الذي قد وجبت

стр. 6286

عليه لعنة الله وباء بها، فيعلو امرأة غير ملعونة، وحكمة الشرع تأبى هذا، كما أبت أن يعلو الكافر مسلمة والزاني عفيفة. فإن قيل: فهذا يوجب ألا يتزوج غيرها لما ذكرتم بعينه؟ قيل: لا يوجب ذلك، لأنَّا لم نتحقق أنَّه هو الملعون، وإنَّما تحققنا أنَّ أحدهما كذلك، وشككنا في عينه، فإذا اجتمعا، لزمه أحد الأمرين ولابد، إمَّا هذا وإمَّا إمساكه ملعونة مغضوباً عليها قد وجب عليها غضب الله، وباءت به، فأمَّا إذا تزوجت بغيره، أو تزوج بغيرها، لم تتحقق هذه المفسدة فيهما. وأيضاً: فإنَّ النفرة الحاصلة من إساءة كل واحد منهما إلى صاحبه لا تزول أبداً، فإنَّ الرجل إن كان صادقاً عليها، فقد أشاع فاحشتها، وفضحها على رؤوس الأشهاد، وأقامها مقام الخزي، وحقق عليها الخزي والغضب، وقطع نسب ولدها، وإن كان كاذباً، فقد أضاف إلى ذلك بهتها بهذه الفرية العظيمة، وإحراق قلبها بها والمرأة إن كانت صادقة فقد أكذبته على رؤوس الاشهاد، وأوجبت عليه لعنة الله. وإن كانت كاذبة، فقد أفسدت فراشه وخانته في نفسها، وألزمته العار والفضيحة وأحوجته إلى هذا المقام المخزي، فحصل لكل واحد منهما من صاحبه من النفرة والوحشة، وسوء الظن ما لا يكاد يلتئم معه شملهما أبداً، فاقتضت

стр. 6287

حكمة من شرعه كله حكمة ومصلحة وعدل ورحمة تحتم الفرقة بينهما، وقطع الصحبة المتمحضة مفسدة. وأيضاً: فإنَّه إذا كان كاذباً عليها، فلا ينبغي أن يسلط على إمساكها مع ما صنع من القبيح إليها، وإن كان صادقاً، فلا ينبغي أن يمسكها مع علمه بحالها، ويرضى لنفسه أن يكون زوج بغي. فإن قيل: فما تقولون: لو كانت أمة ثم اشتراها، هل يحل له وطؤها بملك اليمين؟ قلنا: لا تحل له لأنَّه تحريم مؤبد، فحرمت على مشتريها كالرضاع، ولأنَّ المطلق ثلاثاً إذا اشترى مطلقته لم تحل له قبل زوج وإصابة، فهاهنا أولى، لأنَّ هذا التحريم مؤبد، وتحريم الطلاق غير مؤبد» اهـ. ١٣ - وفيه وعظ المتلاعنين بالتوبة بعد اللعان. ١٤ - وفي قَوْلِهِ: «إِنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ أَنَّ أَحَدَكُمَا كَاذِبٌ، فَهَلْ مِنْكُمَا تَائِبٌ». ما يدل على جواز استعمال أحد في الإثبات. قَالَ الْقَاضِي عِيَاضٌ ﵀ فِي [إِكْمَالِ الْمُعْلِمِ] (٥/ ٤٨): «وفيه رد على من قال من النحاة: إنَّ لفظة أحد لا تستعمل إلَّا في النفي، وعلى قول من قال منهم لا تستعمل إلَّا في الوصف، ولا تقع موقع واحد، وقد وقعت في هذا الحديث في غير

