← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 30178

تحفة السائل في بيان ما في عمدة الأحكام من المسائل

أبو بكر الحمادي

Полный текст (8 095 стр.). Показаны 6616–6655 · переход к 6621.

стр. 6616

قَالَ الْقَاضِي عِيَاضٌ ﵀ فِي [إِكْمَالِ الْمُعْلِمِ] (٥/ ٢٣٦): «وهذا حجة لمالك في مشهور قوله في موطئه وغيره أنَّه يحلف من أولياء المدعى عليه خمسون رجلاً خمسين يميناً، إلَّا ألَّا يبلغوا العدد فترد عليهم خمسين يميناً» اهـ. وَقَالَ الْعَلَّامَةُ الْقُرْطُبِي ﵀ فِي [الْمُفْهِم] (١٥/ ٩٨): «وفيه دليل على أنَّ الأيمان المردودة لا تكون أقل من خمسين يمينًا من خمسين رجلاً إذا كان المدَّعى عليهم خمسين. فإن كانوا أقل من ذلك؛ حلفوا خمسين يمينًا، ورُدَّت عليهم بحسب عددهم. وهل لهم أن يستعينوا بمن يحلف معهم من أوليائهم أم لا؟ قولان. فمشهور مذهب مالك: لهم الاستعانة. وعليه فلا يحلف فيها أقل من اثنين. ولا يحلفُ المدَّعى عليه معهم إلَّا أن لا يجد من يحلفُ معه، فيحلفُ هو خمسين يمينًا. وروى مطرف عن مالك: أنَّه لا يحلف مع المدَّعى عليه أحدٌ، ويحلفُ هم أنفسهم كانوا واحدًا أو أكثر خمسين يمينًا يبرئون بها أنفسهم. وهو قول الشَافعي. وهو الصحيح؛ لأنَّ من لم يُدَّع عليه لم يكن له سبب يتوجَّه عليه به يمين، ثم مقصود هذه الأيمان: البراءة من الدَّعوى. ومن لم يُدَّع عليه بريء، ولأنَّ أيمانهم على أن وليَّهم لم يُقتل شهادةٌ على نفي، وهي باطل. وأيضًا فقد قال الله تعالى: ﴿وَلا تَزِرُوَا وازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى﴾» اهـ.

стр. 6617

وَقَالَ الْعَلَّامَةُ ابْنُ قُدَامَةَ ﵀ فِي [الْمُغْنِي] (١٩/ ٣٦٦ - ٣٦٧): «فصل: إذا ردت الأيمان على المدعى عليهم، وكان عمداً، لم تجز على أكثر من واحد، فيحلف خمسين يميناً، وإن كانت عن غير عمد، كالخطإ وشبه العمد، فظاهر كلام الخرقي، أنَّه لا قسامة في هذا؛ لأنَّ القسامة من شرطها اللوث، والعداوة، إنَّما أثرها في تعمد القتل، لا في خطئه، فإنَّ احتمال الخطإ في العمد وغيره سواء. وقال غيره من أصحابنا: فيه قسامة. وهو قول الشافعي؛ لأنَّ اللوث لا يختص العداوة عندهم. فعلى هذا تجوز الدعوى على جماعة، فإذا ادعي على جماعة، لزم كل واحد منهم خمسون يميناً. وقال بعض أصحابنا: تقسم الأيمان بينهم بالحصص، كقسمها بين المدعين، إلَّا أنَّها هاهنا تقسم بالسوية؛ لأنَّ المدعى عليهم متساوون فيها، فهم كبني الميت. وللشافعي قولان، كالوجهين. والحجة لهذا القول، قول النبي ﷺ : "تبرئكم يهود بخمسين يميناً". وفي لفظ قال: "فيحلفون لكم خمسين يميناً، ويبرءون من دمه".

стр. 6618

ولأنَّهم أحد المتداعيين في القسامة، فتسقط الأيمان على عددهم، كالمدعين. وقال مالك: يحلف من المدعى عليهم خمسون رجلاً خمسين يميناً، فإن لم يبلغوا خمسين رجلاً، رددت على من حلف منهم حتى تكمل خمسين يميناً، فإن لم يوجد أحد يحلف إلَّا الذي ادعي عليه، حلف وحده خمسين يميناً؛ لقول النبي ﷺ : "فتبرئكم يهود بخمسين يميناً". ولنا، أنَّ هذه أيمان يبرئ بها كل واحد نفسه من القتل، فكان على كل واحد خمسون، كما لو ادعي على كل واحد وحده قتيل؛ ولأنَّه لا يبرئ المدعى عليه حال الاشتراك إلَّا ما يبرئه حال الانفراد، ولأنَّ كل واحد منهم يحلف على غير ما حلف عليه صاحبه، بخلاف المدعين، فإنَّ أيمانهم على شيء واحد، فلا يلزم من تلفيقها تلفيق ما يختلف مدلوله أو مقصوده» اهـ. وجاء عن مالك خلاف هذا ففي [الُموَطَّأِ - رواية يحيى الليثي] (٢/ ٨٧٨): «قال يحيى: وقد قال مالك في القوم يكون لهم العدد يتهمون بالدم فيرد ولاة المقتول الأيمان عليهم وهم نفر لهم عدد أنَّه يحلف كل إنسان منهم عن نفسه خمسين يميناً ولا تقطع الأيمان عليهم بقدر عددهم ولا يبرءون دون أن يحلف كل

стр. 6619

إنسان عن نفسه خمسين يميناً. قال مالك: وهذا أحسن ما سمعت في ذلك» اهـ. والمشهور عنه القول الأول. ١٧ - وفيه جواز أن يحلف الأولياء على أنَّ فلاناً قتله وإن لم يشهدوا القتل ولا مكانه إذا غلب على ظنهم أنَّه قتله؛ لأنَّ النبي ﷺ قال للأنصار: «أَتَحْلِفُونَ وَتَسْتَحِقُّونَ قَاتِلَكُمْ، أَوْ صَاحِبَكُمْ». وكانوا بالمدينة، والقتل بخيبر. ١٨ - وفيه من الأدب البداءة بالأكبر في الكلام. وهذا عند الاستواء في الفضائل من حيث الظاهر. قَالَ الْحَافِظُ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِ ﵀ فِي [التَّمْهِيْدِ] (٢١/ ١٢٤): «لأنَّ السن إنَّما يراعى عند استواء المعاني والحقوق» اهـ. وَقَالَ الْعَلَّامَةُ ابْنُ بَطَّالٍ ﵀ فِي [شَرْحِ الْبُخَارِي] (٦/ ٧٦): «إنَّما ذلك إذا استوت حال القوم في شيء واحد، فحينئذ يبتدأ بالأكبر، وأمَّا إذا كان لبعضهم على بعض فضل في شيء فصاحب الفضل أولى بالتقدمة» اهـ. وَقَالَ الْعَلَّامَةُ الْقُرْطُبِي ﵀ فِي [الْمُفْهِم] (١٥/ ٩٣): «وقد قدَّمنا أنَّ كبر السنِّ لم يستحق التقديمَ إلَّا من حيث القدم في الإسلام، والسبق إليه، والعلم به، وممارسة أعماله وأحواله، والفقه فيه، ولو كان الشيخُ عَرِيًّا عن ذلك لاستحق

стр. 6620

التأخير، ولكان المتصفُ بذلك هو المستحق للتقديم - وإن كان شابًا -، وقد قدِم وفدٌ على عمر بن عبد العزيز ﵁، فتقدَّم شابٌّ للكلام، فقال له عمرُ: كبِّر، كبِّر. فقال: يا أمير المؤمنين! لو كان الأمرُ بالسنِّ لكان هنا من هو أولى بالخلافة منك! فقال: تكلَّم. فتكلم فأبلغ، وأوجز» اهـ. ١٩ - قَالَ الْعَلَّامَةُ الْقُرْطُبِي ﵀ فِي [الْمُفْهِم] (١٥/ ٩٧): «وقَوْلُهُ: "فتبرئكم يهود بأيمان خمسين منهم"؛ دليل: على أنَّ من توجهت عليه يمين فنكل عنها: أنَّه لا يُقضى عليه بمجرد النُّكول حتى تردَّ اليمينُ على الآخر، ويحلف. وهو قول مالك، والشافعي. وروي عن عمر، وعثمان، وعلي، وجماعة من السلف. وقال أبو حنيفة، والكوفيون، وأحمد بن حنبل: يُقضى عليه دون رد اليمين» اهـ. ٢٠ - وفيه دليل لصحة يمين الكافر أو الفاسق في الدعاوى إذا توجهت اليمين إليه. ٢١ - وفيه المبادرة بدفن الميت وعدم نقله من بلد إلى آخر. * * *

стр. 6621

٣٣٤ - عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ ﵁: «أَنَّ جَارِيَةً وُجِدَ رَأْسُهَا مَرْضُوضاً بَيْنَ حَجَرَيْنِ، فَقِيلَ مَنْ فَعَلَ هَذَا بِك: فُلانٌ، فُلانٌ؟ حَتَّى ذُكِرَ يَهُودِيٌّ، فَأَوْمَأَتْ بِرَأْسِهَا، فَأُخِذَ الْيَهُودِيُّ فَاعْتَرَفَ، فَأَمَرَ النَّبِيُّ ﷺ أَنْ يُرَضَّ رَأْسَهُ بَيْنَ حَجَرَيْنِ». وَلِمُسْلِمٍ وَالنَّسَائِيَّ عَنْ أَنَسٍ ﵁ «أَنَّ يَهُودِيّاً قَتَلَ جَارِيَةً عَلَى أَوْضَاحٍ، فَأَقَادَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ». قَوْلُهُ: «مَرْضُوضاً» أي: مرضوخاً، ومدقوقاً، ومكسوراً. وقَوْلُهُ: «عَلَى أَوْضَاحٍ» أي: بسبب أوضاح، وهي حجارة الفضة الغير مضروبة، ولا مصوغة إذا استعملت حلياً. والرواية التي عزاها للنسائي هي فيه (٤٧٤٠)، واللفظ له دون مسلم، وقد رواه البخاري (٦٨٧٩)، ومسلم (١٦٧٢) عَنْ أَنَسٍ ﵁، أَنَّ يَهُودِيًّا قَتَلَ جَارِيَةً عَلَى أَوْضَاحٍ لَهَا، فَقَتَلَهَا بِحَجَرٍ، فَجِيءَ بِهَا إِلَى النَّبِيِّ ﷺ وَبِهَا رَمَقٌ، فَقَالَ: «أَقَتَلَكِ فُلَانٌ؟» فَأَشَارَتْ

стр. 6622

بِرَأْسِهَا: أَنْ لَا، ثُمَّ قَالَ الثَّانِيَةَ، فَأَشَارَتْ بِرَأْسِهَا: أَنْ لَا، ثُمَّ سَأَلَهَا الثَّالِثَةَ، فَأَشَارَتْ بِرَأْسِهَا: أَنْ نَعَمْ، فَقَتَلَهُ النَّبِيُّ ﷺ بِحَجَرَيْنِ. وَفِي الْحَدِيْثِ مَسَائِلُ مِنْهَا: ١ - قتل الرجل بالمرأة. وقد سبقت هذه المسألة في شرح حديث ابن مسعود أول كتاب القصاص. ٢ - وفيه أنَّ الجاني يفعل به كما فعل بالمجني عليه مالم يكن حراماً. وهذا مذهب الجمهور، وخالفت في ذلك الحنفية، وسفيان الثوري، وعطاء، وقالوا: لا قود إلَّا بالسيف. وقد جاء في ذلك ما رواه ابن ماجة (٢٦٦٧) حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ الْمُسْتَمِرِّ الْعُرُوقِيُّ قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو عَاصِمٍ، عَنْ سُفْيَانَ، عَنْ جَابِرٍ، عَنْ أَبِي عَازِبٍ، عَنِ النُّعْمَانِ بْنِ بَشِيرٍ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: «لَا قَوَدَ إِلَّا بِالسَّيْفِ». قُلْتُ: هَذَا إِسْنَادٌ ضَعِيْفٌ جِداً جابر هو ابن يزيد الجعفي متروك الحديث وقد كذبه ابن معين وغيره، وأبو عازب مجهول الحال.

