← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 30178

تحفة السائل في بيان ما في عمدة الأحكام من المسائل

أبو بكر الحمادي

Полный текст (8 095 стр.). Показаны 666–705 · переход к 671.

стр. 666

الْمُسْتَعْمَلَ مَا وَصَلَ إِلَى الْوَجْهِ، أَمَّا مَا يَبْقَى فِي الْيَدِ فَلَيْسَ بِمُسْتَعْمَلٍ كَمَا تَقَدَّمَ مِثْلَ هَذَا فِي الْوُضُوءِ» اهـ. ٧ - ظاهر الحديث أنَّ ظاهر الكفين يمسحان من غير حاجة إلى إعادة مسح باطنهما، وذلك أنَّه إذا مسح ظهر كفه اليمنى ببطن كفه اليسرى، والعكس كذلك فإنَّه يكون قد مسح حينئذ باطن كفيه. وقال شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ كما في [مجموع الفتاوى] (٢١/ ٤٢٢ - ٤٢٧): «وَقَدْ اخْتَلَفَ الْأَصْحَابُ فِي هَذِهِ الصِّفَةِ. فَقِيلَ: يُرَتِّبُ. فَيَمْسَحُ وَجْهَهُ بِبُطُونِ أَصَابِعِهِ وَظَاهِرِ يَدَيْهِ بِرَاحَتِهِ. وَقِيلَ: لَا يَجِبُ ذَلِكَ. بَلْ يَمْسَحُ بِهِمَا وَجْهَهُ وَظَاهِرَ كَفَّيْهِ. وَعَلَى الْوَجْهَيْنِ: لَا يُؤَخِّرُ مَسْحَ الرَّاحَتَيْنِ إلَى مَا بَعْدَ الْوَجْهِ. بَلْ يَمْسَحُهُمَا: إمَّا قَبْلَ الْوَجْهِ وَإِمَّا مَعَ الْوَجْهِ وَظُهُورِ الْكَفَّيْنِ. وَلِهَذَا قَالَ ابْنُ عَقِيلٍ: رَأَيْت التَّيَمُّمَ بِضَرْبَةٍ وَاحِدَةٍ قَدْ أَسْقَطَ تَرْتِيبًا مُسْتَحَقًّا فِي الْوُضُوءِ. وَهُوَ أَنَّهُ بَعْدَ أَنْ مَسَحَ بَاطِنَ يَدَيْهِ مَسَحَ وَجْهَهُ. وَفِي الصَّحِيحَيْنِ مِنْ حَدِيثِ عَمَّارِ بْنِ يَاسِرٍ مِنْ طَرِيقِ أَبِي مُوسَى ﵄ قَالَ: "إنَّمَا يَكْفِيك أَنْ تَقُولَ بِيَدَيْك هَكَذَا". ثُمَّ ضَرَبَ بِيَدَيْهِ الْأَرْضَ ضَرْبَةً وَاحِدَةً. ثُمَّ مَسَحَ الشِّمَالَ عَلَى الْيَمِينِ وَظَاهِرَ كَفَّيْهِ وَوَجْهَهُ. لَفْظُ الْبُخَارِيِّ: وَضَرَبَ بِكَفَّيْهِ ضَرْبَةً عَلَى الْأَرْضِ. ثُمَّ نَفَضَهُمَا ثُمَّ مَسَحَ بِهِمَا ظَهْرَ كَفِّهِ بِشَمَالِهِ - أَوْ ظَهْرَ شِمَالِهِ بِكَفِّهِ - ثُمَّ مَسَحَ بِهِمَا وَجْهَهُ. وَهَذَا صَرِيحٌ فِي أَنَّهُ لَمْ يَمْسَحْ الرَّاحَتَيْنِ بَعْدَ الْوَجْهِ. وَلَا يَخْتَلِفُ مَذْهَبُ أَحْمَد: أَنَّ ذَلِكَ لَا يَجِبُ.

стр. 667

وَأَمَّا ظُهُورُ الْكَفَّيْنِ: فَرِوَايَةُ الْبُخَارِيِّ صَرِيحَةٌ فِي أَنَّهُ مَرَّ عَلَى ظَهْرِ الْكَفِّ قَبْلَ الْوَجْهِ، وَقَوْلُهُ فِي الرِّوَايَةِ الْأُخْرَى: "وَظَاهِرَ كَفَّيْهِ" يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ مَسَحَ ظَاهِرَ كُلٍّ مِنْهُمَا بِرَاحَةِ الْيَدِ الْأُخْرَى. وَقَالَ فِيهَا: ثُمَّ مَسَحَ الشِّمَالَ عَلَى الْيَمِينِ وَظَاهِرَ كَفَّيْهِ قَبْلَ الْوَجْهِ. وَقَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ: فَرْضُ الرَّاحَتَيْنِ سَقَطَ بِإِمْرَارِ كُلِّ وَاحِدَةٍ عَلَى ظَهْرِ الْكَفِّ. وَهَذَا إنَّمَا يُوجِبُ سُقُوطَ فَرْضِ بَاطِنِ الرَّاحَةِ. وَأَمَّا بَاطِنُ الْأَصَابِعِ: فَعَلَى مَا ذَكَرَهُ سَقَطَ مَعَ الْوَجْهِ. وَعَلَى كُلِّ حَالٍ: فَبَاطِنُ الْيَدَيْنِ يُصِيبُهُمَا التُّرَابُ حِينَ يَضْرِبُ بِهِمَا الْأَرْضَ وَحِينَ يَمْسَحُ بِهِمَا الْوَجْهَ وَظَهْرَ الْكَفَّيْنِ. وَإِنْ مَسَحَ إحْدَاهُمَا بِالْأُخْرَى فَهُوَ ثَلَاثُ مَرَّاتٍ. وَلَوْ كَانَ التَّرْتِيبُ وَاجِبًا لَوَجَبَ أَنْ يَمْسَحَ بَاطِنَهُمَا بَعْدَ الْوَجْهِ. وَهَذَا لَا يُمْكِنُ مَعَ الْقَوْلِ بِضَرْبَةٍ وَاحِدَةٍ. وَلَوْ فَعَلَ ذَلِكَ لَلَزِمَ تَكْرَارُ مَسْحِهِمَا مَرَّةً بَعْدَ مَرَّةٍ. فَسَقَطَ لِذَلِكَ. فَإِنَّ التَّيَمُّمَ لَا يُشْرَعُ فِيهِ التَّكْرَارُ بِخِلَافِ الْوُضُوءِ. فَإِنَّهُ - وَإِنْ غَسَلَ يَدَيْهِ ابْتِدَاءً وَأَخَذَ بِهِمَا الْمَاءَ لِوَجْهِهِ فَهُوَ - بَعْدَ الْوَجْهِ يَغْسِلُهُمَا إلَى الْمِرْفَقَيْنِ. وَهُوَ يَأْخُذُ الْمَاءَ - بِهِمَا. فَيَتَكَرَّرُ غَسْلُهُمَا؛ لِأَنَّ الْوُضُوءَ يُسْتَحَبُّ فِيهِ التَّكْرَارُ فِي الْجُمْلَةِ. لِأَنَّهُ طَهَارَةٌ بِالْمَاءِ؛ وَلَكِنْ لَوْ لَمْ يَغْسِلْ كَفَّيْهِ بَعْدَ غَسْلِ الْوَجْهِ فَهُوَ مَحَلُّ نَظَرٍ فَإِنَّهُ يَغْرِفُ بِهِمَا الْمَاءَ وَقَدْ قَالُوا: إذَا نَوَى الِاغْتِرَافَ لَمْ يَصِرْ الْمَاءُ مُسْتَعْمَلًا وَإِنْ نَوَى غَسْلَهُمَا فِيهِ: صَارَ مُسْتَعْمَلًا وَإِنْ لَمْ يَنْوِ شَيْئًا فَفِيهِ وَجْهَانِ. وَالصَّحِيحُ: أَنَّهُ لَا يَصِيرُ مُسْتَعْمَلًا وَإِنْ نَوَى غَسْلَهُمَا فِيهِ؛ لِمَجِيءِ السُّنَّةِ بِذَلِكَ وَهَذَا يَقْتَضِي أَنَّ غَسْلَهُمَا بِنِيَّةِ الِاغْتِرَافِ لَا تَحْصُلُ بِهِ طَهَارَتُهُمَا بَلْ لَا بُدَّ مِنْ غَسْلٍ آخَرَ. وَالْأَقْوَى: أَنَّ هَذَا لَا يَجِبُ بَلْ غَسْلُهُمَا بِنِيَّةِ الِاغْتِرَافِ يُجْزِئُ عَنْ تَكْرَارِ غَسْلِهِمَا كَمَا فِي التَّيَمُّمِ. وَأَيْضًا فَإِنَّهُ يَغْسِلُ ذِرَاعَيْهِ بِيَدَيْهِ؛ فَيَكُونُ هَذَا غَسْلًا لِبَاطِنِ الْيَدِ. وَلَوْ

стр. 668

قِيلَ: بَلْ بَقِيَ غَسْلُهُمَا ابْتِدَاءً وَمَعَ الْوَجْهِ يَسْقُطُ فَرْضُهُمَا كَمَا قِيلَ مِثْلُ ذَلِكَ فِي التَّيَمُّمِ: لَكَانَ مُتَوَجِّهًا. فَإِنَّهُ قَالَ فِي الْوُضُوءِ: ﴿فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ (٦)﴾ [المائدة: ٦] كَمَا قَالَ فِي التَّيَمُّمِ: ﴿فَامْسَحُوا بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكُمْ مِنْهُ (٦)﴾ [المائدة: ٦] فَفِي الْوُضُوءِ أَخَّرَ ذِكْرَ الْيَدِ. لَكِنَّ الرِّوَايَةَ الَّتِي انْفَرَدَ بِهَا الْبُخَارِيُّ: تُبَيِّنُ أَنَّهُ مَسَحَ ظَهْرَ الْكَفَّيْنِ قَبْلَ الْوَجْهِ. وَسَائِرُ الرِّوَايَاتِ مُجْمَلَةٌ تَقْتَضِي أَنَّهُ لَمَّا مَسَحَ لَمْ يَمْسَحْ الرَّاحَتَيْنِ بَعْدَ الْوَجْهِ فَكَذَلِكَ ظَهْرُ الْكَفَّيْنِ بَلْ مَسَحَ ظَهْرَهُمَا مَعَ بَطْنِهِمَا؛ لِأَنَّ مَسْحَهُمَا جُمْلَةً أَقْرَبُ إلَى التَّرْتِيبِ. فَإِنَّ مَسْحَ الْعُضْوِ الْوَاحِدِ بَعْضَهُ مَعَ بَعْضٍ أَوْلَى مِنْ تَفْرِيقِ ذَلِكَ. وَأَيْضًا: فَتَكُونُ الرَّاحَتَانِ مَمْسُوحَتَيْنِ مَعَ ظَهْرِ الْكَفِّ. وَالِاعْتِدَادُ بِذَلِكَ أَوْلَى مِنْ الِاعْتِدَادِ بِمَسْحِهِمَا مَعَ الْوَجْهِ. وَمَا ذَكَرَهُ بَعْضُ الْأَصْحَابِ - مِنْ أَنَّهُ يَجْعَلُ الْأَصَابِعَ لِلْوَجْهِ وَبُطُونَ الرَّاحَتَيْنِ لِظُهُورِ الْكَفَّيْنِ - خِلَافُ مَا جَاءَتْ بِهِ الْأَحَادِيثُ. وَلَيْسَ فِي كَلَامِ أَحْمَد مَا يَدُلُّ عَلَيْهِ. وَهُوَ مُتَعَسِّرٌ أَوْ مُتَعَذِّرٌ. وَهُوَ بِدْعَةٌ لَا أَصْلَ لَهَا فِي الشَّرْعِ. وَبُطُونُ الْأَصَابِعِ لَا تَكَادُ تَسْتَوْعِبُ الْوَجْهَ. وَإِنَّمَا احْتَاجُوا إلَى هَذَا لِيَجْعَلُوا بَعْضَ التُّرَابِ لِظَاهِرِ الْكَفَّيْنِ بَعْدَ الْوَجْهِ. فَيُقَالُ لَهُمْ: كَمَا أَنَّ الرَّاحَتَيْنِ لَا يُمْسَحَانِ بَعْدَ الْوَجْهِ بِلَا نِزَاعٍ فَكَذَلِكَ ظَهْرُ الْكَفَّيْنِ. فَإِنَّهُمْ - وَإِنْ مَسَحُوا ظَهْرَ الْكَفَّيْنِ بِالرَّاحَتَيْنِ بِبُطُونِ الْأَصَابِعِ - مَسَحُوا مَعَ الْوَجْهِ: مَسَحَ بِالْيَدَيْنِ قَبْلَ الْوَجْهِ كَمَا قَالَ ابْنُ عَقِيلٍ؛ وَلِهَذَا اخْتَارَ الْمَجْدُ: أَنَّهُ لَا يَجِبُ التَّرْتِيبُ فِيهِ بَلْ يَجُوزُ مَسْحُ ظَهْرِ الْكَفَّيْنِ قَبْلَ الْوَجْهِ كَمَا دَلَّ عَلَيْهِ الْحَدِيثُ الصَّحِيحُ وَالْحَدِيثُ الصَّحِيحُ يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ

