Полный текст (8 095 стр.). Показаны 6441–6480 · переход к 6446.
стр. 6441
بعضها بعضاً، فحرم الله في كتابه أن تبدي المرأة زينتها لغير محرم، وأباح رسول الله ﷺ لسهلة أن تبدى زينتها لسالم وهو غير محرم عند إبداء الزينة قطعاً، فيكون ذلك رخصة خاصة بسالم، مستثناة من عموم التحريم، ولا نقول: إن حكمها عام، فيبطل حكم الآية المحرمة.
قالوا: ويتعين هذا المسلك لأنَّا لو لم نسلكه، لزمنا أحد مسلكين، ولا بد منهما إمَّا نسخ هذا الحديث بالأحاديث الدالة على اعتبار الصغر في التحريم، وإمَّا نسخها به، ولا سبيل إلى واحد من الأمرين لعدم العلم بالتاريخ، ولعدم تحقق المعارضة، ولإمكان العمل بالأحاديث كلها، فإنَّا إذا حملنا حديث سهلة على الرخصة الخاصة، والأحاديث الأخر على عمومها فيما عدا سالماً، لم تتعارض، ولم ينسخ بعضها بعضاً، وعمل بجميعها.
قالوا: وإذا كان النبي ﷺ قد بين أنَّ الرضاع إنَّما يكون في الحولين، وأنَّه إنَّما يكون في الثدي، وإنَّما يكون قبل الفطام، كان ذلك ما يدل على أنَّ حديث سهلة على الخصوص، سواء تقدم أو تأخر، فلا ينحصر بيان الخصوص في قوله هذا لك وحدك حتى يتعين طريقاً.
стр. 6442
قالوا: وأمَّا تفسير حديث "إنَّما الرضاعة من المجاعة" بما ذكرتموه، ففي غاية البعد من اللفظ، ولا تتبادر إليه أفهام المخاطبين، بل القول في معناه ما قاله أبو عبيد والناس، قال أبو عبيد: قَوْلُهُ: "إنَّما الرضاعة من المجاعة" يقول: إنَّ الذي إذا جاع كان طعامه الذي يشبعه اللبن، إنَّما هو الصبى الرضيع. فأمَّا الذي شبعه من جوعه الطعام، فإنَّ رضاعه ليس برضاع، ومعنى الحديث: إنَّما الرضاع في الحولين قبل الفطام، هذا تفسير أبي عبيد والناس، وهو الذي يتبادر فهمه من الحديث إلى الأذهان، حتى لو احتمل الحديث التفسيرين على السواء، لكان هذا المعنى أولى به لمساعدة سائر الأحاديث لهذا المعنى، وكشفها له، وإيضاحها، ومما يبين أنَّ غير هذا التفسير خطأ، وأنَّه لا يصح أن يراد به رضاعة الكبير، أنَّ لفظة "المجاعة" إنَّما تدل على رضاعة الصغير، فهي تثبت رضاعة المجاعة، وتنفي غيرها، ومعلوم يقيناً أنَّه إنَّما أراد مجاعة اللبن لا مجاعة الخبز واللحم، فهذا لا يخطر ببال المتكلم ولا السامع، فلو جعلنا حكم الرضاعة عاماً لم يبق لنا ما ينفي ويثبت. وسياق قَوْلِهِ: لما رأى الرجل الكبير، فقال: "إنَّما الرضاعة من المجاعة" يبين المراد، وأنَّه إنَّما يحرم رضاعة من يجوع إلى لبن المرأة، والسياق ينزل اللفظ منزلة الصريح، فتغير وجهه الكريم صلوات الله وسلامه عليه وكراهته لذلك الرجل، وقَوْلُهُ: "انظرن من
стр. 6443
إخوانكن" إنَّما هو للتحفظ في الرضاعة، وأنَّها لا تحرم كل وقت، وإنَّما تحرم وقتاً دون وقت، ولا يفهم أحد من هذا أنَّما الرضاعة ما كان عددها خمساً فيعبر عن هذا المعنى بقَوْلِهِ: "من المجاعة"، وهذا ضد البيان الذي كان عليه ﷺ .
وقولكم: إنَّ الرضاعة تطرد الجوع عن الكبير، كما تطرد الجوع عن الصغير كلام باطل، فإنَّه لا يعهد ذو لحية يشبعه رضاع المرأة ويطرد عنه الجوع، بخلاف الصغير فإنَّه ليس له ما يقوم مقام اللبن، فهو يطرد عنه الجوع، فالكبير ليس ذا مجاعة إلى اللبن أصلاً، والذي يوضح هذا أنَّه ﷺ لم يرد حقيقة المجاعة، وإنَّما أراد مظنتها وزمنها، ولا شك أنَّه الصغر، فإن أبيتم إلَّا الظاهرية، وأنَّه أراد حقيقتها، لزمكم أن لا يحرم رضاع الكبير إلَّا إذا ارتضع وهو جائع، فلو ارتضع وهو شبعان لم يؤثر شيئاً.
وأمَّا حديث الستر المصون، والحرمة العظيمة، والحمى المنيع، فرضى الله عن أم المؤمنين، فإنَّها وإن رأت أنَّ هذا الرضاع يثبت المحرمية، فسائر أزواج النبي ﷺ يخالفنها في ذلك، ولا يرين دخول هذا الستر المصون، والحمى الرفيع بهذه الرضاعة، فهي مسألة اجتهاد، وأحد الحزبين مأجور أجراً واحداً،
стр. 6444
والآخر مأجور أجرين، وأسعدهما بالأجرين من أصاب حكم الله ورسوله في هذه الواقعة، فكل من المدخل للستر المصون بهذه الرضاعة، والمانع من الدخول فائز بالأجر، مجتهد في مرضاة الله وطاعة رسوله، وتنفيذ حكمه، ولهما أسوة بالنبيين الكريمين داود وسليمان اللذين أثنى الله عليهما بالحكمة والحكم، وخص بفهم الحكومة أحدهما.
فصل: وأمَّا ردكم لحديث أم سلمة، فتعسف بارد، فلا يلزم انقطاع الحديث من أجل أنَّ فاطمة بنت المنذر لقيت أم سلمة صغيرة، فقد يعقل الصغير جداً أشياء، ويحفظها، وقد عقل محمود بن الربيع المجة وهو ابن سبع سنين، ويعقل أصغر منه. وقد قلتم: إنَّ فاطمة كانت وقت وفاة أم سلمة بنت إحدى عشرة سنة، وهذا سن جيد، لا سيما للمرأة، فإنَّها تصلح فيه للزوج، فمن هي في حد الزواج، كيف يقال: إنَّها لا تعقل ما تسمع، ولا تدري ما تحدث به؟ هذا هو الباطل الذي لا ترد به السنن، مع أنَّ أم سلمة كانت مصادقة لجدتها أسماء، وكانت دارهما واحدة، ونشأت فاطمة هذه في حجر جدتها أسماء مع خالة أبيها عائشة ﵂ وأم سلمة، وماتت عائشة ﵂ سنة سبع وخمسين، وقيل: سنة ثمان وخمسين، وقد يمكن سماع فاطمة منها، وأمَّا جدتها أسماء، فماتت سنة ثلاث
стр. 6445
وسبعين، وفاطمة إذ ذاك بنت خمس وعشرين سنة، فلذلك كثر سماعها منها، وقد أفتت أم سلمة بمثل الحديث الذي روته أسماء. فقال أبو عبيد: حدثنا أبو معاوية، عن هشام بن عروة، عن يحيى بن عبد الرحمن بن حاطب، عن أم سلمة، أنَّها سئلت ما يحرم من الرضاع؟ فقالت: ما كان في الثدي قبل الفطام. فروت الحديث، وأفتت بموجبه. وأفتى به عمر بن الخطاب ﵁، كما رواه الدارقطني من حديث سفيان عن عبد الله بن دينار، عن ابن عمر قال: سمعت عمر يقول: لا رضاع إلَّا في الحولين في الصغر.
وأفتى به ابنه عبد الله ﵁، فقال مالك ﵀، عن نافع، عن ابن عمر ﵄: أنَّه كان يقول: لا رضاعة إلَّا لمن أرضع في الصغر، ولا رضاعة لكبير. وأفتى به ابن عباس ﵄، فقال أبو عبيد: حدثنا عبد الرحمن، عن سفيان الثوري، عن عاصم الأحول، عن عكرمة، عن ابن عباس ﵄، قال: لا رضاع بعد فطام.
