Полный текст (8 095 стр.). Показаны 6336–6375 · переход к 6341.
стр. 6336
يَفْعَلُ، فَحَمَلْتُ، فِيمَا أَرَى، فَأَصَابَنِي هِرَاقَةٌ مِنْ دَمٍ، حَتَّى وَقَعَ فِي نَفْسِي أَنْ لَا شَيْءَ فِي بَطْنِي، ثُمَّ إِنَّ هَذَا الْآخَرَ، وَقَعَ بِي، فَوَ اللهِ مَا أَدْرِي مِنْ أَيِّهِمَا هُوَ؟». فَقَالَ عُمَرُ لِلْغُلَامِ: «اتَّبِعْ أَيَّهُمَا شِئْتَ فَاتَّبَعَ أَحَدَهُمَا». قَالَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ حَاطِبٍ: فَكَأَنِّي أَنْظُرُ إِلَيْهِ مُتَّبِعًا لِأَحَدِهِمَا، فَذَهَبَ بِهِ. وَقَالَ عُمَرُ: «قَاتَلَ اللهُ أَخَا بَنِي الْمُصْطَلِقِ».
قُلْتُ: عبد الرحمن بن الزناد صدوق سيء الحفظ، وقد خالفه أبو أسامة حماد بن أسامة ولم يذكر أمر القيافة.
روى ذلك ابن أبي شيبة في [مُصَنَّفِهِ] (٣١٤٧١٩)، ومن طريقه البيهقي في [الْكُبْرَى] (٢١٢٦٢) حَدَّثَنَا أَبُو أُسَامَةَ، عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ يَحْيَى بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ حَاطِبٍ، عَنْ أَبِيهِ، أَنَّ عُمَرَ، قَضَى فِي رَجُلَيْنِ ادَّعَيَا رَجُلًا لَا يَدْرِي أَيُّهُمَا أَبُوهُ، فَقَالَ عُمَرُ لِلرَّجُلِ: «اتَّبِعْ أَيَّهُمَا شِئْتَ».
قُلْتُ: إِسْنَادُهُ صَحِيْحٌ. وهذا محمول أنَّه كانت بينهما دعوة مجردة.
٢ - جواز اضطجاع الوالد مع ولده في لحاف واحد.
وأصرح من هذه الرواية ما جاء عند البخاري (٦٧٧١)، ومسلم (١٤٥٩) عَنْ عَائِشَةَ، قَالَتْ: دَخَلَ عَلَيَّ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ذَاتَ يَوْمٍ وَهُوَ مَسْرُورٌ، فَقَالَ: «يَا عَائِشَةُ، أَلَمْ تَرَيْ أَنَّ مُجَزِّزًا المُدْلِجِيَّ دَخَلَ عَلَيَّ فَرَأَى أُسَامَةَ بْنَ زَيْدٍ وَزَيْدًا
стр. 6337
وَعَلَيْهِمَا قَطِيفَةٌ، قَدْ غَطَّيَا رُءُوسَهُمَا وَبَدَتْ أَقْدَامُهُمَا، فَقَالَ: إِنَّ هَذِهِ الأَقْدَامَ بَعْضُهَا مِنْ بَعْضٍ».
* * *
стр. 6338
٣٢٢ - عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الخُدْرِيِّ ﵁، قَالَ: «ذُكِرَ الْعَزْلُ لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ . فَقَالَ: "وَلِمَ يَفْعَلُ ذَلِكَ أَحَدُكُمْ؟ - وَلَمْ يَقُلْ: فَلا يَفْعَلْ ذَلِكَ أَحَدُكُمْ -، فَإِنَّهُ لَيْسَتْ نَفْسٌ مَخْلُوقَةٌ إلاَّ اللَّهُ خَالِقُهَا"».
وَفِي الْحَدِيْثِ مَسَائِلُ مِنْهَا:
١ - كراهة العزل.
وقد اختلف العلماء فيه.
قَالَ الْعَلَّامَةُ ابْنُ قُدَامَةَ ﵀ فِي [الْمُغْنِي] (١٦/ ٤١):
«فصل: والعزل مكروه، ومعناه أن ينزع إذا قرب الإنزال، فينزل خارجاً من الفرج، رويت كراهته عن عمر، وعلي، وابن عمر، وابن مسعود.
وروي ذلك عن أبي بكر الصديق أيضاً؛ لأنَّ فيه تقليل النسل، وقطع اللذة عن الموطوءة، وقد حث النبي ﷺ على تعاطي أسباب الولد».
إِلَى أَنْ قَالَ ﵀: «إلَّا أن يكون لحاجة، مثل أن يكون في دار الحرب، فتدعوه حاجته إلى الوطء، فيطأ ويعزل، ذكر الخرقي هذه الصورة، أو تكون زوجته أمة، فيخشى الرق على ولده، أو تكون له أمة، فيحتاج إلى وطئها وإلى بيعها، وقد روي
стр. 6339
عن علي ﵁ أنَّه كان يعزل عن إمائه فإن عزل من غير حاجة كره ولم يحرم، ورويت الرخصة فيه عن علي، وسعد بن أبي وقاص، وأبي أيوب، وزيد بن ثابت، وجابر، وابن عباس، والحسن بن علي، وخباب بن الأرت، وسعيد بن المسيب، وطاووس، وعطاء، والنخعي، ومالك، والشافعي، وأصحاب الرأي» اهـ.
وقد حرَّر القول في ذلك الْعَلَّامَةُ ابْنُ الْقَيِّمِ ﵀ فِي [زَادِ الْمَعَادِ] (٥/ ١٤٠ - ١٤٦) حيث قال: «فصل: في حكمه ﷺ في العزل.
ثبت في "الصحيحين": عن أبي سعيد قال: أصبنا سبياً، فكنا نعزل، فسألنا رسول الله ﷺ فقال: "وإنَّكم لتفعلون؟ " قالها ثلاثاً. "ما من نسمة كائنة إلى يوم القيامة إلَّا وهي كائنة".
وفي السنن: عنه، أنَّ رجلاً قال: يا رسول الله إنَّ لي جارية وأنا أعزل عنها، وأنا أكره أن تحمل، وأنا أريد ما يريد الرجال، وإن اليهود تحدث أنَّ العزل الموؤدة الصغرى، قال: "كذبت يهود لو أراد الله أن يخلقه ما استطعت أن تصرفه". وفي "الصحيحين": عن جابر قال: كنا نعزل على عهد رسول الله ﷺ والقرآن ينزل.
стр. 6340
وفي "صحيح مسلم" عنه: كنا نعزل على عهد رسول الله ﷺ ، فبلغ ذلك رسول الله ﷺ فلم ينهنا.
وفي "صحيح مسلم" أيضاً: عنه قال: سأل رجل النبي ﷺ فقال: إنَّ عندي جارية، وأنا أعزل عنها، فقال رسول الله ﷺ : "إنَّ ذلك لا يمنع شيئاً أراده الله"، قال: فجاء الرجل فقال: يا رسول الله إنَّ الجارية التي كنت ذكرتها لك حملت، فقال رسول الله ﷺ : "أنا عبد الله ورسوله".
وفي "صحيح مسلم" أيضاً: عن أسامة بن زيد، أنَّ رجلاً جاء إلى رسول الله ﷺ ، فقال: يا رسول الله، إنِّي أعزل عن امرأتي، فقال له رسول الله ﷺ : "لم تفعل ذلك"؟ فقال الرجل: أشفق على ولدها، أو قال: على أولادها، فقال رسول الله ﷺ : "لو كان ضاراً ضر فارس والروم".
وفى مسند أحمد، وسنن ابن ماجه، من حديث عمر بن الخطاب ﵁ قال: نهى رسول الله ﷺ أن يعزل عن الحرة إلَّا بإذنها.
стр. 6341
وقال أبو داود: سمعت أبا عبد الله ذكر حديث ابن لهيعة، عن جعفر ابن ربيعة عن الزهري، عن المحرر بن أبي هريرة، عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "لا يعزل عن الحرة إلَّا بإذنها"، فقال: ما أنكره.
فهذه الأحاديث صريحة في جواز العزل، وقد رويت الرخصة فيه عن عشرة من الصحابة: علي، وسعد بن أبي وقاص، وأبي أيوب، وزيد بن ثابت، وجابر، وابن عباس، والحسن بن علي، وخباب بن الأرت، وأبي سعيد الخدري، وابن مسعود، ﵃.
قال ابن حزم: وجاءت الإباحة للعزل صحيحة عن جابر، وابن عباس، وسعد بن أبي وقاص، وزيد بن ثابت، وابن مسعود، ﵃، وهذا هو الصحيح.
وحرمه جماعة، منهم أبو محمد ابن حزم وغيره.
وفرقت طائفة بين أن تأذن له الحرة، فيباح، أولا تأذن فيحرم، وإن كانت زوجته أمة، أبيح بإذن سيدها، ولم يبح بدون إذنه، وهذا منصوص أحمد، ومن أصحابه من قال: لا يباح بحال، ومنهم من قال: يباح بكل حال. ومنهم من قال: يباح بإذن الزوجة حرة كانت أو أمة، ولا يباح بدون إذنها حرة كانت أو أمة.
стр. 6342
فمن أباحه مطلقاً، احتج بما ذكرنا من الأحاديث، وبأنَّ حق المرأة في ذوق العسيلة لا في الإنزال، ومن حرمه مطلقاً احتج بما رواه مسلم في "صحيحه" من حديث عائشة ﵂، عن جدامة بنت وهب أخت عكاشة، قالت: حضرت رسول الله ﷺ في أناس، فسألوه عن العزل، فقال رسول الله ﷺ : "ذلك الوأد الخفي"، وهي: ﴿وَإِذَا الْمَوْءُودَةُ سُئِلَتْ﴾.
