Полный текст (8 095 стр.). Показаны 6301–6340 · переход к 6306.
стр. 6301
وقد نبه الخطابي على عكس هذا فقال: لا يلزم الزوج إذا صرح بأنَّ الولد الذي وضعته امرأته ليس منه حد قذف لجواز أن يريد أنَّها وطئت بشبهة أو وضعته من الزوج الذي قبله إذا كان ذلك ممكناً» اهـ.
وَقَالَ الْعَلَّامَةُ ابْنُ الْقَيِّمِ ﵀ فِي [زَادِ الْمَعَادِ] (٥/ ٤٠٩): «وهذا الحديث من الفقه: أنَّ الحد لا يجب بالتعريض إذا كان على وجه السؤال والاستفتاء، ومن أخذ منه أنَّه لا يجب بالتعريض ولو كان على وجه المقابحة والمشاتمة، فقد أبعد النجعة، ورب تعريض أفهم، وأوجع للقلب، وأبلغ في النكاية من التصريح، وبساط الكلام وسياقه يرد ما ذكروه من الاحتمال، ويجعل الكلام قطعي الدلالة على المراد» اهـ.
٣ - قَالَ الْعَلَّامَةُ ابْنُ الْقَيِّمِ ﵀ فِي [زَادِ الْمَعَادِ] (٥/ ٤٠٩): «وفيه أنَّ مجرد الريبة لا يسوغ اللعان ونفي الولد» اهـ.
قُلْتُ: لكن إن وجدت التهمة جاز اللعان ونفي الولد، وذلك كأن يكون الزوج متهماً لزوجته بالوقوع في الفاحشة مع رجل معين فولدت مولوداً يشبه لونه لون ذلك الرجل.
стр. 6302
وقد روى البخاري (٤٧٤٥) عَنْ سَهْلِ بْنِ سَعْدٍ قَالَ، قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «انْظُرُوا فَإِنْ جَاءَتْ بِهِ أَسْحَمَ، أَدْعَجَ العَيْنَيْنِ، عَظِيمَ الأَلْيَتَيْنِ، خَدَلَّجَ السَّاقَيْنِ، فَلَا أَحْسِبُ عُوَيْمِرًا إِلَّا قَدْ صَدَقَ عَلَيْهَا، وَإِنْ جَاءَتْ بِهِ أُحَيْمِرَ كَأَنَّهُ وَحَرَةٌ، فَلَا أَحْسِبُ عُوَيْمِرًا إِلَّا قَدْ كَذَبَ عَلَيْهَا»، فَجَاءَتْ بِهِ عَلَى النَّعْتِ الَّذِي نَعَتَ بِهِ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ مِنْ تَصْدِيقِ عُوَيْمِرٍ، فَكَانَ بَعْدُ يُنْسَبُ إِلَى أُمِّهِ.
قُلْتُ: الأسحم هو شديد السواد، والدعج في العين شدة سوادها، والخدلج العظيم، والأحيمر تصغير أحمر، والحرة دويبة حمراء تلزق بالأرض كالعضاة.
قَالَ الْحِافِظُ ابْنُ حَجَرٍ ﵀ فِي [فَتْحِ الْبَارِي] (٩/ ٤٤٤): «وفيه أنَّ الزوج لا يجوز له الانتفاء من ولده بمجرد الظن وأنَّ الولد يلحق به ولو خالف لونه لون أمة.
وقال القرطبي تبعاً لابن رشد: لا خلاف في أنَّه لا يحل نفي الولد باختلاف الألوان المتقاربة كالأدمة والسمرة، ولا في البياض والسواد إذا كان قد أقر بالوطء ولم تمض مدة الاستبراء.
وكأنَّه أراد في مذهبه وإلَّا فالخلاف ثابت عند الشافعية بتفصيل فقالوا: إن لم ينضم إليه قرينة زنا لم يجز النفي، فإن اتهمها فأتت بولد على لون الرجل الذي اتهمها به
стр. 6303
جاز النفي على الصحيح، وفي حديث ابن عباس الآتي في اللعان ما يقويه، وعند الحنابلة يجوز النفي مع القرينة مطلقاً والخلاف إنَّما هو عند عدمها وهو عكس ترتيب الخلاف عند الشافعية» اهـ.
٤ - قَالَ الْعَلَّامَةُ ابْنُ الْقَيِّمِ ﵀ فِي [زَادِ الْمَعَادِ] (٥/ ٤٠٩): «وفيه ضرب الأمثال والأشباه والنظائر في الأحكام، ومن تراجم البخاري في "صحيحه" على هذا الحديث: باب من شبه أصلاً معلوماً بأصل مبين قد بين الله حكمه ليفهم السائل، وساق معه حديث: "أرأيت لو كان على أمك دين؟ "» اهـ.
وَقَالَ ﵀ فِي [بَدَائِعِ الْفَوَائِدِ] (٤/ ٩٤١): «وتأمل قوله للرجل الذي استفتاه عن امرأته وقد ولدت غلاماً أسود فأنكر ذلك فقال له النبي ﷺ : "ألك إبل". قال: "نعم". قال: "فما لونها" قال: سود. قال: "هل فيها من أورق". قال: "نعم". قال: "فأني له ذلك". قال: عسى أن يكون نزعه عرق. قال: "وهذا عسى أن يكون نزعه عرق". كيف تضمن إلغاء هذا الوصف الذي لا تأثير له في الحكم وهو مجرد اللون ومخالفة الولد للأبوين فيه وإنَّ مثل هذا لا يوجب ريبة وأنَّ نظيره في المخلوقات مشاهد بالحس والله تعالى خالق الإبل وخالق بني آدم وهو الخلاق العليم فكما أنَّ الجمل الأورق قد يتولد من بين أبوين أسودين
стр. 6304
فكذلك الولد الأسود قد يتولد من بين أبوين أبيضين وإنَّ ما جوز به من سبب ذلك في الإبل هو بعينه قائم في بنى آدم.
فهذا من أصح المناظرة والإرشاد إلى اعتبار ما يجب من الأوصاف وإلغاء ما يجب إلغاؤه منها وإن حكم الشيء حكم نظيره وإنَّ العلل والمعاني حق شرعاً وقدراً» اهـ.
قُلْتُ: وهو من حجج أهل العلم في إثبات القياس.
وذلك أنَّه ﵊ شبه هذا الرجل المخالف للونه بولد الإبل المخالف لألوانها، وذكر العلة الجامعة، وهي نزوع العرق.
قَالَ الْعَلَّامَةُ الْنَوَوِي ﵀ فِي [شَرْحِ مُسْلِمٍ] (٥/ ٢٦٩): «وفيه إثبات القياس والاعتبار بالأشباه، وضرب الأمثال» اهـ.
٥ - وفيه أنَّ المولود قد يشبه جداً بعيداً.
٦ - وفيه تقديم حكم الفراش على ما يشعر به من مخالفة الشبه.
٧ - وفيه الاحتياط للأنساب.
قَالَ الْعَلَّامَةُ الْنَوَوِي ﵀ فِي [شَرْحِ مُسْلِمٍ] (٥/ ٢٦٩): «وفيه: الاحتياط للأنساب، وإلحاقها بمجرد الإمكان» اهـ.
стр. 6305
٨ - وفيه الابتعاد عن سوء الظن.
٩ - الرجوع إلى أهل العلم عند اشتباه الأمور.
* * *
стр. 6306
٣٢٠ - عَنْ عَائِشَةَ ﵂، قَالَتْ: «اخْتَصَمَ سَعْدُ بْنُ أَبِي وَقَّاصٍ وَعَبْدُ بْنُ زَمْعَةَ فِي غُلامٍ. فَقَالَ سَعْدٌ: يَا رَسُولَ اللَّهِ هَذَا ابْنُ أَخِي عُتْبَةَ بْنِ أَبِي وَقَّاصٍ، عَهِدَ إلَيَّ أَنَّهُ ابْنُهُ، اُنْظُرْ إلَى شَبَهِهِ. وَقَالَ عَبْدُ بْنُ زَمْعَةَ: هَذَا أَخِي يَا رَسُولَ اللَّهِ، وُلِدَ عَلَى فِرَاشِ أَبِي مِنْ وَلِيدَتِهِ، فَنَظَرَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إلَى شَبَهِهِ، فَرَأَى شَبَهًا بَيِّنًا بِعُتْبَةَ فَقَالَ: "هُوَ لَك يَا عَبْدُ بْنَ زَمْعَةَ، الْوَلَدُ لِلْفِرَاشِ وَلِلْعَاهِرِ الْحَجَرُ. وَاحْتَجِبِي مِنْهُ يَا سَوْدَةُ"، فَلَمْ يَرَ سَوْدَةَ قَطُّ».