стр. 669

يَمْسَحُ الْوَجْهَ وَظَاهِرَ الْكَفَّيْنِ بِذَلِكَ التُّرَابِ وَأَنَّ مَسْحَ ظَهْرِ الْكَفَّيْنِ بِمَا بَقِيَ فِي الْيَدَيْنِ مِنْ التُّرَابِ يَكْفِي لِظَهْرِ الْكَفَّيْنِ. فَإِنَّ أَلْفَاظَ الْحَدِيثِ كُلَّهَا تَتَعَلَّقُ بِأَنَّهُ يَمْسَحُ وَجْهَهُ بِيَدَيْهِ وَمَسْحُ الْيَدَيْنِ إحْدَاهُمَا بِالْأُخْرَى: لَمْ يَجْعَلْ بَعْضَ بَاطِنِ الْيَدِ لِلْوَجْهِ وَبَعْضَهُ لِلْكَفَّيْنِ بَلْ بِبَاطِنِ الْيَدَيْنِ مَسَحَ وَجْهَهُ وَمَسَحَ كَفَّيْهِ وَمَسَحَ إحْدَاهُمَا بِالْأُخْرَى. وَأَجَابَ الْقَاضِي وَمَنْ وَافَقَهُ - مُتَابَعَةً لِأَصْحَابِ الشَّافِعِيِّ - بِأَنَّهُ إذَا تَيَمَّمَ لِجُرْحِ فِي عُضْوٍ: يَكُونُ التَّيَمُّمُ فِيهِ عِنْدَ وُجُوبِ غَسْلِهِ فَيَفْصِلُ بِالتَّيَمُّمِ بَيْنَ أَبْعَاضِ الْوُضُوءِ هَذَا فِعْلٌ مُبْتَدَعٌ وَفِيهِ ضَرَرٌ عَظِيمٌ وَمَشَقَّةٌ لَا تَأْتِي بِهَا الشَّرِيعَةُ. وَهَذَا وَنَحْوُهُ إسْرَافٌ فِي وُجُوبِ التَّرْتِيبِ حَيْثُ لَمْ يُوجِبْهُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ. والْنُّفَاةِ يُجَوِّزُونَ التَّنْكِيسَ لِغَيْرِ عُذْرٍ وَخِيَارُ الْأُمُورِ أَوْسَاطُهَا وَدِينُ اللَّهِ بَيْنَ الْغَالِي وَالْجَافِي. وَاَللَّهُ أَعْلَمُ» اهـ. وقال العلامة ابن قدامة ﵀ في [المغني] (١/ ١٨٦): «فَيَضْرِبُ ضَرْبَةً وَاحِدَةً، فَيَمْسَحُ وَجْهَهُ بِبَاطِنِ أَصَابِعِ يَدَيْهِ، وَظَاهِرَ كَفَّيْهِ إلَى الْكُوعَيْنِ بِبَاطِنِ رَاحَتَيْهِ، وَيُسْتَحَبُّ أَنْ يَمْسَحَ إحْدَى الرَّاحَتَيْنِ بِالْأُخْرَى، وَيُخَلِّلَ بَيْنَ الْأَصَابِعِ، وَلَيْسَ بِفَرْضٍ؛ لِأَنَّ فَرْضَ الرَّاحَتَيْنِ قَدْ سَقَطَ بِإِمْرَارِ كُلِّ وَاحِدَةٍ عَلَى ظَهْرِ الْكَفِّ» اهـ. ٨ - وفي الحديث التيمم في السفر لمن لم يجد الماء، وفي التيمم في الحضر نزاع، والأكثر على مشروعيته، وخالف أبو حنيفة في رواية فذهب إلى أنَّه لا يصلي حتى يجد الماء.

стр. 670

والصحيح مشروعية التيمم في الحضر لحديث أبي ذر وأبي هريرة فإنَّ النبي ﷺ أخبر فيهما أنَّ الصعيد الطيب وضوء المسلم إذا لم يجد الماء، وهذا يشمل السفر والحضر، والآية ذكر فيها السفر باعتبار الغالب ولا مفهوم لها. وفي إعادة الصلاة عند وجدان الماء نزاع بين العلماء فمنهم من أوجب الإعادة كالشافعي وأحمد في رواية. ومنهم من لم يوجب الإعادة كمالك وأحمد في الرواية الأخرى. وهذا هو الصحيح فإنَّ الأمر بالإعادة يفتقر إلى دليل. قال شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ كما في [مجموع الفتاوى] (٢١/ ٤٤٠ - ٤٤١): «التَّيَمُّمُ جَائِزٌ إذَا عَدِمَ الْمَاءَ وَخَافَ الْمَرَضَ بِاسْتِعْمَالِهِ كَمَا نَبَّهَ اللَّهُ تَعَالَى عَلَى ذَلِكَ بِذِكْرِ الْمَرِيضِ وَذِكْرِ مَنْ لَمْ يَجِدْ الْمَاءَ. فَمَنْ كَانَ الْمَاءُ يَضُرُّهُ بِزِيَادَةِ فِي مَرَضِهِ لِأَجْلِ جُرْحٍ بِهِ أَوْ مَرَضٍ أَوْ لِخَشْيَةِ الْبَرْدِ وَنَحْوِ ذَلِكَ فَإِنَّهُ يَتَيَمَّمُ سَوَاءٌ كَانَ جُنُبًا أَوْ مُحْدِثًا وَيُصَلِّي. وَإِذَا جَازَ لَهُ الصَّلَاةُ جَازَ لَهُ الطَّوَافُ وَقِرَاءَةُ الْقُرْآنِ وَمَسُّ الْمُصْحَفِ وَاللُّبْثُ فِي الْمَسْجِدِ. وَلَا إعَادَةَ عَلَيْهِ إذَا صَلَّى سَوَاءٌ كَانَ فِي الْحَضَرِ أَوْ فِي السَّفَرِ فِي أَصَحِّ قَوْلَيْ الْعُلَمَاءِ. فَإِنَّ الصَّحِيحَ أَنَّ كُلَّ مَنْ فَعَلَ مَا أُمِرَ بِهِ بِحَسَبِ قُدْرَتِهِ مِنْ غَيْرِ تَفْرِيطٍ مِنْهُ وَلَا عُدْوَانٍ فَلَا إعَادَةَ عَلَيْهِ لَا فِي الصَّلَاةِ وَلَا فِي الصِّيَامِ وَلَا الْحَجِّ. وَلَمْ يُوجِبْ اللَّهُ عَلَى الْعَبْدِ أَنْ يُصَلِّيَ الصَّلَاةَ الْوَاحِدَةَ مَرَّتَيْنِ وَلَا يَصُومَ شَهْرَيْنِ فِي عَامٍ وَلَا يَحُجَّ حجين. إلَّا أَنْ يَكُونَ مِنْهُ تَفْرِيطٌ أَوْ عُدْوَانٌ. فَإِنْ نَسِيَ الصَّلَاةَ كَانَ عَلَيْهِ أَنْ يُصَلِّيَهَا إذَا ذَكَرَهَا وَكَذَلِكَ إذَا نَسِيَ بَعْضَ فَرَائِضِهَا: كَالطَّهَارَةِ وَالرُّكُوعِ

стр. 671

وَالسُّجُودِ. وَأَمَّا إذَا كَانَ عَاجِزًا عَنْ الْمَفْرُوضِ: كَمَنْ صَلَّى عرياناً لِعَدَمِ السُّتْرَةِ أَوْ صَلَّى بِلَا قِرَاءَةٍ لِانْعِقَادِ لِسَانِهِ أَوْ لَمْ يُتِمَّ الرُّكُوعَ وَالسُّجُودَ. لِمَرَضِهِ وَنَحْوِ ذَلِكَ فَلَا إعَادَةَ عَلَيْهِ. وَلَا فَرْقَ بَيْنَ الْعُذْرِ النَّادِرِ وَالْمُعْتَادِ وَمَا يَدُومُ وَمَا لَا يَدُومُ. وَقَدْ اتَّفَقَ الْمُسْلِمُونَ عَلَى أَنَّ الْمُسَافِرَ إذَا عَدِمَ الْمَاءَ صَلَّى بِالتَّيَمُّمِ وَلَا إعَادَةَ عَلَيْهِ وَعَلَى أَنَّ الْعُرْيَانَ إذَا لَمْ يَجِدْ سُتْرَةً صَلَّى وَلَا إعَادَةَ عَلَيْهِ. وَعَلَى أَنَّ الْمَرِيضَ يُصَلِّي بِحَسَبِ حَالِهِ كَمَا قَالَ النَّبِيُّ ﷺ لِعِمْرَانَ بْنِ حُصَيْنٍ: "صَلِّ قَائِمًا فَإِنْ لَمْ تَسْتَطِعْ فَقَاعِدًا فَإِنْ لَمْ تَسْتَطِعْ فَعَلَى جَنْبٍ" وَلَا إعَادَةَ عَلَيْهِ» اهـ. * * *

стр. 672

قال المؤلف رحمه الله تعالى: ٣٩ - عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ ﵄: أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: «أُعْطِيتُ خَمْساً، لَمْ يُعْطَهُنَّ أَحَدٌ مِنْ الأَنْبِيَاءِ قَبْلِي: نُصِرْتُ بِالرُّعْبِ مَسِيرَةَ شَهْرٍ، وَجُعِلَتْ لِي الأَرْضُ مَسْجِدًا وَطَهُورًا، فَأَيُّمَا رَجُلٌ مِنْ أُمَّتِي أَدْرَكَتْهُ الصَّلاةُ فَلْيُصَلِّ، وَأُحِلَّتْ لِي الْمَغَانِمُ، وَلَمْ تَحِلَّ لأَحَدٍ قَبْلِي، وَأُعْطِيتُ الشَّفَاعَةَ، وَكَانَ النَّبِيُّ يُبْعَثُ إلَى قَوْمِهِ خَاصَّةً، وَبُعِثْتُ إلَى النَّاسِ عَامَّةً». قوله: «أُعْطِيتُ خَمْساً» ليس المراد بذلك الحصر فإنَّ الخصال التي اختص بها النبي ﷺ عن سائر الأنبياء أكثر من ذلك، وقد أوصلها الحافظ ابن حجر ﵀ إلى سبعة عشر خصلة من غير استقصاء منه لها. قوله: «مَسْجِدًا وَطَهُورًا» قال الحافظ ابن رجب ﵀ في [فتح الباري] (٣/ ٧): «والتحقيق: أنَّ "طهوراً" ليس معدولاً عن طاهر، ولأنَّ "طاهراً" لازم و"طهوراً" متعد، وإنَّما الطهور اسم لما يتطهر به، كالفطور والسحور والوجور والسعوط ونحو ذلك» اهـ. وفي الحديث عدة مسائل منها: ١ - اختصاص النبي ﷺ بخصائص لم توجد لإخوانه من الأنبياء والمرسلين. ٢ - خوف الأعداء من النبي ﷺ قبل وصوله إليهم من مسيرة شهر. وهذا من خصائصه ﵊. قال الحافظ ابن حجر ﵀ في [فتح الباري] (٦/ ١٢٨):

