← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 30178

تحفة السائل في بيان ما في عمدة الأحكام من المسائل

أبو بكر الحمادي

Полный текст (8 095 стр.). Показаны 6581–6620 · переход к 6586.

стр. 6581

وأمَّا ادعاء نسخه بحديث عبد الله بن حمار. فإنَّما يتم بثبوت تأخره، والإتيان به بعد الرابعة، ومنافاته للأمر بقتله. وأمَّا دعوى نسخه بحديث: "لا يحل دم امرئ مسلم إلَّا بإحدى ثلاث". فلا يصح، لأنَّه عام، وحديث القتل خاص. والذي يقتضيه الدليل: أنَّ الأمر بقتله ليس حتماً، ولكنه تعزيز بحسب المصلحة فإذا أكثر الناس من الخمر، ولم ينزجروا بالحد، فرأى الإمام أن يقتل فيه قتل، ولهذا كان عمر ينفي فيه مرة، ويحلق فيه الرأس مرة، وجلد فيه ثمانين وقد جلد فيه رسول الله ﷺ وأبو بكر أربعين. فقتله في الرابعة: ليس حداً، وإنَّما هو تعزيز بحسب المصلحة، وعلى هذا يتخرج حديث الأمر بقتل السارق، إن صح، والله أعلم» اهـ. قُلْتُ: الذي يظهر لي أنَّ هذا الحديث من الأحاديث المنسوخة لما رواه أبو داود (٤٤٨٥) حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ عَبْدَةَ الضَّبِّيُّ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، قَالَ الزُّهْرِيُّ: أَخْبَرَنَا، عَنْ قَبِيصَةَ بْنِ ذُؤَيْبٍ، أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: «مَنْ شَرِبَ الْخَمْرَ فَاجْلِدُوهُ، فَإِنْ عَادَ فَاجْلِدُوهُ، فَإِنْ عَادَ فِي الثَّالِثَةِ أَوِ الرَّابِعَةِ فَاقْتُلُوهُ»، فَأُتِيَ بِرَجُلٍ قَدْ شَرِبَ فَجَلَدَهُ، ثُمَّ أُتِيَ بِهِ فَجَلَدَهُ، ثُمَّ أُتِيَ بِهِ فَجَلَدَهُ، ثُمَّ أُتِيَ بِهِ فَجَلَدَهُ، وَرَفَعَ الْقَتْلَ، وَكَانَتْ رُخْصَةٌ.

стр. 6582

قُلْتُ: هَذَا حَدِيْثٌ مُرْسَلٌ. لكن يشهد له ما رواه عبد الرزاق في [مُصَنَّفِهِ] (١٧٠٨١) عَنْ مَعْمَرٍ، عَنْ سُهَيْلِ بْنِ أَبِي صَالِحٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، إِنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: «إِذَا شَرِبُوا فَاجْلِدُوهُمْ» قَالَهَا ثَلَاثًا قَالَ: «فَإِذَا شَرِبُوا الرَّابِعَةَ فَاقْتُلُوهُمْ». قَالَ مَعْمَرٌ: فَذَكَرْتُ ذَلِكَ لَابْنِ الْمُنْكَدِرِ فَقَالَ: «قَدْ تُرِكَ الْقَتْلُ قَدْ أُتِيَ النَّبِيُّ ﷺ بِابْنِ النُّعَيْمَانِ فَجَلَدَهُ، ثُمَّ أُتِيَ بِهِ فَجَلَدَهُ، ثُمَّ أُتِيَ بِهِ فَجَلَدَهُ، ثُمَّ أُتِيَ بِهِ الرَّابِعَةَ فَجَلَدَهُ أَوْ أَكْثَرَ». ورواه أيضاً الطحاوي في [شَرْحِ مَعَانِي الآثَارِ] (٤٩٤٣) من وجه آخر عن ابن المنكدر. قُلْتُ: هَذَا مُرْسَلٌ أَيْضًا. وروى عبد الرزاق في [مُصَنَّفِهِ] (١٧٠٨٣) عَنْ مَعْمَرٍ، عَنِ الزُّهْرِيِّ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «إِذَا شَرِبُوا فَاجْلِدُوهُمْ، ثُمَّ إِذَا شَرِبُوا فَاجْلِدُوهُمْ، ثُمَّ إِذَا شَرِبُوا فَاجْلِدُوهُمْ، ثُمَّ إِذَا شَرِبُوا فَاقْتُلُوهُمْ»، ثُمَّ قَالَ: «إِنَّ اللَّهَ قَدْ وَضَعَ عَنْهُمُ الْقَتْلَ، فَإِذَا شَرِبُوا فَاجْلِدُوهُمْ، ثُمَّ إِذَا شَرِبُوا فَاجْلِدُوهُمْ ذَكَرَهَا أَرْبَعَ مَرَّاتٍ». قُلْتُ: هَذَا مُرْسَلٌ أَيْضًا.

стр. 6583

ورواه عبد الرزاق في [مُصَنَّفِهِ] (١٧٠٨٥) عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ، عَنْ عَمْرِو بْنِ دِينَارٍ، إِنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: «مَنْ شَرِبَ الْخَمْرَ، فَحُدُّوهُ فَإِنْ شَرِبَ الثَّانِيَةَ، فَحُدُّوهُ فَإِنْ شَرِبَ الثَّالِثَةَ، فَحُدُّوهُ فَإِنْ شَرِبَ الرَّابِعَةَ، فَاقْتُلُوهُ» قَالَ: فَأُتِيَ بِابْنِ النُّعَيْمَانِ قَدْ شَرِبَ فَضُرِبَ بِالنِّعَالِ وَالْأَيْدِي، ثُمَّ أُتِيَ بِهِ الثَّانِيَةَ فَكَذَلِكَ، ثُمَّ أُتِيَ بِهِ الثَّالِثَةَ فَكَذَلِكَ، ثُمَّ أُتِيَ بِهِ الرَّابِعَةَ، فَحَدَّهُ وَوَضَعَ الْقَتْلَ. قُلْتُ: هَذَا مُرْسَلٌ أَيْضًا وِإسْنَادُهُ ضَعِيْفٌ. قُلْتُ: فَالْحَدِيْثُ حَسَنٌ بِهَذِهِ الطُّرُقِ. وهو يدل على نسخ القتل في الرابعة. قَالَ الْعَلَّامَةُ ابْنُ الْقَيِّمِ ﵀ فِي [زَادِ الْمَعَادِ] (٥/ ٤٧): «وحديث قبيصة: فيه دلالة على أنَّ القتل ليس بحد، أو أنَّه منسوخ» اهـ. قُلْتُ: الآثار ظاهرة في النسخ. والله أعلم. ١٦ - واحتج بالحصر الذي في الحديث من قال: إنَّ السارق لا يقتل بعد الرابعة. وعلى هذا استقر إجماع العلماء. قَالَ الْحِافِظُ ابْنُ حَجَرٍ ﵀ فِي [فَتْحِ الْبَارِي] (١٢/ ١٠٠): «قُلْتُ: نقل المنذري تبعاً لغيره فيه الإجماع ولعلهم أرادوا أنَّه استقر على ذلك وإلَّا فقد جزم

стр. 6584

الباجي في اختلاف العلماء أنَّه قول مالك، ثم قال: وله قول آخر لا يقتل. وقال عياض: لا أعلم أحداً من أهل العلم قال به إلَّا ما ذكره أبو مصعب صاحب مالك في "مختصره" عن مالك وغيره من أهل المدينة. فقال: ومن سرق ممن بلغ الحلم قطع يمينه، ثم إن عاد فرجله اليسرى، ثم إن عاد فيده اليسرى، ثم إن عاد فرجله اليمنى فإن سرق في الخامسة قتل كما قال رسول الله ﷺ وعمر بن عبد العزيز انتهى» اهـ. وجاء في قتل السارق بعد الرابعة ما رواه أبو داود (٤٤١٠)، والنسائي (٤٩٧٨) من طريق مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُبَيْدِ بْنِ عَقِيلٍ الْهِلَالِيُّ، حَدَّثَنَا جَدِّي، عَنْ مُصْعَبِ بْنِ ثَابِتِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الزُّبَيْرِ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ الْمُنْكَدِرِ، عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ، قَالَ: جِيءَ بِسَارِقٍ إِلَى النَّبِيِّ ﷺ فَقَالَ: «اقْتُلُوهُ»، فَقَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ، إِنَّمَا سَرَقَ، فَقَالَ: «اقْطَعُوهُ»، قَالَ: فَقُطِعَ، ثُمَّ جِيءَ بِهِ الثَّانِيَةَ، فَقَالَ: «اقْتُلُوهُ»، فَقَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ، إِنَّمَا سَرَقَ، فَقَالَ «اقْطَعُوهُ»، قَالَ: فَقُطِعَ، ثُمَّ جِيءَ بِهِ الثَّالِثَةَ، فَقَالَ: «اقْتُلُوهُ»، فَقَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ، إِنَّمَا سَرَقَ، فَقَالَ: «اقْطَعُوهُ»، ثُمَّ أُتِيَ بِهِ الرَّابِعَةَ، فَقَالَ: «اقْتُلُوهُ»، فَقَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ: إِنَّمَا سَرَقَ، قَالَ: «اقْطَعُوهُ»، فَأُتِيَ بِهِ