قَوْلُهُ: «الْوَلَدُ لِلْفِرَاشِ». أي لمالك الفراش وهو السيد أو الزوج، وسميت الزوجة أو الأمة فراشاً لأنَّ الزوج أو السيد يستفرشها أي: يصيرها بوطئه لها فراشاً له.
وقَوْلُهُ: «وَلِلْعَاهِرِ الْحَجَرُ». قَالَ الْعَلَّامَةُ الْقُرْطُبِي ﵀ فِي [الْمُفْهِم] (١٣/ ٤٨): «واختلف في معنى: "للعاهر الحجر". فمنهم من قال: عنى به الرَّجم للزاني المحصن. ومنهم من قال: يعني به: الخيبة؛ أي: لا حظَّ له في الولد؛ لأنَّ العرب تجعل هذا مثلاً. كما يقولون: امتلأت يده ترابًا؛ أي: خيبة.
قُلْتُ: وكان هذا هو الأشبه بمساق الحديث، وبسببه. وهي حاصلة؛ أي: الخيبة لكل الزناة. فيكون اللفظ محمولاً على عمومه. وهو الأصل. ويؤخذ دليل الرَّجم
стр. 6307
من موضع آخر. وحمله على الزاني المحصن تخصيص اللفظ من غير حاجة ولا دليل» اهـ.
وَفِي الْحَدِيْثِ مَسَائِلُ مِنْهَا:
١ - أنَّ الولد للفراش أي لصاحب الفراش.
قَالَ الْعَلَّامَةُ ابْنُ الْقَيِّمِ ﵀ فِي [زَادِ الْمَعَادِ] (٥/ ٤١٠): «فأمَّا ثبوت النسب بالفراش، فأجمعت عليه الأمة، وجهات ثبوت النسب أربعة: الفراش، والاستلحاق، والبينة، والقافة. فالثلاثة الأول، متفق عليها» اهـ.
٢ - أنَّ الفراش مقدم على الشبه.
٣ - أنَّ الأمة تكون فراشاً بالوطء.
قَالَ الْعَلَّامَةُ ابْنُ الْقَيِّمِ ﵀ فِي [زَادِ الْمَعَادِ] (٥/ ٤١٠ - ٤١٥): «واتفق المسلمون على أنَّ النكاح يثبت به الفراش، واختلفوا في التسري، فجعله جمهور الأمة موجباً للفراش، واحتجوا بصريح حديث عائشة الصحيح، وأنَّ النبي ﷺ قضى بالولد لزمعة، وصرح بأنَّه صاحب الفراش، وجعل ذلك علة للحكم بالولد له فسبب الحكم ومحله إنَّما كان في الأمة، فلا يجوز إخلاء الحديث منه وحمله على الحرة التي لم تذكر البتة، وإنَّما كان الحكم في غيرها، فإنَّ
стр. 6308
هذا يستلزم إلغاء ما اعتبره الشارع وعلق الحكم به صريحاً، وتعطيل محل الحكم الذى كان لأجله وفيه.
ثم لو لم يرد الحديث الصحيح فيه، لكان هو مقتضى الميزان الذي أنزل له الله تعالى ليقوم الناس بالقسط، وهو التسوية بين المتماثلين، فإنَّ السرية فراش حساً وحقيقة وحكماً، كما أنَّ الحرة كذلك، وهي تراد لما تراد له الزوجة من الاستمتاع والاستيلاد، ولم يزل الناس قديماً وحديثاً يرغبون في السراري لاستيلادهن واستفراشهن، والزوجة إنَّما سميت فراشاً لمعنى هي والسرية فيه على حد سواء.
وقال أبو حنيفة: لا تكون الأمة فراشاً بأول ولد ولدته من السيد، فلا يلحقه الولد إلَّا إذا استلحقه، فيلحقه حينئذ بالاستلحاق، لا بالفراش، فما ولدت بعد ذلك لحقه إلَّا أن ينفيه، فعندهم ولد الأمة لا يلحق السيد بالفراش، إلَّا أن يتقدمه ولد مستلحق، ومعلوم أنَّ النبي ﷺ ألحق الولد بزمعة، وأثبت نسبه منه، ولم يثبت قط أنَّ هذه الأمة ولدت له قبل ذلك غيره، ولا سأل النبي ﷺ عن ذلك ولا استفصل فيه.
قال منازعوهم: ليس لهذا التفصيل أصل في كتاب ولا سنة، ولا أثر عن صاحب، ولا تقتضيه قواعد الشرع وأصوله.
стр. 6309
قالت الحنفية: ونحن لا ننكر كون الأمة فراشاً في الجملة، ولكنَّه فراش ضعيف، وهي فيه دون الحرة، فاعتبرنا ما تعتق به بأن تلد منه ولداً فيستلحقه، فما ولدت بعد ذلك، لحق به إلَّا أن ينفيه، وأمَّا الولد الأول، فلا يلحقه إلَّا بالاستلحاق، ولهذا قلتم: إنَّه إذا استحلق ولداً من أمته لم يلحقه ما بعده إلَّا باستلحاق مستأنف، بخلاف الزوجة، والفرق بينهما: أنَّ عقد النكاح إنَّما يراد للوطء والاستفراش، بخلاف ملك اليمين، فإنَّ الوطء والاستفراش فيه تابع، ولهذا يجوز وروده على من يحرم عليه وطؤها بخلاف عقد النكاح.
قالوا: والحديث لا حجة لكم فيه، لأنَّ وطء زمعة لم يثبت، وإنَّما ألحقه النبي ﷺ لعبد أخاً، لأنَّه استلحقه، فألحقه باستلحاقه، لا بفراش الأب.
قال الجمهور: إذا كانت الأمة موطوءة، فهي فراش حقيقة وحكماً، واعتبار ولادتها السابقة في صيرورتها فراشاً اعتبار ما لا دليل على اعتباره شرعاً، والنبي ﷺ لم يعتبره في فراش زمعة، فاعتباره تحكم.
وقولكم: إنَّ الأمة لا تفرد للوطء، فالكلام في الأمة الموطوءة التي اتخذت سرية وفراشاً، وجعلت كالزوجة أو أحظى منها لا في أمته التي هي أخته من الرضاع ونحوها.
стр. 6310
وقولكم: إنَّ وطء زمعة لم يثبت حتى يلحق به الولد، ليس علينا جوابه، بل جوابه على من حكم بلحوق الولد بزمعة، وقال لابنه: هو أخوك.
وقولكم: إنَّما ألحقه بالأخ لأنَّه استلحقه: باطل، فإنَّ المستلحق إن لم يقر به جميع الورثة، لم يلحق بالمقر إلَّا أن يشهد منهم اثنان أنَّه ولد على فراش الميت، وعبد لم يكن يقر له جميع الورثة، فإنَّ سودة زوجة النبي ﷺ أخته، وهي لم تقر به، ولم تستلحقه، وحتى لو أقرت به مع أخيها عبد، لكان ثبوت النسب بالفراش لا بالاستلحاق، فإنَّ النبي ﷺ صرح عقيب حكمه بإلحاق النسب، بأنَّ الولد للفراش معللاً بذلك، منبهاً على قضية كلية عامة تتناول هذه الواقعة وغيرها. ثم جواب هذا الاعتراض الباطل المحرم، أنَّ ثبوت كون الأمة فراشاً بالإقرار من الواطئ، أو وارثه كاف في لحقوق النسب، فإنَّ النبي ﷺ ألحقه به بقَوْلِهِ: "ابن وليدة أبي ولد على فراشه"، كيف وزمعة كان صهر النبي ﷺ ، وابنته تحته، فكيف لا يثبت عنده الفراش الذي يلحق به النسب؟.
وأمَّا ما نقضتم به علينا أنَّه إذا استحلق ولداً من أمته، لم يلحقه ما بعده إلَّا بإقرار مستأنف، فهذا فيه قولان لأصحاب أحمد، هذا أحدهما، والثاني: أنَّه يلحقه وإن لم
стр. 6311
يستأنف إقراراً، ومن رجح القول الأول قال: قد يستبرئها السيد بعد الولادة، فيزول حكم الفراش بالاستبراء، فلا يلحقه ما بعد الأول باعتراف مستأنف أنَّه وطئها، كالحال في أول ولد.
