Полный текст (8 095 стр.). Показаны 6406–6445 · переход к 6411.
стр. 6406
قُلْتُ: الليث ضعيف، وروايته عن عمر معضلة.
وروى أبو داود (٤٨٠٦) مِنْ حَدِيثِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الشِّخِّيرِ ﵁، قَالَ: انْطَلَقْتُ فِي وَفْدِ بَنِي عَامِرٍ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ : فَقُلْنَا: أَنْتَ سَيِّدُنَا، فَقَالَ: «السَّيِّدُ اللَّهُ ﵎» قُلْنَا: وَأَفْضَلُنَا فَضْلًا وَأَعْظَمُنَا طَوْلًا، فَقَالَ: «قُولُوا بِقَوْلِكُمْ، أَوْ بَعْضِ قَوْلِكُمْ، وَلَا يَسْتَجْرِيَنَّكُمُ الشَّيْطَانُ».
قُلْتُ: هَذَا حَدِيْثٌ صَحِيْحٌ.
قَالَ الْعَلَّامَةُ ابْنُ الْقَيِّمِ ﵀ فِي [تُحْفَةِ الْمَوْدُوْدِ] (ص: ١٢٥): «ومما يمنع تسمية الإنسان به أسماء الرب ﵎ فلا يجوز التسمية بالأحد، والصمد، ولا بالخالق، ولا بالرازق، وكذلك سائر الأسماء المختصة بالرب ﵎، ولا تجوز تسمية الملوك بالقاهر والظاهر، كما لا يجوز تسميتهم بالجبار، والمتكبر، والأول والآخر، والباطن، وعلام الغيوب».
إِلَى أَنْ قَالَ ﵀ (ص: ١٢٧): «والمقصود أنَّه لا يجوز لأحد أن يتسمى بأسماء الله المختصة به، وأمَّا الأسماء التي تطلق عليه وعلى غيره، كالسميع والبصير والرؤوف والرحيم فيجوز أن يخبر بمعانيها عن المخلوق، ولا يجوز أن يتسمى بها على الإطلاق بحيث يطلق عليه كما يطلق على الرب تعالى» اهـ.
стр. 6407
قُلْتُ: كان الأولى بالعلامة ابن القيم ﵀ أن يذكر من الأسماء التي لا يجوز للمخلوق التسمي بها: الله، والرحمن، فهما من أشهر الأسماء المختصة.
وَقَوْلُهُ ﵀: «فيجوز أن يخبر بمعانيها عن المخلوق، ولا يجوز أن يتسمى بها على الإطلاق بحيث يطلق عليه كما يطلق على الرب تعالى» ظاهره أنَّه يجوز أن يخبر عن شخص بأنَّه رحيم أو رؤوف أو بصير، لكن لا يسمى بذلك على الإطلاق فيقال: الرحيم، والسميع والبصير والرؤوف.
وقَالَ الْعَلَّامَةُ الْنَوَوِي ﵀ فِي [شَرْحِ مُسْلِمٍ] (٧/ ٢٦٦): «وكذلك التسمي بأسماء الله تعالى المختصة به كالرحمن، والقدوس، والمهيمن، وخالق الخلق، ونحوها» اهـ.
وَقَالَ الْعَلَّامَةُ ابْنُ عُثَيْمِيْنَ ﵀ فِي [مُجْمُوعِ فَتَاوَى وَرَسَائِلَ الْعُثَيْمِيْن] (٣/ ٩٤ - ٩٥):
«التسمي بأسماء الله يكون على وجهين:
الوجه الأول: وهو على قسمين:
القسم الأول: أن يحلى بـ "ال" ففي هذه الحال لا يسمى به غير الله -كما لو سميت أحداً بالعزيز، والسيد، والحكيم، وما أشبه ذلك، فإنَّ هذا لا يسمى به
стр. 6408
غير الله؛ لأنَّ "ال" هذه تدل على لمح الأصل، وهو المعنى الذي تضمنه هذا الاسم.
القسم الثاني: إذا قصد بالاسم معنى الصفة وليس محلى بـ "ال" فإنَّه لا يسمى به، ولهذا غير النبي ﷺ كنية أبي الحكم التي تكنى بها؛ لأن أصحابه يتحاكمون إليه، فقال النبي ﵊: "إنَّ الله هو الحكم، وإليه الحكم" ثم كناه بأكبر أولاده شريح، فدل ذلك على أنَّه إذا تسمى أحد باسم من أسماء الله ملاحظاً بذلك معنى الصفة التي تضمنها هذا الاسم، فإنَّه يمنع؛ لأنَّ هذه التسمية تكون مطابقة تماماً لأسماء الله ، فإنَّ أسماء الله تعالى أعلام وأوصاف لدلالتها على المعنى الذي تضمنه الاسم.
الوجه الثاني: أن يتسمى بالاسم غير محلى بـ "ال"، وليس المقصود به معنى الصفة فهذا لا بأس به مثل حكيم، ومن أسماء بعض الصحابة حكيم بن حزام الذي قال له النبي ﵊: "لا تبع ما ليس عندك"، وهذا دليل على أنَّه إذا لم يقصد بالاسم معنى الصفة، فإنَّه لا بأس به.
لكن في مثل "جبار" لا ينبغي أن يتسمى به، وإن كان لم يلاحظ الصفة، وذلك لأنَّه قد يؤثر في نفس المسمى، فيكون معه جبروت، وغلو واستكبار على الخلق فمثل
стр. 6409
هذه الأشياء التي قد تؤثر على صاحبها، ينبغي للإنسان أن يتجنبها، والله أعلم» اهـ.
قُلْتُ: يشكل على ما قاله أنَّ جماعة من الصحابة تسموا بالحكم، وذكروا بالألف والآم، وأسماؤهم مدونة في"الإصابة" لابن حجر ﵀.
وهكذا "جبار" جاء التسمي به عن جماعة من الصحابة، وانظر لذلك "الإصابة" لابن حجر ﵀.
وَقَالَ العَلَّامَةُ ابْنُ بَازٍ ﵀ كَمَا فِي [التَّعْلِيْقَاتِ البَّازِيَّةِ عَلَى كِتَابِ التَّوْحِيْدِ] (ص: ٦٨):
«ولكن يرد على هذا ما جاء في الأحاديث الصحيحة تسمية الحكم والحكيم ولم يغيره ﷺ وهي أصح، مما يدل على أنَّ هذا الحديث في صحته نظر، وقد أقر النبي ﷺ أسماء منها حكيم بن حزام والحكم بن عمرو الغفاري ولم يغيرها ﵊ فلو كانت منكرة لغيرها ﷺ فدل على أنَّه لا بأس بالتسمي بالحكم أو الحكيم» اهـ.
قُلْتُ: وقد أجاز الْعَلَّامَةُ عَبْدُ الْمُحْسِنِ الْعَبَّادُ التسمية بالحكم دون التكني به فقال في [شَرْحِ سُنَنِ أَبِي دَاوْدَ] (٢٨/ ٢٨٤):
стр. 6410
«وبالنسبة للكنية فإنَّها تغيَّر كما غير ذلك رسول الله ﷺ ، وأمَّا بالنسبة للاسم فكونه جاء أنَّ بعض الصحابة تسمى به، فيدل على أنَّ ذلك سائغ» اهـ.
وخلاصة القول: أنَّ الذي يظهر لي هو جواز التسمي بالأسماء المشتركة ولو كانت محلاة بأل التعريف كما يدل عليه قول الله تعالى: ﴿قَالَتِ امْرَأَتُ الْعَزِيزِ الْآنَ حَصْحَصَ الْحَقُّ﴾ [يوسف: ٥١].
وقَوْلُهُ: ﴿قَالُوا يَا أَيُّهَا الْعَزِيزُ إِنَّ لَهُ أَبًا شَيْخًا كَبِيرًا فَخُذْ أَحَدَنَا مَكَانَهُ إِنَّا نَرَاكَ مِنَ الْمُحْسِنِينَ﴾ [يوسف: ٧٨].
وقَوْلُهُ: ﴿قَالُوا يَا أَيُّهَا الْعَزِيزُ مَسَّنَا وَأَهْلَنَا الضُّرُّ وَجِئْنَا بِبِضَاعَةٍ مُزْجَاةٍ فَأَوْفِ لَنَا الْكَيْلَ وَتَصَدَّقْ عَلَيْنَا إِنَّ اللَّهَ يَجْزِي الْمُتَصَدِّقِينَ﴾ [يوسف: ٨٨].
ففي هذه الآيات إطلاق العزيز على غير الله تعالى، وهذا الإطلاق محلى بأل التعريف.
стр. 6411
وهكذا قَوْلُهُ: ﴿وَقَالَ الْمَلِكُ إِنِّي أَرَى سَبْعَ بَقَرَاتٍ سِمَانٍ يَأْكُلُهُنَّ سَبْعٌ عِجَافٌ وَسَبْعَ سُنْبُلَاتٍ خُضْرٍ وَأُخَرَ يَابِسَاتٍ يَا أَيُّهَا الْمَلَأُ أَفْتُونِي فِي رُؤْيَايَ إِنْ كُنْتُمْ لِلرُّؤْيَا تَعْبُرُونَ﴾ [يوسف: ٤٣].