стр. 673

«وَظَهَرَ لِي أَنَّ الْحِكْمَةَ فِي الِاقْتِصَارِ عَلَى الشَّهْرِ أَنَّهُ لَمْ يَكُنْ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْمَمَالِكِ الْكِبَارِ الَّتِي حَوْلَهُ أَكْثَرُ مِنْ ذَلِكَ كَالشَّامِ وَالْعِرَاقِ وَالْيَمَنِ وَمِصْرَ لَيْسَ بَيْنَ الْمَدِينَةِ النَّبَوِيَّةِ لِلْوَاحِدَةِ مِنْهَا إِلَّا شَهْرٌ فَمَا دُونَهُ» اهـ. ٣ - احتج به من رأى جواز التيمم بجميع الأرض وقد سبق الكلام على هذه المسألة فيما مضى. ٤ - فيه بيان أنَّ الغنائم كانت محرمة على الأمم السابقة. وقد كانت الغنائم في الأمم السابقة توضع في الأرض وتأتي النار وتأكلها. فروى البخاري (١٣٢٤)، ومسلم (١٧٤٧) عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، ﵁، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : «غَزَا نَبِيٌّ مِنَ الأَنْبِيَاءِ فَقَالَ لِقَوْمِهِ لَا يَتْبَعْنِي رَجُلٌ مَلَكَ بُضْعَ امْرَأَةٍ وَهْوَ يُرِيدُ أَنْ يَبْنِيَ بِهَا وَلَمَّا يَبْنِ بِهَا، وَلَا أَحَدٌ بَنَى بُيُوتًا وَلَمْ يَرْفَعْ سُقُوفَهَا، وَلَا أَحَدٌ اشْتَرَى غَنَمًا، أَوْ خَلِفَاتٍ وَهْوَ يَنْتَظِرُ وِلَادَهَا، فَغَزَا فَدَنَا مِنَ الْقَرْيَةِ صَلَاةَ الْعَصْرِ، أَوْ قَرِيبًا مِنْ ذَلِكَ فَقَالَ لِلشَّمْسِ إِنَّكِ مَأْمُورَةٌ وَأَنَا مَأْمُورٌ اللَّهُمَّ احْبِسْهَا عَلَيْنَا فَحُبِسَتْ حَتَّى فَتَحَ اللَّهُ عَلَيْهِ فَجَمَعَ الْغَنَائِمَ فَجَاءَتْ، يَعْنِي النَّارَ - لِتَأْكُلَهَا فَلَمْ تَطْعَمْهَا فَقَالَ: إِنَّ فِيكُمْ غُلُولاً فَلْيُبَايِعْنِي مِنْ كُلِّ قَبِيلَةٍ رَجُلٌ فَلَزِقَتْ يَدُ رَجُلٍ بِيَدِهِ فَقَالَ: فِيكُمُ الْغُلُولُ فَلْتُبَايِعْنِي قَبِيلَتُكَ فَلَزِقَتْ يَدُ رَجُلَيْنِ، أَوْ ثَلَاثَةٍ بِيَدِهِ فَقَالَ: فِيكُمُ الْغُلُولُ فَجَاؤُوا بِرَأْسٍ مِثْلِ رَأْسِ بَقَرَةٍ مِنَ الذَّهَبِ فَوَضَعُوهَا فَجَاءَتِ النَّارُ فَأَكَلَتْهَا ثُمَّ أَحَلَّ اللَّهُ لَنَا الْغَنَائِمَ رَأَى ضَعْفَنَا وَعَجْزَنَا فَأَحَلَّهَا لَنَا». قلت: ويشكل على هذا الحديث قول الله تعالى: ﴿وَأَوْرَثْنَا الْقَوْمَ الَّذِينَ كَانُوا يُسْتَضْعَفُونَ مَشَارِقَ الْأَرْضِ وَمَغَارِبَهَا الَّتِي بَارَكْنَا فِيهَا وَتَمَّتْ كَلِمَةُ رَبِّكَ الْحُسْنَى

стр. 674

عَلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ بِمَا صَبَرُوا وَدَمَّرْنَا مَا كَانَ يَصْنَعُ فِرْعَوْنُ وَقَوْمُهُ وَمَا كَانُوا يَعْرِشُونَ﴾. وقول الله تعالى حاكياً قول موسى ﵊ لقومه: ﴿يَا قَوْمِ ادْخُلُوا الْأَرْضَ الْمُقَدَّسَةَ الَّتِي كَتَبَ اللَّهُ لَكُمْ وَلَا تَرْتَدُّوا عَلَى أَدْبَارِكُمْ فَتَنْقَلِبُوا خَاسِرِينَ﴾ قال العلامة ابن القيم ﵀ في [زاد المعاد] (٣/ ٣٧٧): «وليس هذا الذي فعل عمر ﵁ بمخالف للقرآن فإنَّ الأرض ليست داخلة في الغنائم التي أمر الله بتخميسها وقسمتها ولهذا قال عمر: إنَّها غير المال، ويدل عليه أنَّ إباحة الغنائم لم تكن لغير هذه الأمة بل هو من خصائصها كما قال ﷺ في الحديث المتفق على صحته: "وأحلت لي الغنائم ولم تحل لأحد قبلي"، وقد أحل الله سبحانه الأرض التي كانت بأيدي الكفار لمن قبلنا من أتباع الرسل إذا استولوا عليها عنوة كما أحلها لقوم موسى فلهذا قال موسى لقومه: ﴿يَا قَوْمِ ادْخُلُوا الْأَرْضَ الْمُقَدَّسَةَ الَّتِي كَتَبَ اللَّهُ لَكُمْ وَلَا تَرْتَدُّوا عَلَى أَدْبَارِكُمْ فَتَنْقَلِبُوا خَاسِرِينَ﴾ فموسى وقومه قاتلوا الكفار واستولوا على ديارهم وأموالهم فجمعوا الغنائم ثم نزلت النار من السماء فأكلتها وسكنوا الأرض والديار ولم تحرم عليهم فعلم أنَّها ليست من الغنائم وأنَّها لله يورثها من يشاء» اهـ. قلت: ويجاب عن الآية الأولى أيضاً بأنَّ الإرث لم يكن عن غنيمة قتال وإنَّما كان بعد إهلاك الله لهم.

стр. 675

ومثل ذلك قول الله تعالى: ﴿فَأَخْرَجْنَاهُمْ مِنْ جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ (٥٧) وَكُنُوزٍ وَمَقَامٍ كَرِيمٍ (٥٨) كَذَلِكَ وَأَوْرَثْنَاهَا بَنِي إِسْرَائِيلَ (٥٩)﴾ [الشعراء: ٥٧ - ٥٩]. فإنَّ الكنوز التي ورثها بنو إسرائيل هي الأموال لم يرثوها ميراث غنيمة وإنَّما ملكهم الله إياها بعد أن أهلك الله عدوهم. ٥ - اختصاص النبي ﷺ بالشفاعة. والأظهر أنَّها الشفاعة لأمته فإنَّه لا يماثلها فيها أحد من الأنبياء. ومما يدل على ذلك ما رواه أحمد (١٩٩٧٣)، وابن أبي شيبة في [مصنفه] (٣٢٣٠٢)، والروياني في [مسنده] (٤٨٨) من طريق إسْرَائِيلَ، عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ، عَنْ أَبِي بُرْدَةَ بْنِ أَبِي مُوسَى، عَنْ أَبِيهِ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : «أُعْطِيتُ خَمْسًا: بُعِثْتُ إِلَى الأَحْمَرِ، وَالأَسْوَدِ، وَجُعِلَتْ لِي الأَرْضُ طَهُورًا وَمَسْجِدًا، وَأُحِلَّتْ لِي الْغَنَائِمُ وَلَمْ تُحَلَّ لِمَنْ كَانَ قَبْلِي، وَنُصِرْتُ بِالرُّعْبِ شَهْرًا، وَأُعْطِيتُ الشَّفَاعَةَ وَلَيْسَ مِنْ نَبِيٍّ إِلاَّ وَقَدْ سَأَلَ شَفَاعَةً، وَإِنِّي اخْتَبَأْتُ شَفَاعَتِي، ثُمَّ جَعَلْتُهَا لِمَنْ مَاتَ مِنْ أُمَّتِي لَمْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ شَيْئًا». قلت: هذ حديث ظاهره الصحة. لكن رواه أحمد (١٩٧٣٦) حَدَّثَنَا أَبُو أَحْمَدَ يَعْنِي الزُّبَيْرِيَّ قَالَ: حَدَّثَنَا إِسْرَائِيلُ، عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ، عَنْ أَبِي بُرْدَةَ مرسلاً. وقد وصله الحسين بن محمد المروذي عند أحمد، وعبيد الله بن موسى باذام عند ابن أبي شيبة والروياني. والذي يظهر لي ثبوت الوصل. وروى أحمد (٢١٣١٤) حَدَّثَنَا عَفَّانُ، حَدَّثَنَا أَبُو عَوَانَةَ، عَنْ سُلَيْمَانَ الْأَعْمَشِ، عَنْ مُجَاهِدٍ، عَنْ عُبَيْدِ بْنِ عُمَيْرٍ اللَّيْثِيِّ، عَنْ أَبِي ذَرٍّ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ

стр. 676

عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «أُعْطِيتُ خَمْسًا لَمْ يُعْطَهُنَّ أَحَدٌ قَبْلِي: بُعِثْتُ إِلَى الْأَحْمَرِ وَالْأَسْوَدِ، وَجُعِلَتْ لِي الْأَرْضُ طَهُورًا وَمَسْجِدًا، وَأُحِلَّتْ لِي الْغَنَائِمُ وَلَمْ تَحِلَّ لِأَحَدٍ قَبْلِي، وَنُصِرْتُ بِالرُّعْبِ، فَيُرْعَبُ الْعَدُوُّ وَهُوَ مِنِّي مَسِيرَةَ شَهْرٍ، وَقِيلَ لِي: سَلْ تُعْطَهْ، وَاخْتَبَأْتُ دَعْوَتِي شَفَاعَةً لِأُمَّتِي، فَهِيَ نَائِلَةٌ مِنْكُمْ إِنْ شَاءَ اللهُ مَنْ لَمْ يُشْرِكْ بِاللهِ شَيْئًا». قلت: الأعمش لم يروه عن مجاهد والواسطة بينهما عمرو بن مرة وهو ثقة، وقد اختلف في وصله وإرساله عن مجاهد ورجح الدارقطني ﵀ الوصل فقال في [العلل] (٦/ ٢٥٨): «والمَحفُوظُ قَولُ مَنْ قال: عَنْ مُجاهِدٍ، عَنْ عُبَيدِ بنِ عُمَيرٍ أَبِي ذَرٍّ» اهـ. قلت: وبهذا يتبين صحة الحديث. وروى أحمد (٧٠٦٨) حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ، حَدَّثَنَا بَكْرُ بْنُ مُضَرَ، عَنْ ابْنِ الْهَادِ، عَنْ عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ جَدِّهِ، أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ عَامَ غَزْوَةِ تَبُوكَ قَامَ مِنَ اللَّيْلِ يُصَلِّي، فَاجْتَمَعَ وَرَاءَهُ رِجَالٌ مِنْ أَصْحَابِهِ يَحْرُسُونَهُ، حَتَّى إِذَا صَلَّى وَانْصَرَفَ إِلَيْهِمْ، فَقَالَ لَهُمْ: «لَقَدْ أُعْطِيتُ اللَّيْلَةَ خَمْسًا، مَا أُعْطِيَهُنَّ أَحَدٌ قَبْلِي: أَمَّا أَنَا فَأُرْسِلْتُ إِلَى النَّاسِ كُلِّهِمْ عَامَّةً، وَكَانَ مَنْ قَبْلِي إِنَّمَا يُرْسَلُ إِلَى قَوْمِهِ، وَنُصِرْتُ عَلَى الْعَدُوِّ بِالرُّعْبِ، وَلَوْ كَانَ بَيْنِي وَبَيْنَهُمْ مَسِيرَةُ شَهْرٍ لَمُلِئَ مِنْهُ رُعْبًا، وَأُحِلَّتْ لِي الْغَنَائِمُ آكُلُهَا، وَكَانَ مَنْ قَبْلِي يُعَظِّمُونَ أَكْلَهَا، كَانُوا يُحْرِقُونَهَا، وَجُعِلَتْ لِي الْأَرْضُ مَسَاجِدَ وَطَهُورًا، أَيْنَمَا أَدْرَكَتْنِي الصَّلَاةُ تَمَسَّحْتُ وَصَلَّيْتُ، وَكَانَ مَنْ قَبْلِي يُعَظِّمُونَ ذَلِكَ، إِنَّمَا كَانُوا يُصَلُّونَ فِي كَنَائِسِهِمْ وَبِيَعِهِمْ،

стр. 677

وَالْخَامِسَةُ هِيَ مَا هِيَ، قِيلَ لِي: سَلْ فَإِنَّ كُلَّ نَبِيٍّ قَدْ سَأَلَ، فَأَخَّرْتُ مَسْأَلَتِي إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ، فَهِيَ لَكُمْ وَلِمَنْ شَهِدَ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ». قلت: هذا حديث حسن الإسناد. قال الحافظ ابن رجب ﵀ في [فتح الباري] (٣/ ٩ - ١٠): «وأمَّا الشفاعة التي اختص بها النبي ﷺ من بين الأنبياء، فليست هي الشفاعة في خروج العصاة من النار؛ فإنَّ هذه الشفاعة يشارك فيها الأنبياء والمؤمنون - أيضاً -، كما تواترت بذلك النصوص، وإنَّما الشفاعة التي يختص بها من دون الأنبياء أربعة أنواع: أحدها: شفاعته للخلق في فصل القضاء بينهم. والثاني: شفاعته لأهل الجنة في دخول الجنة. والثالث: شفاعته في أهل الكبائر من أهل النار، فقد قيل: أنَّ هذه يختص هو بها. والرابع: كثرة من يشفع له من أمته؛ فإنَّه وفرَّ شفاعته وأدخرها إلى يوم القيامة. وقد ورد التصريح بأنَّ هذه الشفاعة هي المرادة في هذا الحديث، ففي الحديث الذي خرجه الإمام أحمد من حديث عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده، عن النَّبيّ، قَالَ: "أعطيت الليلة خمساً ما أعطيهن نبي كان قبلي"- فذكر الحديث، إلى أن قَالَ-: "والخامسة هي ما هي: قيل لي سل؛ فإنَّ كل نبي قد سأل، فأخرت مسألتي إلى يوم القيامة، فهي لكم ولمن شهد أن لا إله إلا الله". وخرج - أيضاً - من حديث أبي موسى، عن النَّبيِّ ﷺ قَالَ: "أعطيت خمساً لم يعطهن أحد كان قبلي"- فذكره، وقال في آخره -:

стр. 678

"وأعطيت الشفاعة، وإنَّه ليس من نبي إلَّا قد سأل شفاعته، وإني أخرت شفاعتي، جعلتها لمن مات من أمتي لا يشرك بالله شيئاً". وفيه - أيضاً - من حديث ابن عباس، عن النبي ﷺ ، قال: "لم يكن نبي إلَّا له دعوة ينجزها في الدنيا، وإنِّي اختبأت دعوتي شفاعة لأمتي يوم القيامة، وأنا سيد ولد ادم ولا فخر، وأول من تنشق عنه الأرض ولا فخر، وبيدي لواء الحمد وآدم ومن دونه تحت لوائي". وخرج الترمذي وابن ماجه من حديث أبي سعد، عن النبي ﷺ ، قال: "أنا سيد ولد آدم ولا فخر، وأنا أول من تنشق عنه الأرض يوم القيامة، وأنا أول شافع وأول مشفع ولا فخر، ولواء الحمد بيدي ولا فخر". وفي الصحيحين عن أبي هُريرةَ، عن النبي ﷺ قَالَ: "لكل نبي دعوة يدعو بها، فأريد أن أختبئ دعوتي شفاعة لأمتي يوم القيامة". وفي صحيح مسلم عن جابر، عن النَّبيّ ﷺ ، قَالَ: "لكل نبي دعوة قد دعا بها أمته، وخبأت دعوتي شفاعة لأمتي يوم القيامة". وفيه - أيضاً - نحوه من حديث أنس، عن النَّبيِّ ﷺ . وفي حديث عبد الرحمن بن أبي عقيل: سمع النبي ﷺ يقول: "إنَّ الله لم يبعث نبياً إلَّا أعطاه دعوة، فمنهم من اتخذها دنياً فأعطاها، ومنهم من دعا بها على قومه إذ عصوه فهلكوا، وإنَّ الله أعطاني دعوة، فاختبأتها عند ربي شفاعة لأمتي يوم القيامة". خرجه البزار وغيره.

стр. 679

وفي المسند عن عبادة بن الصامت، عن النبي ﷺ قَالَ: "إنَّ الله أيقظني فقال: إنِّي لم أبعث نبياً ولا رسولاً إلاَّ وقد سألني مسالة أعطيتها إياه، فسل يا محمد تعط؟ فقلت: مسألتي شفاعة لأمتي يوم القيامة"، فقال أبو بكر: يا رسول الله، وما الشفاعة التي اختبأت عندك؟ قال: "أقول: يارب، شفاعتي التي اختبأت عندك، فيقول الرب ﵎: نعم، فيخرج ربي ﵎ بقية أمتي من النار، فينبذهم في الجنة". والمراد من هذه الأحاديث - والله أعلم -: أنَّ كل نبي أعطي دعوة عامة شاملة لأمته، فمنهم من دعا على أمته المكذبين له فهلكوا، ومنهم من سأل كثرتهم في الدنيا كما سأله سليمان ﵇، واختص النَّبيّ ﷺ بأن ادخر تلك الدعوة العامة الشاملة لأمته شفاعة لهم يوم القيامة. وقد ذكر بعضهم: شفاعة خامسة خاصة بالنبي ﷺ ، وهي: شفاعته في تخفيف عذاب بعض المشركين، كما شفع لعمه أبي طالب، وجعل هذا من الشفاعة المختص بها ﷺ . وزاد بعضهم شفاعة سادسة خاصة بالنبي ﷺ ، وهي: شفاعته في سبعين ألفاً يدخلون الجنة بغير حساب. وسيأتي ما يدل عليه - إن شاء الله تعالى» اهـ. ٦ - قوله: «مَسْجِدًا وَطَهُورًا». يستثنى من قوله: قوله: «مَسْجِدًا». الحمام والمقبرة، والكنف، ومبارك الإبل، ومسجد الضرار، وأرض العذاب، والأرض المغصوبة.

стр. 680

ويستثنى من قوله: قوله: «وَطَهُورًا». الأرض النجسة، وما لا غبار له من الحجارة والأشجار. ٧ - قوله: «وَكَانَ النَّبِيُّ يُبْعَثُ إلَى قَوْمِهِ خَاصَّةً، وَبُعِثْتُ إلَى النَّاسِ عَامَّةً» من أفراد البخاري ولا وجود لها في مسلم، ولفظ مسلم (٥٢١): «وَبُعِثْتُ إِلَى كُلِّ أَحْمَرَ وَأَسْوَدَ». وقد احتج باللفظ الأول لقول من أثبت الإرسال للنبي، فقال: كل نبي مرسل. قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه لله في [النبوات] ص (١٨٤ - ١٨٦): «والمقصود هنا الكلام على النبوة فالنبي هو الذي ينبئه الله وهو ينبئ بما أنبأ الله به فإن أرسل مع ذلك إلى من خالف أمر الله ليبلغه رسالة من الله إليه فهو رسول، وأمَّا إذا كان إنَّما يعمل بالشريعة قبله ولم يرسل هو إلى أحد يبلغه عن الله رسالة فهو نبي وليس برسول قال تعالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ وَلَا نَبِيٍّ إِلَّا إِذَا تَمَنَّى أَلْقَى الشَّيْطَانُ فِي أُمْنِيَّتِهِ﴾ وقوله: ﴿مِنْ رَسُولٍ وَلَا نَبِيٍّ﴾ فذكر إرسالاً يعم النوعين وقد خص أحدهما بأنَّه رسول فإنَّ هذا هو الرسول المطلق الذي أمره بتبليغ رسالته إلى من خالف الله كنوح. وقد ثبت في الصحيح أنَّه أول رسول بعث إلى أهل الأرض وقد كان قبله أنبياء كشيث وإدريس وقبلهما آدم كان نبياً مكلماً، قال ابن عباس: كان بين آدم ونوح عشرة قرون كلهم على الإسلام. فأولئك الأنبياء يأتيهم وحي من الله بما يفعلونه ويأمرون به المؤمنين الذين عندهم لكونهم مؤمنين بهم كما يكون أهل الشريعة الواحدة يقبلون ما يبلغه

стр. 681

العلماء عن الرسول، وكذلك أنبياء بني إسرائيل يأمرون بشريعة التوراة وقد يوحى إلى أحدهم وحي خاص في قصة معينة، ولكن كانوا في شرع التوراة كالعالم الذي يفهمه الله في قضية معنى يطابق القرآن كما فهم الله سليمان حكم القضية التي حكم فيها هو وداود فالأنبياء ينبئهم الله فيخبرهم بأمره وبنهيه وخبره وهم ينبئون المؤمنين بهم ما أنبأهم الله به». إلى أن قال ﵀: «فقوله: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ وَلَا نَبِيٍّ﴾ دليل على أنَّ النبي مرسل ولا يسمى رسولاً عند الإطلاق لأنَّه لم يرسل إلى قوم بما لا يعرفونه بل كان يأمر المؤمنين بما يعرفونه أنَّه حق كالعالم، ولهذا قال النبي ﷺ "العلماء ورثة الأنبياء" وليس من شرط الرسول أن يأتي بشريعة جديدة فإنَّ يوسف كان رسولاً وكان على ملة إبراهيم. وداود وسليمان كانا رسولين وكانا على شريعة التوراة، قال تعالى عن مؤمن آل فرعون: ﴿وَلَقَدْ جَاءَكُمْ يُوسُفُ مِنْ قَبْلُ بِالْبَيِّنَاتِ فَمَا زِلْتُمْ فِي شَكٍّ مِمَّا جَاءَكُمْ بِهِ حَتَّى إِذَا هَلَكَ قُلْتُمْ لَنْ يَبْعَثَ اللَّهُ مِنْ بَعْدِهِ رَسُولًا﴾، وقال تعالى: ﴿إِنَّا أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ كَمَا أَوْحَيْنَا إِلَى نُوحٍ وَالنَّبِيِّينَ مِنْ بَعْدِهِ وَأَوْحَيْنَا إِلَى إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ وَالْأَسْبَاطِ وَعِيسَى وَأَيُّوبَ وَيُونُسَ وَهَارُونَ وَسُلَيْمَانَ وَآَتَيْنَا دَاوُودَ زَبُورًا (*) وَرُسُلًا قَدْ قَصَصْنَاهُمْ عَلَيْكَ مِنْ قَبْلُ وَرُسُلًا لَمْ نَقْصُصْهُمْ عَلَيْكَ وَكَلَّمَ اللَّهُ مُوسَى تَكْلِيمًا﴾» اهـ. ٧ - واحتج بقوله: «وَكَانَ النَّبِيُّ يُبْعَثُ إلَى قَوْمِهِ خَاصَّةً، وَبُعِثْتُ إلَى النَّاسِ عَامَّةً». من قال: إنَّ شرع من قبلنا الثابت بشرعنا ليس شرعاً لنا إلَّا بنص من شرعنا على أنَّه مشروع لنا، ووجه الحجة من الحديث أنَّ النبي ﵇ لم يكن من أقوام الأنبياء المتقدمين فلا يكون متعبداً بشرعهم. وهذا مذهب الإمام الشافعي

стр. 682

﵀ في المشهور عنه، وذهب الجمهور، منهم مالك، وأبو حنيفة، وأحمد في أشهر الروايتين، إلى أنَّ شرع من قبلنا الثابت بشرعنا شرع لنا، إلَّا إذا دلَّ دليل على النسخ فيؤخذ به. وهو اختيار شيخ الإسلام ابن تيمية، والعلامة ابن باز، وابن عثيمين، واللجنة الدائمة للإفتاء. وهذا هو الصحيح في هذه المسألة والله أعلم. وقد عزا هذا القول شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ لأكثر السلف فقال في [الجواب الصحيح] (٢/ ٤٣٦): «ولهذا كان مذهب جماهير السلف والأئمة أنَّ شرع من قبلنا شرع لنا ما لم يرد شرعنا بخلافه» اهـ. واحتج الجمهور على قولهم هذا بأدلة منها: ما رواه البخاري (٢٠٠٤)، ومسلم (١١٣٠) عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، ﵄، قَالَ: «قَدِمَ النَّبِيُّ ﷺ الْمَدِينَةَ فَرَأَى الْيَهُودَ تَصُومُ يَوْمَ عَاشُورَاءَ فَقَالَ: "مَا هَذَا"؟. قَالُوا هَذَا يَوْمٌ صَالِحٌ هَذَا يَوْمٌ نَجَّى اللَّهُ بَنِي إِسْرَائِيلَ مِنْ عَدُوِّهِمْ فَصَامَهُ مُوسَى قَالَ: "فَأَنَا أَحَقُّ بِمُوسَى مِنْكُمْ". فَصَامَهُ وَأَمَرَ بِصِيَامِهِ». وروى البخاري (٥٩٧)، ومسلم (٦٨٤) عن أنس عن النبي ﷺ قال: «مَنْ نَسِيَ صَلَاةً فَلْيُصَلِّ إِذَا ذَكَرَهَا لَا كَفَّارَةَ لَهَا إِلاَّ ذَلِكَ ﴿وَأَقِمِ الصَّلَاةَ لِذِكْرِي﴾». قال الحافظ ابن حجر ﵀ في [فتح الباري] (٢/ ٨٥): «وقد اختلف في ذكر هذه الآية هل هي من كلام قتادة أو هي من قول النبي ﷺ وفي رواية مسلم عن هداب قال: قتادة: ﴿وَأَقِمِ الصَّلَاةَ لِذِكْرِي﴾، وفي روايته من