стр. 6623

ورواه ابن ماجة (٢٦٦٨) حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ الْمُسْتَمِرِّ قَالَ: حَدَّثَنَا الْحُرُّ بْنُ مَالِكٍ الْعَنْبَرِيُّ قَالَ: حَدَّثَنَا مُبَارَكُ بْنُ فَضَالَةَ، عَنِ الْحَسَنِ، عَنْ أَبِي بَكْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «لَا قَوَدَ إِلَّا بِالسَّيْفِ». قُلْتُ: مبارك مدلس وقد عنعن. وقد رواه موسى بن داود الضبي عن مبارك عن الحسن مرسلاً، وهو الأصح. وحديثه عند البيهقي في [الْكُبْرَى] (١٥٨٦٨). قَالَ الْحَافِظُ البَّزَارُ ﵀ فِي [مُسْنَدِهِ] (٩/ ١١٥): «وهذا الحديث لا نعلم أحداً أسنده بأحسن من هذا الإسناد عن رسول الله ﷺ ، ولا نعلم أحداً قال عن أبي بكرة إلَّا الحر بن مالك ولم يكن به بأس وأحسبه أخطأ في هذا الحديث؛ لأنَّ الناس يروونه عن الحسن مرسلاً» اهـ. قُلْتُ: وللحديث شواهد واهية لا نطيل الكلام بها. والصحيح مذهب الجمهور لهذا الحديث، ولقول الله تعالى: ﴿فَمَنِ اعْتَدَى عَلَيْكُمْ فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا اعْتَدَى عَلَيْكُمْ﴾ [البقرة: ١٩٤]، وقوله تعالى: ﴿وَإِنْ عَاقَبْتُمْ فَعَاقِبُوا بِمِثْلِ مَا عُوقِبْتُمْ بِهِ﴾ [النحل: ١٢٦]، وقوله تعالى: ﴿ذَلِكَ وَمَنْ عَاقَبَ بِمِثْلِ مَا عُوقِبَ بِهِ ثُمَّ بُغِيَ عَلَيْهِ لَيَنْصُرَنَّهُ اللَّهُ إِنَّ اللَّهَ لَعَفُوٌّ غَفُورٌ﴾ [الحج: ٦٠]، وقوله تعالى: ﴿وَجَزَاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِثْلُهَا﴾ [الشورى: ٤٠].

стр. 6624

قَالَ أَبُو الَوَلِيْدِ ابْنُ رُشْدٍ الْمَالِكِيُّ الْقُرْطُبِيُّ ﵀ فِي [المُقَدِمَاتِ] (٣/ ٢٨٩ - ٢٩٠): «فصل: فيما يجب به القصاص والقصاص يكون بأحد ثلاثة أشياء: إمَّا ببينة تقوم على القتل. وإمَّا باعتراف القاتل على نفسه. وإمَّا بقسامة أولياء المقتول بما تصح به القسامة على ما سنذكره في موضعه إن شاء الله. فإذا قامت البينة على القتل أو اعترف به القاتل على نفسه اقتص منه بمثل القتلة التي قتله بها إلَّا أن يكون قتله بالنار أو بالسم فاختلف في ذلك. قال ابن حبيب في الواضحة: إنَّه لا يقتل بالنار ولا بالسم لأنَّ ذلك من المثل. وظاهر ما في المدونة أنَّه يقتص منه بمثل القتلة التي قتله بها وإن كان قتله بالنار إذ لم يفرق فيها بين النار وغيره، وهو ظاهر قوله في السم أنَّه يقاد منه به. ومن أهل العلم من يرى أنَّه لا يكون القود إلَّا بالسيف. وأمَّا إن لم يثبت القتل بالبينة وإنَّما استحق دمه بالقسامة فلا يقتل إلَّا بالسيف» اهـ. قَالَ الْعَلَّامَةُ الْمَاوُرْدِي ﵀ فِي [الْحَاوِي] (١٢/ ١٤٠ - ١٤٣):

стр. 6625

«فَصْلٌ: فَإِذَا ثَبَتَ اعْتِبَارُ الْمُمَاثَلَةِ فِي الْقِصَاصِ بِكُلِّ مَا يُقْتَلُ بِمِثْلِهِ، فَهُوَ عَلَى الْعُمُومِ بِكُلِّ مَا قَتَلَ، إِلَّا بِثَلَاثَةِ أَشْيَاءَ: أَنْ يُقْتَلَ بِالسِّحْرِ، أَوْ بِاللِّوَاطِ، أَوْ بِسَقْيِ الْخَمْرِ، فَلَا يُقْتَلُ بِالسِّحْرِ وَإِنْ قَتَلَ وَلَا يُقْتَلُ باللواط وإن لاط به، وَلَا يُقْتَلُ بِسَقْيِ الْخَمْرِ وَإِنْ سَقَاهُ، وَيُعْدَلُ إِلَى قَتْلِهِ بِالسَّيْفِ. وَحُكِيَ عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ الْمَرْوَزِيِّ: أَنَّهُ يُقْتَلُ فِي قَتْلِ اللِّوَاطِ بِإِيلَاجِ خَشَبَةٍ، وَفِي سَقْيِ الْخَمْرِ بِسَقْيِ الْخَلِّ، وَهَذَا فَاسِدٌ، لِأَنَّهُ لَمَّا تَعَذَّرَتِ الْمُمَاثَلَةُ لِحَظْرِهَا عَلَى الْفَاعِلِ وَالْمَفْعُولِ بِهِ، وَلَمْ يَكُنْ فِي الْعُدُولِ عَنْهَا مُمَاثَلَةٌ، كَانَ السَّيْفُ أَحَقَّ، فَأَمَّا إِذَا قَتَلَ بِالسُّمِّ الْمَهْرِيِّ احْتَمَلَ الْقِصَاصُ بِمِثْلِهِ وَجْهَيْنِ: أَحَدُهُمَا: جَوَازُهُ اعْتِبَارًا بِإِمْكَانِهِ. وَالثَّانِي: لَا يَجُوزُ لِأَمْرَيْنِ: أَحَدُهُمَا: أَنَّهُ لَا يُمْكِنُ غُسْلُهُ، كَذَلِكَ وَهُوَ حَقٌّ لِلَّهِ تَعَالَى عَلَيْنَا. وَالثَّانِي: أَنَّهُ رُبَّمَا تَعَدَّى ذَلِكَ إِلَى مَنْ بَاشَرَ غُسْلَهُ وَتَكْفِينَهُ. فَصْلٌ:

стр. 6626

نَبْدَأُ بِمَا بَدَأَ بِهِ الْمُزَنِيُّ مِنْ حَرْقِهِ بِالنَّارِ، فَيَكُونُ الْوَلِيُّ بِالْخِيَارِ بَيْنَ أَنْ يَعْدِلَ عَنْ حَرْقِهِ بِالنَّارِ إِلَى قَتْلِهِ بِالسَّيْفِ، فَلَهُ ذَاكَ؛ لِأَنَّهُ أَوْجَى وَأَسَلُّ، فَيَضْرِبُ عُنُقَهُ، وَلَا يَعْدِلُ عَنْهُ، فَإِنْ عَدَلَ عَنِ الْعُنُقِ إِلَى غَيْرِهِ مِنْ جَسَدِهِ أَسَاءَ وَعُزِّرَ، وَقَدِ اسْتَوْفَى قِصَاصَهُ، وَإِنْ أَرَادَ أَنْ يَقْتَصَّ مِنْهُ بِإِحْرَاقِهِ بِالنَّارِ كَانَ لَهُ، وَرُوعِيَ مَا فَعَلَهُ الْجَانِي مِنْ إِحْرَاقِهِ فَإِنَّهُ عَلَى ضَرْبَيْنِ: أَحَدُهُمَا: أَنْ يَكُونَ قَدْ أَلْقَى عَلَيْهِ نَارًا، فَيَكُونُ الْوَلِيُّ بِالْخِيَارِ بَيْنَ أَنْ يُلْقِيَ عَلَيْهِ النَّارَ حَتَّى يَمُوتَ وَبَيْنَ إِلْقَائِهِ فِي النَّارِ، لِأَنَّهُ أَوْجَى. وَالضَّرْبُ الثَّانِي: أَنْ يَكُونَ قَدْ أَلْقَاهُ فِي النَّارِ، فَلِوَلِيِّهِ أَنْ يُلْقِيَهُ فِي النَّارِ، وَلَيْسَ لَهُ أَنْ يُلْقِيَ عَلَيْهِ النَّارَ، لِأَنَّهُ أَغْلَظُ عَذَابًا، وَإِذَا أَلْقَاهُ فِي النَّارِ كَانَ لَهُ أَنْ يُلْقِيَهُ فِي مِثْلِهَا وَمَا هُوَ أَكْثَرُ مِنْهَا، وَلَيْسَ لَهُ أَنْ يُلْقِيَهُ فِيمَا هُوَ أَقَلُّ مِنْهَا، لِأَنَّهُ أَغْلَظُ عَذَابًا، كَمَا لَوْ قَتَلَهُ بِسَيْفٍ، كَانَ لَهُ أَنْ يَقْتُلَهُ بِمِثْلِهِ وَمَا هُوَ أَمْضَى، وَلَيْسَ لَهُ أَنْ يَقْتُلَهُ بِمَا هُوَ أَقَلُّ، وَيُخْرَجُ مِنَ النَّارِ إِذَا مَاتَ قَبْلَ أَنْ يُشْوَى جِلْدُهُ، لِيُمْكِنَ غُسْلُهُ وَتَكْفِينُهُ، وَلَا تَمَاثُلَ بِالْمُحَرَّقِ إِنْ أَكلتهُ النَّارُ لِمَا عَلَيْنَا مِنِ اسْتِيفَاءِ جَسَدِهِ في حقوق الله تعالى. مسألة:

стр. 6627

قال الشافعي ﵁: "وإن ضَرَبَهُ بِحَجَرٍ فَلَمْ يُقْلِعْ عَنْهُ حَتَّى مَاتَ أعطي وليه حجراً مثله فقتله به، وقال بعض أصحابنا، إن لم يمت من عدد الضرب قتل بالسيف". قَالَ الْمَاوَرْدِيُّ: إِذَا قَتَلَهُ بِحَجَرٍ يَقْتُلُ مِثْلُهُ فِي الْغَالِبِ عَلَى مَا قَدَّمْنَاهُ وَجَبَ عَلَيْهِ الْقَوَدُ بِمِثْلِهِ، وَكَانَ لِوَلِيِّهِ الْخِيَارُ إِنْ شَاءَ عَدَلَ إِلَى الِاقْتِصَاصِ مِنْهُ بِالسَّيْفِ، لِأَنَّهُ أَوْجَى، وَإِنْ شَاءَ رَمَاهُ بِحَجَرٍ مِثْلِهِ فِي مِثْلِ الْمَوْضِعِ الَّذِي رَمَاهُ مِنْ بَدَنِ الْمَقْتُولِ إِنْ كَانَ فِي الرَّأْسِ رَمَاهُ عَلَى رَأْسِهِ، وَإِنْ كَانَ فِي الظَّهْرِ رَمَاهُ عَلَى ظَهْرِهِ، وَإِنْ كَانَ فِي الْبَطْنِ رَمَاهُ عَلَى بَطْنِهِ، وَلَا يَعْدِلُ عَنْ مَوْضِعِ الرَّمْيِ إِلَى غَيْرِهِ، فَإِنْ رَمَاهُ بِمِثْلِ مَا رمي فَمَاتَ فَقَدِ اسْتَوْفَى حَقَّهُ، وَإِنْ لَمْ يَمُتْ فَفِيهِ قَوْلَانِ: أَحَدُهُمَا: يُوَالِي رَمْيَهُ بِالْحَجَرِ وَيُكَرِّرُهُ حَتَّى يَمُوتَ أَوْ يَنْتَهِيَ إِلَى حَالَةٍ يَعْلَمُ قَطْعًا أَنَّهُ يَمُوتُ مِنْهَا، وَلَا تَطُولُ حَيَاتُهُ بَعْدَهَا، فَيُمْسِكُ عَنْهُ كَمَا يُمْسَكُ عَنِ مَضْرُوبِ الْعُنُقِ إِذَا بَقِيَتْ فِيهِ حَيَاةٌ، وَلَوْ قَتَلَهُ بِرَمْيِهِ حَتَّى يَمُوتَ كَانَ لَهُ وَجْهٌ كَالزَّانِي. وَالْقَوْلُ الثَّانِي: أَنْ يَعْدِلَ إِلَى قَتْلِهِ بِالسَّيْفِ إِذَا لَمْ يَمُتْ مِنْ رَمْيه بِمِثْلِ مَا رَمَى، لِأَنَّ السَّيْفَ أَوْجَى، وَهَكَذَا لَوْ كَانَ قَدْ ضَرَبَهُ بِعَصًا حَتَّى مَاتَ ضُرِبَ بِمِثْلِهَا وَبِمِثْلِ عَدَدِهَا، فَإِنْ ضَرَبَهُ ذَلِكَ الْعَدَدَ فَلَمْ يَمُتْ كَانَ عَلَى قَوْلَيْنِ:

стр. 6628

أَحَدُهُمَا: يُوَالِي عَلَيْهِ الضَّرْبَ حَتَّى يَمُوتَ. وَالثَّانِي: يَعْدِلُ إِلَى قَتْلِهِ بِالسَّيْفِ إِذَا لَمْ يَمُتْ مِنْ رَمْيه بِمِثْلِ مَا رَمَى، لِأَنَّ السَّيْفَ أَوْجَى، وَهَكَذَا لَوْ كَانَ قَدْ ضَرَبَهُ بِعَصًا حَتَّى مَاتَ ضُرِبَ بِمِثْلِهَا وَبِمِثْلِ عَدَدِهَا، فَإِنْ ضَرَبَهُ ذَلِكَ الْعَدَدَ فَلَمْ يَمُتْ كَانَ عَلَى قَوْلَيْنِ: أَحَدُهُمَا: يُوَالِي عَلَيْهِ الضَّرْبَ حَتَّى يَمُوتَ. وَالثَّانِي: يَعْدِلُ إِلَى قَتْلِهِ بِالسَّيْفِ، لَوْ أَلْقَاهُ مِنْ جَبَلٍ حَتَّى تَرَدَّى فَمَاتَ، أَوْ مِنْ جِدَارٍ أَوْ سَطْحِ دَارٍ وَأَرَادَ الْوَلِيُّ قَتْلَهُ فَعَلَ، وَإِنْ أَرَادَ إِلْقَاءَهُ مِنْ مِثْلِ ذَلِكَ الْمَوْضِعِ فَعَلَ، فَإِنْ لَمْ يَمُتْ فَعَلَى قَوْلَيْنِ: أَحَدُهُمَا: يُلْقَى حَتَّى يَمُوتَ. وَالثَّانِي: يَعْدِلُ بِهِ إِلَى قَتْلِهِ بِالسَّيْفِ، فَلَوْ أَلْقَاهُ مِنْ جِدَارٍ فَتَلَقَّاهُ رَجُلٌ مِنَ الأَرْضِ بِسَيْفِهِ فَقَدَّهُ نِصْفَيْنِ رُوعِيَ مَدَى الْعُلُوِّ، فَإِنْ كَانَ مِمَّا يَجُوزُ أَنْ يَعِيشَ مَنْ أُلْقِيَ مِنْهُ فَالْمُسْتَقْبِلُ لَهُ بِسَيْفِهِ هُوَ الْقَاتِلُ، وَإِنْ كان ذلك المدى بعيد لَا يَجُوزُ أَنْ يَعِيشَ مَنْ أُلْقِيَ مِنْهُ فَفِيهِ وَجْهَانِ: أَحَدُهُمَا: أَنَّ الْمُلْقِيَ هُوَ الْقَاتِلُ، لِأَنَّهُ بِإِلْقَائِهِ كَالْمُوجِي. وَالْوَجْهُ الثَّانِي: أَنَّ الْمُسْتَقْبِلَ لَهُ بِالسَّيْفِ هُوَ الْقَاتِلُ، لِمُبَاشَرَةِ التَّوْجِئَةِ.

стр. 6629

مَسْأَلَةٌ: قال المزني: "هكذا قال الشَّافِعِيُّ ﵀ فِي الْمَحْبُوسِ بِلَا طَعَامٍ وَلَا شَرَابٍ حَتَّى مَاتَ إِنَّهُ يُحْبَسُ فَإِنْ لَمْ يَمُتْ فِي تِلْكَ الْمُدَّةِ قُتِلَ بِالسَّيْفِ ". قَالَ الْمَاوَرْدِيُّ: أَمَّا إِذَا أَرَادَ الْوَلِيُّ أَنْ يَعْدِلَ عَنْ حَبْسِهِ إِلَى قَتْلِهِ بِالسَّيْفِ كَانَ لَهُ، وَإِنْ أَرَادَ أَنْ يَحْبِسَهُ بِلَا طَعَامٍ وَلَا شَرَابٍ جَازَ أَنْ يَحْبِسَهُ فِي ذَلِكَ الْمَحْبِسِ وَفِي غَيْرِهِ، لِأَنَّهُ لَيْسَ فِي اخْتِلَافِ الْمَحَابِسِ زِيَادَةٌ، ثُمَّ لَا يَخْلُو حَالُهُ إذا حبس من ثلاثة أحوال: أحدها: أَنْ يَمُوتَ كَأَنَّهُ قَدْ حَبَسَ الْمَقْتُولَ عَشَرَةَ أَيَّامٍ مَاتَ فِيهَا، فَحُبِسَ هُوَ فَمَاتَ فِي خَمْسَةِ أَيَّامٍ، فَالْوَاجِبُ إِخْرَاجُهُ لِيُوَارَى وَيُدْفَنَ، وَلَا يُتْرَكُ بَقِيَّةَ الْمُدَّةِ فَيَتَغَيَّرُ لَحْمُهُ. وَالْحَالُ الثَّانِيَةُ: أَنْ يَمُوتَ فِي مِثْلِهَا فَقَدْ تَسَاوَيَا فِي الْمُدَّةِ وَالتَّلَفِ. وَالْحَالُ الثَّالِثَةُ: أَنْ يُحْبَسَ مِثْلَ تِلْكَ الْمُدَّةِ فَلَا يَمُوتُ فِيهَا فَفِيهِ قَوْلَانِ: أَحَدُهُمَا: يُسْتَدَامُ حَبْسُهُ حَتَّى يَمُوتَ. وَالثَّانِي: يُقْتَلُ بِالسَّيْفِ بَعْدَ انْقِضَاءِ الْمُدَّةِ» اهـ. قُلْتُ: الذي يظهر لي أنَّ من قتل غيره بالإحراق بالنار فيقاصص بذلك ولا يدخل هذا في النهي لأنَّ النهي وارد في التعذيب بالنار ولا يدخل في ذلك القصاص.