وقَوْلُهُ: ﴿وَقَالَ الْمَلِكُ ائْتُونِي بِهِ فَلَمَّا جَاءَهُ الرَّسُولُ قَالَ ارْجِعْ إِلَى رَبِّكَ فَاسْأَلْهُ مَا بَالُ النِّسْوَةِ اللَّاتِي قَطَّعْنَ أَيْدِيَهُنَّ إِنَّ رَبِّي بِكَيْدِهِنَّ عَلِيمٌ﴾ [يوسف: ٥٠].
وقَوْلُهُ: ﴿وَقَالَ الْمَلِكُ ائْتُونِي بِهِ أَسْتَخْلِصْهُ لِنَفْسِي﴾ [يوسف: ٥٤].
وقَوْلُهُ: ﴿قَالُوا نَفْقِدُ صُوَاعَ الْمَلِكِ وَلِمَنْ جَاءَ بِهِ حِمْلُ بَعِيرٍ وَأَنَا بِهِ زَعِيمٌ﴾ [يوسف: ٧٢].
وقَوْلُهُ: ﴿كَذَلِكَ كِدْنَا لِيُوسُفَ مَا كَانَ لِيَأْخُذَ أَخَاهُ فِي دِينِ الْمَلِكِ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ﴾ [يوسف: ٧٦].
وفي هذه الآيات إطلاق اسم الملك بأل التعريف على غير الله تعالى.
ومن هذا الباب ما جاء عن جماعة من الصحابة الذين سموا بالحكم ولم يغير النبي ﷺ أسماءهم كما سبق.
стр. 6412
٧ - ومن الأسماء المنهي عنها: أسماء الأصنام، كهبل، ومناة، واللات، والعزة، ويغوث، ويعوق، وغير ذلك.
قَالَ الْعَلَّامَةُ ابْنُ عُثَيْمِيْنَ ﵀ فِي [مُجْمُوعِ فَتَاوَى وَرَسَائِلَ الْعُثَيْمِيْن] (٢٥/ ٢٣٣): « … ثم الأسماء الأخرى التي يعتادها الناس ما لم يكن اسمًا لا يليق بالبشر، أو كانت أسماء لأصنام، أو أسماء لرؤساء كفرة، وما أشبه ذلك فإنَّه لا يسمى بها» اهـ.
٨ - وقد منع بعض العلماء التسمية بأسماء القرآن وسوره.
قَالَ الْعَلَّامَةُ ابْنُ الْقَيِّمِ ﵀ فِي [تُحْفَةِ الْمَوْدُوْدِ] (ص: ١٢٧): «ومما يمنع منه التسمية بأسماء القرآن وسوره مثل طه ويس وحم، وقد نص مالك على كراهة التسمية بـ "يس" ذكره السهلي، وأما يذكره العوام أنَّ يس وطه من أسماء النبي ﷺ فغير صحيح ليس ذلك في حديث صحيح ولا حسن ولا مرسل ولا أثر عن صاحب وإنَّما هذه الحروف مثل الم وحم والر ونحوها» اهـ. قُلْتُ: وهذا محمول على الأسماء المختصة، وأمَّا المشتركة كإبراهيم، ومحمد، ونوح، ولقمان، ويونس، وهود، ويوسف، ومريم، فلا تدخل في ذلك.
стр. 6413
قَالَ الْعَلَّامَةُ ابْنُ عُثَيْمِيْنَ ﵀ فِي [مُجْمُوعِ فَتَاوَى وَرَسَائِلَ الْعُثَيْمِيْن] (٢٥/ ٢٨٦):
«قال العلماء: أو بأسماء القرآن فإنَّه لا يجوز أن يسمي ابنه فرقانًا، أو ما أشبه ذلك؛ لأنَّ هذه خاصة بالقرآن الكريم، والقرآن أسماؤه محترمة فلا يسمى به أحد من البشر» اهـ.
ومما يكره من التسمي.
١ - التسمي بأسماء تحمل معاني تكرهها النفوس، كحرب، ومرة، وحزن، وشهاب، وعاصية، وأصرم، ونحو ذلك، ويدخل في ذلك أيضاً أسماء الحيوانات التي تكرهها النفوس كالكلب، والخنزير، والحية، والعقرب، والفأر، وغير ذلك.
وقد جاء في كراهة التسمي بحرب ومرة، ما رواه أحمد (١٩٠٥٤)، وأبو داود (٤٩٥٠) من طريق هِشَامِ بْنِ سَعِيدٍ الطَّالْقَانِيُّ، أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُهَاجِرِ الْأَنْصَارِيُّ، قَالَ: حَدَّثَنِي عَقِيلُ ابْنُ شَبِيبٍ، عَنْ أَبِي وَهْبٍ الْجُشَمِيِّ، وَكَانَتْ لَهُ صُحْبَةٌ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «تَسَمَّوْا بِأَسْمَاءِ الْأَنْبِيَاءِ، وَأَحَبُّ الْأَسْمَاءِ إِلَى اللَّهِ عَبْدُ اللَّهِ، وَعَبْدُ الرَّحْمَنِ، وَأَصْدَقُهَا حَارِثٌ، وَهَمَّامٌ، وَأَقْبَحُهَا حَرْبٌ وَمُرَّةُ».
стр. 6414
قُلْتُ: عقيل بن شبيب هذا مجهول، لكن يشهد للحديث ما رواه ابن وهب في [الْجَامِعِ] (٤٦) أَخْبَرَنِي دَاوُدُ بْنُ قَيْسٍ، عَنْ عَبْدِ الْوَهَّابِ بْنِ بُخْتٍ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «خَيْرُ الْأَسْمَاءِ: عَبْدُ اللَّهِ، وَعَبْدُ الرَّحْمَنِ، وَأَصْدَقُ الْأَسْمَاءِ: هَمَّامٌ وَحَارِثٌ، وَشَرُّ الْأَسْمَاءِ: حَرْبٌ، وَمُرَّةُ».
قُلْتُ: هَذَا مُرْسَلٌ صَحِيْحٌ.
رواه أيضاً في [الْجَامِعِ] (٥٣) وَأَخْبَرَنِي ابْنُ لَهِيعَةَ، عَنْ جَعْفَرِ بْنِ رَبِيعَةَ، عَنْ رَبِيعَةَ بْنِ يَزِيدَ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَامِرٍ الْيَحْصِبِيِّ، أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: «خَيْرُ الْأَسْمَاءِ عَبْدُ اللَّهِ، وَعَبْدُ الرَّحْمَنِ، وَنَحْوَ هَذَا، وَأَصْدَقُ الْأَسْمَاءِ الْحَارِثُ، وَهَمَّامٌ، حَارِثٌ لِدُنْيَاهُ وَلِدِينِهِ، وَهَمَّامٌ بِهِمَا. وَشَرٌّ الْأَسْمَاءِ حَرْبٌ، وَمُرَّةُ».
قُلْتُ: هَذَا مُرْسَلٌ ضَعِيْفٌ.
ورواه أيضاً (٦٩) فَقَالَ: وَأَخْبَرَنِي يُونُسُ بْنُ يَزِيدَ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، قَالَ: بَلَغَنِي أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﵇ قَالَ: «شَرُّ الْأَسْمَاءِ حَرْبٌ، وَمُرَّةُ، وَخَيْرُهَا عَبْدٌ، وَعُبَيْدٌ، وَأَصْدَقُهَا الْحَارِثُ، وَهَمَّامٌ».
قُلْتُ: وهَذَا مُرْسَلٌ أَيْضًا.
стр. 6415
ورواه أيضًا (٧١) فَقَالَ: وَحَدَّثَنِي عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ، عَنْ نَافِعٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ، عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﵇ قَالَ: «أَصْدَقُ الْأَسْمَاءِ الْحَارِثُ، وَهَمَّامٌ، وَأَبْغَضُهَا إِلَى اللَّهِ حَرْبٌ، وَمُرَّةُ، وَأَكْذَبُهَا خَالِدٌ، وَمَالِكٌ، لَا مَالِكَ إِلَّا اللَّهُ».
قُلْتُ: عبد الله بن عمر هو العمري الضعيف.
فَالْحَدِيْثُ حَسَنٌ بِهَذِهِ الشَّوَاهِدِ دون قَوْلِهِ: «تَسَمَّوْا بِأَسْمَاءِ الْأَنْبِيَاءِ». فإنَّه خارج عن الشواهد.
وجاء في كراهة التسمية بِحَزْن فيما رواه البخاري (١٩٠) عَنِ ابْنِ الْمُسَيَّبِ، عَنْ أَبِيهِ، أَنَّ أَبَاهُ جَاءَ إِلَى النَّبِيِّ ﷺ فَقَالَ: «مَا اسْمُكَ». قَالَ: حَزْنٌ قَالَ: «أَنْتَ سَهْلٌ». قَالَ: لَا أُغَيِّرُ اسْمًا سَمَّانِيهِ أَبِي قَالَ ابْنُ الْمُسَيَّبِ فَمَا زَالَتِ الْحُزُونَةُ فِينَا بَعْد.