стр. 683

طريق المثنى عن قتادة قال رسول الله ﷺ : "إذا رقد أحدكم عن الصلاة أو غفل عنها فليصلها إذا ذكرها فإن الله يقول: ﴿وَأَقِمِ الصَّلَاةَ لِذِكْرِي﴾ " وهذا ظاهر أنَّ الجميع من كلام النبي ﷺ ، واستدل به على أنَّ شرع من قبلنا شرع لنا لأنَّ المخاطب بالآية المذكورة موسى ﵊ وهو الصحيح في الأصول ما لم يرد ناسخ» اهـ. قلت: وروى مسلم (٦٨٠) عن أبي هريرة ﵁ أنَّ النبي ﷺ قال: «مَنْ نَسِيَ الصَّلَاةَ فَلْيُصَلِّهَا إِذَا ذَكَرَهَا فَإِنَّ اللَّهَ قَالَ: ﴿وَأَقِمِ الصَّلَاةَ لِذِكْرِي﴾». وروى البخاري (٢٧٠٣)، ومسلم (١٦٧٥) عن أنس ﵁: «أَنَّ الرُّبَيِّعَ - وَهْيَ ابْنَةُ النَّضْرِ - كَسَرَتْ ثَنِيَّةَ جَارِيَةٍ فَطَلَبُوا الأَرْشَ وَطَلَبُوا الْعَفْوَ فَأَبَوْا فَأَتَوُا النَّبِيَّ ﷺ فَأَمَرَهُمْ بِالْقِصَاصِ فَقَالَ أَنَسُ بْنُ النَّضْرِ أَتُكْسَرُ ثَنِيَّةُ الرُّبَيِّعِ يَا رَسُولَ اللهِ لَا وَالَّذِي بَعَثَكَ بِالْحَقِّ لَا تُكْسَرُ ثَنِيَّتُهَا فَقَالَ: "يَا أَنَسُ كِتَابُ اللهِ الْقِصَاصُ". فَرَضِيَ الْقَوْمُ وَعَفَوْا فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ : "إِنَّ مِنْ عِبَادِ اللهِ مَنْ لَوْ أَقْسَمَ عَلَى اللهِ لأَبَرَّهُ"». ولفظ مسلم: عَنْ أَنَس: «أَنَّ أُخْتَ الرُّبَيِّعِ أُمَّ حَارِثَةَ جَرَحَتْ إِنْسَانًا فَاخْتَصَمُوا إِلَى النَّبِيِّ ﷺ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "الْقِصَاصَ الْقِصَاصَ". فَقَالَتْ أُمُّ الرَّبِيعِ: يَا رَسُولَ اللَّهِ أَيُقْتَصُّ مِنْ فُلَانَةَ وَاللَّهِ لَا يُقْتَصُّ مِنْهَا فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ : "سُبْحَانَ اللَّهِ يَا أُمَّ الرَّبِيعِ الْقِصَاصُ كِتَابُ اللَّهِ". قَالَتْ: لَا وَاللَّهِ لَا يُقْتَصُّ مِنْهَا أَبَدًا قَالَ: فَمَا زَالَتْ حَتَّى قَبِلُوا الدِّيَةَ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "إِنَّ مِنْ عِبَادِ اللَّهِ مَنْ لَوْ أَقْسَمَ عَلَى اللَّهِ لَأَبَرَّهُ"».

стр. 684

قال العلامة النووي ﵀ في [شرح مسلم] (١١/ ١٦٥): «وقوله ﷺ "كتاب الله القصاص" أي حكم كتاب الله وجوب القصاص في السن وهو قوله: ﴿وَالسِّنَّ بِالسِّنِّ﴾». وقال الحافظ ابن حجر ﵀ في [فتح الباري] (١٢/ ٢٥٨): «بناء على أنَّ شرع من قبلنا شرع لنا ما لم يرد في شرعنا ما يرفعه» اهـ. وروى البخاري (٤٨٠٧) عَنِ الْعَوَّامِ، قَالَ: سَأَلْتُ مُجَاهِدًا عَنْ سَجْدَةِ ص فَقَالَ: سَأَلْتُ ابْنَ عَبَّاسٍ مِنْ أَيْنَ سَجَدْتَ فَقَالَ: «أَوَمَا تَقْرَأُ: ﴿وَمِنْ ذُرِّيَّتِهِ دَاوُودَ وَسُلَيْمَانَ﴾. ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ هَدَى اللَّهُ فَبِهُدَاهُمُ اقْتَدِهْ﴾. فَكَانَ دَاوُدُ مِمَّنْ أُمِرَ نَبِيُّكُمْ ﷺ أَنْ يَقْتَدِيَ بِهِ فَسَجَدَهَا رَسُولُ اللهِ ﷺ ». ومن جملة ما احتج به الجمهور قوله تعالى: ﴿ثُمَّ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ أَنِ اتَّبِعْ مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفاً﴾. وقوله تعالى: ﴿إِنَّا أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ كَمَا أَوْحَيْنَا إِلَى نُوحٍ وَالنَّبِيِّينَ مِنْ بَعْدِهِ وَأَوْحَيْنَا إِلَى إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ وَالْأَسْبَاطِ وَعِيسَى وَأَيُّوبَ وَيُونُسَ وَهَارُونَ وَسُلَيْمَانَ وَآَتَيْنَا دَاوُودَ زَبُورًا﴾ وقوله تعالى: ﴿إِنَّا أَنْزَلْنَا التَّوْرَاةَ فِيهَا هُدًى وَنُورٌ يَحْكُمُ بِهَا النَّبِيُّونَ﴾. والنبي ﵇ من جملة النبيين فوجب عليه الحكم بها. وقد رجع النبي ﷺ إلى التوراة في رجم اليهودي، واليهودية، هكذا قيل وفيه نظر سيأتي في كتاب الحدود بمشيئة الله تعالى. وقوله تعالى: ﴿لَقَدْ كَانَ فِي قَصَصِهِمْ عِبْرَةٌ لِأُولِي الْأَلْبَابِ﴾

стр. 685

قال العلامة ابن العربي ﵀ في [أحكام القرآن] (١/ ٤١ - ٤٢): «ونكتة ذلك أنَّ الله تعالى أخبرنا عن قصص النبيين، فما كان من آيات الازدجار وذكر الاعتبار ففائدته الوعظ، وما كان من آيات الأحكام فالمراد به الامتثال له والاقتداء به. قال ابن عباس ﵁: قال الله تعالى: ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ هَدَى اللَّهُ فَبِهُدَاهُمُ اقْتَدِهْ﴾ فنبينا ﷺ ممن أمر أن يقتدي بهم، وبهذا يقع الرد على ابن الجويني حيث قال: إنَّ نبينا لم يسمع قط أنَّه رجع إلى أحد منهم، ولا باحثهم عن حكم، ولا استفهمهم؛ فإنَّ ذلك لفساد ما عندهم. أمَّا الذي نزل به عليه الملك فهو الحق المفيد للوجه الذي ذكرناه، ولا معنى له غيره» اهـ. قلت: واحتج لمذهب الشافعي بالحديث السابق وبقول الله : ﴿لِكُلٍّ جَعَلْنَا مِنْكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهَاجًا﴾ وأجيب عن الحديث بأنَّ بقاء بعض أحكام شريعة نبي من الأنبياء لمن جاء بعده، لا يمنع من كونه أرسل إلى قومه من حيث الأصل. وأجيب عن الآية بأنَّه ليس المراد به المخالفة في المنهاج في الكل بل ذلك مراد في البعض وهو ما قام الدليل فيه على نسخه. فمشاركتهم في بعض الأحكام لا يمنع من أن يكون لكل واحد منهم شرع يخالف شرع الآخر كما أنَّ مشاركتهم في التوحيد لا تمنع انفراد كل واحد منهم بشريعة تخالف شريعة غيره. واحتجوا بقوله: ﴿وَآَتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ وَجَعَلْنَاهُ هُدًى لِبَنِي إِسْرَائِيلَ﴾

стр. 686

وأجيب بأنَّه لا يدل على أنَّه ليس بهدى لغيرهم، كقوله تعالى: ﴿هُدًى لِلْمُتَّقِينَ﴾. والجواب عن حديث الباب أنَّ كون النبي يبعث إلى قومه خاصة لا يمنع من لم يكن مبعوثاً إليهم أن يأخذوا بعض الأحكام التي جاء بها التي لا تخالف شريعة نبيهم، كما دلت على ذلك الأدلة الماضية. * * *

стр. 687

قال المؤلف رحمه الله تعالى: باب الحيض ٤٠ - عَنْ عَائِشَةَ ﵂: «أَنَّ فَاطِمَةَ بِنْتَ أَبِي حُبَيْشٍ: سَأَلَتِ النَّبِيَّ ﷺ فَقَالَتْ: إنِّي أُسْتَحَاضُ فَلا أَطْهُرُ، أَفَأَدَعُ الصَّلاةَ؟ قَالَ: "لا، إنَّ ذَلِكِ عِرْقٌ، وَلَكِنْ دَعِي الصَّلاةَ قَدْرَ الأَيَّامِ الَّتِي كُنْتِ تَحِيضِينَ فِيهَا، ثُمَّ اغْتَسِلِي وَصَلِّي"». وَفِي رِوَايَةٍ: «وَلَيْسَتْ بِالْحَيْضَةِ، فَإِذَا أَقْبَلَتْ الْحَيْضَةُ: فَاتْرُكِي الصَّلاةَ فِيهَا، فَإِذَا ذَهَبَ قَدْرُهَا فَاغْسِلِي عَنْك الدَّمَ وَصَلِّي». قولها: «إنِّي أُسْتَحَاضُ» الحيض في اللغة السيلان يقال حاض الوادي إذا سال، والحيض سيلان الدم في أوقات معتادة، فإذا خرج في غير وقته المعتاد واستمر فهو استحاضة. قال العلامة النووي ﵀ في [المجموع] (٢/ ٣٤١): «قَالَ أَهْلُ اللُّغَةِ يُقَالُ حَاضَتْ الْمَرْأَةُ تَحِيضُ حَيْضًا وَمَحِيضًا وَمَحَاضًا فَهِيَ حَائِضٌ بِحَذْفِ الْهَاءِ لِأَنَّهُ صِفَةٌ لِلْمُؤَنَّثِ خَاصَّةً فَلَا يَحْتَاجُ إلَى عَلَامَةِ تَأْنِيثٍ بِخِلَافِ قَائِمَةٍ وَمُسْلِمَةٍ هَذِهِ اللُّغَةُ الْفَصِيحَةُ الْمَشْهُورَةُ وَحَكَى الْجَوْهَرِيُّ عَنْ الْفَرَّاءِ أَنَّهُ يُقَالُ أَيْضًا حَائِضَةٌ وَأَنْشَدَ: كَحَائِضَةٍ يَزْنِي بِهَا غَيْرُ طَاهِرٍ: قَالَ الْهَرَوِيُّ يُقَالُ حَاضَتْ وَتَحَيَّضَتْ وَدَرَسَتْ بِفَتْحِ الدَّالِ وَالرَّاءِ وَالسِّينِ الْمُهْمَلَةِ وَعَرِكَتْ بِفَتْحِ الْعَيْنِ وَكَسْرِ

стр. 688

الرَّاءِ وَطَمِثَتْ بِفَتْحِ الطَّاءِ وَكَسْرِ الْمِيمِ وَزَادَ غَيْرُهُ وَنَفِسَتْ وَأَعْصَرَتْ وَأَكْبَرَتْ وَضَحِكَتْ كُلُّهُ بِمَعْنَى حَاضَتْ قَالَ صَاحِبُ الْحَاوِي لِلْحَيْضِ سِتَّةُ أَسْمَاءٍ وَرَدَتْ اللُّغَةُ بِهَا أَشْهَرُهَا الْحَيْضُ وَالثَّانِي الطَّمْثُ وَالْمَرْأَةُ طَامِثٌ قَالَ الْفَرَّاءُ الطَّمْثُ الدَّمُ وَلِذَلِكَ قِيلَ إذَا افْتَضَّ الْبِكْرَ طَمَثَهَا أَيْ أَدْمَاهَا» اهـ. وقال (٢/ ٣٤٢ - ٣٤٣): «قَالَ أَهْلُ اللُّغَةِ وَأَصْلُ الحيض السيلان يقال حاض الوادي أي اسال يُسَمَّى حَيْضًا لِسِيلَانِهِ فِي أَوْقَاتِهِ قَالَ الْأَزْهَرِيُّ وَالْحَيْضُ دَمٌ يُرْخِيه رَحِمُ الْمَرْأَةِ بَعْدَ بُلُوغِهَا فِي أَوْقَاتٍ مُعْتَادَةٍ وَالِاسْتِحَاضَةُ سَيَلَانُ الدَّمِ فِي غَيْرِ أَوْقَاتِهِ الْمُعْتَادَةِ وَدَمُ الْحَيْضِ يَخْرُجُ مِنْ قَعْرِ الرَّحِمِ وَيَكُونُ أَسْوَدَ مُحْتَدِمًا أَيْ حَارًّا كَأَنَّهُ مُحْتَرِقٌ قَالَ وَالِاسْتِحَاضَةُ دَمٌ يَسِيلُ مِنْ الْعَاذِلِ وَهُوَ عِرْقُ فَمِهِ الَّذِي يَسِيلُ فِي أَدْنَى الرَّحِمِ دُونَ قَعْرِهِ قَالَ وَذُكِرَ ذَلِكَ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ هَذَا كَلَامُ الْأَزْهَرِيِّ وَالْعَاذِلُ بِالْعَيْنِ الْمُهْمَلَةِ وَكَسْرِ الذَّالِ المعجمة قال الهروي في الغريين وَغَيْرُهُ مِنْ أَهْلِ اللُّغَةِ الْحَيْضُ دَمٌ يَخْرُجُ فِي أَوْقَاتِهِ بَعْدَ بُلُوغِهَا وَالِاسْتِحَاضَةُ دَمٌ يَخْرُجُ فِي غَيْرِ أَوْقَاتِهِ» اهـ. إلى أن قال (٢/ ٣٤٣): «قَالَ الْجَاحِظُ فِي كِتَابِ الْحَيَوَانِ وَاَلَّذِي يَحِيضُ مِنْ الْحَيَوَانِ أَرْبَعٌ الْمَرْأَةُ وَالْأَرْنَبُ وَالضَّبُعُ وَالْخُفَّاشُ وَحَيْضُ الْأَرْنَبِ وَالضَّبُعِ مَشْهُورٌ فِي أَشْعَارِ الْعَرَبِ» اهـ. قوله: «إنَّ ذَلِكِ عِرْقٌ» أي: انبثاق وانفجار عرق. «ذَلِكِ» بكسر الكاف خطاب للمؤنث. قال ابو العباس القسطلاني ﵀ في [إرشاد الساري] (٨/ ٣٠):

