Полный текст (8 095 стр.). Показаны 6371–6410 · переход к 6376.
стр. 6371
ولا شك في أنَّ هذا محرم معلوم التحريم، فمن فعل ذلك مستحلاً، فهو كافر حقيقة، فيبقى الحديث على ظاهره.
وأمَّا إن كان غير مستحل له، فيكون الكفر الذي في الحديث محمولاً على كفران النعم والحقوق؛ فإنَّه قابل الإحسان بالإساءة، ومن كان كذلك، صدق عليه اسم "الكافر"، وعلى فعله أنَّه "كفر"؛ لغة وشرعاً على ما قررناه، ويحتمل أن يقال: أطلق عليه ذلك؛ لأنَّه تشبه بالكفار أهل الجاهلية وآل الكبر والأنفة؛ فإنَّهم كانوا يفعلون ذلك، والله تعالى أعلم» اهـ.
٣ - أنَّ الانتساب لغير الأب من كبائر الذنوب.
٤ - إطلاق الكفر على الكفر الأصغر.
٥ - تحريم دعوى المرء ما ليس له.
قَالَ الْحِافِظُ ابْنُ حَجَرٍ ﵀ فِي [فَتْحِ الْبَارِي] (٦/ ٥٤١): «فيدخل فيه الدعاوي الباطلة كلها مالاً وعلماً وتعلماً ونسباً وحالاً وصلاحاً ونعمة وولاء وغير ذلك ويزداد التحريم بزيادة المفسدة المترتبة على ذلك» اهـ.
٦ - وفيه وعيد من كفر أخاه بغير حق.
٧ - وفيه وعيد من قال لأخيه يا عدو الله.
стр. 6372
٨ - وظاهره أنَّ من قال لأخيه يا كافر رجع عليه الكفر.
وقد روى البخاري (٦١٠٣) عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: «إِذَا قَالَ الرَّجُلُ لِأَخِيهِ يَا كَافِرُ، فَقَدْ بَاءَ بِهِ أَحَدُهُمَا».
وروى البخاري (٦١٠٤)، ومسلم (٦٠) عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ ﵄: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: «أَيُّمَا رَجُلٍ قَالَ لِأَخِيهِ يَا كَافِرُ، فَقَدْ بَاءَ بِهَا أَحَدُهُمَا».
وروى مسلم (٦٠) عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ ﵄: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: «أَيُّمَا امْرِئٍ قَالَ لِأَخِيهِ: يَا كَافِرُ، فَقَدْ بَاءَ بِهَا أَحَدُهُمَا، إِنْ كَانَ كَمَا قَالَ، وَإِلَّا رَجَعَتْ عَلَيْهِ».
وأصرح من ذلك ما رواه أحمد (٤٧٤٥) حَدَّثَنَا يَعْلَى بْنُ عُبَيْدٍ، حَدَّثَنَا فُضَيْلٌ يَعْنِي ابْنَ غَزْوَانَ، عَنْ نَافِعٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «أَيُّمَا رَجُلٍ كَفَّرَ رَجُلًا، فَإِنْ كَانَ كَمَا قَالَ وَإِلَّا فَقَدْ بَاءَ بِالْكُفْرِ».
قُلْتُ: هَذَا حَدِيْثٌ صَحِيْحٌ.
стр. 6373
ورواه الطبراني في [الْكَبِيْرِ] (١٦٩، ٢٧٦، ٧٨٥)، و [الْأَوْسَطِ] (٧٨٥، ١٢٣٦، ٨٧٣٢)، وأبو عوانة في [مُسْتَخْرَجِهِ] (٤٠)، والطحاوي في [شَرْحِ مُشْكِلِ الآثَارِ] (٨٧٣٢)
مِنْ طَرِيْقِ أَبِي الْأَسْوَدِ، عَنْ بُكَيْرٍ، عَنْ نَافِعٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ، عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ قَالَ: «إِذَا قَالَ رَجُلٌ لَآخِرَ: يَا كَافِرُ، فَقَدْ وَجَبَ الْكُفْرُ عَلَى أَحَدِهِمَا».
قُلْتُ: هَذَا حَدِيْثٌ صَحِيْحٌ.
وهذه الأحاديث متأولة عند أهل العلم.
قَالَ الْعَلَّامَةُ الْنَوَوِي ﵀ فِي [شَرْحِ مُسْلِمٍ] (١/ ١٥٣): «هذا الحديث مما عده بعض العلماء من المشكلات من حيث أنَّ ظاهره غير مراد؛ وذلك أنَّ مذهب أهل الحق أنَّه لا يكفر المسلم بالمعاصي كالقتل والزنا وكذا قوله لأخيه يا كافر من غير اعتقاد بطلان دين الإسلام. وإذا عرف ما ذكرناه فقيل في تأويل الحديث أوجه: أحدها: أنَّه محمول على المستحل لذلك، وهذا يكفر. فعلى هذا معنى "باء بها" أي بكلمة الكفر، وكذا حار عليه، وهو معنى رجعت عليه أي: رجع عليه الكفر. فباء وحار ورجع بمعنى واحد.
والوجه الثاني: معناه رجعت عليه نقيصته لأخيه ومعصية تكفيره.
стр. 6374
والثالث: أنَّه محمول على الخوارج المكفرين للمؤمنين. وهذا الوجه نقله القاضي عياض ﵀ عن الإمام مالك بن أنس، وهو ضعيف؛ لأنَّ المذهب الصحيح المختار الذي قاله الأكثرون والمحققون: أنَّ الخوارج لا يكفرون كسائر أهل البدع.
والوجه الرابع: معناه أنَّ ذلك يئول به إلى الكفر؛ وذلك أنَّ المعاصي، كما قالوا، بريد الكفر، ويخاف على المكثر منها أن يكون عاقبة شؤمها المصير إلى الكفر. ويؤيد هذا الوجه ما جاء في رواية لأبي عوانة الإسفراييني في كتابه "المخرج على صحيح مسلم": "فإن كان كما قال وإلَّا فقد باء بالكفر"، وفي رواية: "إذا قال لأخيه يا كافر وجب الكفر على أحدهما".
والوجه الخامس: معناه فقد رجع عليه تكفيره؛ فليس الراجع حقيقة الكفر بل التكفير؛ لكونه جعل أخاه المؤمن كافراً؛ فكأنَّه كفر نفسه؛ إمَّا لأنَّه كفر من هو مثله، وإمَّا لأنَّه كفر من لا يكفره إلَّا كافر يعتقد بطلان دين الإسلام. والله أعلم» اهـ.
стр. 6375
قُلْتُ: ويمكن أن يحمل الحديث على معنى سادس، وهو أنَّ المراد بالكفر، الكفر الأصغر، فالذي يحور عليه ويبوء به هو الكفر الأصغر لقرينة الأخوة المذكورة في الحديث.
قَالَ شَيْخُ الْإِسْلَامِ ابْنُ تَيْمِيَّةَ ﵀ كَمَا فِي [مَجْمُوْعِ الْفَتَاوَى] (٧/ ٣٥٥): «فقد سماه أخاه حين القول؛ وقد أخبر أنَّ أحدهما باء بها فلو خرج أحدهما عن الإسلام بالكلية لم يكن أخاه بل فيه كفر» اهـ.
* * *
стр. 6376
كِتَابُ الرِّضَاعِ.
٣٢٥ - عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فِي بِنْتِ حَمْزَةَ-: «لَا تَحِلُّ لِي، يَحْرُمُ مِنْ الرَّضَاعِ مَا يَحْرُمُ مِنْ النَّسَبِ، وَهِيَ ابْنَةُ أَخِي مِنْ الرَّضَاعَةِ».
الرَِّضَاعُ: بِفَتْحِ الرَّاءِ وَكَسْرِهَا، اسْمٌ لِمَصِّ الثَّدْيِ وَشُرْبِ لَبَنِهِ.
وَفِي الْحَدِيْثِ مَسَائِلُ مِنْهَا:
١ - إثبات الحرمة بالرضاع.
وحرمة الرضاع تثبت في جهات ثلاثة، وهي: جهة المرضعة، وصاحب اللبن، ويدخل فيه الزوج والسيد، ويدخل في ذلك صاحب اللبن بعد تطليقه لزوجته، والولد الرضيع وفروعه.
قَالَ الْعَلَّامَةُ ابْنُ الْقَيِّمِ ﵀ فِي [زَادِ الْمَعَادِ] (٥/ ٥٥٦ - ٥٥٧): «فانتشرت الحرمة من هذه الجهات الثلاث، فأولاد الطفل وإن نزلوا أولاد ولدهما، وأولاد كل واحد من المرضعة والزوج من الآخر ومن غيره، إخوته وأخواته من الجهات الثلاث. فأولاد أحدهما من الآخر إخوته وأخواته لأبيه وأمه، وأولاد الزوج من
стр. 6377
غيرها إخوته وأخواته من أبيه، وأولاد المرضعة من غيره إخوته وأخواته لأمه، وصار آباؤها أجداده وجداته، وصار إخوة المرأة وأخواتها أخواله وخالاته، وإخوة صاحب اللبن وأخواته أعمامه وعماته، فحرمة الرضاع تنتشر من هذه الجهات الثلاث فقط.
