Полный текст (8 095 стр.). Показаны 6511–6550 · переход к 6516.
стр. 6511
والثاني: أنَّها أحق به ما لم تنكح، وكونها أحق به له حالتان:
إحداهما: أن يكون الولد صغيراً لم يميز، فهي أحق به مطلقاً من غير تخيير.
الثاني: أن يبلغ سن التمييز، فهي أحق به أيضاً، ولكن هذه الأولوية مشروطة بشرط، والحكم إذا علق بشرط صدق إطلاقه اعتماداً على تقدير الشرط، وحينئذ فهي أحق به بشرط اختياره لها، وغاية هذا أنَّه تقييد للمطلق بالأدلة الدالة على تخييره. ولو حمل على إطلاقه، وليس بممكن ألبتة، لاستلزم ذلك إبطال أحاديث التخيير، وأيضاً فإذا كنتم قيدتموه بأنَّها أحق به إذا كانت مقيمة وكانت حرة ورشيدة وغير ذلك من القيود التي لا ذكر لشيء منها في الأحاديث ألبتة، فتقييده بالاختيار الذي دلت عليه السنة، واتفق عليه الصحابة أولى.
وأمَّا حملكم أحاديث التخيير على ما بعد البلوغ، فلا يصح لخمسة أوجه.
أحدها: أنَّ لفظ الحديث أنَّه خير غلاماً بين أبويه، وحقيقة الغلام من لم يبلغ، فحمله على البالغ إخراج له عن حقيقته إلى مجازه بغير موجب، ولا قرينة صارفة.
الثاني: أنَّ البالغ لا حضانة عليه، فكيف يصح أن يخير ابن أربعين سنة بين أبوين؟ هذا من الممتنع شرعاً وعادة، فلا يجوز حمل الحديث عليه.
стр. 6512
الثالث: أنَّه لم يفهم أحد من السامعين أنَّهم تنازعوا في رجل كبير بالغ عاقل، وأنَّه خير بين أبويه، ولا يسبق إلى هذا فهم أحد ألبتة، ولو فرض تخييره، لكان بين ثلاثة أشياء: الأبوين، والانفراد بنفسه.
الرابع: أنَّه لا يعقل في العادة ولا العرف ولا الشرع أن تنازع الأبوان في رجل كبير بالغ عاقل، كما لا يعقل في الشرع تخيير من هذه حاله بين أبويه.
الخامس: أنَّ في بعض ألفاظ الحديث أنَّ الولد كان صغيراً لم يبلغ ذكره النسائي، وهو حديث رافع بن سنان، وفيه: فجاء ابن لها صغير لم يبلغ، فأجلس النبي ﷺ الأب ها هنا، والأم هاهنا ثم خيره.
وأمَّا قولكم: إنَّ بئر أبي عنبة على أميال من المدينة، فجوابه مطالبتكم أولاً: بصحة هذا الحديث ومن ذكره، وثانياً: بأنَّ مسكن هذه المرأة كان بعيداً من هذه البئر، وثالثاً، بأنَّ من له نحو العشر سنين لا يمكنه أن يستقي من البئر المذكور عادة، وكل هذا مما لا سبيل إليه، فإنَّ العرب وأهل البوادي يستقي أولادهم الصغار من آبار هي أبعد من ذلك.
وأمَّا تقييدنا له بالسبع، فلا ريب أنَّ الحديث لا يقتضي ذلك، ولا هو أمر مجمع عليه، فإنَّ للمخيرين قولين:
стр. 6513
أحدهما: أنَّه يخير لخمس، حكاه إسحاق بن راهويه، ذكره عنه حرب في "مسائله"، ويحتج لهؤلاء بأنَّ الخمس هي السن التي يصح فيها سماع الصبي، ويمكن أن يعقل فيها، وقد قال محمود بن الربيع: عقلت عن النبي ﷺ مجة مجها في فيّ وأنا ابن خمس سنين.
والقول الثاني: أنَّه إنَّما يخير لسبع، وهو قول الشافعي، وأحمد وإسحاق ﵏، واحتج لهذا القول بأنَّ التخيير يستدعي التمييز والفهم، ولا ضابط له في الأطفال، فضبط بمظنته وهي السبع، فإنَّها أول سن التمييز، ولهذا جعلها النبي ﷺ حداً للوقت الذي يؤمر فيه الصبي بالصلاة.
وقولكم: إنَّ الأحاديث وقائع أعيان، فنعم هي كذلك، ولكن يمتنع حملها على تخيير الرجال البالغين، كما تقدم. وفي بعضها لفظ: غلام، وفي بعضها لفظ: صغير لم يبلغ، وبالله التوفيق» اهـ.
وَقَالَ الْعَلَّامَةُ ابْنُ الْقَيِّمِ ﵀ فِي [تُحْفَةِ الْمَودُودِ] (ص: ٢٩٣): «وأمَّا تقيد وقت التخيير بسبع فليس في الأحاديث المرفوعة اعتباره وإنَّما ذكر فيه أثر عن علي وأبي هريرة. قال عمارة الجرمي: خيرني علي بين أمي وعمي وكنت ابن سبع سنين أ
стр. 6514
و ثمان سنين، وهذا لا يدل على أنَّ من دون ذلك لا يخير بل اتفق أنَّ ذلك الغلام المخير كان سنه ذلك.
وفي السنن من حديث أبي هريرة: جاءت امرأة إلى النبي فقالت يا رسول الله إنَّ زوجي يريد أن يذهب بابني وقد سقاني من بئر أبي عنبة وقد نفعني فقال له النبي ﷺ : "هذا أبوك وهذه أمك فخذ بيد أيهما شئت" فأخذ بيد أمه فانطلقت به ولم يسأل عن سنه، وظاهر أمره أنَّ غاية ما وصل إليه أنَّه سقاها من البئر فليس في أحاديث التخيير مرفوعها وموقوفها تقييد بالسبع والذي دلت عليه أنَّه متى ميز بين أبيه وأمه خير بينهما والله أعلم» اهـ.
قُلْتُ: وسائر الأقرباء يخير الطفل بينهم كالوالدين.
قَالَ الْعَلَّامَةُ ابْنُ قُدَامَةَ ﵀ فِي [الْمُغْنِي] (٩/ ٣٠١): «فصل: فإن كان الأب معدوماً أو من غير أهل الحضانة وحضر غيره من العصبات كالأخ والعم وابنه قام مقام الأب فيخير الغلام بين أمه وعصبته لأنَّ علياً ﵁ خير عمارة الجرمي بين أمه وعمه، ولأنَّ عصبة فأشبه الأب، وكذلك إن كانت أمة معدومة أو من غير أهل الحضانة فسلم إلى الجدة خير الغلام بينها وبين أبيه أو من يقوم مقامه من العصبات، فإن كان الأبوان معدومين، أو من غير أهل الحضانة فسلم
стр. 6515
إلى امرأة كأخته أو عمته أو خالته قامت مقام أمه في التخيير بينها وبين عصباته للمعنى الذي ذكرناه في الأبوين» اهـ.
قُلْتُ: ولا تخيير لمعتوه لأنَّه ليس من أهل الاختيار، بل يبقى عند أمه إلى أن يموت أو تموت أمه.
قَالَ الْعَلَّامَةُ ابْنُ قُدَامَةَ ﵀ فِي [الْمُغْنِي] (٩/ ٣٠١): «فصل: وإنَّما يخير الغلام بشرطين: أحدهما: أن يكونا جميعاً من أهل الحضانة فإن كان أحدهما من غير أهل الحضانة كان كالمعدوم ويعين الآخر.
الثاني: أن لا يكون الغلام معتوهاً فإن كان معتوهاً كان عند الأم ولم يخير لأنَّ المعتوه بمنزلة الطفل وإن كان كبيراً ولذلك كانت الأم بكفالة ولدها المعتوه بعد بلوغه» اهـ.
قُلْتُ: وإذا اختار الغلام أمه بات عندها ليلاً، ويبقى في النهار مع أبيه لتعليمه ما يحتاج إليه، وإذا اختار والده بقى عنده ليلاً ونهاراً ولا يمنع من زيارة أمه لأنَّ ذلك من تربيته على العقوق.
قَالَ الْعَلَّامَةُ ابْنُ قُدَامَةَ ﵀ فِي [الْمُغْنِي] (٩/ ٣٠٣): «وإن كان الغلام عند الأم بعد السبع لاختياره لها كان عندها ليلاً ويأخذه الأب نهاراً ليسلمه في مكتب
стр. 6516
أو في صناعة لأنَّ القصد حظ الغلام وحظه فيما ذكرناه وإن كان عند الأب كان عنده ليلاً ونهاراً ولا يمنع من زيادة أمه لأنَّ منعه من ذلك إغراء بالعقوق وقطعية الرحم، وإن مرض كانت الأم أحق بتمريضه في بيتها لأنَّه صار بالمرض كالصغير في الحاجة إلى من يقوم بأمره فكانت الأم أحق به كالصغير، وإن مرض أحد الأبوين والولد عند الآخر لم يمنع من عيادته وحضوره عند موته سواء كان ذكراً أو أنثى لأنَّ المرض يمنع المريض من المشي إلى ولده فمشي ولده إليه أولى فأمَّا في حال الصحة فإنَّ الغلام يزور أمه لأنَّها عورة فسترها أولى والأم تزور ابنتها لأنَّ كل واحدة منهما عورة تحتاج إلى صيانة وستر، وستر الجارية أولى لأنَّ الأم قد تخرجت وعقلت بخلاف الجارية» اهـ.
٨ - لم يحدد النبي ﷺ بقاء ابنة حمزة عند خالتها إلى أجل معين، فدلَّ ذلك أنَّه تبقى عندها إلى أن تتزوج.
وفي هذا حجة لمذهب الجمهور في قولهم: إنَّ التخيير لا يكون للأنثى. وقد سبق الكلام في ذلك في الفقرة الماضية.
