← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 30178

تحفة السائل في بيان ما في عمدة الأحكام من المسائل

أبو بكر الحمادي

Полный текст (8 095 стр.). Показаны 701–740 · переход к 706.

стр. 701

وهذا قول جمهور العلماء، حتى إن مِنهُم مِنْ نقله إجماعاً، مِنهُم: عبد الرحمن بنِ مهدي وإسحاق بنِ راهويه، ومرةً خص إسحاق حكاية الإجماع بالصفرة دونَ الكدرة. ولكن ذهب طائفة قليلة، مِنهُم: الأوزاعي وأبو ثور وداود وابن المنذر وبعض الشافعية إلى أنَّه لا يكون ذَلِكَ حيضاً حتى يتقدمه في مدة العادة دم. واشترط بعض الشافعية أن يكون الدم المتقدم يبلغ أقل الحيض. ومنهم مِنْ اشترط أن يلحقه دم - أيضاً. ومنهم مِنْ اشترط أن يلحقه دم يبلغ أقل الحيض. وقال أبو يوسف: الصفرة حيض، والكدرة ليسَ حيضاً، إلَّا أن يتقدمها دم. وحكي عَنْ داود أنَّ الصفرة والكدرة لا تكون حيضاً بكل حال. فأمَّا ما زاد على أيام العادة، واتصل بها، وكان صفرة أو كدرة، فهل يكون حيضاً، أم لا؟ فيهِ قولان: أحدهما: أنَّهُ حيض، وَهوَ أشهر الروايتين عَنْ مالك، والمشهور عَنْ الشَافِعي - أيضاً -، وعليه أكثر أصحابه، وقول الحكم وأبي حنيفة وإسحاق. والثاني: أنَّه ليسَ بحيض، وَهوَ رواية عَنْ مالك، وقول الثوري والإصطخري وغيره مِنْ الشافعية. وأمَّا الإمام أحمد، فإنَّه يرى أنَّ الزائد على العادة لا يلتفت إليه أول مرة حتى يتكرر مرتين أو ثلاثاً على اختلاف عَنهُ، وقد سبق ذكر ذَلِكَ. فإن زاد على العادة بصفرة أو كدرة وتكرر ثلاثاً، فهل يكون حيضاً، أم لا؟ فيهِ عَنهُ روايتان.

стр. 702

وقد روي عَنْ عائشة، أنَّها لا تلتفت إلى الزائد على العادة مِنْ الصفرة والكدرة. خرجه حرب والبيهقي مِنْ رواية سليمان بنِ موسى، عَنْ عطاء، عَنْ عائشة، قالت: إذا رأت المرأة الدم فلتمسك عَنْ الصلاة حتى تراه أبيض كالفضة؛ فإذا رأت ذَلِكَ فلتغتسل ولتصل؛ فإذا رأت بعد ذَلِكَ صفرة أو كدرة فلتتوضأ ولتصل، فإذا رأت دماً أحمر فلتغتسل ولتصل. وروي عَنْ أسماء بنت أبي بكر ما يشعر بخلاف ذَلِكَ، فروى البيهقي وغيره مِنْ رواية ابن إسحاق، عَنْ فاطمة بنت المنذر، عَنْ أسماء، قالت: كنا في حجرها معَ بنات أخيها، فكانت إحدانا تطهر، ثُمَّ تصلي، ثُمَّ تنتكس بالصفرة اليسيرة، فنسألها، فتقول: اعتزلن الصلاة ما رأيتن ذَلِكَ، حتى ترين البياض خالصاً. وقد حمله بعض أصحابنا على أنَّ الصفرة أو الكدرة إذا رؤيت بعد الطهر وانقطاع الدم فإنَّها لا تكون حيضاً ولو تكررت، على الصحيح عندهم، بخلاف ما إذا رأت ذَلِكَ متصلاً بالدم وتكرر. فهذا كله في حق المعتادة. فأمَّا المبتدأة، فإذا رأت في زمن يصلح للحيض صفرة أو كدرة، فقالت طائفة مِنْ أصحابنا كالقاضي أبي يعلى ومن تابعه، وأكثر أصحاب الشَافِعي: إنَّه يكون حيضاً؛ لأنَّ زمن الدم للمبتدأة كزمن العادة للمعتادة. وقالت طائفة مِنْ أصحابنا: لا يكون حيضاً، وقالوا: إنَّه ظاهر كلام أحمد، وَهوَ قول طائفة مِنْ الشافعية - أيضاً -، وحكاه الخطابي عَنْ عائشة وعطاء وأكثر الفقهاء؛ لأنَّه اجتمع فيهِ فَقد العادة ولون الدم المعتاد، فقويت جهة فساده، وعلى