стр. 6585

الْخَامِسَةَ، فَقَالَ «اقْتُلُوهُ»، قَالَ جَابِرٌ: فَانْطَلَقْنَا بِهِ فَقَتَلْنَاهُ، ثُمَّ اجْتَرَرْنَاهُ فَأَلْقَيْنَاهُ فِي بِئْرٍ، وَرَمَيْنَا عَلَيْهِ الْحِجَارَةَ. قُلْتُ: هَذَا إِسْنَادٌ ضَعِيْفٌ لضعف مصعب بن ثابت. وَقَالَ الْعَلَّامَةُ النَّسَائِي ﵀: «وهذا حديث منكر ومصعب بن ثابت ليس بالقوي في الحديث، والله تعالى أعلم» اهـ. وَقَالَ ﵀ فِي [الْكُبْرَى] (٤/ ٣٤٨): «وهذا الحديث ليس بصحيح ولا أعلم في هذا الباب حديثاً صحيحاً عن النبي ﷺ » اهـ. وقد تابع مصعباً هشام بن عروة عند الدارقطني (٣٣٨٩) لكن في الإسناد إليه محمد بن يزيد بن سنان عن أبيه، وهو ضعيف، وأبوه متروك الحديث. ورواه (٣٣٩٠) من طريق ثانية إلى هشام لكن في الإسناد إليه محمد بن عثمان بن أبي شيبة وقد رمي بالكذب والوضع. ورواه (٣٣٩١) من طريق ثالثة حسنة إلى هشام بن عروة. وروى النسائي (٤٩٧٧) أَخْبَرَنَا سُلَيْمَانُ بْنُ سَلْمٍ الْمَصَاحِفِيُّ الْبَلْخِيُّ، قَالَ: حَدَّثَنَا النَّضْرُ بْنُ شُمَيْلٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا حَمَّادٌ، قَالَ: أَنْبَأَنَا يُوسُفُ، عَنْ الْحَارِثِ بْنِ حَاطِبٍ: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ أُتِيَ بِلِصٍّ فَقَالَ: «اقْتُلُوهُ» فَقَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ

стр. 6586

إِنَّمَا سَرَقَ، فَقَالَ: «اقْتُلُوهُ» قَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ، إِنَّمَا سَرَقَ، قَالَ: «اقْطَعُوا يَدَهُ». قَالَ: ثُمَّ سَرَقَ فَقُطِعَتْ رِجْلُهُ، ثُمَّ سَرَقَ عَلَى عَهْدِ أَبِي بَكْرٍ ﵁، حَتَّى قُطِعَتْ قَوَائِمُهُ كُلُّهَا، ثُمَّ سَرَقَ أَيْضًا الْخَامِسَةَ، فَقَالَ أَبُو بَكْرٍ ﵁: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ أَعْلَمَ بِهَذَا حِينَ قَالَ: «اقْتُلُوهُ» ثُمَّ دَفَعَهُ إِلَى فِتْيَةٍ مِنْ قُرَيْشٍ لِيَقْتُلُوهُ، مِنْهُمْ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ الزُّبَيْرِ، وَكَانَ يُحِبُّ الْإِمَارَةَ، فَقَالَ: أَمِّرُونِي عَلَيْكُمْ. فَأَمَّرُوهُ عَلَيْهِمْ، فَكَانَ إِذَا ضَرَبَ ضَرَبُوهُ حَتَّى قَتَلُوهُ. قُلْتُ: هَذَا إِسْنَادٌ ظَاهِرُهُ الصِّحَةُ. لكن سبق كلام النسائي وهو قوله: «ولا أعلم في هذا الباب حديثاً صحيحاً عن النبي ﷺ » اهـ. وَقَالَ الْحَافِظُ الْذَهَبِيُّ ﵀ فِي - متعقباً على الحاكم في قوله في [الُمسْتَدْرَكِ] (٤/ ٤٢٣): «هذا حديث صحيح الإسناد ولم يخرجاه». -: «بل منكر» اهـ. وذلك أنَّ فيه الأمر بقتل السارق في الأولى وهذا خلاف القرآن. وروى أبو نعيم في [مَعْرِفَةِ الْصَحَابَةِ] (٣٥٦٧)، وفي [الْحِلْيَّةِ] (٢/ ٦) حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ الْحَسَنِ، ثنا مُحَمَّدُ بْنُ عُثْمَانَ بْنِ أَبِي شَيْبَةَ، ثنا إِبْرَاهِيمُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ مَيْمُونٍ، ثنا سَعِيدُ بْنُ خُثَيْمٍ أَبُو مَعْمَرٍ، عَنْ حَرَامِ بْنِ عُثْمَانَ، عَنْ مُعَاذِ بْنِ عَبْدِ اللهِ، عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ زَيْدٍ الْجُهَنِيِّ، أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَالَ: «مَنْ سَرَقَ

стр. 6587

مَتَاعًا فَاقْطَعُوا يَدَهُ فَإِنْ سَرَقَ فَاقْطَعُوا رِجْلَهُ فَإِنْ سَرَقَ فَاقْطَعُوا يَدَهُ فَإِنْ سَرَقَ فَاقْطَعُوا رِجْلَهُ فَإِنْ سَرَقَ فَاضْرِبُوا عُنُقَهُ». قُلْتُ: هَذَا حَدِيْثٌ شَدَيْدِ الضَّعْفِ من أجل حرام بن عثمان فإنَّه منكر الحديث. وَ قَالَ الْحَافِظُ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِ ﵀ فِي [الْاسْتِذْكَارِ] (٨/ ١٠): «حديث القتل لا أصل له، وقد ثبت عن النبي أن لا يحل دم امرئ مسلم إلَّا بإحدى ثلاث: كفر بعد إيمان، أو زنى بعد إحصان، أو قتل نفس بغير نفس. ولم يذكر فيها السارق. وقال في السرقة: "فاحشة وفيها عقوبة" ولم يذكر قتلاً. وعلى هذا جمهور أهل العلم في الآفاق على المسلمين والحمد لله رب العالمين» اهـ. قُلْتُ: وقد تأول الحديث جماعة من أهل العلم على فرض ثبوته فَقَال الْحِافِظُ ابْنُ حَجَرٍ ﵀ فِي [فَتْحِ الْبَارِي] (١٢/ ٩٩): «وقد قال بعض أهل العلم كابن المنكدر والشافعي أنَّ هذا منسوخ، وقال بعضهم: هو خاص بالرجل المذكور فكأنَّ النبي ﷺ اطلع على أنَّه واجب القتل ولذلك أمر بقتله من أول مرة، ويحتمل أنَّه كان من المفسدين في الأرض» اهـ. وَقَالَ الْعَلَّامَةُ الْخَطَّابِي ﵀ فِي [مَعَالِمِ الْسُّنَنِ] (٣/ ٣١٤): «فقد يحتمل أن يكون هذا رجلاً مشهوراً بالفساد مخبوراً بالشر معلوماً من أمره أنَّه سيعود إلى

стр. 6588

سوء فعله ولا ينتهي عنه حتى ينتهي خبره ويحتمل أن يكون ما فعله إن صح الحديث فإنَّما فعله بوحي من الله سبحانه واطلاع منه على ما سيكون منه فيكون معنى الحديث خاصاً فيه والله أعلم» اهـ. وَقَالَ الْعَلَّامَةُ ابْنُ الْقَيِّمِ ﵀ فِي [تَهْذِيْبِ السُّنَنِ] (٢/ ٢٩٧) - عند كلامه على قتل الشارب في الرابعة -: «قتله في الرابعة: ليس حداً، وإنَّما هو تعزيز بحسب المصلحة، وعلى هذا يتخرج حديث الأمر بقتل السارق، إن صح، والله أعلم» اهـ. ١٧ - يشكل على الحصر الذي في الحديث مسائل منها: الأولى: قتل المنازع للسلطان بالبيعة. فقد روى مسلم (١٨٥٣) عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : «إِذَا بُويِعَ لِخَلِيفَتَيْنِ، فَاقْتُلُوا الْآخَرَ مِنْهُمَا». الثانية: قتل الساعي في شق عصا المسلمين. لما رواه مسلم (١٨٥٢) عَنْ عَرْفَجَةَ، قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ ، يَقُولُ: «إِنَّهُ سَتَكُونُ هَنَاتٌ وَهَنَاتٌ، فَمَنْ أَرَادَ أَنْ يُفَرِّقَ أَمْرَ هَذِهِ الْأُمَّةِ وَهِيَ جَمِيعٌ، فَاضْرِبُوهُ بِالسَّيْفِ كَائِنًا مَنْ كَانَ».