стр. 6288

وصف ولا نفي، ووقعت موقع واحد، وقد أجازه المبرد، ويؤيده قوله تعالى ﴿فَشَهَادَةُ أَحَدِهِمْ﴾» اهـ. وقَالَ الْحِافِظُ ابْنُ حَجَرٍ ﵀ فِي [فَتْحِ الْبَارِي] (٩/ ٤٥٨): «قال الفاكهي: هذا من أعجب ما وقع للقاضي مع براعته وحذقه فإنَّ الذي قاله النحاة إنَّما هو في أحد التي للعموم نحو ما في الدار من أحد، وما جاءني من أحد، وأمَّا أحد بمعنى واحد فلا خلاف في استعمالها في الاثبات نحو: ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾، ونحو: ﴿فَشَهَادَةُ أَحَدِهِمْ﴾، ونحو: "أحدكما كاذب"» اهـ. قُلْتُ: ونحو قول الله تعالى: ﴿أَنْ يُؤْتَى أَحَدٌ مِثْلَ مَا أُوتِيتُمْ﴾ [آل عمران: ٧٣]، وقَوْلِهِ: ﴿أَوْ جَاءَ أَحَدٌ مِنْكُمْ مِنَ الْغَائِطِ﴾ [النساء: ٤٣]، و [المائدة: ٦]، وقَوْلِهِ: ﴿وَإِنْ أَحَدٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ اسْتَجَارَكَ فَأَجِرْهُ حَتَّى يَسْمَعَ كَلَامَ﴾ [التوبة: ٦]. ١٥ - وفي قَوْلِهِ: «إِنَّ الَّذِي سَأَلْتُكَ عَنْهُ قَدِ ابْتُلِيتُ بِهِ». أنَّ من جملة أسباب النهي عن المسائل قبل نزول الوحي أنَّ العبد قد يبتلى بما سأل عنه. لكن جاء ما يدل على أنَّه سأل عن أمر قد حدث له، فروى البخاري (٥٢٥٩)، ومسلم (١٤٩٢) عَنِ سَهْلِ بْنِ سَعْدٍ السَّاعِدِيَّ: أَنَّ عُوَيْمِرًا العَجْلَانِيَّ جَاءَ إِلَى عَاصِمِ بْنِ عَدِيٍّ الأَنْصَارِيِّ، فَقَالَ لَهُ: يَا عَاصِمُ، أَرَأَيْتَ رَجُلًا وَجَدَ مَعَ امْرَأَتِهِ

стр. 6289

رَجُلًا، أَيَقْتُلُهُ فَتَقْتُلُونَهُ، أَمْ كَيْفَ يَفْعَلُ؟ سَلْ لِي يَا عَاصِمُ عَنْ ذَلِكَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ ، فَسَأَلَ عَاصِمٌ عَنْ ذَلِكَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ ، فَكَرِهَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ المَسَائِلَ وَعَابَهَا، حَتَّى كَبُرَ عَلَى عَاصِمٍ مَا سَمِعَ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ، فَلَمَّا رَجَعَ عَاصِمٌ إِلَى أَهْلِهِ، جَاءَ عُوَيْمِرٌ فَقَالَ: يَا عَاصِمُ، مَاذَا قَالَ لَكَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ؟ فَقَالَ عَاصِمٌ: لَمْ تَأْتِنِي بِخَيْرٍ، قَدْ كَرِهَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ المَسْأَلَةَ الَّتِي سَأَلْتُهُ عَنْهَا، قَالَ عُوَيْمِرٌ: وَاللَّهِ لَا أَنْتَهِي حَتَّى أَسْأَلَهُ عَنْهَا، فَأَقْبَلَ عُوَيْمِرٌ حَتَّى أَتَى رَسُولَ اللَّهِ ﷺ وَسْطَ النَّاسِ، فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ أَرَأَيْتَ رَجُلًا وَجَدَ مَعَ امْرَأَتِهِ رَجُلًا، أَيَقْتُلُهُ فَتَقْتُلُونَهُ، أَمْ كَيْفَ يَفْعَلُ؟ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «قَدْ أَنْزَلَ اللَّهُ فِيكَ وَفِي صَاحِبَتِكَ، فَاذْهَبْ فَأْتِ بِهَا». قَالَ سَهْلٌ: فَتَلَاعَنَا وَأَنَا مَعَ النَّاسِ عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ، فَلَمَّا فَرَغَا، قَالَ عُوَيْمِرٌ: كَذَبْتُ عَلَيْهَا يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنْ أَمْسَكْتُهَا، فَطَلَّقَهَا ثَلَاثًا، قَبْلَ أَنْ يَأْمُرَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ . * * *

стр. 6290

٣١٨ - عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ ﵄: «أَنَّ رَجُلاً رَمَى امْرَأَتَهُ، وَانْتَفَى مِنْ وَلَدِهَا فِي زَمَنِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَأَمَرَهُمَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فَتَلاعَنَا، كَمَا قَالَ اللَّه تَعَالَى، ثُمَّ قَضَى بِالْوَلَدِ لِلْمَرْأَةِ، وَفَرَّقَ بَيْنَ الْمُتَلاعِنَيْنِ». وَانْتَفَى مِنْ وَلَدِهَا: أَنكَرَهُ وبَرِئ منْهُ. وَفِي الْحَدِيْثِ مَسَائِلُ مِنْهَا: ١ - ثبوت اللعان. ٢ - التفريق بين المتلاعنين، وقد مضى الكلام في ذلك. ٣ - انتساب ولد الملاعنة لأمه دون أبيه. قَالَ الْعَلَّامَةُ ابْنُ الْقَيِّمِ ﵀ فِي [زَادِ الْمَعَادِ] (٥/ ٣٩٧ - ٣٩٩): «الحكم السادس: انقطاع نسب الولد من جهة الأب، لأنَّ رسول الله ﷺ قضى ألَّا يدعى ولدها لأب، وهذا هو الحق، وهو قول الجمهور، وهو أجل فوائد اللعان، وشذ بعض أهل العلم، وقال: المولود للفراش لا ينفيه اللعان البتة، لأنَّ النبي ﷺ قضى أنَّ الولد للفراش، وإنَّما ينفي اللعان الحمل،

стр. 6291

فإن لم يلاعنها حتى ولدت، لاعن لإسقاط الحد فقط، ولا ينتفي ولدها منه، وهذا مذهب أبي محمد بن حزم، واحتج عليه بأنَّ رسول الله ﷺ قضى أنَّ الولد لصاحب الفراش، قال: فصح أنَّ كل من ولد على فراشه ولد، فهو ولده إلَّا حيث نفاه الله على لسان رسوله ﷺ ، أو حيث يوقن بلا شك أنَّه ليس ولده، ولم ينفه ﷺ إلَّا وهي حامل باللعان فقط، فبقى ما عدا ذلك على لحاق النسب، قال: ولذلك قلنا: إن صدقته في أنَّ الحمل ليس منه، فإنَّ تصديقها له لا يلتفت إليه لأنَّ الله تعالى يقول: ﴿وَلَا تَكْسِب كُلُّ نَفْسٍ إلاَّ عَلَيْهَا﴾ فوجب أنَّ إقرار الأبوين يصدق على نفي الولد، فيكون كسباً على غيرهما، وإنَّما نفى الله الولد إذا أكذبته الأم، والتعنت هي والزوج فقط، فلا ينتفى في غير هذا الموضع، انتهى كلامه. وهذا ضد مذهب من يقول: إنَّه لا يصح اللعان على الحمل حتى تضع، كما يقول أحمد وأبو حنيفة، والصحيح: صحته على الحمل، وعلى الولد بعد وضعه، كما قاله مالك والشافعي، فالأقوال ثلاثة. ولا تنافي بين هذا الحكم وبين الحكم بكون الولد للفراش بوجه ما، فإنَّ الفراش قد زال باللعان، وإنَّما حكم رسول الله ﷺ بأنَّ الولد للفراش

стр. 6292

عند تعارض الفراش، ودعوى الزاني، فأبطل دعوى الزاني للولد وحكم به لصاحب الفراش، وهاهنا صاحب الفراش قد نفى الولد عنه. فإن قيل: فما تقولون: لو لاعن لمجرد نفي الولد مع قيام الفراش، فقال: لم تزن، ولكن ليس هذا الولد ولدي؟ قيل: في ذلك قولان للشافعي، وهما روايتان منصوصتان عن أحمد. إحداهما: أنَّه لا لعان بينهما، ويلزمه الولد، وهي اختيار الخرقي. والثانية: أنَّ له أن يلاعن لنفي الولد، فينتفي عنه بلعانه وحده، وهي اختيار أبي البركات ابن تيمية، وهي الصحيحة. فإن قيل: فخالفتم حكم رسول الله ﷺ أنَّ الولد للفراش. قلنا: معاذ الله، بل وافقنا أحكامه حيث وقع غيرنا في خلاف بعضها تأويلاً، فإنَّه إنَّما حكم بالولد للفراش حيث ادعاه صاحب الفراش، فرجح دعواه بالفراش، وجعله له، وحكم بنفيه عن صاحب الفراش حيث نفاه عن نفسه، وقطع نسبه منه، وقضى ألَّا يدعى لأب، فوافقنا الحكمين، وقلنا بالأمرين، ولم نفرق تفريقاً بارداً جداً سمجاً لا أثر له في نفي الولد حملاً ونفيه مولوداً، فإنَّ الشريعة لا تأتي على هذا الفرق الصوري الذي لا معنى تحته البتة، وإنَّما يرتضي هذا من قل نصيبه