стр. 703

هَذا فينبغي أنَّهُ إن تكرر ذَلِكَ ثلاثاً أن يكون حيضاً، إن قلنا: إنَّ المتكرر بعد العادة حيض، وقد يفرق بينهما بأنَّ المتكرر بعد العادة قَدْ سبقه دم بخلاف هَذا. وقد ذهب طائفة مِنْ أصحابنا، مِنهُم: ابن حامد وابن عقيل إلى أنَّ المبتدأة إذا رأت أول مرةٍ دماً أحمر فليس بدم حيض حتى يكون أسود، وَهوَ قول بعض الشافعية - أيضاً -؛ للحديث المروي عَنْ النَّبيِّ ﷺ أنَّهُ قالَ - في دم الحيض -: "إنَّه أسود يعرف". وهذا ينتقض عليهم بالمعتادة؛ فإنَّها إذا كانت عادتها أسود ثُمَّ رأت في مدة العادة دماً أحمر فإنَّه حيض بغير خلاف» اهـ. ٤ - قوله: «فَاغْسِلِي عَنْك الدَّمَ وَصَلِّي». احتج به بعضهم على عدم وجوب الاغتسال من الحيض. قال الحافظ ابن رجب ﵀ في [فتح الباري] (٢/ ١٠٢): «وقد تعلق بعض الناس بظاهر الرواية المشهورة في حديث فاطمة: "اغسلي عنك الدم وصلي"، وقال: لا غُسل عليها، إنَّما عليها أن تغسل الدم وتصلي. وقد حكى الأثرم هذا القول للإمام أحمد، ولم يسم من قاله. فأنكره الإمام أحمد، وقال: الغسل لا بد منه وفسر سفيان الثوري قوله: "اغسلي عنك الدم": أنَّها إذا اغتسلت عندَ فراغ حيضها المحكوم بأنَّه حيضها، ثم رأت دماً، فإنَّها تغسل الدم وتصلي؛ فإنَّه دم استحاضة لا يمنع الصلاة، وإنَّما تغسله وتتحفظ منه فقط» اهـ. قلت: الرواية الأولى تدل على وجوب الاغتسال من الحيض.

стр. 704

٥ - واحتج بالحديث على نجاسة دم الاستحاضة، وهو مأخوذ من الأمر بغسله. وهذا مبني على حمل الغسل في الحديث على غسل دم الاستحاضة، وأمَّا إذا حملناه على غسل دم الحيض فلا حجة في الحديث على ذلك، ويكفي في الحكم بنجاسته الآية الواردة بنجاسة الدم المسفوح. قال الحافظ ابن رجب ﵀ في [فتح الباري] (٢/ ٦٨): «وفسر سفيان الثوري قوله: "اغسلي عنك الدم": أنَّها إذا اغتسلت عندَ فراغ حيضها المحكوم بأنَّه حيضها، ثم رأت دماً، فإنَّها تغسل الدم وتصلي؛ فإنَّه دم استحاضة لا يمنع الصلاة، وإنَّما تغسله وتتحفظ منه فقط. ففي حديث عائشة الأمر بغسل الدم، وفي حديث أم سلمة الأمر بالاستثفار بثوب. والمراد به: التلجم بالثوب والتحفظ به» اهـ. وقال العلامة الباجي ﵀ في [المنتقى] (١/ ١٢٥): «وَقَوْلُهُ "فَإِذَا ذَهَبَ قَدْرُهَا فَاغْسِلِي عَنْكِ الدَّمَ وَصَلِّي" يَحْتَمِلُ أَنْ يُرِيدَ غَسْلَ دَمِ الِاسْتِحَاضَةِ وَاسْتَغْنَى عَنْ ذِكْرِ الْغُسْلِ مِنْ الْمَحِيضِ لِأَنَّهُ قَدْ تَقَرَّرَ عِلْمُهُ» اهـ. وقال شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ في [شرح عمدة الفقه] (١/ ٤٩٢) «وَيَجِبُ إِعَادَةُ غَسْلِ الدَّمِ وَالتَّعْصِيبِ لِوَقْتِ كُلِّ صَلَاةٍ؛ كَالْوُضُوءِ فِي أَحَدِ الْوَجْهَيْنِ، سَوَاءٌ ظَهَرَ الدَّمُ فِي ظَهْرِ الْعِصَابَةِ أَوْ كَانَ بِبَاطِنِهَا، وَالْآخَرُ: لَا يَجِبُ، وَهُوَ أَقْوَى؛ لِأَنَّ فِي غَسْلِ الْعَصَائِبِ كُلَّ وَقْتٍ وَتَجْفِيفِهِ أَوْ إِبْدَالِهِ بِطَاهِرٍ - مَشَقَّةً