стр. 689

«فقال النبي ﷺ : "إِنَّ ذَلِكِ" بكسر الكاف خطاب لمؤنث» اهـ. قلت: وللحيض عدة صفات يتميز بها عن الاستحاضة وهي: سواد اللون، ونتانة الريح، وثخانة الجرم، وأنَّه لا يتجمد بعد خروجه. وفي الحديث مسائل منها: ١ - أنَّ الحائض لا تصلي ولا تقضي الصلاة وهذا بإجماع العلماء. وخالف الخوارج في القضاء فأوجبوه على الحائض. وقد بيَّن النبي ﷺ في هذا الحديث بعض ما يمنعه الحيض وهو الصلاة، وهناك أشياء أخرى يمنعها الحيض منها: فعل الصيام، واللبث في المسجد، ومس المصحف، وفي قراءة القرآن خلاف والأصح الجواز، والطواف، ويمنع الحيض من الاعتداد بالأشهر، ويمنع من سنية الطلاق، ويمنع من الوطء. ويوجب الحيض الغسل والاعتداد به والبلوغ. ٢ - وفيه أنَّ المستحاضة المعتادة ترجع إلى عادتها. وهذا إذا كان لها عادة معلومة، وإلَّا رجعت إلى التمييز، وإن لم تكن عندها عادة ولا تمييز فإنَّها ترجع إلى عادة أكثر النساء ستة أيام أو سبعة أيام، وترجح بين الستة والسبعة باعتبار النظر في قريباتها. وإذا نست مبدأ حيضها أو كانت مبتدأة وجاءتها الاستحاضة فتجعل حيضها من أول كل شهر هلالي.

стр. 690

واختلف العلماء بما تثبت به العادة فقيل بمرة واحدة وهو مذهب الشافعي، وقيل بمرتين وهو مذهب أبي حنيفة ورواية عن أحمد، وقيل بثلاث وهي الرواية الأخرى عن أحمد. والصحيح ثبوتها بمرة واحدة، والقول بأنَّ العادة مشتقة من العود والعود يطلق على ما تكرر فقول ضعيف وذلك أنَّ تسمية الحيض عادة من كلام الفقهاء ولم يرد في أحاديث السنة. قال شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ في [شرح عمدة الفقه] (١/ ٤٨٧): «وَقَوْلُهُمُ: "الْعَادَةُ مُشْتَقَّةٌ مِنَ الْعَوْدِ" إِنَّمَا يَصِحُّ لَوْ كَانَ الشَّرْعُ هُوَ الَّذِي عَلَّقَ الْحُكْمَ بِاسْمِ الْعَادَةِ، وَالْعَادَةُ مِنْ أَلْفَاظِ الْفُقَهَاءِ» اهـ. قلت: وظاهر كلام الإمام أحمد أنَّ الحيض يثبت بالتمييز من غير اعتبار تكرار، وإنَّما يشترط التكرار في إثبات العادة. قال العلامة ابن قدامة ﵀ في [المغني] (٢/ ٥٢): «فَصْلٌ: ظَاهِرُ كَلَامِ الْخِرَقِيِّ أَنَّ الْمُمَيِّزَةَ إذَا عَرَفَتْ التَّمْيِيزَ جَلَسَتْهُ مِنْ غَيْرِ اعْتِبَارِ تَكْرَارٍ. وَهُوَ ظَاهِرُ كَلَامِ أَحْمَدَ فِيمَا رَوَيْنَاهُ عَنْهُ. وَكَذَلِكَ قَالَ ابْنُ عَقِيلٍ؛ لِأَنَّ مَعْنَى التَّمْيِيزِ أَنْ يَتَمَيَّزَ أَحَدُ الدَّمَيْنِ عَنْ الْآخَرِ فِي الصِّفَةِ، وَهَذَا يُوجَدُ بِأَوَّلِ مَرَّةٍ. وَبِهَذَا قَالَ الشَّافِعِيُّ.

стр. 691

وَقَالَ الْقَاضِي وَأَبُو الْحَسَنِ الْآمِدِيُّ: إنَّمَا تَجْلِسُ الْمُمَيِّزَةُ مِنْ التَّمْيِيزِ مَا تَكَرَّرَ مَرَّتَيْنِ أَوْ ثَلَاثًا، بِنَاءً عَلَى الرِّوَايَتَيْنِ، فِيمَا تَثْبُتُ بِهِ الْعَادَةُ. وَلَنَا، قَوْلُ النَّبِيِّ ﷺ : "إذَا أَقْبَلَتْ الْحَيْضَةُ فَاتْرُكِي الصَّلَاةَ، فَإِذَا أَدْبَرَتْ فَاغْسِلِي عَنْك الدَّمَ، وَصَلِّي". أَمَرَهَا بِتَرْكِ الصَّلَاةِ إذَا أَقْبَلَتْ الْحَيْضَةُ مِنْ غَيْرِ اعْتِبَارِ أَمْرٍ آخَرَ، ثُمَّ مَدَّهُ إلَى حِينِ إدْبَارِهِ؛ وَلِأَنَّ التَّمْيِيزَ أَمَارَةٌ بِمُجَرَّدِهِ، فَلَمْ يَحْتَجْ إلَى ضَمِّ غَيْرِهِ إلَيْهِ، كَالْعَادَةِ، وَعِنْدَ الْقَاضِي: إنَّمَا تَجْلِسُ مِنْ التَّمْيِيزِ مَا وَافَقَ الْعَادَةَ؛ لِأَنَّهُ يَعْتَبِرُ التَّكْرَارَ، وَمَتَى تَكَرَّرَ صَارَ عَادَةً» اهـ. قلت: وإذا قلنا: إنَّ العادة لا تثبت إلَّا بالتكرار فإنَّ المرأة إذا كانت تحيض في كل شهر خمسة أيام ثم زاد حيضها إلى ستة أيام فلا تعتبره حيضاً حتى يتكرر ذلك منها، وإذا قلنا: لا يشترط في العادة التكرار فهو من جملة حيضها فتترك فيه الصلاة والصيام. وهذا هو الصحيح. قال أبو الفضل صالح ﵀ في [مسائله لأبيه الإمام أحمد] (٣/ ٩٨): «قلت الْحَائِض إِذا تغير حَيْضهَا فَكَانَت تحيض خمْسا أَوْ نَحْو هَذَا ثمَّ زَاد حَيْضهَا. قَالَ: تصلي مَا زَاد حَتَّى تعلم أَنه حيض منتقل وَإِنَّمَا يعرف ذَلِك إِذا عاودها ثَلَاث مرار فَإِذا علمت أَنه حيض منتقل فَإِنْ كَانَتْ صَامت فِي تِلْكَ الْأَيَّام صوما أعادته لِأَنَّهُ لَا يجزيها أَنْ تَصُوم وَهِي حَائِض» اهـ. وقال عبد الله بن أحمد ﵀ في [مسائله لأبيه الإمام أحمد] (ص: ٤٥):

стр. 692

«سَمِعت أبي يَقُول: واذا كَانَتْ الْمَرْأَة تجْلِس عشرَة أَيَّام ثمَّ زَاد حَيْضهَا ثَلَاثَة أَيَّام أخر. فَقَالَ: لَا تلْتَفت الى ذَلِك تَصُوم وَتصلي حَتَّى تعلم أَنَّه حيض منتقل وَإِنَّمَا تعلم ذَلِك بِأَنْ يعاودها الدَّم فِي تِلْكَ الْأَيَّام مرّة وثنتين وَثَلَاثًا فَإِذا عاودها فقد انْتقل حَيْضهَا الى هَذَا فتعيد كل صَوْم صامتة فِي تِلْكَ الْأَيَّام لِأَنَّهَا كَانَتْ حائضة وَلَا يجزئها أَنْ تَصُوم وَهِي حَائِض وَالْحَائِض لَا تقضي الصَّلَاة وتقضي الصّيام على حَدِيث عَائِشَة كُنَّا نحيض على عهد رَسُول الله ﷺ فَلَا نؤمر بِقَضَاء» اهـ. وقال شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ كما في [مجموع الفتاوى] (١٩/ ٢٣٩): «وَكَذَلِكَ الْمَرْأَةُ الْمُنْتَقِلَةُ إذَا تَغَيَّرَتْ عَادَتُهَا بِزِيَادَةٍ أَوْ نَقْصٍ أَوْ انْتِقَالٍ فَذَلِكَ حَيْضٌ. حَتَّى يَعْلَمَ أَنَّهُ اسْتِحَاضَةٌ بِاسْتِمْرَارِ الدَّمِ» اهـ. ٣ - واحتج به من قدم العادة على التمييز، وذلك أنَّ النبي ﷺ لم يستفسرها عن التمييز والقاعدة تقول: ترك الاستفصال في قضايا الأحوال مع قيام الاحتمال ينزل منزلة عموم المقال. قال شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ كما في [مجموع الفتاوى] (٢١/ ٦٢٨ - ٦٢٩): «وبهذا الحديث أخذ جمهور العلماء في المستحاضة المعتادة أنَّها ترجع إلى عادتها وهو مذهب أبي حنيفة والشافعي والإمام أحمد، لكنهم متنازعون لو كانت مميزة تميز الدم الأسود من الأحمر: فهل تقدم التمييز على العادة؟ أم العادة على

стр. 693

التمييز؟ فمنهم من يقدم التمييز على العادة، وهو مذهب الشافعي وأحمد في إحدى الروايتين. والثاني: في أنَّها تقدم العادة وهو ظاهر الحديث وهو مذهب أبي حنيفة وأحمد في أظهر الروايتين عنه؛ بل أبو حنيفة لم يعتبر التمييز كما أنَّ مالكاً لم يعتبر العادة. لكن الشافعي وأحمد يعتبران هذا وهذا والنزاع في التقديم» اهـ. وقال ﵀ (٢١/ ٦٣٠ - ٦٣٥): «وفي المستحاضة عن النبي ﷺ ثلاث سنن: سنة في العادة كما تقدم وسنة في المميزة وهو قوله: "دم الحيض أسود يعرف" وسنة في غالب الحيض وهو قوله: " تحيضي ستاً أو سبعاً ثم اغتسلي وصلي ثلاثاً وعشرين أو أربعاً وعشرين كما تحيض النساء ويطهرن لميقات حيضهن وطهرهن". والعلماء لهم في الاستحاضة نزاع فإنَّ أمرها مشكل لاشتباه دم الحيض بدم الاستحاضة فلا بد من فاصل يفصل هذا من هذا، والعلامات التي قيل بها ستة: إمَّا العادة فإن العادة أقوى العلامات؛ لأنَّ الأصل مقام الحيض دون غيره، وإمَّا التمييز؛ لأنَّه الدم الأسود والثخين المنتن أولى أن يكون حيضاً من الأحمر، وإمَّا اعتبار غالب عادة النساء؛ لأنَّ الأصل إلحاق الفرد بالأعم الأغلب فهذه العلامات الثلاث تدل عليها السنة والاعتبار. ومن الفقهاء من يجلسها ليلة وهو أقل الحيض ومنهم من يجلسها الأكثر؛ لأنَّه أصل دم الصحة، ومنهم من يلحقها بعادة نسائها، وهل هذا حكم الناسية، أو حكم المبتدأة والناسية جميعاً فيه نزاع؟ وأصوب الأقوال اعتبار العلامات التي جاءت بها السنة وإلغاء ما سوى ذلك، وأمَّا المتميزة فتجلس غالب الحيض كما جاءت به السنة، ومن لم يجعل لها دماً محكوماً بأنَّه حيض بل أمرها بالاحتياط