стр. 6630

والذي يظهر لي أنَّ من قتل غيره بالضرب فإنَّه يراعي عدد الضرب ولا يضرب حتى يموت لما في ذلك من زيادة تعذيبه على مقدار جنايته، ويضرب بالسيف، وهكذا من حبس غيره حتى مات فيحبس بمقدار ذلك ثم ضرب بالسيف. وجمهور العلماء على من قتل غيره بما لا يحل فإنَّه يقتل بالسيف. قَالَ الْعَلَّامَةُ ابْنُ قُدَامَةَ ﵀ فِي [الْمُغْنِي] (٨/ ٣٠٤): «فَصْلٌ: وَإِنْ قَتَلَهُ بِغَيْرِ السَّيْفِ، مِثْلُ أَنْ قَتَلَهُ بِحَجَرٍ، أَوْ هَدْمٍ أَوْ تَغْرِيقٍ، أَوْ خَنْقٍ، فَهَلْ يَسْتَوْفِي الْقِصَاصَ بِمِثْلِ فِعْلِهِ؟ فِيهِ رِوَايَتَانِ: إحْدَاهُمَا: لَهُ ذَلِكَ. وَهُوَ قَوْلُ مَالِكٍ، وَالشَّافِعِيِّ. وَالثَّانِيَةُ: لَا يَسْتَوْفِي إلَّا بِالسَّيْفِ فِي الْعُنُقِ. وَبِهِ قَالَ أَبُو حَنِيفَةَ، فِيمَا إذَا قَتَلَهُ بِمُثْقَلِ الْحَدِيدِ، عَلَى إحْدَى الرِّوَايَتَيْنِ عِنْدَهُ، أَوْ جَرَحَهُ فَمَاتَ. وَوَجْهُ الرِّوَايَتَيْنِ مَا تَقَدَّمَ فِي أَوَّلِ الْمَسْأَلَةِ، وَلِأَنَّ هَذَا لَا تُؤْمَنُ مَعَهُ الزِّيَادَةُ عَلَى مَا فَعَلَهُ الْجَانِي، فَلَا يَجِبُ الْقِصَاصُ بِمِثْلِ آلَتِهِ، كَمَا لَوْ قَطَعَ الطَّرَفَ بِآلَةٍ كَالَّةٍ، أَوْ مَسْمُومَةٍ، أَوْ بِالسَّيْفِ، فَإِنَّهُ لَا يُسْتَوْفَى بِمِثْلِهِ، وَلِأَنَّ هَذَا لَا يُقْتَلُ بِهِ الْمُرْتَدُّ، فَلَا يُسْتَوْفَى بِهِ الْقِصَاصُ، كَمَا لَوْ قَتَلَهُ بِتَجْرِيعِ الْخَمْرِ، أَوْ بِالسِّحْرِ، وَلَا تَفْرِيعَ عَلَى هَذِهِ الرِّوَايَةِ.

стр. 6631

فَأَمَّا عَلَى الرِّوَايَةِ الْأُخْرَى، فَإِنَّهُ إذَا فَعَلَ بِهِ مِثْلَ فِعْلِهِ فَلَمْ يَمُتْ، قَتَلَهُ بِالسَّيْفِ. وَهَذَا أَحَدُ قَوْلَيْ الشَّافِعِيِّ. وَالْقَوْلُ الثَّانِي: أَنَّهُ يُكَرِّرُ عَلَيْهِ ذَلِكَ الْفِعْلَ حَتَّى يَمُوتَ بِهِ؛ لِأَنَّهُ قَتَلَهُ بِذَلِكَ، فَلَهُ قَتْلُهُ بِمِثْلِهِ. وَلَنَا، أَنَّهُ قَدْ فَعَلَ بِهِ مِثْلَ فِعْلِهِ، فَلَمْ يَزِدْ عَلَيْهِ، كَمَا لَوْ جَرَحَهُ جُرْحًا، أَوْ قَطَعَ مِنْهُ طَرَفًا، فَاسْتَوْفَى مِنْهُ الْوَلِيُّ مِثْلَهُ فَلَمْ يَمُتْ بِهِ، فَإِنَّهُ لَا يُكَرِّرُ عَلَيْهِ الْجُرْحَ، بِغَيْرِ خِلَافٍ، وَيَعْدِلُ إلَى ضَرْبِ عُنُقِهِ، فَكَذَا هَاهُنَا. فَصْلٌ: وَإِنْ قَتَلَهُ بِمَا لَا يَحِلُّ لِعَيْنِهِ، مِثْلَ إنْ لَاطَ بِهِ فَقَتَلَهُ، أَوْ جَرَّعَهُ خَمْرًا أَوْ سَحَرَهُ، لَمْ يُقْتَلْ بِمِثْلِهِ اتِّفَاقًا، وَيَعْدِلُ إلَى الْقَتْلِ بِالسَّيْفِ. وَحَكَى أَصْحَابُ الشَّافِعِيِّ، فِي مَنْ قَتَلَهُ بِاللِّوَاطِ وَتَجْرِيعِ الْخَمْرِ، وَجْهًا آخَرَ، أَنَّهُ يُدْخِلُ فِي دُبُرِهِ خَشَبَةً يَقْتُلُهُ بِهَا، وَيُجَرِّعُهُ الْمَاءَ حَتَّى يَمُوتَ. وَلَنَا، أَنَّ هَذَا مُحَرَّمٌ لِعَيْنِهِ، فَوَجَبَ الْعُدُولُ عَنْهُ إلَى الْقَتْلِ بِالسَّيْفِ، كَمَا لَوْ قَتَلَهُ بِالسِّحْرِ. وَإِنْ حَرَّقَهُ، فَقَالَ بَعْضُ أَصْحَابِنَا: لَا يُحَرَّقُ؛ لِأَنَّ التَّحْرِيقَ مُحَرَّمٌ لِحَقِّ اللَّهِ تَعَالَى؛ لِقَوْلِ النَّبِيِّ ﷺ : "لَا يُعَذِّبُ بِالنَّارِ إلَّا رَبُّ النَّارِ". وَلِأَنَّهُ دَاخِلٌ فِي عُمُومِ الْخَبَرِ. وَهَذَا مَذْهَبُ أَبِي حَنِيفَةَ. وَقَالَ الْقَاضِي: الصَّحِيحُ أَنَّ

стр. 6632

فِيهِ رِوَايَتَيْنِ، كَالتَّغْرِيقِ؛ إحْدَاهُمَا، يُحَرَّقُ. وَهُوَ مَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ؛ لِمَا رَوَى الْبَرَاءُ بْنُ عَازِبٍ، أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: مَنْ "حَرَّقَ حَرَّقْنَاهُ، وَمَنْ غَرَّقَ غَرَّقْنَاهُ". وَحَمَلُوا الْحَدِيثَ الْأَوَّلَ عَلَى غَيْرِ الْقِصَاصِ فِي الْمُحْرَقِ» اهـ. قُلْتُ: هذا الحديث الذي ذكره ابن قدامة رواه البيهقي في [الْمَعْرِفَةِ] (١٢/ ٤٠٩) برقم (١٧١٨٥) أَنْبَأَنِيهِ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ، إِجَازَةً، أَخْبَرَنَا أَبُو الْوَلِيدِ، حَدَّثَنَا الْحَسَنُ هُوَ ابْنُ سُفْيَانَ، قَالَ: وَفِيمَا أَجَازَ لِي عُثْمَانُ بْنُ سَعِيدٍ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ أَبِي بَكْرٍ الْمُقَدَّمِيُّ، عَنْ بِشْرِ بْنِ حَازِمٍ،. فَذَكَرَهُ، وَزَادَ فِيهِ فِي مَوْضِعٍ آخَرَ بِهَذَا الْإِسْنَادِ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: «مَنْ حَرَّقَ حَرَقْنَاهُ» زَادَ فِيهِ غَيْرُهُ عَنْ عُثْمَانَ بْنِ سَعِيدٍ بِإِسْنَادِهِ قَالَ: «وَمَنْ غَرَّقَ غَرَّقْنَاهُ». وَفِي هَذَا الْإِسْنَادِ بَعْضُ مَنْ يُجْهَلُ اهـ. مسألة: في قصاص الأعضاء قبل القَوَد. قَالَ الْعَلَّامَةُ ابْنُ قُدَامَةَ ﵀ فِي [الْمُغْنِي] (٨/ ٣٠١): «مَسْأَلَةٌ: قَالَ: (وَإِذَا قَطَعَ يَدَيْهِ وَرِجْلَيْهِ، ثُمَّ عَادَ فَضَرَبَ عُنُقَهُ قَبْلَ أَنْ تَنْدَمِلَ جِرَاحُهُ، قُتِلَ، وَلَمْ تُقْطَعْ يَدُهُ وَلَا رِجْلَاهُ، فِي إحْدَى الرِّوَايَتَيْنِ عَنْ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ، رَحِمَهُ

стр. 6633

اللَّهُ. وَالرِّوَايَةُ الْأُخْرَى، قَالَ: إنَّهُ لَأَهْلٌ أَنْ يُفْعَلَ بِهِ كَمَا فَعَلَ. فَإِنْ عَفَا عَنْهُ الْوَلِيُّ، فَعَلَيْهِ دِيَةٌ وَاحِدَةٌ). وَجُمْلَةُ ذَلِكَ أَنَّ الرَّجُلَ إذَا جَرَحَ رَجُلًا، ثُمَّ ضَرَبَ عُنُقَهُ قَبْلَ انْدِمَالِ الْجُرْحِ، فَالْكَلَامُ فِي الْمَسْأَلَةِ فِي حَالَيْنِ: أَحَدُهُمَا: أَنْ يَخْتَارَ الْوَلِيُّ الْقِصَاصَ، فَاخْتَلَفْت الرِّوَايَةُ عَنْ أَحْمَدَ فِي كَيْفِيَّةِ الِاسْتِيفَاءِ؛ فَرُوِيَ عَنْهُ؛ لَا يَسْتَوْفِي إلَّا بِالسَّيْفِ فِي الْعُنُقِ. وَبِهِ قَالَ عَطَاءٌ، وَالثَّوْرِيُّ، وَأَبُو يُوسُفَ، وَمُحَمَّدٌ؛ لِمَا رُوِيَ عَنْ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُ قَالَ: "لَا قَوَدَ إلَّا بِالسَّيْفِ". رَوَاهُ ابْنُ مَاجَهْ. وَلِأَنَّ الْقِصَاصَ أَحَدُ بَدَلَيْ النَّفْسِ، فَدَخَلَ الطَّرَفُ فِي حُكْمِ الْجُمْلَةِ، كَالدِّيَةِ، فَإِنَّهُ لَوْ صَارَ الْأَمْرُ إلَى الدِّيَةِ، لَمْ تَجِبْ إلَّا دِيَةُ النَّفْسِ؛ وَلِأَنَّ الْقَصْدَ مِنْ الْقِصَاصِ فِي النَّفْسِ تَعْطِيلُ الْكُلِّ، وَإِتْلَافُ الْجُمْلَةِ، وَقَدْ أَمْكَنَ هَذَا بِضَرْبِ الْعُنُقِ، فَلَا يَجُوزُ تَعْذِيبُهُ بِإِتْلَافِ أَطْرَافِهِ، كَمَا لَوْ قَتَلَهُ بِسَيْفٍ كَالٍّ، فَإِنَّهُ لَا يُقْتَلُ بِمِثْلِهِ. وَالرِّوَايَةُ الثَّانِيَةُ عَنْ أَحْمَدَ، قَالَ: إنَّهُ لَأَهْلٌ أَنْ يُفْعَلَ بِهِ كَمَا فَعَلَ. يَعْنِي أَنَّ لِلْمُسْتَوْفِي أَنْ يَقْطَعَ أَطْرَافَهُ، ثُمَّ يَقْتُلَهُ. وَهَذَا مَذْهَبُ عُمَرَ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ، وَمَالِكٍ، وَالشَّافِعِيِّ، وَأَبِي حَنِيفَةَ، وَأَبِي ثَوْرٍ؛ لِقَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى: ﴿وَإِنْ عَاقَبْتُمْ فَعَاقِبُوا بِمِثْلِ مَا عُوقِبْتُمْ