وتناظر في هذه المسألة عبد الله بن مسعود، وأبو موسى، فأفتى ابن مسعود بأنَّه لا يحرم إلَّا في الصغر، فرجع إليه أبو موسى، فذكر الدارقطني، أنَّ ابن مسعود قال لأبي موسى: أنت تفتي بكذا وكذا، وقد قال رسول الله ﷺ : "لا
стр. 6446
رضاع إلَّا ما شد العظم وأنبت اللحم". وقد روى أبو داود: حدثنا محمد بن سليمان الأنباري، حدثنا وكيع، حدثنا سليمان بن المغيرة، عن أبى موسى الهلالي، عن أبيه، عن ابن مسعود ﵁، قال: قال رسول الله ﷺ : "لا يحرم من الرضاع إلَّا ما أنبت اللحم وأنشز العظم".
ثم أفتى بذلك كما ذكره عبد الرزاق عن الثوري، حدثنا أبو بكر ابن عياش، عن أبى حصين، عن أبى عطية الوادعي، قال: جاء رجل إلى أبي موسى، فقال: إنَّ امرأتي ورم ثديها فمصصته، فدخل حلقي شيء سبقني، فشدد عليه أبو موسى، فأتى عبد الله بن مسعود، فقال: سألت أحداً غيري؟ قال: نعم أبا موسى، فشدد علي، فأتى أبا موسى، فقال: أرضيع هذا؟ فقال أبو موسى: لا تسألوني ما دام هذا الحبر بين أظهركم. فهذه روايته وفتواه.
وأمَّا علي بن أبي طالب، فذكر عبد الرزاق، عن الثوري، عن جويبر، عن الضحاك، عن النزال بن سبرة، عن على: لا رضاع بعد الفصال.
وهذا خلاف رواية عبد الكريم، عن سالم بن أبي الجعد، عن أبيه، عنه. لكن جويبر لا يحتج بحديثه، وعبد الكريم أقوى منه.
стр. 6447
فصل: المسلك الثالث: أنَّ حديث سهلة ليس بمنسوخ، ولا مخصوص، ولا عام في حق كل أحد، وإنَّما هو رخصة للحاجة لمن لا يستغني عن دخوله على المرأة، ويشق احتجابها عنه، كحال سالم مع امرأة أبي حذيفة، فمثل هذا الكبير إذا أرضعته للحاجة أثر رضاعه، وأمَّا من عداه، فلا يؤثر إلَّا رضاع الصغير، وهذا مسلك شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى، والأحاديث النافية للرضاع في الكبير إمَّا مطلقة، فتقيد بحديث سهلة، أو عامة في الأحوال فتخصيص هذه الحال من عمومها، وهذا أولى من النسخ ودعوى التخصيص بشخص بعينه، وأقرب إلى العمل بجميع الأحاديث من الجانبين، وقواعد الشرع تشهد له، والله الموفق» اهـ.
قُلْتُ: وما اختاره شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ هو الذي يظهر لي رجحانه. والله أعلم.
٣ - واحتج به من قال بحصول التحريم بلبن المرضعة سواء كان عن طريق الرضاع أو الوجور، أو السعوط، وهكذا إن جعل جبناً فأكله الطفل، أو غير ذلك، وهذا هو الصحيح، وذلك أنَّ جميع ما ذكر يحصل به سد الجوع للطفل.
стр. 6448
ويحصل بكل ما ذكر نبات اللحم والعظم، وقد روى ابن أبي شيبة في [مُصَنَّفِهِ] (١٧٣٠٨) حَدَّثَنَا أَبُو مُعَاوِيَةَ، عَنْ إِسْمَاعِيلَ، عَنْ أَبِي عَمْرٍو الشَّيْبَانِيِّ، قَالَ: قَالَ عَبْدُ اللَّهِ- وهو ابن مسعود-: «إِنَّمَا يُحَرِّمُ مِنَ الرَّضَاعِ مَا أَنْبَتَ اللَّحْمَ، وَأَنْشَزَ الْعَظْمَ».
قُلْتُ: إِسْنَادُهُ صَحِيْحٌ. وجاء مرفوعاً ولا يصح.
ورواه أبو داود (٢٠٥٩) عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ، قَالَ: «لَا رِضَاعَ إِلَّا مَا شَدَّ الْعَظْمَ وَأَنْبَتَ اللَّحْمَ»، فَقَالَ أَبُو مُوسَى: «لَا تَسْأَلُونَا وَهَذَا الْحَبْرُ فِيكُمْ». وَإِسْنَادُهُ ضَعِيْفٌ.
قَالَ الْعَلَّامَةُ الْخَطَّابِي ﵀ فِي [مَعَالِمِ الْسُّنَنِ] (٣/ ١٨٦): «ويروى أنشز العظم بالزاي معجمة ومعناه زاد في حجمه فنشره» اهـ.
قَالَ الْعَلَّامَةُ ابْنُ قُدَامَةَ ﵀ فِي [الْمُغْنِي] (١٨/ ٧٤): «مسألة؛ قال: الشافعي: "والسعوط كالرضاع، وكذلك الوجور" معنى السَّعُوطِ: أن يصب اللبن في أنفه من إناء أو غيره.
وَالْوَجُورُ: أن يصب في حلقه صباً من غير الثدي.
стр. 6449
واختلفت الرواية في التحريم بهما، فأصح الروايتين أنَّ التحريم يثبت بذلك، كما يثبت بالرضاع.
وهو قول الشعبي والثوري، وأصحاب الرأي. وبه قال مالك في الوجور.
والثانية: لا يثبت بهما التحريم.
وهو اختيار أبي بكر، ومذهب داود وقول عطاء الخراساني في السعوط؛ لأنَّ هذا ليس برضاع، وإنَّما حرم الله تعالى ورسوله بالرضاع، ولأنَّه حصل من غير ارتضاع، فأشبه ما لو دخل من جرح في بدنه.
ولنا، ما روى ابن مسعود، عن النبي ﷺ : "لا رضاع، إلَّا ما أنشز العظم، وأنبت اللحم" رواه أبو داود.
ولأنَّ هذا يصل به اللبن إلى حيث يصل بالارتضاع، ويحصل به من إنبات اللحم وإنشاز العظم ما يحصل من الارتضاع، فيجب أن يساويه في التحريم، والأنف سبيل الفطر للصائم فكان سبيلاً للتحريم، كالرضاع بالفم» اهـ.
وَقَالَ ﵀ فِي [الْمُغْنِي] (١٨/ ٧٦): «فصل: وإن عمل اللبن جبناً ثم أطعمه الصبي، ثبت به التحريم.
وبهذا قال الشافعي.
стр. 6450
وقال أبو حنيفة: لا يحرم به؛ لزوال الاسم.
وكذلك على الرواية التي تقول: لا يثبت التحريم بالوجور. لا يثبت هاهنا بطريق الأولى.
ولنا، أنَّه واصل من الحلق، يحصل به إنبات اللحم وإنشاز العظم، فحصل به التحريم، كما لو شربه» اهـ.
٤ - ويدخل في عموم الحديث اللبن المشوب إذا كان اللبن ظاهراً.
قَالَ الْعَلَّامَةُ ابْنُ قُدَامَةَ ﵀ فِي [الْمُغْنِي] (١٨/ ٧٧): «مسألة: قال: "واللبن المشوب كالمحض" المشوب: المختلط بغيره.
والمحض: الخالص الذي لا يخالطه سواه.
وسوى الخرقي بينهما، سواء شيب بطعام أو شراب أو غيره.
وبهذا قال الشافعي.
وقال أبو بكر: قياس قول أحمد، أنَّه لا يحرم؛ لأنَّه وجور.
وحكي عن ابن حامد أنَّه قال: إن كان الغالب اللبن حرم، وإلَّا فلا.
وهو قول أبي ثور، والمزني؛ لأنَّ الحكم للأغلب، ولأنَّه يزول بذلك الاسم والمعنى المراد به.