стр. 705

كَبِيرَةً؛ بِخِلَافِ الْوُضُوءِ، وَلِأَنَّ النَّبِيَّ ﷺ لَمَّا أَمَرَهَا بِالْوُضُوءِ لِكُلِّ صَلَاةٍ لَمْ يَذْكُرْ غَسْلَ الدَّمِ وَعَصْبَ الْفَرْجِ» اهـ. وقال الحافظ ابن رجب ﵀ في [فتح الباري] (٢/ ٦٨): «وكذلك اختلفوا: هل يجب عليها غسل الدم والتحفظ والتلجم عندَ كل صلاة؟ وفيه قولان، هما روايتان عن أحمد. وربما يرجع هذا الاختلاف إلى الاختلاف المشهور: في أنَّ الأمر المطلق: هل يقتضي التكرار، أم لا؟ وفيه اختلاف مشهور. لكن الأصح هنا: أنَّه لا يقتضي التكرار لكل صلاة؛ فإنَّ الأمر بالاغتسال، وغسل الدم إنَّما هوَ معلق بانقضاء الحيضة وإدبارها، فإذا قيل: إنَّه يقتضي التكرار لم يقتضه إلَّا عندَ إدبار كل حيضة فقط» اهـ. قلت: الأظهر أنَّ المستحاضة لا يجب عليها فك التعصيب وغسل الفرج من الدم في وقت كل صلاة لعدم ورود الأمر بذلك صريحاً، وحديث الباب محمول على غسل دم الحيض، ولا سيما أنَّ الأمر بذلك فيه ما فيه من الحرج، والشرع جاء برفع الحرج كما هو معلوم، لكن إن حصل تفريط في الشد وخرج الدم وجب غسله. والله أعلم. قال العلامة ابن قدامة ﵀ في [المغني] (١/ ٢٤٧): «فَالْمُسْتَحَاضَةُ تَغْسِلُ الْمَحَلَّ، ثُمَّ تَحْشُوهُ بِقُطْنٍ أَوْ مَا أَشْبَهَهُ، لِيَرُدَّ الدَّمَ؛ لِقَوْلِ النَّبِيِّ ﷺ لِحَمْنَةَ، حِينَ شَكَتْ إلَيْهِ كَثْرَةَ الدَّمِ: "أَنْعَتُ لَك الْكُرْسُفَ، فَإِنَّهُ يُذْهِبُ الدَّمَ". فَإِنْ لَمْ يَرْتَدَّ الدَّمُ بِالْقُطْنِ، اسْتَثْفَرَتْ بِخِرْقَةٍ مَشْقُوقَةِ