стр. 694

مطلقاً فقد كلفها أمراً عظيماً لا تأتي الشريعة بمثله وفيه تبغيض عبادة الله إلى أهل دين الله وقد رفع الله الحرج عن المسلمين وهو من أضعف الأقوال جداً، وأصل هذا أنَّ الدم باعتبار حكمه لا يخرج عن خمسة أقسام: دم مقطوع بأنَّه حيض كالدم المعتاد الذي لا استحاضة معه. ودم مقطوع بأنَّه استحاضة كدم الصغيرة. ودم يحتمل الأمرين لكن الأظهر أنَّه حيض، وهو دم المعتادة والمميزة ونحوهما من المستحاضات الذي يحكم بأنَّه حيض. ودم يحتمل الأمرين والأظهر أنَّه دم فساد. وهو الدم الذي يحكم بأنَّه استحاضة من دماء هؤلاء. ودم مشكوك فيه لا يترجح فيه أحد الأمرين فهذا يقول به طائفة من أصحاب الشافعي وأحمد وغيرهما فيوجبون على من أصابها أن تصوم وتصلي ثم تقضي الصوم. والصواب أنَّ هذا القول باطل لوجوه: أحدها: أنَّ الله تعالى يقول: ﴿وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُضِلَّ قَوْمًا بَعْدَ إِذْ هَدَاهُمْ حَتَّى يُبَيِّنَ لَهُمْ مَا يَتَّقُونَ﴾ فالله تعالى قد بين للمسلمين في المستحاضة وغيرها ما تتقيه من الصلاة والصيام في زمن الحيض فكيف يقال: إنَّ الشريعة فيها شك مستمر يحكم به الرسول وأمته، نعم: قد يكون شك خاص ببعض الناس، كالذي يشك هل أحدث أم لا؟ كالشبهات التي لا يعلمها كثير من الناس فأمَّا شك وشبهة تكون في نفس الشريعة فهذا باطل والذين يجعلون هذا دم شك يجعلون ذلك حكم الشرع؛ لا يقولون: نحن شككنا؛

стр. 695

فإنَّ الشاك لا علم عنده فلا يجزم وهؤلاء يجزمون بوجوب الصيام وإعادته لشكهم. الوجه الثاني: أنَّ الشريعة ليس فيها إيجاب الصلاة مرتين ولا الصيام مرتين إلَّا بتفريط من العبد. فأمَّا مع عدم تفريطه فلم يوجب الله صوم شهرين في السنة ولا صلاة ظهرين في يوم وهذا مما يعرف به ضعف قول من يوجب الصلاة ويوجب إعادتها، فإن هذا أصل ضعيف، كما بسط القول عليه في غير هذا الموضع، ويدخل في هذا من يأمر بالصلاة خلف الفاسق وإعادتها وبالصلاة مع الأعذار النادرة التي لا تتصل وإعادتها ومن يأمر المستحاضة بالصيام مرتين ونحو ذلك مما يوجد في مذهب الشافعي وأحمد في أحد القولين، فإنَّ الصواب ما عليه جمهور المسلمين أنَّ من فعل العبادة كما أمر بحسب وسعه فلا إعادة عليه كما قال تعالى: ﴿فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ﴾ ولم يعرف قط أنَّ رسول الله ﷺ أمر العبد أن يصلي الصلاة مرتين لكن يأمر بالإعادة من لم يفعل ما أمر به مع القدرة على ذلك كما قال للمسيء في صلاته: "ارجع فصل فإنَّك لم تصل" وكما أمر من صلى خلف الصف وحده أن يعيد الصلاة، فأمَّا المعذور كالذي يتيمم لعدم الماء أو خوف الضرر باستعماله لمرض أو لبرد وكالاستحاضة وأمثال هؤلاء؛ فإنَّ سنة رسول الله ﷺ في هؤلاء أن يفعلوا ما يقدرون عليه بحسب استطاعتهم ويسقط عنهم ما يعجزون عنه بل سنته فيمن كان لم يعلم الوجوب أنَّه لا قضاء عليه؛ لأنَّ التكليف مشروط بالتمكن من العلم والقدرة على الفعل؛ ولهذا لم يأمر عمر وعماراً بإعادة الصلاة لما كانا جنبين، فعمر لم يصل وعمار تمرغ كما تتمرغ الدابة ظناً أنَّ التراب يصل إلى حيث يصل الماء وكذلك الذين أكلوا من الصحابة

стр. 696

حتى تبين لهم الحبال السود من البيض لم يأمرهم بالإعادة، وكذلك الذين صلوا إلى غير الكعبة قبل أن يبلغهم الخبر الناسخ لم يأمرهم بالإعادة وكان بعضهم بالحبشة وبعضهم بمكة وبعضهم بغيرها بل بعض من كان بالمدينة صلوا بعض الصلاة إلى الكعبة وبعضها إلى الصخرة ولم يأمرهم بالإعادة ونظائرها متعددة، فمن استقرأ ما جاء به الكتاب والسنة تبين له أنَّ التكليف مشروط بالقدرة على العلم والعمل فمن كان عاجزاً عن أحدهما سقط عنه ما يعجزه ولا يكلف الله نفساً إلَّا وسعها، ولهذا عذر المجتهد المخطئ لعجزه عن معرفة الحق في تلك المسألة وهذا بخلاف المفرط المتمكن من فعل ما أمر به فهذا هو الذي يستحق العقاب؛ ولهذا قال النبي ﷺ لعمران بن حصين: "صل قائماً فإن لم تستطع فقاعداً فإن لم تستطع فعلى جنب" وهذه قاعدة كبيرة تحتاج إلى بسط ليس هذا موضعه. ومقصود السائل ما يتعلق بالمستحاضة وقد بينا أنَّ الصواب أنَّه ليس عليها في صورة من الصور أن تصوم وتقضي الصوم، كما يقوله في بعض الصور من يقوله من أصحاب الشافعي وأحمد وغيرهما، وأنَّه ليس عليها أن تغتسل لكل صلاة باتفاق الأئمة الأربعة وغيرهم والله أعلم» اهـ. قلت: المستحاضة كما سبق تعرف طهرها من حيضها بانتهاء وقت عادتها، وإن لم تكن لها عادة فعند انتهاء الدم الأسود.

стр. 697

وإذا لم تكن مستحاضة فتعرف طهرها بالقَصة البيضاء وهو سائر أبيض يقذفه الرحم بعد انتهاء الحيض شبه لبياضه بالقص، وهو الجص، وإن لم يخرج منها ذلك فتعرف طهرها بالجفاف وهو أن تدخل قطنة في فرجها فتخرج جافة. قال الإمام البخاري ﵀ في [صحيحه] (١/ ٨٧ - مع الفتح) «وَكُنَّ نِسَاءٌ يَبْعَثْنَ إِلَى عَائِشَةَ بِالدُّرْجَةِ فِيهَا الْكُرْسُفُ فِيهِ الصُّفْرَةُ فَتَقُولُ لَا تَعْجَلْنَ حَتَّى تَرَيْنَ الْقَصَّةَ الْبَيْضَاءَ تُرِيدُ بِذَلِكَ الطُّهْرَ مِنَ الْحَيْضَةِ». قلت: وصله مالك في [الموطأ] (١٦٣) عَنْ عَلْقَمَةَ بْنِ أَبِي عَلْقَمَةَ، عَنْ أُمِّهِ، مَوْلَاةِ عَائِشَةَ زَوْجَ النَّبِيِّ ﷺ ، أَنَّهَا قَالَتْ: كَانَ النِّسَاءُ يَبْعَثْنَ إِلَى عَائِشَةَ ﵂ زَوْجَ النَّبِيِّ ﷺ بِالدِّرَجَةِ فِيهَا الْكُرْسُفُ، فِيهِا الصُّفْرَةُ فَتَقُولُ: «لَا تَعْجَلْنَ حَتَّى تَرَيْنَ الْقَصَّةَ الْبَيْضَاءَ، تُرِيدُ بِذَلِكَ الطُّهْرَ مِنَ الْحَيْضَ». قلت: مولاة عائشة اسمها مرجانة مجهولة حال لم يوثقها معتبر. قال الحافظ ابن رجب ﵀ في [فتح الباري] (١/ ٤٩٢ - ٤٩٥): «والقصة - بفتح القاف -: أصلها القطعة من الجص الأبيض، وأرادت عائشة بذلك أنَّ القطنة تخرج بيضاء، ليس فيها شيء من الصفرة، ولا الكدرة، فيكون ذَلكَ علامة نقائها وطهرها. وقالت طائفة: بل القصة البيضاء عبارة عن ماء أبيض يخرج عقب الدم من النساء في آخر الحيض، فلا تطهرن بدونه. وقيل: إنَّه يشبه الخيط الأبيض، وهذا قول مالك وغيره.

стр. 698

وروى الوليد بن مسلم، عن عبد الرحمن بن ميسرة، عن عبد الرحمن بن ذؤيب، عن عائشة، قالت: الطهر أن ترى المرأة بعد الدم ماء أبيض قطعاً. خرجه حرب الكرماني. وحكى الخطابي، عن ابن وهب، أنَّه قَالَ في تفسير القصة البيضاء: رأيت القطن الأبيض، كأنَّه هو. وعن ابن أبي سلمة، قَالَ: إذا كان ذَلكَ نظرت المرأة إلى مثل ريقها في اللون، فتطهر بذلك، فيما بلغنا. وعن مالك، قَالَ: سألت النساء عن القصة البيضاء، فإذا ذاك أمر معروف عند النساء، يرينه عند الطهر. وهذا المحكي عن مالك يوافق القول الثاني الذي ذكرناه، وأنَّ القصة البيضاء عبارة عن شيء أبيض يخرج في آخر دم الحيض وقال ابن عبد البر: اختلف أصحاب مالك عنه في علامة الطهر، ففي "المدونة": قَالَ مالك: إذا كانت المرأة ممن ترى القصة البيضاء فلا تطهر حتّى تراها، وإن كانت ممن لاتراها فطهرها الجفوف، وذلك أن تدخل الخرقة فتخرجها جافة، وبه قَالَ عيسى بن دينار، قَالَ: القصة البيضاء أبلغ في براءة الرحم من الجفوف. وفي "المجموعة": قَالَ مالك: إذا رأت الجفوف وهي ممن ترى القصة البيضاء فلا تصلي حتَّى تراها، إلَّا أن يطول ذَلكَ بها. وقال ابن حبيب: تطهر بالجفوف، وإن كانت ممن ترى القصة البيضاء. قَالَ ابن حبيب: والجفوف أبرأ للرحم من القصة البيضاء.

стр. 699

قَالَ: فمن كان طهرها القصة البيضاء ورأت الجفوف فقد طهرت. قَالَ: ولا تطهر التي طهرها الجفوف برؤيتها القصة البيضاء حتَّى ترى الجفوف. قَالَ: وذلك أنَّ أول الحيض دم، ثُمَّ صفرة، ثُمَّ ترية، ثُمَّ كدرة، ثُمَّ يكون ريقاً كالفضة، ثُمَّ ينقطع، فإذا انقطع قبل هذه المنازل فقد برئت الرحم من الحيض. قَالَ: والجفوف أبرأ وأوعب، وليس بعد الجفوف انتظار. انتهى ما ذكره ابن عبد البر ﵀. وفي "تهذيب المدونة": تغتسل إن رأت القصة البيضاء، فإن كانت ممن لا تراها فحين ترى الجفوف. قَالَ ابن القاسم: والجفوف أن تدخل الخرقة، فتخرجها جافة قَالَ أبو عبيد: الترية: الشيء الخفي اليسير، وهو أقل من الصفرة والكدرة، ولا تكون الترية إلَّا بعد اغتسال، فأمَّا ما كان في أيام الحيض فهو حيض وليس بترية. انتهى. واختلف قول الإمام أحمد في تفسير القصة البيضاء: فنقل الأكثرون عنه: أنَّه شيء أبيض يتبع الحيضة، ليس بصفرة ولا كدرة، فهو علامة الطهر، وحكاه أحمد عن الشافعي. ونقل حنبل، عن أحمد: أنَّ القصة البيضاء هو الطهر وانقطاع الدم، وكذلك فسر سفيان الثوري القصة البيضاء بالطهر من الحيض. وأرسلت امرأة إلي عمرة بنت عبد الرحمن بدرجٍ فيهِ كرسفة قطن، فيها كالصفرة، تسألها: هل ترى إذا لَم تر المرأة مِنْ الحيضة إلَّا هَذا أن قَدْ طهرت؟ فقالت: لا، حتى ترى البياض خالصاً.