стр. 6451
ونحو هذا قول أصحاب الرأي، وزادوا، فقالوا: إن كانت النار قد مست اللبن حتى أنضجت الطعام، أو حتى تغير، فليس برضاع.
ووجه الأول، أنَّ اللبن متى كان ظاهراً، فقد حصل شربه، ويحصل منه إنبات اللحم وإنشاز العظم، فحرم، كما لو كان غالباً، وهذا فيما إذا كانت صفات اللبن باقية، فأمَّا إن صب في ماء كثير لم يتغير به، لم يثبت به التحريم؛ لأنَّ هذا ليس بلبن مشوب، ولا يحصل به التغذي، ولا إنبات اللحم ولا إنشاز العظم.
وحكي عن القاضي، أنَّ التحريم يثبت به.
وهو قول الشافعي؛ لأنَّ أجزاء اللبن حصلت في بطنه، فأشبه ما لو كان لونه ظاهراً.
ولنا، أنَّ هذا ليس برضاع، ولا في معناه، فوجب أن لا يثبت حكمه فيه» اهـ.
٥ - وفيه الاستفسار في الأمر المحتمل قبل إنكاره.
* * *
стр. 6452
٣٢٩ - عَنْ عُقْبَةَ بْنِ الحَارِثِ ﵁: «أَنَّهُ تَزَوَّجَ أُمَّ يَحْيَى بِنْتَ أَبِي إهَابٍ، فَجَاءَتْ أَمَةٌ سَوْدَاءُ، فَقَالَتْ: قَدْ أَرْضَعْتُكُمَا، فَذَكَرْتُ ذَلِكَ لِلنَّبِيِّ ﷺ قَالَ: فَأَعْرَضَ عَنِّي. قَالَ: فَتَنَحَّيْت، فَذَكَرْت ذَلِكَ لَهُ. قَالَ: "كَيْفَ؟ وَقَدْ زَعَمَتْ أَنْ قَدْ أَرْضَعَتْكُمَا"».
تَنْبِيْهٌ: هذا الحديث مما انفرد به البخاري عن مسلم.
وَفِي الْحَدِيْثِ مَسَائِلُ مِنْهَا:
١ - قبول شهادة المرأة الواحدة في الرضاع على فعل نفسها.
ويلحق بذلك سائر الأمور التي لا يطلع عليها غير النساء غالباً.
قَالَ الْعَلَّامَةُ ابْنُ الْقَيِّمِ ﵀ فِي [الْطُرُقِ الْحُكْمِيَّةِ] (ص: ١١٥): «وقد قبل النبي ﷺ شهادة المرأة الواحدة في الرضاع وقد شهدت على فعل نفسها ففي الصحيحين عن عقبة بن الحارث أنَّه تزوج أم يحيى بنت أبي إهاب فجاءت أمة سوداء فقالت قد أرضعتكما فذكرت ذلك للنبي ﷺ فأعرض عني قال فتنحيت فذكرت ذلك له قال: "فكيف وقد زعمت أن قد أرضعتكما".
стр. 6453
وقد نص أحمد على ذلك في رواية بكر بن محمد عن أبيه قال في المرأة تشهد على ما لا يحضره الرجال من إثبات استهلال الصبي وفي الحمام يدخله النساء فتكون بينهن جراحات.
وقال إسحاق بن منصور قلت لأحمد في شهادة الاستدلال تجوز شهادة امرأة واحدة في الحيض والعدة والسقط والحمام وكل ما لا يطلع عليه إلَّا النساء فقال تجوز شهادة امرأة إذا كانت ثقة».
إِلَى أَنْ قَالَ ﵀ (ص: ١١٦): «قال الأثرم قلت لأبي عبد الله شهادة المرأة الواحدة في الرضاع تجوز قال: نعم.
وقال علي سمعت أحمد بن حنبل يسأل عن شهادة المرأة الواحدة في الرضاع تجوز قال: نعم.
وكذلك قال في رواية الحسن بن ثواب ومحمد بن الحسن وأبي طالب وابن منصور ومهنا وحرب واحتج بحديث عقبة بن الحارث هذا» اهـ.
قُلْتُ: وقد منع من ذلك الأئمة الثلاثة.
٢ - وفيه قبول شهادة الإماء، ومثل ذلك العبيد.
стр. 6454
قَالَ الْعَلَّامَةُ ابْنُ الْقَيِّمِ ﵀ فِي [الْطُرُقِ الْحُكْمِيَّةِ] (ص: ١١٦): «وقال - يعني الإمام أحمد-: هو حجة في شهادة العبد لأنَّ النبي ﷺ أجاز شهادتها وهي أمة» اهـ.
قَالَ شَيْخُ الْإِسْلَامِ ابْنُ تَيْمِيَّةَ ﵀ كَمَا فِي [مَجْمُوْعِ الْفَتَاوَى] (٢٠/ ٢٤٨): «وقبولها محفوظ عن علي وأنس وشريح وغيرهم» اهـ.
وقد ذهب إلى قبول شهادة العبد شَيْخُ الْإِسْلَامِ ابْنُ تَيْمِيَّةَ ﵀ فَقَالَ كَمَا فِي [مَجْمُوْعِ الْفَتَاوَى] (٢٠/ ٢٢٩):
«وأكثر مفاريده التي لم يختلف فيها مذهبه يكون قوله فيها راجحاً كقوله بجواز فسخ الإفراد والقران إلى التمتع، وقبوله شهادة أهل الذمة على المسلمين عند الحاجة كالوصية في السفر، وقوله بتحريم نكاح الزانية حتى تتوب، وقوله بجواز شهادة العبد … » اهـ.
ونصره الْعَلَّامَةُ ابْنُ الْقَيِّمِ ﵀ فِي [إِعْلَامِ الْمُوَقِعِيْنَ] (١/ ٩٨): «وقد تقدم حكم النبي ﷺ بشهادة الأمة الواحدة على فعل نفسها وهو يتضمن شهادة العبد، وقد حكى الإمام أحمد عن أنس بن مالك إجماع الصحابة على شهادته فقال: ما علمت أحداً رد شهادة العبد. وهذا هو الصواب فإنَّه إذا
стр. 6455
قبلت شهادته على رسول الله ﷺ في حكم يلزم الأمة فلأن تقبل شهادته على واحد من الأمة في حكم جزئي أولى وأحرى، وإذا قبلت شهادته على حكم الله ورسوله في الفروج والدماء والأموال في الفتوى فلأن تقبل شهادته على واحد من الناس أولى وأحرى، كيف وهو داخل في قَوْلِهِ: ﴿وَأَشْهِدُوا ذَوَيْ عَدْلٍ مِنْكُمْ﴾ فإنَّه منَّا وهو عدل وقد عدله النبي ﷺ لقَوْلِهِ: "يحمل هذا العلم من كل خلف عدوله". وعدلته الأمة في الرواية عن رسول الله ﷺ ، والفتوى وهو من رجالنا فيدخل في قَوْلِهِ: ﴿وَاسْتَشْهِدُوا شَهِيدَيْنِ مِنْ رِجَالِكُمْ﴾ وهو مسلم فيدخل في قول عمر بن الخطاب: والمسلمون عدول بعضهم على بعض. وهو صادق فيجب العمل بخبره وأن لا يرد، فإنَّ الشريعة لا ترد خبر الصادق بل تعمل به، وليس بفاسق فلا يجب التثبت في خبره وشهادته، وهذا كله من تمام رحمة الله وعنايته بعباده وإكمال دينهم لهم وإتمام نعمته عليهم بشريعته لئلا تضيع حقوق الله وحقوق عباده مع ظهور الحق بشهادة الصادق لكن إذا أمكن حفظ الحقوق بأعلى الطريقين فهو أولى كما أمر بالكتاب والشهود لأنَّه أبلغ في حفظ الحقوق» اهـ.
قُلْتُ: وهذا هو الصواب ولا أعلم شيئاً يدفعه.
стр. 6456
وَقَالَ ﵀ فِي [الْطُرُقِ الْحُكْمِيَّةِ] (ص: ٢٤٣ - ٢٤٤): «الحكم بشهادة العبد والأمة في كل ما تقبل فيه شهادة الحر والحرة هذا الصحيح من مذهب أحمد، وعنه تقبل في كل شيء إلَّا في الحدود والقصاص لاختلاف العلماء في قبول شهادته فلا ينتهض سبباً لإقامة الحدود التي مبناها على الاحتياط، والصحيح الأول.