стр. 6634

بِهِ﴾ [النحل: ١٢٦] وَقَوْلِهِ سُبْحَانَهُ: ﴿فَمَنِ اعْتَدَى عَلَيْكُمْ فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا اعْتَدَى عَلَيْكُمْ﴾ [البقرة: ١٩٤]» اهـ. قُلْتُ: مذهب الجمهور أصح. ٣ - واحتج به من قال: إنَّ القتل الغِيلة لا يشترط فيه إذن الولي. قَالَ الْعَلَّامَةُ ابْنُ الْقَيِّمِ ﵀ فِي [زَادِ الْمَعَادِ] (٥/ ٩): «فإنَّ رسول الله ﷺ لم يدفعه إلى أوليائها، ولم يقل: إن شئتم فاقتلوه، وإن شئتم فاعفوا عنه، بل قتله حتماً، وهذا مذهب مالك، واختيار شيخ الإسلام ابن تيمية، ومن قال: إنَّه فعل ذلك لنقض العهد، لم يصح، فإنَّ ناقض العهد لا ترضخ رأسه بالحجارة، بل يقتل بالسيف» اهـ. وَقَالَ ﵀ فِي [زَادِ الْمَعَادِ] (٤/ ٤٩) - عند كلامه على فوائد حديث العرنيين -: «وعلى أنَّ قتل الغيلة يوجب قتل القاتل حداً، فلا يسقطه العفو، ولا تعتبر فيه المكافأة، وهذا مذهب أهل المدينة، وأحد الوجهين في مذهب أحمد، اختاره شيخنا، وأفتى به» اهـ. وَقَالَ ابْنُ مَنْصُورٍ الْكَوْسَجُ ﵀ فِي [مَسَائِلهِ لِأَحْمَدَ وِإسْحَاقَ] (٧/ ٣٣٦٩):

стр. 6635

«قال إسحاق: كما قال، لا يجوز في ذلك عفو الأولياء، كذلك قتل الغيلة، هو إلى السلطان» اهـ. ولإسحاق رواية أخرى كقول الجمهور. قُلْتُ: وجمهور العلماء يشترطون إذن الولي في القَوَد. والغِيلة: هو القتل على وجه التحيل والخديعة إمَّا لأخذ مال، أو انتهاك عرض أو غير ذلك. قُلْتُ: وحجة الجمهور عموم الأدلة كقوله تعالى: ﴿وَمَنْ قُتِلَ مَظْلُومًا فَقَدْ جَعَلْنَا لِوَلِيِّهِ سُلْطَانًا فَلَا يُسْرِفْ فِي الْقَتْلِ إِنَّهُ كَانَ مَنْصُورًا﴾ [الإسراء: ٣٣]. وما رواه البخاري (٢٤٣٤)، ومسلم (١٣٥٥) عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «وَمَنْ قُتِلَ لَهُ قَتِيلٌ فَهْوَ بِخَيْرِ النَّظَرَيْنِ إِمَّا أَنْ يُفْدَى وَإِمَّا أَنْ يُقِيدَ». فلم يفرق الله بين قتل وقتل. وَجَاءَ فِي [أَبْحَاثِ هَيْئَةِ كِبَارِ الْعُلَمَاءِ] (٣/ ٤٣٦ - ٤٣٨): «الحمد لله وحده، والصلاة والسلام على من لا نبي بعده، وبعد:

стр. 6636

فبناء على ما تقرر في الدورة (السادسة) لهيئة كبار العلماء، بأن تعد اللجنة الدائمة للبحوث العلمية والإفتاء بحثا في الغيلة، وقد أعدته وأدرج في جدول أعمال الهيئة في الدورة السابعة المنعقدة في الطائف من ٢\ ٨\ ١٣٩٥ هـ إلى ١١\ ٨\ ١٣٩٥ هـ. وقد عرض البحث على الهيئة، وبعد قراءته في المجلس ومناقشة المجلس لكلام أهل العلم في تعريف الغيلة في اللغة وعند الفقهاء، وما ذكر من المذاهب والأدلة والمناقشة في عقوبة القاتل قتل غيلة هل هو القصاص أو الحد؟ وتداول الرأي، وحيث أنَّ أهل العلم ذكروا أنَّ قتل الغيلة ما كان عمداً عدواناً على وجه الحيلة والخداع، أو على وجه يأمن معه المقتول من غائلة القاتل، سواء كان على مال أو لانتهاك عرض، أو خوف فضيحة وإفشاء سرها، أو نحو ذلك، كأن يخدع إنسان شخصاً حتى يأمن منه ويأخذه إلى مكان لا يراه فيه أحد، ثم يقتله، وكأن يأخذ مال رجل بالقهر ثم يقتله؛ خوفاً من أن يطالبه بما أخذ، وكأن يقتله لأخذ زوجته أو ابنته، وكأن تقتل الزوجة زوجها في مخدعه أو منامه- مثلاً- للتخلص منه، أو العكس ونحو ذلك. لذا قرر المجلس بالإجماع-ما عدا الشيخ صالح بن غصون - أنَّ القاتل قتل غيلة يقتل حداً لا قصاصاً، فلا يقبل ولا يصح فيه العفو من أحد.

стр. 6637

والأصل في ذلك الكتاب والسنة والأثر والمعنى: أمَّا الكتاب: فقوله تعالى: ﴿إِنَّمَا جَزَاءُ الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَسْعَوْنَ فِي الْأَرْضِ فَسَادًا أَنْ يُقَتَّلُوا﴾ الآية. وقتل الغيلة نوع من الحرابة فوجب قتله حداً لا قوداً. وأمَّا السنة: فما ثبت في الصحيحين، عن النبي ﷺ ، أنَّ يهودياً رض رأس جارية بين حجرين على أوضاح لها أو حلي فأخذ واعترف، فأمر رسول الله ﷺ أن يرض رأسه بين حجرين. فأمر ﷺ بقتل اليهودي، ولم يرد الأمر إلى أولياء الجارية، ولو كان القتل قصاصاً لرد الأمر إليهم؛ لأنَّهم أهل الحق، فدل أنَّ قتله حداً لا قوداً. وأمَّا الأثر: فما ثبت عن عمر بن الخطاب ﵁ أنَّه قتل نفراً خمسة أو سبعة برجل واحد قتلوه غيلة، وقال: لو تمالأ عليه أهل صنعاء لقتلتهم جميعاً. فهذا حكم الخليفة الراشد في قتل الغيلة، ولا نعلم نقلاً يدل على أنَّه رد الأمر إلى الأولياء، ولو كان الحق لهم لرد الأمر إليهم على أنَّه يقتل حداً لا قوداً. وأمَّا المعنى: فإنَّ قتل الغيلة حق لله، وكل حق يتعلق به حق الله تعالى فلا عفو فيه لأحد، كالزكاة وغيرها، ولأنَّه يتعذر الاحتراز منه كالقتل مكابرة. وبالله التوفيق، وصلى الله وسلم على نبينا محمد، وآله وصحبه» اهـ.

стр. 6638

وَجَاءَ فِي [فَتَاوَى وَرَسَائِلَ مُحَمَدِ بْنِ إِبْرَاهِيْمَ آل الْشَّيْخِ] (١١/ ٢٣٦): «والأرجح في هذه المسألة هو ما اختاره الشيخ تقي الدين وتلميذه ابن القيم رحمهما الله، وما هو مشهور في مذهب إمام دار الهجرة مالك بن أنس ﵀ من أنَّه لا يصح العفو في مثل هذه القضية، حيث أنَّها من قتل الغيلة، ولما فيها من الفساد العام والخطر العظيم على أمن المسلمين» اهـ. قُلْتُ: هذا مذهب قوي، وفيه ما لا يخفى من المصلحة العامة. ٤ - وفيه ثبوت القصاص بالقتل بالمثقل. وهو مذهب الجمهور خلافاً للحنفية، وقد سبقت هذه المسألة في شرح حديث ابن مسعود. ٥ - وفيه أنَّ الإشارة في حق غير القادر على القول تنزل منزلة القول. ٦ - وفيه قتل الكبير بالصغير، والكافر بالمسلم، وهذا مما لا نزاع فيه. ٧ - وفيه الأخذ بالإقرار. ٨ - وفيه جواز سؤال القتيل قبل موته من قتله. * * *

стр. 6639

٣٣٥ - عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ: «لَمَّا فَتَحَ اللَّهُ - تَعَالَى - عَلَى رَسُولِهِ ﷺ مَكَّةَ قَتَلَتْ هُذَيْلٌ رَجُلاً مِنْ بَنِي لَيْثٍ بِقَتِيلٍ كَانَ لَهُمْ فِي الْجَاهِلِيَّةِ، فَقَامَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فَقَالَ: "إنَّ اللَّهَ قَدْ حَبَسَ عَنْ مَكَّةَ الْفِيلَ، وَسَلَّطَ عَلَيْهَا رَسُولَهُ وَالْمُؤْمِنِينَ، وَإِنَّهَا لَمْ تَحِلَّ لأَحَدٍ كَانَ قَبْلِي، وَلا تَحِلُّ لأَحَدٍ بَعْدِي، وَإِنَّمَا أُحِلَّتْ لِي سَاعَةً مِنْ نَهَارٍ، وَإِنَّهَا سَاعَتِي هَذِهِ: حَرَامٌ، لا يُعْضَدُ شَجَرُهَا، وَلا يُخْتَلَى خَلاهَا، وَلا يُعْضَدُ شَوْكُهَا، وَلا تُلْتَقَطُ سَاقِطَتُهَا إلَّا لِمُنْشِدٍ. وَمَنْ قُتِلَ لَهُ قَتِيلٌ: فَهُوَ بِخَيْرِ النَّظَرَيْنِ: إمَّا أَنْ يَقْتُلَ، وَإِمَّا أَنْ يُودِيَ"، فَقَامَ رَجُلٌ مِنْ أَهْلِ الْيَمَنِ - يُقَالُ لَهُ: أَبُو شَاهٍ فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، اُكْتُبُوا لِي فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "اُكْتُبُوا لأَبِي شَاهٍ"، ثُمَّ قَامَ الْعَبَّاسُ فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، إلَّا الإذْخِرَ، فَإِنَّا نَجْعَلُهُ فِي بُيُوتِنَا وَقُبُورِنَا. فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "إلَّا الإِذْخِرَ"». قَوْلُهُ: «بِخَيْرِ النَّظَرَيْنِ» أي الرأيين. وَقَوْلُهُ: «إلَّا الإِذْخِرَ».