стр. 6293

من ذوق الفقه وأسرار الشريعة وحكمها ومعانيها، والله المستعان، وبه التوفيق» اهـ. قُلْتُ: والذي يظهر لي صحة اللعان بنفي الولد من غير القذف بالزنا فقد يحصل وطء المرأة في غير الزنا من جهتها كوطء الشبهة، ووطء النائمة، والمغمى عليها، والمجنونة، أو عن طريق الإكراه، أو إدخال ماء الغير في الرحم من غير وطء، فإذا حصل مثل هذا، وقد تيقن الزوج برآءة رحمها من مائه فله أن يلاعن بنفي الولد دون الرمي بالزنا، بل يحرم رميها بالزنا لعدم حصوله منها. ٤ - قَالَ الْعَلَّامَةُ ابْنُ الْقَيِّمِ ﵀ فِي [زَادِ الْمَعَادِ] (٥/ ٣٩٩ - ٤٠١): «الحكم السابع: إلحاق الولد بأمه عند انقطاع نسبه من جهة أبيه، وهذا الإلحاق يفيد حكماً زائداً على إلحاقه بها مع ثبوت نسبه من الأب، وإلَّا كان عديم الفائدة فإنَّ خروج الولد منها أمر محقق، فلابد في الإلحاق من أمر زائد عليه، وعلى ما كان حاصلاً مع ثبوت النسب من الأب، وقد اختلف في ذلك. فقالت طائفة: أفاد هذا الإلحاق قطع توهم انقطاع نسب الولد من الأم، كما انقطع من الأب، وأنَّه لا ينسب إلى أم، ولا إلى أب، فقطع النبي ﷺ

стр. 6294

هذا الوهم وألحق بالأم، وأكد هذا بإيجابه الحد على من قذفه أو قذف أمه، وهذا قول الشافعي ومالك، وأبي حنيفة، وكل من لا يرى أنَّ أمه وعصباتها له. وقالت طائفة ثانية: بل أفادنا هذا الإلحاق فائدة زائدة، وهي تحويل النسب الذي كان إلى أبيه إلى أمه، وجعل أمه قائمة مقام أبيه في ذلك، فهي عصبته وعصباتها أيضاً عصبته، فإذا مات، حازت ميراثه، وهذا قول ابن مسعود، ويروى عن علي، وهذا القول هو الصواب، لما روى أهل السنن الأربعة، من حديث واثلة بن الأسقع، عن النبي ﷺ أنه قال: "تحوز المرأة ثلاثة مواريث: عتيقها، ولقيطها، وولدها الذي لاعنت عليه"، ورواه الإمام أحمد وذهب إليه. وروى أبو داود في "سننه": من حديث عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده عن النبي ﷺ ، أنَّه جعل ميراث ابن الملاعنة لأمه ولورثتها من بعدها. وفي السنن أيضاً مرسلاً: من حديث مكحول، قال: جعل رسول الله ﷺ ميراث ابن الملاعنة لأمه ولورثتها من بعدها. هذه الآثار موافقة لمحض القياس، فإنَّ النسب في الأصل للأب، فإذا انقطع من جهته صار للأم، كما أنَّ الولاء في الأصل لمعتق الأب، فإذا كان الأب رقيقاً كان لمعتق الأم. فلو أعتق