ومن رجح الثاني قال: قد يثبت كونها فراشاً أولاً، والأصل بقاء الفراش حتى يثبت ما يزيله، إذ ليس هذا نظير قولكم: إنَّه لا يلحقه الولد مع اعترافه بوطئها حتى يستلحقه، وأبطل من هذا الاعتراض قول بعضهم، إنَّه لم يلحقه به أخاً، وإنَّما جعله له عبداً، ولهذا أتى فيه بلام التمليك فقال: "هو لك"، أي: مملوك لك، وقوى هذا الاعتراض بأنَّ في بعض ألفاظ الحديث "هو لك عبد"، وبأنَّه أمر سودة أن تحتجب منه، ولو كان أخاً لها لما أمرها بالاحتجاب منه، فدل على أنَّه أجنبي منها. قال: وقَوْلُهُ: "الولد للفراش"، تنبيه على عدم لحوق نسبه بزمعة أي: لم تكن هذه الأمة فراشاً له، لأنَّ الأمة لا تكون فراشاً، والولد إنَّما هو للفراش، وعلى هذا يصح أمر احتجاب سودة منه، قال: ويؤكده أنَّ في بعض طرق الحديث: "احتجبي منه، فإنَّه ليس لك بأخ" قالوا: وحينئذ فتبين أنَّا أسعد بالحديث وبالقضاء النبوي منكم.
стр. 6312
قال الجمهور: الآن حمى الوطيس، والتقت حلقتا البطان فنقول والله المستعان: أمَّا قولكم: إنَّه لم يلحقه به أخاً، وإنَّما جعله عبداً، يرده ما رواه محمد بن إسماعيل البخاري في "صحيحه" في هذا الحديث: "هو لك، هو أخوك يا عبد بن زمعة" وليس اللام للتمليك، وإنَّما هي للاختصاص، كقَوْلِهِ: "الولد للفراش". فأمَّا لفظة قَوْلِهِ: "هو لك عبد"، فرواية باطلة لا تصح أصلاً. وأمَّا أمره سودة بالاحتجاب منه، فإمَّا أن يكون على طريق الاحتياط لمكان الشبهة التي أورثها الشبه البين بعتبة، وإمَّا أن يكون مراعاة للشبهين وإعمالاً للدليلين، فإنَّ الفراش دليل لحوق النسب، والشبه بغير صاحبه دليل نفيه، فأعمل أمر الفراش بالنسبة إلى المدعى لقوته، وأعمل الشبه بعتبة بالنسبة إلى ثبوت المحرمية بينه وبين سودة، وهذا من أحسن الأحكام وأبينها، وأوضحها، ولا يمنع ثبوت النسب من وجه دون وجه، فهذا الزاني يثبت النسب منه بينه وبين الولد في التحريم والبعضية دون الميراث والنفقة والولاية وغيرها، وقد يتخلف بعض أحكام النسب عنه مع ثبوته لمانع، وهذا كثير في الشريعة، فلا يفكر من تخلف المحرمية بين سودة وبين هذا الغلام لمانع الشبه بعتبة، وهل هذا إلَّا محض الفقه؟ وقد علم بهذا معنى قَوْلِهِ: "ليس لك بأخ"، لو صحت هذه اللفظة مع أنَّها لا تصح، وقد ضعفها أهل العلم بالحديث،
стр. 6313
ولا نبالي بصحتها مع قوله لعبد: "هو أخوك"، وإذا جمعت أطراف كلام النبي ﷺ ، وقرنت قَوْلَهُ: "هو أخوك"، بقَوْلِهِ: "الولد للفراش، وللعاهر الحجر"، تبين لك بطلان ما ذكروه من التأويل، وأنَّ الحديث صريح في خلافه لا يحتمله بوجه والله أعلم. والعجب أن منازعينا في هذه المسألة يجعلون الزوجة فراشاً لمجرد العقد، وإن كان بينها وبين الزوج بعد المشرقين، ولا يجعلون سريته التي يتكرر استفراشه لها ليلاً ونهاراً فراشاً» اهـ.
وَقَالَ ﵀ فِي [زَادِ الْمَعَادِ] (٥/ ٤١٥ - ٤١٦): «واختلف الفقهاء فيما تصير به الزوجة فراشاً، على ثلاثة أقوال:
أحدها: أنَّه نفس العقد وإن علم أنَّه لم يجتمع بها، بل لو طلقها عقيبه في المجلس، وهذا مذهب أبي حنيفة.
والثاني: أنَّه العقد مع إمكان الوطء، وهذا مذهب الشافعي وأحمد.
والثالث: أنَّه العقد مع الدخول المحقق لا إمكانه المشكوك فيه، وهذا اختيار شيخ الإسلام ابن تيمية، وقال: إنَّ أحمد أشار إليه في رواية حرب، فإنَّه نص في روايته فيمن طلق قبل البناء، وأتت امرأته بولد، فأنكره أنَّه ينتفي عنه بغير لعان وهذا هو الصحيح المجزوم به، وإلَّا فكيف تصير المرأة فراشاً ولم يدخل بها الزوج ولم يبن
стр. 6314
لمجرد إمكان بعيد؟ وهل يعد أهل العرف واللغة المرأة فراشاً قبل البناء بها وكيف تأتي الشريعة بإلحاق نسب بمن لم يبن بامرأته، ولا دخل بها، ولا اجتمع بها بمجرد إمكان ذلك؟ وهذا الإمكان قد يقطع بانتفائه عادة، فلا تصير المرأة فراشاً إلَّا بدخول محقق، وبالله التوفيق. وهذا الذي نص عليه في رواية حرب، هو الذي تقتضيه قواعده وأصول مذهبه والله أعلم.
واختلفوا أيضاً فيما تصير به الأمة فراشاً، فالجمهور على أنَّه لا تصير فراشاً إلَّا بالوطء، وذهب بعض المتأخرين من المالكية إلى أنَّ الأمة التي تشترى للوطء دون الخدمة، كالمرتفعة التي يفهم من قرائن الأحوال أنَّها إنَّما تراد للتسري، فتصير فراشاً بنفس الشراء، والصحيح أنَّ الأمة والحرة لا تصيران فراشاً إلَّا بالدخول» اهـ.
وَقَالَ الْعَلَّامَةُ الْنَوَوِي ﵀ فِي [شَرْحِ مُسْلِمٍ] (٥/ ١٨٨): «أمَّا ما تصير به المرأة فراشاً، فإن كانت زوجة صارت فراشاً بمجرد عقد النكاح ونقلوا في هذا الإجماع وشرطوا إمكان الوطء بعد ثبوت الفراش. فإن لم يمكن بأن ينكح المغربي مشرقية ولم يفارق واحد منهما وطنه ثم أتت بولد لستة أشهر أو أكثر لم يلحقه لعدم إمكان كونه منه. وهذا قول مالك والشافعي والعلماء كافة إلَّا أبا حنيفة فلم
стр. 6315
يشترط الإمكان بل اكتفى بمجرد العقد. قال: حتى لو طلق عقب العقد من غير إمكان وطء فولدت لستة أشهر من العقد لحقه الولد، وهذا ضعيف ظاهر الفساد ولا حجة له في إطلاق الحديث، لأنَّه خرج على الغالب وهو حصول الإمكان عند العقد، هذا حكم الزوجة.
وأمَّا الأمة فعند الشافعي ومالك تصير فراشاً بالوطء، ولا تصير فراشاً بمجرد الملك حتى لو بقيت في ملكه سنين وأتت بأولاد ولم يطأها ولم يقر بوطئها لا يلحقه أحد منهم، فإذا وطئها صارت فراشاً، فإذا أتت بعد الوطء بولد أو أولاد لمدة الإمكان لحقوه.
وقال أبو حنيفة: لا تصير فراشاً إلَّا إذا ولدت ولداً واستلحقه، فما تأتي به بعد ذلك يلحقه إلَّا أن ينفيه، قال لو صارت فراشاً بالوطء لصارت بعقد الملك كالزوجة. قال أصحابنا: الفرق أنَّ الزوجة تراد للوطء خاصة فجعل الشرع العقد عليها كالوطء لما كان هو المقصود، وأمَّا الأمة تراد لملك الرقبة وأنواع من المنافع غير الوطء ولهذا يجوز أن يملك أختين وأمَّا وبنتها ولا يجوز جمعهما بعقد النكاح فلم تصر بنفس العقد فراشاً فإذا حصل الوطء صارت كالحرة وصارت فراشاً» اهـ.
стр. 6316
قُلْتُ: الذي يظهر لي أنَّه إذا تيقن عدم دخول الزوج بامرأته فلا تعد المرأة فراشاً ولا يلحق به الولد، ولا يحتاج في نفيه إلى لعان، لكن إن أمكن الدخول عليها بحصول الخلوة فالذي يظهر لي ثبوت الفراش بذلك وإن لم نتحقق الوطء، وليس له حينئذ أن ينفي ولده إلَّا بلعان، فإنَّ الخلوة تقوم مقام الدخول، فإنَّ تحقق البناء مما لا يطلع عليه فتقوم الخلوة مقام ذلك. والله أعلم.