стр. 700

وروى الأثرم بإسناده، عَنْ ابن الزبير، أنَّهُ قالَ على المنبر: يا معشر النساء، إذا رأت إحداكن القصة البيضاء فَهوَ الطهر. وقال مكحول: لا تغتسل المرأة مِنْ الحيض إذا طهرت حتى ترى طهراً أبيض. وقد حكى أبو عبيد القولين في تفسير القصة البيضاء» اهـ. قلت: وأمَّا الكدرة والصفرة فليستا من علامات الطهر، وهما في زمن العادة من الحيض تقدمن على خروج الدم أو كنَّ بعده على الصحيح. وأمَّا ما رواه البخاري (٣٢٦) حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ قَالَ: حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ عَنْ أَيُّوبَ، عَنْ مُحَمَّدٍ عَنْ أُمِّ عَطِيَّةَ قَالَتْ: «كُنَّا لَا نَعُدُّ الْكُدْرَةَ وَالصُّفْرَةَ شَيْئًا». فهذا محمول على ما بعد الطهر. وقد رواه أبو داود (٣٠٧) حَدَّثَنَا مُوسَى بْنُ إِسْمَاعِيلَ أَخْبَرَنَا حَمَّادٌ عَنْ قَتَادَةَ عَنْ أُمِّ الْهُذَيْلِ عَنْ أُمِّ عَطِيَّةَ وَكَانَتْ بَايَعَتِ النَّبِىَّ ﷺ قَالَتْ: «كُنَّا لَا نَعُدُّ الْكُدْرَةَ وَالصُّفْرَةَ بَعْدَ الطُّهْرِ شَيْئًا». قال الحافظ ابن عبد البر ﵀ في [الاستذكار] (١/ ٣٢٥): «قَالَ أَبُو عُمَرَ الْقِيَاسُ أَنَّ الصُّفْرَةَ وَالْكُدْرَةَ قَبْلَ الْحَيْضِ وَبَعْدَهُ سَوَاءٌ كَمَا أَنَّ الْحَيْضَ فِي كُلِّ زَمَانٍ سَوَاءٌ» اهـ. قال الحافظ ابن رجب ﵀ في [فتح الباري] (١/ ٤٩٥ - ٤٩٧): «ودلَّ قول عائشة ﵂ هَذا على أنَّ الصفرة والكدرة في أيام الحيض حيض، وأن مِنْ لها أيام معتادة تحيض فيها فرأت فيها صفرة أو كدرة، فإن ذَلِكَ يكون حيضاً معتبراً.

стр. 701

وهذا قول جمهور العلماء، حتى إن مِنهُم مِنْ نقله إجماعاً، مِنهُم: عبد الرحمن بنِ مهدي وإسحاق بنِ راهويه، ومرةً خص إسحاق حكاية الإجماع بالصفرة دونَ الكدرة. ولكن ذهب طائفة قليلة، مِنهُم: الأوزاعي وأبو ثور وداود وابن المنذر وبعض الشافعية إلى أنَّه لا يكون ذَلِكَ حيضاً حتى يتقدمه في مدة العادة دم. واشترط بعض الشافعية أن يكون الدم المتقدم يبلغ أقل الحيض. ومنهم مِنْ اشترط أن يلحقه دم - أيضاً. ومنهم مِنْ اشترط أن يلحقه دم يبلغ أقل الحيض. وقال أبو يوسف: الصفرة حيض، والكدرة ليسَ حيضاً، إلَّا أن يتقدمها دم. وحكي عَنْ داود أنَّ الصفرة والكدرة لا تكون حيضاً بكل حال. فأمَّا ما زاد على أيام العادة، واتصل بها، وكان صفرة أو كدرة، فهل يكون حيضاً، أم لا؟ فيهِ قولان: أحدهما: أنَّهُ حيض، وَهوَ أشهر الروايتين عَنْ مالك، والمشهور عَنْ الشَافِعي - أيضاً -، وعليه أكثر أصحابه، وقول الحكم وأبي حنيفة وإسحاق. والثاني: أنَّه ليسَ بحيض، وَهوَ رواية عَنْ مالك، وقول الثوري والإصطخري وغيره مِنْ الشافعية. وأمَّا الإمام أحمد، فإنَّه يرى أنَّ الزائد على العادة لا يلتفت إليه أول مرة حتى يتكرر مرتين أو ثلاثاً على اختلاف عَنهُ، وقد سبق ذكر ذَلِكَ. فإن زاد على العادة بصفرة أو كدرة وتكرر ثلاثاً، فهل يكون حيضاً، أم لا؟ فيهِ عَنهُ روايتان.

стр. 702

وقد روي عَنْ عائشة، أنَّها لا تلتفت إلى الزائد على العادة مِنْ الصفرة والكدرة. خرجه حرب والبيهقي مِنْ رواية سليمان بنِ موسى، عَنْ عطاء، عَنْ عائشة، قالت: إذا رأت المرأة الدم فلتمسك عَنْ الصلاة حتى تراه أبيض كالفضة؛ فإذا رأت ذَلِكَ فلتغتسل ولتصل؛ فإذا رأت بعد ذَلِكَ صفرة أو كدرة فلتتوضأ ولتصل، فإذا رأت دماً أحمر فلتغتسل ولتصل. وروي عَنْ أسماء بنت أبي بكر ما يشعر بخلاف ذَلِكَ، فروى البيهقي وغيره مِنْ رواية ابن إسحاق، عَنْ فاطمة بنت المنذر، عَنْ أسماء، قالت: كنا في حجرها معَ بنات أخيها، فكانت إحدانا تطهر، ثُمَّ تصلي، ثُمَّ تنتكس بالصفرة اليسيرة، فنسألها، فتقول: اعتزلن الصلاة ما رأيتن ذَلِكَ، حتى ترين البياض خالصاً. وقد حمله بعض أصحابنا على أنَّ الصفرة أو الكدرة إذا رؤيت بعد الطهر وانقطاع الدم فإنَّها لا تكون حيضاً ولو تكررت، على الصحيح عندهم، بخلاف ما إذا رأت ذَلِكَ متصلاً بالدم وتكرر. فهذا كله في حق المعتادة. فأمَّا المبتدأة، فإذا رأت في زمن يصلح للحيض صفرة أو كدرة، فقالت طائفة مِنْ أصحابنا كالقاضي أبي يعلى ومن تابعه، وأكثر أصحاب الشَافِعي: إنَّه يكون حيضاً؛ لأنَّ زمن الدم للمبتدأة كزمن العادة للمعتادة. وقالت طائفة مِنْ أصحابنا: لا يكون حيضاً، وقالوا: إنَّه ظاهر كلام أحمد، وَهوَ قول طائفة مِنْ الشافعية - أيضاً -، وحكاه الخطابي عَنْ عائشة وعطاء وأكثر الفقهاء؛ لأنَّه اجتمع فيهِ فَقد العادة ولون الدم المعتاد، فقويت جهة فساده، وعلى

стр. 703

هَذا فينبغي أنَّهُ إن تكرر ذَلِكَ ثلاثاً أن يكون حيضاً، إن قلنا: إنَّ المتكرر بعد العادة حيض، وقد يفرق بينهما بأنَّ المتكرر بعد العادة قَدْ سبقه دم بخلاف هَذا. وقد ذهب طائفة مِنْ أصحابنا، مِنهُم: ابن حامد وابن عقيل إلى أنَّ المبتدأة إذا رأت أول مرةٍ دماً أحمر فليس بدم حيض حتى يكون أسود، وَهوَ قول بعض الشافعية - أيضاً -؛ للحديث المروي عَنْ النَّبيِّ ﷺ أنَّهُ قالَ - في دم الحيض -: "إنَّه أسود يعرف". وهذا ينتقض عليهم بالمعتادة؛ فإنَّها إذا كانت عادتها أسود ثُمَّ رأت في مدة العادة دماً أحمر فإنَّه حيض بغير خلاف» اهـ. ٤ - قوله: «فَاغْسِلِي عَنْك الدَّمَ وَصَلِّي». احتج به بعضهم على عدم وجوب الاغتسال من الحيض. قال الحافظ ابن رجب ﵀ في [فتح الباري] (٢/ ١٠٢): «وقد تعلق بعض الناس بظاهر الرواية المشهورة في حديث فاطمة: "اغسلي عنك الدم وصلي"، وقال: لا غُسل عليها، إنَّما عليها أن تغسل الدم وتصلي. وقد حكى الأثرم هذا القول للإمام أحمد، ولم يسم من قاله. فأنكره الإمام أحمد، وقال: الغسل لا بد منه وفسر سفيان الثوري قوله: "اغسلي عنك الدم": أنَّها إذا اغتسلت عندَ فراغ حيضها المحكوم بأنَّه حيضها، ثم رأت دماً، فإنَّها تغسل الدم وتصلي؛ فإنَّه دم استحاضة لا يمنع الصلاة، وإنَّما تغسله وتتحفظ منه فقط» اهـ. قلت: الرواية الأولى تدل على وجوب الاغتسال من الحيض.

стр. 704

٥ - واحتج بالحديث على نجاسة دم الاستحاضة، وهو مأخوذ من الأمر بغسله. وهذا مبني على حمل الغسل في الحديث على غسل دم الاستحاضة، وأمَّا إذا حملناه على غسل دم الحيض فلا حجة في الحديث على ذلك، ويكفي في الحكم بنجاسته الآية الواردة بنجاسة الدم المسفوح. قال الحافظ ابن رجب ﵀ في [فتح الباري] (٢/ ٦٨): «وفسر سفيان الثوري قوله: "اغسلي عنك الدم": أنَّها إذا اغتسلت عندَ فراغ حيضها المحكوم بأنَّه حيضها، ثم رأت دماً، فإنَّها تغسل الدم وتصلي؛ فإنَّه دم استحاضة لا يمنع الصلاة، وإنَّما تغسله وتتحفظ منه فقط. ففي حديث عائشة الأمر بغسل الدم، وفي حديث أم سلمة الأمر بالاستثفار بثوب. والمراد به: التلجم بالثوب والتحفظ به» اهـ. وقال العلامة الباجي ﵀ في [المنتقى] (١/ ١٢٥): «وَقَوْلُهُ "فَإِذَا ذَهَبَ قَدْرُهَا فَاغْسِلِي عَنْكِ الدَّمَ وَصَلِّي" يَحْتَمِلُ أَنْ يُرِيدَ غَسْلَ دَمِ الِاسْتِحَاضَةِ وَاسْتَغْنَى عَنْ ذِكْرِ الْغُسْلِ مِنْ الْمَحِيضِ لِأَنَّهُ قَدْ تَقَرَّرَ عِلْمُهُ» اهـ. وقال شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ في [شرح عمدة الفقه] (١/ ٤٩٢) «وَيَجِبُ إِعَادَةُ غَسْلِ الدَّمِ وَالتَّعْصِيبِ لِوَقْتِ كُلِّ صَلَاةٍ؛ كَالْوُضُوءِ فِي أَحَدِ الْوَجْهَيْنِ، سَوَاءٌ ظَهَرَ الدَّمُ فِي ظَهْرِ الْعِصَابَةِ أَوْ كَانَ بِبَاطِنِهَا، وَالْآخَرُ: لَا يَجِبُ، وَهُوَ أَقْوَى؛ لِأَنَّ فِي غَسْلِ الْعَصَائِبِ كُلَّ وَقْتٍ وَتَجْفِيفِهِ أَوْ إِبْدَالِهِ بِطَاهِرٍ - مَشَقَّةً

стр. 705

كَبِيرَةً؛ بِخِلَافِ الْوُضُوءِ، وَلِأَنَّ النَّبِيَّ ﷺ لَمَّا أَمَرَهَا بِالْوُضُوءِ لِكُلِّ صَلَاةٍ لَمْ يَذْكُرْ غَسْلَ الدَّمِ وَعَصْبَ الْفَرْجِ» اهـ. وقال الحافظ ابن رجب ﵀ في [فتح الباري] (٢/ ٦٨): «وكذلك اختلفوا: هل يجب عليها غسل الدم والتحفظ والتلجم عندَ كل صلاة؟ وفيه قولان، هما روايتان عن أحمد. وربما يرجع هذا الاختلاف إلى الاختلاف المشهور: في أنَّ الأمر المطلق: هل يقتضي التكرار، أم لا؟ وفيه اختلاف مشهور. لكن الأصح هنا: أنَّه لا يقتضي التكرار لكل صلاة؛ فإنَّ الأمر بالاغتسال، وغسل الدم إنَّما هوَ معلق بانقضاء الحيضة وإدبارها، فإذا قيل: إنَّه يقتضي التكرار لم يقتضه إلَّا عندَ إدبار كل حيضة فقط» اهـ. قلت: الأظهر أنَّ المستحاضة لا يجب عليها فك التعصيب وغسل الفرج من الدم في وقت كل صلاة لعدم ورود الأمر بذلك صريحاً، وحديث الباب محمول على غسل دم الحيض، ولا سيما أنَّ الأمر بذلك فيه ما فيه من الحرج، والشرع جاء برفع الحرج كما هو معلوم، لكن إن حصل تفريط في الشد وخرج الدم وجب غسله. والله أعلم. قال العلامة ابن قدامة ﵀ في [المغني] (١/ ٢٤٧): «فَالْمُسْتَحَاضَةُ تَغْسِلُ الْمَحَلَّ، ثُمَّ تَحْشُوهُ بِقُطْنٍ أَوْ مَا أَشْبَهَهُ، لِيَرُدَّ الدَّمَ؛ لِقَوْلِ النَّبِيِّ ﷺ لِحَمْنَةَ، حِينَ شَكَتْ إلَيْهِ كَثْرَةَ الدَّمِ: "أَنْعَتُ لَك الْكُرْسُفَ، فَإِنَّهُ يُذْهِبُ الدَّمَ". فَإِنْ لَمْ يَرْتَدَّ الدَّمُ بِالْقُطْنِ، اسْتَثْفَرَتْ بِخِرْقَةٍ مَشْقُوقَةِ
следующие страницы →