فائدة: قَالَ الْعَلَّامَةُ ابْنُ الْقَيِّمِ ﵀ فِي [زَادِ الْمَعَادِ] (٥/ ٤٨٠): «فعلى قول الجمهور- وهو الصواب- إذا كان الطفل أنثى، وكان ابن العم محرماً لها برضاع
стр. 6517
أو نحوه، كان له حضانتها وإن جاوزت السبع، وإن لم يكن محرماً، فله حضانتها صغيرة حتى تبلغ سبعاً، فلا يبقى له حضانتها، بل تسلم إلى محرمها، أو امرأة ثقة. وقال أبو البركات في "محرره": لا حضانة له ما لم يكن محرماً برضاع أو نحوه» اهـ.
٩ - واحتج به من قال بتوريث الخالة عند عدم وجود ذوي الفروض والعصبات.
قَالَ الْحِافِظُ ابْنُ حَجَرٍ ﵀ فِي [فَتْحِ الْبَارِي] (٧/ ٥٠٦): «قَوْلُهُ: "وقال: الخالة بمنزلة الأم" أي في هذا الحكم الخاص لأنَّها تقرب منها في الحنو والشفقة والاهتداء إلى ما يصلح الولد لما دل عليه السياق فلا حجة فيه لمن زعم أنَّ الخالة ترث لأنَّ الأم ترث» اهـ.
١٠ - وفيه أنَّ الحاكم بين الخصوم لا يفصل في القضية إلَّا بعد سماعه لحجج الخصوم.
١١ - وفيه منقبة عظيمة لجعفر حيث شابه خُلقه خُلق رسول الله ﷺ ، وقد قال الله تعالى في نبيه ﵊: ﴿وَإِنَّكَ لَعَلَى خُلُقٍ عَظِيمٍ﴾ [القلم: ٤].
١٢ - وفيه فضل لعلي بن أبي طال،، وزيد بن حارثة ﵄.
стр. 6518
١٣ - وفيه تطييب النبي ﷺ لخواطر المتخاصمين، وهذا من حسن خلقه ﵊.
١٤ - وفيه تعليل الحاكم لحكمه وبيان ما هو السبب الذي جعله يقضي بذلك القضاء حتى تطمئن النفوس لقضائه.
١٥ - وفيه أنَّ الخالة مقدمة على بنت العم.
وذلك لقربها، فدل ذلك أنَّ القرب مقدم على الجهة، فإنَّ ابنة العم من جهة الأب، والخالة من جهة الأم.
* * *
стр. 6519
كِتَابُ الْقِصَاصِ.
٣٣١ - عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ ﵁، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «لَا يَحِلُّ دَمُ امْرِئٍ مُسْلِمٍ يَشْهَدُ أَنْ لا إلَهَ إِلاَّ اللَّهُ وَأَنِّي رَسُولُ اللَّه إلَّا بِإِحْدَى ثَلاثٍ: الثَّيِّبُ الزَّانِي، وَالنَّفْسُ بِالنَّفْسِ، وَالتَّارِكُ لِدِينِهِ الْمُفَارِقُ لِلْجَمَاعَةِ».
القِصَاص: مأخوذ من قص الأثر إذا تبعه، لأنَّ المقتص يتبع الجاني في فعله من قتل أو جرح أو غير ذلك.
قَالَ الْعَلَّامَةُ ابْنُ الْقَيِّمِ ﵀ فِي [الْجَوَابِ الْكَافِي] (ص: ١٦٢): «وبدأ رسول الله ﷺ بالأكثر وقوعاً، والذي يليه، فالزنى أكثر وقوعاً من قتل النفس، وقتل النفس أكثر وقوعاً من الردة، وأيضاً فإنَّه تنقل من الأكبر إلى ما هو أكبر منه» اهـ.
وَفِي الْحَدِيْثِ مَسَائِلُ مِنْهَا:
١ - تحريم دم المسلم بغير حق، وذكر الدم في الحديث خرج مخرج الغالب وإلَّا فلو قتله بغير إراقة دم كالحرق والغرق والخنق دخل في ذلك.
٢ - وفيه أنَّ الشهادتين هما الأصل في حقن الدماء.
стр. 6520
٣ - فيه أنَّ زنا الثيب مبيح لدمه، وهو الرجم.
والثيب: هو المحصن.
وقد خالف في ذلك الخوارج فذهبوا إلى جلد البكر والثيب.
قُلْتُ: ويشترط في الإحصان عدة شروط وهي:
الشرط الأول: الوطء في القبل ولا خلاف في اشتراطه.
الشرط الثاني: أن يكون الوطء في نكاح، والدليل على أنَّ النكاح إحصان قول الله تعالى: ﴿وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ النِّسَاءِ إِلَّا مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ﴾ [النساء: ٢٤] أي المتزوجات.
الشرط الثالث: أن يكون النكاح صحيحاً، وهذا قول أكثر العلماء، وخالف في ذلك أبو ثور والليث والأوزاعي فأثبتوا الإحصان في النكاح الفاسد، والصحيح مذهب الجمهور، وذلك أنَّ الأصل عدم ترتب الأحكام الشرعية على ما كان فاسداً.
الشرط الرابع: الحرية، والدليل على عدم الرجم للعبيد قول الله تعالى: ﴿فَإِذَا أُحْصِنَّ فَإِنْ أَتَيْنَ بِفَاحِشَةٍ فَعَلَيْهِنَّ نِصْفُ مَا عَلَى الْمُحْصَنَاتِ مِنَ الْعَذَابِ﴾ [النساء: ٢٥]، وهذا العذاب هو الجلد فإنَّ الرجم لا يتنصف، وإلى هذا ذهب عامة العلماء
стр. 6521
خلافاً لأبي ثور. وحكي عن الأوزاعي في العبد تحته حرة هو محصن يرجم إذا زنا وإن كان تحته أمة لم يرجم.
الشرط الخامس: البلوغ. وهذا مذهب أكثر العلماء خلافاً لبعض أصحاب الشافعي.
الشرط السادس: العقل. وهذا مذهب أكثر العلماء خلافاً لبعض أصحاب الشافعي.
وذلك أنَّنا لو أثبتنا الإحصان للصبي والمجنون لأقمنا عليهما الحد ولا قائل به.
الشرط السابع: أن يوجد الكمال فيهما جميعاً حال الوطء.
قَالَ الْعَلَّامَةُ ابْنُ قُدَامَةَ ﵀ فِي [الْمُغْنِي] (١٠/ ١١٧): «فيطأ الرجل العاقل الحر امرأة عاقلة حرة وهذا قول أبي حنيفة وأصحابه، ونحوه قول عطاء والحسن وابن سيرين والنخعي وقتادة والثوري واسحاق قالوه في الرقيق، وقال مالك: إذا كان أحدهما كاملاً صار محصناً إلَّا الصبي إذا وطئ الكبيرة لم يحصنها ونحوه عن الأوزاعي، واختلف عن الشافعي فقيل له قولان:
стр. 6522
أحدهما كقولنا، والثاني أنَّ الكامل يصير محصناً، وهذا قول ابن المنذر لأنَّه حر بالغ عاقل وطئ في نكاح صحيح فصار محصناً كما لو كان الآخر مثله، وقال بعضهم: إنَّما القولان في الصبي دون العبد فإنَّه يصير محصناً قولاً واحداً إذا كان كاملاً.
ولنا أنَّه وطء لم يحصن به أحد المتواطئين فلم يحصن الآخر كالتسري، ولأنَّه متى كان أحدهما ناقصاً لم يكمل الوطء فلا يحصل به الإحصان كما لو كانا غير كاملين وبهذا فارق ما قاسوا عليه» اهـ.
قُلْتُ: والذي يظهر لي هو صحة هذا الشرط وذلك أنَّ من لم يحصل له الإحصان في نفسه فلا يحصل منه الإحصان لغيره من باب أولى. والله أعلم.
وليس الإسلام بشرط في الإحصان على الصحيح فقد أقام النبي ﷺ الرجم على اليهوديين. وهذا مذهب الإمام الشافعي وأحمد في إحدى الروايتين، واشترط ذلك في رواية أخرى، وهو مذهب عطاء والنخعي والشعبي ومجاهد والثوري.
٤ - فيه إثبات القود في الأنفس.
وذلك لا يكون إلَّا في العمد اتفاقاً.
ويشترط في القود عدة شروط:
стр. 6523
الأول: اجتماع الأولياء على المطالبة به، وذهب الإمام الشافعي وأحمد في إحدى الروايتين وهي المشهورة إلى أنَّه إن كان فيهم من هو صغير انتظر كبره، أو مجنون انتظر افاقته، أو غائب انتظر مجيئه أو يوكل غيره.
وفي ذلك نزاع بين العلماء.
قَالَ شَيْخُ الْإِسْلَامِ ابْنُ تَيْمِيَّةَ ﵀ كَمَا فِي [مَجْمُوْعِ الْفَتَاوَى] (٣٤/ ١٣٩ - ١٤٠): «فإذا اتفق الكبار من الورثة على قتلهم فلهم ذلك عند أكثر العلماء: كأبي حنيفة ومالك وأحمد في إحدى الروايتين. وكذا إذا وافق ولي الصغار الحاكم أو غيره على القتل مع الكبار فيقتلون» اهـ.
قُلْتُ: والذي يظهر لي أنَّ الولي يقوم مقام الطفل والمجنون في ذلك، كما يقوم مقامه في سائر أموره. والله أعلم.
وإن بادر أحد الأولياء بقتل الجاني من غير إذن من بقية الأولياء ولا حصول عفو من واحد منهم فالأظهر أنَّه أساء بفعله ولا يقاصص، ويرجع الأولياء بنصيبهم من الدية من تركة الجاني، ويرجع أولياء الجاني على قاتل الجاني بالتركة بعد إخراج قسطه منها، فإذا قتل رجل رجلاً وله وليان فبادر أحدهما بقتل الجاني بغير إذن الآخر، فإنَّ للولي -الذي لم يأذن بالقود- الرجوع بنصف الدية من تركة الجاني،
стр. 6524
ولورثة الجاني مطالبة قاتل الجاني بنصف الدية، وذلك أنَّ قسط قاتل الجاني من الجاني النصف فيسقط من الدية نصفها، وإن كانت الجانية امرأة فليس لأوليائها إلَّا نصف ديتها من قاتلها وهي ربع دية رجل.