وقد حكى إجماع قديم حكاه الإمام أحمد عن أنس بن مالك ﵁ أنَّه قال: ما علمت أحداً رد شهادة العبد. وهذا يدل على أنَّ ردها إنَّما حدث بعد عصر الصحابة واشتهر هذا القول لما ذهب إليه مالك والشافعي وأبو حنيفة وصار لهم أتباع يفتون ويقضون بأقوالهم فصار هذا القول عند الناس هو المعروف ولما كان مشهوراً بالمدينة في زمن مالك قال: ما علمت أحداً قبل شهادة العبد. وأنس بن مالك يقول ضد ذلك، وقبول شهادة العبد هو موجب الكتاب والسنة وأقوال الصحابة وصريح القياس وأصول الشرع وليس مع من ردها كتاب ولا سنة ولا إجماع ولا قياس … » اهـ.
٣ - وفيه قبول شهادة المرء على فعل نفسه.
قَالَ الْعَلَّامَةُ ابْنُ الْقَيِّمِ ﵀ فِي [الْطُرُقِ الْحُكْمِيَّةِ] (ص: ١٨٩): «وفي هذا الحديث من الأحكام قبول شهادة العبد.
стр. 6457
وقبول شهادة المرأة وحدها.
وقبول شهادة الرجل على فعل نفسه كالقاسم والخارص والحاكم على حكمه بعد عزله» اهـ.
٤ - وفيه عدم الاستفصال عن شروط الرضاع فيما إذا ادعت امرأة أنَّها أرضعت ولداً.
وهذا محمول على من كانت عالمة بشروط الرضاع المحرم، وأمَّا مع غلبة الجهل في هذه الأزمان فلا بد من الاستفصال. والله أعلم.
٥ - فيه جواز الإعراض عن المستفتي ليعلم أنَّ الحكم فيما سأله هو الكف عنه.
قَالَ الْحِافِظُ ابْنُ حَجَرٍ ﵀ فِي [فَتْحِ الْبَارِي] (٥/ ٢٦٩): «وفي الحديث جواز أعراض المفتي ليتنبه المستفتي على أنَّ الحكم فيما سأله الكف عنه» اهـ.
٦ - وقد حمل جماعة من أهل العلم الحديث على معنى الاحتياط، فقالوا: إنَّ النبي ﷺ أمر عقبة بمفارقة المرأة التي تزوجها من باب الاحتياط في الفروج، ودفع الريبة، واستفادوا من ذلك استحباب الاحتياط في النكاح.
قُلْتُ: وظاهر الحديث أنَّ النبي ﷺ أمضى شهادتها، ولو كان ذلك من باب الاحتياط وعدم الإلزام لما أمره النبي ﷺ بفارقها
стр. 6458
أمراً لا خيار له فيه، بل لقال له مثلاً: طلقها فهو خير لك، ولك أن تبقيها، ونحو ذلك. والله أعلم.
فإن قيل: كيف يقبل النبي ﷺ شهادتها ولم تسم له، ولم يعرف حالها.
فالجواب: لعلها قد سميت له فعرفها، ولم يُنقل ذلك لنا. والله أعلم.
ولعل النبي ﷺ ما احتاج لذلك لأنَّ المقام مقام استفتاء لا مقام قضاء. والله أعلم.
فإن قيل: كيف أخذ النبي ﷺ بشهادتها وقد كذبها عقبة فقد جاء في رواية للبخاري (٥١٠٤) عَنْ عُقْبَةَ بْنِ الحَارِثِ، قَالَ: تَزَوَّجْتُ امْرَأَةً، فَجَاءَتْنَا امْرَأَةٌ سَوْدَاءُ، فَقَالَتْ: أَرْضَعْتُكُمَا، فَأَتَيْتُ النَّبِيَّ ﷺ ، فَقُلْتُ: تَزَوَّجْتُ فُلَانَةَ بِنْتَ فُلَانٍ، فَجَاءَتْنَا امْرَأَةٌ سَوْدَاءُ، فَقَالَتْ لِي: إِنِّي قَدْ أَرْضَعْتُكُمَا، وَهِيَ كَاذِبَةٌ، فَأَعْرَضَ عَنِّي، فَأَتَيْتُهُ مِنْ قِبَلِ وَجْهِهِ، قُلْتُ: إِنَّهَا كَاذِبَةٌ، قَالَ: «كَيْفَ بِهَا وَقَدْ زَعَمَتْ أَنَّهَا قَدْ أَرْضَعَتْكُمَا، دَعْهَا عَنْكَ».
والجواب: أنَّه لم يقم بينة على كذبها فلهذا لم يلتفت النبي ﷺ لدعواه. والله أعلم.
* * *
стр. 6459
كِتَابُ: الْحَضَانَةِ.
٣٣٠ - عَنِ البَرَاءِ بْنِ عَازِبٍ ﵁، قَالَ: «خَرَجَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَعْنِي مِنْ مَكَّةَ - فَتَبِعَتْهُمْ ابْنَةُ حَمْزَةَ، تُنَادِي: يَا عَمُّ، فَتَنَاوَلَهَا عَلِيٌّ فَأَخَذَ بِيَدِهَا، وَقَالَ لِفَاطِمَةَ: دُونَكِ ابْنَةَ عَمِّك، فَاحْتَمَلْتُهَا. فَاخْتَصَمَ فِيهَا عَلِيٌّ وَجَعْفَرٌ وَزَيْدٌ فَقَالَ عَلِيٌّ: أَنَا أَحَقُّ بِهَا، وَهِيَ ابْنَةُ عَمِّي، وَقَالَ جَعْفَرٌ: ابْنَةُ عَمِّي، وَخَالَتُهَا تَحْتِي. وَقَالَ زَيْدٌ: ابْنَةُ أَخِي. فَقَضَى بِهَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ لِخَالَتِهَا، وَقَالَ: "الْخَالَةُ بِمَنْزِلَةِ الأُمِّ". وَقَالَ لِعَلِيٍّ: "أَنْتَ مِنِّي، وَأَنَا مِنْك". وَقَالَ لِجَعْفَرٍ: "أَشْبَهَتْ خَلْقِي وَخُلُقِي". وَقَالَ لِزَيْدٍ: "أَنْتَ أَخُونَا وَمَوْلانَا"».
هذا الحديث الذي أورده المؤلف متعلق بكتاب الحضانة.
والحَضانة بفتح الحاء من الحِضن بكسرها وهو الجنب وهو ما بين الإبط إلى الكَشْحِ، والكَشْحُ من آخر الضلع إلى الخاصرة. وسميت الحضانة بذلك لضم الحاضنة الطفل إليه.
وهي شرعاً: تربية من لا يستقل بأموره بما يصلحه ووقايته مما يضره.
стр. 6460
قَوْلُهُ: «خَرَجَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَعْنِي مِنْ مَكَّةَ -». وذلك في عمرة القضاء.
وقَوْلُهُ: «فَتَبِعَتْهُمْ ابْنَةُ حَمْزَةَ، تُنَادِي: يَا عَمُّ». وذلك لأنَّ النبي ﷺ أخو أبيها من الرضاع.
وَقَوْلُهُ: «وَقَالَ لِفَاطِمَةَ: دُونَكِ ابْنَةَ عَمِّك» أي: خذيها.
وَقَوْلُهُ: «وَقَالَ زَيْدٌ: ابْنَةُ أَخِي». هذا باعتبار المؤاخاة التي آخاها النبي ﷺ بينه وبين حمزة، وكانوا يتوارثون بها في أول الإسلام، وقد ظن زيد أنَّه بهذه المؤاخاة يستحق حضانة ابنة حمزة دون غيره.
وَقَوْلُهُ: «أَنْتَ مِنِّي، وَأَنَا مِنْك». أي في النسب والمصاهرة والمحبة وغير ذلك، وهذه التعبير يدل على معنى الموافقة، وإذا قيل: لست مني ولست منك فتدل على حصول المخالفة.