٤ - وفيه أنَّ أحكام النسب تتبعض، وذلك أنَّ النبي ﷺ أثبت النسب لعبد بن زمعة وأمر سودة بالاحتجاب عنه مع أنَّه أخ لها من حيث النسب. فجعله أخاً في الميراث دون المحرمية.
قَالَ شَيْخُ الْإِسْلَامِ ابْنُ تَيْمِيَّةَ ﵀ كَمَا فِي [مَجْمُوْعِ الْفَتَاوَى] (٧/ ٤٢٠ - ٤٢١): «لما رأى من شبهه البين بعتبة. فقد جعله النبي ﷺ ابن زمعة لأنَّه ولد على فراشه وجعله أخاً لولده بقَوْلِهِ: "فهو لك يا عبد بن زمعة" وقد صارت سودة أخته يرثها وترثه؛ لأنَّه ابن أبيها زمعة ولد على فراشه. ومع هذا فأمرها النبي ﷺ أن تحتجب منه لما رأى من شبهه البين بعتبة فإنَّه قام فيه دليلان متعارضان: الفراش والشبه، والنسب في الظاهر لصاحب الفراش أقوى ولأنَّها أمر ظاهر مباح والفجور أمر باطن لا يعلم ويجب ستره لا
стр. 6317
إظهاره كما قال: "للعاهر الحجر" كما يقال: بفيك الكثكث، وبفيك الأثلب أي: عليك أن تسكت عن إظهار الفجور فإنَّ الله يبغض ذلك، ولما كان احتجابها منه ممكناً من غير ضرر أمرها بالاحتجاب لما ظهر من الدلالة على أنَّه ليس أخاها في الباطن. فتبين أنَّ الاسم الواحد ينفى في حكم ويثبت في حكم. فهو أخ في الميراث وليس بأخ في المحرمية» اهـ.
٥ - واحتج به من قال: إنَّ الولد لا يلحق الزاني، فإنَّ النبي ﷺ قضى أنَّ الولد للفراش، وليس للعاهر غير الحجر.
وهذا هو الذي عليه جمهور العلماء، ونازع في ذلك بعض العلماء فألحق الولد بالزاني عند عدم وجود الفراش المنازع.
قَالَ الْعَلَّامَةُ ابْنُ الْقَيِّمِ ﵀ فِي [زَادِ الْمَعَادِ] (٥/ ٤٢٥ - ٤٢٩): «فإن قيل: فقد دل الحديث على حكم استلحاق الولد، وعلى أنَّ الولد للفراش، فما تقولون لو استلحق الزاني ولداً لا فراش هناك يعارضه، هل يلحقه نسبه، ويثبت له أحكام النسب؟.
قيل: هذه مسألة جليلة اختلف أهل العلم فيها، فكان إسحاق بن راهويه يذهب إلى أنَّ المولود من الزنى إذا لم يكن مولوداً على فراش يدعيه صاحبه، وادعاه
стр. 6318
الزاني، ألحق به، وأول قول النبي ﷺ : "الولد للفراش"، على أنَّه حكم بذلك عند تنازع الزاني وصاحب الفراش، كما تقدم، وهذا مذهب الحسن البصري، رواه عنه إسحاق بإسناده، في رجل زنى بامرأة، فولدت ولداً، فادعى ولدها فقال: يجلد ويلزمه الولد، وهذا مذهب عروة بن الزبير، وسليمان بن يسار ذكر عنهما أنَّهما قالا: أيما رجل أتى إلى غلام يزعم أنَّه ابن له، وأنَّه زنى بأمه ولم يدع ذلك الغلام أحد، فهو ابنه، واحتج سليمان، بأنَّ عمر بن الخطاب كان يليط أولاد الجاهلية بمن ادعاهم في الإسلام، وهذا المذهب كما تراه قوة ووضوحاً، وليس مع الجمهور أكثر من "الولد للفراش" وصاحب هذا المذهب أول قائل به، والقياس الصحيح يقتضيه، فإنَّ الأب أحد الزانيين، وهو إذا كان يلحق بأمه، وينسب إليها وترثه ويرثها، ويثبت النسب بينه وبين أقارب أمه مع كونها زنت به، وقد وجد الولد من ماء الزانيين، وقد اشتركا فيه، واتفقا على أنَّه ابنهما، فما المانع من لحوقه بالأب إذا لم يدعه غيره؟ فهذا محض القياس، وقد قال جريج للغلام الذي زنت أمه بالراعي: من أبوك يا غلام؟ قال: فلان الراعي، وهذا إنطاق من الله لا يمكن فيه الكذب.
стр. 6319
فإن قيل: فهل لرسول الله ﷺ في هذه المسألة حكم؟ قيل: قد روى عنه فيها حديثان، نحن نذكر شأنهما.
فصل: ذكر حكم رسول الله ﷺ في استلحاق ولد الزنى وتوريثه.
ذكر أبو داود في "سننه": من حديث ابن عباس قال: قال رسول الله ﷺ : "لا مساعاة في الإسلام، من ساعى في الجاهلية فقد لحق بعصبته، ومن ادعى ولداً من غير رشدة، فلا يرث ولا يورث".
المساعاة: الزنى، وكان الأصمعي يجعلها في الإماء دون الحرائر، لأنَّهن يسعين لمواليهن، فيكتسبن لهم، وكان عليهن ضرائب مقررة، فأبطل النبي ﷺ المساعاة في الاسلام، ولم يلحق النسب بها، وعفا عمَّا كان في الجاهلية منها، وألحق النسب به. وقال الجوهري: يقال: زنى الرجل وعهر، فهذا قد يكون في الحرة والأمة، ويقال في الأمة خاصة: قد ساعاها. ولكن في إسناد هذا الحديث رجل مجهول، فلا تقوم به حجة. وروى أيضا في "سننه" من حديث عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده "أنَّ النبي ﷺ ، قضى أن كل مستلحق استلحق بعد أبيه الذي يدعى له، ادعاه ورثته، فقضى أن كل من كان من أمة
стр. 6320
يملكها يوم أصابها، فقد لحق بمن استلحقه، وليس له مما قسم قبله من الميراث، وما أدرك من ميراث لم يقسم، فله نصيبه، ولا يلحق إذا كان أبوه الذي يدعى له أنكره، وإن كان من أمة لم يملكها، أو من حرة عاهر بها، فإنَّه لا يلحق ولا يرث، وإن كان الذي يدعى له هو ادعاه، فهو من ولد زني من حرة كان أو أمة".
وفي رواية: "وهو ولد زنى لأهل أمه من كانوا حرة أو أمة". وذلك فيما استلحق في أول الإسلام، فما اقتسم من مال قبل الإسلام، فقد مضى" وهذا لأهل الحديث في إسناده مقال، لأنَّه من رواية محمد بن راشد المكحولي. وكان قوم في الجاهلية لهم إماء بغايا، فإذا ولدت أمة أحدهم وقد وطئها غيره بالزنى، فربما ادعاه سيدها، وربما ادعاه الزاني، واختصما في ذلك، حتى قام الإسلام، فحكم النبي ﷺ بالولد للسيد، لأنَّه صاحب الفراش، ونفاه على الزاني. ثم تضمن هذا الحديث أموراً:
منها: أنَّ المستلحق إذا استلحق بعد أبيه الذي يدعى له ادعاه ورثته، فإن كان الولد من أمة يملكها الواطئ يوم أصابها، فقد لحق بمن استلحقه، يعني إذا كان الذي استلحقه ورثة مالك الأمة، وصار ابنه من يومئذ، ليس له مما قسم قبله من الميراث شيء، لأنَّ هذا تجديد حكم نسبه، ومن يومئذ يثبت نسبه، فلا يرجع بما
стр. 6321
اقتسم قبله من الميراث، إذ لم يكن حكم البنوة ثابتاً، وما أدرك من ميراث لم يقسم، فله نصيبه منه، لأنَّ الحكم ثبت قبل قسمه الميراث، فيستحق منه نصيبه، وهذا نظير من أسلم على ميراث قبل قسمه، قسم له في أحد قولي العلماء، وهو إحدى الروايتين عن أحمد، وإن أسلم بعد قسم الميراث، فلا شيء له، فثبوت النسب هاهنا بمنزلة الإسلام بالنسبة إلى الميراث.