стр. 6589

وفي لفظ له: «مَنْ أَتَاكُمْ وَأَمْرُكُمْ جَمِيعٌ عَلَى رَجُلٍ وَاحِدٍ، يُرِيدُ أَنْ يَشُقَّ عَصَاكُمْ، أَوْ يُفَرِّقَ جَمَاعَتَكُمْ، فَاقْتُلُوهُ». قَالَ الْعَلَّامَةُ الْنَوَوِي ﵀ فِي [شَرْحِ مُسْلِمٍ] (٦/ ٣٢٤): «فيه الأمر بقتال من خرج على الإمام، أو أراد تفريق كلمة المسلمين ونحو ذلك، وينهى عن ذلك، فإن لم ينته قوتل، وإن لم يندفع شره إلَّا بقتله فقتل كان هدراً، فقوله ﷺ : "فاضربوه بالسيف"، وفي الرواية الأخرى: "فاقتلوه" معناه: إذا لم يندفع إلَّا بذلك» اهـ. الثالثة: قتل الصائل إمَّا على النفس، أو العرض، أو المال. لما رواه مسلم (١٤٠) عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، قَالَ: جَاءَ رَجُلٌ إِلَى رَسُولِ اللهِ ﷺ ، فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ، أَرَأَيْتَ إِنْ جَاءَ رَجُلٌ يُرِيدُ أَخْذَ مَالِي؟ قَالَ: «فَلَا تُعْطِهِ مَالَكَ» قَالَ: أَرَأَيْتَ إِنْ قَاتَلَنِي؟ قَالَ: «قَاتِلْهُ» قَالَ: أَرَأَيْتَ إِنْ قَتَلَنِي؟ قَالَ: «فَأَنْتَ شَهِيدٌ»، قَالَ: أَرَأَيْتَ إِنْ قَتَلْتُهُ؟ قَالَ: «هُوَ فِي النَّارِ». قُلْتُ: ويمكن الجمع بين حديث الباب وبين هذه الأحاديث بحمل حديث الباب على من تعين قتله، فأمَّا ما في هذه الأحاديث فالقتل غير متعين، فإنَّه إذا اندفع شره بغير القتل فلا يقتل، وإذا ما أُسر أيضاً فلا يقتل.

стр. 6590

قَالَ الْحِافِظُ ابْنُ حَجَرٍ ﵀ فِي [فَتْحِ الْبَارِي] (١٢/ ٢٠٢): «والتحقيق في جواب ذلك أنَّ الحصر فيمن يجب قتله عيناً وأمَّا من ذكرهم فإنَّ قتل الواحد منهم إنَّما يباح إذا وقع حال المحاربة والمقاتلة بدليل أنَّه لو أسر لم يجز قتله صبراً اتفاقاً في غير المحاربين وعلى الراجح في المحاربين أيضاً» اهـ. الرابعة: قتال الفئة الباغية. قال الله تعالى: ﴿وَإِنْ طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا فَإِنْ بَغَتْ إِحْدَاهُمَا عَلَى الْأُخْرَى فَقَاتِلُوا الَّتِي تَبْغِي حَتَّى تَفِيءَ إِلَى أَمْرِ اللَّهِ فَإِنْ فَاءَتْ فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا بِالْعَدْلِ وَأَقْسِطُوا إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ﴾ [الحجرات: ٩]. والجواب: أنَّه لا يلزم من المقاتلة القتل، ولهذا إذا أمكن إزالة البغي من غير مقاتلة لزم ذلك، وهكذا من أُسر من الفئة الباغية فلا يقتل، والحديث وارد فيمن تُعين قتله. الخامسة: قتل الخوارج. وقد جاء في قتلهم ما رواه البخاري (٣٦١١)، ومسلم (١٠٦٦) عَنْ عَلِيٍّ ﵁: إِذَا حَدَّثْتُكُمْ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ، فَلَأَنْ أَخِرَّ مِنَ السَّمَاءِ أَحَبُّ إِلَيَّ مِنْ أَنْ أَكْذِبَ عَلَيْهِ، وَإِذَا حَدَّثْتُكُمْ فِيمَا بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ، فَإِنَّ الحَرْبَ خَدْعَةٌ،

стр. 6591

سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ ، يَقُولُ: «يَأْتِي فِي آخِرِ الزَّمَانِ قَوْمٌ، حُدَثَاءُ الأَسْنَانِ، سُفَهَاءُ الأَحْلَامِ، يَقُولُونَ مِنْ خَيْرِ قَوْلِ البَرِيَّةِ، يَمْرُقُونَ مِنَ الإِسْلَامِ كَمَا يَمْرُقُ السَّهْمُ مِنَ الرَّمِيَّةِ، لَا يُجَاوِزُ إِيمَانُهُمْ حَنَاجِرَهُمْ، فَأَيْنَمَا لَقِيتُمُوهُمْ فَاقْتُلُوهُمْ، فَإِنَّ قَتْلَهُمْ أَجْرٌ لِمَنْ قَتَلَهُمْ يَوْمَ القِيَامَةِ». وما رواه البخاري (٣٣٤٤)، ومسلم (١٠٦٤) عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الخُدْرِيِّ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّه قَالَ فِي الْخَوَارِجِ: «إِنَّ مِنْ ضِئْضِئِ هَذَا، قَوْمًا يَقْرَءُونَ القُرْآنَ، لَا يُجَاوِزُ حَنَاجِرَهُمْ، يَمْرُقُونَ مِنَ الإِسْلَامِ مُرُوقَ السَّهْمِ مِنَ الرَّمِيَّةِ، يَقْتُلُونَ أَهْلَ الإِسْلَامِ، وَيَدَعُونَ أَهْلَ الأَوْثَانِ، لَئِنْ أَدْرَكْتُهُمْ لَأَقْتُلَنَّهُمْ قَتْلَ عَادٍ». وفي لفظ عند البخاري (٤٣٥١)، ومسلم (١٠٦٤): «لَئِنْ أَدْرَكْتُهُمْ لَأَقْتُلَنَّهُمْ قَتْلَ ثَمُودَ». قُلْتُ: من ذهب من أهل العلم إلى كفر الخوارج فهم داخلون عنده في قول النبي ﷺ : «وَالتَّارِكُ لِدِينِهِ الْمُفَارِقُ لِلْجَمَاعَةِ». ومن لم ير كفرهم فيرى أنَّهم يعاملون معاملة البغاة فيقاتلون حتى ينكسر شرهم، ولا يلزم من المقاتلة القتل كما سبق بيانه. والله أعلم.

стр. 6592

١٨ - واحتج بالحديث من قال بعدم قتل تارك الصلاة لعدم ذكره في الثلاثة الأمور المبيحة للدم. قُلْتُ: لا حجة في ذلك فإنَّ تارك الصلاة يعتبر مرتداً على الصحيح من أقوال العلماء فيدخل في التارك لدينه. * * *

стр. 6593

٣٣٢ - عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «أَوَّلُ مَا يُقْضَى بَيْنَ النَّاسِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فِي الدِّمَاءِ». وَفِي الْحَدِيْثِ مَسَائِلُ مِنْهَا: ١ - شدة حرمة الدماء المعصومة. ٢ - ظاهر الحديث أنَّ الدماء يُقضى بها قبل كل شيء مطلقاً، ويشكل هذا مع ما رواه أحمد (١٦٦٦٥)، والنسائي (٤٦٧) من طريق حَمَّادِ بْنِ سَلَمَةَ، عَنِ الْأَزْرَقِ بْنِ قَيْسٍ، عَنْ يَحْيَى بْنِ يَعْمَرَ، عَنْ رَجُلٍ مِنْ أَصْحَابِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ «أَوَّلُ مَا يُحَاسَبُ بِهِ الْعَبْدُ صَلَاتُهُ، فَإِنْ كَانَ أَتَمَّهَا كُتِبَتْ لَهُ تَامَّةً، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ أَتَمَّهَا قَالَ اللَّهُ : انْظُرُوا هَلْ تَجِدُونَ لِعَبْدِي مِنْ تَطَوُّعٍ فَتُكْمِلُوا بِهَا فَرِيضَتَهُ؟ ثُمَّ الزَّكَاةُ كَذَلِكَ، ثُمَّ تُؤْخَذُ الْأَعْمَالُ عَلَى حَسَبِ ذَلِكَ». قُلْتُ: هَذَا حَدِيْثٌ صَحِيْحٌ. والرجل هو أبو هريرة كما في رواية النسائي.