قَالَ شَيْخُ الْإِسْلَامِ ابْنُ تَيْمِيَّةَ ﵀ كَمَا فِي [مَجْمُوْعِ الْفَتَاوَى] (١١/ ٧٣ - ٧٤):
«لَكِنْ قَالَ النَّبِيُّ ﷺ لِعَلِيِّ: "أَنْتَ مِنِّي وَأَنَا مِنْك" كَمَا قَالَ اللَّهُ سُبْحَانَهُ: ﴿بَعْضُكُمْ مِنْ بَعْضٍ﴾ أَيْ أَنْتُمْ نَوْعٌ وَاحِدٌ. مُتَّفِقُونَ فِي الْقَصْدِ وَالْهُدَى
стр. 6461
كَالرُّوحَيْنِ اللَّتَيْنِ تَتَّفِقَانِ فِي صِفَاتِهِمَا؛ وَهِيَ الْجُنُودُ الْمُجَنَّدَةُ الَّتِي قَالَ النَّبِيُّ ﷺ : "الْأَرْوَاحُ جُنُودٌ مُجَنَّدَةٌ فَمَا تَعَارَفَ مِنْهَا ائْتَلَفَ وَمَا تَنَاكَرَ مِنْهَا اخْتَلَفَ"» اهـ.
وقَوْلُهُ: «أَشْبَهَتْ خَلْقِي» أي: الصفات الظاهرة.
وقَوْلُهُ: «وَخُلُقِي» أي: الصفات الباطنة.
وقَوْلُهُ: «وَمَوْلانَا» أي: عتيقنا.
تَنْبِيْهٌ: هذا الحديث انفرد به البخاري دون مسلم فهو خارج عن شرط المصنف ﵀.
وَفِي الْحَدِيْثِ مَسَائِلُ مِنْهَا:
١ - احتج به من قال: إنَّ الخالة مقدمة على سائر الأقرباء بعد الأبوين.
وذهب الإمام مالك ﵀ إلى تقديمها على سائر الأقرباء عدا الأم. فقدم الخالة حتى على الأب، وذهب الإمام أحمد في رواية على تقديم الخالة على الأب.
قَالَ الْعَلَّامَةُ ابْنُ الْقَيِّمِ ﵀ فِي [زَادِ الْمَعَادِ] (٥/ ٤٤٢): «وهذا في غاية البعد، فكيف تقدم قرابة الأم وإن بعدت على الأب نفسه، وعلى قرابته مع أنَّ الأب وأقاربه أشفق على الطفل، وأرعى لمصلحة من قرابة الأم؟ فإنَّه ليس إليهم بحال،
стр. 6462
ولا ينسب إليهم، بل هو أجنبي منهم، وإنَّما نسبه وولاؤه إلى أقارب أبيه، وهم أولى به، يعقلون عنه، وينفقون عليه عند الجمهور، ويتوارثون بالتعصيب وإن بعدت القرابة بينهم بخلاف قرابة الأم، فإنَّه لا يثبت فيها ذلك، ولا توارث فيها إلَّا في أمهاتها، وأول درجة من فروعها، وهم ولدها، فكيف تقدم هذه القرابة على الأب، ومن في جهته، ولا سيما إذا قيل بتقديم خالة الخالة على الأب نفسه وعلى أمه، فهذا القول مما تأباه أصول الشريعة وقواعدها» اهـ.
٢ - احتج به على أنَّ الزواج لا يسقط الحضانة، وهذا مشروط برضا الزوج ورغبته بالحضانة جمعاً بين هذا الحديث وما رواه أحمد (٦٧٠٧)، وأبو داود (٢٢٧٦) عن عَمْرُو بْنِ شُعَيْبٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ جَدِّهِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو، أَنَّ امْرَأَةً قَالَتْ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، إِنَّ ابْنِي هَذَا كَانَ بَطْنِي لَهُ وِعَاءً، وَثَدْيِي لَهُ سِقَاءً، وَحِجْرِي لَهُ حِوَاءً، وَإِنَّ أَبَاهُ طَلَّقَنِي، وَأَرَادَ أَنْ يَنْتَزِعَهُ مِنِّي، فَقَالَ لَهَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «أَنْتِ أَحَقُّ بِهِ مَا لَمْ تَنْكِحِي».
قُلْتُ: هَذَا حَدِيْثٌ حَسَنٌ.
وهذا الحديث محمول على إذا لم تكن هنالك رغبة من الزوج في الحضانة فإنَّ حقه مقدم على الحضانة.
стр. 6463
وبناءً على ذلك فإذا تزوجت الأم وكان زوجها راغباً في الحضانة فلا تسقط حضانتها من أجل نكاحها، فإنَّها إذا لم تسقط في حق الخالة فعدم سقوطها في حق الأم أولى. والله أعلم.
ولأهل العلم أوجه آخر في الجمع بين هذين الحديثين.
قَالَ الْعَلَّامَةُ ابْنُ الْقَيِّمِ ﵀ فِي [زَادِ الْمَعَادِ] (٥/ ٤٥٤ - ٤٥٨): «فصل: واختلف الناس في سقوط الحضانة بالنكاح، على أربعة أقوال.
أحدها: سقوطها به مطلقاً، سواء كان المحضون ذكراً، أو أنثى، وهذا مذهب الشافعي، ومالك، وأبي حنيفة، وأحمد في المشهور عنه. قال ابن المنذر: أجمع على هذا كل من أحفظ عنه من أهل العلم، وقضى به شريح.
والقول الثاني: أنَّها لا تسقط بالتزويج بحال، ولا فرق في الحضانة بين الأيم وذوات البعل، وحكي هذا المذهب عن الحسن البصري، وهو قول أبي محمد ابن حزم.
القول الثالث: أنَّ الطفل إن كان بنتاً لم تسقط الحضانة بنكاح أمها، وإن كان ذكراً سقطت، وهذه إحدى الروايتين عن أحمد ﵀ نص عليه في رواية مهنا بن يحي الشامي، فقال: إذا تزوجت الأم وابنها صغير، أخذ منها. قيل له: والجارية
стр. 6464
مثل الصبي؟ قال: لا، الجارية تكون مع أمها إلى سبع سنين. وعلى هذه الرواية: فهل تكون عندها إلى سبع سنين أو إلى أن تبلغ؟ على روايتين. قال ابن أبي موسى: وعن أحمد، أنَّ الأم أحق بحضانة البنت وإن تزوجت إلى أن تبلغ.
والقول الرابع: أنَّها إذا تزوجت بنسيب من الطفل لم تسقط حضانتها، ثم اختلف أصحاب هذا القول، على ثلاثة أقوال:
أحدها: أنَّ المشترط أن يكون الزوج نسيباً للطفل فقط، وهذا ظاهر قول أصحاب أحمد.
الثاني: أنَّه يشترط أن يكون مع ذلك ذا رحم محرم، وهو قول أصحاب أبي حنيفة. الثالث: أنَّه يشترط أن يكون بين الزوج وبين الطفل إيلاد، بأن يكون جداً للطفل، وهذا قول مالك، وبعض أصحاب أحمد، فهدا تحرير المذاهب في هذه المسألة.
فأمَّا حجة من أسقط الحضانة بالتزويج مطلقاً، فثلاث حجج:
إحداها: حديث عمرو بن شعيب المتقدم ذكره.
الثانية: اتفاق الصحابة على ذلك، وقد تقدم قول الصديق لعمر: هي أحق به ما لم تتزوج، وموافقة عمر له على ذلك، ولا مخالف لهما من الصحابة ألبتة، وقضى به شريح، والقضاة بعده إلى اليوم في سائر الأعصار والأمصار.
стр. 6465
الثالثة: ما رواه عبد الرزاق: حدثنا ابن جريج، حدثنا أبو الزبير، عن رجل صالح من أهل المدينة، عن أبي سلمة بن عبد الرحمن، قال: كانت امرأة من الأنصار تحت رجل من الأنصار، فقتل عنها يوم أحد وله منها ولد، فخطبها عم ولدها ورجل آخر إلى أبيها، فأنكح الآخر، فجاءت إلى النبي ﷺ ، فقالت: أنكحني أبي رجلاً لا أريده، وترك عم ولدي، فيؤخذ مني ولدي، فدعا رسول الله ﷺ أباها، فقال: "أنكحت فلاناً فلانة"؟ قال: نعم، قال "أنت الذي لا نكاح لك، اذهبي فانكحي عم ولدك"، فلم ينكر أخذ الولد منها لما تزوجت، بل أنكحها عم الولد لتبقى لها الحضانة، ففيه دليل على سقوط الحضانة بالنكاح، وبقائها إذا تزوجت بنسيب من الطفل.