стр. 706

الطَّرَفَيْنِ، تَشُدُّهَا عَلَى جَنْبَيْهَا وَوَسَطُهَا عَلَى الْفَرْجِ، وَهُوَ الْمَذْكُورُ فِي حَدِيثِ أُمِّ سَلَمَةَ " لِتَسْتَثْفِرْ بِثَوْبٍ". وَقَالَ لِحَمْنَةَ "تَلَجَّمِي". لَمَّا قَالَتْ: إنَّهُ أَكْثَرُ مِنْ ذَلِكَ. فَإِذَا فَعَلْت ذَلِكَ، ثُمَّ خَرَجَ الدَّمُ، فَإِنْ كَانَ لِرَخَاوَةِ الشَّدِّ، فَعَلَيْهَا إعَادَةُ الشَّدِّ وَالطَّهَارَةُ، وَإِنْ كَانَ لِغَلَبَةِ الْخَارِجِ وَقُوَّتِهِ وَكَوْنِهِ لَا يُمْكِنُ شَدُّهُ أَكْثَرَ مِنْ ذَلِكَ، لَمْ تَبْطُلْ الطَّهَارَةُ؛ لِأَنَّهُ لَا يُمْكِنُ التَّحَرُّزُ مِنْهُ، فَتُصَلِّي وَلَوْ قَطَرَ الدَّمُ، قَالَتْ عَائِشَةُ: "اعْتَكَفَتْ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ امْرَأَةٌ مِنْ أَزْوَاجِهِ، فَكَانَتْ تَرَى الدَّمَ وَالصُّفْرَةَ وَالطَّسْتُ تَحْتَهَا وَهِيَ تُصَلِّي". رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ، وَفِي حَدِيثٍ: "صَلِّي وَإِنْ قَطَرَ الدَّمُ عَلَى الْحَصِيرِ". وَكَذَلِكَ مَنْ بِهِ سَلَسُ الْبَوْلِ، أَوْ كَثْرَةُ الْمَذْيِ، يَعْصِبُ رَأْسَ ذَكَرِهِ بِخِرْقَةٍ، وَيَحْتَرِسُ حَسَبَ مَا يُمْكِنُهُ، وَيَفْعَلُ مَا ذُكِرَ. وَكَذَلِكَ مَنْ بِهِ جُرْحٌ يَفُورُ مِنْهُ الدَّمُ، أَوْ بِهِ رِيحٌ، أَوْ نَحْوُ ذَلِكَ مِنْ الْأَحْدَاثِ مِمَّنْ لَا يُمْكِنُهُ قَطْعُهُ عَنْ نَفْسِهِ، فَإِنْ كَانَ مِمَّا لَا يُمْكِنُ عَصْبُهُ، مِثْلُ مَنْ بِهِ جُرْحٌ لَا يُمْكِنُ شَدُّهُ، أَوْ بِهِ بَاسُورٌ أَوْ نَاصُورٌ لَا يَتَمَكَّنُ مِنْ عَصْبِهِ، صَلَّى عَلَى حَسَبِ حَالِهِ، كَمَا رُوِيَ عَنْ عُمَرَ ﵁ أَنَّهُ حِينَ طُعِنَ صَلَّى وَجُرْحُهُ يَثْعَبُ دَمًا» اهـ. وقال العلامة النووي ﵀ في [شرح مسلم] (٤/ ١٨): «قَالَ أَصْحَابُنَا وَهَذَا الشَّدُّ وَالتَّلَجُّمُ وَاجِبٌ إِلَّا فِي مَوْضِعَيْنِ أَحَدِهِمَا: أَنْ يُتَأَذَّى بِالشَّدِّ وَيَحْرِقَهَا اجْتِمَاعُ الدَّمِ فَلَا يَلْزَمُهَا لِمَا فِيهِ مِنَ الضَّرَرِ، وَالثَّانِي: أَنْ تَكُونَ صَائِمَةً فَتَتْرُكُ الْحَشْوَ فِي النَّهَارِ وَتَقْتَصِرُ عَلَى الشَّدِّ قَالَ أَصْحَابُنَا وَيَجِبُ تَقْدِيمُ الشَّدِّ وَالتَّلَجُّمِ عَلَى الْوُضُوءِ وَتَتَوَضَّأُ عَقِيبَ الشَّدِّ مِنْ غَيْرِ إِمْهَالٍ فَإِنْ شَدَّتْ وَتَلَجَّمَتْ