ولا يتعدى التحريم إلى غير المرتضع ممن هو في درجته من إخوته وأخواته، فيباح لأخيه نكاح من أرضعت أخاه وبناتها وأمهاتها، ويباح لأخته نكاح صاحب اللبن وأباه وبنيه، وكذلك لا ينتشر إلى من فوقه من آبائه وأمهاته، ومن في درجته من أعمامه وعماته وأخواله وخالاته، فلأبي المرتضع من النسب، وأجداده أن ينكحوا أم الطفل من الرضاع وأمهاتها وأخواتها وبناتها، وأن ينكحوا أمهات صاحب اللبن وأخواته وبناته، إذ نظير هذا من النسب حلال، فللأخ من الأب أن يتزوج أخت أخيه من الأم، وللأخ من الأم أن ينكح أخت أخيه من الأب، وكذلك ينكح الرجل أم ابنه من النسب وأختها، وأمَّا أمها وبنتها، فإنَّما حرمتا بالمصاهرة» اهـ.
قُلْتُ: والمحرمية تبع للحرمة، وأمَّا سائر أحكام النسب فلا تثبت.
стр. 6378
قَالَ الْعَلَّامَةُ ابْنُ قُدَامَةَ ﵀ فِي [الْمُغْنِي] (٩/ ١٩٢): «وتثبت المحرمية لأنَّها فرع على التحريم إذا كان بسبب مباح فأمَّا بقية أحكام النسب من النفقة والعتق ورد الشهادة وغير ذلك فلا يتعلق به لأنَّ النسب أقوى منه فلا يقاس عليه في جميع أحكامه وإنَّما يشبه به فيما نص عليه فيه» اهـ.
٢ - أنَّ المحرمات من الرضاع كالمحرمات من النسب.
٣ - احتج به شيخ الإسلام ابن تيمية وتلميذه العلامة ابن القيم رحمهما الله تعالى على عدم تحريم الرضاع في باب المصاهرة، وذلك أنَّ النبي ﷺ خص الحرمة في النسب دون المصاهرة.
والذي عليه أكثر العلماء أنَّ حرمة الرضاع تشمل المصاهرة.
وما ذهب إليه الشيخان قوي من حيث الحجة، ولهما في ذلك سلف في أكثر مسائل المصاهرة لا في جميعها، فإنَّ من لم ير التحريم بلبن الفحل لم يحرم على زوج المرضع امرأة المرتضع، ولا حرم على المرتضع امرأة الفحل التي لم يرضع منها، ولا حرَّم على المرأة أبا زوجها من الرضاعة، ولا ابنه من الرضاعة.
وهو مذهب سعيد بن المسيب، وأبي سلمة بن عبد الرحمن، وسليمان بن يسار، وعطاء بن يسار، وأبي قلابة.
стр. 6379
وقد سبقت هذه المسألة عند شرحنا لحديث أم حبيبة في شأن ابنة أم سلمة.
٤ - حرمة ابنة الأخ من الرضاع، ولا أعلم في ذلك نزاعاً.
٥ - واحتج بإطلاقه من قال إنَّ قليل الرضاع يحصل به التحريم.
قَالَ الْعَلَّامَةُ ابْنُ قُدَامَةَ ﵀ فِي [الْمُغْنِي] (٩/ ١٩٣): «وعن أحمد رواية ثانية أنَّ قليل الرضاع وكثيرة يحرم وروي ذلك عن علي وابن عباس وبه قال سعيد بن المسيب والحسن ومكحول والزهري وقتادة والحكم وحماد ومالك والأوزاعي والثوري والليث وأصحاب الرأي وزعم الليث أنَّ المسلمين أجمعوا على أنَّ قليل الرضاع وكثيرة يحرم في المهد ما يفطر به الصائم واحتجوا بقول الله تعالى: ﴿وَأُمَّهَاتُكُمُ اللَّاتِي أَرْضَعْنَكُمْ وَأَخَوَاتُكُمْ مِنَ الرَّضَاعَةِ﴾ [النساء: ٢٣].
وقوله ﵇: "يحرم من الرضاعة ما يحرم من النسب" … » اهـ.
والصحيح أنَّ هذا الحديث مقيد بالخمس الرضعات، ويدل على ذلك ما رواه مسلم (١٤٥٢ عَنْ عَائِشَةَ، أَنَّهَا قَالَتْ:
«كَانَ فِيمَا أُنْزِلَ مِنَ الْقُرْآنِ: عَشْرُ رَضَعَاتٍ مَعْلُومَاتٍ يُحَرِّمْنَ، ثُمَّ نُسِخْنَ، بِخَمْسٍ مَعْلُومَاتٍ، فَتُوُفِّيَ رَسُولُ اللهِ ﷺ ، وَهُنَّ فِيمَا يُقْرَأُ مِنَ الْقُرْآنِ».
стр. 6380
وقال النبي ﷺ لسهلة امرأة أبي حذيفة: «أَرْضِعِيهِ خَمْسَ رَضَعَاتٍ».
رواه أحمد (٢٥٦٩١)، وأبو داود (٢٠٦١) من طريق ابن شهاب عن عروة بن الزبير عن عائشة.
قُلْتُ: هَذَا حَدِيْثٌ صَحِيْحٌ. وأصله في مسلم (١٤٥٣)
وذهب أحمد في رواية وأبو ثور وأبو عبيد وداود وابن المنذر إلى أنَّه لا يثبت التحريم إلَّا بثلاث رضعات، واحتجوا بما رواه مسلم (١٤٥٠) عَنْ عَائِشَةَ، قَالَتْ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : «لَا تُحَرِّمُ الْمَصَّةُ وَالْمَصَّتَانِ».
وبما رواه مسلم (١٤٥١) عَنْ أُمِّ الْفَضْلِ، حَدَّثَتْ، أَنَّ نَبِيَّ اللهِ ﷺ قَالَ: «لَا تُحَرِّمُ الرَّضْعَةُ أَوِ الرَّضْعَتَانِ، أَوِ الْمَصَّةُ أَوِ الْمَصَّتَانِ».
وجاء عنده بلفظ: «لَا تُحَرِّمُ الْإِمْلَاجَةُ وَالْإِمْلَاجَتَانِ». والإملاجة هي المصة.
قالوا: مفهوم ذلك حصول الحرمة بالثلاث الرضعات.
وقد فصَّل القول في هذه المسألة الْعَلَّامَةُ ابْنُ الْقَيِّمِ ﵀ فِي [زَادِ الْمَعَادِ] (٥/ ٥٧٠ - ٥٧٤) فقال:
стр. 6381
«فصل: والحكم الثالث: أنَّه لا تحرم المصة والمصتان، كما نص عليه رسول الله ﷺ ، ولا يحرم إلَّا خمس رضعات، وهذا موضع اختلف فيه العلماء.
فأثبتت طائفة من السلف والخلف التحريم بقليل الرضاع وكثيرة، وهذا يروى عن علي وابن عباس، وهو قول سعيد بن المسيب، والحسن والزهري، وقتادة، والحكم، وحماد، والأوزاعي، والثوري، وهو مذهب مالك، وأبي حنيفة، وزعم الليث بن سعد أنَّ المسلمين أجمعوا على أنَّ قليل الرضاع وكثيرة يحرم في المهد ما يفطر به الصائم، وهذا رواية عن الإمام أحمد ﵀.
وقالت طائفة أخرى: لا يثبت التحريم بأقل من ثلاث رضعات، وهذا قول أبي ثور، وأبي عبيد، وابن المنذر، وداود بن علي، وهو رواية ثانية عن أحمد.
وقالت طائفة أخرى: لا يثبت بأقل من خمس رضعات، وهذا قول عبد الله بن مسعود، وعبد الله بن الزبير، وعطاء، وطاووس، وهو إحدى الروايات الثلاث عن عائشة ﵂، والرواية الثانية عنها: أنَّه لا يحرم أقل من سبع، والثالثة: لا يحرم أقل من عشر.
стр. 6382
والقول بالخمس مذهب الشافعي، وأحمد في ظاهر مذهبه، وهو قول ابن حزم، وخالف داود في هذه المسألة.
فحجة الأولين أنَّه سبحانه علق التحريم باسم الرضاعة، فحيث وجد اسمها وجد حكمها، والنبي ﷺ قال: "يحرم من الرضاعة ما يحرم من النسب" وهذا موافق لإطلاق القرآن.