قَالَ الْعَلَّامَةُ ابْنُ قُدَامَةَ ﵀ فِي [الْمُغْنِي] (٨/ ٣٥١ - ٣٥٢):
«فَصْلٌ: فَإِنْ قَتَلَهُ بَعْضُ الْأَوْلِيَاءِ بِغَيْرِ إذْنِ الْبَاقِينَ، لَمْ يَجِبْ عَلَيْهِ قِصَاصٌ. وَبِهَذَا قَالَ أَبُو حَنِيفَةَ، وَهُوَ أَحَدُ قَوْلَيْ الشَّافِعِيِّ، وَالْقَوْلُ الْأَخِيرُ، عَلَيْهِ الْقِصَاصُ؛ لِأَنَّهُ مَمْنُوعٌ مِنْ قَتْلِهِ، وَبَعْضُهُ غَيْرُ مُسْتَحَقٍّ لَهُ، وَقَدْ يَجِبُ الْقِصَاصُ بِإِتْلَافِ بَعْضِ النَّفْسِ، بِدَلِيلِ مَا لَوْ اشْتَرَكَ الْجَمَاعَةُ فِي قَتْلِ وَاحِدٍ.
وَلَنَا، أَنَّهُ مُشَارِكٌ فِي اسْتِحْقَاقِ الْقَتْلِ، فَلَمْ يَجِبْ عَلَيْهِ الْقِصَاصُ، كَمَا لَوْ كَانَ مُشَارِكًا فِي مِلْكِ الْجَارِيَةِ وَوَطْئِهَا، وَلِأَنَّهُ مَحَلٌّ يَمْلِكُ بَعْضَهُ، فَلَمْ تَجِبْ الْعُقُوبَةُ الْمُقَدَّرَةُ بِاسْتِيفَائِهِ كَالْأَصْلِ. وَيُفَارِقُ إذَا قَتَلَ الْجَمَاعَةُ وَاحِدًا، فَإِنَّا لَا نُوجِبُ الْقِصَاصَ بِقَتْلِ بَعْضِ النَّفْسِ، وَإِنَّمَا نَجْعَلُ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ قَاتِلًا لِجَمِيعِهَا، وَإِنْ سَلَّمْنَا وُجُوبَهُ عَلَيْهِ لِقَتْلِهِ بَعْضَ النَّفْسِ، فَمِنْ شَرْطِهِ الْمُشَارَكَةُ لِمَنْ فَعَلَهُ، كَفِعْلِهِ فِي الْعَمْدِ وَالْعُدْوَانِ، وَلَا يَتَحَقَّقُ هَاهُنَا.
стр. 6525
إذَا ثَبَتَ هَذَا، فَإِنَّ لِلْوَلِيِّ الَّذِي لَمْ يَقْتُلْ قِسْطَهُ مِنْ الدِّيَةِ؛ لِأَنَّ حَقَّهُ مِنْ الْقِصَاصِ سَقَطَ بِغَيْرِ اخْتِيَارِهِ، فَأَشْبَهَ مَا لَوْ مَاتَ الْقَاتِلُ أَوْ عَفَا بَعْضُ الْأَوْلِيَاءِ. وَهَلْ يَجِبُ ذَلِكَ عَلَى قَاتِلِ الْجَانِي، أَوْ فِي تَرِكَةِ الْجَانِي؟ فِيهِ وَجْهَانِ. وَلِلشَّافِعِيِّ قَوْلَانِ:
أَحَدُهُمَا: يَرْجِعُ عَلَى قَاتِلِ الْجَانِي؛ لِأَنَّهُ أَتْلَفَ مَحَلَّ حَقِّهِ، فَكَانَ الرُّجُوعُ عَلَيْهِ بِعِوَضٍ نَصِيبَهُ، كَمَا لَوْ كَانَتْ لَهُ وَدِيعَةٌ فَأَتْلَفَهَا.
وَالثَّانِي: يَرْجِعُ فِي تَرِكَةِ الْجَانِي، كَمَا لَوْ أَتْلَفَهُ أَجْنَبِيٌّ، أَوْ عَفَا شَرِيكُهُ عَنْ الْقِصَاصِ، وَقَوْلُنَا: أَتْلَفَ مَحَلَّ حَقِّهِ، يَبْطُلُ بِمَا إذَا أَتْلَفَ مُسْتَأْجَرَهُ أَوْ غَرِيمَهُ أَوْ امْرَأَتَهُ، أَوْ كَانَ الْمُتْلَفُ أَجْنَبِيًّا، وَيُفَارِقُ الْوَدِيعَةَ، فَإِنَّهَا مَمْلُوكَةٌ لَهُمَا، فَوَجَبَ عِوَضُ مِلْكِهِ، أَمَّا الْجَانِي فَلَيْسَ بِمَمْلُوكٍ لِلْمَجْنِيِّ عَلَيْهِ، وَإِنَّمَا لَهُ عَلَيْهِ حَقٌّ، فَأَشْبَهَ مَا لَوْ قَتَلَ غَرِيمَهُ. فَعَلَى هَذَا، يَرْجِعُ وَرَثَةُ الْجَانِي عَلَى قَاتِلِهِ بِدِيَةِ مُوَرِّثِهِمْ إلَّا قَدْرَ حَقِّهِ مِنْهَا. فَعَلَى هَذَا، لَوْ كَانَ الْجَانِي أَقَلَّ دِيَةً مِنْ قَاتِلِهِ، مِثْلَ امْرَأَةٍ قَتَلَتْ رَجُلًا لَهُ ابْنَانِ، فَقَتَلَهَا أَحَدُهُمَا بِغَيْرِ إذْنِ الْآخَرِ، فَلِلْآخَرِ نِصْفُ دِيَةِ أَبِيهِ فِي تَرِكَةِ الْمَرْأَةِ الَّتِي قَتَلَتْهُ، وَيَرْجِعُ وَرَثَتُهَا بِنِصْفِ دِيَتِهَا عَلَى قَاتِلِهَا، وَهُوَ رُبْعُ دِيَةِ الرَّجُلِ.
وَعَلَى الْوَجْهِ الْأَوَّلِ، يَرْجِعُ الِابْنُ الَّذِي لَمْ يَقْتُلْ عَلَى أَخِيهِ بِنِصْفِ دِيَةِ الْمَرْأَةِ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يُفَوِّتْ عَلَى أَخِيهِ إلَّا نِصْفَ الْمَرْأَةِ، وَلَا يُمْكِنُ أَنْ يَرْجِعَ عَلَى وَرَثَةِ الْمَرْأَةِ بِشَيْءِ؛ لِأَنَّ
стр. 6526
أَخَاهُ الَّذِي قَتَلَهَا أَتْلَفَ جَمِيعَ الْحَقِّ، وَهَذَا يَدُلُّ عَلَى ضَعْفِ هَذَا الْوَجْهِ وَمِنْ فَوَائِدِهِ أَيْضًا، صِحَّةُ إبْرَاءِ مَنْ حَكَمْنَا بِالرُّجُوعِ عَلَيْهِ، وَمِلْكُ مُطَالَبَتِهِ، فَإِنْ قُلْنَا: يَرْجِعُ عَلَى وَرَثَةِ الْجَانِي. صَحَّ إبْرَاؤُهُمْ، وَمَلَكُوا الرُّجُوعَ عَلَى قَاتِلِ مَوْرُوثِهِمْ بِقِسْطِ أَخِيهِ الْعَافِي. وَإِنْ قُلْنَا: يَرْجِعُ عَلَى تَرِكَةِ الْجَانِي. وَلَهُ تَرِكَةٌ، فَلَهُ الْأَخْذُ مِنْهَا، سَوَاءٌ أَمْكَنَ وَرَثَتَهُ أَنْ يَسْتَوْفُوا مِنْ الشَّرِيكِ، أَوْ لَمْ يُمْكِنْهُمْ. وَإِنْ قُلْنَا: يَرْجِعُ عَلَى شَرِيكِهِ. لَمْ يَكُنْ لَهُ مُطَالَبَةُ وَرَثَةِ الْجَانِي، سَوَاءٌ كَانَ شَرِيكُهُ مُوسِرًا أَوْ مُعْسِرًا» اهـ.
قَالَ الْعَلَّامَةُ الْمَاوُرْدِي ﵀ فِي [الْحَاوِي] (١٢/ ١٣٣):
«قَدْ ذَكَرْنَا أَنَّ الْقَوَدَ لَا يَسْتَحِقُّهُ الْأَوْلِيَاءُ إِلَّا بِاجْتِمَاعِهِمْ عَلَيْهِ، وَأَنْ لَيْسَ لِأَحَدِهِمْ أَنْ يَنْفَرِدَ بِهِ، فَإِنْ بَادَرَ أَحَدُ الْوَلِيَّيْنِ فَقَتَلَ الْقَاتِلَ انْقَسَمَتْ حَالُهُ فِيهِ ثَلَاثَةَ أَقْسَامٍ:
أَحَدُهَا: أَنْ يَكُونَ عَنْ إِذَنْ أَخِيهِ وَشَرِيكِهِ فِيهِ، فَلَا يَكُونُ بِقَتْلِهِ مُتَعَدِّيًا، وَقَدِ اسْتَوْفَى الْقَوَدَ فِي حَقِّهِمَا.
وَالْقِسْمُ الثَّانِي: أَنْ يَكُونَ بَعْدَ عَفْوِ أَخِيهِ وَعِلْمِهِ بِعَفْوِهِ فَهُوَ مُتَعَدٍّ بِهَذَا الْقَتْلِ، وَالصَّحِيحُ أَنَّ عَلَيْهِ الْقَوَدَ لِسُقُوطِهِ فِي حَقِّهِمَا بِعَفْوِ أَحَدِهِمَا.