قلت: وحزن قال في معناه الْحِافِظُ ابْنُ حَجَرٍ ﵀ فِي [فَتْحِ الْبَارِي] (١٠/ ٥٧٤):
«بفتح المهملة وسكون الزاي ما غلظ من الأرض وهو ضد السهل واستعمل في الخلق يقال في فلان حزونة أي في خلقه غلظة وقساوة» اهـ.
стр. 6416
وَقَالَ الْعَلَّامَةُ ابْنُ الْقَيِّمِ ﵀ فِي [تُحْفَةِ الْمَوْدُوْدِ] (ص: ١٢١): «والحزونة الغلظة، ومنه أرض حزنة، وأرض سهلة».
وجاء في كراهة التسمية بشهاب ما رواه أحمد (٢٤٥٠٩) حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ بْنُ دَاوُدَ قَالَ: أَخْبَرَنَا عِمْرَانُ، عَنْ قَتَادَةَ، عَنْ زُرَارَةَ، عَنْ سَعْدِ بْنِ هِشَامٍ، عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: سَمِعَ النَّبِيُّ ﷺ رَجُلًا يَقُولُ لِرَجُلٍ: مَا اسْمُكَ؟ فَقَالَ: شِهَابٌ، فَقَالَ: «أَنْتَ هِشَامٌ».
قُلْتُ: هَذَا حَدِيْثٌ حَسَنٌ، وعمران هو ابن داود العمي القطان فيه ضعف؛ لكن قال ابن شاهين في "الثقات": «كان من أخص الناس بقتادة» اهـ.
وجاء في كراهة التسمي بعاصية ما رواه مسلم (٢١٣٩) عَنْ ابْنِ عُمَرَ: «أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ غَيَّرَ اسْمَ عَاصِيَةَ وَقَالَ: "أَنْتِ جَمِيلَةُ"».
قَالَ الْعَلَّامَةُ الْمُبَارَكْفُورِيُّ ﵀ فِي [تُحْفَةِ الْأَحْوَذِيِّ] (٧/ ١٥٤): «ولعله لم يسمها مطيعة مع أنَّها ضد العاصية مخافة التزكية» اهـ.
قلت: لكن يشكل على هذا أنَّ النبي ﷺ غير العاص إلى مطيع.
فروى البخاري في [الْأَدَبِ الْمُفْرَدِ] (٨٢٦)، وابن حبان في [صَحِيْحِهِ] (٣٧١٨)، والطبراني في [الْكَبِيْرِ] (١٧٠٨١)، وابن أبي عاصم في [الْآحَادِ وَالْمَثَانِيِّ]
стр. 6417
(٧٦٣)، والحاكم في [الْمُسْتَدْرَكِ] (٧٧٢٦)، والحميدي في [مُسْنَدِهِ] (٥٩٦)، ومن طريقه ابن قانع في [مُعْجَمِ الصَّحَابَةِ] (١٠٩٤)، ورواه أبو نعيم في [الْمَعْرِفَةِ] (٤٠٣٠)، والدولابي في [الكُنَى] (٣٥٤) عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مُطِيعٍ قَالَ: سَمِعْتُ مُطِيعًا يَقُولُ: سَمِعْتُ النَّبِيَّ ﷺ يَقُولُ، يَوْمَ فَتْحِ مَكَّةَ: «لَا يُقْتَلُ قُرَشِيٌّ صَبْرًا بَعْدَ الْيَوْمِ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ»، فَلَمْ يُدْرِكِ الإِسْلَامَ أَحَدٌ مِنْ عُصَاةِ قُرَيْشٍ غَيْرُ مُطِيعٍ، كَانَ اسْمُهُ الْعَاصَ فَسَمَّاهُ النَّبِيُّ ﷺ مُطِيعًا.
قُلْتُ: هَذَا حَدِيْثٌ صَحِيْحٌ.
ورواه أحمد (١٥٤٤٥) بِإِسْنَادٍ حَسَنٍ.
وجاء في كراهة التسمي بأصرم ما رواه أبو داود (٤٩٥٤) حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ، حَدَّثَنَا بِشْرٌ يَعْنِي ابْنَ الْمُفَضَّلِ، قَالَ: حَدَّثَنِي بَشِيرُ بْنُ مَيْمُونٍ، عَنْ عَمِّهِ أُسَامَةَ بْنِ أَخْدَرِيٍّ، أَنَّ رَجُلًا يُقَالُ لَهُ أَصْرَمُ كَانَ فِي النَّفَرِ الَّذِينَ أَتَوْا رَسُولَ اللَّهِ ﷺ ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «مَا اسْمُكَ؟» قَالَ: أَنَا أَصْرَمُ، قَالَ: «بَلْ أَنْتَ زُرْعَةُ».
قُلْتُ: هَذَا حَدِيْثٌ حَسَنٌ.
стр. 6418
الصرم هو القطيعة يقال: صرمت الحبل إذا قطعته، وصرمت النخلة إذا جذذت ثمرها.
٢ - وهكذا التسمي بالأسماء التي تحمل معاني الحب والغرام والعشق والفحش، كغرام، وفتنة، نهاد، وصال، فاتن، ونحو ذلك. وهذا أقل ما فيه الكراهة إن لم يصل إلى التحريم.
٣ - ومن الأسماء التي يستحب اجتنابها وتغييرها الأسماء التي فيها تزكية، كبرة، وإيمان، وإحسان، ومؤمن، ومحسن، وصادق، وعادل، وصالح، وتقي، وتقية، ومهدي، والمصطفى، والمجتبى، وغير ذلك.
فقد روى البخاري (٦١٩٢)، ومسلم (٢١٤١) عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ: «أَنَّ زَيْنَبَ كَانَ اسْمُهَا بَرَّةَ، فَقِيلَ: تُزَكِّي نَفْسَهَا، فَسَمَّاهَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ زَيْنَبَ».
وروى مسلم (٢١٤٠) عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، قَالَ: «كَانَتْ جُوَيْرِيَةُ اسْمُهَا بَرَّةُ فَحَوَّلَ رَسُولُ اللهِ ﷺ اسْمَهَا جُوَيْرِيَةَ، وَكَانَ يَكْرَهُ أَنْ يُقَالَ: خَرَجَ مِنْ عِنْدَ بَرَّةَ».
وروى مسلم (٢١٤٢) عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَمْرِو بْنِ عَطَاءٍ، قَالَ: سَمَّيْتُ ابْنَتِي بَرَّةَ، فَقَالَتْ لِي زَيْنَبُ بِنْتُ أَبِي سَلَمَةَ: إِنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ نَهَى عَنْ هَذَا
стр. 6419
الِاسْمِ، وَسُمِّيتُ بَرَّةَ، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : «لَا تُزَكُّوا أَنْفُسَكُمْ، اللهُ أَعْلَمُ بِأَهْلِ الْبِرِّ مِنْكُمْ» فَقَالُوا: بِمَ نُسَمِّيهَا؟ قَالَ: «سَمُّوهَا زَيْنَبَ».
قُلْتُ: وشبيه ببرة أبرار، قَالَ الْعَلَّامَةُ ابْنُ عُثَيْمِيْنَ ﵀ فِي [مُجْمُوعِ فَتَاوَى وَرَسَائِلَ الْعُثَيْمِيْن] (٢٥/ ٢٥١):
«فأبرار مثلاً لا يسمى به لأنَّ النبي ﷺ غير اسم برة وهي واحدة فكيف بأبرار؟!» اهـ.
وأمَّا بريرة فليس من هذا الباب، فقد قَالَ الْعَلَّامَةُ ابْنُ مَنْظُورٍ ﵀ فِي [لِسَانِ الْعَرَبِ] (٤/ ٥١): «والبَريرُ ثمر الأَراك عامَّةً والمَرْدُ غَضُّه والكَباثُ نَضِيجُه، وقيل: البريرُ أَوَّل ما يظهر من ثمر الأَراك وهو حُلْو، وقال أَبو حنيفة: البَرِيرُ أَعظم حبّاً من الكَبَاث وأَصغر عُنقُوداً منه وله عَجَمَةٌ مُدَوّرَةٌ صغيرة صُلْبَة أَكبر من الحِمَّص قليلاً وعُنْقُوده يملأُ الكف الواحدة من جميع ذلك بَرِيرَةٌ» اهـ.
قُلْتُ: ومن أجل هذا والله أعلم عدل النبي ﷺ من تسمية عاصية بمطيعة وسماها جميلة، لما في ذلك من معنى التزكية.
قَالَ الْعَلَّامَةُ الْقُرْطُبِي ﵀ فِي [الْمُفْهِم] (١٧/ ١٣٤): «ويجري هذا المجرى في المنع ما قد كثر في هذه الديار من نعتهم أنفسهم بالنعوت التي تقتضي التزكية،
стр. 6420
كزكي الدين، ومحيي الدين، وما أشبه ذلك من الأسماء الجارية في هذه الأزمان؛ التي يقصد بها المدح، والتزكية، لكن لما كثرت قبائح المسمين بهذه الأسماء في هذا الزمان ظهر تخلف هذه النعوت عن أصلها، فصارت لا تفيد شيئاً من أصل موضوعاتها، بل ربما يسبق منها في بعض المواضع، أو في بعض الأشخاص نقيض موضوعها، فيصير الحال فيها كالحال في تسمية العرب: المهلكة بالمفازة، والحقير بالجليل، تجملاً بإطلاق الاسم مع القطع باستقباح المسمى» اهـ.