قالوا: وهذا ناسخ لأخبار الإباحة، فإنَّه ناقل عن الأصل، وأحاديث الإباحة على وفق البراءة الأصلية، وأحكام الشرع ناقلة عن البراءة الأصلية. قالوا: وقول جابر ﵁: كنا نعزل والقرآن ينزل، فلو كان شيئاً ينهى عنه، لنهى عنه القرآن.
فيقال: قد نهى عنه من أنزل عليه القرآن بقَوْلِهِ: "إنَّه الموءدة الصغرى" والوأد كله حرام. قالوا: وقد فهم الحسن البصري، النهي من حديث أبي سعيد الخدري ﵁ لما ذكر العزل عند رسول الله ﷺ قال: "لا عليكم ألَّا تفعلوا ذاكم، فإمَّا هو القدر" قال ابن عون: فحدثت به الحسن، فقال: والله لكأنَّ هذا زجر. قالوا: ولأنَّ فيه قطع النسل المطلوب من النكاح، وسوء العشرة، وقطع اللذة عند استدعاء الطبيعة لها.
стр. 6343
قالوا: ولهذا كان ابن عمر ﵁ لا يعزل، وقال: لو علمت أنَّ أحداً من ولدى يعزل، لنكلته، وكان علي يكره العزل، ذكره شعبة عن عاصم عن زر عنه وصح عن ابن مسعود ﵁ أنَّه قال في العزل: هو الموؤودة الصغرى. وصح عن أبي أمامة أنَّه سئل عنه فقال: ما كنت أرى مسلماً يفعله. وقال نافع عن ابن عمر: ضرب عمر على العزل بعض بنيه. وقال يحيى بن سعيد الأنصاري، عن سعيد بن المسيب، قال: كان عمر وعثمان ينهيان عن العزل.
وليس في هذا ما يعارض أحاديث الإباحة مع صراحتها وصحتها: أمَّا حديث جدامة بنت وهب، فإنَّه وإن كان رواه مسلم، فإنَّ الأحاديث الكثيرة على خلافه، وقد قال أبو داود: حدثنا موسى بن إسماعيل، حدثنا أبان، حدثنا يحيى، أنَّ محمد بن عبد الرحمن بن ثوبان حدثه، أنَّ رفاعة حدثه عن أبي سعيد الخدري ﵁، أنَّ رجلاً قال: يا رسول الله، إنَّ لي جارية، وأنا أعزل عنها، وأنا أكره أن تحمل، وأنا أريد ما يريد الرجال، وإن اليهود تحدث أنَّ العزل الموؤودة الصغرى، قال: "كذبت يهود، لو أراد الله أن يخلقه ما استطعت أن تصرفه" وحسبك بهذا الإسناد صحة، فكلهم ثقات حفاظ، وقد أعله بعضهم بأنَّه مضطرب فإنَّه اختلف فيه على يحيى بن أبي كثير، فقيل: عنه، عن محمد بن عبد الرحمن بن ثوبان، عن
стр. 6344
جابر بن عبد الله، ومن هذه الطريق: أخرجه الترمذي والنسائي. وقيل: فيه عن أبي مطيع بن رفاعة، وقيل: عن أبي رفاعة، وقيل: عن أبي سلمة عن أبي هريرة، وهذا لا يقدح في الحديث، فإنَّه قد يكون عند يحيى، عن محمد بن عبد الرحمن، عن جابر، وعنده عن ابن ثوبان عن أبي سلمة عن أبي هريرة، وعنده عن ابن ثوبان عن رفاعة عن أبي سعيد. ويبقى الاختلاف في اسم أبي رفاعة، هل أبو رافع، أو ابن رفاعة، أو أبو مطيع؟ وهذا لا يضر مع العلم بحال رفاعة.
ولا ريب أنَّ أحاديث جابر صريحة صحيحة في جواز العزل، وقد قال الشافعي ﵀: ونحن نروى عن عدد من أصحاب النبي ﷺ أنَّهم رخصوا في ذلك، ولم يروا به بأساً.
قال البيهقي: وقد روينا الرخصة فيه، عن سعد بن أبي قاص، وأبي أيوب الأنصاري، وزيد بن ثابت، وابن عباس وغيرهم، وهو مذهب مالك، والشافعي، وأهل الكوفة، وجمهور أهل العلم.
وقد أجيب عن حديث جدامة، بأنَّه على طريق التنزيه، وضعفته طائفة، وقالوا: كيف يصح أن يكون النبي ﷺ كذب اليهود في ذلك، ثم يخبر به
стр. 6345
كخبرهم؟، هذا من المحال البين، وردت عليه طائفة أخرى، وقالوا: حديث تكذيبهم فيه اضطراب وحديث جدامة في "الصحيح".
وجمعت طائفة أخرى بين الحديثين، وقالت: إنَّ اليهود كانت تقول: إنَّ العزل لا يكون معه حمل أصلاً، فكذبهم رسول الله ﷺ في ذلك، ويدل عليه قوله ﷺ : "لو أراد الله أن يخلقه لما استطعت أن تصرفه"، وقَوْلُهُ: "إنَّه الوأد الخفي"، فإنَّه وإن لم يمنع الحمل بالكلية، كترك الوطء، فهو مؤثر في تقليله.
وقالت طائفة أخرى: الحديثان صحيحان، ولكن حديث التحريم ناسخ، وهذه طريقة أبي محمد ابن حزم وغيره. قالوا: لأنَّه ناقل عن الأصل والأحكام كانت قبل التحريم على الإباحة، ودعوى هؤلاء تحتاج إلى تاريخ محقق يبين تأخر أحد الحديثين عن الآخر وأنى لهم به، وقد اتفق عمر وعلي ﵄ على أنَّها لا تكون موؤودة حتى تمر عليها التارات السبع، فروى القاضي أبو يعلى وغيره بإسناده، عن عبيد بن رفاعة، عن أبيه، قال جلس إلى عمر على والزبير وسعد ﵃ في نفر من أصحاب رسول الله ﷺ ، وتذاكروا العزل، فقالوا: لا بأس به، فقال رجل: إنَّهم يزعمون أنَّها الموؤدة الصغرى، فقال
стр. 6346
علي ﵁: لا تكون موؤدة حتى تمر عليها التارات السبع: حتى تكون من سلالة من طين، ثم تكون نطفة، ثم تكون علقة، ثم تكون مضغة، ثم تكون عظاماً، ثم تكون لحماً، ثم تكون خلقاً آخر، فقال عمر ﵁: صدقت أطال الله بقاءك. وبهذا احتج من احتج على جواز الدعاء للرجل بطول البقاء.
وأمَّا من جوزه بإذن الحرة، فقال: للمرأة حق في الولد، كما للرجل حق فيه، ولهذا كانت أحق بحضانته، قالوا: ولو يعتبر إذن السرية فيه لأنَّها لا حق لها في القسم، ولهذا لا تطالبه بالفيئة، ولو كان لها حق في الوطء لطولب المؤلى منها بالفيئة.
قالوا: وأمَّا زوجته الرقيقة، فله أن يعزل عنها بغير إذنها صيانة لولده عن الرق ولكن يعتبر إذن سيدها، لأنَّ له حقاً في الولد، فاعتبر إذنه في العزل كالحرة، ولأنَّ بدل البضع يحصل للسيد كما يحصل للحرة، فكان إذنه في العزل كإذن الحرة.
قال أحمد ﵀ في رواية أبى طالب في الأمة إذا نكحها: يستأذن أهلها، يعني في العزل، لأنَّهم يريدون الولد، والمرأة لها حق، تريد الولد، وملك يمينه لا يستأذنها.
وقال في رواية صالح، وابن منصور، وحنبل، وأبي الحارث، والفضل ابن زياد والمروذي: يعزل عن الحرة بإذنها، والأمة بغير إذنها، يعنى أمته، وقال في رواية ابن هانئ: إذا عزل عنها، لزمه الولد، قد يكون الولد مع العزل. وقد قال بعض من
стр. 6347
قال: ما لي ولد إلَّا من العزل. وقال في رواية المروذي: في العزل عن أم الولد: إن شاء، فإن قالت: لا يحل لك؟ ليس لها ذلك» اهـ.
وَقَالَ الْحَافِظُ أَبُو زُرْعَةَ ابْنُ الْحَافِظِ الْعِرَاقِيِّ ﵀ فِي [طَرْحِ الْتَثْرِيْبِ] (٧/ ٦٠):
«وَقَدْ اخْتَلَفَ الْعُلَمَاءُ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ فَقَالَ أَصْحَابُنَا الشَّافِعِيَّةُ: إنَّ النِّسَاءَ أَقْسَامٌ:
(أَحَدُهُمَا) الزَّوْجَةُ الْحُرَّةُ وَفِيهَا طَرِيقَانِ أَظْهَرُهُمَا أَنَّهَا إنْ رَضِيَتْ جَازَ وَإِلَّا فَوَجْهَانِ أَصَحُّهُمَا عِنْدَ الْغَزَالِيِّ وَالرَّافِعِيِّ وَالنَّوَوِيِّ الْجَوَازُ، وَالطَّرِيقُ الثَّانِي أَنَّهَا إنْ لَمْ تَأْذَنْ لَمْ يَجُزْ وَإِنْ أَذِنَتْ فَوَجْهَانِ.
(الثَّانِي) الزَّوْجَةُ الْأَمَةُ وَهِيَ مُرَتَّبَةٌ عَلَى الْحُرَّةِ إنْ جَوَّزْنَاهُ فِيهَا فَفِي الْأَمَةِ أَوْلَى، وَإِلَّا فَوَجْهَانِ أَصَحُّهُمَا الْجَوَازُ تَحَرُّزًا عَنْ رِقِّ الْوَلَدِ.