قَوْلُهُ: "ولا يلحق إذا كان أبوه الذي يدعى له أنكره" هذا، يبين أن التنازع بين الورثة، وأنَّ الصورة الأولى أن يستلحقه ورثة أبيه الذي كان يدعى له، وهذه الصورة إذا استلحقه ورثته وأبوه الذي يدعى له كان ينكر، فإنَّه لا يلحق، لأنَّ الأصل الذي الورثة خلف عنه منكر له، فكيف يلحق به مع إنكاره؟ فهذا إذا كان من أمة يملكها، أمَّا إذا كان من أمة لم يملكها، أو من حرة عاهر بها، فإنَّه لا يلحق، ولا يرث، وإن ادعاه الواطئ وهو ولد زنية من أمة كان أو من حرة، وهذا حجة الجمهور على إسحاق ومن قال بقَوْلِهِ: إنَّه لا يلحق بالزاني إذا ادعاه، ولا يرثه، وأنَّه ولد زنى لأهل أمه من كانوا حرة كانت أو أمة.
وأمَّا ما اقتسم من مال قبل الإسلام، فقد مضى، فهذا الحديث يرد قول إسحاق ومن وافقه، لكن فيه محمد بن راشد، ونحن نحتج بعمرو بن شعيب، فلا يعلل
стр. 6322
الحديث به، فإن ثبت هذا الحديث، تعين القول بموجبه، والمصير إليه، وإلَّا فالقول قول إسحاق ومن معه، والله المستعان» اهـ.
قُلْتُ: هذا الحديث رواه أحمد (٦٦٩٩)، وأبو داود (٢٢٦٥)، وابن ماجة (٢٧٤٦) مِنْ طَرِيْقِ مُحَمَّدٍ بْنَ رَاشِدٍ، عَنْ سُلَيْمَانَ بْنَ مُوسَى، عَنْ عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ جَدِّهِ: «أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَضَى أَنَّ كُلَّ مُسْتَلْحَقٍ اسْتُلْحِقَ بَعْدَ أَبِيهِ الَّذِى يُدْعَى لَهُ ادَّعَاهُ وَرَثَتُهُ فَقَضَى أَنَّ كُلَّ مَنْ كَانَ مِنْ أَمَةٍ يَمْلِكُهَا يَوْمَ أَصَابَهَا فَقَدْ لَحِقَ بِمَنِ اسْتَلْحَقَهُ وَلَيْسَ لَهُ مِمَّا قُسِمَ قَبْلَهُ مِنَ الْمِيرَاثِ شَيْءٌ وَمَا أَدْرَكَ مِنْ مِيرَاثٍ لَمْ يُقْسَمْ فَلَهُ نَصِيبُهُ وَلَا يُلْحَقُ إِذَا كَانَ أَبُوهُ الَّذِى يُدْعَى لَهُ أَنْكَرَهُ وَإِنْ كَانَ مِنْ أَمَةٍ لَمْ يَمْلِكْهَا أَوْ مِنْ حُرَّةٍ عَاهَرَ بِهَا فَإِنَّهُ لَا يُلْحَقُ بِهِ وَلَا يَرِثُ وَإِنْ كَانَ الَّذِى يُدْعَى لَهُ هُوَ ادَّعَاهُ فَهُوَ وَلَدُ زِنْيَةٍ مِنْ حُرَّةٍ كَانَ أَوْ أَمَةٍ».
قُلْتُ: هَذَا حَدِيْثٌ حَسَنٌ، ومحمد بن راشد قال فيه الإمام أحمد ثقة، ثقة، وقد وثقه جماعة آخرون.
فبعد ثبوت الحديث فالقول به متعين.
وأمَّا حديث الراعي فقد قَالَ الْعَلَّامَةُ الْنَوَوِي ﵀ فِي [شَرْحِ مُسْلِمٍ] (٨/ ٣٣٧): «قَوْلُهُ: "يا غلام من أبوك؟. قال: فلان الراعي".
стр. 6323
قد يقال: إنَّ الزاني لا يلحقه الولد، وجوابه من وجهين:
أحدهما: لعله كان في شرعهم يلحقه.
والثاني: المراد من ماء من أنت؟ وسماه أبا مجازاً» اهـ.
٦ - وأخذ بعض العلماء من الحديث أنَّ أحسن صور الجماع أن يعلو الرجل على المرأة حتى تكون فراشاً له.
قَالَ الْعَلَّامَةُ ابْنُ الْقَيِّمِ ﵀ فِي [زَادِ الْمَعَادِ] (٤/ ٢٥٥ - ٢٥٦): «وأحسن أشكال الجماع أن يعلو الرجل المرأة، مستفرشاً لها بعد الملاعبة والقبلة، وبهذا سميت المرأة فراشاً، كما قال ﷺ : "الولد للفراش"، وهذا من تمام قوامية الرجل على المرأة، كما قال تعالى: ﴿الرِّجَالُ قَوَّامُونَ عَلَى النِّسَاءِ﴾، وكما قيل:
إذا رمتها كانت فراشاً يقلني … وعند فراغي خادم يتملق
وقد قال تعالى: ﴿هُنَّ لِبَاسٌ لَكُمْ وَأَنْتُمْ لِبَاسٌ لَهُنَّ﴾، وأكمل اللباس وأسبغه على هذه الحال، فإنَّ فراش الرجل لباس له، وكذلك لحاف المرأة لباس لها، فهذا الشكل الفاضل مأخوذ من هذه الآية، وبه يحسن موقع استعارة اللباس من كل من الزوجين للآخر.
стр. 6324
وفيه وجه آخر، وهو أنَّها تنعطف عليه أحياناً، فتكون عليه كاللباس، قال الشاعر:
إذا ما الضجيع ثنى جيدها … تثنت فكانت عليه لباسا
وأردأ أشكاله أن تعلوه المرأة، ويجامعها على ظهره، وهو خلاف الشكل الطبيعي الذي طبع الله عليه الرجل والمرأة، بل نوع الذكر والأنثى، وفيه من المفاسد، أنَّ المني يتعسر خروجه كله، فربما بقى في العضو منه فيتعفن ويفسد، فيضر.
وأيضاً: فربما سال إلى الذكر رطوبات من الفرج.
وأيضاً: فإنَّ الرحم لا يتمكن من الاشتمال على الماء واجتماعه فيه، وانضمامه عليه لتخليق الولد.
وأيضاً: فإنَّ المرأة مفعول بها طبعاً وشرعاً، وإذا كانت فاعلة خالفت مقتضى الطبع والشرع» اهـ.
* * *
стр. 6325
٣٢١ - عَنْ عَائِشَةَ ﵂، قَالَتْ: «إنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ دَخَلَ عَلَيَّ مَسْرُوراً، تَبْرُقُ أَسَارِيرُ وَجْهِهِ. فَقَالَ: "أَلَمْ تَرَيْ أَنَّ مُجَزِّزاً نَظَرَ آنِفاً إلَى زَيْدِ بْنِ حَارِثَةَ وَأُسَامَةَ بْنِ زَيْدٍ، فَقَالَ: إنَّ بَعْضَ هَذِهِ الأَقْدَامِ لَمِنْ بَعْضٍ"».
وَفِي لَفْظٍ: «كَانَ مُجَزِّزٌ قَائِفاً».
تَبْرُقُ أَسَارِيرُ وَجْهِهِ: تلْمَعُ وتُضيءُ.
قَوْلُهَا: «تَبْرُقُ أَسَارِيرُ وَجْهِهِ». الأسارير هي: هي الخطوط التي في الجبهة.
وَقَوْلُهَا: «كَانَ مُجَزِّزٌ قَائِفاً» القائف هو الذي يعرف الشبه ويميز الأثر سمي بذلك لأنَّه يقفو الأشياء أي يتبعها فكأنَّه مقلوب من القافي.
وَفِي الْحَدِيْثِ مَسَائِلُ مِنْهَا:
١ - إثبات النسب بالقافة.
قَالَ الْعَلَّامَةُ ابْنُ الْقَيِّمِ ﵀ فِي [زَادِ الْمَعَادِ] (٥/ ٤١٨ - ٤٢٥): «فصل: الرابع: القافة، حكم رسول الله ﷺ وقضاؤه باعتبار القافة وإلحاق النسب بها.