стр. 6594

ولحديث أبي هريرة طرق أخرى فرواه أحمد (٩٤٩٠)، وأبو داود (٨٦٤)، والترمذي (٤١٣)، والنسائي (١٤٢٥) من طريق أنس بن حكيم الضبي عن أبي هريرة. وأنس لا يعرف حاله. ورواه النسائي (٤٦٥) من طريق قتادة، عن الحسن، عن حريث بن قبيصة عن أبي هريرة. وحريث ضعيف الحديث. ورواه النسائي (٤٦٦) من طريق أبي العوام، عن قتادة، عن الحسن، عن أبي رافع، عن أبي هريرة. ورواه ابن ماجة (١٤٢٦) من طريق حميد عن الحسن عن رجل عن أبي هريرة. قُلْتُ: المحفوظ حديث قتادة. والله أعلم. وجاء من حديث ابن مسعود ﵁، رواه النسائي (٣٩٩١) أَخْبَرَنَا سَرِيعُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ الْوَاسِطِيُّ الْخَصِيُّ قَالَ: حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ بْنُ يُوسُفَ الْأَزْرَقُ، عَنْ شَرِيكٍ، عَنْ عَاصِمٍ، عَنْ أَبِي وَائِلٍ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «أَوَّلُ مَا يُحَاسَبُ بِهِ الْعَبْدُ الصَّلَاةُ، وَأَوَّلُ مَا يُقْضَى بَيْنَ النَّاسِ فِي الدِّمَاءِ». قُلْتُ: وفيه سريع لا يعرف حاله، وشريك وهو النخعي القاضي ضعيف الحديث، والمعروف من الحديث رواية الصحيحين.

стр. 6595

وجاء من حديث تميم الداري عند ابن ماجة (١٤٢٦) بِإِسْنَادٍ صَحِيْحٍ. وللحديث شواهد أخرى. قُلْتُ: والجمع بين حديث الباب وهذا الحديث هو أن يحمل حديث الباب على ما يتعلق بحقوق العباد، وهذا الحديث على ما يتعلق بحقوق الله تعالى. والله أعلم. قَالَ الْحِافِظُ ابْنُ حَجَرٍ ﵀ فِي [فَتْحِ الْبَارِي] (١١/ ٣٩٦): «ولا يعارض هذا حديث أبي هريرة رفعه: "إنَّ أول ما يحاسب به العبد يوم القيامة صلاته". الحديث أخرجه أصحاب السنن لأنَّ الأول محمول على ما يتعلق بمعاملات الخلق، والثاني فيما يتعلق بعبادة الخالق» اهـ. ٣ - ويدل الحديث على أنَّ أعظم حقوق الآدميين الدماء. ٤ - وفيه إثبات القضاء يوم القيامة. * * *

стр. 6596

القَسَامَة. ٣٣٣ - عَنْ سَهْلِ بْنِ أَبِي حَثْمَةَ ﵁ قَالَ: «انْطَلَقَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ سَهْلٍ وَمُحَيِّصَةُ بْنُ مَسْعُودٍ إلَى خَيْبَرَ، وَهِيَ يَوْمَئِذٍ صُلْحٌ، فَتَفَرَّقَا، فَأَتَى مُحَيِّصَةُ إلَى عَبْدِ اللَّهِ بْنِ سَهْلٍ -وَهُوَ يَتَشَحَّطُ فِي دَمِهِ قَتِيلاً- فَدَفْنه، ثُمَّ قَدِمَ الْمَدِينَةَ، فَانْطَلَقَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ سَهْلٍ وَمُحَيِّصَةُ وَحُوَيِّصَةُ ابْنَا مَسْعُودٍ إلَى النَّبِيِّ ﷺ فَذَهَبَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ يَتَكَلَّمُ، فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ : "كَبِّرْ، كَبِّرْ" - وَهُوَ أَحْدَثُ الْقَوْمِ - فَسَكَتَ، فَتَكَلَّمَا، فَقَالَ: "أَتَحْلِفُونَ وَتَسْتَحِقُّونَ قَاتِلَكُمْ، أَوْ صَاحِبَكُمْ؟ ". قَالُوا: وَكَيْفَ نَحْلِفُ، وَلَمْ نَشْهَدْ، وَلَمْ نَرَ؟ قَالَ: "فَتُبْرِئُكُمْ يَهُودُ بِخَمْسِينَ يَمِيناً" قَالُوا: كَيْفَ بِأَيْمَانِ قَوْمِ كُفَّارٍ؟ فَعَقَلَهُ النَّبِيُّ ﷺ مِنْ عِنْدِهِ». وَفِي حَدِيثِ حَمَّادِ بْنِ زَيْدٍ: «فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "يُقْسِمُ خَمْسُونَ مِنْكُمْ عَلَى رَجُلٍ مِنْهُمْ، فَيُدْفَعُ بِرُمَّتِهِ"، قَالُوا: أَمْرٌ لَمْ نَشْهَدْهُ كَيْفَ نَحْلِفُ؟ قَالَ: "فَتُبْرِئُكُمْ يَهُودُ بِأَيْمَانِ خَمْسِينَ مِنْهُمْ؟ " قَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ، قَوْمٌ كُفَّارٌ».

стр. 6597

وَفِي حَدِيثِ سَعِيدِ بْنِ عُبَيْدٍ: «فَكَرِهَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ أَنْ يُبْطِلَ دَمَهُ، فَوَدَاهُ بِمِائَةٍ مِنْ إبِلِ الصَّدَقَةِ». قَوْلُهُ: «يَتَشَحَّطُ فِي دَمِهِ قَتِيلًا». أي يضطرب ويتخبط ويتمرغ في دمه. وقَوْلُهُ: «فَعَقَلَهُ». العقل الدية، وإنَّما سميت به لأنَّهم كانوا يعطون فيها الإبل ويربطونها بفناء دار المقتول بالعقال وهو الحبل. وقَوْلُهُ: «فيُدفع بِرُمَّتِه». قَالَ الْعَلَّامَةُ الْقُرْطُبِي ﵀ فِي [الْمُفْهِم] (١٥/ ٩٨): «هو بضم الراء، وهو: الحبل البالي. وأصله: أنَّ رجلاً سلَّم رجلاً لآخر بحبلٍ في عنقه ليقتلَه، فقيل: ذلك لكل من سقَم شيئًا بكلِّيته، ولم يبق له به تعلُّق. والرِّمَّةُ - بكسر الراء -: العظم البالي. يقال: رمَّ العظم، وأرم: إذا بلي. والرميم: الشيء البالي، المتفتت كالورق، المتهشم. ومنه قوله تعالى: ﴿مَا تَذَرُ مِنْ شَيءٍ أَتَت عَلْيه إلا جَعَلَتهُ كالرَّمِيم﴾» اهـ. وَقَالَ الْعَلَّامَةُ ابْنُ دَقِيْقِ الْعِيْدِ ﵀ فِي [إِحْكَامِ الْأَحْكَامِ] (ص: ٤٣٠): «قَوْلُهُ: "برُمَّته" مضموم الراء المهملة مشدد الميم المفتوحة وهو مفسر بإسلامه للقتل وفي أصله في اللغة قولان: أحدهما: أنَّ الرمة حبل يكون في عنق البعير فإذا قيد أعطي به. والثاني: أنَّه حبل يكون في عنق الأسير فإذا أسلم للقتل سلم به» اهـ.

стр. 6598

وقَوْلُهُ: «يُبْطِلَ». أي: يهدر. وقَوْلُهُ: «فَوَدَاهُ». أي: دفع ديته. وَفِي الْحَدِيْثِ مَسَائِلُ مِنْهَا: ١ - مشروعية القسامة. وهي مأخوذة من القَسَم وهو اليمين. قَالَ الْحِافِظُ ابْنُ حَجَرٍ ﵀ فِي [فَتْحِ الْبَارِي] (١٢/ ٢٣٥): «قال القاضي عياض: هذا الحديث أصل من أصول الشرع وقاعدة من قواعد الأحكام وركن من أركان مصالح العباد وبه أخذ كافة الأئمة والسلف من الصحابة والتابعين وعلماء الأمة وفقهاء الأمصار من الحجازيين والشاميين والكوفيين وإن اختلفوا في صورة الأخذ به وروي التوقف عن الأخذ به عن طائفة فلم يروا القسامة ولا أثبتوا بها في الشرع حكماً وهذا مذهب الحكم بن عتيبة، وأبي قلابة، وسالم بن عبد الله، وسليمان بن يسار، وقتادة، ومسلم بن خالد، وإبراهيم بن علية، وإليه ينحو البخاري، وروي عن عمر بن عبد العزيز باختلاف عنه. قُلْتُ: وهذا ينافي ما صدر به كلامه أنَّ كافة الأئمة أخذوا بها وقد تقدم النقل عمن لم يقل بمشروعيتها في أول الباب وفيهم من لم يذكره القاضي» اهـ.