وثبت في "الصحيحين"، عن عقبة بن الحارث، أنَّه تزوج أم يحيى بنت أبي إهاب، فجاءت أمة سوداء، فقالت: قد أرضعتكما، فذكر ذلك للنبي ﷺ ، فأعرض عني، قال: فتنحيت فذكرت ذلك له، قال: "وكيف وقد زعمت أنَّها قد أرضعتكما" فنهاه عنها، ولم يسأل عن عدد الرضاع.
قالوا: ولأنَّه فعل يتعلق به التحريم، فاستوى قليله وكثيره، كالوطء الموجب له. قالوا: ولأنَّ إنشاز العظم، وإنبات اللحم يحصل بقليله وكثيره.
قالوا: ولأنَّ أصحاب العدد قد اختلفت أقوالهم في الرضعة وحقيقتها، واضطربت أشد الاضطراب، وما كان هكذا لم يجعله الشارع نصاباً لعدم ضبطه والعلم به.
стр. 6383
قال أصحاب الثلاث: قد ثبت عن النبي ﷺ أنَّه قال: "لا تحرم المصة والمصتان"، وعن أم الفضل بنت الحارث قالت: قال رسول الله ﷺ : "لا تحرم الإملاجة والإملاجتان". وفي حديث آخر: أنَّ رجلا قال: يا رسول الله، هل تحرم الرضعة الواحدة؟ قال: "لا". وهذه أحاديث صحيحة صريحة، رواها مسلم في "صحيحه"، فلا يجوز العدول عنها فأثبتنا التحريم بالثلاث لعموم الآية، ونفينا التحريم بما دونها بصريح السنة.
قالوا: ولأنَّ ما يعتبر فيه العدد والتكرار يعتبر فيه الثلاث.
قالوا: ولأنَّها أول مراتب الجمع، وقد اعتبرها الشارع في مواضع كثيرة جداً.
قال أصحاب الخمس: الحجة لنا ما تقدم في أول الفصل من الأحاديث الصحيحة الصريحة، وقد أخبرت عائشة ﵂ أنَّ رسول الله ﷺ توفي والأمر على ذلك، قالوا: ويكفي في هذا قول النبي ﷺ لسهلة بنت سهيل: "أرضعي سالماً خمس رضعات تحرمي عليه". قالوا: وعائشة أعلم الأمة بحكم هذه المسألة هي ونساء النبي ﷺ ، وكانت عائشة ﵂ إذا أرادت أن يدخل عليها أحد أمرت إحدى بنات إخوتها أو أخواتها فأرضعته خمس رضعات.
стр. 6384
قالوا: ونفي التحريم بالرضعة والرضعتين صريح في عدم تعليق التحريم بقليل الرضاع وكثيرة، وهي ثلاثة أحاديث صحيحة صريحة بعضها خرج جواباً للسائل، وبعضها تأسيس حكم مبتدأ. قالوا: وإذا علقنا التحريم بالخمس، لم نكن قد خالفنا شيئاً من النصوص التي استدللتم بها، وإنَّما نكون قد قيدنا مطلقها بالخمس، وتقييد المطلق بيان لا نسخ ولا تخصيص.
وأمَّا من علق التحريم بالقليل والكثير، فإنَّه يخالف أحاديث نفي التحريم بالرضعة والرضعتين، وأمَّا صاحب الثلاث، فإنَّه وإن لم يخالفها، فهو مخالف لأحاديث الخمس.
قال من لم يقيده بالخمس: حديث الخمس لم تنقله عائشة ﵂ نقل الأخبار، فيحتج به، وإنَّما نقلته نقل القرآن، والقرآن إنَّما يثبت بالتواتر، والأمة لم تنقل ذلك قرآناً، فلا يكون قرآناً، وإذا لم يكن قرآناً ولا خبراً، امتنع إثبات الحكم به.
قال أصحاب الخمس: الكلام فيما نقل من القرآن آحاداً في فصلين، أحدهما: كونه من القرآن، والثاني: وجوب العمل به، ولا ريب أنَّهما حكمان متغايران، فإنَّ الأول يوجب انعقاد الصلاة به، وتحريم مسه على المحدث، وقراءته على الجنب، وغير
стр. 6385
ذلك من أحكام القرآن، فإذا انتفت هذه الأحكام لعدم التواتر، لم يلزم انتفاء العمل به، فإنَّه يكفي فيه الظن، وقد احتج كل واحد من الأئمة الأربعة به في موضع، فاحتج به الشافعي وأحمد في هذا الموضع، واحتج به أبو حنيفة في وجوب التتابع في صيام الكفارة بقراءة ابن مسعود "فصيام ثلاثة أيام متتابعات". واحتج به مالك والصحابة قبله في فرض الواحد من ولد الأم أنَّه السدس بقراءة أبي، "وإن كان رجل يورث كلالة، أو امرأة وله أخ، أو أخت من أم، فلكل واحد منهما السدس"، فالناس كلهم احتجوا بهذه القراءة، ولا مستند للإجماع سواها.
قالوا: وأمَّا قولكم: إمَّا أن يكون نقله قرآناً أو خبراً، قلنا: بل قرآناً صريحاً.
قولكم: فكان يجب نقله متواتراً، قلنا: حتى إذا نسخ لفظه أو بقي، أمَّا الأول، فممنوع، والثاني، مسلم، وغاية ما في الأمر أنَّه قرآن نسخ لفظه، وبقي حكمه، فيكون له حكم قَوْلِهِ: "الشيخ والشيخة إذا زنيا فارجموهما" مما اكتفي بنقله آحاداً، وحكمه ثابت، وهذا مما لا جواب عنه.
وفي المسألة مذهبان آخران ضعيفان:
стр. 6386
أحدهما: أنَّ التحريم لا يثبت بأقل من سبع، كما سئل طاووس عن قول من يقول: لا يحرم من الرضاع دون سبع رضعات، فقال: قد كان ذلك، ثم حدث بعد ذلك أمر جاء بالتحريم، المرة الواحدة تحرم، وهذا المذهب لا دليل عليه.
الثاني: التحريم إنَّما يثبت بعشر رضعات، وهذا يروى عن حفصة وعائشة ﵄.
وفيها مذهب آخر، وهو الفرق بين أزواج النبي ﷺ وغيرهن. قال طاووس: كان لأزواج النبي ﷺ رضعات محرمات، ولسائر الناس رضعات معلومات، ثم ترك ذلك بعد، وقد تبين الصحيح من هذه الأقوال، وبالله التوفيق» اهـ.
٦ - ويدخل في عموم الحديث الرضاع من الميتة.
قَالَ الْعَلَّامَةُ ابْنُ قُدَامَةَ ﵀ فِي [الْمُغْنِي] (٩/ ١٩٧): «مسألة: قال: ويحرم لبن الميتة كما يحرم لبن الحية لأنَّ اللبن لا يموت.
المنصوص عن أحمد في رواية إبراهيم الحربي أنَّه ينشر الحرمة وهو اختيار أبي بكر وهو قول أبي ثور والأوزاعي وابن القاسم وأصحاب الرأي وابن المنذر، وقال
стр. 6387
الخلال: لا ينشر الحرمة وتوقف عنه أحمد في رواية مهنا وهو مذهب الشافعي لأنَّه لبن ممن ليس بمحل للولادة فلم يتعلق به التحريم كلبن الرجل.
ولنا أنَّه وجد الارتضاع على وجه ينبت اللحم وينشز العظم من امرأة فأثبت التحريم كما لو كانت حية ولأنَّه لا فارق بين شربه في حياتها وموتها إلَّا الحياة والموت أو النجاسة وهذا لا أثر له فإنَّ اللبن لا يموت والنجاسة لا تمنع كما لو حلب في وعاء نجس ولأنَّه لو حلب منها في حياتها فشربه بعد موتها لنشر الحرمة وبقاؤه في ثديها لا يمنع ثبوت الحرمة لأنَّ ثديها لا يزيد على الإناء في عدم الحياة وهي لا تزيد على عظم الميتة في ثبوت النجاسة» اهـ.
قُلْتُ: والمشهور عند الحنفية والمالكية حصول التحريم بلبن الميتة، وهو الصحيح.
وَقَالَ الْعَلَّامَةُ الْنَوَوِي ﵀ فِي [الْمِنْهَاجِ] (٥/ ١٢٥):
«وَلَوْ حَلَبَتْ فَأُوجِرَ بَعْدَ مَوْتِهَا حَرَّمَ فِي الْأَصَحِّ» اهـ.
فائدة: لم يأت في السنة بيان مقدار الرضعة الواحدة فمرد ذلك إلى العرف.