стр. 6640

قَالَ الْحِافِظُ ابْنُ حَجَرٍ ﵀ فِي [فَتْحِ الْبَارِي] (٤/ ٤٩): «والإذخر نبت معروف عند أهل مكة طيب الريح له أصل مندفن وقضبان دقاق ينبت في السهل والحزن، وبالمغرب صنف منه فيما قاله ابن البيطار قال: والذي بمكة أجوده، وأهل مكة يسقفون به البيوت بين الخشب ويسدون به الخلل بين اللبنات في القبور ويستعملونه بدلاً من الحلفاء في الوقود» اهـ. وقَوْلُهُ: «أَبُو شَاه» قَالَ الْحِافِظُ ابْنُ حَجَرٍ ﵀ فِي [الْإِصَابَةِ] (٧/ ٢٠٢): «أبو شاه اليماني يقال إنَّه كلبي ويقال إنَّه فارسي من الأبناء الذين قدموا اليمن في نصرة سيف بن ذي يزن كذا رأيت بخط السلفي. وقيل إنَّ هاءه أصلية وهو بالفارسي معناه الملك قال: ومن ظن أنَّه باسم أحد الشياه فقد وهم انتهى. وقد ثبت ذكره في الصحيحين في حديث أبي هريرة في خطبة النبي ﷺ يوم الفتح فقام رجل يقال له أبو شاه فقال: اكتبوا لي يا رسول الله. فقال: "اكتبوا لأبي شاه" يعني الخطبة المذكورة» اهـ. قُلْتُ: كثير من ألفاظ الحديث سبق الكلام عليها في حديث أبي شريح وابن عباس ﵄ في باب حرمة مكة من كتاب الحج. وَفِي الْحَدِيْثِ مَسَائِلُ مِنْهَا:

стр. 6641

١ - حرمة مكة. ٢ - وفيه أنَّ مكة فتحت عَنوة ولم تفتح صلحاً. وقد سبقت هذه المسألة في "باب حرمة مكة". عند شرحنا لحديث أبي شريح. ٣ - أنَّه لا يجوز قطع شجر مكة، وقد سبق الكلام على ذلك عند شرحنا لحديث أبي شريح. ٤ - وفيه أنَّ لقطة مكة لا تحل إلَّا لمنشد. وقد سبق الكلام على ذلك في شرح حديث ابن عباس في كتاب الحج. ٥ - وفيه أنَّه لا يتعين القَوَد. وقد سبق الكلام على ذلك في شرح حديث ابن مسعود في أول كتاب القصاص. ٦ - وفيه حجة للجمهور على جواز كتابة الحديث. وجاء في النهي عن ذلك ما رواه مسلم (٣٠٠٤) حَدَّثَنَا هَدَّابُ بْنُ خَالِدٍ الْأَزْدِيُّ، حَدَّثَنَا هَمَّامٌ، عَنْ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ، عَنْ عَطَاءِ بْنِ يَسَارٍ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ، أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَالَ: «لَا تَكْتُبُوا عَنِّي، وَمَنْ كَتَبَ عَنِّي غَيْرَ الْقُرْآنِ فَلْيَمْحُهُ، وَحَدِّثُوا عَنِّي، وَلَا حَرَجَ، وَمَنْ كَذَبَ عَلَيَّ - قَالَ هَمَّامٌ: أَحْسِبُهُ قَالَ - مُتَعَمِّدًا فَلْيَتَبَوَّأْ مَقْعَدَهُ مِنَ النَّارِ».

стр. 6642

قَالَ الْعَلَّامَةُ الْقُرْطُبِي ﵀ فِي [الْمُفْهِم] (١١/ ٢٥): «وقَوْلُهُ: "اكتبوا لأبي شاه"؛ دليل على جواز كتابة العلم، وهو مذهب الجمهور. وقد كرهه قومٌ من أهل العلم؛ تمسُّكًا بحديث أبي سعيد الآتي في كتاب العلم، وكان محمل النهي الذي في حديث أبي سعيد إنَّما هو لئلا يتكل الناطق على الكتب، ويتركوا الحفظ، أو لئلا يُخلط بالقرآن غيرُه؟ لقوله في الحديث نفسه: "من كتب عني شيئًا سوى القرآن فليمحه"» اهـ. وقَالَ الْعَلَّامَةُ الْنَوَوِي ﵀ فِي [شَرْحِ مُسْلِمٍ] (٩/ ٣٨٩): «قال القاضي: كان بين السلف من الصحابة والتابعين اختلاف كثير في كتابة العلم، فكرهها كثيرون منهم، وأجازها أكثرهم، ثم أجمع المسلمون على جوازها، وزال ذلك الخلاف. واختلفوا في المراد بهذا الحديث الوارد في النهي، فقيل: هو في حق من يوثق بحفظه، ويخاف اتكاله على الكتابة إذا كتب. وتحمل الأحاديث الواردة بالإباحة على من لا يوثق بحفظه كحديث: "اكتبوا لأبي شاه" وحديث صحيفة عليّ ﵁، وحديث كتاب عمرو بن حزم الذي فيه الفرائض والسنن والديات. وحديث كتاب الصدقة ونصب الزكاة الذي بعث به أبو بكر ﵁ أنساً

стр. 6643

﵁ حين وجهه إلى البحرين، وحديث أبي هريرة أنَّ ابن عمرو بن العاص كان يكتب ولا أكتب، وغير ذلك من الأحاديث. وقيل: إنَّ حديث النهي منسوخ بهذه الأحاديث، وكان النهي حين خيف اختلاطه بالقرآن فلما أمن ذلك أذن في الكتابة، وقيل: إنَّما نهى عن كتابة الحديث مع القرآن في صحيفة واحدة؛ لئلا يختلط، فيشتبه على القارئ في صحيفة واحدة. والله أعلم» اهـ. وقَالَ شَيْخُ الْإِسْلَامِ ابْنُ تَيْمِيَّةَ ﵀ كَمَا فِي [مَجْمُوْعِ الْفَتَاوَى] (٢٠/ ٣٢١ - ٣٢٢): «فإنَّ الناس على عهد رسول الله ﷺ كانوا يكتبون القرآن وكان النبي ﷺ قد نهاهم أن يكتبوا عنه غير القرآن وقال: "من كتب عني شيئاً غير القرآن فليمحه"، ثم نسخ ذلك عند جمهور العلماء؛ حيث أذن في الكتابة لعبد الله بن عمرو. وقال: "اكتبوا لأبي شاه". وكتب لعمرو بن حزم كتاباً. قالوا: وكان النهي أولاً خوفاً من اشتباه القرآن بغيره ثم أذن لما أمن ذلك فكان الناس يكتبون من حديث رسول الله ﷺ ما يكتبون وكتبوا أيضاً غيره» اهـ.

стр. 6644

وَقَالَ الْعَلَّامَةُ ابْنُ الْقَيِّمِ ﵀ فِي [زَادِ الْمَعَادِ] (٣/ ٤٥٧ - ٤٥٨): «وفي القصة: أنَّ رجلاً من الصحابة يقال له: أبو شاه، قام، فقال: اكتبوا لي، فقال النبي ﷺ : "اكتبوا لأبي شاه"، يريد خطبته، ففيه دليل على كتابة العلم، ونسخ النهى عن كتابة الحديث، فإنَّ النبي ﷺ قال: "من كتب عني شيئاً غير القرآن، فليمحه" وهذا كان في أول الإسلام خشية أن يختلط الوحي الذى يتلى بالوحي الذي لا يتلى، ثم أذن في الكتابة لحديثه. وصح عن عبد الله بن عمرو أنَّه كان يكتب حديثه، وكان مما كتبه صحيفة تسمى الصادقة، وهي التي رواها حفيده عمرو بن شعيب، عن أبيه عنه، وهي من أصح الأحاديث، وكان بعض أئمة أهل الحديث يجعلها في درجة أيوب عن نافع عن ابن عمر، والأئمة الأربعة وغيرهم احتجوا بها» اهـ. وَقَالَ ﵀ فِي [تَهْذِيْبِ السُّنَنِ] (٢/ ٢١٩ - ٢٢٠): «قد صح عن النبي ﷺ النهي عن الكتابة والإذن فيها، والإذن متأخر، فيكون ناسخاً لحديث النهي، فإنَّ النبي ﷺ قال في غزاة الفتح "اكتبوا لأبي شاه" يعني خطبته التي سأل أبو شاة كتابتها، وأذن لعبد الله بن عمرو في الكتابة، وحديثه متأخر عن النهي لأنهَّ لم يزل يكتب، ومات وعنده كتابته وهي الصحيفة

стр. 6645

التي كان يسميها "الصادقة" ولو كان النهي عن الكتابة متأخراً لمحاها عبد الله لأمر النبي ﷺ بمحو ما كتب عنه غير القرآن، فلما لم يمحها وأثبتها دل على أنَّ الإذن في الكتابة متأخر عن النهي عنها، وهذا واضح. والحمد لله. وقد صح عن النبي ﷺ أنَّه قال لهم في مرض موته "ائتوني باللوح والدواة والكتف لأكتب لكم كتاباً لا تضلوا بعده أبداً". هذا إنَّما كان يكون كتابة كلامه بأمره وإذنه. وكتب النبي ﷺ لعمرو بن حزم كتاباً عظيماً في الديات وفرائض الزكاة وغيرها، وكتبه في الصدقات معروفة مثل كتاب عمر بن الخطاب وكتاب أبي بكر الصديق الذي دفعه إلى أنس وقيل لعلي: هل خصكم رسول الله ﷺ بشيء؟ فقال: لا، والذي فلق الحبة وبرأ النسمة إلَّا ما في هذه الصحيفة، وكان فيها العقول وفكاك الأسير، وأن لا يقتل مسلم بكافر. وإنَّما نهى النبي ﷺ عن كتابة غير القرآن في أول الإسلام لئلا يختلط القرآن بغيره فلما علم القرآن وتميز وأفرد بالضبط والحفظ وأمنت عليه مفسدة الاختلاط أذن في الكتابة. وقد قال بعضهم: إنَّما كان النهي عن كتابة مخصوصة وهي أن يجمع بين كتابة الحديث والقرآن في صحيفة واحدة خشية الالتباس. وكان بعض السلف يكره الكتابة مطلقاً. وكان بعضهم يرخص