وأمَّا التسمي بأسماء الملائكة فكرهه الإمام مالك، وأجازه غيره، والصحيح الجواز، وما جاء من النهي عن ذلك فلا يصح.
ومالك فيما يبدو لي الأسماء المختصة بالملائكة، وإلَّا فإنَّ مالكاً من أسماء الملائكة. والله أعلم.
وأمَّا تسمية الإناث بأسماء الملائكة فيجتنب خشية التشبه بالمشركين الذين جعلوا الملائكة إناثاً، ومن هذا الباب التسمية بملائكة، أو ملاك.
٤ - وفيه من الآداب استئذان المحرم إذا أراد الدخول على محرمه.
* * *
стр. 6421
٣٢٨ - وَعَنْهَا ﵂ قَالَتْ: «دَخَلَ عَلَيَّ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وَعِنْدِي رَجُلٌ، فَقَالَ: "يَا عَائِشَةُ، مَنْ هَذَا؟ ". قُلْت: أَخِي مِنْ الرَّضَاعَةِ. فَقَالَ: "يَا عَائِشَةُ: اُنْظُرْنَ مَنْ إخْوَانُكُنَّ؟ فَإِنَّمَا الرَّضَاعَةُ مِنْ الْمَجَاعَةِ"».
وَفِي الْحَدِيْثِ مَسَائِلُ مِنْهَا:
١ - أنَّ الرضاعة المُحَرِّمة هي التي تكون في الوقت الذي يستغني بها الطفل عن غيرها من الطعام بحيث تكون كافية لسد جوعه، وهذا إنَّما يكون في الحولين.
٢ - وفيه حجة لمذهب أكثر العلماء من أنَّ رضاع الكبير لا تحصل به حرمة الرضاع.
ويدل على ذلك أيضاً ما رواه الترمذي (١١٥٢)، والنسائي في [الْكُبْرَى] (٥٤٦٥) من طريق قُتَيْبَةَ قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو عَوَانَةَ، عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ، عَنْ فَاطِمَةَ بِنْتِ المُنْذِرِ، عَنْ أُمِّ سَلَمَةَ قَالَتْ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «لَا يُحَرِّمُ مِنَ الرِّضَاعَةِ إِلَّا مَا فَتَقَ الأَمْعَاءَ فِي الثَّدْيِ، وَكَانَ قَبْلَ الفِطَامِ».
قُلْتُ: هَذَا إِسْنَادٌ ظَاهِرُهُ الصِّحَةُ. لكن أعله ابن حزم بالانقطاع بين فاطمة وأم سلمة.
стр. 6422
وأجاب عن ذلك الْعَلَّامَةُ ابْنُ الْمُلَقِّنِ فَقَالَ ﵀ فِي [الْبَدْرِ الْمُنِيْرِ] (٨/ ٢٧٣ - ٢٧٤):
«وعزاه ابن حزم إلى النسائي ثم قال: هذا خبر منقطع؛ لأنَّ فاطمة بنت المنذر لم تسمع من أم سلمة أم المؤمنين؛ لأنَّها كانت أسن من زوجها هشام باثني عشر عاماً، وكان مولد هشام سنة ستين فمولد فاطمة على هذا سنة ثمان وأربعين، وماتت أم سلمة سنة تسع وخمسين وفاطمة صغيرة لم تلقها، فكيف أن تحفظ عنها، ولم تسمع من خالة أبيها عائشة أم المؤمنين شيئاً، وهي في حجرها إنَّما أبعد سماعها من جدتها أسماء بنت أبي بكر. وتبع عبد الحق ابن حزم على ذلك، فقال في "أحكامه": تكلموا في سماع فاطمة بنت المنذر من أم سلمة، ثم ذكر بعض كلام ابن حزم وينبغي أن تحرر رواية النسائي، فلم أر أحداً من أصحاب الأطراف عزاه إلَّا إلى الترمذي خاصة، وقول ابن حزم: إنَّه منقطع؛ لأنَّ فاطمة لم تسمع من أم سلمة وذكر مولدها عجيب؛ لأنَّ عُمر فاطمة حين ماتت أم سلمة على ما ذكر إحدى عشرة سنة فكيف لم تلقها وهما في المدينة. وقد روي عن هشام أيضاً أنَّ فاطمة أكبر منه بثلاث عشرة سنة فيكون على هذا عمرها إذ ذاك اثني عشرة سنة، وعلى قول من يقول إنَّ أم سلمة توفيت سنة اثنين وستين، خمس عشرة سنة» اهـ.
стр. 6423
ولهذا قَالَ الْحَافِظُ الْعِرَاقِيَّ ﵀ فِي [تُحْفَةِ التَّحْصِيْلِ] (ص: ٣٧٨): «فاطمة بنت المنذر قال ابن حزم: لم تسمع من أم سلمة، واستدل على ذلك بشيء فيه نظر» اهـ.
وسيأتي بمشيئة الله تعالى كلام العلامة ابن القيم ﵀ في رد ذلك.
وقد تابع ابن حزم في ذلك الْعَلَّامَةُ الشَّوْكَانِيُّ فَقَالَ ﵀ فِي [نَيْلِ الْأَوْطَارِ] (٧/ ٧٢):
«حديث أم سلمة أخرجه أيضاً الحاكم وصححه، وأعل بالانقطاع لأنَّه من رواية فاطمة بنت المنذر بن الزبير الأسدية عن أم سلمة ولم تسمع منها شيء لصغر سنها إذ ذاك» اهـ.
وتابعه على ذلك شَيْخُنَا الْعَلَّامَةُ مُقْبِلُ بْنُ هَادِي ﵀ فَقَالَ فِي [أَحَادِيْثَ مُعَلَةٍ ظَاهِرُهَا الصِّحَةِ] تحت رقم (٥١٦): «الحديث رواته رواة الصحيح، ولكن الإمام الشوكاني ﵀ يقول … ». فذكره.
ورواه ابن أبي شيبة في [مُصَنَّفِهِ] (١٧٣٣٩) حَدَّثَنَا عَبْدَةُ، عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ، عَنْ يَحْيَى بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ حَاطِبٍ، عَنْ جَدِّهِ، أَنَّهُ سَأَلَ أُمَّ سَلَمَةَ، عَنِ الرَّضَاعِ، فَقَالَتْ: «لَا رَضَاعَ، إِلَّا مَا كَانَ فِي الْمَهْدِ قَبْلَ الْفِطَامِ».
стр. 6424
قُلْتُ: هَذَا مَوْقُوفٌ صَحِيْحٌ.
ورواه ابن أبي شيبة في [مُصَنَّفِهِ] (١٧٣٤٠) حَدَّثَنَا عَبْدَةُ، عَنْ هِشَامٍ، عَنْ أَبِيهِ، أَنَّ أَبَا هُرَيْرَةَ، سُئِلَ عَنِ الرَّضَاعِ؟ فَقَالَ: «لَا يُحَرِّمُ مِنَ الرَّضَاعِ، إِلَّا مَا فَتَقَ الْأَمْعَاءَ، وَكَانَ فِي الثَّدْيِ قَبْلَ الْفِطَامِ».
قُلْتُ: هَذَا مَوْقُوفٌ صَحِيْحٌ.
وكل هذا مما يشهد للمرفوع ويقويه.
قَالَ شَيْخُ الْإِسْلَامِ ابْنُ تَيْمِيَّةَ ﵀ كَمَا فِي [مَجْمُوْعِ الْفَتَاوَى] (٣٤/ ٥٩): «ومعنى قوله في: "الثدي" أي وقته وهو الحولان كما جاء في الحديث "إنَّ ابني إبراهيم مات في الثدي" أي وهو في زمن الرضاع. وهذا يقتضي أنَّه لا رضاع بعد الحولين ولا بعد الفطام وإن كان الفطام قبل تمام الحولين» اهـ.
قُلْتُ: الحديث الذي ذكره شيخ الإسلام رواه مسلم (٢٣١٦) من طريق عَمْرِو بْنِ سَعِيدٍ، عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ، قَالَ: «مَا رَأَيْتُ أَحَدًا كَانَ أَرْحَمَ بِالْعِيَالِ مِنْ رَسُولِ اللهِ ﷺ »، قَالَ: «كَانَ إِبْرَاهِيمُ مُسْتَرْضِعًا لَهُ فِي عَوَالِي الْمَدِينَةِ، فَكَانَ يَنْطَلِقُ وَنَحْنُ مَعَهُ فَيَدْخُلُ الْبَيْتَ وَإِنَّهُ لَيُدَّخَنُ، وَكَانَ ظِئْرُهُ قَيْنًا، فَيَأْخُذُهُ فَيُقَبِّلُهُ، ثُمَّ يَرْجِعُ».
стр. 6425
قَالَ عَمْرٌو: فَلَمَّا تُوُفِّيَ إِبْرَاهِيمُ قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : «إِنَّ إِبْرَاهِيمَ ابْنِي وَإِنَّهُ مَاتَ فِي الثَّدْيِ وَإِنَّ لَهُ لَظِئْرَيْنِ تُكَمِّلَانِ رَضَاعَهُ فِي الْجَنَّةِ».