قَالَ الْعَلَّامَةُ ابْنُ الْقَيِّمِ ﵀ فِي [زَادِ الْمَعَادِ] (٥/ ٥٧٥ - ٥٧٧): «فصل: فإن قيل: ما هي الرضعة التي تنفصل من أختها، وما حدها؟.
стр. 6388
قيل: الرضعة فعلة من الرضاع، فهي مرة منه بلا شك، كضربة وجلسة وأكلة، فمتى التقم الثدي، فامتص منه ثم تركه باختياره من غير عارض كان ذلك رضعة، لأنَّ الشرع ورد بذلك مطلقاً، فحمل على العرف، والعرف هذا، والقطع العارض لتنفس أو استراحة يسيرة، أو لشيء يلهيه ثم يعود عن قرب لا يخرجه عن كونه رضعة واحدة، كما أنَّ الآكل إذا قطع أكلته بذلك، ثم عاد عن قريب لم يكن ذلك أكلتين بل واحدة، هذا مذهب الشافعي، ولهم فيما إذا قطعت المرضعة عليه، ثم أعادته وجهان. أحدهما: أنَّها رضعة واحدة ولو قطعته مراراً حتى يقطع باختياره، قالوا: لأنَّ الاعتبار بفعله لا بفعل المرضعة، ولهذا لو ارتضع منها وهي نائمة حسبت رضعة، فإذا قطعت عليه، لم يعتد به، كما لو شرع في أكلة واحدة أمره بها الطبيب، فجاء شخص فقطعها عليه، ثم عاد، فإنَّها أكلة واحدة.
والوجه الثاني: أنَّها رضعة أخرى، لأنَّ الرضاع يصح من المرتضع، ومن المرضعة، ولهذا لو أوجرته وهو نائم احتسب رضعة.
ولهم فيما إذا انتقل من ثدي المرأة إلى ثدي غيرها وجهان:
стр. 6389
أحدهما: لا يعتد بواحد منهما لأنَّه انتقل من إحداهما إلى الأخرى قبل تمام الرضعة، فلم تتم الرضعة من إحداهما. ولهذا لو انتقل من ثدي المرأة إلى ثديها الآخر كانا رضعة واحدة.
والثاني: أنَّه يحتسب من كل واحد منهما رضعة، لأنَّه ارتضع، وقطعه باختياره من شخصين.
وأمَّا مذهب الإمام أحمد ﵀، فقال صاحب "المغني": إذا قطع قطعاً بيناً باختياره، كان ذلك رضعة، فإن عاد كان رضعة أخرى، فأمَّا إن قطع لضيق نفس، أو للانتقال من ثدي إلى ثدي، أو لشيء يلهيه، أو قطعت عليه المرضعة، نظرنا، فإن لم يعد قريباً، فهي رضعة وإن عاد في الحال، ففيه وجهان، أحدهما: أنَّ الأولى رضعة، فإذا عاد فهي رضعة أخرى، قال: وهذا اختيار أبي بكر، وظاهر كلام أحمد في رواية حنبل، فإنَّه قال: أمَّا ترى الصبي يرتضع من الثدي، فإذا أدركه النفس، أمسك عن الثدي ليتنفس، أو ليستريح، فإذا فعل ذلك، فهي رضعة، قال الشيخ: وذلك أنَّ الأولى رضعة لو لم يعد، فكانت رضعة، وإن عاد، كما لو قطع باختياره. والوجه الآخر أنَّ جميع ذلك رضعة، وهو مذهب الشافعي إلَّا فيما إذا قطعت عليه المرضعة، ففيه وجهان، لأنَّه لو حلف: لا أكلت اليوم إلَّا أكلة واحدة، فاستدام
стр. 6390
الأكل زمناً، أو انقطع لشرب ماء أو انتقال من لون إلى لون، أو انتظار لما يحمل إليه من الطعام لم يعد إلَّا أكلة واحدة فكذا ههنا، والأول أصح، لأنَّ اليسير من السعوط والوجور رضعة، فكذا هذا.
قلت، وكلام أحمد يحتمل أمرين، أحدهما: ما ذكره الشيخ، ويكون قَوْلُهُ: "فهي رضعة"، عائداً إلى الرضعة الثانية. الثاني: أن يكون المجموع رضعة، فيكون قَوْلُهُ: "فهي رضعة" عائداً إلى الأول، والثاني، وهذا أظهر محتمليه، لأنَّه استدل بقطعه للتنفس، أو الاستراحة على كونها رضعة واحدة. ومعلوم أنَّ هذا الاستدلال أليق بكون الثانية مع الأولى واحدة من كون الثانية رضعة مستقلة، فتأمله.
وأمَّا قياس الشيخ له على يسير السعوط والوجور، فالفرق بينهما أنَّ ذلك مستقل ليس تابعاً لرضعة قبله، ولا هو من تمامها، فيقال: رضعة بخلاف مسألتنا، فإنَّ الثانية تابعة للأولى، وهي من تمامها فافترقا» اهـ.
٧ - ويدل الحديث أنَّ من لا حرمة له من جهة النسب فلا حرمة له من جهة الرضاع، فإنَّ حرمة الرضاع تابعة لحرمة النسب، وبهذا يتبين خطأ من أثبت الحرمة بلبن البهيمة.
стр. 6391
قَالَ الْعَلَّامَةُ ابْنُ قُدَامَةَ ﵀ فِي [الْمُغْنِي] (١٨/ ٨٧): «فصل: ولا تنتشر الحرمة بغير لبن الآدمية بحال، فلو ارتضع اثنان من لبن بهيمة، لم يصيرا أخوين، في قول عامة أهل العلم؛ منهم الشافعي، وابن القاسم وأبو ثور، وأصحاب الرأي».
إِلَى أَنْ قَالَ ﵀: «وحكي عن بعض السلف، أنَّهما إذا ارتضعا من لبن بهيمة، صارا أخوين» اهـ.
٨ - وعموم الحديث يشمل ما إذا ثاب من المرأة لبن من غير حمل، لكن إذا كانت ذات زوج فلا يتعلق التحريم به لأنَّ اللبن لم يأت من وطئه.
قَالَ الْعَلَّامَةُ ابْنُ قُدَامَةَ ﵀ فِي [الْمُغْنِي] (١٨/ ٨٧ - ٨٨): «فصل: وإن ثاب لامرأة لبن من غير وطء، فأرضعت به طفلاً، نشر الحرمة، في أظهر الروايتين.
وهو قول ابن حامد، ومذهب مالك، والثوري، والشافعي، وأبي ثور، وأصحاب الرأي، وكل من يحفظ عنه ابن المنذر؛ لقول الله تعالى: ﴿وَأُمَّهَاتُكُمْ اللَّاتِي أَرْضَعْنَكُمْ﴾.
ولأنَّه لبن امرأة فتعلق به التحريم، كما لو ثاب بوطء، ولأنَّ ألبان النساء خلقت لغذاء الأطفال، وإن كان هذا نادراً، فجنسه معتاد.
стр. 6392
والرواية الثانية، لا ينشر الحرمة؛ لأنَّه نادر، لم تجر العادة به لتغذية الأطفال، فأشبه لبن الرجال.
والأول أصح» اهـ.
وَقَالَ ﵀ فِي [الْكِافِي] (٣/ ٢١٨): «إذا ثاب للمرأة لبن من غير حمل وقلنا: إنَّه ينشر الحرمة فأرضعت به طفلاً صار ابناً لها ولم يصر ابناً لزوجها لأنَّه لم يثبت بوطئه فلم يكن منه» اهـ.
٩ - واحتج به من قال: إنَّ الرضاع بلبن السفاح لا يحصل به التحريم، وذلك أنَّ وطء الزاني لا يحصل به النسب، والرضاع تابع للنسب فما لم يحصل به حرمة النسب لا يحصل به حرمة الرضاع من باب أولى.
قَالَ الْعَلَّامَةُ الْبَغَوِيُّ ﵀ فِي [شَرْحِ السُّنَّةِ] (٩/ ٧٧): «وفي الحديث دليل على أنَّ الزانية إذا أرضعت بلبن الزنى ولداً لا تثبت الحرمة بين الرضيع وبين الزاني وأهل نسبه، كما لا يثبت به النسب، فإن كان لبنها من وطء شبهة، أو نكاح فاسد، أو ملك يمين تثبت به الحرمة، كما يثبت النسب» اهـ.
وَقَالَ الْعَلَّامَةُ الْخَطَّابِي ﵀ فِي [مَعَالِمِ الْسُّنَنِ] (٣/ ١٨٣): «وفيه دليل على أنَّ الرضاع بلبن السفاح لا يوقع الحرمة بين الرضيع وبين المسافح وأولاده كما تقع الحرمة من لادته ولا يثبت به النسب» اهـ.
стр. 6393
قُلْتُ: وهذا الذي يظهر لي صحته.