(الثَّالِثُ) الْأَمَةُ الْمَمْلُوكَةُ يَجُوزُ الْعَزْلُ عَنْهَا قَالَ الْغَزَالِيُّ وَالرَّافِعِيُّ وَالنَّوَوِيُّ بِلَا خِلَافٍ لَكِنْ حَكَى الرُّويَانِيُّ فِي الْبَحْرِ وَجْهًا أَنَّهُ لَا يَجُوزُ لَحْقُ الْوَلَدِ.
(الرَّابِعُ) الْمُسْتَوْلَدَةُ قَالَ الرَّافِعِيُّ: رَتَّبَهَا مُرَتِّبُونَ عَلَى الْمَنْكُوحَةِ الرَّقِيقَةِ وَأَوْلَى بِالْمَنْعِ؛ لِأَنَّ الْوَلَدَ حُرٌّ وَآخَرُونَ عَلَى الْحُرَّةِ وَالْمُسْتَوْلَدَةُ أَوْلَى بِالْجَوَازِ؛ لِأَنَّهَا لَيْسَتْ رَاسِخَةً
стр. 6348
فِي الْفِرَاشِ وَلِهَذَا لَا تَسْتَحِقُّ الْقَسْمَ، قَالَ الرَّافِعِيُّ: وَهَذَا أَظْهَرُ، هَذَا تَفْصِيلُ مَذْهَبِنَا وَحَاصِلُهُ الْفَتْوَى بِالْجَوَازِ مُطْلَقًا وَلَوْ تَغَيَّرَ إذْنُهَا.
وَقَالَ الْمَالِكِيَّةُ: لَا يَعْزِلُ عَنْ الْحُرَّةِ إلَّا بِإِذْنِهَا وَلَا عَنْ الزَّوْجَةِ الْأَمَةِ إلَّا بِإِذْنِ سَيِّدِهَا بِخِلَافِ السَّرَارِي، هَذِهِ عِبَارَةُ ابْنِ الْحَاجِبِ فِي مُخْتَصَرِهِ وَقَالَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ فِي التَّمْهِيدِ: لَا خِلَافَ بَيْنَ الْعُلَمَاءِ أَنَّهُ لَا يَعْزِلُ عَنْ الزَّوْجَةِ الْحُرَّةِ إلَّا بِإِذْنِهَا؛ لِأَنَّ الْجِمَاعَ مِنْ حَقِّهَا وَلَهَا الْمُطَالَبَةُ بِهِ وَلَيْسَ الْجِمَاعُ الْمَعْرُوفُ إلَّا مَا لَا يَلْحَقُهُ عَزْلٌ وَفِي دَعْوَى نَفْيِ الْخِلَافِ نَظَرٌ لِمَا قَدْ عَرَفْته مِنْ مَذْهَبِنَا، وَقَالَ فِي الْأَمَةِ الْمَمْلُوكَةِ: لَا خِلَافَ بَيْنَ فُقَهَاءِ الْأَمْصَارِ أَنَّهُ يَجُوزُ الْعَزْلُ عَنْهَا بِغَيْرِ إذْنِهَا وَفِي إطْلَاقِهِ نَظَرٌ لِمَا عَرَفْته فِي مَذْهَبِنَا.
وَقَالَ الْحَنَفِيَّةُ: يَجُوزُ الْعَزْلُ عَنْ مَمْلُوكَتِهِ بِغَيْرِ إذْنِهَا وَلَا يَجُوزُ عَنْ زَوْجَتِهِ الْحُرَّةِ إلَّا بِإِذْنِهَا وَإِنْ كَانَتْ أَمَةً لَمْ يُبَحْ إلَّا بِإِذْنِ سَيِّدِهَا نَصَّ عَلَيْهِ وَقِيلَ: بَلْ بِإِذْنِهِمَا، وَقِيلَ: لَا يُبَاحُ الْعَزْلُ بِحَالٍ وَقِيلَ: يُبَاحُ بِكُلِّ حَالٍ، وَقَالَ ابْنُ حَزْمٍ الظَّاهِرِيُّ: لَا يَحِلُّ الْعَزْلُ عَنْ حُرَّةٍ وَلَا أَمَةٍ مُطْلَقًا» اهـ.
قُلْتُ: حديث جابر رواه الترمذي (١١٣٦) حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ المَلِكِ بْنِ أَبِي الشَّوَارِبِ قَالَ: حَدَّثَنَا يَزِيدُ بْنُ زُرَيْعٍ قَالَ: حَدَّثَنَا مَعْمَرٌ، عَنْ يَحْيَى بْنِ أَبِي كَثِيرٍ، عَنْ
стр. 6349
مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ ثَوْبَانَ، عَنْ جَابِرٍ قَالَ: قُلْنَا: يَا رَسُولَ اللَّهِ، إِنَّا كُنَّا نَعْزِلُ، فَزَعَمَتِ اليَهُودُ أَنَّهَا المَوْءُودَةُ الصُّغْرَى، فَقَالَ: «كَذَبَتِ اليَهُودُ، إِنَّ اللَّهَ إِذَا أَرَادَ أَنْ يَخْلُقَهُ فَلَمْ يَمْنَعْهُ».
قُلْتُ: إِسْنَادُهُ صَحِيْحٌ. لكن الصحيح أنَّه من حديث أبي سعيد الخدري ﵁.
قَالَ الْحَافِظُ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ ﵀ فِي [الْعِلَلِ] (١/ ٤٣٧): «وسئل أبي عن حديث: اختلف هشام الدستوائي، ومعمر بروايتهما، عن يحيى بن كثير:
فروى هشام الدستوائي، عن يحيى بن أبي كثير، عن محمد بن عبد الرحمن، عن أبي رفاعة، عن أبي سعيد الخدري، قال: جاء رجل إلى النبي ﷺ ، فقال: إنَّ لي وليدة، وأنا أعزل عنها، وأكره أن تحمل، وإنَّ اليهود تقول: هي الموؤودة الصغرى فقال: "كذبت اليهود، لو أراد الله أن يخلقه لم تستطع أن تصرفه".
وروى يزيد بن زريع، عن معمر، عن يحيى بن أبي كثير، عن محمد بن عبد الرحمن، عن جابر، عن النبي ﷺ .
قال أبي: حديث هشام الدستوائي أشبه من حديث معمر» اهـ.
стр. 6350
قُلْتُ: فإذا تبين أنَّ هذا هو الصواب في حديث يحيى بن أبي كثير، فإنَّ أبا رفاعة من المجاهيل، وهو علة الحديث.
والذي يظهر لي أنَّ العزل مما يكره لما رواه مسلم (١٤٤٢) عَنْ عَائِشَةَ، عَنْ جُدَامَةَ بِنْتِ وَهْبٍ، أُخْتِ عُكَّاشَةَ، قَالَتْ: حَضَرْتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ ، فِي أُنَاسٍ وَهُوَ يَقُولُ: «لَقَدْ هَمَمْتُ أَنْ أَنْهَى عَنِ الْغِيلَةِ، فَنَظَرْتُ فِي الرُّومِ وَفَارِسَ، فَإِذَا هُمْ يُغِيلُونَ أَوْلَادَهُمْ، فَلَا يَضُرُّ أَوْلَادَهُمْ ذَلِكَ شَيْئًا»، ثُمَّ سَأَلُوهُ عَنِ الْعَزْلِ؟ فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : «ذَلِكَ الْوَأْدُ الْخَفِيُّ».
قَالَ الْعَلَّامَةُ الْنَوَوِي ﵀ فِي [شَرْحِ مُسْلِمٍ] (٥/ ١٦٣):
«العزل هو أن يجامع فإذا قارب الإنزال نزع وأنزل خارج الفرج وهو مكروه عندنا في كل حال وكل امرأة سواء رضيت أم لا لأنَّه طريق إلى قطع النسل، ولهذا جاء في الحديث الآخر تسميته "الوأد الخفي" لأنَّه قطع طريق الولادة كما يقتل المولود بالوأد» اهـ.
وقَالَ ﵀ (٥/ ١٦٩): «وقد سبق في باب العزل وجه تسمية هذا وأداً، وهو مشابهته الوأد في تفويت الحياة» اهـ.
стр. 6351
قَالَ الْحَافِظُ أَبُو زُرْعَةَ ابْنُ الْحَافِظِ الْعِرَاقِيِّ ﵀ فِي [طَرْحِ الْتَثْرِيْبِ] (٧/ ٦١ - ٦٢):
«وَحَمَلَ وَالِدِي ﵀ أَيْضًا حَدِيثَ جُدَامَةَ عَلَى الْعَزْلِ عَنْ الْحَامِلِ لِزَوَالِ الْمَعْنَى الَّذِي كَانَ يُحَذِّرُهُ مِنْ حُصُولِ الْحَمْلِ وَفِيهِ تَضْيِيعٌ لِلْحَمْلِ؛ لِأَنَّ الْمَنِيَّ يَغْذُوهُ فَقَدْ يُؤَدِّي إلَى مَوْتِهِ أَوْ ضَعْفِهِ فَيَكُونُ وَأْدًا خَفِيًّا، وَسَأَلَ وَالِدِي أَيْضًا الْجَمْعَ بَيْنَهُمَا بِأَوْجُهٍ:
(مِنْهَا) أَنَّ قَوْلَهُمْ أَنَّهَا الْمَوْءُودَةُ الصُّغْرَى يَقْتَضِي أَنَّهُ وَأْدٌ ظَاهِرٌ لَكِنَّهُ صَغِيرٌ بِالنِّسْبَةِ إلَى وَأْدِ الْوَلَدِ بَعْدَ وَضْعِهِ حَيًّا بِخِلَافِ قَوْلِهِ ﵊: إنَّهُ الْوَأْدُ الْخَفِيُّ فَإِنَّهُ يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ لَيْسَ فِي حُكْمِ الظَّاهِرِ أَصْلًا فَلَا يُرَتِّبُ عَلَيْهِ حُكْمَهُ وَهَذَا كَقَوْلِهِ: إنَّ الرِّيَاءَ هُوَ الشِّرْكُ الْخَفِيُّ وَإِنَّمَا شُبِّهَ بِالْوَأْدِ مِنْ وَجْهٍ؛ لِأَنَّ فِيهِ قَطْعَ طَرِيقِ الْوِلَادَةِ» اهـ.