قَالَ الْحِافِظُ ابْنُ حَجَرٍ ﵀ فِي [فَتْحِ الْبَارِي] (٣/ ١٧٤): «ظاهر سياقه الإرسال» اهـ.
وحجة من ذهب إلى حصول الحرمة برضاع الكبير ما رواه مسلم (١٤٥٣) عَنْ عَائِشَةَ، قَالَتْ: جَاءَتْ سَهْلَةُ بِنْتُ سُهَيْلٍ إِلَى النَّبِيِّ ﷺ ، فَقَالَتْ: يَا رَسُولَ اللهِ، إِنِّي أَرَى فِي وَجْهِ أَبِي حُذَيْفَةَ مِنْ دُخُولِ سَالِمٍ وَهُوَ حَلِيفُهُ، فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ : «أَرْضِعِيهِ»، قَالَتْ: وَكَيْفَ أُرْضِعُهُ؟ وَهُوَ رَجُلٌ كَبِيرٌ، فَتَبَسَّمَ رَسُولُ اللهِ ﷺ وَقَالَ: «قَدْ عَلِمْتُ أَنَّهُ رَجُلٌ كَبِيرٌ».
وفي لفظ له قالت: إِنَّ سَالِمًا قَدْ بَلَغَ مَا يَبْلُغُ الرِّجَالُ. وَعَقَلَ مَا عَقَلُوا. وَإِنَّهُ يَدْخُلُ عَلَيْنَا. وَإِنِّي أَظُنُّ أَنَّ فِي نَفْسِ أَبِي حُذَيْفَةَ مِنْ ذَلِكَ شَيْئًا. فَقَالَ لَهَا النَّبِيُّ ﷺ : «أَرْضِعِيهِ تَحْرُمِي عَلَيْهِ، وَيَذْهَبِ الَّذِي فِي نَفْسِ أَبِي حُذَيْفَةَ». فَرَجَعَتْ فَقَالَتْ: إِنِّي قَدْ أَرْضَعْتُهُ. فَذَهَبَ الَّذِي فِي نَفْسِ أَبِي حُذَيْفَةَ.
وفي لفظ آخر عند مسلم أيضاً من حديثها قالت: جَاءَتْ سَهْلَةُ بِنْتُ سُهَيْلٍ إِلَى رَسُولِ اللهِ ﷺ ، فَقَالَتْ: يَا رَسُولَ اللهِ، وَاللهِ إِنِّي لَأَرَى فِي وَجْهِ
стр. 6426
أَبِي حُذَيْفَةَ مِنْ دُخُولِ سَالِمٍ، قَالَتْ: فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : «أَرْضِعِيهِ»، فَقَالَتْ: إِنَّهُ ذُو لِحْيَةٍ فَقَالَ: «أَرْضِعِيهِ يَذْهَبْ مَا فِي وَجْهِ أَبِي حُذَيْفَةَ»، فَقَالَتْ: وَاللهِ مَا عَرَفْتُهُ فِي وَجْهِ أَبِي حُذَيْفَةَ.
وقد كانت عائشة ﵁ تأخذ بهذا، وخالفنها سائر أزواج النبي ﷺ ، فروى مسلم (١٤٥٤) عَنْ أَبِي عُبَيْدَةَ بْنِ عَبْدِ اللهِ بْنِ زَمْعَةَ، أَنَّ أُمَّهُ زَيْنَبَ بِنْتَ أَبِي سَلَمَةَ، أَخْبَرَتْهُ أَنَّ أُمَّهَا أُمَّ سَلَمَةَ، زَوْجَ النَّبِيِّ ﷺ ، كَانَتْ تَقُولُ: «أَبَى سَائِرُ أَزْوَاجِ النَّبِيِّ ﷺ أَنْ يُدْخِلْنَ عَلَيْهِنَّ أَحَدًا بِتِلْكَ الرَّضَاعَةِ، وَقُلْنَ لِعَائِشَةَ: وَاللهِ مَا نَرَى هَذَا إِلَّا رُخْصَةً أَرْخَصَهَا رَسُولُ اللهِ ﷺ لِسَالِمٍ خَاصَّةً، فَمَا هُوَ بِدَاخِلٍ عَلَيْنَا أَحَدٌ بِهَذِهِ الرَّضَاعَةِ، وَلَا رَائِينَا».
قَالَ شَيْخُ الْإِسْلَامِ ابْنُ تَيْمِيَّةَ ﵀ كَمَا فِي [مَجْمُوْعِ الْفَتَاوَى] (٣٤/ ٦٠): «وهذا الحديث أخذت به عائشة وأبى غيرها من أزواج النبي ﷺ أن يأخذن به؛ مع أنَّ عائشة روت عنه قال: "الرضاعة من المجاعة" لكنَّها رأت الفرق بين أن يقصد رضاعة أو تغذية. فمتى كان المقصود الثاني لم يحرم إلَّا
стр. 6427
ما كان قبل الفطام. وهذا هو إرضاع عامة الناس. وأمَّا الأول فيجوز إن احتيج إلى جعله ذا محرم. وقد يجوز للحاجة ما لا يجوز لغيرها. وهذا قول متوجه» اهـ.
وقد حرَّر القول في هذه المسألة الْعَلَّامَةُ ابْنُ الْقَيِّمِ ﵀ فِي [زَادِ الْمَعَادِ] (٥/ ٥٧٧ - ٥٩٣) فَقَالَ:
«فصل والحكم الرابع: أنَّ الرضاع الذي يتعلق به التحريم ما كان قبل الفطام في زمن الارتضاع المعتاد، وقد اختلف الفقهاء في ذلك، فقال الشافعي، وأحمد، وأبو يوسف، ومحمد: هو ما كان في الحولين، ولا يحرم ما كان بعدهما، وصح ذلك عن عمر، وابن مسعود، وأبي هريرة، وابن عباس، وابن عمر، وروى عن سعيد بن المسيب، والشعبي وابن شبرمة، وهو قول سفيان. وإسحاق وأبي عبيد، وابن حزم، وابن المنذر، وداود، وجمهور أصحابه.
وقالت طائفة: الرضاع المحرم ما كان قبل الفطام، ولم يحدوه بزمن، صح ذلك عن أم سلمة، وابن عباس وروى عن علي، ولم يصح عنه، وهو قول الزهري، والحسن، وقتادة، وعكرمة، والأوزاعي. قال الأوزاعي: إن فطم وله عام واحد واستمر فطامه، ثم رضع في الحولين، لم يحرم هذا الرضاع شيئاً، فإن تمادى رضاعه
стр. 6428
ولم يفطم، فما كان في الحولين فإنَّه يحرم. وما كان بعدهما، فإنَّه لا يحرم، وإن تمادى الرضاع.
وقالت طائفة: الرضاع المحرم ما كان في الصغر، ولم يوقته هؤلاء بوقت، وروي هذا عن ابن عمر، وابن المسيب، وأزواج رسول الله ﷺ خلا عائشة ﵂.
وقال أبو حنيفة وزفر: ثلاثون شهراً، وعن أبي حنيفة رواية أخرى، كقول أبي يوسف ومحمد.
وقال مالك في المشهور من مذهبه: يحرم في الحولين، وما قاربهما، ولا حرمة له بعد ذلك. ثم روي عنه اعتبار أيام يسيرة، وروي عنه شهران. وروي شهر، ونحوه. وروى عنه الوليد بن مسلم وغيره: أنَّ ما كان بعد الحولين من رضاع بشهر أو شهرين أو ثلاثة أشهر، فإنَّه عندي من الحولين، وهذا هو المشهور عند كثير من أصحابه. والذي رواه عنه أصحاب "الموطأ" وكان يقرأ عليه إلى أن مات قوله فيه: وما كان من الرضاع بعد الحولين كان قليله وكثيره لا يحرم شيئاً، إنَّما هو بمنزلة الطعام، هذا لفظه.
стр. 6429
وقال: إذا فصل الصبي قبل الحولين، واستغنى بالطعام عن الرضاع، فما ارتضع بعد ذلك لم يكن للرضاع حرمة.
وقال الحسن بن صالح، وابن أبي ذئب وجماعة من أهل الكوفة: مدة الرضاع المحرم ثلاث سنين، فما زاد عليها لم يحرم.
وقال عمر بن عبد العزيز: مدته إلى سبع سنين، وكان يزيد بن هارون يحكيه عنه كالمتعجب من قوله. وروى عنه خلاف هذا، وحكى عنه ربيعة، أنَّ مدته حولان، واثنا عشر يوماً.
وقالت طائفة من السلف والخلف: يُحَرِّم رضاع الكبير، ولو أنَّه شيخ، فروى مالك، عن ابن شهاب، أنَّه سئل عن رضاع الكبير، فقال: أخبرني عروة بن الزبير، بحديث أمر رسول الله ﷺ سهلة بنت سهيل برضاع سالم، ففعلت، وكانت تراه ابناً لها. قال عروة: فأخذت بذلك عائشة أم المؤمنين ﵂ فيمن كانت تحب أن يدخل عليها من الرجال، فكانت تأمر أختها أم كلثوم، وبنات أخيها يرضعن من أحبت أن يدخل عليها من الرجال.