стр. 6295

الأب بعد هذا، انجر الولاء من موالي الأم إليه، ورجع إلى أصله، وهو نظير ما إذا كذب الملاعن نفسه، واستلحق الولد، رجع النسب والتعصيب من الأم وعصبتها إليه. فهذا محض القياس، وموجب الأحاديث والآثار، وهو مذهب حبر الأمة وعالمها عبد الله بن مسعود، ومذهب إمامي أهل الأرض في زمانهما، أحمد بن حنبل وإسحاق بن راهويه، وعليه يدل القرآن بألطف إيماء وأحسنه، فإنَّ الله سبحانه جعل عيسى من ذرية إبراهيم بواسطة مريم أمه، وهي من صميم ذرية إبراهيم، وسيأتي مزيد تقرير لهذا عند ذكر أقضية النبي ﷺ وأحكامه في الفرائض إن شاء الله تعالى. فإن قيل: فما تصنعون بقوله في حديث سهل الذي رواه مسلم في "صحيحه" في قصة اللعان: وفي آخره: ثم جرت السنة أن يرث منها وترث منه ما فرض الله لها؟ قيل: نتلقاه بالقبول والتسليم والقول بموجبه، وإن أمكن أن يكون مدرجاً من كلام ابن شهاب وهو الظاهر، فإنَّ تعصيب الأم لا يسقط ما فرض الله لها من ولدها في كتابه، وغايتها أن تكون كالأب حيث يجتمع له الفرض والتعصيب، فهي تأخذ فرضها ولابد فإن فضل شيء أخذته بالتعصيب، وإلَّا فازت بفرضها، فنحن قائلون بالآثار كلها في هذا الباب بحمد الله وتوفيقه» اهـ.

стр. 6296

٥ - وفيه أنَّ الولد ينتفي في اللعان بنفيه. وهل ينتفي باللعان من غير نفي له فيه نزاع، والذي يظهر لي أنَّه لا ينتفي إلَّا بنفيه له، وذلك أنَّه لا تلازم بين قذفه لامرأته بالزنا، وكون الحمل ليس منه، فإنَّ الزنا قد يحصل بعد حملها منه. قَالَ الْحِافِظُ ابْنُ حَجَرٍ ﵀ فِي [فَتْحِ الْبَارِي] (٩/ ٤٦٠): «واستدل بهذا الحديث على مشروعية اللعان لنفي الولد، وعن أحمد ينتفي الولد بمجرد اللعان ولو لم يتعرض الرجل لذكره في اللعان وفيه نظر لأنَّه لو استلحقه لحقه وإنَّما يؤثر لعان الرجل دفع حد القذف عنه وثبوت زنا المرأة ثم يرتفع عنها الحد بالتعانها. وقال الشافعي: إنَّ نفى الولد في الملاعنة انتفى، وإن لم يتعرض له فله أن يعيد اللعان لانتفائه ولا إعادة على المرأة» اهـ. وَقَالَ الْعَلَّامَةُ أَبُو الْوَلِيْدِ ابْنُ رُشْدٍ ﵀ فِي [الْمُقَدِمَاتِ] (١/ ٦٣٥): «فصل: فإذا لاعن على الرؤية وادعى الاستبراء انتفى الولد بإجماع. وأمَّا إن لم يدع الاستبراء فاختلف هل ينتفي الولد بذلك اللعان أم لا؟ على ثلاثة أقوال: أحدها: أنَّ الولد ينفيه اللعان على كل حال وإن ولد لأقل من ستة أشهر وهو أحد قولي مالك في المدونة.

стр. 6297

والثاني: أنه لا ينفيه بحال وإن ولد لأكثر من ستة أشهر ويلحق به وهو قول عبد الملك وأشهب. والثالث: التفرقة بين أن يولد لأقل من خمسة أشهر أو لأكثر منها، وهو القول الثاني لمالك في المدونة» اهـ. وَقَالَ الْحَافِظُ أَبُو زُرْعَةَ ابْنُ الْحَافِظِ الْعِرَاقِيِّ ﵀ فِي [طَرْحِ الْتَثْرِيْبِ] (٧/ ٢٩٧): «وفيه دليل على صحة لعان الحامل لنفي الحمل، وبه قال مالك والشافعي والجمهور، وذهب أبو حنيفة وأحمد وعبد الملك بن الماجشون إلى أنَّه لا يصح لعان الحامل لنفي الحمل، وإنَّما يكون لدفع العقوبة عند القذف فإن كانت مع ذلك حاملاً لم ينتف الحمل. قال الحنابلة إلَّا أن يصف زناً يلزم منه نفيه كمن ادعى زناها في طهر لم يصبها فيه، واعتزلها حتى ظهر حملها ثم لاعنها لذلك ثم وضعته لمدة الإمكان من دعواه فإنَّه ينتفي عنه، واعتل هؤلاء في إنكار نفي الحمل بأنَّه لا يتحقق، وأجابوا عن هذا الحديث بأنَّه ﵊ عرف وجود الحمل بالوحي، وفيه نظر لأنَّه ﵊ إنَّما يرتب الأحكام على الأمور الظاهرة التي يمكن أن يشاركه فيها الحكام بعده» اهـ.