قُلْتُ: ولا يحرم العزل لما رواه البخاري (٥٢٠٨)، ومسلم (١٤٤٠) عَنْ جَابِرٍ ﵁، قَالَ: «كُنَّا نَعْزِلُ وَالقُرْآنُ يَنْزِلُ».
زَادَ مسلم عَنْ سُفْيَانَ: «لَوْ كَانَ شَيْئًا يُنْهَى عَنْهُ لَنَهَانَا عَنْهُ الْقُرْآنُ».
وفي رواية لمسلم: «فَبَلَغَ ذَلِكَ نَبِيَّ اللهِ ﷺ ، فَلَمْ يَنْهَنَا».
стр. 6352
قُلْتُ: وأمَّا ما قاله بعض الفقهاء من مشروعية إسقاط الجنين قبل نفخ الروح إلحاقاً بالعزل فقول غير صحيح.
قَالَ الْحَافِظُ ابْنُ رَجَبٍ ﵀ فِي [جَامِعِ الْعُلُوْمِ] (ص: ٤٩):
«وقد رخص طائفة من الفقهاء للمرأة في إسقاط ما في بطنها مالم ينفخ فيه الروح وجعلوه كالعزل وهو قول ضعيف لأنَّ الجنين ولد انعقد وربما تصور وفي العزل لم يوجد ولد بالكلية وإنَّما تسبب إلى منع انعقاده وقد لا يمتنع انعقاده بالعزل إذا أراد الله خلقه كما قال النبي ﷺ لما سئل عن العزل قال: "لا عليكم أنْ لا تَعزِلُوا، إنَّه ليسَ مِنْ نفسٍ منفوسةٍ إلَّا الله خالقُها" وقد صرَّح أصحابنا بأنَّه إذا صار الولد علقة لم يجز للمرأة إسقاطه لأنَّه ولد انعقد بخلاف النطفة فإنَّها لم تنعقد بعد وقد لا تنعقد ولداً» اهـ.
قُلْتُ: وقد اختلف العلماء في جواز إسقاط الحمل قبل نفخ الروح فيه فالمشهور عند الحنابلة مشروعية إلقاء النطفة دون غيرها من العلقة والمضغة، ومنهم من أجاز إسقاط الحمل قبل نفخ الروح فيه.
قَالَ الْعَلَّامَةُ الْمَرْدَاوِي ﵀ فِي [الْإِنْصَافِ] (١/ ٢٧٤):
«فائدتان:
стр. 6353
إحداهما: يجوز شرب دواء لإسقاط نطفة ذكره في الوجيز وقدمه في الفروع وقال ابن الجوزي في أحكام النساء: يحرم. وقال في الفروع: وظاهر كلام ابن عقيل في الفنون أنَّه يجوز إسقاطه قبل أن ينفخ فيه الروح، قال: وله وجه انتهى.
وقال الشيخ تقي الدين: والأحوط أنَّ المرأة لا تستعمل دواء يمنع نفوذ المني في مجاري الحبل» اهـ.
قُلْتُ: وقد أفتى بجواز إلقاء النطفة الْعَلَّامَةُ مُحَمَدُ بْنُ إِبْرَاهِيْمَ آل الْشَّيْخِ ﵀ كَمَا فِي [فَتَاوَى وَرَسَائِلَ مُحَمَدِ بْنِ إِبْرَاهِيْمَ آل الْشَّيْخِ] (١١/ ١٣٥) - بعد ذكره لكلام العلامة ابن رجب ﵀:
«وبما قدمناه يظهر جواز إلقاء النطفة ودليله وتعليله واضح.
وأمَّا المدة التي يجوز إلقاء النطفة فيها فهي أربعون يوماً، وابتداؤها من الوطء الحاصل في الطهر، وإن تكرر الوطء فالغالب أن ذلك يعرف لدى النساء فيسألن عن ذلك، ولا سيما من لهن التجارب والخبرة بالحبل وأحواله وما يعرض للحبلى، وإن تعذر ذلك فبالكشف إن أمكن، والله أعلم. قاله الفقير إلى عفو الله محمد بن إبراهيم بن عبد اللطيف، وكتبه من إملائه عبد الله بن إبراهيم الصانع. وصلى الله على محمد وآله وصحبه وسلم» اهـ.
стр. 6354
وممن منع من ذلك اللجنة الدائمة للإفتاء فقد جاء في [فَتَاوَى الْلَّجْنَةِ الْدَّائِمَةِ] (٢١/ ٤٣٥ - ٤٣٨):
«فقد اطلعت اللجنة الدائمة للبحوث العلمية والإفتاء على ما ورد إلى سماحة المفتي العام من سعادة مدير عام المستشفيات بوزارة الصحة، والمحال إلى اللجنة من الأمانة العامة لهيئة كبار العلماء، برقم (٢٧٦٨) وتاريخ ٢\ ٧ \ ١٤١٥ هـ وقد سأل المستفتي سؤالاً هذا نصه:
إشارة إلى ما ورد للوزارة من استفسارات من بعض إدارات الشؤون الصحية بالمناطق عن عمر الجنين الذي يعتبر فيه وفاة، والعمر الذي يعتبر فيه إجهاض، ونسبة لأنَّ الموضوع تدخل فيه أمور شرعية وقانونية، آمل من سماحتكم التكرم بموافاتنا بفتوى شرعية عن عمر الجنين أثناء فترة الحمل، والذي يعتبر ما دونه إسقاط، وما فوقه وفاة؛ لنتمكن من إفادة المناطق الصحية للعمل بموجبها.
وبعد دراسة اللجنة للاستفتاء أجابت بما يلي:
أولا: حكم الإسقاط:
١ - الأصل أنَّ إسقاط الحمل في مختلف مراحله لا يجوز شرعاً.
стр. 6355
٢ - إسقاط الحمل في مدة الطور الأول وهي مدة الأربعين لا تجوز إلَّا لدفع ضرر متوقع أو تحقيق مصلحة شرعية، تقدر كل حالة بعينها من المختصين طباً وشرعاً، أمَّا إسقاطه في هذه المدة خشية المشقة في تربية الأولاد أو خوفاً من العجز عن تكاليف المعيشة والتعليم، أو من أجل مستقبلهم أو اكتفاء بما لدى الزوجين من الأولاد- فغير جائز.
٣ - لا يجوز إسقاط الحمل إذا كان علقة أو مضغة حتى تقرر لجنة طبية موثوقة أنَّ استمراره خطر على سلامة أمه؛ بأن يخشى عليها الهلاك من استمراره، فإذا قررت اللجنة ذلك جاز إسقاطه بعد استنفاد كافة الوسائل؛ لتلافي تلك الأخطار.
٤ - بعد الطور الثالث، وبعد إكمال أربعة أشهر للحمل لا يحل إسقاطه حتى يقرر جمع من الأطباء المتخصصين الموثوقين أنَّ بقاء الجنين في بطن أمه يسبب موتها، وذلك بعد استنفاد كافة الوسائل لإنقاذ حياته، وإنَّما رخص الإقدام على إسقاطه بهذه الشروط دفعاً لأعظم الضررين وجلباً لعظمى المصلحتين.
ثانياً: الأحكام بعد سقوط الحمل:
وهي مختلفة باختلاف زمن الإسقاط في أي من أطواره الأربعة على ما يلي:
стр. 6356
الحكم الأول: إذا سقط الحمل في الطورين الأولين: طور النطفة المختلطة من المائين، وهي في الأربعين الأولى من علوق الماء في الرحم، وطور العلقة، وهو: طور تحولها إلى دم جامد في الأربعين الثانية إلى تمام ثمانين يوماً، ففي هذه الحالة لا يترتب على سقوطها نطفة أو علقة شيء من الأحكام بلا خلاف، وتستمر المرأة في صيامها وصلاتها كأنَّه لم يكن إسقاط، وعليها أن تتوضأ لوقت كل صلاة إذا كان معها دم كالمستحاضة.
الحكم الثاني: إذا سقط الحمل في الطور الثالث، طور المضغة، - أي: قطعة من لحم- وفيه تقدر أعضاؤه وصورته وشكله وهيئته وهو في الأربعين الثالثة من واحد وثمانين يوماً إلى تمام مائة وعشرين يوماً، فله حالتان:
١ - أن تكون تلك المضغة ليس فيها تصوير ظاهر لخلق آدمي ولا خفي، ولا شهادة القوابل بأنَّها مبدأ إنسان، فحكم سقوط المضغة هذه حكم سقوطها في الطورين الأولين، لا يترتب عليه شيء من الأحكام.
٢ - أن تكون المضغة مستكملة لصورة آدمي أو فيها تصوير ظاهر من خلق الإنسان؛ يد أو رجل أو نحو ذلك، أو تصوير خفي، أو شهد القوابل بأنَّها مبدأ إنسان، فحكم سقوط المضغة هنا أنَّه يترتب عليها النفاس وانقضاء العدة.
стр. 6357
الحكم الثالث: إذا سقط الحمل في الطور الرابع، أي: بعد نفخ الروح، وهو من أول الشهر الخامس من مرور مائة وواحد وعشرين يوماً على الحمل فما بعد، فله حالتان، وهما:
١ - أن لا يستهل صارخاً، فله أحكام الحالة الثانية للمضغة المذكورة سابقاً، ويزيد أنَّه يغسل ويكفن ويصلى عليه ويسمى ويعق عنه.