واعترض أبو محمد بن حزم على هذا الاستدلال، بأنَّ حديث عمرو بن شعيب صحيفة، وحديث أبي سلمة هذا مرسل، وفيه مجهول. وهذان الاعتراضان ضعيفان، فقد بينا احتجاج الأئمة بعمرو في تصحيحهم حديثه، وإذا تعارض معنا في الاحتجاج برجل قول ابن حزم، وقول البخاري، وأحمد، وابن المديني، والحميدي وإسحاق بن راهويه وأمثالهم، لم تلتفت إلى سواهم.
стр. 6466
وأمَّا حديث أبي سلمة هذا، فإنَّ أبا سلمة من كبار التابعين، وقد حكى القصة عن الأنصارية، ولا ينكر لقاؤه لها، فلا يتحقق الإرسال، ولو تحقق، فمرسل جيد، له شواهد مرفوعة وموقوفة، وليس الاعتماد عليه وحده، وعنى بالمجهول الرجل الصالح الذي شهد له أبو الزبير بالصلاح، ولا ريب أنَّ هذه الشهادة لا تعرف به، ولكن المجهول إذا عدله الراوي عنه الثقة ثبتت عدالته وإن كان واحداً على أصح القولين، فإنَّ التعديل من باب الإخبار والحكم لا من باب الشهادة، لا سيما التعديل في الرواية، فإنَّه يكتفى فيه بالواحد، ولا يزيد على أصل نصاب الرواية، هذا مع أنَّ أحد القولين: أنَّ مجرد رواية العدل عن غيره تعديل له وإن لم يصرح بالتعديل، كما هو إحدى الروايتين عن أحمد، وأمَّا إذا روى عنه وصرح بتعديله، فقد خرج عن الجهالة التي ترد لأجلها روايته لا سيما إذا لم يكن معروفاً بالرواية عن الضعفاء والمتهمين، وأبو الزبير وإن كان فيه تدليس، فليس معروفاً بالتدليس عن المتهمين والضعفاء، بل تدليسه من جنس تدليس السلف، لم يكونوا يدلسون عن متهم ولا مجروح، وإنَّما كثر هذا النوع من التدليس في المتأخرين.
واحتج أبو محمد على قوله، بما رواه من طريق البخاري، عن عبد العزيز بن صهيب، عن أنس قال: قدم رسول الله ﷺ المدينة وليس له
стр. 6467
خادم، فأخذ أبو طلحة بيدي، وانطلق بي إلى رسول الله ﷺ ، فقال: يا رسول الله! إنَّ أنساً غلام كيس، فليخدمك. قال: فخدمته في السفر والحضر. وذكر الخبر.
قال أبو محمد: فهذا أنس في حضانة أمه، ولها زوج، وهو أبو طلحة بعلم رسول الله ﷺ وهذا الاحتجاج في غاية السقوط، والخبر في غاية الصحة، فإنَّ أحداً من أقارب أنس لم ينازع أمه فيه إلى النبي ﷺ وهو طفل صغير لم يثغر، ولم يأكل وحده، ولم يشرب وحده، ولم يميز، وأمه مزوجة، فحكم به لأمه، وإنَّما يتم الاستدلال بهذه المقدمات كلها، والنبي ﷺ لما قدم المدينة كان لأنس من العمر عشر سنين، فكان عند أمه، فلما تزوجت أبا طلحة لم يأت أحد من أقارب أنس ينازعها في ولدها ويقول: قد تزوجت فلا حضانة لك، وأنا أطلب انتزاعه منك، ولا ريب أنَّه لا يحرم على المرأة المزوجة حضانة ابنها إذا اتفقت هي والزوج وأقارب الطفل على ذلك، ولا ريب أنَّه لا يجب، بل لا يجوز أن يفرق بين الأم وولدها إذا تزوجت من غير أن يخاصمها من له الحضانة، ويطلب انتزاع الولد، فالاحتجاج بهذه القصة من أبعد الاحتجاج وأبرده.
стр. 6468
ونظير هذا أيضاً، احتجاجهم بأنَّ أم سلمة لما تزوجت برسول الله ﷺ لم تسقط كفالتها لابنها، بل استمرت على حضانتها، فيا عجباً من الذي نازع أم سلمة في ولدها، ورغب عن أن يكون في حجر النبي ﷺ .
واحتج لهذا القول أيضاً بأنَّ رسول الله ﷺ قضى بابنة حمزة لخالتها وهي مزوجة بجعفر، فلا ريب أنَّ للناس في قصة ابنة حمزة ثلاث مآخذ.
أحدها: أنَّ النكاح لا يسقط الحضانة.
الثاني: أنَّ المحضونة إذا كانت بنتاً، فنكاح أمها لا يسقط حضانتها، ويسقطها إذا كان ذكراً.
الثالث: أن الزوج إذا كان نسيباً من الطفل، لم تسقط حضانتها، وإلَّا سقطت، فالاحتجاج بالقصة على أنَّ النكاح لا يسقط الحضانة مطلقاً لا يتم إلَّا بعد إبطال ذينك الاحتمالين الآخرين» اهـ.
قُلْتُ: وذهب جماعة من الشافعية إلى أنَّ الحاضنة إن تزوجت بقريب له حق في الحضانة من حيث الجملة كعمه وابن عمه وابن أخيه فحضانتها باقية.
стр. 6469
وَقَوْلُهُ: «الثالث: أنَّه يشترط أن يكون بين الزوج وبين الطفل إيلاد، بأن يكون جداً للطفل، وهذا قول مالك، وبعض أصحاب أحمد». وذلك كأن تكون الحاضنة هي جدة الطفل ومتزوجه بجده فلا تسقط حضانتها.
وَقَالَ ﵀ فِي [زَادِ الْمَعَادِ] (٥/ ٤٨٤): «الثالث: أنَّ الزوج إذا رضي بالحضانة، وآثر كون الطفل عنده في حجره، لم تسقط الحضانة، هذا هو الصحيح، وهو مبني على أصل، وهو أنَّ سقوط الحضانة بالنكاح هو مراعاة لحق الزوج، فإنَّه يتنغص عليه الاستمتاع المطلوب من المرأة لحضانتها لولد غيره، ويتنكد عليه عيشه مع المرأة، لا يؤمن أن يحصل بينهما خلاف المودة والرحمة، ولهذا كان للزوج أن يمنعها من هذا مع اشتغالها هي بحقوق الزوج، فتضيع مصلحة الطفل، فإذا آثر الزوج ذلك وطلبه، وحرص عليه، زالت المفسدة التي لأجلها سقطت الحضانة، والمقتضي قائم، فيترتب عليه أثره، يوضحه أنَّ سقوط الحضانة بالنكاح ليست حقاً لله، وإنَّما هي حق للزوج وللطفل وأقاربه، فإذا رضي من له الحق جاز، فزال الإشكال على كل تقدير، ظهر أنَّ هذا الحكم من رسول الله ﷺ من أحسن الأحكام وأوضحها وأشدها موافقة للمصلحة، والحكمة، والرحمة، والعدل، وبالله التوفيق» اهـ.
стр. 6470
قُلْتُ: هذا كلام حسن.
وفي حديث ابنة حمزة احتمال آخر وهو أنَّ خالة ابنة حمزة وإن كانت متزوجة لكنها أولى ممن نازعها من الأولياء، وذلك أنَّ المنازع هو علي بن أبي طالب، وقد ساواه في المنزلة أخوه جعفر ولا وجه لمنع خالتها من الحضانة بسبب زواجها، وجعلها في حضانة عليِّ دون جعفر وقد ساواه في القرب منها، وهي وإن جعلت إلى علي فسوف تكون في حضانة ابنة عمها فاطمة ﵂ وهي متزوجة أيضاً، فكونها مع خالتها المتزوجة أولى وأحرى.
ومذهب الجمهور أنَّ الحضانة تسقط بمجرد العقد، وعند المالكية بالدخول وهذا أصح.