وَالْقِسْمُ الثَّالِثُ: أَنْ لَا يَكُونَ مِنْ أَخِيهِ إِذْنٌ وَلَا عَفْوٌ، فَهَذَا عَلَى ثَلَاثَةِ أَقْسَامٍ:
стр. 6527
أَحَدُهَا: أَنْ يَحْكُمَ لَهُ الْحَاكِمُ بِالْقَوَدِ، فَالصَّحِيحُ أَنْ لَا قَوَدَ عَلَيْهِ لِنُفُوذِ حُكْمِهِ بِمُخْتَلَفٍ فِيهِ.
وَالْقِسْمُ الثَّانِي: أَنْ يَحْكُمَ عَلَيْهِ الْحَاكِمُ بِالْمَنْعِ مِنَ القَوَدِ، فَالصَّحِيحُ أَنَّ عَلَيْهِ الْقَوَدَ لِنُفُوذِ حُكْمِهِ بِرَفْعِ الشُّبْهَةِ فِيهِ.
وَالْقِسْمُ الثَّالِثُ: أَنْ لَا يَكُونَ مِنَ الحَاكِمِ فِيهِ حُكْمٌ بِتَمْكِينٍ وَلَا مَنْعٍ، فَفِي وُجُوبِ الْقَوَدِ عَلَيْهِ قَوْلَانِ مَنْصُوصَانِ:
أَحَدُهُمَا: لَا يَجِبُ عَلَيْهِ الْقَوَدُ، وَهُوَ مَذْهَبُ أَبِي حَنِيفَةَ لِأَمْرَيْنِ:
أَحَدُهُمَا: أَنَّهُ شَرِيكٌ فِي اسْتِحْقَاقِ النَّفْسِ الَّتِي قَتَلَهَا، فَوَجَبَ أَنْ تَكُونَ الشَّرِكَةُ شُبْهَةً فِي سُقُوطِ الْقَوَدِ عَنْهُ كَالْأَمَةِ بَيْنَ شَرِيكَيْنِ، إِذَا وَطِئَهَا أَحَدُهُمَا سَقَطَ الْحَدُّ عَنْهُ لِشُبْهَةِ الشَّرِكَةِ.
وَالثَّانِي: أَنَّهُ لَمَّا قَتَلَ نَفْسًا اسْتُحِقَّ بَعْضُهَا لَمْ يَجُزْ أَنْ يُقَادَ مِنْ نَفْسِهِ الَّتِي لَمْ يُسْتَحَقَّ بَعْضُهَا، لِعَدَمِ التَّكَافُؤِ كَمَا لَا يُقَادُ الْحُرُّ بِمَنْ نِصْفُهُ عَبْدٌ وَنِصْفُهُ حُرٌّ.
وَالْقَوْلُ الثَّانِي: يَجِبُ عَلَيْهِ الْقَوَدُ، وَإِنْ كَانَ شَرِيكًا لِأَمْرَيْنِ:
أَحَدُهُمَا: أَنَّ الْقَوَدَ يَجِبُ فِي قَتْلِ بَعْضِ النَّفْسِ كَمَا يَجِبُ فِي قَتْلِ جَمِيعِهَا، لِأَنَّ الشَّرِيكَيْنِ فِي الْقَتْلِ يُقَادُ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا، وَهُوَ مُتْلِفٌ لِبَعْضِ النَّفْسِ، كَمَا يُقَادُ بِهِ إِذَا
стр. 6528
انْفَرَدَ بِقَتْلِهِ، كَذَلِكَ هَذَا الشَّرِيكُ قَدْ صَارَ قَاتِلًا لِبَعْضِ النَّفْسِ بَعْدَ اسْتِحْقَاقِ بَعْضِهَا فَوَجَبَ عَلَيْهِ الْقَوَدُ.
وَالثَّانِي: أَنَّ اسْتِحْقَاقَهُ لِبَعْضِ النَّفْسِ كَاسْتِحْقَاقِهِ لِلْقَوَدِ مِنْ بَعْضِ الْجَسَدِ، ثُمَّ ثَبَتَ أَنَّهُ لَوِ اسْتَحَقَّ الْقَوَدَ مِنْ بَعْضِ الْجَسَدِ فَقَتَلَهُ وَجَبَ عَلَيْهِ الْقَوَدُ، كَذَلِكَ إِذَا اسْتَحَقَّ بَعْضَ نَفْسِهِ فَقَتَلَهُ وَجَبَ عَلَيْهِ الْقَوَدُ، وَقَدْ خَرَجَ مِنْ هَذَيْنِ الْقَوْلَيْنِ قَوْلٌ فِيمَا ذَكَرْنَا صِحَّةَ حُكْمِهِ مِنَ الأَقْسَامِ الْمُتَقَدِّمَةِ إِيجَابًا وَإِسْقَاطًا.
فصل:
فإذا تَقَرَّرَ تَوْجِيهُ الْقَوْلَيْنِ تَفَرَّعَ الْحُكْمُ عَلَيْهِمَا فَإِذَا قيل بِالْقَوْلِ الْأَوَّلِ، أَنَّهُ لَا قَوَدَ عَلَى الْوَلِيِّ الْقَاتِلِ، وَهُوَ اخْتِيَارُ الْمُزَنِيِّ فَعَلَيْهِ الدِّيَةُ وَقَدْ سَقَطَ عَنْهُ نِصْفُهَا، وَهُوَ مَا اسْتَحَقَّهُ مِنْ دِيَةِ أَبِيهِ إِذَا جَعَلَ الدَّيْنَ الْمُتَمَاثِلَ قَصَاصًا، وَبَقِيَ عَلَيْهِ نِصْفُ دِيَةِ قَاتِلِ أَبِيهِ، وَبَقِيَ لِأَخِيهِ نِصْفُ دِيَةِ أَبِيهِ، وَفِي انْتِقَالِ حَقِّهِ مِنْ هَذَا النِّصْفِ عَنْ قَاتِلِ أَبِيهِ إِلَى أَخِيهِ الْقَاتِلِ قَوْلَانِ مَنْصُوصَانِ:
أَحَدُهُمَا: وَهُوَ اخْتِيَارُ الْمُزَنِيِّ أَنَّهَا لَا تَنْتَقِلُ وَيَرْجِعُ الْأَخُ بِحَقِّهِ مِنْ نِصْفِ الدِّيَةِ فِي تَرِكَةِ قَاتِلِ أَبِيهِ، وَيَرْجِعُ وَرَثَةُ قَاتِلِ الْأَبِ بِنِصْفِ الدِّيَةِ عَلَى الْأَخِ الْقَاتِلِ، وَإِنَّمَا لَمْ يَنْتَقِلْ حَقُّ الْأَخِ الَّذِي لَيْسَ بِقَاتِلٍ إِلَى الْأَخِ الْقَاتِلِ، لِأَنَّ حَقَّهُ عَلَى قَاتِلِ أَبِيهِ فَلَمْ
стр. 6529
يَنْتَقِلْ إِلَى قَاتِلِهِ كَمَا لَوْ قَتَلَهُ غَيْرُ أَخِيهِ، فَعَلَى هَذَا لَوْ أَبْرَأَ وَرَثَةُ قَاتِلِ الْأَبَ لِلْأَخِ الْقَاتِلِ بَرِئَ، وَلَوْ أَبْرَأَهُ أَخُوهُ لَمْ يَبْرَأْ، لِأَنَّ مَا عَلَيْهِ مِنَ الدِيةِ مُسْتَحَقٌّ لِوَرَثَةِ قَاتِلِ أَبِيهِ دُونَ أَخِيهِ، وَلَوْ أَبْرَأَ الْأَخُ ورثة قاتل أبيه برؤا لِأَنَّ حَقَّهُ عَلَى قَاتِلِ أَبِيهِ دُونَ أَخِيهِ.
وَالْقَوْلُ الثَّانِي: أَنَّهُ قَدِ انْتَقَلَ حَقُّ الْأَخِ مِنْ نِصْفِ الدِّيَةِ عَنْ قَاتِلِ أَبِيهِ إِلَى أَخِيهِ الْقَاتِلِ لِأَنَّهُ قَدْ صَارَ بِالْقَتْلِ مُسْتَوْفِيًا لِحَقِّهِمَا مِنْ قَتْلِ أَبِيهِمَا كَمَا لَوْ كَانَتْ لَهُمَا وَدِيعَةٌ فَأَخَذَهَا أَحَدُهُمَا مِنَ المُودِعِ كَانَ قَابِضًا لِحَقِّهِمَا، وَلِلْأَخِ مُطَالَبَتُهُ بِحَقِّهِ مِنْهَا دُونَ الْمُودِعِ، فَعَلَى هَذَا قَدْ بَرِئَ وَرَثَةُ قَاتِلِ الْأَبِ مِنْ جَمِيعِ الدِّيَةِ وَصَارَ مَا عَلَى الْقَاتِلِ مِنْ نِصْفِ الدِّيَةِ لِأَخِيهِ دُونَهُ، فَلَوْ أَبْرَأَهُ أَخُوهُ بَرِئَ وَلَوْ أَبْرَأَهُ وَرَثَةُ قَاتِلِ أَبِيهِ لَمْ يَبْرَأْ، وَإِذَا قِيلَ بِالْقَوْلِ الثَّانِي إنَّ الْقَوَدَ عَلَى وَلِيِّ الْقَاتِلِ وَاجِبٌ فَلِوَرَثَةِ الْقَاتِلِ لِأَبِيهِ الْخِيَارُ، بَيْنَ أَنْ يَقْتَصُّوا أَوْ يَعْفُوا عَنِ الْقِصَاصِ إِلَى الدِّيَةِ، أَوْ يَعْفُوا عَنِ الْقِصَاصِ وَالدِّيَةِ.