стр. 6599

قُلْتُ: والذين ذكرهم الحافظ في أول الباب: سالم بن عبد الله بن عمر، والحكم بن عتيبة. ونقل عن آخرين عدم القود بها. ٢ - إثبات القود بالقسامة. قَالَ الْعَلَّامَةُ ابْنُ الْقَيِّمِ ﵀ فِي [الْطُرُقِ الْحُكْمِيَّةِ] (ص: ١٤٠): «والقسامة يجب فيها القود عند مالك وأحمد وأبي حنيفة وتوجب الدية فقط عند الشافعي، وأمَّا أهل الرأي فيحلفون فيها المدعى عليه خاصة ويوجبون عليه الدية مع تحليفه» اهـ. قُلْتُ: ذكره لأبي حنيفة في الأول الكلام لعله خطأ في النسخة. والله أعلم. قَالَ الْعَلَّامَةُ الشِّنْقِيطِيُّ ﵀ فِي [أَضْوَاءِ الْبَيَانِ] (٣/ ١٢٩ - ١٣٠): «فممن قال بوجوب القود بالقسامة: مالك وأصحابه، وأحمد، وهو أحد قولي الشافعي، وروي عن ابن الزبير، وعمر بن عبد العزيز، والظاهر أنَّ عمر بن عبد العزيز رجع عنه. وبه قال أبو ثور، وابن المنذر، وهو قول الزهري، وربيعة، وأبي الزناد، والليث، والأوزاعي، وإسحاق، وداود.

стр. 6600

وقضى بالقتل بالقسامة عبد الملك بن مروان، وأبوه مروان; وقال أبو الزناد: قلنا بها وأصحاب رسول الله ﷺ متوافرون، إنِّي لأرى أنَّهم ألف رجل، فما اختلف منهم اثنان. وقال ابن حجر في "فتح الباري": إنَّما نقل ذلك أبو الزناد عن خارجة بن زيد بن ثابت; كما أخرجه سعيد بن منصور والبيهقي من رواية عبد الرحمن بن أبي الزناد عن أبيه، وإلَّا فأبو الزناد لا يثبت أنَّه رأى عشرين من الصحابة فضلاً عن ألف. وممن قال بأنَّ القسامة تجب بها الدية ولا يجب بها القود: الشافعي في أصح قوليه، وهو مذهب أبي حنيفة، وروي عن أبي بكر وعمر وابن عباس ومعاوية ﵃. وهو مروي عن الحسن البصري، والشعبي، والنخعي، وعثمان البتي، والحسن بن صالح، وغيرهم. وعن معاوية: القتل بها أيضاً» اهـ. قُلْتُ: وحجة الحنفية ما رواه ابن أبي شيبة في [مُصَنَّفِهِ] (٢٨٣٩١) قَالَ: حَدَّثَنَا وَكِيعٌ، قَالَ: حَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي لَيْلَى، عَنِ الشَّعْبِيِّ: أَنَّ قَتِيلًا وُجِدَ بِالْيَمَنِ بَيْنَ حَيَّيْنِ، قَالَ: فَقَالَ عُمَرُ: «انْظُرُوا أَقْرَبَ الْحَيَّيْنِ إِلَيْهِ، فَأَحْلِفُوا مِنْهُمْ خَمْسِينَ رَجُلًا بِاللَّهِ مَا قَتَلْنَا وَلَا عَلِمْنَا قَاتِلًا، ثُمَّ تَكُونُ عَلَيْهِمُ الدِّيَةُ».

стр. 6601

قُلْتُ: ابن أبي ليلى واسمه محمد ضعيف الحديث، ورواية الشعبي عن عمر منقطعة. ورواه ابن أبي شيبة في [مُصَنَّفِهِ] (٢٨٤٣٠) حدثنا عبد الرحيم، عن أشعث، عن الشعبي به. قُلْتُ: أشعث بن سوار ضعيف الحديث، ورواية الشعبي عن عمر منقطعة. ورواه ابن أبي شيبة في [مُصَنَّفِهِ] (٢٨٣٩٠، ٢٨٤٣١) قَالَ: حَدَّثَنَا وَكِيعٌ، قَالَ: حَدَّثَنَا إِسْرَائِيلُ، عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ، عَنِ الْحَارِثِ بْنِ الْأَزْمَعِ، قَالَ: «وُجِدَ قَتِيلٌ بِالْيَمَنِ بَيْنَ وَادِعَةَ وَأَرْحَبَ، فَكَتَبَ عَامِلُ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ إِلَيْهِ، فَكَتَبَ إِلَيْهِ عُمَرُ أَنْ قِسْ مَا بَيْنَ الْحَيَّيْنِ، فَإِلَى أَيِّهِمَا كَانَ أَقْرَبَ فَخُذْهُمْ بِهِ»، قَالَ: «فَقَاسُوا فَوَجَدُوهُ أَقْرَبَ إِلَى وَادِعَةَ» قَالَ: «فَأَخَذْنَا وَأَغْرَمْنَا وَأَحْلَفْنَا فَقُلْنَا: يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ: أَتُحَلِّفُنَا وَتُغَرِّمُنَا؟ قَالَ: "نَعَمْ"» قَالَ: «فَأَحْلَفَ مِنَّا خَمْسِينَ رَجُلًا بِاللَّهِ مَا فَعَلْتُ وَلَا عَلِمْتُ قَاتِلًا». قَالَ الْعَلَّامَةُ ابْنُ الْمُلَقِّنِ ﵀ في [الْبَدْرِ الْمُنِيْرِ] (٨/ ٥١٦): «وأبو إسحاق لم يسمعه من الحارث. قال علي بن المديني، عن أبي زيد، عن شعبة قال: سمعت أبا إسحاق يحدث حديث الحارث بن الأزمع: "أنَّ قتيلاً وجد بين وداعة وخيوان"

стр. 6602

فقُلْتُ: يا أبا إسحاق من حدثك؟ قال: حدثني مجالد، عن الشعبي، عن الحارث بن الأزمع فعادت رواية أبي إسحاق إلى حديث مجالد، واختلف فيه على مجالد في إسناده، ومجالد غير محتج به» اهـ. قُلْتُ: مجالد كذبه الشعبي وغيره. وخلاصة القول: أنَّ أثر عمر لا يصح. والله أعلم. ٣ - البداءة بأيمان المدعين في القسامة. وإنَّما كانت الأيمان بجانب المدعين لقوة جانبهم بحصول اللوث. وهذا الذي عليه جمهور العلماء، وذهبت الحنفية إلى أنَّ الأيمان بجانب المدعى عليهم. قَالَ الْعَلَّامَةُ ابْنُ قُدَامَةَ ﵀ فِي [الْمُغْنِي] (١٩/ ٣٤٨): «وقال الشعبي، والنخعي، والثوري، وأصحاب الرأي: يستحلف خمسون رجلاً من أهل المحلة التي وجد فيها القتيل، بالله ما قتلناه، ولا علمنا قاتلاً، ويغرمون الدية؛ لقضاء عمر، بذلك. ولم نعرف له في الصحابة مخالفاً، فكان إجماعاً» اهـ. قُلْتُ: أثر عمر لا يثبت كما سبق. ٤ - أنَّه لا يكتفى بالقسامة بأقل من خمسين إن وجدوا.

стр. 6603

٥ - الحكم على أهل الذمة بحكم الإسلام، وإن لم يتحاكموا إلينا إذا كان الحكم بينهم وبين المسلمين. ٦ - إعطاء الدية من إبل الصدقة. قَالَ الْعَلَّامَةُ ابْنُ الْقَيِّمِ ﵀ فِي [زَادِ الْمَعَادِ] (٥/ ١٢ - ١٣): «ومنها: وهو الذى أشكل على كثير من الناس إعطاؤه الدية من إبل الصدقة، وقد ظن بعض الناس أنَّ ذلك من سهم الغارمين، وهذا لا يصح، فإنَّ غارم أهل الذمة لا يعطى من الزكاة، وظنَّ بعضهم أنَّ ذلك مما فضل من الصدقة عن أهلها، فللإمام أن يصرفه في المصالح، وهذا أقرب من الأول، وأقرب منه: أنَّه ﷺ وداه من عنده، واقترض الدية من إبل الصدقة، ويدل عليه: "فواده من عنده" وأقرب من هذا كله أن يقال: لما تحملها النبي ﷺ لإصلاح ذات البين بين الطائفتين، كان حكمها حكم القضاء على الغرم لما غرمه لإصلاح ذات البين، ولعل هذا مراد من قال: إن قضاها من سهم الغارمين، وهو ﷺ لم يأخذ منها لنفسه شيئاً، فإنَّ الصدقة لا تحل له، ولكن جرى إعطاء الدية منها مجرى إعطاء الغارم منها لإصلاح ذات البين. والله أعلم» اهـ.