стр. 6326
ثبت في "الصحيحين": من حديث عائشة ﵂ قالت: دخل على رسول الله ﷺ ذات يوم مسروراً تبرق أسارير وجهه، فقال: "ألم ترى أنَّ مجززا المدلجى نظر آنفاً إلى زيد بن حارثة وأسامة بن زيد وعليهما قطيفة قد غطيا رؤوسهما وبدت أقدامهما، فقال: إنَّا هذه الأقدام بعضها من بعض"، فسر النبي ﷺ بقول القائف ولو كانت كما يقول المنازعون من أمر الجاهلية كالكهانة ونحوها لما سر بها، ولا أعجب بها، ولكانت بمنزلة الكهانة. وقد صح عنه وعيد من صدق كاهناً. قال الشافعي: والنبي ﷺ أثبته علماً، ولم ينكره، ولو كان خطأً لأنكره، لأنَّ في ذلك قذف المحصنات، ونفي الأنساب، انتهى.
كيف والنبي ﷺ قد صرح في الحديث الصحيح بصحتها واعتبارها، فقال في ولد الملاعنة: "إن جاءت به كذا وكذا فهو لهلال بن أمية، وإن جاءت به كذا وكذا فهو لشريك بن سحماء"، فلما جاءت به على شبه الذي رميت به قال: "لولا الأيمان لكان لي ولها شأن" وهل هذا إلَّا اعتبار للشبه وهو عين القافة، فإنَّ القائف يتبع أثر الشبه، وينظر إلى من يتصل، فيحكم به لصاحب
стр. 6327
الشبه، وقد اعتبر النبي ﷺ الشبه وبين سببه، ولهذا لما قالت له أم سلمة: أو تحتلم المرأة، فقال: "مم يكون الشبه".
وأخبر في الحديث الصحيح، أنَّ ماء الرجل إذا سبق ماء المرأة، كان الشبه له، وإذا سبق مأوها ماءه، كان الشبه لها. فهذا اعتبار منه للشبه شرعاً وقدراً، وهذا أقوى ما يكون من طرق الأحكام أن يتوارد عليه الخلق والأمر والشرع والقدر ولهذا تبعه خلفاؤه الراشدون في الحكم بالقافه.
قال سعيد بن منصور: حدثنا سفيان، عن يحيى بن سعيد، عن سليمان بن يسار، عن عمر في امرأة وطئها رجلان في طهر، فقال القائف، قد اشتركا فيه جميعاً، فجعله بينهما.
قال الشعبي: وعلي يقول: هو ابنهما، وهما أبواه يرثانه، ذكره سعيد أيضاً.
وروى الأثرم بإسناده، عن سعيد بن المسيب، في رجلين اشتركا في طهر امرأة فحملت، فولدت غلاماً يشبههما، فرفع ذلك إلى عمر بن الخطاب، فدعا القافة فنظروا، فقالوا: نراه يشبههما، فألحقه بهما، وجعله يرثهما ويرثانه.
стр. 6328
ولا يعرف قط في الصحابة من خالف عمر وعلياً ﵄ في ذلك، بل حكم عمر بهذا في المدينة، وبحضرته المهاجرون والأنصار، فلم ينكره منهم منكر.
قال الحنفية: قد أجلبتم علينا في القافة بالخيل وَالرَّجِلِ، والحكم بالقيافة تعويل على مجرد الشبه والظن والتخمين، ومعلوم أنَّ الشبه قد يوجد من الأجانب، وينتفي عن الأقارب، وذكرتم قصة أسامة وزيد، ونسيتم قصة الذي ولدت امرأته غلاماً أسود يخالف لونهما، فلم يمكنه النبي ﷺ من نفيه، ولا جعل للشبه ولا لعدمه أثراً، ولو كان للشبه أثر، لاكتفى به في ولد الملاعنة، ولم يحتج إلى اللعان، ولكان ينتظر ولادته، ثم يلحق بصاحب الشبه، ويستغني بذلك عن اللعان بل كان لا يصح نفيه مع وجود الشبه بالزوج، وقد دلت السنة الصحيحة الصريحة على نفيه عن الملاعين، ولو كان الشبه له، فإنَّ النبي ﷺ قال: "أبصروها فإن جاءت به كذا وكذا، فهو لهلال بن أمية"، وهذا قاله بعد اللعان ونفي النسب عنه فعلم أنَّه لو جاء على الشبه المذكور، لم يثبت نسبه منه، وإنَّما كان مجيئه على شبه دليلاً على كذبه، لا على لحوق الولد به.
стр. 6329
قالوا: وأمَّا قصة أسامة وزيد، فالمنافقون كانوا يطعنون في نسبه من زيد لمخالفة لونه لون أبيه، ولم يكونوا يكتفون بالفراش، وحكم الله ورسوله في أنَّه ابنه، فلما شهد به القائف وافقت شهادته حكم الله ورسوله، فسر به النبي ﷺ لموافقتها حكمه، ولتكذيبها قول المنافقين، لا أنَّه أثبت نسبه بها، فأين في هذا إثبات النسب بقول القائف؟.
قالوا: وهذا معنى الأحاديث التي ذكر فيها اعتبار الشبه، فإنَّها إنَّما اعتبرت فيه الشبه بنسب ثابت بغير القافة، ونحن لا ننكر ذلك.
قالوا: وأمَّا حكم عمر وعلي، فقد اختلف على عمر، فروى عنه ما ذكرتم، وروى عنه أنَّ القائف لما قال له: قد اشتركا فيه، قال وال أيهما شئت. فلم يعتبر قول القائف.
قالوا: وكيف تقولون بالشبه، ولو أقر أحد الورثة بأخ، وأنكره الباقون، والشبه موجود، لم تثبتوا النسب به، وقلتم: إن لم تتفق الورثة على الإقرار به لم يثبت النسب؟
قال أهل الحديث: من العجب أن ينكر علينا القول بالقافة، ويجعلها من باب الحدس والتخمين من يلحق ولد المشرقي بمن في أقصى المغرب، مع القطع بأنَّهما
стр. 6330
لم يتلاقيا طرفة عين، ويلحق الولد باثنين مع القطع بأنَّه ليس ابنا لأحدهما، ونحن إنَّما ألحقنا الولد بقول القائف المستند إلى الشبه المعتبر شرعاً وقدراً، فهو استناد إلى ظن غالب، ورأى راجح، وأمارة ظاهرة بقول من هو من أهل الخبرة، فهو أولى بالقبول من قول المقومين، وهل ينكر مجيء كثير من الأحكام مستنداً إلى الأمارات الظاهرة، والظنون الغالبة؟
وأمَّا وجود الشبه بين الأجانب، وانتفاؤه بين الأقارب، وإن كان واقعاً فهو من أندر شيء وأقله، والأحكام إنَّما هي للغالب الكثير، والنادر في حكم المعدوم.
وأمَّا قصة من ولدت امرأته غلاماً أسود، فهو حجة عليكم، لأنَّها دليل على أنَّ العادة التي فطر الله عليها الناس اعتبار الشبه، وأنَّ خلافه يوجب ريبة، وأنَّ في طباع الخلق إنكار ذلك ولكن لما عارض ذلك دليل أقوى منه وهو الفراش، كان الحكم للدليل القوي، وكذلك نقول نحن وسائر الناس: إنَّ الفراش الصحيح إذا كان قائماً، فلا يعارض بقافة ولا شبه، فمخالفة ظاهر الشبه لدليل أقوى منه وهو الفراش غير مستنكر، وإنَّما المستنكر مخالفة هذا الدليل الظاهر بغير شيء.
وأمَّا تقديم اللعان على الشبه، وإلغاء الشبه مع وجوده، فكذلك أيضاً هو من تقديم أقوى الدليلين على أضعفهما، وذلك لا يمنع العمل بالشبه مع عدم ما يعارضه،
стр. 6331
كالبينة تقدم على اليد والبراءة الأصلية، ويعمل بهما عند عدمهما. وأمَّا ثبوت نسب أسامة من زيد بدون القيافة، فنحن لم نثبت نسبه بالقيافة، والقيافة دليل آخر موافق لدليل الفراش، فسرور النبي ﷺ ، وفرجه بها، واستبشاره لتعاضد أدلة النسب وتضافرها، لا لإثبات النسب بقول القائف وحده، بل هو من باب الفرح بظهور أعلام الحق وأدلته وتكاثرها، ولو لم تصلح القيافة دليلاً لم يفرح بها ولم يسر، وقد كان النبي ﷺ يفرح ويسر إذا تعاضدت عنده أدلة الحق، ويخبر بها الصحابة، ويحب أن يسمعوها من المخبر بها، لأنَّ النفوس تزداد تصديقاً بالحق إذا تعاضدت أدلته، وتسر به وتفرح، وعلى هذا فطر الله عباده، فهذا حكم اتفقت عليه الفطرة والشرعة وبالله التوفيق.