وقد ذهب بعض العلماء إلى حصول الحرمة بذلك.
قَالَ الْعَلَّامَةُ الْمَرْدَاوِي ﵀ فِي [الْإِنْصَافِ] (٨/ ٨٦):
«والمنصوص عن الإمام أحمد ﵀ في رواية ابنه عبد الله أنَّها محرمة كالبنت من الزنا» اهـ.
* * *
стр. 6394
٣٢٦ - عَنْ عَائِشَةَ ﵂، قَالَتْ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ :
«إنَّ الرَّضَاعَةَ تُحَرِّمُ مَا يَحْرُمُ مِنْ الْوِلادَةِ».
قُلْتُ: مسائل هذا الحديث تقدمت في الذي قبله.
والرضاعة المعرفة بالألف واللام هي الرضاعة المعهودة من إناث الآدميات فيخرج بذلك الرضاعة من لبن الحيوان، ويخرج بذلك الرضاعة من لبن الرجل إن خرج منه، وهكذا لبن الجنيات لانقطاع النسب بين الأدميين والجن والحيوان.
قَالَ الْعَلَّامَةُ ابْنُ قُدَامَةَ ﵀ فِي [الْكَافِي] (٣/ ٢٢٢):
«ولا تثبت الحرمة بلبن البهيمة؛ لأن الأخوة فرع على الأمومة، ولا تثبت الأمومة بهذا الرضاع، فالأخوة أولى. ولا تثبت بلبن رجل؛ لأنه لا يجعل غذاء للمولود، فأشبه لبن البهيمة. ولا بلبن خنثى مشكل؛ لأنه لا يعلم أنه امرأة، فلا يثبت التحريم بالشك. وقال ابن حامد: يقف الأمر حتى ينكشف أمر الخنثى، فإن أيس من انكشافه بموت أو غيره، ثبت الحل، لما ذكرنا» اهـ.
وَقَالَ مُحَمَّدُ عُلَيْشٍ الْمَالِكِيُّ ﵀ فِي [مِنَحِ الْجَلِيْلِ] (٤/ ٣٧٢):
стр. 6395
«فَإِنْ رَضِعَ صَبِيٌّ وَصَبِيَّةٌ مِنْ شَاةٍ مَثَلًا فَلَيْسَا أَخَوَيْنِ مِنْ الرَّضَاعِ اتِّفَاقًا وَإِنْ رَضِعَا لَبَنَ رَجُلٍ فَكَذَلِكَ عَلَى الْمَشْهُورِ.
وَقَالَ ابْنُ اللَّبَّانِ هُمَا أَخَوَانِ» اهـ.
وَقَالَ الْعَلَّامَةُ زَكَرِيَا الأَنْصَارِيُّ الشَّافِعِيُّ ﵀ فِي [فَتْحِ الْوَهَّابِ] (٢/ ١٣٦):
«فَلَا يَثْبُتُ تَحْرِيمٌ بِلَبَنِ رَجُلٍ أَوْ خُنْثَى مَا لَمْ تَتَّضِحْ أُنُوثَتُهُ لِأَنَّهُ لَمْ يُخْلَقْ لِغِذَاءِ الْوَلَدِ فَأَشْبَهَ سَائِرَ الْمَائِعَاتِ وَلِأَنَّ اللَّبَنَ أَثَرُ الْوِلَادَةِ وَهِيَ لَا تُتَصَوَّرُ فِي الرَّجُلِ وَالْخُنْثَى نَعَمْ يُكْرَهُ لَهُمَا نِكَاحُ مَنْ ارْتَضَعَتْ بِلَبَنِهِمَا كَمَا نَقَلَهُ فِي الرَّوْضَةِ كَأَصْلِهَا عَنْ النَّصِّ فِي لَبَنِ الرَّجُلِ وَمِثْلُهُ لَبَنُ الْخُنْثَى بِأَنْ بَانَتْ ذُكُورَتُهُ وَلَا بِلَبَنِ بَهِيمَةٍ حَتَّى لَوْ شَرِبَ مِنْهُ ذَكَرٌ وَأُنْثَى لَمْ يَثْبُتْ بَيْنَهُمَا أُخُوَّةٌ لِأَنَّهُ لَا يَصْلُحُ لِغِذَاءِ الْوَلَدِ صَلَاحِيَّةُ لَبَنِ الْآدَمِيَّاتِ وَلَا بِلَبَنِ جِنِّيَّةٍ لِأَنَّ الرَّضَاعَ يُثْبِتُ النَّسَبَ وَاَللَّهُ قَطَعَ النَّسَبَ بَيْنَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ» اهـ.
وَقَالَ الْبُجَيْرِمِيِّ الشَّافِعِيُّ ﵀ فِي [حَاشِيَتِهِ عَلَى الْمَنْهَجِ] (٤/ ٧١):
«قَوْلُهُ: (الْجِنِّيَّةُ) الْمُعْتَمَدُ أَنَّ لَبَنَ الْجِنِّيَّةِ يُحَرِّمُ فَتَعْبِيرُ الْمُصَنِّفِ هُوَ الْأَوْلَى وَهَذَا مَبْنِيٌّ عَلَى أَنَّهُ يُقَالُ: لِلْجِنِّيَّةِ امْرَأَةٌ وَفِي كَلَامِ ابْنِ النَّقِيبِ مَا يُفِيدُ أَنَّهُ لَا يُقَالُ لَهَا امْرَأَةٌ حَيْثُ قَالَ: عَدَلَ الْمِنْهَاجُ عَنْ قَوْلِ الْمُحَرَّرِ أُنْثَى إلَى امْرَأَةٍ لِيُخْرِجَ الْجِنِّيَّةَ وَأَمَّا النِّسَاءُ فَاسْمٌ
стр. 6396
لِلْإِنَاثِ مِنْ بَنَاتِ آدَمَ وَكَذَا الرِّجَالُ وَإِنَّمَا أُطْلِقَ عَلَى الْجِنِّ فِي قَوْلِهِ: ﴿وَأَنَّهُ كَانَ رِجَالٌ﴾ [الجن: ٦] إلَخْ لِلْمُقَابَلَةِ ح ل وَقَوْلُهُ: الْجِنِّيَّةُ فَاعِلُ خَرَجَ.
قَوْلُهُ: (وَهُوَ الرَّاجِحُ) أَيْ عِنْدَ الشَّارِحِ، وَاَلَّذِي اعْتَمَدَهُ شَيْخُنَا م ر وَأَتْبَاعُهُ، صِحَّةُ مُنَاكَحَتِهِمْ أَيْ الْجِنِّ، فَلَبَنُ الْجِنِّيَّةِ يُحَرِّمُ وَلَوْ عَلَى غَيْرِ صُورَةِ الْآدَمِيَّةِ أَوْ كَانَ ثَدْيُهَا أَوْ فَرْجُهَا فِي غَيْرِ مَحِلِّهِ الْمَعْهُودِ» اهـ.
وَقَالَ مُحَمَّدُ بْنُ عَرَفَةَ الدُّسُوقِيُّ الْمَالِكِيُّ ﵀ فِي [حَاشِيَتِهِ] (٢/ ٥٠٢):
«وَأَمَّا لَبَنُ الْجِنِّيَّةِ فَلَا يَنْشُرُ الْحُرْمَةَ بَيْنَ مُرْتَضِعَيْهَا كَذَا فِي عبق وَتَوَقَّفَ فِيهِ وَلَدُهُ وَشَيْخُنَا الْعَلَّامَةُ الْعَدَوِيُّ وَالظَّاهِرُ أَنَّهُ يُجْرِي عَلَى الْخِلَافِ فِي نِكَاحِهِمْ» اهـ.
وَقَالَ الصَّاوِي الْمَالِكِيُّ ﵀ فِي [حَاشِيَتِهِ] (٢/ ٧١٩):
«وَاخْتُلِفَ فِي لَبَنِ الْجِنِّيَّةِ، فَقَالَ (عب): لَا يَنْشُرُ الْحُرْمَةَ وَتَوَقَّفَ فِيهِ وَلَدُهُ، وَاسْتَظْهَرَ بَعْضُ الْأَشْيَاخِ أَنْ يَجْرِيَ عَلَى الْخِلَافِ فِي نِكَاحِهِمْ» اهـ.
قُلْتُ: قوله: (عب) إشارة لِلشَّيْخِ عَبْدِ الْبَاقِي الْمَالِكِيِّ.