стр. 6604

٧ - قضاء النبي ﷺ بالقسامة كان مع وجود اللَّوْثِ وهي العداوة بين المسلمين واليهود، فأمَّا إذا لم يوجد لوث فلا قسامة لعموم قول النبي ﷺ : «لَوْ يُعْطَى النَّاسُ بِدَعْوَاهُمْ، لَادَّعَى نَاسٌ دِمَاءَ رِجَالٍ وَأَمْوَالَهُمْ، وَلَكِنَّ الْيَمِينَ عَلَى الْمُدَّعَى عَلَيْهِ». رواه مسلم (١٧١١) عن ابن عباس ﵄. وروى البخاري (٤٥٥٢) عَنِ ابْنِ أَبِي مُلَيْكَةَ، أَنَّ امْرَأَتَيْنِ، كَانَتَا تَخْرِزَانِ فِي بَيْتٍ أَوْ فِي الحُجْرَةِ، فَخَرَجَتْ إِحْدَاهُمَا وَقَدْ أُنْفِذَ بِإِشْفَى فِي كَفِّهَا، فَادَّعَتْ عَلَى الأُخْرَى، فَرُفِعَ إِلَى ابْنِ عَبَّاسٍ، فَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «لَوْ يُعْطَى النَّاسُ بِدَعْوَاهُمْ لذَهَبَ دِمَاءُ قَوْمٍ وَأَمْوَالُهُمْ»، ذَكِّرُوهَا بِاللَّهِ وَاقْرَءُوا عَلَيْهَا: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَشْتَرُونَ بِعَهْدِ اللَّهِ﴾ [آل عمران: ٧٧] فَذَكَّرُوهَا فَاعْتَرَفَتْ، فَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: قَالَ النَّبِيُّ ﷺ : «اليَمِينُ عَلَى المُدَّعَى عَلَيْهِ». ورواه البخاري (٢٥١٤)، ومسلم (١٧١١) عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄: «إِنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَضَى أَنَّ اليَمِينَ عَلَى المُدَّعَى عَلَيْهِ».

стр. 6605

قَالَ الْعَلَّامَةُ ابْنُ قُدَامَةَ ﵀ فِي [الْمُغْنِي] (١٩/ ٣٣٠): «فصل: فأمَّا إن ادعى القتل من غير وجود قتل ولا عداوة، فحكمها حكم سائر الدعاوى، في اشتراط تعيين المدعى عليه، وأنَّ القول قوله. لا نعلم فيه خلافاً» اهـ. قُلْتُ: ولا يلزم المدعى عليه غير يمين واحدة على الصحيح، وذهب الشافعي وأحمد في رواية عنهما إلى لزوم الخمسين اليمين على المدعى عليه. وإن نكل المدعى عليه عن اليمين فهو لوث فلأولياء الدم أن يقسموا خمسين يميناً ويستحقون دم صاحبهم إن كانت الدعوى عمداً، وإن لم تكن عمداً استحقوا الدية، وهذا مذهب الإمام الشافعي، وهذا هو الصحيح إن شاء الله تعالى، وذهب الإمام أحمد إلى عدم القود بذلك. قُلْتُ: وقد تنازع العلماء في اللوث، فذهب الإمام أحمد في إحدى الروايتين إلى أنَّ اللوث هو العداوة الظاهرة، واشترط الإمام الشافعي في العداوة أن يوجد القتيل في موضع عدو لا يختلط بهم غيرهم. وذهب الإمام أحمد في الرواية الأخرى أنَّ اللوث ما يغلب على الظن صدق المدعي. وهذا هو الصحيح.

стр. 6606

قَالَ الْعَلَّامَةُ ابْنُ الْقَيِّمِ ﵀ فِي [إِعْلَامِ الْمُوَقِعِيْنَ] (١/ ١٠٣): «وهو الأمارة الظاهرة الدالة على أنَّ المدعى عليهم قتلوه» اهـ. وللوث صور ذكرها أهل العلم. الصورة الأولى: العداوة الظاهرة. الصورة الثانية: أن يتفرق جماعة عن قتيل، فيكون ذلك لوثاً في حق كل واحد منهم، فإن ادعى الولي على واحد فأنكر كونه مع الجماعة، فالقول قوله مع يمينه. وهو مذهب الشافعي؛ لأنَّ الأصل عدم ذلك، إلَّا أن يثبت ببينة. الصورة الثالثة: أن يوجد قتيل لا يوجد بقربه إلَّا رجل معه سيف أو سكين ملطخ بالدم، ولا يوجد غيره ممن يغلب على الظن أنَّه قتله، ومثل أن يُرى رجلاً هارباً يحتمل أنَّه القاتل. الصورة الرابعة: أن يقتتل فئتان، فيفترقون عن قتيل من إحداهما، فاللوث على الأخرى. فإن كانوا بحيث لا تصل سهام بعضهم بعضاً، فاللوث على طائفة القتيل. هذا قول الشافعي.

стр. 6607

وروي عن أحمد، أنَّ عقل القتيل على الذين نازعوهم فيما إذا اقتتلت الفئتان، إلَّا أن يدعوا على واحد بعينه. وهذا قول مالك. الصورة الخامسة: أن يشهد بالقتل عبيد أو نساء، فهذا فيه عن أحمد روايتان؛ إحداهما، أنَّه لوث؛ لأنَّه يغلب على الظن صدق المدعي في دعواه، فأشبه العداوة. والثانية، ليس بلوث؛ لأنَّها شهادة مردودة، فلم تكن لوثاً، كما لو شهد به كفار. وإن شهد به فساق أو صبيان، فهل يكون لوثاً؟ على وجهين: أحدهما: ليس بلوث؛ لأنَّه لا يتعلق بشهادتهم حكم، فلا يثبت اللوث بها، كشهادة الأطفال والمجانين. والثاني: يثبت بها اللوث؛ لأنَّها شهادة تغلب على الظن صدق المدعي، فأشبه شهادة النساء والعبيد، وقول الصبيان معتبر في الإذن في دخول الدار، وقبول الهدية، ونحوها. وهذا مذهب الشافعي. ويعتبر أن يجيء الصبيان متفرقين؛ لئلا يتطرق إليهم التواطؤ على الكذب. قُلْتُ: والذي يظهر لي أنَّ هذا داخل في اللوث. وقد ذكر جميع ذلك العلامة ابن قدامة ﵀ في "المغني".

стр. 6608

الصورة السادسة: أن يصرح المقتول قبل موته بقاتله، فهو لوث عند الإمام مالك والليث، وخالفه الجمهور، والصحيح قول الإمام مالك والليث، وذلك أنَّ ساعة الموت مما يتحرى فيها المرء الصدق غالباً. والله أعلم. قَالَ الْحَافِظُ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِ ﵀ فِي [التَّمْهِيْدِ] (٢٣/ ٢١٢ - ٢١٣): «إنَّما جعل مالك قول المقتول دمي عند فلان شبهة ولطخاً وجب به تبدأة أوليائه بالأيمان في القسامة لأنَّ المعروف من طباع الناس عند حضور الموت الإنابة والتوبة والتندم على ما سلف من سيئ العمل ألا ترى إلى قول الله : ﴿لَوْلا أَخَّرْتَنِي إِلَى أَجَلٍ قَرِيبٍ فَأَصَّدَّقَ وَأَكُنْ مِنَ الصَّالِحِينَ﴾، وقوله: ﴿حَتَّى إِذَا حَضَرَ أَحَدَهُمُ الْمَوْتُ قَالَ إِنِّي تُبْتُ الْآنَ﴾ فهذا معهود من طباع الإنسان وغير معلوم من عادته أن يعدل عن قاتله إلى غيره ويدع قاتله وما خرج عن هذا فنادر في الناس لا حكم له فلهذا وشبهه مما وصفنا ذهب مالك إلى ما ذكرنا والله أعلم» اهـ. قُلْتُ: واللَّوْثُ مَاَخُذٌ مِنَ التَلَوُّثِ وَهُوَ: التَّلُّطخ. يُقَالُ: لَاثَهُ في التراب، ولَوَّثَهُ أَيْ لَطَّخَهُ. ٨ - واحتج به من قال: إنَّ الدعوى في القسامة لا تكون إلَّا على معين.

стр. 6609

قَالَ الْعَلَّامَةُ ابْنُ قُدَامَةَ ﵀ فِي [الْمُغْنِي] (١٩/ ٣٢٩): «ولا تسمع الدعوى على غير المعين، فلو كانت الدعوى على أهل مدينة أو محلة، أو واحد غير معين، أو جماعة منهم بغير أعيانهم، لم تسمع الدعوى. وبهذا قال الشافعي. وقال أصحاب الرأي: تسمع، ويستحلف خمسون منهم؛ لأنَّ الأنصار ادعوا القتل على يهود خيبر، ولم يعينوا القاتل، فسمع رسول الله ﷺ دعواهم. ولنا، أنَّها دعوى في حق، فلم تسمع على غير معين، كسائر الدعاوى. فأمَّا الخبر، فإنَّ دعوى الأنصار التي سمعها رسول الله ﷺ لم تكن الدعوى التي بين الخصمين المختلف فيها، فإنَّ تلك من شرطها حضور المدعى عليه عندهم، أو تعذر حضوره عندنا، وقد بين النبي ﷺ أنَّ الدعوى لا تصح إلَّا على واحد، بقَوْلِهِ: "تقسمون على رجل منهم، فيدفع إليكم برمته". وفي هذا بيان أنَّ الدعوى لا تصح على غير معين» اهـ.