وقال عبد الرزاق: حدثنا ابن جريج، قال: سمعت عطاء بن أبي رباح وسأله رجل فقال: سقتني امرأة من لبنها بعد ما كنت رجلاً كبيراً. أفأنكحها؟ قال عطاء: لا
стр. 6430
تنكحها، فقلت له: وذلك رأيك؟ قال: نعم، كانت عائشة ﵂ تأمر بذلك بنات أخيها.
وهذا قول ثابت عن عائشة ﵂. ويروى عن علي، وعروة بن الزبير. وعطاء بن أبي رباح، وهو قول الليث بن سعد، وأبي محمد ابن حزم، قال: ورضاع الكبير ولو أنَّه شيخ يحرم كما يحرم رضاع الصغير. ولا فرق، فهذه مذاهب الناس في هذه المسألة.
ولنذكر مناظرة أصحاب الحولين، والقائلين برضاع الكبير، فإنَّهما طرفان، وسائر الأقوال متقاربة.
قال أصحاب الحولين: قال الله تعالى: ﴿وَالوَالِدَاتُ يُرْضِعْنَ أَوْلَادَهُنَّ حَوْلَيْنِ كَامِلَيْنِ لِمَنْ أَرَادَ أَنْ يُتِمَّ الرَّضَاعَةَ﴾ قالوا: فجعل تمام الرضاعة حولين، فدل على أنَّه لا حكم لما بعدهما، فلا يتعلق به التحريم.
قالوا: وهذه المدة هي مدة المجاعة التي ذكرها رسول الله ﷺ ، وقصر الرضاعة المحرمة عليها. قالوا: وهذه مدة الثدي الذي قال فيها: "لا رضاع إلَّا ما كان في الثدي"، أي في زمن الثدي، وهذه لغة معروفة عند العرب، فإنَّ العرب يقولون: فلان مات في الثدي، أي: في زمن الرضاع قبل الفطام، ومنه
стр. 6431
الحديث المشهور: "إنَّ إبراهيم مات في الثدي وإن له مرضعاً في الجنة تتم رضاعه". يعني إبراهيم ابنه صلوات الله وسلامه عليه.
قالوا: وأكد ذلك بقَوْلِهِ: "لا رضاع إلاَّ ما فتق الأمعاء، وكان في الثدي قبل الفطام"، فهذه ثلاثة أوصاف للرضاع المحرم، ومعلوم أنَّ رضاع الشيخ الكبير عار من الثلاثة. قالوا: وأصرح من هذا حديث ابن عباس: "لا رضاع إلَّا ما كان في الحولين".
قالوا: وأكده أيضاً حديث ابن مسعود: "لا يحرم من الرضاعة إلَّا ما أنبت اللحم وأنشز العظم"، ورضاع الكبير لا ينبت لحماً، ولا ينشز عظماً.
قالوا: ولو كان رضاع الكبير محرماً لما قال النبي ﷺ لعائشة وقد تغير وجهه، وكره دخول أخيها من الرضاعة عليها لما رآه كبيراً: "انظرن من إخوانكن" فلو حرم رضاع الكبير، لم يكن فرق بينه وبين الصغير، ولما كره ذلك وقال: "انظرن من إخوانكن"، ثم قال: "فإنَّما الرضاعة من المجاعة" وتحت هذا من المعنى خشية أن يكون قد ارتضع في غير زمن الرضاع وهو زمن المجاعة، فلا ينشر الحرمة، فلا يكون أخاً.
стр. 6432
قالوا: وأمَّا حديث سهلة في رضاع سالم، فهذا كان في أول الهجرة لأنَّ قصته كانت عقيب نزول قوله تعالى: ﴿ادْعُوهُم لآبائِهِمْ﴾ وهي نزلت في أول الهجرة.
وأمَّا أحاديث اشتراط الصغر، وأن يكون في الثدي قبل الفطام، فهي من رواية ابن عباس، وأبي هريرة، وابن عباس إنَّما قدم المدينة قبل الفتح، وأبو هريرة إنَّما أسلم عام فتح خيبر بلا شك، كلاهما قدم المدينة بعد قصة سالم في رضاعه من امرأة أبي حذيفة.
قال المثبتون للتحريم برضاع الشيوخ: قد صح عن النبي ﷺ صحة لا يمتري فيها أحد أنَّه أمر سهلة بنت سهيل أن ترضع سالماً مولى أبي حذيفة، وكان كبيراً ذا لحية، وقال:
"أرضعيه تحرمي"، ثم ساقوا الحديث، وطرقه وألفاظه وهي صحيحة صريحة بلا شك.
ثم قالوا: فهذه الأخبار ترفع الإشكال، وتبين مراد الله في الآيات المذكورات أنَّ الرضاعة التي تتم بتمام الحولين، أو بتراضي الأبوين قبل الحولين إذا رأيا في ذلك صلاحاً للرضيع، إنَّما هي الموجبة للنفقة على المرأة المرضعة، والتي يجبر عليها الأبوان أحبا أم كرها. ولقد كان في الآية كفاية من هذا لأنَّه تعالى
стр. 6433
قال: ﴿والوَالِدَاتُ يُرضِعْنَ أَوْلَادَهُنَّ حَوْلَيْنِ كَامِلَيْنِ لِمَنْ أرادَ أَنْ يُتِمَّ الرَّضَاعَةَ وعلى الموْلُودِ لَهُ رِزْقُهُنَّ وَكِسْوَتُهُنَّ بِالمعرُوفِ﴾، فأمر الله تعالى الوالدات بإرضاع المولود عامين، وليس في هذا تحريم للرضاعة بعد ذلك ولا أنَّ التحريم ينقطع بتمام الحولين، وكان قوله تعالى: ﴿وَأُمَّهَاتُكُمُ اللاَّتِي أَرْضَعْنكُم وَأَخَواتُكُمْ مِنَ الرَّضَاعَةِ﴾، ولم يقل في حولين، ولا في وقت دون وقت زائداً على الآيات الأخر، وعمومها لا يجوز تخصيصه إلَّا بنص يبين أنَّه تخصيص له، لا بظن، ولا محتمل لا بيان فيه، وكانت هذه الآثار يعني التي فيها التحريم برضاع الكبير قد جاءت مجيء التواتر، رواها نساء النبي ﷺ ، وسهلة بنت سهيل، وهي من المهاجرات، وزينب بنت أم سلمة وهى ربيبة النبي ﷺ ، ورواها من التابعين: القاسم بن محمد، وعروة بن الزبير، وحميد بن نافع، ورواها عن هؤلاء: الزهري، وابن أبي مليكة، وعبد الرحمن بن القاسم، ويحيى بن سعيد الأنصاري وربيعة، ثم رواها عن هؤلاء: أيوب السختياني، وسفيان الثوري، وسفيان بن عيينة، وشعبة، ومالك، وابن جريج، وشعيب، ويونس، وجعفر بن ربيعة، ومعمر، وسليمان بن بلال، وغيرهم، ثم رواها عن هؤلاء الجم الغفير، والعدد الكثير، فهي نقل كافة لا يختلف مؤالف ولا مخالف في صحتها، فلم يبق
стр. 6434
من الاعتراض إلَّا قول القائل: كان ذلك خاصاً بسالم، كما قال بعض أزواج رسول الله ﷺ ومن تبعهن في ذلك، فليعلم من تعلق بهذا أنَّه ظن ممن ظن ذلك منهن ﵅. هكذا في الحديث أنَّهن قلن: ما نرى هذا إلَّا خاصاً بسالم، وما ندري لعلها كانت رخصة لسالم. فإذا هو ظن بلا شك فإنَّ الظن لا يعارض به السنن الثابتة، قال الله تعالى: ﴿إنَّ الظَّنَّ لا يُغنى مِنَ الحَقِّ شَيْئاً﴾ وشتان بين احتجاج أم سلمة ﵂ بظنها، وبين احتجاج عائشة ﵂ بالسنة الثابتة، ولهذا لما قالت لها عائشة: أمالك في رسول الله ﷺ أسوة حسنة، سكتت أم سلمة، ولم تنطق بحرف، وهذا إمَّا رجوع إلى مذهب عائشة، وإمَّا انقطاع في يدها.
قالوا: وقول سهلة لرسول الله ﷺ : كيف أرضعه وهو رجل كبير؟ بيان جلي أنَّه بعد نزول الآيات المذكورات.
قالوا: ونعلم يقيناً أنَّه لو كان ذلك خاصاً بسالم، لقطع النبي ﷺ الإلحاق، ونصَّ على أنَّه ليس لأحد بعده، كما بين لأبي بردة بن نيار، أن جذعته تجزئ عنه، ولا تجزئ عن أحد بعده. وأين يقع ذبح جذعة أضحية من هذا الحكم
стр. 6435
العظيم المتعلق به حل الفرج وتحريمه، وثبوت المحرمية، والخلة بالمرأة والسفر بها؟ فمعلوم قطعاً، أنَّ هذا أولى ببيان التخصيص لو كان خاصاً.