٢ - أن يستهل صارخاً، فله أحكام المولود كاملة، ومنها ما في الحالة قبلها آنفاً، وزيادة هاهنا هي: أنَّه يملك المال من وصية وميراث، فيرث ويورث وغير ذلك.
وبالله التوفيق، وصلى الله على نبينا محمد وآله وصحبه وسلم.
اللجنة الدائمة للبحوث العلمية والإفتاء
عضو … عضو … عضو … عضو … الرئيس
بكر أبو زيد … عبد العزيز آل الشيخ … صالح الفوزان … عبد الله بن غديان … عبد العزيز بن عبد الله بن باز» اهـ.
قُلْتُ: هذا تقرير مذهب الحنابلة.
أمَّا مذهب الحنفية فَقَالَ ابْنُ عَابِدِيْنَ ﵀ فِي [حَاشِيَتِهِ] (٣/ ١٧٦):
стр. 6358
«قَالَ فِي النَّهْرِ: بَقِيَ هَلْ يُبَاحُ الْإِسْقَاطُ بَعْدَ الْحَمْلِ؟ نَعَمْ يُبَاحُ مَا لَمْ يَتَخَلَّقْ مِنْهُ شَيْءٌ وَلَنْ يَكُونَ ذَلِكَ إلَّا بَعْدَ مِائَةٍ وَعِشْرِينَ يَوْمًا، وَهَذَا يَقْتَضِي أَنَّهُمْ أَرَادُوا بِالتَّخْلِيقِ نَفْخَ الرُّوحِ وَإِلَّا فَهُوَ غَلَطٌ لِأَنَّ التَّخْلِيقَ يَتَحَقَّقُ بِالْمُشَاهَدَةِ قَبْلَ هَذِهِ الْمُدَّةِ كَذَا فِي الْفَتْحِ، وَإِطْلَاقُهُمْ يُفِيدُ عَدَمَ تَوَقُّفِ جَوَازِ إسْقَاطِهَا قَبْلَ الْمُدَّةِ الْمَذْكُورَةِ عَلَى إذْنِ الزَّوْجِ.
وَفِي كَرَاهَةِ الْخَانِيَّةِ: وَلَا أَقُولُ بِالْحِلِّ إذْ الْمُحْرِمُ لَوْ كَسَرَ بَيْضَ الصَّيْدِ ضَمِنَهُ لِأَنَّهُ أَصْلُ الصَّيْدِ فَلَمَّا كَانَ يُؤَاخَذُ بِالْجَزَاءِ فَلَا أَقَلَّ مِنْ أَنْ يَلْحَقَهَا إثْمٌ هُنَا إذَا سَقَطَ بِغَيْرِ عُذْرِهَا اهـ.
قَالَ ابْنُ وَهْبَانَ: وَمِنْ الْأَعْذَارِ أَنْ يَنْقَطِعَ لَبَنُهَا بَعْدَ ظُهُورِ الْحَمْلِ وَلَيْسَ لِأَبِي الصَّبِيِّ مَا يَسْتَأْجِرُ بِهِ الظِّئْرَ وَيَخَافُ هَلَاكَهُ.
وَنُقِلَ عَنْ الذَّخِيرَةِ لَوْ أَرَادَتْ الْإِلْقَاءَ قَبْلَ مُضِيِّ زَمَنٍ يُنْفَخُ فِيهِ الرُّوحُ هَلْ يُبَاحُ لَهَا ذَلِكَ أَمْ لَا؟ اخْتَلَفُوا فِيهِ، وَكَانَ الْفَقِيهُ عَلِيُّ بْنُ مُوسَى يَقُولُ: إنَّهُ يُكْرَهُ، فَإِنَّ الْمَاءَ بَعْدَمَا وَقَعَ فِي الرَّحِمِ مَآلُهُ الْحَيَاةُ فَيَكُونُ لَهُ حُكْمُ الْحَيَاةِ كَمَا فِي بَيْضَةِ صَيْدِ الْحَرَمِ، وَنَحْوُهُ فِي الظَّهِيرِيَّةِ.
стр. 6359
قَالَ ابْنُ وَهْبَانَ: فَإِبَاحَةُ الْإِسْقَاطِ مَحْمُولَةٌ عَلَى حَالَةِ الْعُذْرِ، أَوْ أَنَّهَا لَا تَأْثَمُ إثْمَ الْقَتْلِ اهـ. وَبِمَا فِي الذَّخِيرَةِ تَبَيَّنَ أَنَّهُمْ مَا أَرَادُوا بِالتَّحْقِيقِ إلَّا نَفْخُ الرُّوحِ، وَأَنَّ قَاضِيَ خَانْ مَسْبُوقٌ بِمَا مَرَّ مِنْ التَّفَقُّهِ، وَاَللَّهُ تَعَالَى الْمُوَفِّقُ اهـ كَلَامُ النَّهْرِ ح» اهـ.
وأمَّا مذهب المالكية.
قَالَ الْعَلَّامَةُ الْخَرَشِيُّ الْمَالِكِي ﵀ فِي [شَرْحِ مُخْتَصَرِ خَلِيْلٍ] (٣/ ٢٢٥ - ٢٢٦): «تَنْبِيهٌ: لَا يَجُوزُ لِلْمَرْأَةِ أَنْ تَفْعَلَ مَا يُسْقِطُ مَا فِي بَطْنِهَا مِنْ الْجَنِينِ وَكَذَا لَا يَجُوزُ لِلزَّوْجِ فِعْلُ ذَلِكَ، وَلَوْ قَبْلَ الْأَرْبَعِينَ وَقِيلَ يُكْرَهُ قَبْلَ الْأَرْبَعِينَ لِلْمَرْأَةِ شُرْبُ مَا يُسْقِطُهُ إنْ رَضِيَ الزَّوْجُ بِذَلِكَ انْتَهَى وَاَلَّذِي ذَكَرَهُ الشَّيْخُ عَنْ أَبِي الْحَسَنِ أَنَّهُ يَجُوزُ قَبْلَ الْأَرْبَعِينَ» اهـ.
وأمَّ مذهب الشافعية.
فَقَالَ الشَّيْخِ سُلَيْمَانِ الْبُجَيْرِمِيِّ ﵀ فِي [تُحْفَةُ الْحَبِيبِ عَلَى شَرْحِ الْخَطِيبِ] (٤/ ٤٧):
«وَفِي ابْنِ حَجَرٍ: فَرْعٌ اخْتَلَفُوا فِي التَّسَبُّبِ لِإِسْقَاطِ مَا لَمْ يَصِلْ لِحَدِّ نَفْخِ الرُّوحِ فِيهِ وَهُوَ مِائَةٌ وَعِشْرُونَ يَوْمًا وَاَلَّذِي يُتَّجَهُ وِفَاقًا لِابْنِ الْعِمَادِ وَغَيْرِهِ الْحُرْمَةُ وَلَا يُشْكِلُ عَلَيْهِ جَوَازُ الْعَزْلِ لِوُضُوحِ الْفَرْقِ بَيْنَهُمَا، بِأَنَّ الْمَنِيَّ حَالَ نُزُولِهِ مَحْضُ جَمَادٍ، لَمْ يَتَهَيَّأْ
стр. 6360
لِلْحَيَاةِ بِوَجْهٍ بِخِلَافِهِ بَعْدِ اسْتِقْرَارِهِ فِي الرَّحِمِ وَأَخْذُهُ فِي مَبَادِي التَّخَلُّقِ وَيُعْرَفُ ذَلِكَ بِالْأَمَارَاتِ وَفِي حَدِيثِ مُسْلِمٍ أَنَّهُ يَكُونُ بَعْدَ اثْنَيْنِ وَأَرْبَعِينَ لَيْلَةً أَيْ ابْتِدَاؤُهُ. وَيَحْرُمُ اسْتِعْمَالُ مَا يَقْطَعُ الْحَبَلَ مِنْ أَصْلِهِ، كَمَا صَرَّحَ بِهِ كَثِيرُونَ وَهُوَ ظَاهِرٌ اهـ. وَقَوْلُ ابْنِ حَجَرٍ وَاَلَّذِي يُتَّجَهُ إلَخْ فِي شَرْحِ مَرَّ فِي أُمَّهَاتِ الْأَوْلَادِ خِلَافُهُ، وَقَوْلُهُ وَأَخْذُهُ فِي مَبَادِي التَّخَلُّقِ قَضِيَّتُهُ أَنَّهُ لَا يَحْرُمُ قَبْلَ ذَلِكَ وَعُمُومُ كَلَامِهِ الْأَوَّلُ يُخَالِفُهُ وَقَوْلُهُ: وَيَحْرُمُ مَا يَقْطَعُ الْحَبَلَ مِنْ أَصْلِهِ.
أَمَّا مَا يُبْطِئُ الْحَبَلَ مُدَّةً وَلَا يَقْطَعُهُ مِنْ أَصْلِهِ فَلَا يَحْرُمُ كَمَا هُوَ ظَاهِرٌ بَلْ إنْ كَانَ لِعُذْرٍ كَتَرْبِيَةِ وَلَدٍ لَمْ يُكْرَهْ أَيْضًا وَإِلَّا كُرِهَ» اهـ.