وأمَّا ما روى عن عمر أنَّه قال: وال أيهما شئت، فلا تعرف صحته عن عمر، ولو صح عنه لكان قولاً عنه، فإنَّ ما ذكرنا عنه في غاية الصحة، مع أنَّ قَوْلَهُ: وال أيهما شئت ليس بصريح في إبطال قول القائف، ولو كان صريحاً في إبطال قوله، لكان في مثل هذا الموضع إذا ألحقه باثنين، كما يقوله الشافعي ومن وافقه.
وأمَّا إذا أقر أحد الورثة بأخ، وأنكره الباقون، فإنَّما لم يثبت نسبه لمجرد الإقرار، فأمَّا إذا كان هناك شبه يستند إليه القائف، فإنَّه لا يعتبر إنكار الباقين، ونحن لا نقصر
стр. 6332
القافة على بني مدلج، ولا نعتبر تعدد القائف، بل يكفي واحد على الصحيح بناء على أنَّه خبر، وعن أحمد رواية أخرى: أنَّ شهادة، فلا بد من اثنين، ولفظ الشهادة بناء على اشتراط اللفظ.
فإن قيل: فالمنقول عن عمر أنَّه ألحقه بأبوين، فما تقولون فيما إذا ألحقته القافة بأبوين، هل تلحقونه بهما، أو لا تلحقونه إلَّا بواحد، وإذا ألحقتموه بأبوين، فهل يختص ذلك باثنين، أم يلحق بهم وإن كثروا، وهل حكم الاثنين في ذلك حكم الأبوين أم ماذا حكمهما؟.
قيل: هذه مسائل فيها نزاع بين أهل العلم، فقال الشافعي ومن وافقه: لا يلحق بأبوين، ولا يكون للرجل إلَّا أب واحد، ومتى ألحقته القافة باثنين، سقط قولها، وقال الجمهور: بل يلحق باثنين، ثم اختلفوا، فنص أحمد في رواية مهنا بن يحيى: أنَّه يلحق بثلاثة، وقال صاحب "المغني": ومقتضى هذا أنَّه يلحق بمن أحلقته القافة به وإن كثروا، لأنَّه إذا جاز إلحاقه باثنين، جاز إلحاقه بأكثر من ذلك وهذا مذهب أبي حنيفة، لكنه لا يقول بالقافة، فهو يلحقه بالمدعين وإن كثروا.
وقال القاضي: يجب أن لا يلحق بأكثر من ثلاثة، وهو قول محمد بن الحسن، وقال ابن حامد: لا يلحق بأكثر من اثنين، وهو قول أبي يوسف، فمن لم يلحقه بأكثر من
стр. 6333
واحد، قال: قد أجرى الله سبحانه عادته أنَّ للولد أباً واحداً، وأمَّاً واحدة، ولذلك يقال: فلان ابن فلان، وفلان ابن فلانة فقط. ولو قيل: فلان ابن فلان وفلان، لكان ذلك منكراً، وعد قذفاً، ولهذا إنَّما يقال يوم القيامة: أين فلان بن فلان؟ وهذه غدرة فلان بن فلان، ولم يعهد قط في الوجود نسبة ولد إلى أبوين قط، ومن ألحقه باثنين، احتج بقول عمر، وإقرار الصحابة له على ذلك، وبأنَّ الولد قد ينعقد من ماء رجلين، كما ينعقد من ماء الرجل والمرأة.
ثم قال أبو يوسف: إنَّما جاء الأثر بذلك، فيقتصر عليه.
وقال القاضي: لا يتعدى به ثلاثة، لأنَّ أحمد إنَّما نص على الثلاثة، والأصل ألَّا يلحق بأكثر من واحد، وقد دل قول عمر على إلحاقه باثنين مع انعقاده من ماء الأم، فدل على إمكان انعقاده من ماء ثلاثة، وما زاد على ذلك، فمشكوك فيه.
قال الملحقون له بأكثر من ثلاثة: إذا جاز تخليقه من ماء رجلين وثلاثة، جاز خلقه من ماء أربعة وخمسة، ولا وجه لاقتصاره على ثلاثة فقط، بل إمَّا أن يلحق بهم وإن كثروا، وإمَّا أن لا يتعدى به أحد، ولا قول سوى القولين والله أعلم.
فإن قيل: إذا اشتمل الرحم على ماء الرجل، وأراد الله أن يخلق منه الولد، انضم عليه أحكم انضمام، وأتمه حتى لا يفسد، فكيف يدخل عليه ماء آخر؟ قيل: لا
стр. 6334
يمتنع أن يصل الماء الثاني إلى حيث وصل الأول، فينضم عليهما، وهذا كما أنَّ الولد ينعقد من ماء الأبوين، وقد سبق ماء الرجل ماء المرأة أو بالعكس، ومع هذا فلا يمتنع وصول الماء الثاني إلى حيث وصل الأول، وقد علم بالعادة أنَّ الحامل إذا توبع وطؤها، جاء الولد عبل الجسم ما لم يعارض ذلك مانع، ولهذا ألهم الله سبحانه الدواب إذا حملت أن لا تمكن الفحل أن ينزو عليها، بل تنفر عنه كل النفار، وقال الإمام أحمد: إنَّ الوطء الثاني يزيد في سمع الولد وبصره، وقد شبهه النبي ﷺ بسقي الزرع، ومعلوم أنَّ سقيه يزيد في ذاته والله أعلم» اهـ.
قُلْتُ: أثر عمر في إلحاق الغلام بالرجلين رواه الطحاوي في [شَرْحِ مُشْكِلِ الْآثَارِ] (١٢/ ٢٥٢)، وفي [شَرْحِ مَعَانِي الْآثَارِ] (٦١٧٠) حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ مَرْزُوقٍ قَالَ: حَدَّثَنَا وَهْبُ بْنُ جَرِيرٍ قَالَ: حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، عَنْ تَوْبَةَ الْعَنْبَرِيِّ، عَنِ الشَّعْبِيِّ عَنِ ابْنِ عُمَرَ: «أَنَّ رَجُلَيْنِ اشْتَرَكَا فِي طُهْرِ امْرَأَةٍ، فَوَلَدَتْ، فَدَعَا عُمَرُ الْقَافَةَ، فَقَالُوا: أَخَذَ الشَّبَهَ مِنْهُمَا جَمِيعًا، فَجَعَلَهُ بَيْنَهُمَا».
قُلْتُ: إِسْنَادُهُ صَحِيْحٌ.
стр. 6335
ورواه الطحاوي في [شَرْحِ مَعَانِي الْآثَارِ] (٦١٧١) حَدَّثَنَا ابْنُ مَرْزُوقٍ، قَالَ: ثنا وَهْبٌ، قَالَ: ثنا شُعْبَةُ، عَنْ قَتَادَةَ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيِّبِ، عَنْ عُمَرَ، نَحْوُهُ. قَالَ: فَقَالَ لِي سَعِيدٌ: لِمَنْ تَرَى مِيرَاثَهُ؟ قَالَ هُوَ لِآخِرِهِمَا مَوْتًا.
قُلْتُ: ورواية سعيد بن منصور الذي ذكرها ابن القيم منقطعة الإسناد.