стр. 6610

قُلْتُ: وقوله في الحديث: «فَتُبْرِئُكُمْ يَهُودُ بِأَيْمَانِ خَمْسِينَ مِنْهُمْ». صريح في أنَّ المدعين إذا لم يعينوا رجلاً، واكتفوا بالدعوى العامة ونكلوا عن اليمين فإنَّ اليمين تتجه إلى المدعى عليهم عموماً ويكفي أن يحلف منهم خمسون رجلاً. ٩ - وظاهره أنَّ القسامة تكون على شخص واحد ولا تكون على جماعة. وهذا مذهب الإمام مالك وأحمد فيما إذا كانت القسامة لإثبات القود، وخالف في ذلك بعض العلماء منهم أبو ثور، والمغيرة بن عبد الرحمن من أصحاب مالك. وَقَالَ الْعَلَّامَةُ الْنَوَوِي ﵀ فِي [شَرْحِ مُسْلِمٍ] (٦/ ٧٥): «وقال الشافعي ﵁: إن ادعوا على جماعة حلفوا عليهم، وثبتت عليهم الدية على الصحيح عند الشافعي، وعلى قول أنَّه يجب القصاص عليهم» اهـ. وأمَّا إذا كانت القسامة فيما لا قود فيه فيجوز أن يقسموا فيها على جماعة في مذهب مالك، والشافعي. قَالَ الْحِافِظُ ابْنُ حَجَرٍ ﵀ فِي [فَتْحِ الْبَارِي] (١٢/ ٢٣٨): «واستدل بِقَوْلِهِ: "على رجل منهم" على أنَّ القسامة إنَّما تكون على رجل واحد وهو قول أحمد ومشهور قول مالك. وقال الجمهور يشترط أن تكون على معين سواء كان واحداً أو أكثر واختلفوا هل يختص القتل بواحد أو يقتل الكل» اهـ.

стр. 6611

قُلْتُ: وإذا كانت القسامة على قتل خطإ فالمشهور عن أحمد أيضاً أنَّ القسامة تكون على معين ولا تكون على جماعة، وله رواية أنَّها تكون على الجماعة المعينين وتجب عليهم الدية. العمل بظاهر الحديث هو الأصوب. ١٠ - وكون النبي ﷺ لم يسأل الأنصار هل كان بقتيلهم أثر دليل على عدم اشتراط ذلك. قَالَ الْعَلَّامَةُ ابْنُ قُدَامَةَ ﵀ فِي [الْمُغْنِي] (١٩/ ٣٣٩): «فصل: وليس من شرط اللوث أن يكون بالقتيل أثر. وبهذا قال مالك، والشافعي. وعن أحمد: أنَّه شرط. وهذا قول حماد، وأبي حنيفة، والثوري؛ لأنَّه إذا لم يكن به أثر، احتمل أنَّه مات حتف أنفه. ولنا؛ أنَّ النبي ﷺ لم يسأل الأنصار، هل كان بقتيلهم أثر أو لا؟ ولأنَّ القتل يحصل بما لا أثر له، كغم الوجه، والخنق، وعصر الخصيتين، وضربة الفؤاد، فأشبه من به أثر، ومن به أثر قد يموت حتف أنفه؛ لسقطته، أو صرعته، أو يقتل نفسه.

стр. 6612

فعلى قول من اعتبر الأثر، إن خرج الدم من أذنه، فهو لوث؛ لأنَّه لا يكون إلَّا بالخنق له، أو أمر أصيب به، وإن خرج من أنفه، فهل يكون لوثاً؟ على وجهين» اهـ. ١١ - وقول النبي ﷺ في الحديث: «أَتَحْلِفُونَ وَتَسْتَحِقُّونَ قَاتِلَكُمْ». يدل على اجتماع الأولياء في ذلك، فإذا اختلف الأولياء على رجلين فلا تثبت القسامة، وذلك أنَّ كل رجل منهم قد برأه بعض الأولياء. وهذا مذهب الجمهور. ١٢ - وفي أنَّه إذا لم يحلف المدعون، حلف المدعى عليهم خمسين يميناً وبرؤا. وهذا مذهب الجمهور وهو الصحيح، وذهب أبو حنيفة وأحمد في رواية إلى لزوم الدية على أهل المحلة التي وجد بها القتيل. ١٣ - وفيه أنَّه إذا لم يحلف المدعون، ولم يرضوا بيمين المدعى عليه، أنَّ الإمام يفديه من بيت المال. ١٤ - واحتج بقول النبي ﷺ في الحديث: «أَتَحْلِفُونَ وَتَسْتَحِقُّونَ قَاتِلَكُمْ». من قال: إنَّ القسامة تكون لجميع الورثة، وذلك أنَّ القود حق لجميعهم، والخطاب في القسامة موجه لجميع من يستحق أن يقيد.

стр. 6613

وإلى هذا ذهب الإمام الشافعي ﵀، ورواية عن الإمام أحمد. وخرج من ذلك الصبي باتفاق العلماء، وخرجت المرأة في قول أكثرهم، وقد أدخلها الإمام الشافعي ﵀ مطلقاً، وأدخلها الإمام مالك ﵀ في قسامة الخطاء دون العمد. والذي يظهر لي صحة ما ذهب إليه جمهور العلماء، وذلك أنَّ القسامة قامت مقام الشهادة ولا يدخل النساء في شهادة القتل. وذهب الإمام مالك، وأحمد في إحدى الروايات إلى تحليف سائر العصبات من يرث منهم ومن لم يرث، وذلك إذا لم يبلغ الورثة الخمسين. قَالَ الْعَلَّامَةُ ابْنُ قُدَامَةَ ﵀ فِي [الْمُغْنِي] (١٩/ ٣٦١): «اختلفت الرواية عن أحمد، فيمن تجب عليه أيمان القسامة؛ فروي أنَّه يحلف من العصبة الوارث منهم وغير الوارث، خمسون رجلاً، كل واحد منهم يميناً واحدة. وهذا قول لمالك، فعلى هذا، يحلف الوارث منهم الذين يستحقون دمه، فإن لم يبلغوا خمسين، تمموا من سائر العصبة، يؤخذ الأقرب منهم فالأقرب من قبيلته التي ينتسب إليها، ويعرف كيفية نسبه من المقتول، فأمَّا من عرف أنَّه من القبيلة، ولم يعرف وجه النسب، لم يقسم؛ مثل أن يكون الرجل قرشياً والمقتول قرشي، ولا

стр. 6614

يعرف كيفية نسبه منه، فلا يقسم؛ لأننا نعلم أنَّ الناس كلهم من آدم ونوح، وكلهم يرجعون إلى أب واحد، ولو قتل من لا يعرف نسبه، لم يقسم عنه سائر الناس، فإن لم يوجد من نسبه خمسون، رددت الأيمان عليهم، وقسمت بينهم، فإن انكسرت عليهم، جبر كسرها عليهم حتى تبلغ خمسين؛ لقول النبي ﷺ للأنصار: "يحلف خمسون رجلاً منكم، وتستحقون دم صاحبكم". وقد علم النبي ﷺ أنَّه لم يكن لعبد الله بن سهل خمسون رجلاً وارثاً، فإنَّه لا يرثه إلَّا أخوه، أو من هو في درجته، أو أقرب منه نسباً، ولأنَّه خاطب بهذا بني عمه، وهم غير وارثين» اهـ. وَقَالَ الْعَلَّامَةُ الشِّنْقِيطِيُّ ﵀ فِي [أَضْوَاءِ الْبَيَانِ] (٣/ ١٤٢): «وأظهر الأقوال دليلاً هو صحة استعانة الوارث بالعصبة غير الوارثين في أيمان القسامة; لأنَّ النبي ﷺ قال لحويصة ومحيصة: "يحلف خمسون منكم" الحديث. وهما ابنا عم المقتول، ولا يرثان فيه لوجود أخيه، وقد قال لهم: "يحلف خمسون منكم"، وهو يعلم أنَّه لم يكن لعبد الله بن سهل المقتول عشرون رجلاً وارثون، لأنَّه لا يرثه إلَّا أخوه ومن هو في درجته أو أقرب منه نسباً» اهـ. قُلْتُ: وهذا هو الذي يظهر لي رجحانه. والله أعلم.

стр. 6615

١٥ - وظاهر قَوْلِهِ: «يَقْسِمُ خَمْسُونَ مِنْكُمْ عَلَى رَجُلٍ مِنْهُمْ، فَيُدْفَعُ بِرُمَّتِهِ». أنَّ على كل رجل منهم يميناً واحدة. وهو مذهب الإمام مالك، وأحمد في رواية. وذهب الإمام أحمد في رواية أخرى، والإمام الشافعي في رواية إلى عرض الأيمان على ورثة المقتول دون غيرهم، على حسب مواريثهم. وذهب الإمام الشافعي ﵀ في قوله الآخر: إلى أن يحلف كل واحد من المدعين خمسين يميناً، سواء تساووا في الميراث أو اختلفوا فيه. والصحيح ما دل عليه الحديث. والله أعلم. ١٦ - وظاهر قَوْلِهِ: «فَتُبْرِئُكُمْ يَهُودُ بِأَيْمَانِ خَمْسِينَ مِنْهُمْ». أنَّ اليمين إذا ردت على المدعى عليهم فلا بد من خمسين رجل يأتون بالقسم، وهل يدخل في ذلك من اتجهت إليه الدعوى وغيره من الأولياء أو لا فيه نزاع والأظهر عدم دخولهم، وأمَّا هذا الحديث فالدعوى كانت على عموم اليهود فلا حجة فيه على لزومها لمن لم تتجه إليه الدعوى من الأولياء. والله أعلم. ويستوي في ذلك الدعوى في قتل العمد أو الخطاء.