стр. 6298

٦ - واحتج بنفي الولد في اللعان من قال: إنَّ الولد لو كان بنتاً جاز للملاعن الزواج بها، وهو قول لبعض الشافعية. قَالَ الْحِافِظُ ابْنُ حَجَرٍ ﵀ فِي [فَتْحِ الْبَارِي] (٩/ ٤٦١): «واستدل به على أنَّ الولد المنفي باللعان لو كان بنتاً حل للملاعن نكاحها وهو وجه شاذ لبعض الشافعية والأصح كقول الجمهور أنَّها تحرم لأنَّها ربيبته في الجملة» اهـ. قُلْتُ: وقد مضى الكلام على هذه المسألة عند شرحنا لحديث أم حبيبة. * * *

стр. 6299

٣١٩ - عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ: «جَاءَ رَجُلٌ مِنْ بَنِي فَزَارَةَ إلَى النَّبِيِّ ﷺ فَقَالَ: إنَّ امْرَأَتِي وَلَدَتْ غُلاماً أَسْوَدَ. فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ "هَلْ لَك إبِلٌ؟ " قَالَ: نَعَمْ. قَالَ: "فَمَا أَلْوَانُهَا؟ ". قَالَ: حُمْرٌ. قَالَ: "فَهَلْ يَكُونُ فِيهَا مِنْ أَوْرَقَ؟ " قَالَ: إنَّ فِيهَا لَوُرْقاً. قَالَ: "فَأَنَّى أَتَاهَا ذَلِكَ؟ ". قَالَ: عَسَى أَنْ يَكُونَ نَزَعَهُ عِرْقٌ. قَالَ: "وَهَذَا عَسَى أَنْ يَكُونَ نَزَعَهُ عِرْقٌ"». قَوْلُهُ: «فَهَلْ يَكُونُ فِيهَا مِنْ أَوْرَقَ». الأورق الذي فيه سواد ليس بحالك بل يميل إلى الْغُبْرَةِ، وهو الرمادي، وقيل: هو الأسمر. وقَوْلُهُ: «نَزَعَهُ عِرْقٌ». قَالَ الْحِافِظُ ابْنُ حَجَرٍ ﵀ فِي [فَتْحِ الْبَارِي] (٩/ ٤٤٤): «والمراد بالعرق الأصل من النسب شبهه بعرق الشجرة، ومنه قولهم: فلان عريق في الأصالة أي أنَّ أصله متناسب وكذا معرق في الكرم أو اللؤم، وأصل النزع الجذب، وقد يطلق على الميل، ومنه ما وقع في قصة عبد الله بن سلام حين سئل عن شبة الولد بأبيه أو بأمه: نزع إلى أبيه أو إلى أمة» اهـ. وَفِي الْحَدِيْثِ مَسَائِلُ مِنْهَا: ١ - لحوق النسب بالزوج مع اختلاف اللون.