٣ - واحتج به من قال: إنَّ جهة الأم في الحضانة مقدمة على جهة الأب.
قُلْتُ: ولا حجة في ذلك فإنَّه لم يثبت أنَّ امرأة أقرب منها من جهة الأب نازعتها في الحضانة فقضى بالحضانة للخالة دونها.
وأمَّا منازعة فاطمة لها وهي ابنة عمها فلا يستقيم الاستدلال به لبعدها عن منزلة الخالة، فإنَّ الخالة أخت الأم، وابنة العم هي بنت أخي الأب.
стр. 6471
قَالَ الْعَلَّامَةُ ابْنُ الْقَيِّمِ ﵀ فِي [زَادِ الْمَعَادِ] (٥/ ٤٣٨ - ): «إذا عرف هذا، فهل قدمت الأم لكون جهتها مقدمة على جهة الأبوة في الحضانة، فقدمت لأجل الأمومة، أو قدمت على الأب، لكون النساء أقوم بمقاصد الحضانة والتربية من الذكور، فيكون تقديمها لأجل الأنوثة؟ ففي هذا للناس قولان وهما في مذهب أحمد يظهر أثرهما في تقديم نساء العصبة على أقارب الأم أو بالعكس، كأم الأم، وأم الأب، والأخت من الأب، والأخت من الأم، والخالة، والعمة، وخالة الأم، وخالة الأب، ومن يدلي من الخالات والعمات بأم، ومن يدلي منهن بأب، ففيه روايتان عن الإمام أحمد. إحداهما تقديم أقارب الأم على أقارب الأب.
والثانية: وهي أصح دليلاً، واختيار شيخ الإسلام ابن تيمية: تقديم أقارب الأب وهذا هو الذي ذكره الخرقي في "مختصره" فقال: والأخت من الأب أحق من الأخت من الأم وأحق من الخالة، وخالة الأب أحق من خالة الأم، وعلى هذا فأم الأب مقدمة على أم الأم كما نص عليه أحمد في إحدى الروايتين عنه.
وعلى هذه الرواية: فأقارب الأب من الرجال مقدمون على أقارب الأم، والأخ للأب أحق من الأخ للأم، والعم أولى من الخال، هذا إن قلنا: إنَّ لأقارب الأم من الرجال مدخلاً في الحضانة، وفي ذلك وجهان في مذهب أحمد والشافعي:
стр. 6472
أحدهما: أنَّه لا حضانة إلَّا لرجل من العصبة محرم، أو لامرأة وارثة، أو مدلية بعصبة، أو وارث.
والثاني: أنَّ لهم الحضانة والتفريع على هذا الوجه، وهو قول أبي حنيفة.
وهذا يدل على رجحان جهة الأبوة على جهة الأمومة في الحضانة، وأنَّ الأم إنَّما قدمت لكونها أنثى لا لتقديم جهتها، إذ لو كان جهتها راجحة لترجح رجالها ونساؤها على الرجال والنساء من جهة الأب، ولما لم يترجح رجالها اتفاقاً فكذلك النساء، وما الفرق المؤثر؟.
وأيضاً: فإنَّ أصول الشرع وقواعده شاهدة بتقديم أقارب الأب في الميراث، وولاية النكاح، وولاية الموت وغير ذلك، ولم يعهد في الشرع تقديم قرابة الأم على قرابة الأب في حكم من الأحكام، فمن قدمها في الحضانة، فقد خرج عن موجب الدليل.
فالصواب في المأخذ هو أنَّ الأم إنَّما قدمت، لأنَّ النساء أرفق بالطفل، وأخبر بتربيته، وأصبر على ذلك، وعلى هذا فالجدة أم الأب أولى من أم الأم، والأخت للأب أولى من الأخت للأم، والعمة أولى من الخالة، كما نص عليه أحمد في إحدى الروايتين، وعلى هذا فتقدم أم الأب على أب الأب، كما تقدم الأم على الأب.
стр. 6473
وإذا تقرر هذا الأصل، فهو أصل مطرد منضبط لا تتناقض فروعه، بل إن اتفقت القرابة والدرجة واحدة قدمت الأنثى على الذكر، فتقدم الأخت على الأخ، والعمة على العم، والخالة على الخال، والجدة على الجد، وأصله تقديم الأم على الأب.
وإن اختلفت القرابة، قدمت قرابة الأب على قرابة الأم، فتقدم الأخت للأب على الأخت للأم، والعمة على الخالة، وعمة الأب على خالته، وهلم جراً.
وهذا هو الاعتبار الصحيح، والقياس المطرد، وهذا هو الذي قضى به سيد قضاة الإسلام شريح، كما روى وكيع في "مصنفه" عن الحسن بن عقبة، عن سعيد بن الحارث قال: اختصم عم وخال إلى شريح في طفل، فقضى به للعم، فقال الخال: أنا أنفق عليه من مالي، فدفعه إليه شريح.
ومن سلك غير هذا المسلك لم يجد بداً من التناقض» اهـ.
٤ - وفيه أنَّ الإناث مقدمات في الحضانة على الذكور، وهذا عند التساوي في القرب. كالعمة مقدمة على العم، والأخت الشقيقة مقدمة على الأخ الشقيق، والأخت لأب مقدمة على الأخ لأب، والأخت لأم مقدمة على الأخ لأم، والخالة مقدمة على الخال، وهذا إذا قلنا إنَّ للأقرباء الذكور من جهة الأم حضانة وفي
стр. 6474
ذلك نزاع بين العلماء، والراجح أنَّ النظر في باب الحضانة إلى القرابة مطلقاً، إذ لو كان النظر فيها إلى أهل العصبات لم يدخل النساء في ذلك، ولو كان النظر إلى الورثة، لم تدخل الخالة وغيرها من ذوي الأرحام، فما بقي إلَّا النظر إلى القرابة مطلقاً. والله أعلم.
وأمَّا إذا حصلت تفاوت في القرب فيقدم القريب على البعيد، حتى ولو كان القريب ذكراً، والبعيد أنثى، فيقدم الأب على أم الأب، وعلى الأخت، والعمة وغيرهنَّ من القريبات، ويقدم الأخ على العمة، وغيرهنَّ من البعيدات. وهذا عند اتحاد الجهة واختلافها، ومثال ذلك مع اختلاف الجهة تقديم الأب على الأخت لأم، والخالة، وقد ذهب الإمام أحمد في إحدى الروايتين إلى تقديم الأخت لأم، والخالة على الأب، وهو مذهب مالك.
قَالَ الْعَلَّامَةُ ابْنُ الْقَيِّمِ ﵀ فِي [زَادِ الْمَعَادِ] (٥/ ٤٤٢ - ٤٤٣): «وهذا أيضاً في غاية البعد، ومخالفة القياس. وحجة هذا القول: أنَّ كلتيهما تدليان بالأم المقدمة على الأب، فتقدمان عليه، وهذا ليس بصحيح، فإنَّ الأم لما ساوت الأب في الدرجة، وامتازت عليه بكونها أقوم بالحضانة، وأقدر عليها وأصبر، قدمت عليه، وليس كذلك الأخت من الأم، والخالة مع الأب، فإنَّهما لا يساويانه، وليس أحد
стр. 6475
أقرب إلى ولده منه، فكيف تقدم عليه بنت امرأته، أو أختها؟ وهل جعل الله الشفقة فيهما أكمل منه؟!!» اهـ.
وهكذا إذا كانت جهة الأب بعيدة وجهة الأم قريبة فتقدم جهة الأم، كالخالة مع بنت العم مثلاً.
وهكذا يقدم الأخ الشقيق على الأخت لأم لقوته فإنَّه يدلي بالأب والأم معاً، وقد يقال أنَّها مقدمة عليه باعتبار أنَّنا إذا نظرنا إلى الشقيق من جهة الأمومة فهي مقدمة عليه لكونها أنثى مع اشتراكها معه في الجهة، وإذا نظرنا إلى جهة الأبوة فإنَّها تساويه في القرب وتفضل عليه بكونها أنثى كالأم مع الأب وهذا القول أظهر في نظري، ولهذا فإنَّ الأخ لأب لا يقدم على الأخت لأم، بل تقدم عليه الأخت لأم، وذلك أنَّ الإناث مقدمات على الذكور إذا استووا في القرب وإن اختلفت الجهات، ولهذا قدمت الأم على الأب كما مضى.