وَقَالَ الشَّيْخِ عَلِيٌّ الشبراملسي ﵀ فِي [حَاشِيَتِهِ عَلَى نِهَايَةِ الْمُحْتَاجِ] (٦/ ١٨٢):
«وَاخْتَلَفُوا فِي جَوَازِ التَّسَبُّبِ فِي إلْقَاءِ النُّطْفَةِ بَعْدَ اسْتِقْرَارِهَا فِي الرَّحِمِ فَقَالَ أَبُو إِسْحَاقَ الْمَرْزَدِيُّ يَجُوزُ إلْقَاءُ النُّطْفَةِ وَالْعَلَقَةِ، وَنَقَلَ ذَلِكَ عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ، وَفِي الْإِحْيَاءِ فِي مَبْحَثِ الْعَزْلِ مَا يَدُلُّ عَلَى تَحْرِيمِهِ، وَهُوَ الْأَوْجَهُ؛ لِأَنَّهَا بَعْدَ الِاسْتِقْرَارِ آيِلَةٌ إلَى التَّخَلُّقِ الْمُهَيَّأِ لِنَفْخِ الرُّوحِ وَلَا كَذَلِكَ الْعَزْلُ اهـ حَجّ.
стр. 6361
وَحَكَى الشَّارِحُ خِلَافًا فِي كِتَابِ أُمَّهَاتِ الْأَوْلَادِ وَأَطَالَ فِيهِ وَظَاهِرُ كَلَامِهِ ثَمَّ اعْتِمَادُ عَدَمِ الْحُرْمَةِ فَلْيُرَاجَعْ» اهـ.
٢ - وفي قَوْلِهِ: «وَلَمْ يَقُلْ: فَلَا يَفْعَلْ ذَلِكَ أَحَدُكُمْ». دليل على أنَّ الأصل في النهي التحريم.
٣ - وفيه أنَّ العزل لا يرد القدر.
٤ - ويلحق بالعزل سائر الأدوية التي تستعمل لمنع الحمل.
قَالَ الْخَطِيْبُ الْشَّرْبِيْنِيُّ الشَّافِعِيُّ ﵀ فِي [مُغْنِي الْمُحْتَاجِ] (٨/ ٤٤٣) نقلاً عن الزركشي:
«أَمَّا اسْتِعْمَالُ الرَّجُلِ وَالْمَرْأَةِ دَوَاءً لِمَنْعِ الْحَبَلِ فَقَدْ سُئِلَ عَنْهَا الشَّيْخُ عِزُّ الدِّينِ فَقَالَ: لَا يَجُوزُ لِلْمَرْأَةِ ذَلِكَ وَظَاهِرُهُ التَّحْرِيمُ، وَبِهِ أَفْتَى الْعِمَادُ بْنُ يُونُسَ، فَسُئِلَ عَمَّا إذَا تَرَاضَى الزَّوْجَانِ الْحُرَّانِ عَلَى تَرْكِ الْحَبَلِ هَلْ يَجُوزُ التَّدَاوِي لِمَنْعِهِ بَعْدَ طُهْرِ الْحَيْضِ. أَجَابَ لَا يَجُوزُ اهـ. وَقَدْ يُقَالُ: هُوَ لَا يَزِيدُ عَلَى الْعَزْلِ، وَلَيْسَ فِيهِ سِوَى سَدُّ بَابِ النَّسْلِ ظَنًّا وَإِنَّ الظَّنَّ لَا يُغْنِي مِنْ الْحَقِّ شَيْئًا، وَعَلَى الْقَوْلِ بِالْمَنْعِ فَلَوْ فُرِّقَ بَيْنَ مَا يَمْنَعُ بِالْكُلِّيَّةِ وَبَيْنَ مَا يَمْنَعُ فِي وَقْتٍ دُونَ وَقْتٍ فَيَكُونُ كَالْعَزْلِ لَكَانَ مُتَّجِهًا. وَفِي شَرْحِ التَّنْبِيهِ لِلْبَالِسِيِّ نَحْوُ هَذَا اهـ كَلَامُ الزَّرْكَشِيّ» اهـ.
стр. 6362
فَقَالَ الشَّيْخِ سُلَيْمَانِ الْبُجَيْرِمِيِّ الشَّافِعِيُّ ﵀ فِي [تُحْفَةُ الْحَبِيبِ عَلَى شَرْحِ الْخَطِيبِ] (٤/ ٤٧):
«وَقَوْلُهُ: وَيَحْرُمُ مَا يَقْطَعُ الْحَبَلَ مِنْ أَصْلِهِ.
أَمَّا مَا يُبْطِئُ الْحَبَلَ مُدَّةً وَلَا يَقْطَعُهُ مِنْ أَصْلِهِ فَلَا يَحْرُمُ كَمَا هُوَ ظَاهِرٌ بَلْ إنْ كَانَ لِعُذْرٍ كَتَرْبِيَةِ وَلَدٍ لَمْ يُكْرَهْ أَيْضًا وَإِلَّا كُرِهَ» اهـ.
وَقَالَ الْحَافِظُ أَبُو زُرْعَةَ ابْنُ الْحَافِظِ الْعِرَاقِيِّ ﵀ فِي [طَرْحِ الْتَثْرِيْبِ] (٧/ ٦٢):
«وَقَدْ يَشْكُلُ عَلَى الْمَشْهُورِ عِنْدَ أَصْحَابِنَا مِنْ إبَاحَةِ الْعَزْلِ مَا أَفْتَى بِهِ الشَّيْخُ عِمَادُ الدِّينِ بْنُ يُونُسَ وَالشَّيْخُ عِزُّ الدِّينِ بْنُ عَبْدِ السَّلَامِ أَنَّهُ يَحْرُمُ عَلَى الْمَرْأَةِ اسْتِعْمَالُ دَوَاءٍ مَا يَمْنَعُ مِنْ الْحَبَلِ قَالَ ابْنُ يُونُسَ وَلَوْ رَضِيَ بِهِ الزَّوْجُ وَقَدْ يُقَالُ هَذَا سَبَبٌ لِامْتِنَاعِهِ بَعْدَ وُجُودِ سَبَبِهِ وَالْعَزْلُ فِيهِ تَرْكٌ لِلسَّبَبِ فَهُوَ كَتَرْكِ الْوَطْءِ مُطْلَقًا. وَاَللَّهُ أَعْلَمُ» اهـ.
وَقَالَ الْعَلَّامَةُ ابْنُ مُفْلِحٍ ﵀ فِي [الْفُرُوْعِ] (١/ ٣٩٢ - ٣٩٣):
«وَلَهَا شُرْبُ دَوَاءٍ مُبَاحٍ لِقَطْعِ الْحَيْضِ، نَصَّ عَلَيْهِ. وَقَالَ الْقَاضِي: بِإِذْنِ زَوْجٍ كَالْعَزْلِ، يُؤَيِّدُهُ قَوْلُ أَحْمَدَ فِي بَعْضِ جَوَابِهِ.
стр. 6363
وَالزَّوْجَةُ تَسْتَأْذِنُ زَوْجَهَا، وَيُتَوَجَّهُ يُكْرَهُ، وَفِعْلُهُ ذَلِكَ بِهَا بِلَا علم يتوجه تَحْرِيمُهُ، لِإِسْقَاطِ حَقِّهَا مُطْلَقًا، مِنْ النَّسْلِ الْمَقْصُودِ، ويتوجه في الكافور ونحوه كقطع الْحَيْضِ» اهـ.
وَقَالَ الْعَلَّامَةُ الْمَرْدَاوِي الْحِنْبَلِي ﵀ فِي [الْإِنْصَافِ] (١/ ٣٨٣):
«فَائِدَتَانِ:
إحْدَاهُمَا: يَجُوزُ شُرْبُ دَوَاءٍ مُبَاحٍ لِقَطْعِ الْحَيْضِ مُطْلَقًا. مَعَ أَمْنِ الضَّرَرِ، عَلَى الصَّحِيحِ مِنْ الْمَذْهَبِ، نُصَّ عَلَيْهِ. وَقَالَ الْقَاضِي: لَا يُبَاحُ إلَّا بِإِذْنِ الزَّوْجِ.
كَالْعَزْلِ قُلْت: وَهُوَ الصَّوَابُ، قَالَ: فِي الْفُرُوعِ يُؤَيِّدُهُ: قَوْلُ أَحْمَدَ فِي بَعْضِ جَوَابِهِ "وَالزَّوْجَةُ تَسْتَأْذِنُ زَوْجَهَا". وَقَالَ: وَيُتَوَجَّهُ يُكْرَهُ. وَقَالَ: وَفِعْلُ الرَّجُلِ ذَلِكَ بِهَا مِنْ غَيْرِ عِلْمٍ يُتَوَجَّهُ تَحْرِيمُهُ، لِإِسْقَاطِ حَقِّهَا مُطْلَقًا مِنْ النَّسْلِ الْمَقْصُودِ. وَقَالَ: وَيُتَوَجَّهُ فِي الْكَافُورِ وَنَحْوِهِ لَهُ لِقَطْعِ الْحَيْضِ. قُلْت: وَهُوَ الصَّوَابُ الَّذِي لَا شَكَّ فِيهِ. قَالَ فِي الْفَائِقِ: وَلَا يَجُوزُ مَا يَقْطَعُ الْحَمْلَ. ذَكَرَهُ بَعْضُهُمْ» اهـ.
وَقَالَ الْعَلَّامَةُ الْفَوْزَانُ سَدَّدهُ اللهُ فِي [الْمُلَّخَصِ الْفِقْهِي] (١/ ٩٠):
«تنبيه هام:
стр. 6364
وهنا مسألة يجب التنبيه عليها، وهي أنَّ البعض من النساء قد تتناول دواء لمنع نزول دم الحيض حتى تتمكن من صيام رمضان أو أداء الحج، فإن كانت هذه الحبوب لمنع نزول الدم فترة ولا تقطعه؛ فلا بأس بتناولها، وإن كانت تقطع الحيض قطعاً مؤبدًا؛ فهذا لا يجوز؛ إلَّا بإذن الزوج؛ لأنَّ هذا يترتب عليه قطع النسل» اهـ.