стр. 6646

فيها حتى يحفظ فإذا حفظ محاها. وقد وقع الاتفاق على جواز الكتابة وإبقائها، ولولا الكتابة ما كان بأيدينا اليوم من السنة إلَّا أقل القليل» اهـ. قُلْتُ: وفي الباب ما رواه أحمد (٦٩٣٠) حَدَّثَنَا يَزِيدُ بْنُ هَارُونَ، وَمُحَمَّدُ بْنُ يَزِيِدَ، قَالَا: أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ إِسْحَاقَ، عَنْ عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ جَدِّهِ، قَالَ: قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، أَكْتُبُ مَا أَسْمَعُ مِنْكَ؟ قَالَ: «نَعَمْ»، قُلْتُ: فِي الرِّضَا وَالسُّخْطِ؟ قَالَ: «نَعَمْ، فَإِنَّهُ لَا يَنْبَغِي لِي أَنْ أَقُولَ فِي ذَلِكَ إِلَّا حَقًّا» قَالَ مُحَمَّدُ بْنُ يَزِيدَ، فِي حَدِيثِهِ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، إِنِّي أَسْمَعُ مِنْكَ أَشْيَاءَ، فَأَكْتُبُهَا؟ قَالَ: «نَعَمْ». قُلْتُ: فيه عنعنة ابن إسحاق، وقد جاء من غير طريقه عند الحاكم في [الْمُسْتَدْرَكِ] (٣٥٨)، وفيه رجل مختلط، فَالْحَدِيْثُ حَسَنٌ من هذين الطريقين. والله أعلم. * * *

стр. 6647

٣٣٦ - عَنْ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ ﵁ أَنَّهُ اسْتَشَارَ النَّاسَ فِي إِمْلاصِ الْمَرْأَةِ، فَقَالَ الْمُغِيرَةُ بْنُ شُعْبَةَ: «شَهِدْت النَّبِيَّ ﷺ قَضَى فِيهِ بِغُرَّةٍ - عَبْدٍ أَوْ أَمَةٍ - فَقَالَ: لَتَأْتِيَنَّ بِمَنْ يَشْهَدُ مَعَك، فَشَهِدَ مَعَهُ مُحَمَّدُ بْنُ مَسْلَمَةَ». إمْلاصُ الْمَرْأَةِ: أَنْ تُلْقيَ جنينَها مَيْتاً. الإِمْلاص: يدل على معنى الانزلاق فكل ما انزلق من اليد فقد ملص، ومنه سمى الجنين المنزلق من رحم المرأة قبل أوانه ميتاً إملاصاً. وَفِي الْحَدِيْثِ مَسَائِلُ مِنْهَا: ١ - أنَّ دية الجنين إذا ألقي ميتاً غرة عبد أو أمة. وقد جاء الحديث في البخاري (٦٧٤٠)، ومسلم (١٦٨١) عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، أَنَّهُ قَالَ: «قَضَى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فِي جَنِينِ امْرَأَةٍ مِنْ بَنِي لَحْيَانَ سَقَطَ مَيِّتًا بِغُرَّةٍ، عَبْدٍ أَوْ أَمَةٍ، ثُمَّ إِنَّ المَرْأَةَ الَّتِي قَضَى لَهَا بِالْغُرَّةِ تُوُفِّيَتْ، فَقَضَى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بِأَنَّ مِيرَاثَهَا لِبَنِيهَا وَزَوْجِهَا، وَأَنَّ العَقْلَ عَلَى عَصَبَتِهَا». قُلْتُ: وأمَّا إذا انفصل حياً ثم مات ففيه الدية كاملة اتفاقاً.

стр. 6648

ويستوي في ذلك الخطأ والعمد. قَالَ الْعَلَّامَةُ الْنَوَوِي ﵀ فِي [شَرْحِ مُسْلِمٍ] (٦/ ٩٤): «واعلم أنَّ المراد بهذا كله إذا انفصل الجنين ميتاً أمَّا إذا انفصل حياً ثم مات فيجب فيه كمال دية الكبير، فإن كان ذكراً وجب مائة بعير، وإن كان أنثى فخمسون، وهذا مجمع عليه، وسواء في هذا كله العمد والخطأ» اهـ. وهذا إذا سقط لستة أشهر فأكثر، وأمَّا إذا سقط قبل ذلك ففيه الغرة مطلقاً. قَالَ الْعَلَّامَةُ ابْنُ قُدَامَةَ ﵀ فِي [الْمُغْنِي] (١٩/ ١٤٥ - ١٤٦): «الْفَصْلُ الثَّالِثُ: أَنَّ الدِّيَةَ الْكَامِلَةَ إنَّمَا تَجِبُ فِيهِ إذَا كَانَ سُقُوطُهُ لِسِتَّةِ أَشْهُرٍ فَصَاعِدًا، فَإِنْ كَانَ لِدُونِ ذَلِكَ، فَفِيهِ غُرَّةٌ، كَمَا لَوْ سَقَطَ مُتَأَلِّمًا. وَبِهَذَا قَالَ الْمُزَنِيّ. وَقَالَ الشَّافِعِيُّ: فِيهِ دِيَةٌ كَامِلَةٌ؛ لِأَنَّنَا عَلِمْنَا حَيَاتَهُ، وَقَدْ تَلِفَ مِنْ جِنَايَتِهِ. وَلَنَا، أَنَّهُ لَمْ تُعْلَمْ فِيهِ حَيَاةٌ يُتَصَوَّرُ بَقَاؤُهُ بِهَا، فَلَمْ تَجِبْ فِيهِ دِيَةٌ، كَمَا لَوْ أَلْقَتْهُ مَيِّتًا، وَكَالْمَذْبُوحِ. وَقَوْلُهُمْ: إنَّنَا عَلِمْنَا حَيَاتَهُ. قُلْنَا: وَإِذَا سَقَطَ مَيِّتًا وَلَهُ سِتَّةُ أَشْهُرٍ، فَقَدْ عَلِمْنَا حَيَاتَهُ أَيْضًا» اهـ. قُلْتُ: وإذا لم يسقط إِثْرَ الضرب ولم تبق متألمة حتى ألقته، وإنَّما سقط بعد ذلك فليس فيه غرة ولادية لأنَّه لم يتحقق أن سقوطه كان من الضرب.

стр. 6649

قَالَ الْعَلَّامَةُ ابْنُ قُدَامَةَ ﵀ فِي [الْمُغْنِي] (٨/ ٤١٤): «الْفَصْلُ الثَّانِي: أَنَّهُ إنَّمَا يَجِبُ ضَمَانُهُ إذَا عُلِمَ مَوْتُهُ بِسَبَبِ الضَّرْبَةِ، وَيَحْصُلُ ذَلِكَ بِسُقُوطِهِ فِي الْحَالِ وَمَوْتِهِ أَوْ بَقَائِهِ مُتَأَلِّمًا إلَى أَنْ يَمُوتَ، أَوْ بَقَاءِ أُمِّهِ مُتَأَلِّمَةً إلَى أَنْ تُسْقِطَهُ، فَيُعْلَمَ بِذَلِكَ مَوْتُهُ بِالْجِنَايَةِ، كَمَا لَوْ ضَرَبَ رَجُلًا فَمَاتَ عَقِيبَ ضَرْبِهِ، أَوْ بَقِيَ ضَمِنًا حَتَّى مَاتَ. وَإِنْ أَلْقَتْهُ حَيًّا، فَجَاءَ آخَرُ فَقَتَلَهُ، وَكَانَ فِيهِ حَيَاةٌ مُسْتَقِرَّةٌ، فَعَلَى الثَّانِي الْقِصَاصُ إذَا كَانَ عَمْدًا، أَوْ الدِّيَةُ كَامِلَةً، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ فِيهِ حَيَاةٌ مُسْتَقِرَّةٌ، بَلْ كَانَتْ حَرَكَتُهُ كَحَرَكَةِ الْمَذْبُوحِ، فَالْقَاتِلُ هُوَ الْأَوَّلُ، وَعَلَيْهِ الدِّيَةُ كَامِلَةً، وَعَلَى الثَّانِي الْأَدَبُ. وَإِنْ وَقَعَ الْجَنِينُ حَيًّا، ثُمَّ بَقِيَ زَمَنًا سَالِمًا لَا أَلَمَ بِهِ لَمْ يَضْمَنْهُ الضَّارِبُ؛ لِأَنَّ الظَّاهِرَ أَنَّهُ لَمْ يَمُتْ مِنْ جِنَايَتِهِ» اهـ. قُلْتُ: وإذا لم توجد الغرة كأيامنا هذه فينتقل إلى القيمة، وقد قدر ذلك أهل العلم بعشر دية أمه، أو نصف عشر دية أبيه، وذلك خمس من الإبل. قَالَ الْعَلَّامَةُ ابْنُ قُدَامَةَ ﵀ فِي [الْمُغْنِي] (١٩/ ١٢٩): «الفصل الرابع: أنَّ الغرة قيمتها نصف عشر الدية، وهي خمس من الإبل. روي ذلك عن عمر، وزيد، ﵄. وبه قال النخعي، والشعبي، وربيعة، وقتادة، ومالك، والشافعي، وإسحاق، وأصحاب الرأي» اهـ.

стр. 6650

قُلْتُ: أثر عمر رواه ابن أبي شيبة في [مُصَنَّفِهِ] (٢٧٢٨٥)، ومن طريقه البيهقي في [الْكُبْرَى] (١٦٤٢٨) حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ عَيَّاشٍ، عَنْ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ، أَنَّ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ: «قَوَّمَ الْغُرَّةَ خَمْسِينَ دِينَارًا». قُلْتُ: هَذَا إِسْنَادٌ ضَعِيْفٌ وَمُنْقَطِعٌ، فإسماعيل ابن عياش ضعيف في غير أهل بلده وهذا منها، وروايته زيد بن أسلم عن عمر منقطعة. ٢ - ويشمل الحديث ما إذا ألقته ميتاً بعد موتها. قَالَ الْعَلَّامَةُ ابْنُ قُدَامَةَ ﵀ فِي [الْمُغْنِي] (١٩/ ١٢٤): «وأمَّا إذا ألقته ميتاً، فقد تحقق، والظاهر تلفه من الضربة، فيجب ضمانه، سواء ألقته في حياتها، أو بعد موتها. وبهذا قال الشافعي: وقال مالك: وأبو حنيفة: إن ألقته بعد موتها، لم يضمنه؛ لأنَّه يجري مجرى أعضائها، وبموتها سقط حكم أعضائها. ولنا، أنَّه جنين تلف بجنايته، وعلم ذلك بخروجه، فوجب ضمانه، كما لو سقط في حياتها، ولأنَّه لو سقط حياً ضمنه، فكذلك إذا سقط ميتاً، كما لو أسقطته في حياتها، وما ذكروه ليس بصحيح؛ لأنَّه لو كان كذلك، لكان إذا سقط ميتاً ثم