* * *
стр. 6397
٣٢٧ - وَعَنْهَا قَالَتْ: «إنَّ أَفْلَحَ - أَخَا أَبِي الْقُعَيْسِ - اسْتَأْذَنَ عَلَيَّ بَعْدَمَا أُنْزِلَ الْحِجَابُ؟ فَقُلْت: وَاَللَّهِ لا آذَنُ لَهُ، حَتَّى أَسْتَأْذِنَ النَّبِيَّ ﷺ فَإِنَّ أَخَا أَبِي الْقُعَيْسِ: لَيْسَ هُوَ أَرْضَعَنِي، وَلَكِنْ أَرْضَعَتْنِي امْرَأَةُ أَبِي الْقُعَيْسِ، فَدَخَلَ عَلَيَّ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فَقُلْت: يَا رَسُولَ اللَّهِ: إنَّ الرَّجُلَ لَيْسَ هُوَ أَرْضَعَنِي، وَلَكِنْ أَرْضَعَتْنِي امْرَأَتُهُ. فَقَالَ: "ائْذَنِي لَهُ، فَإِنَّهُ عَمُّك، تَرِبَتْ يَمِينُك"».
قَالَ عُرْوَةُ: فَبِذَلِكَ كَانَتْ عَائِشَةُ تَقُولُ: «حَرِّمُوا مِنْ الرَّضَاعَةِ مَا يَحْرُمُ مِنْ النَّسَبِ».
وَفِي لَفْظٍ: «اسْتَأْذَنَ عَلَيَّ أَفْلَحُ، فَلَمْ آذَنْ لَهُ. فَقَالَ: أَتَحْتَجِبِينَ مِنِّي، وَأَنَا عَمُّك؟ فَقُلْت: كَيْفَ ذَلِكَ؟ قَالَ: أَرْضَعَتْك امْرَأَةُ أَخِي بِلَبَنِ أَخِي، قَالَتْ: فَسَأَلْت رَسُولَ اللَّهِ ﷺ فَقَالَ: "صَدَقَ أَفْلَحُ، ائْذَنِي لَهُ، تَرِبَتْ يَمِينُك"».
أَيْ افْتَقَرَتْ، وَالْعَرَبُ تَدْعُو عَلَى الرَّجُلِ، وَلا تُرِيدُ وُقُوعَ الأَمْرِ بِهِ.
«تَرِبَتْ يَمِينُك». أي افتقرت ولصقت بالتراب، وهو كلام ظاهره الدعاء ولا يراد به ذلك.
وَفِي الْحَدِيْثِ مَسَائِلُ مِنْهَا:
стр. 6398
١ - أنَّ لبن الفحل يحصل به التحريم، فيحرم على المرتضع صاحبُ اللبن لأنَّه أبوه من الرضاع، ويحرم عليه آباؤه لأنَّهم آباء له من الرضاع، ويحرم على المرضع أولاد صاحب اللبن لأنَّهم إخوانه وأخواته من الرضاع، ويحرم عليه أولادهم مهما نزلوا لأنَّهم أبناء إخوانه وأخواته من الرضاع، ويحرم على المرتضع إخوان وأخوات صاحب اللبن لأنَّهم أعمامه وعماته، ويحرم عليه أعمام وعمات وأخوال وخالات صاحب اللبن مهما ارتفعوا لأنَّهم أعمام وعمات وأخوال وخالات له أيضاً. وهذا ما عليه أكثر علماء الأمة، ونازع في هذه المسألة بعض العلماء.
قَالَ الْحِافِظُ ابْنُ حَجَرٍ ﵀ فِي [فَتْحِ الْبَارِي] (٩/ ١٥١): «وفيه خلاف قديم حكى عن ابن عمر، وابن الزبير، ورافع بن خديج، وزينب بنت أم سلمة، وغيرهم ونقله ابن بطال عن عائشة، وفيه نظر، ومن التابعين عن سعيد بن المسيب، وأبي سلمة، والقاسم، وسالم، وسليمان بن يسار، وعطاء بن يسار، والشعبي، وإبراهيم النخعي، وأبي قلابة، وإياس بن معاوية أخرجها ابن أبي شيبة وعبد الرزاق وسعيد بن منصور وابن المنذر، وعن ابن سيرين: نبئت أنَّ ناساً من أهل المدينة اختلفوا فيه. وعن زينب بنت أبي سلمة أنَّها سألت والصحابة متوافرون وأمهات المؤمنين فقالوا: الرضاعة من قبل الرجل لا تحرم شيئاً.
стр. 6399
وقال به من الفقهاء ربيعة الرأي، وإبراهيم بن علية، وابن بنت الشافعي، وداود، وأتباعه» اهـ.
٢ - وفيه الرجوع إلى أهل العلم عند حصول الشك في حكم من الأحكام.
٣ - وفيه جواز التسمية بأفلح.
وقد روى مسلم (٢١٣٦) عَنْ سَمُرَةَ بْنِ جُنْدَبٍ، قَالَ: «نَهَانَا رَسُولُ اللهِ ﷺ أَنْ نُسَمِّيَ رَقِيقَنَا بِأَرْبَعَةِ أَسْمَاءٍ: أَفْلَحَ، وَرَبَاحٍ، وَيَسَارٍ، وَنَافِعٍ».
ورواه مسلم (٢١٣٦) عَنْ سَمُرَةَ بْنِ جُنْدَبٍ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : «لَا تُسَمِّ غُلَامَكَ رَبَاحًا، وَلَا يَسَارًا، وَلَا أَفْلَحَ، وَلَا نَافِعًا».
ورواه مسلم (٢١٣٧) عَنْ سَمُرَةَ بْنِ جُنْدَبٍ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : «أَحَبُّ الْكَلَامِ إِلَى اللهِ أَرْبَعٌ: سُبْحَانَ اللهِ، وَالْحَمْدُ لِلَّهِ، وَلَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ، وَاللهُ أَكْبَرُ. لَا يَضُرُّكَ بِأَيِّهِنَّ بَدَأْتَ.
وَلَا تُسَمِّيَنَّ غُلَامَكَ يَسَارًا، وَلَا رَبَاحًا، وَلَا نَجِيحًا، وَلَا أَفْلَحَ، فَإِنَّكَ تَقُولُ: أَثَمَّ هُوَ؟ فَلَا يَكُونُ، فَيَقُولُ: لَا».
قُلْتُ: والنهي عن هذه التسمية للكراهة، ويدل على ذلك حديث الباب، وما رواه مسلم (٢١٣٨) عن جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللهِ، قَالَ: «أَرَادَ النَّبِيُّ ﷺ أَنْ
стр. 6400
يَنْهَى عَنْ أَنْ يُسَمَّى بِيَعْلَى، وَبِبَرَكَةَ، وَبِأَفْلَحَ، وَبِيَسَارٍ، وَبِنَافِعٍ وَبِنَحْوِ ذَلِكَ، ثُمَّ رَأَيْتُهُ سَكَتَ بَعْدُ عَنْهَا، فَلَمْ يَقُلْ شَيْئًا، ثُمَّ قُبِضَ رَسُولُ اللهِ ﷺ وَلَمْ يَنْهَ عَنْ ذَلِكَ» ثُمَّ أَرَادَ عُمَرُ أَنْ يَنْهَى عَنْ ذَلِكَ ثُمَّ تَرَكَهُ.
قَالَ الْعَلَّامَةُ الْنَوَوِي ﵀ فِي [شَرْحِ مُسْلِمٍ] (٧/ ٢٥٩): «فمعناه أراد أن ينهى عنها نهي تحريم فلم ينه، وأمَّا النهي الذي هو لكراهة التنزيه فقد نهى عنه في الأحاديث الباقية» اهـ.
وَقَالَ الْعَلَّامَةُ الْنَوَوِي ﵀ فِي [شَرْحِ مُسْلِمٍ] (٧/ ٢٥٨): «قال أصحابنا: يكره التسمية بهذه الأسماء المذكورة في الحديث وما في معناها، ولا تختص الكراهة بها وحدها، وهي كراهة تنزيه لا تحريم، والعلة في الكراهة ما بينه ﷺ في قَوْلِهِ: "فإنَّك تقول: أثم هو؟ فيقول: لا" فكره لبشاعة الجواب، وربما أوقع بعض الناس في شيء من الطيرة» اهـ.
وَقَالَ الْعَلَّامَةُ الْخَطَّابِي ﵀ فِي [مَعَالِمِ الْسُّنَنِ] (٤/ ١٢٨): «قد بين النبي ﷺ المعنى في ذلك وذكر العلة التي من أجلها وقع النهي عن التسمية بها وذلك أنَّهم كانوا يقصدون بهذه الأسماء وبما في معانيها إمَّا التبرك بها أو التفاؤل بحسن ألفاظها فحذرهم أن يفعلوه لئلا ينقلب عليهم ما قصدوه في
стр. 6401
هذه التسميات إلى الضد وذلك إذا سألوا، فقالوا: أثم يسار أثم رباح فإذا قيل: لا تطيروا بذلك وتشاءموا به واضمروا على الأياس من اليسر والرباح، فنهاهم عن السبب الذي يجلب لهم سوء الظن بالله سبحانه ويورثهم الأياس من خيره» اهـ.