стр. 6300

٢ - عدم إقامة الحد بالتعريض إذا كان على وجه السؤال والاستفتاء. قُلْتُ: وأمَّا ما كان على وجه المشاتمة ففيه الحد على الصحيح إذا كان تعريضاً مفهماً وهو مذهب الإمام مالك، ورواية عن أحمد، وهو مذهب إسحاق أيضاً رحمهم الله تعالى. قَالَ الْحِافِظُ ابْنُ حَجَرٍ ﵀ فِي [فَتْحِ الْبَارِي] (٩/ ٤٤٣): «ويؤخذ منه أنَّ التعريض بالقذف ليس قذفاً، وبه قال الجمهور، واستدل الشافعي بهذا الحديث لذلك، وعن المالكية يجب به الحد إذا كان مفهوماً وأجابوا عن الحديث بما سيأتي بيانه في آخر شرحه. وقال ابن دقيق العيد: في الاستدلال بالحديث نظر لأنَّ المستفتي لا يجب عليه حد ولا تعزير. قُلْتُ: وفي هذا الإطلاق نظر لأنَّه قد يستفتي بلفظ لا يقتضي القذف وبلفظ يقتضيه، فمن الأول: أن يقول مثلاً: إذا كان زوج المرأة أبيض فأتت بولد أسود ما الحكم؟. ومن الثاني: أن يقول مثلاً: إنَّ امرأتي أتت بولد أسود وأنا أبيض. فيكون تعريضاً، أو يزيد فيه مثلاً: زنت، فيكون تصريحاً، والذي ورد في حديث الباب هو الثاني فيتم الاستدلال.

стр. 6301

وقد نبه الخطابي على عكس هذا فقال: لا يلزم الزوج إذا صرح بأنَّ الولد الذي وضعته امرأته ليس منه حد قذف لجواز أن يريد أنَّها وطئت بشبهة أو وضعته من الزوج الذي قبله إذا كان ذلك ممكناً» اهـ. وَقَالَ الْعَلَّامَةُ ابْنُ الْقَيِّمِ ﵀ فِي [زَادِ الْمَعَادِ] (٥/ ٤٠٩): «وهذا الحديث من الفقه: أنَّ الحد لا يجب بالتعريض إذا كان على وجه السؤال والاستفتاء، ومن أخذ منه أنَّه لا يجب بالتعريض ولو كان على وجه المقابحة والمشاتمة، فقد أبعد النجعة، ورب تعريض أفهم، وأوجع للقلب، وأبلغ في النكاية من التصريح، وبساط الكلام وسياقه يرد ما ذكروه من الاحتمال، ويجعل الكلام قطعي الدلالة على المراد» اهـ. ٣ - قَالَ الْعَلَّامَةُ ابْنُ الْقَيِّمِ ﵀ فِي [زَادِ الْمَعَادِ] (٥/ ٤٠٩): «وفيه أنَّ مجرد الريبة لا يسوغ اللعان ونفي الولد» اهـ. قُلْتُ: لكن إن وجدت التهمة جاز اللعان ونفي الولد، وذلك كأن يكون الزوج متهماً لزوجته بالوقوع في الفاحشة مع رجل معين فولدت مولوداً يشبه لونه لون ذلك الرجل.

стр. 6302

وقد روى البخاري (٤٧٤٥) عَنْ سَهْلِ بْنِ سَعْدٍ قَالَ، قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «انْظُرُوا فَإِنْ جَاءَتْ بِهِ أَسْحَمَ، أَدْعَجَ العَيْنَيْنِ، عَظِيمَ الأَلْيَتَيْنِ، خَدَلَّجَ السَّاقَيْنِ، فَلَا أَحْسِبُ عُوَيْمِرًا إِلَّا قَدْ صَدَقَ عَلَيْهَا، وَإِنْ جَاءَتْ بِهِ أُحَيْمِرَ كَأَنَّهُ وَحَرَةٌ، فَلَا أَحْسِبُ عُوَيْمِرًا إِلَّا قَدْ كَذَبَ عَلَيْهَا»، فَجَاءَتْ بِهِ عَلَى النَّعْتِ الَّذِي نَعَتَ بِهِ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ مِنْ تَصْدِيقِ عُوَيْمِرٍ، فَكَانَ بَعْدُ يُنْسَبُ إِلَى أُمِّهِ. قُلْتُ: الأسحم هو شديد السواد، والدعج في العين شدة سوادها، والخدلج العظيم، والأحيمر تصغير أحمر، والحرة دويبة حمراء تلزق بالأرض كالعضاة. قَالَ الْحِافِظُ ابْنُ حَجَرٍ ﵀ فِي [فَتْحِ الْبَارِي] (٩/ ٤٤٤): «وفيه أنَّ الزوج لا يجوز له الانتفاء من ولده بمجرد الظن وأنَّ الولد يلحق به ولو خالف لونه لون أمة. وقال القرطبي تبعاً لابن رشد: لا خلاف في أنَّه لا يحل نفي الولد باختلاف الألوان المتقاربة كالأدمة والسمرة، ولا في البياض والسواد إذا كان قد أقر بالوطء ولم تمض مدة الاستبراء. وكأنَّه أراد في مذهبه وإلَّا فالخلاف ثابت عند الشافعية بتفصيل فقالوا: إن لم ينضم إليه قرينة زنا لم يجز النفي، فإن اتهمها فأتت بولد على لون الرجل الذي اتهمها به