قالوا: وقول النبي ﷺ "إنَّما الرضاعة من المجاعة" حجة لنا، لأنَّ شرب الكبير للبن يؤثر في دفع مجاعته قطعاً، كما يؤثر في الصغير أو قريباً منه.
فإن قلتم: فما فائدة ذكره إذا كان الكبير والصغير فيه سواء؟ قلنا: فائدته إبطال تعلق التحريم بالقطرة من اللبن، أو المصة الواحدة التي لا تغني من جوع، ولا تنبت لحماً، ولا تنشز عظماً.
قالوا: وقوله ﷺ : "لا رضاع إلَّا ما كان في الحولين، وكان في الثدي قبل الفطام" ليس بأبلغ من قوله ﷺ : "لا ربا إلَّا في النسيئة"، "وإنَّما الربا في النسيئة"، ولم يمنع ذلك ثبوت ربا الفضل بالأدلة الدالة عليه، فكذا هذا.
فأحاديث رسول الله ﷺ ، وسننه الثابتة كلها حق يجب اتباعها لا يضرب بعضها ببعض، بل تستعمل كلا منها على وجهه.
قالوا: ومما يدل على ذلك أنَّ عائشة أم المؤمنين ﵂، وأفقه نساء الأمة هي التي روت هذا وهذا، فهي التي روت: "إنَّما الرضاعة من المجاعة" وروت
стр. 6436
حديث سهلة، وأخذت به فلو كان عندها حديث: "إنَّما الرضاعة من المجاعة" مخالفاً لحديث سهلة، لما ذهبت إليه وتركت حديثاً واجهها به رسول الله ﷺ ، وتغير وجهه، وكره الرجل الذي رآه عندها، وقالت: هو أخي.
قالوا: وقد صح عنها أنَّها كانت تدخل عليها الكبير إذا أرضعته في حال كبره أخت من أخواتها الرضاع المحرم، ونحن نشهد بشهادة الله، ونقطع قطعاً نلقاه به يوم القيامة، أنَّ أم المؤمنين لم تكن لتبيح ستر رسول الله ﷺ بحيث ينتهكه من لا يحل له انتهاكه، ولم يكن الله ليبيح ذلك على يد الصديقة المبرأة من فوق سبع سماوات، وقد عصم الله سبحانه ذلك الجناب الكريم، والحمى المنيع، والشرف الرفيع أتم عصمة، وصانه أعظم صيانة، وتولى صيانته وحمايته، والذب عنه بنفسه ووحيه وكلامه.
قالوا: فنحن نوقن ونقطع، ونبت الشهادة لله، بأنَّ فعل عائشة ﵂ هو الحق، وأنَّ رضاع الكبير يقع به من التحريم والمحرمية ما يقع برضاع الصغير، ويكفينا أمنا أفقه نساء الأمة على الإطلاق، وقد كانت تناظر في ذلك نساءه ﷺ ، ولا يجبنها بغير قولهن: ما أحد داخل علينا بتلك الرضاعة، ويكفينا في ذلك أنَّه مذهب ابن عم نبينا، وأعلم أهل الأرض على الإطلاق حين
стр. 6437
كان خليفة، ومذهب الليث بن سعد الذي شهد له الشافعي بأنَّه كان أفقه من مالك، إلَّا أنَّه ضيعه أصحابه، ومذهب عطاء بن أبي رباح ذكره عبد الرزاق عن ابن جريج عنه. وذكر مالك عن الزهري، أنَّه سئل عن رضاع الكبير، فاحتج بحديث سهلة بنت سهيل في قصة سالم مولى أبي حذيفة، وقال عبد الرزاق: وأخبرني ابن جريج، قال: أخبرني عبد الكريم، أنَّ سالم ابن أبي جعد المولى الأشجعي أخبره أنَّ أباه أخبره، أنَّه سأل علي بن أبي طالب ﵁ فقال: أردت أن أتزوج امرأة قد سقتني من لبنها وأنا كبير تداويت به، فقال له علي: لا تنكحها، ونهاه عنها.
فهؤلاء سلفنا في هذه المسألة، وتلك نصوصنا كالشمس صحة وصراحة.
قالوا: وأصرح أحاديثكم حديث أم سلمة ترفعه: "لا يحرم من الرضاع إلَّا ما فتق الأمعاء في الثدي وكان قبل الفطام" فما أصرحه لو كان سليماً من العلة، لكن هذا حديث منقطع، لأنَّه من رواية فاطمة بنت المنذر عن أم سلمة، ولم تسمع منها شيئاً، لأنَّها كانت أسن من زوجها هشام باثني عشر عاماً، فكان مولده في سنة ستين، ومولد فاطمة في سنة ثمان وأربعين، وماتت أم سلمة سنة تسع وخمسين،
стр. 6438
وفاطمة صغيرة لم تبلغها، فكيف تحفظ عنها، ولم تسمع من خالة أبيها شيئاً وهي في حجرها، كما حصل سماعها من جدتها أسماء بنت أبي بكر؟.
قالوا: وإذا نظر العالم المنصف في هذا القول، ووازن بينه وبين قول من يحدد مدة الرضاع المحرم بخمسة وعشرين شهراً، أو ستة وعشرين شهراً أو سبعة وعشرين شهراً، أو ثلاثين شهراً من تلك الأقوال التي لا دليل عليها من كتاب الله، أو سنة رسوله، ولا قول أحد من الصحابة، تبين له فضل ما بين القولين.
فهذا منتهى أقدام الطائفتين في هذه المسألة، ولعل الواقف عليها لم يكن يخطر له أنَّ هذا القول تنتهي قوته إلى هذا الحد، وأنَّه ليس بأيدي أصحابه قدرة على تقديره وتصحيحه، فاجلس أيها العالم المنصف مجلس الحكم بين هذين المتنازعين، وافصل بينهما بالحجة والبيان لا بالتقليد، وقال فلان.
واختلف القائلون بالحولين في حديث سهلة هذا على ثلاثة مسالك:
أحدها: أنَّه منسوخ، وهذا مسلك كثير منهم، ولم يأتوا على النسخ بحجة سوى الدعوى، فإنَّهم لا يمكنهم إثبات التاريخ المعلوم التأخر بينه وبين تلك الأحاديث. ولو قلب أصحاب هذا القول عليهم الدعوى، وادعوا نسخ تلك الأحاديث بحديث سهلة، لكانت نظير دعواهم.
стр. 6439
وأمَّا قولهم: إنَّها كانت في أول الهجرة، وحين نزول قوله تعالى: ﴿ادْعُوهُمْ لآبائِهِمْ﴾، ورواية ابن عباس ﵁، وأبي هريرة بعد ذلك، فجوابه من وجوه:
أحدها: أنَّهما لم يصرحا بسماعه من النبي ﷺ ، بل لم يسمع منه ابن عباس إلَّا دون العشرين حديثاً، وسائرها عن الصحابة ﵃.
الثاني: أنَّ نساء النبي ﷺ لم تحتج واحدة منهن، بل ولا غيرهن على عائشة ﵂ بذلك، بل سلكن في الحديث بتخصيصه بسالم، وعدم إلحاق غيره به.
الثالث: أنَّ عائشة ﵂ نفسها روت هذا وهذا، فلو كان حديث سهلة منسوخاً، لكانت عائشة ﵂ قد أخذت به، وتركت الناسخ، أو خفي عليها تقدمه مع كونها هي الراوية له، وكلاهما ممتنع، وفي غاية البعد.
الرابع: أنَّ عائشة ﵂ ابتليت بالمسألة، وكانت تعمل بها، وتناظر عليها، وتدعو إليها صواحباتها فلها بها مزيد اعتناء، فكيف يكون هذا حكماً منسوخاً قد بطل كونه من الدين جملة، ويخفى عليها ذلك، ويخفى على نساء النبي ﷺ فلا تذكره لها واحدة منهن.
стр. 6440
المسلك الثاني: أنَّه مخصوص بسالم دون من عداه، وهذا مسلك أم سلمة ومن معها من نساء النبي ﷺ ومن تبعهن، وهذا المسلك أقوى مما قبله، فإنَّ أصحابه قالوا مما يبين اختصاصه بسالم أنَّ فيه: أنَّ سهلة سألت رسول الله ﷺ بعد نزول آية الحجاب، وهي تقتضي أنَّه لا يحل للمرأة أن تبدي زينتها إلَّا لمن ذكر في الآية وسمي فيها، ولا يخص من عموم من عداهم أحد إلَّا بدليل.
قالوا: والمرأة إذا أرضعت أجنبياً، فقد أبدت زينتها له، فلا يجوز ذلك تمسكاً بعموم الآية، فعلمنا أنَّ إبداء سهلة زينتها لسالم خاص به.