وَقَالَ الْعَلَّامَةُ الْقُرْطُبِي ﵀ فِي [الْمُفْهِم] (١٧/ ١٣١): «وبالنظر إلى هذا المعنى، فلا تكون هذه الكراهة خاصة بالعبيد، بل: تتعدى إلى الأحرار. ولا مقصورة على هذه الأربعة الأسماء، بل: تتعدى إلى ما في معناها. وإلى هذا أشار جابر في حديثه بقوله، وبنحو ذلك».
إِلَى أَنْ قَالَ ﵀: «لكن إنَّما خصص العبد بالذكر، لأنَّ هذه الأسماء إنَّما كانت في غالب الأمر أسماء لعبيدهم، فخرج النهي على الغالب» اهـ.
وَقَالَ الْعَلَّامَةُ ابْنُ الْقَيِّمِ ﵀ فِي [تُحْفَةِ الْمَوْدُوْدِ] (ص: ١١٦ - ١١٧): «قُلْتُ: وفي معنى هذا مبارك ومفلح وخير وسرور ونعمة وما أشبه ذلك فإنَّ المعنى الذي كره له النبي ﷺ التسمية بتلك الأربع موجود فيها فإنَّه يقال: أعندك خير أعندك سرور أعندك نعمة فيقول لا فتشمئز القلوب من ذلك وتتطير به وتدخل في باب المنطق المكروه» اهـ.
стр. 6402
قُلْتُ: وبهذا يتبين أنَّ هذا النهي مختص بالأسماء التي إذا ما نفيت أورثت التطير في أنفس بعض الناس، فإنَّ الأنفس تتفائل بسماع الفلاح، والنجاح، واليسار، والربح، والبركة، والنفع، والسرور، والخير، ونظائر ذلك فإذا نفيت أورثت تشاؤماً عند بعض النفوس.
وبهذا يتبين الجواب على من أشكل عليه التسمي بعبد الله وبعبد الرحمن، ووجه الإشكال الذي وقع للبعض أنَّ نفي ذلك مما يكره أيضاً، فيقال: أثم عبد الله، أثم عبد الرحمن، فإذا لم يكن، قيل: لا. ونفي ذلك مما يكره في السماع، فإنَّه يورث معنىً أنَّه ليس عنده من يعبد الله ومن يعبد الرحمن.
والجواب: أنَّه لم يجر تشاؤم الناس بنفي هذه الألفاظ، وإنَّما جرى بنفي الفلاح، واليسار، والنجاح، وغير ذلك مما سبق ذكره.
والجواب عن قول القائل: إنَّ هذه الأسماء مما يكره نفيها، فالجواب: أنَّ طروء مثل هذا المعنى على الذهن مما يندر، وفي هذه الأسماء من المعاني العظيمة ما يغمر مثل هذه المفسدة النادرة. والله أعلم.
وقد روى مسلم (٢١٣٢) عَنِ ابْنِ عُمَرَ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : «إِنَّ أَحَبَّ أَسْمَائِكُمْ إِلَى اللهِ عَبْدُ اللهِ وَعَبْدُ الرَّحْمَنِ».
стр. 6403
فائدة: في ذكر ما يكره ويحرم من الأسماء.
فأمَّا ما يحرم من ذلك:
١ - التعبيد لغير الله تعالى.
٢ - ومن ذلك التسمي بملك الأملاك، وفي معناه سلطان السلاطين، وقاضي القضاة، وحاكم الحكام. وذلك لما رواه البخاري (٦٢٠٥)، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «أَخْنَى الأَسْمَاءِ يَوْمَ القِيَامَةِ عِنْدَ اللَّهِ رَجُلٌ تَسَمَّى مَلِكَ الأَمْلَاكِ».
ومعنى "أخنى" أي: أفحش، ويكون بمعنى أهلك.
ورواه مسلم (٢١٤٣) عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «إِنَّ أَخْنَعَ اسْمٍ عِنْدَ اللهِ رَجُلٌ تَسَمَّى مَلِكَ الْأَمْلَاكِ».
ومعنى "أخنع" أي: أذل.
ورواه أيضاً بلفظ: «أَغْيَظُ رَجُلٍ عَلَى اللهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ، وَأَخْبَثُهُ وَأَغْيَظُهُ عَلَيْهِ، رَجُلٍ كَانَ يُسَمَّى مَلِكَ الْأَمْلَاكِ، لَا مَلِكَ إِلَّا اللهُ».
٣ - ومن ذلك سيِّد الناس. لأنَّ هذا مختص بخاتم المرسلين ﵊، ويدل عليه ما رواه مسلم (٢٢٧٨) عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ
стр. 6404
ﷺ : «أَنَا سَيِّدُ وَلَدِ آدَمَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ، وَأَوَّلُ مَنْ يَنْشَقُّ عَنْهُ الْقَبْرُ، وَأَوَّلُ شَافِعٍ وَأَوَّلُ مُشَفَّعٍ».
قُلْتُ: وهناك من يخفف المثناة التحية مع كسر السين المهملة وهي بمعنى ما سبق.
٤ - ومن ذلك أسماء الشياطين، كخَنْزَب. للأدلة الدالة على النهي عن التشبه بالشيطان.
ومما يدل على أنَّ خنزب من أسماء الشياطين، ما رواه مسلم (٢٢٠٣) عَنْ أَبِي الْعَلَاءِ، أَنَّ عُثْمَانَ بْنَ أَبِي الْعَاصِ، أَتَى النَّبِيَّ ﷺ ، فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ إِنَّ الشَّيْطَانَ قَدْ حَالَ بَيْنِي وَبَيْنَ صَلَاتِي وَقِرَاءَتِي يَلْبِسُهَا عَلَيَّ، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : «ذَاكَ شَيْطَانٌ يُقَالُ لَهُ خَنْزَبٌ، فَإِذَا أَحْسَسْتَهُ فَتَعَوَّذْ بِاللهِ مِنْهُ، وَاتْفِلْ عَلَى يَسَارِكَ ثَلَاثًا» قَالَ: فَفَعَلْتُ ذَلِكَ فَأَذْهَبَهُ اللهُ عَنِّي.
وأمَّا قول من قال: إنَّ من أسماء الشياطين: الولهان، والأعور، والأجدع، والحُباب، فلا أعلم لذلك مستنداً صحيحاً.
٥ - ومن ذلك التسمي بأسماء الفراعنة والجبابرة، كفرعون، وقارون، وهامان.
وهذا النهي وارد في الأسماء المختصة بهم، أمَّا الأسماء المشتركة فلا مانع منها. وقد جاء النهي عن التشبه بالكافرين، فكيف بالتشبه بأكفر الكافرين. والله أعلم.
стр. 6405
وأمَّا التسمية بالوليد فلا أعلم مانعاً من التسمي به وهو من الأسماء المشتركة وقد تسمى به جماعة من الصحابة.
٦ - ومما ينهى عنه التسمي بأسماء الله المختصة به.
وقد روى أبو داود (٤٩٥٥)، والنسائي (٥٣٨٧) من طريق يَزِيدَ يَعْنِي ابْنَ الْمِقْدَامِ بْنِ شُرَيْحٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ جَدِّهِ، شُرَيْحٍ عَنْ أَبِيهِ هَانِئٍ أَنَّهُ لَمَّا وَفَدَ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ مَعَ قَوْمِهِ سَمِعَهُمْ يَكْنُونَهُ بِأَبِي الْحَكَمِ، فَدَعَاهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ، فَقَالَ: «إِنَّ اللَّهَ هُوَ الْحَكَمُ، وَإِلَيْهِ الْحُكْمُ، فَلِمَ تُكْنَى أَبَا الْحَكَمِ؟» فَقَالَ: إِنَّ قَوْمِي إِذَا اخْتَلَفُوا فِي شَيْءٍ أَتَوْنِي، فَحَكَمْتُ بَيْنَهُمْ فَرَضِيَ كِلَا الْفَرِيقَيْنِ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «مَا أَحْسَنَ هَذَا، فَمَا لَكَ مِنَ الْوَلَدِ؟» قَالَ: لِي شُرَيْحٌ، وَمُسْلِمٌ، وَعَبْدُ اللَّهِ، قَالَ: «فَمَنْ أَكْبَرُهُمْ؟» قُلْتُ: شُرَيْحٌ، قَالَ: «فَأَنْتَ أَبُو شُرَيْحٍ».
قُلْتُ: هَذَا حَدِيْثٌ حَسَنٌ.