فَإِنِ اقْتَصُّوا فَقَدِ اسْتَوْفَوْا حَقَّهُمْ قَوَدًا، وَعَلَيْهِمْ فِي تَرِكَةِ أَبِيهِمْ دِيَةُ قَتِيلِهِ يَكُونُ نِصْفُهَا لِوَلِيِّهِ الْبَاقِي، وَنِصْفُهَا لِوَرَثَةِ وَلِيِّهِ الْمَقْتُولِ قَوَدًا، وَإِنْ عَفَوْا عَنِ الْقِصَاصِ إِلَى الدِّيَةِ وَجَبَتْ لَهُمْ دِيَةُ أَبِيهِمْ عَلَى قَاتِلِهِ، وَوَجَبَ عَلَيْهِمْ فِي تَرِكَةِ أَبِيهِمْ دِيَةُ مقتولة، فيبرؤوا مِنْ نِصْفِهَا وَهُوَ حَقُّ الْقَاتِلِ، وَيَبْقَى لَهُمْ نِصْفُ الدِّيَةِ، وَفِي انْتِقَالِ مَا عَلَيْهِمْ مِنْ نِصْفِهَا لِلْوَلِيِّ الَّذِي لَيْسَ بِقَاتِلٍ إِلَى مَنْ لَهُمْ عَلَيْهِ نِصْفُهَا وَهُوَ الْوَلِيُّ الْقَاتِلُ قَوْلَانِ
стр. 6530
عَلَى مَا مَضَى، لَوْ قِيلَ بِسُقُوطِ الْقَوَدِ حُكْمًا وَتَفْرِيعًا فَإِنْ عَفَوْا عَنِ الْقِصَاصِ وَالدِّيَةِ جميعاً سقط فِي قَتْلِ أَبِيهِمْ وَوَجَبَ فِي تَرِكَتِهِ دِيَةُ قَتِيلِهِ لِوَلِيِّهِ لِيَسْتَوِيَ فِيهَا الْقَاتِلُ وَغَيْرُ الْقَاتِلِ، وَيَجْرِيَ قَتْلُ أَبِيهِمْ بَعْدَ عَفْوِهِمْ مَجْرَى مَوْتِهِ، وَلَوْ مَاتَ الْقَاتِلُ وَجَبَتِ الدِّيَةُ فِي تَرِكَتِهِ، وَإِنْ سَقَطَ الْقَوَدُ بِمَوْتِهِ.
وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ: إِذَا مَاتَ الْقَاتِلُ سَقَطَتْ عَنْهُ الدِّيَةُ، وَكَذَلِكَ لَوْ قَتَلَهُ أَجْنَبِيٌّ سَقَطَتْ عَنْهُ دِيَةُ قَتِيلِهِ، وَوَجَبَت لَهُ الْقِصَاصُ عَلَى قَاتِلِهِ، بِنَاءً عَلَى أَصْلِهِ فِي وُجُوبِ الدِّيَةِ بِالْمُرَاضَاةِ عِنْدَ النُّزُولِ عَنِ الْقِصَاصِ الْمُمْكِنِ، وَالْمَوْتُ قَدْ مَنَعَ إِمْكَانَ الْقِصَاصِ فَمَنَعَ مِنْ وُجُوبِ الدِّيَةِ، وَاسْتِدْلَالًا بَعْدَهُ بِأَمْرَيْنِ:
أَحَدُهُمَا: أَنَّ سُقُوطَ الْقِصَاصِ بِتَلَفِ الْمُقْتَصِّ مِنْهُ يُوجِبُ سُقُوطَ الدِّيَةِ، كَالْعَبْدِ الْجَانِي إِذَا مَاتَ قَبْلَ الْقِصَاصِ.
وَالثَّانِي: أَنَّهُ لَوِ انْتَقَلَ الْقِصَاصُ مِنْ نَفْسِهِ إِلَى الدِّيَةِ عِنْدَ تَلَفِهِ، لَصَارَتْ نَفْسُهُ مَضْمُونَةً عَلَيْهِ، وَمَا أَحَدٌ يَضْمَنُ نَفْسَهُ، وَإِنَّمَا يَضْمَنُهَا غَيْرُهُ.
وَدَلِيلُنَا مَعَ بِنَائِهِ عَلَى أَصْلِنَا فِي أَنَّ الدِّيَةَ تَجِبُ عَلَى الْقَاتِلِ مِنْ غَيْرِ مُرَاضَاةٍ قَوْلُ النَّبِيِّ ﷺ "فمن قتل بعده قَتِيلًا فَأَهْلُهُ بَيْنَ خِيرَتَيْنِ، إِنْ أَحَبُّوا قَتَلُوا، وَإِنْ أَحَبُّوا أَخَذُوا الْعَقْلَ" وَمَنْ خُيِّرَ بَيْنَ حَقَّيْنِ، إِذَا فَاتَهُ أَحَدُهُمَا تَعَيَّنَ حَقُّهُ فِي
стр. 6531
الْآخَرِ، وَلِأَنَّ سُقُوطَ الْقِصَاصِ بَعْدَ اسْتِحْقَاقِهِ بِغَيْرِ اخْتِيَارِ مُسْتَحِقِّهِ يُوجِبُ الِانْتِقَالَ إِلَى الدِّيَةِ، كَمَا لَوْ عَفَا بَعْضُ الْوَرَثَةِ انْتَقَلَ حَقُّ مَنْ لَمْ يَعْفُ إِلَى الدِّيَةِ، وَلِأَنَّ الدِّيَةَ لَمَّا وَجَبَتْ فِي أَخَفِّ الْقَتْلَيْنِ مِنَ الخَطَأِ كَانَ وُجُوبُهَا فِي أَغْلَظِهِمَا مِنَ العَمْدِ أَوْلَى، وَلِأَنَّ الْقِصَاصَ مُمَاثَلَةٌ لِجِنْسٍ مُتْلَفٍ، فَوَجَبَ إِذَا تَعَذَّرَ اسْتِيفَاءُ الْمِثْلِ أَنْ يُسْتَحَقَّ الِانْتِقَالُ إِلَى بَدَلِهِ مِنَ المَالِ، كَمَنِ اسْتَهْلَكَ ذَا مِثْلٍ مِنَ الطَّعَامِ فَأَعْوَزَ انْتَقَلَ إِلَى قِيمَتِهِ.
فَأَمَّا قِيَاسُهُ عَلَى مَوْتِ الْعَبْدِ الْجَانِي فَلَمْ تَسْقُطِ الدِّيَةُ بِمَوْتِهِ، وَلَكِنْ لِتَعَذُّرِ وَجُودِهَا بِعَدَمِ مِلْكِهِ وَقَفَ اسْتِحْقَاقُهَا بَعْدَ مَوْتِهِ، وَكَذَلِكَ لَوْ مَاتَ الْحُرُّ مُعْسِرًا.
وَقَوْلُهُ: " إِنَّ نَفْسَهُ غَيْرُ مَضْمُونَةٍ عَلَيْهِ " فَعَنْهُ جَوَابَانِ:
أَحَدُهُمَا: أَنَّهُ لَمَّا جَازَ أَنْ يَضْمَنَهَا حَيًّا بِبَذْلِ الدِّيَةِ جَازَ أَنْ يَضْمَنَهَا مَيِّتًا بِوُجُوبِ الدِّيَةِ.
وَالثَّانِي: أَنَّهُ يَضْمَنُ الدِّيَةَ بَدَلًا مِنْ نَفْسِ قَتِيلِهِ لا من نفسه» اهـ.
الشرط الثاني: أن يكون المقتول مكافئاً للقاتل في الإسلام، فلا يقاد مسلم بكافر، لما رواه البخاري (١١١) عَنْ أَبِي جُحَيْفَةَ، قَالَ: قُلْتُ لِعَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ: هَلْ عِنْدَكُمْ كِتَابٌ؟ قَالَ: «لَا، إِلَّا كِتَابُ اللَّهِ، أَوْ فَهْمٌ أُعْطِيَهُ رَجُلٌ مُسْلِمٌ، أَوْ مَا فِي هَذِهِ
стр. 6532
الصَّحِيفَةِ». قَالَ: قُلْتُ: فَمَا فِي هَذِهِ الصَّحِيفَةِ؟ قَالَ: «العَقْلُ، وَفَكَاكُ الأَسِيرِ، وَلَا يُقْتَلُ مُسْلِمٌ بِكَافِرٍ».
وما رواه أحمد (٦٦٦٢، ٦٦٩٠، ٦٧٩٦)، والترمذي (١٤١٣)، وابن ماجة (٢٦٥٩) من طريق عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ جَدِّهِ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: «لَا يُقْتَلُ مُسْلِمٌ بِكَافِرٍ».
قُلْتُ: إِسْنَادُهُ حَسَنٌ.
وهذا الذي سار عليه العلماء، وشذ النخعي والشعبي وأصحاب الرأي فقالوا: يقتل المسلم بالذمي خاصة.
الثالث: ألَّا يكون المقتول ممن أبيح دمه لله تعالى كالزاني المحصن، فأمَّا لو قتل قاتلاً متعمداً وهو من غير الأولياء ولا وكيلاً لهم فيقاد به، وذلك أنَّ قتله غير متحتم.
قَالَ الْعَلَّامَةُ ابْنُ قُدَامَةَ ﵀ فِي [الْمُغْنِي] (٩/ ٣٥٦): «فصل: وإذا قتل القاتل غير ولي الدم فعلى قاتله القصاص ولورثة الأول الدية في تركة الجاني الأول، وبهذا قال الشافعي. وقال الحسن ومالك: يقتل قاتله ويبطل دم الأول
стр. 6533
لأنَّه فات محله فأشبه ما لو قتل العبد الجاني، وروي عن قتادة وأبي هاشم: لا قود على الثاني لأنَّه قتل مباح الدم فلم يجب بقتله قصاص كالزاني المحصن.
ولنا على وجوب القصاص على قاتله أنَّه محل لم يتحتم قتله ولم يبح لغير ولي الدم قتله فوجب القصاص بقتله كما لو كان عليه دين.
ولنا على وجوب الدية في تركة الجاني الأول أنَّ القصاص إذا تعذر وجبت الدية كما لو مات أو عفا بعض الشركاء أو حدث مانع» اهـ.