وأثر عمر في تخيير الغلام ورواه الطحاوي في [شَرْحِ مَعَانِي الْآثَارِ] (٦١٦٩)، في [أَحْكَامِ الْقُرْآنِ] (١٩٩٢)، وفي [شَرْحِ مُشْكِلِ الْآثَارِ] (١٢/ ٢٥٥)، والبيهقي في [الْكُبْرَى] (٢١٢٦١)
مِنْ طَرِيْقِ بَحْرِ بْنِ نَصْرٍ، قَالَ: ثنا ابْنُ وَهْبٍ، قَالَ: أَخْبَرَنِي ابْنُ أَبِي الزِّنَادِ، عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ يَحْيَى بْنِ حَاطِبٍ، عَنْ أَبِيهِ، قَالَ: أَتَى رَجُلَانِ إِلَى عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ ﵁، يَخْتَصِمَانِ فِي غُلَامٍ مِنْ وِلَادَةِ الْجَاهِلِيَّةِ، يَقُولُ هَذَا: هُوَ ابْنِي، وَيَقُولُ هَذَا: هُوَ ابْنِي. فَدَعَا لَهُمَا عُمَرُ ﵁ قَائِفًا مِنْ بَنِي الْمُصْطَلِقِ، فَسَأَلَهُ عَنِ الْغُلَامِ، فَنَظَرَ إِلَيْهِ الْمُصْطَلِقِيُّ، ثُمَّ قَالَ لِعُمَرَ: وَالَّذِي أَكْرَمَكَ، إِنَّهُمَا قَدِ اشْتَرَكَا فِيهِ جَمِيعًا. فَقَامَ إِلَيْهِ عُمَرُ فَضَرَبَهُ بِالدِّرَّةِ حَتَّى ضَجَعَ ثُمَّ قَالَ: «وَاللهِ، لَقَدْ ذَهَبَ بِكَ النَّظَرُ إِلَى غَيْرِ مَذْهَبٍ». ثُمَّ دَعَا أُمَّ الْغُلَامِ فَسَأَلَهَا، فَقَالَتْ: «إِنَّ هَذَا لِأَحَدِ الرَّجُلَيْنِ، قَدْ كَانَ غَلَبَ عَلَيَّ النَّاسُ، حَتَّى وَلَدْتُ لَهُ أَوْلَادًا، ثُمَّ وَقَعَ بِي عَلَى نَحْوِ مَا كَانَ
стр. 6336
يَفْعَلُ، فَحَمَلْتُ، فِيمَا أَرَى، فَأَصَابَنِي هِرَاقَةٌ مِنْ دَمٍ، حَتَّى وَقَعَ فِي نَفْسِي أَنْ لَا شَيْءَ فِي بَطْنِي، ثُمَّ إِنَّ هَذَا الْآخَرَ، وَقَعَ بِي، فَوَ اللهِ مَا أَدْرِي مِنْ أَيِّهِمَا هُوَ؟». فَقَالَ عُمَرُ لِلْغُلَامِ: «اتَّبِعْ أَيَّهُمَا شِئْتَ فَاتَّبَعَ أَحَدَهُمَا». قَالَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ حَاطِبٍ: فَكَأَنِّي أَنْظُرُ إِلَيْهِ مُتَّبِعًا لِأَحَدِهِمَا، فَذَهَبَ بِهِ. وَقَالَ عُمَرُ: «قَاتَلَ اللهُ أَخَا بَنِي الْمُصْطَلِقِ».
قُلْتُ: عبد الرحمن بن الزناد صدوق سيء الحفظ، وقد خالفه أبو أسامة حماد بن أسامة ولم يذكر أمر القيافة.
روى ذلك ابن أبي شيبة في [مُصَنَّفِهِ] (٣١٤٧١٩)، ومن طريقه البيهقي في [الْكُبْرَى] (٢١٢٦٢) حَدَّثَنَا أَبُو أُسَامَةَ، عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ يَحْيَى بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ حَاطِبٍ، عَنْ أَبِيهِ، أَنَّ عُمَرَ، قَضَى فِي رَجُلَيْنِ ادَّعَيَا رَجُلًا لَا يَدْرِي أَيُّهُمَا أَبُوهُ، فَقَالَ عُمَرُ لِلرَّجُلِ: «اتَّبِعْ أَيَّهُمَا شِئْتَ».
قُلْتُ: إِسْنَادُهُ صَحِيْحٌ. وهذا محمول أنَّه كانت بينهما دعوة مجردة.
٢ - جواز اضطجاع الوالد مع ولده في لحاف واحد.
وأصرح من هذه الرواية ما جاء عند البخاري (٦٧٧١)، ومسلم (١٤٥٩) عَنْ عَائِشَةَ، قَالَتْ: دَخَلَ عَلَيَّ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ذَاتَ يَوْمٍ وَهُوَ مَسْرُورٌ، فَقَالَ: «يَا عَائِشَةُ، أَلَمْ تَرَيْ أَنَّ مُجَزِّزًا المُدْلِجِيَّ دَخَلَ عَلَيَّ فَرَأَى أُسَامَةَ بْنَ زَيْدٍ وَزَيْدًا
стр. 6337
وَعَلَيْهِمَا قَطِيفَةٌ، قَدْ غَطَّيَا رُءُوسَهُمَا وَبَدَتْ أَقْدَامُهُمَا، فَقَالَ: إِنَّ هَذِهِ الأَقْدَامَ بَعْضُهَا مِنْ بَعْضٍ».
* * *
стр. 6338
٣٢٢ - عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الخُدْرِيِّ ﵁، قَالَ: «ذُكِرَ الْعَزْلُ لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ . فَقَالَ: "وَلِمَ يَفْعَلُ ذَلِكَ أَحَدُكُمْ؟ - وَلَمْ يَقُلْ: فَلا يَفْعَلْ ذَلِكَ أَحَدُكُمْ -، فَإِنَّهُ لَيْسَتْ نَفْسٌ مَخْلُوقَةٌ إلاَّ اللَّهُ خَالِقُهَا"».
وَفِي الْحَدِيْثِ مَسَائِلُ مِنْهَا:
١ - كراهة العزل.
وقد اختلف العلماء فيه.
قَالَ الْعَلَّامَةُ ابْنُ قُدَامَةَ ﵀ فِي [الْمُغْنِي] (١٦/ ٤١):
«فصل: والعزل مكروه، ومعناه أن ينزع إذا قرب الإنزال، فينزل خارجاً من الفرج، رويت كراهته عن عمر، وعلي، وابن عمر، وابن مسعود.
وروي ذلك عن أبي بكر الصديق أيضاً؛ لأنَّ فيه تقليل النسل، وقطع اللذة عن الموطوءة، وقد حث النبي ﷺ على تعاطي أسباب الولد».
إِلَى أَنْ قَالَ ﵀: «إلَّا أن يكون لحاجة، مثل أن يكون في دار الحرب، فتدعوه حاجته إلى الوطء، فيطأ ويعزل، ذكر الخرقي هذه الصورة، أو تكون زوجته أمة، فيخشى الرق على ولده، أو تكون له أمة، فيحتاج إلى وطئها وإلى بيعها، وقد روي
стр. 6339
عن علي ﵁ أنَّه كان يعزل عن إمائه فإن عزل من غير حاجة كره ولم يحرم، ورويت الرخصة فيه عن علي، وسعد بن أبي وقاص، وأبي أيوب، وزيد بن ثابت، وجابر، وابن عباس، والحسن بن علي، وخباب بن الأرت، وسعيد بن المسيب، وطاووس، وعطاء، والنخعي، ومالك، والشافعي، وأصحاب الرأي» اهـ.
وقد حرَّر القول في ذلك الْعَلَّامَةُ ابْنُ الْقَيِّمِ ﵀ فِي [زَادِ الْمَعَادِ] (٥/ ١٤٠ - ١٤٦) حيث قال: «فصل: في حكمه ﷺ في العزل.
ثبت في "الصحيحين": عن أبي سعيد قال: أصبنا سبياً، فكنا نعزل، فسألنا رسول الله ﷺ فقال: "وإنَّكم لتفعلون؟ " قالها ثلاثاً. "ما من نسمة كائنة إلى يوم القيامة إلَّا وهي كائنة".
وفي السنن: عنه، أنَّ رجلاً قال: يا رسول الله إنَّ لي جارية وأنا أعزل عنها، وأنا أكره أن تحمل، وأنا أريد ما يريد الرجال، وإن اليهود تحدث أنَّ العزل الموؤدة الصغرى، قال: "كذبت يهود لو أراد الله أن يخلقه ما استطعت أن تصرفه". وفي "الصحيحين": عن جابر قال: كنا نعزل على عهد رسول الله ﷺ والقرآن ينزل.
стр. 6340
وفي "صحيح مسلم" عنه: كنا نعزل على عهد رسول الله ﷺ ، فبلغ ذلك رسول الله ﷺ فلم ينهنا.
وفي "صحيح مسلم" أيضاً: عنه قال: سأل رجل النبي ﷺ فقال: إنَّ عندي جارية، وأنا أعزل عنها، فقال رسول الله ﷺ : "إنَّ ذلك لا يمنع شيئاً أراده الله"، قال: فجاء الرجل فقال: يا رسول الله إنَّ الجارية التي كنت ذكرتها لك حملت، فقال رسول الله ﷺ : "أنا عبد الله ورسوله".
وفي "صحيح مسلم" أيضاً: عن أسامة بن زيد، أنَّ رجلاً جاء إلى رسول الله ﷺ ، فقال: يا رسول الله، إنِّي أعزل عن امرأتي، فقال له رسول الله ﷺ : "لم تفعل ذلك"؟ فقال الرجل: أشفق على ولدها، أو قال: على أولادها، فقال رسول الله ﷺ : "لو كان ضاراً ضر فارس والروم".
وفى مسند أحمد، وسنن ابن ماجه، من حديث عمر بن الخطاب ﵁ قال: نهى رسول الله ﷺ أن يعزل عن الحرة إلَّا بإذنها.
следующие страницы →