стр. 6303

جاز النفي على الصحيح، وفي حديث ابن عباس الآتي في اللعان ما يقويه، وعند الحنابلة يجوز النفي مع القرينة مطلقاً والخلاف إنَّما هو عند عدمها وهو عكس ترتيب الخلاف عند الشافعية» اهـ. ٤ - قَالَ الْعَلَّامَةُ ابْنُ الْقَيِّمِ ﵀ فِي [زَادِ الْمَعَادِ] (٥/ ٤٠٩): «وفيه ضرب الأمثال والأشباه والنظائر في الأحكام، ومن تراجم البخاري في "صحيحه" على هذا الحديث: باب من شبه أصلاً معلوماً بأصل مبين قد بين الله حكمه ليفهم السائل، وساق معه حديث: "أرأيت لو كان على أمك دين؟ "» اهـ. وَقَالَ ﵀ فِي [بَدَائِعِ الْفَوَائِدِ] (٤/ ٩٤١): «وتأمل قوله للرجل الذي استفتاه عن امرأته وقد ولدت غلاماً أسود فأنكر ذلك فقال له النبي ﷺ : "ألك إبل". قال: "نعم". قال: "فما لونها" قال: سود. قال: "هل فيها من أورق". قال: "نعم". قال: "فأني له ذلك". قال: عسى أن يكون نزعه عرق. قال: "وهذا عسى أن يكون نزعه عرق". كيف تضمن إلغاء هذا الوصف الذي لا تأثير له في الحكم وهو مجرد اللون ومخالفة الولد للأبوين فيه وإنَّ مثل هذا لا يوجب ريبة وأنَّ نظيره في المخلوقات مشاهد بالحس والله تعالى خالق الإبل وخالق بني آدم وهو الخلاق العليم فكما أنَّ الجمل الأورق قد يتولد من بين أبوين أسودين

стр. 6304

فكذلك الولد الأسود قد يتولد من بين أبوين أبيضين وإنَّ ما جوز به من سبب ذلك في الإبل هو بعينه قائم في بنى آدم. فهذا من أصح المناظرة والإرشاد إلى اعتبار ما يجب من الأوصاف وإلغاء ما يجب إلغاؤه منها وإن حكم الشيء حكم نظيره وإنَّ العلل والمعاني حق شرعاً وقدراً» اهـ. قُلْتُ: وهو من حجج أهل العلم في إثبات القياس. وذلك أنَّه ﵊ شبه هذا الرجل المخالف للونه بولد الإبل المخالف لألوانها، وذكر العلة الجامعة، وهي نزوع العرق. قَالَ الْعَلَّامَةُ الْنَوَوِي ﵀ فِي [شَرْحِ مُسْلِمٍ] (٥/ ٢٦٩): «وفيه إثبات القياس والاعتبار بالأشباه، وضرب الأمثال» اهـ. ٥ - وفيه أنَّ المولود قد يشبه جداً بعيداً. ٦ - وفيه تقديم حكم الفراش على ما يشعر به من مخالفة الشبه. ٧ - وفيه الاحتياط للأنساب. قَالَ الْعَلَّامَةُ الْنَوَوِي ﵀ فِي [شَرْحِ مُسْلِمٍ] (٥/ ٢٦٩): «وفيه: الاحتياط للأنساب، وإلحاقها بمجرد الإمكان» اهـ.

стр. 6305

٨ - وفيه الابتعاد عن سوء الظن. ٩ - الرجوع إلى أهل العلم عند اشتباه الأمور. * * *
следующие страницы →