стр. 6616

قَالَ الْقَاضِي عِيَاضٌ ﵀ فِي [إِكْمَالِ الْمُعْلِمِ] (٥/ ٢٣٦): «وهذا حجة لمالك في مشهور قوله في موطئه وغيره أنَّه يحلف من أولياء المدعى عليه خمسون رجلاً خمسين يميناً، إلَّا ألَّا يبلغوا العدد فترد عليهم خمسين يميناً» اهـ. وَقَالَ الْعَلَّامَةُ الْقُرْطُبِي ﵀ فِي [الْمُفْهِم] (١٥/ ٩٨): «وفيه دليل على أنَّ الأيمان المردودة لا تكون أقل من خمسين يمينًا من خمسين رجلاً إذا كان المدَّعى عليهم خمسين. فإن كانوا أقل من ذلك؛ حلفوا خمسين يمينًا، ورُدَّت عليهم بحسب عددهم. وهل لهم أن يستعينوا بمن يحلف معهم من أوليائهم أم لا؟ قولان. فمشهور مذهب مالك: لهم الاستعانة. وعليه فلا يحلف فيها أقل من اثنين. ولا يحلفُ المدَّعى عليه معهم إلَّا أن لا يجد من يحلفُ معه، فيحلفُ هو خمسين يمينًا. وروى مطرف عن مالك: أنَّه لا يحلف مع المدَّعى عليه أحدٌ، ويحلفُ هم أنفسهم كانوا واحدًا أو أكثر خمسين يمينًا يبرئون بها أنفسهم. وهو قول الشَافعي. وهو الصحيح؛ لأنَّ من لم يُدَّع عليه لم يكن له سبب يتوجَّه عليه به يمين، ثم مقصود هذه الأيمان: البراءة من الدَّعوى. ومن لم يُدَّع عليه بريء، ولأنَّ أيمانهم على أن وليَّهم لم يُقتل شهادةٌ على نفي، وهي باطل. وأيضًا فقد قال الله تعالى: ﴿وَلا تَزِرُوَا وازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى﴾» اهـ.

стр. 6617

وَقَالَ الْعَلَّامَةُ ابْنُ قُدَامَةَ ﵀ فِي [الْمُغْنِي] (١٩/ ٣٦٦ - ٣٦٧): «فصل: إذا ردت الأيمان على المدعى عليهم، وكان عمداً، لم تجز على أكثر من واحد، فيحلف خمسين يميناً، وإن كانت عن غير عمد، كالخطإ وشبه العمد، فظاهر كلام الخرقي، أنَّه لا قسامة في هذا؛ لأنَّ القسامة من شرطها اللوث، والعداوة، إنَّما أثرها في تعمد القتل، لا في خطئه، فإنَّ احتمال الخطإ في العمد وغيره سواء. وقال غيره من أصحابنا: فيه قسامة. وهو قول الشافعي؛ لأنَّ اللوث لا يختص العداوة عندهم. فعلى هذا تجوز الدعوى على جماعة، فإذا ادعي على جماعة، لزم كل واحد منهم خمسون يميناً. وقال بعض أصحابنا: تقسم الأيمان بينهم بالحصص، كقسمها بين المدعين، إلَّا أنَّها هاهنا تقسم بالسوية؛ لأنَّ المدعى عليهم متساوون فيها، فهم كبني الميت. وللشافعي قولان، كالوجهين. والحجة لهذا القول، قول النبي ﷺ : "تبرئكم يهود بخمسين يميناً". وفي لفظ قال: "فيحلفون لكم خمسين يميناً، ويبرءون من دمه".

стр. 6618

ولأنَّهم أحد المتداعيين في القسامة، فتسقط الأيمان على عددهم، كالمدعين. وقال مالك: يحلف من المدعى عليهم خمسون رجلاً خمسين يميناً، فإن لم يبلغوا خمسين رجلاً، رددت على من حلف منهم حتى تكمل خمسين يميناً، فإن لم يوجد أحد يحلف إلَّا الذي ادعي عليه، حلف وحده خمسين يميناً؛ لقول النبي ﷺ : "فتبرئكم يهود بخمسين يميناً". ولنا، أنَّ هذه أيمان يبرئ بها كل واحد نفسه من القتل، فكان على كل واحد خمسون، كما لو ادعي على كل واحد وحده قتيل؛ ولأنَّه لا يبرئ المدعى عليه حال الاشتراك إلَّا ما يبرئه حال الانفراد، ولأنَّ كل واحد منهم يحلف على غير ما حلف عليه صاحبه، بخلاف المدعين، فإنَّ أيمانهم على شيء واحد، فلا يلزم من تلفيقها تلفيق ما يختلف مدلوله أو مقصوده» اهـ. وجاء عن مالك خلاف هذا ففي [الُموَطَّأِ - رواية يحيى الليثي] (٢/ ٨٧٨): «قال يحيى: وقد قال مالك في القوم يكون لهم العدد يتهمون بالدم فيرد ولاة المقتول الأيمان عليهم وهم نفر لهم عدد أنَّه يحلف كل إنسان منهم عن نفسه خمسين يميناً ولا تقطع الأيمان عليهم بقدر عددهم ولا يبرءون دون أن يحلف كل

стр. 6619

إنسان عن نفسه خمسين يميناً. قال مالك: وهذا أحسن ما سمعت في ذلك» اهـ. والمشهور عنه القول الأول. ١٧ - وفيه جواز أن يحلف الأولياء على أنَّ فلاناً قتله وإن لم يشهدوا القتل ولا مكانه إذا غلب على ظنهم أنَّه قتله؛ لأنَّ النبي ﷺ قال للأنصار: «أَتَحْلِفُونَ وَتَسْتَحِقُّونَ قَاتِلَكُمْ، أَوْ صَاحِبَكُمْ». وكانوا بالمدينة، والقتل بخيبر. ١٨ - وفيه من الأدب البداءة بالأكبر في الكلام. وهذا عند الاستواء في الفضائل من حيث الظاهر. قَالَ الْحَافِظُ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِ ﵀ فِي [التَّمْهِيْدِ] (٢١/ ١٢٤): «لأنَّ السن إنَّما يراعى عند استواء المعاني والحقوق» اهـ. وَقَالَ الْعَلَّامَةُ ابْنُ بَطَّالٍ ﵀ فِي [شَرْحِ الْبُخَارِي] (٦/ ٧٦): «إنَّما ذلك إذا استوت حال القوم في شيء واحد، فحينئذ يبتدأ بالأكبر، وأمَّا إذا كان لبعضهم على بعض فضل في شيء فصاحب الفضل أولى بالتقدمة» اهـ. وَقَالَ الْعَلَّامَةُ الْقُرْطُبِي ﵀ فِي [الْمُفْهِم] (١٥/ ٩٣): «وقد قدَّمنا أنَّ كبر السنِّ لم يستحق التقديمَ إلَّا من حيث القدم في الإسلام، والسبق إليه، والعلم به، وممارسة أعماله وأحواله، والفقه فيه، ولو كان الشيخُ عَرِيًّا عن ذلك لاستحق

стр. 6620

التأخير، ولكان المتصفُ بذلك هو المستحق للتقديم - وإن كان شابًا -، وقد قدِم وفدٌ على عمر بن عبد العزيز ﵁، فتقدَّم شابٌّ للكلام، فقال له عمرُ: كبِّر، كبِّر. فقال: يا أمير المؤمنين! لو كان الأمرُ بالسنِّ لكان هنا من هو أولى بالخلافة منك! فقال: تكلَّم. فتكلم فأبلغ، وأوجز» اهـ. ١٩ - قَالَ الْعَلَّامَةُ الْقُرْطُبِي ﵀ فِي [الْمُفْهِم] (١٥/ ٩٧): «وقَوْلُهُ: "فتبرئكم يهود بأيمان خمسين منهم"؛ دليل: على أنَّ من توجهت عليه يمين فنكل عنها: أنَّه لا يُقضى عليه بمجرد النُّكول حتى تردَّ اليمينُ على الآخر، ويحلف. وهو قول مالك، والشافعي. وروي عن عمر، وعثمان، وعلي، وجماعة من السلف. وقال أبو حنيفة، والكوفيون، وأحمد بن حنبل: يُقضى عليه دون رد اليمين» اهـ. ٢٠ - وفيه دليل لصحة يمين الكافر أو الفاسق في الدعاوى إذا توجهت اليمين إليه. ٢١ - وفيه المبادرة بدفن الميت وعدم نقله من بلد إلى آخر. * * *
следующие страницы →