الرابع، والخامس: البلوغ، والعقل.
وذلك لما رواه أحمد (٨٩٦، ٩١٠، ١١٢٢، ١٢٥٨، ١٢٩٠، ١٢٩٢) وأبو داود (٣٨٢٣، ٣٨٢٤، ٣٨٢٥)، والترمذي (١٣٤٣) عَنْ عَلِيٍّ ﵇، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «رُفِعَ الْقَلَمُ عَنْ ثَلَاثَةٍ: عَنِ النَّائِمِ حَتَّى يَسْتَيْقِظَ، وَعَنِ الصَّبِيِّ حَتَّى يَحْتَلِمَ، وَعَنِ الْمَجْنُونِ حَتَّى يَعْقِلَ».
قُلْتُ: هَذَا حَدِيْثٌ صَحِيْحٌ بِطُرُقِهِ وَشَوَاهِدِهِ.
وأمَّا من أذهب عقله باختياره كالسكران فإنَّه يقاصص إذا قتل عمداً، ولولا ذلك لصار من يريد قتل شخص يشرب شيئاً من الخمر قبل قتله حتى لا يقاصص به.
وذهب الإمام أحمد في رواية إلى أنَّه لا يقاد السكران.
стр. 6534
السادس: أن لا يكون القاتل والداً.
وذلك لما رواه أحمد (٣٤٦)، والترمذي (١٤٠٠)، وابن ماجة (٢٦٦٢) من طريق حَجَّاجٍ، عَنْ عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ جَدِّهِ، قَالَ: قَتَلَ رَجُلٌ ابْنَهُ عَمْدًا، فَرُفِعَ إِلَى عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ، فَجَعَلَ عَلَيْهِ مِائَةً مِنَ الْإِبِلِ، ثَلاثِينَ حِقَّةً وَثَلاثِينَ جَذَعَةً، وَأَرْبَعِينَ ثَنِيَّةً، وَقَالَ: لَا يَرِثُ الْقَاتِلُ، وَلَوْلا أَنِّي سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: «لَا يُقْتَلُ وَالِدٌ بِوَلَدِهِ» لَقَتَلْتُكَ.
قُلْتُ: حجاج هو ابن أرطأة ضعيف مدلس، وهذا لفظ أحمد، ورواه الترمذي (١٣٩٩) من طريق إِسْمَاعِيلَ بْنِ عَيَّاشٍ قَالَ: حَدَّثَنَا المُثَنَّى بْنُ الصَّبَّاحِ، عَنْ عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ جَدِّهِ، عَنْ سُرَاقَةَ بْنِ مَالِكِ بْنِ جُعْشَمٍ قَالَ: «حَضَرْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يُقِيدُ الأَبَ مِنْ ابْنِهِ، وَلَا يُقِيدُ الِابْنَ مِنْ أَبِيهِ».
وفيه المثنى بن الصباح شديد الضعف، وحديث حجاج أصح منه. وابن عياش ضعيف في غير الشاميين وهذا من روايته عن غير الشاميين.
ورواه الدارقطني (٣٢٧٤)، والبيهقي في [الْكُبْرَى] (١٥٧٤٢)، و [الصُّغْرَى]، وفي [الْمَعْرِفَةِ] (٥٠٥٥) من طريق مُحَمَّدَ بْنَ مُسْلِمٍ بنْ وَارَةَ، نا مُحَمَّدُ بْنُ سَعِيدٍ، نا عَمْرُو بْنُ أَبِي قَيْسٍ، عَنْ مَنْصُورٍ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَجْلَانَ، عَنْ عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ، عَنْ
стр. 6535
أَبِيهِ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو، عَنْ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ، قَالَ: إِنِّي سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: «لَا يُقَادُ الْأَبُ مِنَ ابْنِهِ».
قُلْتُ: هَذَا إِسْنَادٌ حَسَنٌ.
ورواه أحمد (١٤٧) حَدَّثَنَا أَبُو سَعِيدٍ، حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ لَهِيعَةَ، حَدَّثَنَا عَمْرُو بْنُ شُعَيْبٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ جَدِّهِ، عَنْ عُمَرَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: «لَا يُقَادُ وَالِدٌ مِنْ وَلَدٍ».
قُلْتُ: تصريح ابن لهيعة بالسماع في هذا الإسناد لعله من أوهام النساخ، وإلَّا فإنَّ الْحَافِظُ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ ﵀ قَالَ فِي [الْمَرَاسِيْلِ] (ص: ٢٢): «سمعت أبي يقول: لم يسمع ابن لهيعة من عمرو بن شعيب شيئاً» اهـ.
ورواه أحمد (٩٨) حَدَّثَنَا أَسْوَدُ بْنُ عَامِرٍ، قَالَ أَخْبَرَنَا جَعْفَرٌ يَعْنِي الْأَحْمَرَ، عَنْ مُطَرِّفٍ، عَنِ الْحَكَمِ، عَنْ مُجَاهِدٍ، قَالَ: حَذَفَ رَجُلٌ ابْنًا لَهُ بِسَيْفٍ فَقَتَلَهُ، فَرُفِعَ إِلَى عُمَرَ، فَقَالَ: لَوْلا أَنِّي سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: «لَا يُقَادُ الْوَالِدُ مِنْ وَلَدِهِ» لَقَتَلْتُكَ قَبْلَ أَنْ تَبْرَحَ.
قُلْتُ: وَهُوَ مُنْقَطِعٌ بَيْنَ مجاهد وعمر.
ورواه الدارقطني (٣٢٨١) حَدَّثَنَا ابْنُ مَخْلَدٍ، نا إِبْرَاهِيمُ بْنُ هَاشِمٍ، نا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ سَيَّارٍ، نا إِبْرَاهِيمُ بْنُ رُسْتُمَ، عَنْ حَمَّادِ بْنِ سَلَمَةَ، عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ
стр. 6536
الْمُسَيِّبِ، عَنْ عُمَرَ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «لَا يُقَادُ الْأَبُ بِالِابْنِ».
قُلْتُ: ابن رستم مختلف فيه وثقه ابن معين، وقال فيه ابن عدي: منكر الحديث، وقال أبو حاتم: ليس بذاك، محله الصدق، وقال الدارقطني: ليس بالقوي، وفي سماع ابن المسيب من عمر نزاع.
ويشهد له ما رواه الترمذي (١٤٠١)، وابن ماجة (٢٦٦١) من طريق إِسْمَاعِيلَ بْنِ مُسْلِمٍ، عَنْ عَمْرِو بْنِ دِينَارٍ، عَنْ طَاوُسٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: «لَا يُقْتَلُ بِالْوَلَدِ الْوَالِدُ».
هذا لفظ ابن ماجة، ولفظ الترمذي: «لَا تُقَامُ الحُدُودُ فِي المَسَاجِدِ، وَلَا يُقْتَلُ الوَالِدُ بِالوَلَدِ».
قُلْتُ: فيه إسماعيل بن مسلم وهو المكي ضعيف الحديث، لكنه متابع تابعه عبيد الله بن الحسن العنبري الثقة، وحديثه عند الدارقطني في [سُنَنِهِ] (٣٢٧٩)، والبيهقي في [الْكُبْرَى] (١٥٧٤٥)، لكن في السند إليه عمر بن عامر أبو حفص السعدي التمار، قَالَ الْحَافِظُ الذَّهَبِيُّ ﵀ فِي [الْمِيْزَانِ] (٣/ ٢٠٩): «روى عنه أبو قلابة، ومحمد بن مرزوق حديثاً باطلاً» اهـ.
стр. 6537
وتابعهما قتادة، وحديثه عند البزار (٤٨٣٤) لكن في الإسناد إليه شيخ البزار محمد بن هارون البغدادي أبو نشيط لم يوثقه معتبر، وفيه سعيد بن بشير ضعيف الحديث.
ورواه الدارقطني (٣٢٧٧) من طريق يَحْيَى بْنِ أَبِي أُنَيْسَةَ، عَنْ عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ جَدِّهِ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ ، قَالَ: «لَا يُقَادُ الْوَالِدُ بِوَلَدِهِ وَإِنْ قَتَلَهُ عَمْدًا».
قُلْتُ: يحيى بن أبي أنيسة متروك الحديث.
قَالَ الْعَلَّامَةُ ابْنُ قُدَامَةَ ﵀ فِي [الْمُغْنِي] (١٨/ ٣٣٩): «وجملته أنَّ الأب لا يقتل بولده والجد لا يقتل بولد ولده وإن نزلت درجته وسواء في ذلك ولد البنين أو ولد البنات وممن نقل عنه أنَّ الوالد لا يقتل بولده عمر بن الخطاب ﵁، وبه قال ربيعة، والثوري، والأوزاعي، والشافعي، وإسحاق، وأصحاب الرأي، وقال ابن نافع وابن عبد الحكم وابن المنذر: يقتل به لظاهر آي الكتاب والأخبار الموجبة للقصاص، ولأنَّهما حران مسلمان من أهل القصاص فوجب أن يقتل كل واحد منهما بصاحبه كالأجنبيين. وقال ابن المنذر: قد رووا في هذا
стр. 6538
أخباراً. وقال مالك: إن قتله حذفاً بالسيف ونحوه لم يقتل به، وإن ذبحه أو قتله قتلاً لا يشك في أنَّه عمد إلى قتله دون تأديبه أقيد به» اهـ.
قُلْتُ: الصحيح ما دلت عليه السنة.
ويدخل في الوالد القريب والبعيد، ويدخل في معناه الأم والجدة.
ولعل النبي ﷺ لم ينص على الأم لندور هذا الفعل منها لقوة شفقتها على ولدها. والله أعلم.
قَالَ الْعَلَّامَةُ ابْنُ قُدَامَةَ ﵀ فِي [الْمُغْنِي] (١٨/ ٣٤٠ - ٣٤١): «فصل: والجد وإن علا كالأب في هذا وسواء كان من قبل الأب أو من قبل الأم في قول أكثر مسقطي القصاص عن الأب وقال الحسن بن حي: يقتل به.