وروى معمر في [جَامِعِهِ] (٤٦٢) عَنْ لَيْثِ بْنِ أَبِي سُلَيْمٍ، أَنَّ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ، قَالَ: «لَا تُسَمُّوا الْحَكَمَ، وَلَا أَبَا الْحَكَمِ، فَإِنَّ اللَّهَ هُوَ الْحَكَمُ، وَلَا تُسَمُّوا الطَّرِيقَ السِّكَّةَ».
стр. 6406
قُلْتُ: الليث ضعيف، وروايته عن عمر معضلة.
وروى أبو داود (٤٨٠٦) مِنْ حَدِيثِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الشِّخِّيرِ ﵁، قَالَ: انْطَلَقْتُ فِي وَفْدِ بَنِي عَامِرٍ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ : فَقُلْنَا: أَنْتَ سَيِّدُنَا، فَقَالَ: «السَّيِّدُ اللَّهُ ﵎» قُلْنَا: وَأَفْضَلُنَا فَضْلًا وَأَعْظَمُنَا طَوْلًا، فَقَالَ: «قُولُوا بِقَوْلِكُمْ، أَوْ بَعْضِ قَوْلِكُمْ، وَلَا يَسْتَجْرِيَنَّكُمُ الشَّيْطَانُ».
قُلْتُ: هَذَا حَدِيْثٌ صَحِيْحٌ.
قَالَ الْعَلَّامَةُ ابْنُ الْقَيِّمِ ﵀ فِي [تُحْفَةِ الْمَوْدُوْدِ] (ص: ١٢٥): «ومما يمنع تسمية الإنسان به أسماء الرب ﵎ فلا يجوز التسمية بالأحد، والصمد، ولا بالخالق، ولا بالرازق، وكذلك سائر الأسماء المختصة بالرب ﵎، ولا تجوز تسمية الملوك بالقاهر والظاهر، كما لا يجوز تسميتهم بالجبار، والمتكبر، والأول والآخر، والباطن، وعلام الغيوب».
إِلَى أَنْ قَالَ ﵀ (ص: ١٢٧): «والمقصود أنَّه لا يجوز لأحد أن يتسمى بأسماء الله المختصة به، وأمَّا الأسماء التي تطلق عليه وعلى غيره، كالسميع والبصير والرؤوف والرحيم فيجوز أن يخبر بمعانيها عن المخلوق، ولا يجوز أن يتسمى بها على الإطلاق بحيث يطلق عليه كما يطلق على الرب تعالى» اهـ.
стр. 6407
قُلْتُ: كان الأولى بالعلامة ابن القيم ﵀ أن يذكر من الأسماء التي لا يجوز للمخلوق التسمي بها: الله، والرحمن، فهما من أشهر الأسماء المختصة.
وَقَوْلُهُ ﵀: «فيجوز أن يخبر بمعانيها عن المخلوق، ولا يجوز أن يتسمى بها على الإطلاق بحيث يطلق عليه كما يطلق على الرب تعالى» ظاهره أنَّه يجوز أن يخبر عن شخص بأنَّه رحيم أو رؤوف أو بصير، لكن لا يسمى بذلك على الإطلاق فيقال: الرحيم، والسميع والبصير والرؤوف.
وقَالَ الْعَلَّامَةُ الْنَوَوِي ﵀ فِي [شَرْحِ مُسْلِمٍ] (٧/ ٢٦٦): «وكذلك التسمي بأسماء الله تعالى المختصة به كالرحمن، والقدوس، والمهيمن، وخالق الخلق، ونحوها» اهـ.
وَقَالَ الْعَلَّامَةُ ابْنُ عُثَيْمِيْنَ ﵀ فِي [مُجْمُوعِ فَتَاوَى وَرَسَائِلَ الْعُثَيْمِيْن] (٣/ ٩٤ - ٩٥):
«التسمي بأسماء الله يكون على وجهين:
الوجه الأول: وهو على قسمين:
القسم الأول: أن يحلى بـ "ال" ففي هذه الحال لا يسمى به غير الله -كما لو سميت أحداً بالعزيز، والسيد، والحكيم، وما أشبه ذلك، فإنَّ هذا لا يسمى به
стр. 6408
غير الله؛ لأنَّ "ال" هذه تدل على لمح الأصل، وهو المعنى الذي تضمنه هذا الاسم.
القسم الثاني: إذا قصد بالاسم معنى الصفة وليس محلى بـ "ال" فإنَّه لا يسمى به، ولهذا غير النبي ﷺ كنية أبي الحكم التي تكنى بها؛ لأن أصحابه يتحاكمون إليه، فقال النبي ﵊: "إنَّ الله هو الحكم، وإليه الحكم" ثم كناه بأكبر أولاده شريح، فدل ذلك على أنَّه إذا تسمى أحد باسم من أسماء الله ملاحظاً بذلك معنى الصفة التي تضمنها هذا الاسم، فإنَّه يمنع؛ لأنَّ هذه التسمية تكون مطابقة تماماً لأسماء الله ، فإنَّ أسماء الله تعالى أعلام وأوصاف لدلالتها على المعنى الذي تضمنه الاسم.
الوجه الثاني: أن يتسمى بالاسم غير محلى بـ "ال"، وليس المقصود به معنى الصفة فهذا لا بأس به مثل حكيم، ومن أسماء بعض الصحابة حكيم بن حزام الذي قال له النبي ﵊: "لا تبع ما ليس عندك"، وهذا دليل على أنَّه إذا لم يقصد بالاسم معنى الصفة، فإنَّه لا بأس به.
لكن في مثل "جبار" لا ينبغي أن يتسمى به، وإن كان لم يلاحظ الصفة، وذلك لأنَّه قد يؤثر في نفس المسمى، فيكون معه جبروت، وغلو واستكبار على الخلق فمثل
стр. 6409
هذه الأشياء التي قد تؤثر على صاحبها، ينبغي للإنسان أن يتجنبها، والله أعلم» اهـ.
قُلْتُ: يشكل على ما قاله أنَّ جماعة من الصحابة تسموا بالحكم، وذكروا بالألف والآم، وأسماؤهم مدونة في"الإصابة" لابن حجر ﵀.
وهكذا "جبار" جاء التسمي به عن جماعة من الصحابة، وانظر لذلك "الإصابة" لابن حجر ﵀.
وَقَالَ العَلَّامَةُ ابْنُ بَازٍ ﵀ كَمَا فِي [التَّعْلِيْقَاتِ البَّازِيَّةِ عَلَى كِتَابِ التَّوْحِيْدِ] (ص: ٦٨):
«ولكن يرد على هذا ما جاء في الأحاديث الصحيحة تسمية الحكم والحكيم ولم يغيره ﷺ وهي أصح، مما يدل على أنَّ هذا الحديث في صحته نظر، وقد أقر النبي ﷺ أسماء منها حكيم بن حزام والحكم بن عمرو الغفاري ولم يغيرها ﵊ فلو كانت منكرة لغيرها ﷺ فدل على أنَّه لا بأس بالتسمي بالحكم أو الحكيم» اهـ.
قُلْتُ: وقد أجاز الْعَلَّامَةُ عَبْدُ الْمُحْسِنِ الْعَبَّادُ التسمية بالحكم دون التكني به فقال في [شَرْحِ سُنَنِ أَبِي دَاوْدَ] (٢٨/ ٢٨٤):
стр. 6410
«وبالنسبة للكنية فإنَّها تغيَّر كما غير ذلك رسول الله ﷺ ، وأمَّا بالنسبة للاسم فكونه جاء أنَّ بعض الصحابة تسمى به، فيدل على أنَّ ذلك سائغ» اهـ.
وخلاصة القول: أنَّ الذي يظهر لي هو جواز التسمي بالأسماء المشتركة ولو كانت محلاة بأل التعريف كما يدل عليه قول الله تعالى: ﴿قَالَتِ امْرَأَتُ الْعَزِيزِ الْآنَ حَصْحَصَ الْحَقُّ﴾ [يوسف: ٥١].
وقَوْلُهُ: ﴿قَالُوا يَا أَيُّهَا الْعَزِيزُ إِنَّ لَهُ أَبًا شَيْخًا كَبِيرًا فَخُذْ أَحَدَنَا مَكَانَهُ إِنَّا نَرَاكَ مِنَ الْمُحْسِنِينَ﴾ [يوسف: ٧٨].
وقَوْلُهُ: ﴿قَالُوا يَا أَيُّهَا الْعَزِيزُ مَسَّنَا وَأَهْلَنَا الضُّرُّ وَجِئْنَا بِبِضَاعَةٍ مُزْجَاةٍ فَأَوْفِ لَنَا الْكَيْلَ وَتَصَدَّقْ عَلَيْنَا إِنَّ اللَّهَ يَجْزِي الْمُتَصَدِّقِينَ﴾ [يوسف: ٨٨].
ففي هذه الآيات إطلاق العزيز على غير الله تعالى، وهذا الإطلاق محلى بأل التعريف.
следующие страницы →