وَقَالَ الْعَلَّامَةُ الْخَرَشِيُّ الْمَالِكِي ﵀ فِي [شَرْحِ مُخْتَصَرِ خَلِيْلٍ] (١/ ٢٠٤):
«وَبَقِيَ مَا إذَا اسْتَعْمَلَتْ مَا يَرْفَعُهُ - أي الحيض- بِالْكُلِّيَّةِ أَوْ يُقِلُّهُ، وَالْحُكْمُ الْكَرَاهَةُ إنْ لَمْ يَسْتَلْزِمْ قَطْعَ النَّسْلِ أَوْ قِلَّتَهُ وَإِلَّا حَرُمَ» اهـ.
وَقَالَ أَحْمَدُ بْنُ غُنَيْمِ بْنِ سَالِمٍ النَّفْرَاوِيُّ الْمَالِكِيُّ ﵀ فِي [الْفَوَاكِهِ الدَّوَانِي] (١/ ١١٧): «وَأَمَّا لَوْ اسْتَعْمَلَتْ دَوَاءً لِقَطْعِهِ أَصْلًا فَلَا يَجُوزُ لَهَا حَيْثُ كَانَ يَتَرَتَّبُ عَلَيْهِ قَطْعُ النَّسْلِ كَمَا لَا يَجُوزُ لِلرَّجُلِ اسْتِعْمَالُ مَا يَقْطَعُ نَسْلَهُ أَوْ يُقَلِّلَهُ» اهـ.
حكم استعمال المرأة للولب.
قَالَ ابْنُ عَابِدِيْنَ ﵀ فِي [حَاشِيَتِهِ] (٣/ ١٧٦):
«تَنْبِيهٌ: أُخِذَ فِي النَّهْرِ مِنْ هَذَا وَمِمَّا قَدَّمَهُ الشَّارِحُ عَنْ الْخَانِيَّةِ وَالْكَمَالِ أَنَّهُ يَجُوزُ لَهَا سَدُّ فَمِ رَحِمِهَا كَمَا تَفْعَلُهُ النِّسَاءُ مُخَالِفًا لِمَا بَحَثَهُ فِي الْبَحْرِ مِنْ أَنَّهُ يَنْبَغِي أَنْ يَكُونَ حَرَامًا بِغَيْرِ إذْنِ الزَّوْجِ قِيَاسًا عَلَى عَزْلِهِ بِغَيْرِ إذْنِهَا.
стр. 6365
قُلْت: لَكِنْ فِي الْبَزَّازِيَّةِ أَنَّ لَهُ مَنْعَ امْرَأَتِهِ عَنْ الْعَزْلِ. اهـ. نَعَمْ النَّظَرُ إلَى فَسَادِ الزَّمَانِ يُفِيدُ الْجَوَازَ مِنْ الْجَانِبَيْنِ. فَمَا فِي الْبَحْرِ مَبْنِيٌّ عَلَى مَا هُوَ أَصْلُ الْمَذْهَبِ، وَمَا فِي النَّهْرِ عَلَى مَا قَالَهُ الْمَشَايِخُ وَاَللَّهُ الْمُوَفِّقُ» اهـ.
وَقَالَ ابْنُ نُجَيْمِ ﵀ فِي [البَّحْرِ الرَّائِقِ] (٣/ ٢١٥):
«وَيَنْبَغِي أَنْ يَكُونَ سَدُّ الْمَرْأَةِ فَمَ رَحِمِهَا كَمَا تَفْعَلُهُ النِّسَاءُ لِمَنْعِ الْوَلَدِ حَرَامًا بِغَيْرِ إذْنِ الزَّوْجِ قِيَاسًا عَلَى عَزْلِهِ بِغَيْرِ إذْنِهَا» اهـ.
قُلْتُ: إن فعلت ذلك بنفسها فهو كاستعمال غيره من موانع الحمل المؤقتة فالأصل حله إلَّا إذا كان ضرره أكثر من نفعه.
وإن فعلت لها ذلك طبيبة فالأظهر حرمته لما فيه من كشف العورة ولمسها والإيلاج فيه من غير ضرورة، وإن اضطرت لذلك بحيث أنَّها لم تجد غيره والحمل يضرها فلها ذلك.
* * *
стр. 6366
٣٢٣ - عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ ﵄، قَالَ: «كُنَّا نَعْزِلُ وَالْقُرْآنُ يَنْزِلُ، لَوْ كَانَ شَيْئاً يُنْهَى عَنْهُ لَنَهَانَا عَنْهُ الْقُرْآنُ».
العَزْلُ: نزعُ الذَّكَرِ منَ الفَرْجِ إِذا قاربَ الإِنْزالَ.
تَنْبِيْهٌ: قوله في الحديث: «لَوْ كَانَ شَيْئاً يُنْهَى عَنْهُ لَنَهَانَا عَنْهُ الْقُرْآنُ». مدرج من كلام سفيان، ولفظ مسلم في [صَحِيْحِهِ] (١٤٤٠) حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، وَإِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، قَالَ إِسْحَاقُ: أَخْبَرَنَا، وَقَالَ أَبُو بَكْرٍ: حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، عَنْ عَمْرٍو، عَنْ عَطَاءٍ، عَنْ جَابِرٍ، قَالَ: «كُنَّا نَعْزِلُ، وَالْقُرْآنُ يَنْزِلُ»، زَادَ إِسْحَاقُ، قَالَ سُفْيَانُ: لَوْ كَانَ شَيْئًا يُنْهَى عَنْهُ لَنَهَانَا عَنْهُ الْقُرْآنُ.
قَالَ الْحِافِظُ ابْنُ حَجَرٍ ﵀ فِي [فَتْحِ الْبَارِي] (٩/ ٣٠٥): «فهذا ظاهر في أنَّ سفيان قاله استنباطاً وأوهم كلام صاحب "العمدة" ومن تبعه أنَّ هذه الزيادة من نفس الحديث فأدرجها وليس الأمر كذلك فإنِّي تتبعته من المسانيد فوجدت أكثر رواته عن سفيان لا يذكرون هذه الزيادة» اهـ.
وَفِي الْحَدِيْثِ مَسَائِلُ مِنْهَا:
١ - إباحة العزل.
стр. 6367
وقد سبق أن بيَّنا كراهته في شرحنا للحديث الماضي.
٢ - واحتج به لمذهب جمهور العلماء من المحدثين والأصوليين أنَّ قول الصحابي كنَّا نفعل كذا مع إضافته إلى عصر الرسول يكون مرفوع حكماً.
قُلْتُ: لكن قد جاء التصريح برفعه فيما رواه مسلم (١٤٤٠) عن جابر، ﵁، قال: «فَبَلَغَ ذَلِكَ نَبِيَّ اللهِ ﷺ ، فَلَمْ يَنْهَنَا».
٣ - وفيه أنَّ إقرار الله للشيء في زمن الوحي حجة شرعية.
٤ - وفيه أنَّ الأصل في الأشياء الإباحة.
قَالَ الْعَلَّامَةُ ابْنُ الْقَيِّمِ ﵀ فِي [إِعْلَامِ الْمُوَقِعِيْنَ] (٢/ ٣٨٧): «وهذا من كمال فقه الصحابة وعلمهم واستيلائهم على معرفة طرق الأحكام ومداركها وهو يدل على أمرين:
أحدهما: أنَّ أصل الأفعال الإباحة ولا يحرم منها إلَّا ما حرمه الله على لسان رسوله.
الثاني: أنَّ علم الرب تعالى بما يفعلون في زمن شرع الشرائع ونزل الوحي وإقراره لهم عليه دليل على عفوه عنه. والفرق بين هذا الوجه والوجه الذي قبله أنَّه في
стр. 6368
الوجه الأول يكون معفواً عنه استصحاباً، وفي الثاني يكون العفو عنه تقريراً لحكم الاستصحاب» اهـ.
* * *
стр. 6369
٣٢٤ - عَنْ أَبِي ذَرٍّ ﵁: أَنَّهُ سَمِعَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: «لَيْسَ مِنْ رَجُلٍ ادَّعَى لِغَيْرِ أَبِيهِ - وَهُوَ يَعْلَمُهُ - إلَّا كَفَرَ. وَمَنْ ادَّعَى مَا لَيْسَ لَهُ: فَلَيْسَ مِنَّا، وَلْيَتَبَوَّأْ مَقْعَدَهُ مِنْ النَّارِ وَمَنْ دَعَا رَجُلاً بِالْكُفْرِ، أَوْ قَالَ: عَدُوَّ اللَّهِ، وَلَيْسَ كَذَلِكَ، إلَّا حَارَ عَلَيْهِ».
ولْيَتَبَوَّأْ: أَيْ فَلْيتخذْ لهُ مَباءةً، وهي المنزلُ.
حَارَ عَلَيْهِ: رجعَ عليهِ.
قَوْلُهُ: «وَمَنْ دَعَا رَجُلاً بِالْكُفْرِ، أَوْ قَالَ: عَدُوَّ اللَّهِ، وَلَيْسَ كَذَلِكَ، إلَّا حَارَ عَلَيْهِ».
مما انفرد به مسلم.
والحديث بهذا السياق لمسلم.
ورواه البخاري (٦٠٤٥) عَنْ أَبِي ذَرٍّ ﵁ أَنَّهُ سَمِعَ النَّبِيَّ ﷺ يَقُولُ: «لَا يَرْمِي رَجُلٌ رَجُلًا بِالفُسُوقِ، وَلَا يَرْمِيهِ بِالكُفْرِ، إِلَّا ارْتَدَّتْ عَلَيْهِ، إِنْ لَمْ يَكُنْ صَاحِبُهُ كَذَلِكَ».