قالوا: وإذا أمر رسول الله ﷺ واحداً من الأمة بأمر، أو أباح له شيئاً أو نهاه عن شيء وليس في الشريعة ما يعارضه ثبت ذلك في حق غيره من الأمة ما لم ينص على تخصيصه، وأمَّا إذا أمر الناس بأمر، أو نهاهم عن شيء، ثم أمر واحداً من الأمة بخلاف ما أمر به الناس، أو أطلق له ما نهاهم عنه، فإنَّ ذلك يكون خاصاً به وحده، ولا يقول في هذا الموضع: إنَّ أمره للواحد أمر للجميع، وإباحته للواحد إباحة للجميع، لأنَّ ذلك يؤدي إلى إسقاط الأمر الأول، والنهي الأول، بل نقول: إنَّه خاص بذلك الواحد لتتفق النصوص وتأتلف ولا يعارض
стр. 6441
بعضها بعضاً، فحرم الله في كتابه أن تبدي المرأة زينتها لغير محرم، وأباح رسول الله ﷺ لسهلة أن تبدى زينتها لسالم وهو غير محرم عند إبداء الزينة قطعاً، فيكون ذلك رخصة خاصة بسالم، مستثناة من عموم التحريم، ولا نقول: إن حكمها عام، فيبطل حكم الآية المحرمة.
قالوا: ويتعين هذا المسلك لأنَّا لو لم نسلكه، لزمنا أحد مسلكين، ولا بد منهما إمَّا نسخ هذا الحديث بالأحاديث الدالة على اعتبار الصغر في التحريم، وإمَّا نسخها به، ولا سبيل إلى واحد من الأمرين لعدم العلم بالتاريخ، ولعدم تحقق المعارضة، ولإمكان العمل بالأحاديث كلها، فإنَّا إذا حملنا حديث سهلة على الرخصة الخاصة، والأحاديث الأخر على عمومها فيما عدا سالماً، لم تتعارض، ولم ينسخ بعضها بعضاً، وعمل بجميعها.
قالوا: وإذا كان النبي ﷺ قد بين أنَّ الرضاع إنَّما يكون في الحولين، وأنَّه إنَّما يكون في الثدي، وإنَّما يكون قبل الفطام، كان ذلك ما يدل على أنَّ حديث سهلة على الخصوص، سواء تقدم أو تأخر، فلا ينحصر بيان الخصوص في قوله هذا لك وحدك حتى يتعين طريقاً.
стр. 6442
قالوا: وأمَّا تفسير حديث "إنَّما الرضاعة من المجاعة" بما ذكرتموه، ففي غاية البعد من اللفظ، ولا تتبادر إليه أفهام المخاطبين، بل القول في معناه ما قاله أبو عبيد والناس، قال أبو عبيد: قَوْلُهُ: "إنَّما الرضاعة من المجاعة" يقول: إنَّ الذي إذا جاع كان طعامه الذي يشبعه اللبن، إنَّما هو الصبى الرضيع. فأمَّا الذي شبعه من جوعه الطعام، فإنَّ رضاعه ليس برضاع، ومعنى الحديث: إنَّما الرضاع في الحولين قبل الفطام، هذا تفسير أبي عبيد والناس، وهو الذي يتبادر فهمه من الحديث إلى الأذهان، حتى لو احتمل الحديث التفسيرين على السواء، لكان هذا المعنى أولى به لمساعدة سائر الأحاديث لهذا المعنى، وكشفها له، وإيضاحها، ومما يبين أنَّ غير هذا التفسير خطأ، وأنَّه لا يصح أن يراد به رضاعة الكبير، أنَّ لفظة "المجاعة" إنَّما تدل على رضاعة الصغير، فهي تثبت رضاعة المجاعة، وتنفي غيرها، ومعلوم يقيناً أنَّه إنَّما أراد مجاعة اللبن لا مجاعة الخبز واللحم، فهذا لا يخطر ببال المتكلم ولا السامع، فلو جعلنا حكم الرضاعة عاماً لم يبق لنا ما ينفي ويثبت. وسياق قَوْلِهِ: لما رأى الرجل الكبير، فقال: "إنَّما الرضاعة من المجاعة" يبين المراد، وأنَّه إنَّما يحرم رضاعة من يجوع إلى لبن المرأة، والسياق ينزل اللفظ منزلة الصريح، فتغير وجهه الكريم صلوات الله وسلامه عليه وكراهته لذلك الرجل، وقَوْلُهُ: "انظرن من
стр. 6443
إخوانكن" إنَّما هو للتحفظ في الرضاعة، وأنَّها لا تحرم كل وقت، وإنَّما تحرم وقتاً دون وقت، ولا يفهم أحد من هذا أنَّما الرضاعة ما كان عددها خمساً فيعبر عن هذا المعنى بقَوْلِهِ: "من المجاعة"، وهذا ضد البيان الذي كان عليه ﷺ .
وقولكم: إنَّ الرضاعة تطرد الجوع عن الكبير، كما تطرد الجوع عن الصغير كلام باطل، فإنَّه لا يعهد ذو لحية يشبعه رضاع المرأة ويطرد عنه الجوع، بخلاف الصغير فإنَّه ليس له ما يقوم مقام اللبن، فهو يطرد عنه الجوع، فالكبير ليس ذا مجاعة إلى اللبن أصلاً، والذي يوضح هذا أنَّه ﷺ لم يرد حقيقة المجاعة، وإنَّما أراد مظنتها وزمنها، ولا شك أنَّه الصغر، فإن أبيتم إلَّا الظاهرية، وأنَّه أراد حقيقتها، لزمكم أن لا يحرم رضاع الكبير إلَّا إذا ارتضع وهو جائع، فلو ارتضع وهو شبعان لم يؤثر شيئاً.
وأمَّا حديث الستر المصون، والحرمة العظيمة، والحمى المنيع، فرضى الله عن أم المؤمنين، فإنَّها وإن رأت أنَّ هذا الرضاع يثبت المحرمية، فسائر أزواج النبي ﷺ يخالفنها في ذلك، ولا يرين دخول هذا الستر المصون، والحمى الرفيع بهذه الرضاعة، فهي مسألة اجتهاد، وأحد الحزبين مأجور أجراً واحداً،
стр. 6444
والآخر مأجور أجرين، وأسعدهما بالأجرين من أصاب حكم الله ورسوله في هذه الواقعة، فكل من المدخل للستر المصون بهذه الرضاعة، والمانع من الدخول فائز بالأجر، مجتهد في مرضاة الله وطاعة رسوله، وتنفيذ حكمه، ولهما أسوة بالنبيين الكريمين داود وسليمان اللذين أثنى الله عليهما بالحكمة والحكم، وخص بفهم الحكومة أحدهما.
فصل: وأمَّا ردكم لحديث أم سلمة، فتعسف بارد، فلا يلزم انقطاع الحديث من أجل أنَّ فاطمة بنت المنذر لقيت أم سلمة صغيرة، فقد يعقل الصغير جداً أشياء، ويحفظها، وقد عقل محمود بن الربيع المجة وهو ابن سبع سنين، ويعقل أصغر منه. وقد قلتم: إنَّ فاطمة كانت وقت وفاة أم سلمة بنت إحدى عشرة سنة، وهذا سن جيد، لا سيما للمرأة، فإنَّها تصلح فيه للزوج، فمن هي في حد الزواج، كيف يقال: إنَّها لا تعقل ما تسمع، ولا تدري ما تحدث به؟ هذا هو الباطل الذي لا ترد به السنن، مع أنَّ أم سلمة كانت مصادقة لجدتها أسماء، وكانت دارهما واحدة، ونشأت فاطمة هذه في حجر جدتها أسماء مع خالة أبيها عائشة ﵂ وأم سلمة، وماتت عائشة ﵂ سنة سبع وخمسين، وقيل: سنة ثمان وخمسين، وقد يمكن سماع فاطمة منها، وأمَّا جدتها أسماء، فماتت سنة ثلاث
стр. 6445
وسبعين، وفاطمة إذ ذاك بنت خمس وعشرين سنة، فلذلك كثر سماعها منها، وقد أفتت أم سلمة بمثل الحديث الذي روته أسماء. فقال أبو عبيد: حدثنا أبو معاوية، عن هشام بن عروة، عن يحيى بن عبد الرحمن بن حاطب، عن أم سلمة، أنَّها سئلت ما يحرم من الرضاع؟ فقالت: ما كان في الثدي قبل الفطام. فروت الحديث، وأفتت بموجبه. وأفتى به عمر بن الخطاب ﵁، كما رواه الدارقطني من حديث سفيان عن عبد الله بن دينار، عن ابن عمر قال: سمعت عمر يقول: لا رضاع إلَّا في الحولين في الصغر.
وأفتى به ابنه عبد الله ﵁، فقال مالك ﵀، عن نافع، عن ابن عمر ﵄: أنَّه كان يقول: لا رضاعة إلَّا لمن أرضع في الصغر، ولا رضاعة لكبير. وأفتى به ابن عباس ﵄، فقال أبو عبيد: حدثنا عبد الرحمن، عن سفيان الثوري، عن عاصم الأحول، عن عكرمة، عن ابن عباس ﵄، قال: لا رضاع بعد فطام.
وتناظر في هذه المسألة عبد الله بن مسعود، وأبو موسى، فأفتى ابن مسعود بأنَّه لا يحرم إلَّا في الصغر، فرجع إليه أبو موسى، فذكر الدارقطني، أنَّ ابن مسعود قال لأبي موسى: أنت تفتي بكذا وكذا، وقد قال رسول الله ﷺ : "لا
следующие страницы →