ولنا أنَّه والد فيدخل في عموم النص ولأنَّ ذلك حكم يتعلق بالولادة فاستوى فيه القريب والبعيد كالمحرمية والعتق إذا ملكه والجد من قبل الأب كالجد من قبل الأم لأنَّ ابن البنت يسمى ابناً قال النبي ﷺ في الحسن: "إنَّ ابني هذا سيد".
مسألة: قال: والأم في ذلك كالأب.
стр. 6539
هذا الصحيح من المذهب وعليه العمل عند مسقطي القصاص عن الأب وروي عن أحمد ﵀ ما يدل على أنَّه لا يسقط عن الأم فإنَّ مهنا نقل عنه في أم ولد قتلت سيدها عمداً تقتل وقال من يقتلها؟ قال: ولدها. وهذا يدل على إيجاب القصاص على الأم بقتل ولدها وخرجها أبو بكر على روايتين إحداهما: أنَّ الأم تقتل بولدها لأنَّه لا ولاية لها عليه فيقتل به كالأخ والصحيح الأول لقول النبي ﷺ : "لا يقتل والد بولده". ولأنَّها أحد الوالدين فأشبهت الأب ولأنَّها أولى بالبر فكانت أولى بنفي القصاص عنها والولاية غير معتبرة بدليل انتفاء القصاص عن الأب بقتل الكبير الذي لا ولاية عليه وعن الجد ولا ولاية له وعن الأب المخالف في الدين أو الرقيق والجدة وإن علت في ذلك كالأم وسواء في ذلك من قبل الأب أو من قبل الأم لما ذكرنا في الجد.
فصل: وسواء كان الوالد مساوياً للولد في الدين والحرية أو مخالفاً له في ذلك لأنَّ انتفاء القصاص لشرف الأبوة وهو موجود في كل حال فلو قتل الكافر ولده المسلم أو قتل المسلم ولده الكافر أو قتل العبد ولده الحر أو قتل الحر ولده العبد لم يجب القصاص لشرف الأبوة فيما إذا قتل ولده وانتفاء المكافأة فيما إذا قتل والده» اهـ.
стр. 6540
ويدخل في معنى ذلك ما إذا كان الولد وارثاً لدم أبيه أو بعضه فلا يصح منه أن يقاصص أباه.
ومن أمثلة ذلك: إذا قتل أحد الزوجين الآخر ولهما ولد، فإنَّه لا يقاد أحد الزوجين بالآخر، وذلك أنَّه لا يحق للولد أن يقيد أحد والديه، وإذا كان لا يشرع للوالد قصاص إذا قتل ولده، لقول النبي ﷺ : «لا يقاد الوالد بالولد» فمن باب أولى أن لا يقتص الولد من الوالد إذا جنى الوالد على غير ولده.
قَالَ الْعَلَّامَةُ ابْنُ قُدَامَةَ ﵀ فِي [الْمُغْنِي] (١٨/ ٣٤٣): «فصل: ولو قتل أحد الأبوين صاحبه، ولهما ولد، لم يجب القصاص؛ لأنَّه لو وجب لوجب، لولده، ولا يجب للولد قصاص على والده؛ لأنَّه إذا لم يجب بالجناية عليه، فلأن لا يجب له بالجناية على غيره أولى، وسواء كان الولد ذكراً أو أنثى، أو كان للمقتول ولد سواه، أو من يشاركه في الميراث، أو لم يكن؛ لأنَّه لو ثبت القصاص، لوجب له جزء منه، ولا يمكن وجوبه، وإذا لم يثبت بعضه، سقط كله؛ لأنَّه لا يتبعض. وصار كما لو عفا بعض مستحقي القصاص عن نصيبه منه.
فإن لم يكن للمقتول ولد منهما، وجب القصاص، في قول أكثر أهل العلم؛ منهم عمر بن عبد العزيز، والنخعي، والثوري، والشافعي، وأصحاب الرأي» اهـ.
стр. 6541
وَقَالَ ﵀ فِي [الْمُغْنِي] (١٨/ ٣٤٤): «فصل: ولو قتل رجل أخاه، فورثه ابنه، أو أحداً يرث ابنه منه شيئاً من ميراثه، لم يجب القصاص؛ لما ذكرنا.
ولو قتل خال ابنه، فورثت أم ابنه القصاص أو جزءاً منه، ثم ماتت بقتل الزوج أو غيره، فورثها ابنه، سقط القصاص؛ لأنَّ ما منع مقارناً أسقط طارئاً، وتجب الدية.
ولو قتلت المرأة أخا زوجها، فصار القصاص أو جزء منه لابنها، سقط القصاص، سواء صار إليه ابتداء، أو انتقل إليه من أبيه أو من غيره؛ لما ذكرنا» اهـ.
السابع: واشترط الأكثر أن لا يكون شريكاً لمخطئ.
قُلْتُ: وفي هذا نزاع بين أهل العلم.
قَالَ الْعَلَّامَةُ ابْنُ قُدَامَةَ ﵀ فِي [الْمُغْنِي] (١٨/ ٣٦٧): «مسألة: قال: "وإذا قتلاه، وأحدهما مخطئ، والآخر متعمد، فلا قود على واحد منهما، وعلى العامد نصف الدية في ماله، وعلى عاقلة المخطئ نصفها، وعليه في ماله عتق رقبة مؤمنة".
أمَّا المخطئ، فلا قصاص عليه؛ للكتاب والسنة والإجماع، أمَّا الكتاب فقول الله تعالى: ﴿وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ أَنْ يَقْتُلَ مُؤْمِنًا إلَّا خَطَأً وَمَنْ قَتَلَ مُؤْمِنًا خَطَأً فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ وَدِيَةٌ مُسَلَّمَةٌ إلَى أَهْلِهِ﴾.
وقال تعالى: ﴿وَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ فِيمَا أَخْطَأْتُمْ بِهِ﴾.
стр. 6542
وأمَّا السنة، فقول النبي ﷺ : "عفي لأمتي عن الخطأ والنسيان".
وأجمع أهل العلم على أنَّه لا قصاص عليه، وأمَّا شريكه فأكثر أهل العلم لا يرون عليه قصاصاً.
وبه قال النخعي، والشافعي، وأصحاب الرأي.
وروي عن أحمد، أنَّ عليه القصاص. وحكي ذلك عن مالك؛ لأنَّه شارك في القتل عمداً عدواناً، فوجب عليه القصاص، كشريك العامد؛ ولأنَّ مؤاخذته بفعله، وفعله عمد وعدوان لا عذر له فيه.
ولنا، أنَّه قتل لم يتمحض عمداً، فلم يوجب القصاص، كشبه العمد، وكما لو قتله واحد بجرحين عمداً وخطأ، ولأنَّ كل واحد من الشريكين مباشر ومتسبب، فإذا كانا عامدين، فكل واحد متسبب إلى فعل موجب للقصاص، فقام فعل شريكه مقام فعله لتسببه إليه، وها هنا إذا أقمنا المخطئ مقام العامد، صار كأنَّه قتله بعمد وخطأ، وهذا غير موجب» اهـ.
قُلْتُ: لم يظهر لي معنىً قوياً في إسقاط القصاص، والأقوى أن يؤاخذ المتعمد بفعله فيقاصص به. والله أعلم.
стр. 6543
وأمَّا إذا كانت المشاركة في القتل بين رجلين أو أكثر قد تعمدوا القتل لكن في بعضهم مانع في نفسه يمنع من مقاصصته كالأب مثلاً ففي ذلك نزاع بين العلماء، فمن أهل العلم من قال: لا قصاص عليه، وهو مذهب الحنفية ورواية عن أحمد، والأكثر وجوب القصاص عليه وهو الصحيح إن شاء الله تعالى فإنَّ القتل العمد قد حصل من جميعهم، وكون بعضهم وجد فيه مانع شرعي من مقاصصته فلا يمنع ذلك من مقاصصة من لم يوجد فيه ذلك المانع الشرعي، وشَبِيْهُ ذلك عفو بعض الأولياء عن بعض القتلة فإنَّه لا يمنع من مقاصصة غيرهم.
وهكذا اختلف العلماء إذا ما اشترك في القتل صبي ومجنون وبالغ، هل يجب القصاص على البالغ؟ على قولين:
القول الأول: أنَّه لا يجب القصاص عليه. وهو قول الحسن والأوزاعي وإسحاق. وإليه ذهب الحنفية، والشافعية في أحد القولين وأحمد في رواية. وهو أيضاً قول المالكية في اشتراك المجنون والبالغ.
القول الثاني: يجب القصاص عليه. وهو قول قتادة والزهري وحماد. وهو القول الثاني للشافعي، وأحمد في الرواية الأخرى. وإليه ذهب المالكية في اشتراك الصبي والبالغ.
стр. 6544
قُلْتُ: الأظهر في جميع ما سبق وجوب القصاص على المتعمد. والله أعلم.
الشرط الثامن: أن لا يكون القاتل وارثاً لبعض دمه أو لجميعه.
قَالَ الْعَلَّامَةُ ابْنُ قُدَامَةَ ﵀ فِي [الْمُغْنِي] (١٨/ ٣٤٦ - ٣٤٨): «فصل: ابنان قتل أحدهما أباه، والآخر أمه، فإن كانت الزوجية بينهما موجودة حال قتل الأول، فالقصاص على قاتل الثاني دون الأول؛ لأنَّ القتيل الثاني ورث جزءاً من دم الأول، فلما قتل ورثه قاتل الأول، فصار له جزء من دم نفسه، فسقط القصاص عنه، ووجب له القصاص على أخيه، فإن قتله، ورثه إن لم يكن وارث سواه؛ لأنَّه قتل بحق، وإن عفا عنه إلى الدية، وجبت، وتقاصا بما بينهما، وما فضل لأحدهما فهو له على أخيه.