والصواب تقديم الخالة والعمة على بنات الإخوة والأخوات.
قَالَ الْعَلَّامَةُ ابْنُ الْقَيِّمِ ﵀ فِي [زَادِ الْمَعَادِ] (٥/ ٤٤٤ - ٤٤٥): «واختلف في بنات الإخوة والأخوات، هل يقدمن على الخالات والعمات، أو تقدم الخالات والعمات عليهن؟ على وجهين مأخذهما: أنَّ الخالة والعمة تدليان بأخوة الأم
стр. 6476
والأب، وبنات الإخوة والأخوات يدلين ببنوة الأب، فمن قدم بنات الإخوة، راعى قوة البنوة على الأخوة، وليس ذلك بجيد، بل الصواب تقديم العمة والخالة لوجهين.
أحدهما: أنَّهما أقرب إلى الطفل من بنات أخيه، فإنَّ العمة أخت أبيه، وابنة الأخ ابنة ابن أبيه، وكذلك الخالة أخت أمه، وبنت الأخت من الأم، أو لأب بنت بنت أمه أو أبيه، ولا ريب أنَّ العمة والخالة أقرب إليه من هذه القرابة.
الثاني: أنَّ صاحب هذا القول إن طرد أصله، لزمه ما لا قبل له به من تقديم بنت بنت الأخت وإن نزلت على الخالة التي هي أم، وهذا فاسد من القول، وإن خص ذلك ببنت الأخت دون من سفل منها، تناقض» اهـ.
قُلْتُ: وإن حصل اتفاق في القرب والجهة والوصف كالذكورة والأنوثة، وحصل تفاوت في القوة قدم الأقوى، ومثاله الأخت الشقيقة مع الأخت لأب فإنَّها مقدمة عليها لقوتها.
قَالَ الْعَلَّامَةُ ابْنُ الْقَيِّمِ ﵀ فِي [زَادِ الْمَعَادِ] (٥/ ٤٤٥) - عند كلامه على الحنابلة -: «وأيضاً: فإنَّ الصحيح في الأخوات عندكم أنَّه يقدم منهن من كانت
стр. 6477
لأبوين، ثم من كانت لأب، ثم من كانت لأم، وهذا صحيح موافق للأصول والقياس» اهـ.
وخلاصة القول: أنَّ الإناث يقدمن في باب الحضانة على الذكور عند التساوي، وأنَّ القريب مقدم على البعيد من جهة الأب كان أو من جهة الأم، وسواءً كان ذكراً أو أنثى، والقوي المدلي بجهتين مقدم على المدلي بجهة عند الاتفاق في الذكورة أو الأنوثة، وأمَّا عند الاختلاف فيهما فتقدم الأنثى على الذكر، ومن كان في جهة الأب مقدم على من كان في جهة الأم عند التساوي كالخالة والعمة، ويقدم في جهة الأب الأباء ومن في جهتهم على جهة الأخوة، وفي جهة الأمومة تقدم الأمهات ومن في جهتن على جهة الأخوة، وهذا كله عند التساوي في القرب، وإذا تساوى الأقرباء من كل وجه قدم أحدهم بالقرعة.
ويمكن صياغة ذلك بطريقة أخرى فأقول:
إذا تساوى الأقرباء في الدرجة والجهة والقوة قدمت الأنثى على الذكر.
وإذا تساووا في جميع ذلك أُقرع بينهم.
وإذا اختلفوا في الدرجة قدم الأقرب إلى الطفل في الدرجة. كالشقيقة وابنتها.
وإذا اختلفوا في القوة واتفقوا في الوصف قدم الأقوى. كالشقيقة والأخت لأب.
стр. 6478
وإذا اختلفوا في القوة واختلفوا في الوصف قدمت الأنثى. كالأخت لأم والأخ الشقيق.
وإن اختلفوا في الجهة وتساووا في الدرجة والوصف وهو الذكورة أو الأنوثة، قدمت جهة الأب على جهة الأم. كالعمة والخالة.
وإن اختلفوا في الجهة والوصف وتساووا في الدرجة، قدمت الأنثى على الذكر. كالعم والخالة.
وإن اختلفوا في الجهة والدرجة، وتساووا في الوصف، قدم الأقرب درجةً. كالخالة وبنت العم.
وإن اختلفوا في الجهة والوصف والدرجة، قدم الأقرب مطلقاً. كالخالة وابن العم.
وإذا قربت الجهة وبعدت الدرجة قدمت الدرجة. كأم الأم وبنت الأخ الشقيق.
ومن كان في جهة الأبوة أو الأمومة فيقدم فيهما الآباء والأمهات على الإخوة والأخوات ومن في جهتهم.
والإخوة والأخوات يُقَدمن على الأعمام والعمات.
стр. 6479
وأمَّا أبناء الإخوة والأخوات فلا يقدمن على الأعمام والعمات، فإنَّ هؤلاء يفضلون عليهم بأبوة الأب وهي أقرب إلى الطفل من بنوة أبناء أبيه.
ويمكن اختصار ذلك بأخصر من هذا، فأقول:
ينظر في الأقرباء إلى القرب فيقدم الأقرب، فإن استووا في القرب والوصف قدم الأقوى، فإن استووا في القرب واختلفوا في الوصف قدمت الأنثى على الذكر، فإن استووا في ذلك قدمت جهة الأب على جهة الأم، فإن استووا أقرع بينهم. والله أعلم.
قَالَ الْعَلَّامَةُ ابْنُ الْقَيِّمِ ﵀ فِي [زَادِ الْمَعَادِ] (٥/ ٤٥٠ - ٤٥١): «وقد ضبط هذا الباب شيخنا شيخ الإسلام ابن تيمية بضابط آخر. فقال: أقرب ما يضبط به باب الحضانة أن يقال: لما كانت الحضانة ولاية تعتمد الشفقة والتربية والملاطفة كان أحق الناس بها أقومهم بهذه الصفات وهم أقاربه يقدم منهم أقربهم إليه وأقومهم بصفات الحضانة. فإن اجتمع منهم اثنان فصاعداً، فإن استوت درجتهم قدم الأنثى على الذكر، فتقدم الأم على الأب، والجدة على الجد، والخالة على الخال، والعمة على العم، والأخت على الأخ. فإن كانا ذكرين أو انثيين، قدم أحدهما بالقرعة يعني مع استواء درجتهما، وإن اختلفت درجتهما من الطفل، فإن
стр. 6480
كانوا من جهة واحدة، قدم الأقرب إليه، فتقدم الأخت على ابنتها، والخالة على خالة الأبوين، وخالة الأبوين على خالة الجد والجدة، والجد أبو الأم على الأخ للأم، هذا هو الصحيح لأن جهة الأبوة والأمومة في الحضانة أقوى من جهة الأخوة فيها. وقيل: يقدم الأخ للأم لأنَّه أقوى من أب الأم في الميراث. والوجهان في مذهب أحمد.
وفيه وجه ثالث: أنَّه لا حضانة للأخ من الأم بحال، لأنَّه ليس من العصبات، ولا من نساء الحضانة، وكذلك الخال أيضاً، فإنَّ صاحب هذا الوجه يقول: لا حضانة له، ولا نزاع أنَّ أبا الأم وأمهاته أولى من الخال، وإن كانوا من جهتين، كقرابة الأم وقرابة الأب مثل العمة والخالة، والأخت للأب، والأخت للأم، وأم الأب، وأم الأم، وخالة الأب، وخالة الأم قدم من في جهة الأب في ذلك كله على إحدى الروايتين فيه. هذا كله إذا استوت درجتهم، أو كانت جهة الأب أقرب إلى الطفل، وأمَّا إذا كانت جهة الأم أقرب، وقرابة الأب أبعد، كأم الأم، وأم أب الأب، وكخالة الطفل، وعمة أبيه، فقد تقابل الترجيحان، ولكن يقدم الأقرب إلى الطفل لقوة شفقته وحنوه على شفقة الأبعد، ومن قدم قرابة الأب، فإنَّما يقدمها مع مساواة قرابة الأم لها، فأمَّا إذا كانت أبعد منها، قدمت قرابة الأم القريبة، وإلَّا
следующие страницы →