стр. 6370
ورواه (٣٥٠٨) عَنْ أَبِي ذَرٍّ ﵁، أَنَّهُ سَمِعَ النَّبِيَّ ﷺ ، يَقُولُ: «لَيْسَ مِنْ رَجُلٍ ادَّعَى لِغَيْرِ أَبِيهِ - وَهُوَ يَعْلَمُهُ - إِلَّا كَفَرَ، وَمَنِ ادَّعَى قَوْمًا لَيْسَ لَهُ فِيهِمْ، فَلْيَتَبَوَّأْ مَقْعَدَهُ مِنَ النَّارِ».
قَالَ الْحِافِظُ ابْنُ حَجَرٍ ﵀ فِي [فَتْحِ الْبَارِي] (٦/ ٥٤٠):
«وَقَوْلُهُ: "وَمَنِ ادَّعَى قَوْمًا لَيْسَ لَهُ فِيهِمْ نَسَبٌ فَلْيَتَبَوَّأْ مَقْعَدَهُ مِنَ النَّارِ" فِي رِوَايَةِ مُسْلِمٍ وَالْإِسْمَاعِيلِيِّ: "وَمَنِ ادَّعَى مَا لَيْسَ لَهُ فَلَيْسَ مِنَّا وَلْيَتَبَوَّأْ مَقْعَدَهُ مِنَ النَّارِ" وَهُوَ أَعَمُّ مَا تَدُلُّ عَلَيْهِ رِوَايَةُ الْبُخَارِيِّ عَلَى أَنَّ لَفْظَةَ نَسَبٌ وَقَعَتْ فِي رِوَايَةِ الْكُشْمِيهَنِيِّ دُونَ غَيْرِهِ وَمَعَ حَذْفِهَا يَبْقَى مُتَعَلِّقُ الْجَارِّ وَالْمَجْرُورِ مَحْذُوفًا فَيَحْتَاجُ إِلَى تَقْدِيرٍ وَلَفْظُ نَسَبٌ أَوْلَى مَا قُدِّرَ لِوُرُودِهِ فِي بَعْضِ الرِّوَايَاتِ» اهـ.
وَفِي الْحَدِيْثِ مَسَائِلُ مِنْهَا:
١ - تحريم الانتفاء من النسب.
٢ - حرمة الانتساب لغير الأب، وهو مشروط بالعلم.
قَالَ الْعَلَّامَةُ الْقُرْطُبِي ﵀ فِي [الْمُفْهِم] (٢/ ١٩): «وهذا إنَّما يفعله أهل الجفاء والجهل والكبر؛ لخسة منصب الأب ودناءته؛ فيرى الانتساب إليه عاراً ونقصاً في حقه.
стр. 6371
ولا شك في أنَّ هذا محرم معلوم التحريم، فمن فعل ذلك مستحلاً، فهو كافر حقيقة، فيبقى الحديث على ظاهره.
وأمَّا إن كان غير مستحل له، فيكون الكفر الذي في الحديث محمولاً على كفران النعم والحقوق؛ فإنَّه قابل الإحسان بالإساءة، ومن كان كذلك، صدق عليه اسم "الكافر"، وعلى فعله أنَّه "كفر"؛ لغة وشرعاً على ما قررناه، ويحتمل أن يقال: أطلق عليه ذلك؛ لأنَّه تشبه بالكفار أهل الجاهلية وآل الكبر والأنفة؛ فإنَّهم كانوا يفعلون ذلك، والله تعالى أعلم» اهـ.
٣ - أنَّ الانتساب لغير الأب من كبائر الذنوب.
٤ - إطلاق الكفر على الكفر الأصغر.
٥ - تحريم دعوى المرء ما ليس له.
قَالَ الْحِافِظُ ابْنُ حَجَرٍ ﵀ فِي [فَتْحِ الْبَارِي] (٦/ ٥٤١): «فيدخل فيه الدعاوي الباطلة كلها مالاً وعلماً وتعلماً ونسباً وحالاً وصلاحاً ونعمة وولاء وغير ذلك ويزداد التحريم بزيادة المفسدة المترتبة على ذلك» اهـ.
٦ - وفيه وعيد من كفر أخاه بغير حق.
٧ - وفيه وعيد من قال لأخيه يا عدو الله.
стр. 6372
٨ - وظاهره أنَّ من قال لأخيه يا كافر رجع عليه الكفر.
وقد روى البخاري (٦١٠٣) عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: «إِذَا قَالَ الرَّجُلُ لِأَخِيهِ يَا كَافِرُ، فَقَدْ بَاءَ بِهِ أَحَدُهُمَا».
وروى البخاري (٦١٠٤)، ومسلم (٦٠) عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ ﵄: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: «أَيُّمَا رَجُلٍ قَالَ لِأَخِيهِ يَا كَافِرُ، فَقَدْ بَاءَ بِهَا أَحَدُهُمَا».
وروى مسلم (٦٠) عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ ﵄: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: «أَيُّمَا امْرِئٍ قَالَ لِأَخِيهِ: يَا كَافِرُ، فَقَدْ بَاءَ بِهَا أَحَدُهُمَا، إِنْ كَانَ كَمَا قَالَ، وَإِلَّا رَجَعَتْ عَلَيْهِ».
وأصرح من ذلك ما رواه أحمد (٤٧٤٥) حَدَّثَنَا يَعْلَى بْنُ عُبَيْدٍ، حَدَّثَنَا فُضَيْلٌ يَعْنِي ابْنَ غَزْوَانَ، عَنْ نَافِعٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «أَيُّمَا رَجُلٍ كَفَّرَ رَجُلًا، فَإِنْ كَانَ كَمَا قَالَ وَإِلَّا فَقَدْ بَاءَ بِالْكُفْرِ».
قُلْتُ: هَذَا حَدِيْثٌ صَحِيْحٌ.
стр. 6373
ورواه الطبراني في [الْكَبِيْرِ] (١٦٩، ٢٧٦، ٧٨٥)، و [الْأَوْسَطِ] (٧٨٥، ١٢٣٦، ٨٧٣٢)، وأبو عوانة في [مُسْتَخْرَجِهِ] (٤٠)، والطحاوي في [شَرْحِ مُشْكِلِ الآثَارِ] (٨٧٣٢)
مِنْ طَرِيْقِ أَبِي الْأَسْوَدِ، عَنْ بُكَيْرٍ، عَنْ نَافِعٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ، عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ قَالَ: «إِذَا قَالَ رَجُلٌ لَآخِرَ: يَا كَافِرُ، فَقَدْ وَجَبَ الْكُفْرُ عَلَى أَحَدِهِمَا».
قُلْتُ: هَذَا حَدِيْثٌ صَحِيْحٌ.
وهذه الأحاديث متأولة عند أهل العلم.
قَالَ الْعَلَّامَةُ الْنَوَوِي ﵀ فِي [شَرْحِ مُسْلِمٍ] (١/ ١٥٣): «هذا الحديث مما عده بعض العلماء من المشكلات من حيث أنَّ ظاهره غير مراد؛ وذلك أنَّ مذهب أهل الحق أنَّه لا يكفر المسلم بالمعاصي كالقتل والزنا وكذا قوله لأخيه يا كافر من غير اعتقاد بطلان دين الإسلام. وإذا عرف ما ذكرناه فقيل في تأويل الحديث أوجه: أحدها: أنَّه محمول على المستحل لذلك، وهذا يكفر. فعلى هذا معنى "باء بها" أي بكلمة الكفر، وكذا حار عليه، وهو معنى رجعت عليه أي: رجع عليه الكفر. فباء وحار ورجع بمعنى واحد.
والوجه الثاني: معناه رجعت عليه نقيصته لأخيه ومعصية تكفيره.
стр. 6374
والثالث: أنَّه محمول على الخوارج المكفرين للمؤمنين. وهذا الوجه نقله القاضي عياض ﵀ عن الإمام مالك بن أنس، وهو ضعيف؛ لأنَّ المذهب الصحيح المختار الذي قاله الأكثرون والمحققون: أنَّ الخوارج لا يكفرون كسائر أهل البدع.
والوجه الرابع: معناه أنَّ ذلك يئول به إلى الكفر؛ وذلك أنَّ المعاصي، كما قالوا، بريد الكفر، ويخاف على المكثر منها أن يكون عاقبة شؤمها المصير إلى الكفر. ويؤيد هذا الوجه ما جاء في رواية لأبي عوانة الإسفراييني في كتابه "المخرج على صحيح مسلم": "فإن كان كما قال وإلَّا فقد باء بالكفر"، وفي رواية: "إذا قال لأخيه يا كافر وجب الكفر على أحدهما".
والوجه الخامس: معناه فقد رجع عليه تكفيره؛ فليس الراجع حقيقة الكفر بل التكفير؛ لكونه جعل أخاه المؤمن كافراً؛ فكأنَّه كفر نفسه؛ إمَّا لأنَّه كفر من هو مثله، وإمَّا لأنَّه كفر من لا يكفره إلَّا كافر يعتقد بطلان دين الإسلام. والله أعلم» اهـ.
стр. 6375
قُلْتُ: ويمكن أن يحمل الحديث على معنى سادس، وهو أنَّ المراد بالكفر، الكفر الأصغر، فالذي يحور عليه ويبوء به هو الكفر الأصغر لقرينة الأخوة المذكورة في الحديث.
قَالَ شَيْخُ الْإِسْلَامِ ابْنُ تَيْمِيَّةَ ﵀ كَمَا فِي [مَجْمُوْعِ الْفَتَاوَى] (٧/ ٣٥٥): «فقد سماه أخاه حين القول؛ وقد أخبر أنَّ أحدهما باء بها فلو خرج أحدهما عن الإسلام بالكلية لم يكن أخاه بل فيه كفر» اهـ.
* * *
следующие страницы →