стр. 6651

ماتت، لم يضمنه كأعضائها، ولأنَّه آدمي موروث، فلا يدخل في ضمان أمه، كما لو خرج حياً» اهـ. ٣ - ويشمل الحديث ما إذا ألقت مضغة قد ظهر فيها صورة وإن كانت خفية. قَالَ الْعَلَّامَةُ ابْنُ قُدَامَةَ ﵀ فِي [الْمُغْنِي] (١٩/ ١٢٥): «وإن ألقت مضغة، فشهد ثقات من القوابل أنَّ فيه صورة خفية، ففيه غرة، وإن شهدت أنَّه مبتدأ خلق آدمي لو بقي تصور، ففيه وجهان؛ أصحهما، لا شيء فيه؛ لأنَّه لم يتصور، فلم يجب فيه، كالعلقة، ولأنَّ الأصل براءة الذمة، فلا نشغلها بالشك. والثاني، فيه غرة؛ لأنَّه مبتدأ خلق آدمي، أشبه ما لو تصور. وهذا يبطل بالنطفة والعلقة» اهـ. قُلْتُ: وإذا لم توجد صورة ظاهرة ولا خفية ففي وجوب الغرة خلاف. وسبق مذهب الحنابلة في ذلك. وَقَالَ الْعَلَّامَةُ سَحْنُونُ الْمَالِكِيُّ ﵀ فِي [الْمُدَوَنَةِ الْكُبْرَى] (٤/ ٦٣٠): «قُلْتُ: أَرَأَيْتَ إنْ ضَرَبَهَا رَجُلٌ فَأَلْقَتْهُ مَيِّتًا، مُضْغَةً أَوْ عَلَقَةً، وَلَمْ يَتَبَيَّنْ مَنْ خَلْقِهِ أُصْبُعٌ وَلَا عَيْنٌ وَلَا غَيْرُ ذَلِكَ. أَتَكُونُ فِيهِ الْغُرَّةُ أَمْ لَا فِي قَوْلِ مَالِكٍ؟

стр. 6652

قَالَ: قَالَ مَالِكٌ: إذَا أَلْقَتْهُ فَعُلِمَ أَنَّهُ حَمْلٌ وَإِنْ كَانَ مُضْغَةً أَوْ عَلَقَةً أَوْ دَمًا فَفِيهِ الْغُرَّةُ، وَتَنْقَضِي بِهِ الْعِدَّةُ مِنْ الطَّلَاقِ وَتَكُونُ بِهِ الْأَمَةُ أُمَّ وَلَدٍ» اهـ. وَقَالَ الْعَلَّامَةُ الْنَوَوِي ﵀ فِي [الرَّوْضَةِ] (٨/ ٣٧٦ - ٣٧٧): «وَلَوْ أَسْقَطَتْ مُضْغَةً، فَلَهَا أَحْوَالٌ: أَحَدُهَا: أَنْ يَظْهَرَ فِيهَا شَيْءٌ مِنْ صُورَةِ الْآدَمِيِّ، كَيَدٍ، أَوْ أُصْبُعٍ، أَوْ ظُفْرٍ وَغَيْرِهَا، فَتَنْقَضِيَ بِهَا الْعِدَّةُ. وَالثَّانِي: أَنْ لَا يَظْهُرَ شَيْءٌ مِنْ صُورَةِ الْآدَمِيِّ لِكُلِّ أَحَدٍ، لَكِنْ قَالَ أَهْلُ الْخِبْرَةِ مِنَ النِّسَاءِ: فِيهِ صُورَةٌ خَفِيَّةٌ، وَهِيَ بَيِّنَةٌ لَنَا وَإِنْ خَفِيَتْ عَلَى غَيْرِهَا، فَتُقْبَلُ شَهَادَتُهُنَّ، وَيُحْكَمُ بِانْقِضَاءِ الْعِدَّةِ وَسَائِرِ الْأَحْكَامِ. الثَّالِثُ: أَنْ لَا يَكُونَ صُورَةً ظَاهِرَةً وَلَا خَفِيَّةً يَعْرِفُهَا الْقَوَابِلُ، لَكِنَّهُنَّ قُلْنَ: إِنَّهُ أَصْلُ آدَمِيٍّ، وَلَوْ بَقِيَ لَتَصَوَّرَ وَلَتَخَلَّقَ، فَالنَّصُّ أَنَّ الْعِدَّةَ تَنْقَضِي بِهِ. وَنَصَّ أَنَّهُ لَا يَجِبُ فِيهِ الْغُرَّةُ، وَأَشْعَرَ نَصُّهُ أَنَّهُ لَا يَثْبُتُ بِهِ الِاسْتِيلَادُ، فَقِيلَ فِي الْجَمِيعِ قَوْلَانِ. وَقِيلَ بِتَقْرِيرِ النُّصُوصِ، لِأَنَّ الْمُرَادَ بِالْعِدَّةِ بَرَاءَةُ الرَّحِمِ وَقَدْ حَصَلَتْ. وَالْأَصْلُ بَرَاءَةُ الذِّمَّةِ فِي الْغُرَّةِ. وَأُمُومَةُ الْوَلَدِ إِنَّمَا تَثْبُتُ تَبَعًا لِلْوَلَدِ.

стр. 6653

وَقِيلَ: تَثْبُتُ هَذِهِ الْأَحْكَامُ قَطْعًا، وَحُمِلَ نَصُّ الْمَنْعِ عَلَى مَا إِذَا يَعْلَمْنَ أَنَّهُ مُبْتَدَأُ خَلْقٍ. وَقِيلَ: لَا تَثْبُتُ قَطْعًا، وَحُمِلَ نَصُّ الْعِدَّةِ عَلَى مَا إِذَا كَانَتْ صُورَةً خَفِيَّةً، وَالْمَذْهَبُ عَلَى الْجُمْلَةِ انْقِضَاءُ الْعِدَّةِ وَمَنْعُ الْآخَرِينَ. وَلَوْ شَكَّ الْقَوَابِلُ فِي أَنَّهُ لَحْمُ آدَمِيٍّ، أَمْ لَا، لَمْ يَثْبُتْ شَيْءٌ مِنْ هَذِهِ الْأَحْكَامِ، بِلَا خِلَافٍ. وَلَوِ اخْتَلَفَ الزَّوْجَانِ، فَقَالَتْ: كَانَ السَّقْطُ الَّذِي وَضَعْتُهُ مِمَّا تَنْقَضِي بِهِ الْعِدَّةُ، وَأَنْكَرَ الزَّوْجُ، وَضَاعَ السَّقْطُ، فَالْقَوْلُ قَوْلُهَا بِيَمِينِهَا، لِأَنَّهَا مَأْمُونَةٌ فِي الْعِدَّةِ» اهـ. ٤ - وظاهر ذكر الغرة أنَّها تجب خالية من العيوب، فإنَّ الغرة من معانيها الخيار. قَالَ الْعَلَّامَةُ ابْنُ قُدَامَةَ ﵀ فِي [الْمُغْنِي] (١٩/ ١٢٧ - ١٢٨): «وتجب الغرة سالمة من العيوب، وإن قل العيب؛ لأنَّه حيوان وجب بالشرع، فلم يقبل فيه المعيب، كالشاة في الزكاة، ولأنَّ الغرة الخيار، والمعيب ليس من الخيار. ولا يقبل فيها هرمة، ولا ضعيفة، ولا خنثى، ولا خصي، وإن كثرت قيمته؛ لأنَّ ذلك عيب. ولا يتقدر سنها، في ظاهر كلام الخرقي. وهو قول أبي حنيفة.

стр. 6654

وقال القاضي، وأبو الخطاب، وأصحاب الشافعي: لا يقبل فيها من له دون سبع سنين؛ لأنَّه يحتاج إلى من يكفله له ويحضنه، وليس من الخيار. وذكر بعض أصحاب الشافعي، أنَّه لا يقبل فيها غلام بلغ خمسة عشر سنة؛ لأنَّه لا يدخل على النساء، ولا ابنة عشرين؛ لأنَّها تتغير. وهذا تحكم لم يرد الشرع به فيجب أن لا يقبل. وما ذكروه من الحاجة إلى الكفالة باطل بمن له فوق السبع، ولأنَّ بلوغه قيمة الكبير مع صغره، يدل على أنَّه خيار، ولم يشهد لما ذكروه نص، ولا له نظير يقاس عليه، والشاب البالغ أكمل من الصبي عقلاً وبنية، وأقدر على التصرف، وأنفع في الخدمة، وقضاء الحاجة، وكونه لا يدخل على النساء إن أريد به النساء الأجنبيات، فلا حاجة إلى دخوله عليهن، وإن أريد به سيدته، فليس بصحيح، فإنَّ الله تعالى قال: ﴿لِيَسْتَأْذِنْكُمْ الَّذِينَ مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ وَاَلَّذِينَ لَمْ يَبْلُغُوا الْحُلُمَ مِنْكُمْ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ﴾ إلى قَوْلِهِ: ﴿لَيْسَ عَلَيْكُمْ وَلَا عَلَيْهِمْ جُنَاحٌ بَعْدَهُنَّ طَوَّافُونَ عَلَيْكُمْ بَعْضُكُمْ عَلَى بَعْضٍ﴾. ثم لو لم يدخل على النساء، لحصل من نفعه أضعاف ما يحصل من دخوله، وفوات شيء إلى ما هو أنفع منه لا يعد فواتاً، كمن اشترى بدرهم ما يساوي عشرة، لا يعد فواتاً ولا خسراناً» اهـ.

стр. 6655

٥ - وظاهر الحديث أنَّ الغرة الواحدة تكون في الجنين الواحد، فأمَّا إذا سقط أكثر من جنين ففي كل واحد غرة. قَالَ الْعَلَّامَةُ ابْنُ قُدَامَةَ ﵀ فِي [الْمُغْنِي] (١٩/ ١٣٣): «فصل: وإذا ضرب بطن امرأة، فألقت أجنة، ففي كل واحد غرة. وبهذا قال الزهري، ومالك، والشافعي، وإسحاق، وابن المنذر. قال: ولا أحفظ عن غيرهم خلافهم. وذلك لأنَّه ضمان آدمي، فتعدد بتعدده، كالديات» اهـ. ٦ - وتمسك بلفظ "الغرة" من قال باشتراط البياض في العبد أو الأمة، وذلك أنَّ أصل الغرة هي البياض في جبهة الفرس. لكن قَالَ الْعَلَّامَةُ ابْنُ قُدَامَةَ ﵀ فِي [الْمُغْنِي] (١٩/ ١٢٠): «الغرة عبد أو أمة؛ سميا بذلك لأنَّهما من أنفس الأموال، والأصل في الغرة الخيار» اهـ. وَقَالَ الْحِافِظُ ابْنُ حَجَرٍ ﵀ فِي [فَتْحِ الْبَارِي] (١٢/ ٢٤٩): «وتطلق الغرة على الشيء النفيس آدمياً كان أو غيره ذكراً كان أو أنثى، وقيل أطلق على الآدمي غرة لأنَّه أشرف الحيوان فإنَّ محل الغرة الوجه والوجه أشرف الأعضاء» اهـ.
следующие страницы →