وإن لم تكن الزوجية بين الأبوين قائمة، فعلى كل واحد منهما القصاص لأخيه؛ لأنَّه ورث الذي قتله أخوه وحده دون قاتله، فإن بادر أحدهما فقتل صاحبه، فقد استوفى حقه، وسقط القصاص عنه؛ لأنَّه يرث أخاه؛ لكونه قتلاً بحق، فلا يمنع الميراث، إلَّا أن يكون للمقتول ابن، أو ابن ابن يحجب القاتل، فيكون له قتل عمه، ويرثه إن لم يكن له وارث سواه.
стр. 6545
وإن تشاحا في المبتدئ منهما بالقتل، احتمل أن يبدأ بقتل القاتل الأول؛ لأنَّه أسبق، واحتمل أن يقرع بينهما.
وهذا قول القاضي، ومذهب الشافعي؛ لأنَّهما تساويا في الاستحقاق، فيصيرا إلى القرعة، وأيهما قتل صاحبه أولاً، إمَّا بمبادرة أو قرعة، ورثه، في قياس المذهب، إن لم يكن له وارث سواه، وسقط عنه القصاص، وإن كان محجوباً عن ميراثه كله، فلو ورث القتيل قتل الآخر.
وإن عفا أحدهما عن الآخر، ثم قتل المعفو عنه العافي، ورثه أيضاً، وسقط عنه ما وجب عليه من الدية.
وإن تعافيا جميعاً على الدية، تقاصا بما استويا فيه، ووجب لقاتل الأم الفضل على قاتل الأب؛ لأنَّ عقل الأم نصف عقل الأب.
ويتخرج أن يسقط القصاص عنهما؛ لتساويهما في استحقاقه، كسقوط الديتين إذا تساوتا، ولأنَّه لا سبيل إلى استيفائهما معاً، واستيفاء أحدهما دون الآخر حيف، فلا يجوز، فتعين السقوط.
стр. 6546
وإن كان لكل واحد منهما ابن يحجب عمه عن ميراث أبيه، فإذا قتل أحدهما صاحبه، ورثه ابنه، ثم لابنه أن يقتل عمه، ويرثه ابنه، ويرث كل واحد من الابنين مال أبيه ومال جده الذي قتله عمه دون الذي قتله أبوه.
وإن كان لكل واحد منهما بنت، فقتل أحدهما صاحبه، سقط القصاص عنه؛ لأنَّه ورث نصف مال أخيه ونصف قصاص نفسه، فسقط عنه القصاص، وورث مال أبيه الذي قتله أخوه ونصف مال أخيه ونصف مال أبيه الذي قتله هو، وورثت البنت التي قتل أبوها نصف مال أبيها ونصف مال جدها الذي قتله عمها، ولها على عمها نصف دية قتيله» اهـ.
وَقَالَ ﵀ فِي [الْمُغْنِي] (١٤/ ٥٦): «وكذلك لو قتل كل واحد منهما أحد الأبوين، ولم يكونا زوجين، فلكل واحد منهما القصاص على أخيه، إلَّا أنَّه لا يمكن أحدهما الاستيفاء إلَّا بإبطال حق الآخر فيسقطان» اهـ.
قُلْتُ: القول بسقوط القصاص عنهما لعله أقرب إلى الصواب لما فيه من العدل بين القاتلين. والله أعلم.
قَالَ الْعَلَّامَةُ ابْنُ قُدَامَةَ ﵀ فِي [الْمُغْنِي] (١٨/ ٣٤٨): «فصل: أربعة إخوة، قتل الأول الثاني، والثالث الرابع، فالقصاص على الثالث؛ لأنَّه لما قتل الرابع، لم
стр. 6547
يرثه، وورثه الأول وحده، وقد كان للرابع نصف قصاص الأول، فرجع نصف قصاصه إليه، فسقط، ووجب للثالث نصف الدية، وكان للأول قتل الثالث؛ لأنَّه لم يرث من دم نفسه شيئاً، فإن قتله، ورثه في ظاهر المذهب، ويرث ما يرثه عن أخيه الثاني، وإن عفا عنه إلى الدية، وجبت عليه بكمالها يقاصه بنصفها.
وإن كان لهما ورثة، كان فيها من التفصيل مثل الذي في التي قبلها» اهـ.
قُلْتُ: ومن أمثلة ذلك أن يقتل ولد أباه، وللولد أخ، ثم يموت الأخ صاحب الحق في القصاص، ولا وارث له إلَّا أخوه القاتل، فيصبح القاتل وارث دم نفسه من أخيه، فيسقط القصاص؛ لأنَّ القصاص لا يتجزأ أو لا يتبعض.
٥ - ويدخل في عمومه قتل الحر بالعبد المسلم.
قُلْتُ: وهذا هو الصحيح لعموم الحديث، ولا أعلم لمن منع من ذلك حجة صحيحة.
قَالَ الْعَلَّامَةُ ابْنُ قُدَامَةَ ﵀ فِي [الْمُغْنِي] (١٨/ ٣٢٣): «فصل: ولا يقتل السيد بعبده، في قول أكثر أهل العلم.
وحكي عن النخعي وداود، أنَّه يقتل به» اهـ.
وَقَالَ شَيْخُ الْإِسْلَامِ ابْنُ تَيْمِيَّةَ ﵀ كَمَا فِي [مَجْمُوْعِ الْفَتَاوَى] (١٤/ ٨٥):
стр. 6548
«وليس في العبد نصوص صريحة صحيحة» اهـ.
قُلْتُ: ويدل على ذلك عموم ما رواه أحمد (٩٥٩، ٧٠١٢)، وأبو داود (٢٧٥١)، وابن ماجة (٢٦٨٥) من طريق عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ جَدِّهِ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «الْمُسْلِمُونَ تَتَكَافَأُ دِمَاؤُهُمْ … ». الحديث.
قُلْتُ: هَذَا حَدِيْثٌ حَسَنٌ. وله عدة شواهد يصح بها.
٦ - ويحتج بِقَوْلِهِ: «وَالنَّفْسُ بِالنَّفْسِ» لمذهب أبي حنيفة، ومالك، وأحمد في إحدى الروايات عنهما، من أنَّه يتعين في قتل العمد القود، فليس للأولياء أن ينتقلوا إلى غيره إلَّا برضا القاتل.
قُلْتُ: لكن يرد هذا المذهب ما رواه البخاري (٢٤٣٤)، ومسلم (١٣٥٥) عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «وَمَنْ قُتِلَ لَهُ قَتِيلٌ فَهْوَ بِخَيْرِ النَّظَرَيْنِ إِمَّا أَنْ يُفْدَى وَإِمَّا أَنْ يُقِيدَ». وهذا مذهب الشافعي، والرواية الأخرى عن مالك وأحمد، وهذا هو الصحيح.
قَالَ الْعَلَّامَةُ ابْنُ الْقَيِّمِ ﵀ فِي [زَادِ الْمَعَادِ] (٣/ ٤٥٤ - ٤٥٦): «فصل: وقوله ﷺ في الخطبة: "ومن قتل له قتيل، فهو بخير النظرين، إمَّا
стр. 6549
أن يقتل، وإمَّا أن يأخذ الدية" فيه دليل على أنَّ الواجب بقتل العمد لا يتعين في القصاص، بل هو أحد شيئين: إمَّا القصاص، وإمَّا الدية.
وفى ذلك ثلاثة أقوال: وهي روايات عن الإمام أحمد.
أحدها: أنَّ الواجب أحد شيئين، إمَّا القصاص، وإمَّا الدية، والخيرة في ذلك إلى الولي بين أربعة أشياء: العفو مجاناً، والعفو إلى الدية، والقصاص، ولا خلاف في تخييره بين هذه الثلاثة. والرابع: المصالحة على أكثر من الدية، فيه وجهان. أشهرهما مذهباً: جوازه. والثاني: ليس له العفو على مال إلَّا الدية أو دونها، وهذا أرجح دليلاً، فإن اختار الدية، سقط القود، ولم يملك طلبه بعد، وهذا مذهب الشافعي، وإحدى الروايتين عن مالك.
والقول الثاني: أنَّ موجبه القود عيناً، وأنَّه ليس له أن يعفو إلى الدية إلَّا برضى الجاني، فإن عدل إلى الدية ولم يرض الجاني، فقوده بحاله، وهذا مذهب مالك في الرواية الأخرى وأبي حنيفة.
والقول الثالث: أنَّ موجبه القود عيناً مع التخيير بينه وبين الدية، وإن لم يرض
стр. 6550
الجاني، فإذا عفا عن القصاص إلى الدية، فرضى الجاني، فلا إشكال، وإن لم يرض، فله العود إلى القصاص عيناً، فإن عفا عن القود مطلقاً، فإن قلنا: الواجب أحد الشيئين، فله الدية، وإن قلنا: الواجب القصاص عيناً، سقط حقه منها.
فإن قيل: فما تقولون فيما لو مات القاتل؟
قلنا: في ذلك قولان: أحدهما: تسقط الدية، وهو مذهب أبي حنيفة، لأنَّ الواجب عندهم القصاص عيناً، وقد زال محل استيفائه بفعل الله تعالى، فأشبه ما لو مات العبد الجاني، فإنَّ أرش الجناية لا ينتقل إلى ذمة السيد، وهذا بخلاف تلف الرهن وموت الضامن، حيث لا يسقط الحق لثبوته في ذمة الراهن والمضمون عنه، فلم يسقط بتلف الوثيقة.
وقال الشافعي وأحمد: تتعين الدية في تركته، لأنَّه تعذر استيفاء القصاص من غير إسقاط، فوجب الدية لئلا يذهب الورثة من الدم والدية مجاناً.
فإن قيل: فما تقولون لو اختار القصاص، ثم اختار بعده العفو إلى الدية، هل له ذلك؟.
قلنا: هذا فيه وجهان، أحدهما: أنَّ له ذلك، لأنَّ القصاص أعلى، فكان له الانتقال إلى الأدنى، والثاني: ليس له ذلك، لأنَّه لما اختار القصاص، فقد أسقط الدية باختياره له، فليس له أن يعود إليها بعد إسقاطها.
следующие страницы →