стр. 707

وَأَخَّرَتِ الْوُضُوءَ وَتَطَاوَلَ الزَّمَانُ فَفِي صحة وضوئها وجهان: الأصح أنَّه لايصح واذا استوثقت بالشد على الصفة الَّتِي ذَكَرْنَاهَا ثُمَّ خَرَجَ مِنْهَا دَمٌ مِنْ غَيْرِ تَفْرِيطٍ لَمْ تَبْطُلْ طَهَارَتُهَا وَلَا صَلَاتُهَا». إلى أن قال ﵀: «أَمَّا إِذَا خَرَجَ الدَّمُ لِتَقْصِيرِهَا فِي الشد أوزالت الْعِصَابَةُ عَنْ مَوْضِعِهَا لِضَعْفِ الشَّدِّ فَزَادَ خُرُوجُ الدَّمِ بِسَبَبِهِ فَإِنَّهُ يَبْطُلُ طُهْرُهَا فَإِنْ كَانَ ذَلِكَ فِي أَثْنَاءِ صَلَاةٍ بَطَلَتْ وَإِنْ كَانَ بَعْدَ فَرِيضَةٍ لَمْ تَسْتَبِحِ النَّافِلَةَ لِتَقْصِيرِهَا وَأَمَّا تَجْدِيدُ غَسْلِ الْفَرْجِ وَحَشْوِهِ وَشَدِّهِ لِكُلِّ فَرِيضَةٍ فَيُنْظَرُ فِيهِ إِنْ زَالَتِ الْعِصَابَةُ عَنْ مَوْضِعهَا زَوَالًا لَهُ تَأْثِيرٌ أَوْ ظَهَرَ الدَّمُ عَلَى جَوَانِبِ الْعِصَابَةِ وَجَبَ التَّجْدِيدُ وَإِنْ لَمْ تَزُلِ الْعِصَابَةُ عَنْ مَوْضِعِهَا وَلَا ظَهَرَ الدَّمُ فَفِيهِ وَجْهَانِ لِأَصْحَابِنَا أَصَحُّهُمَا وُجُوبُ التَّجْدِيدِ كَمَا يَجِبُ تَجْدِيدُ الْوُضُوءِ» اهـ. قلت: الأصح عدم وجوب غسل الدم إذا يخرج الدم من الفرج ويتجاوز العصابة من غير تفريط، وأمَّا إن خرج وتجاوز العصابة فلا بد من غسل الدم والفرج. والله أعلم. والحكم بنقض طهارة الاستباحة بخروج الدم ومجاوزته للعصابة لا أعلم له دليلاً، وذلك أنَّ النقض للطهارة حاصل قبل ذلك بخروجه إلى ظاهر الفرج، ولهذا تؤمر بالوضوء لوقت كل صلاة، والذي يظهر لي أنَّ مجاوزة الدم للعصابة لا يحدث لها نقضاً جديداً. والله أعلم. ٦ - وقوله: «وَصَلِّي» رد على من قال من أهل العلم أنَّ الأمر بعد الحظر للإباحة، والصحيح أنَّ الأمر بعد الحظر يعيد الأمر إلى ما كانَ عليهِ قبل الحظر، وقد كانت الصلاة عليها واجبة قبل الحيض، فكذلك بعدها.

стр. 708

٧ - قوله: «فَإِذَا أَقْبَلَتْ الْحَيْضَةُ» احتج به لمالك والشافعي في أنَّ المستحاضة إذا ميزت دم الحيض من دم الاستحاضة أنَّها تعتبر الدم وتعمل على إقباله وإدباره، فإذا أقبلت الحيضة تركت الصلاة، وإذا أدبرت اغتسلت وصلت. وهذا مبني على أنَّ المراد بالإقبال إقبال الحيضة بصفتها، والصواب أنَّ المراد إقبال الحيضة بوقتها كما يدل عليه اللفظ الأول للحديث. فإقبالها وجود الدم في أول أيام العادة وإدبارها انقضاء أيام العادة. والله أعلم. ٨ - قوله: «إنَّ ذَلِكَ عِرْقٌ» احتج به من ذهب من أهل العلم إلى نقض الوضوء بخروج الدم الكثير من البدن إلحاقاً بدم الاستحاضة بجامع أنَّها دماء خارجة من عرق. والقول بالنقض هو مذهب أبي حنيفة، وأحمد، وذهب مالك، والشافعي إلى القول بعدم النقض. والصحيح عدم النقض لاختلاف المخارج، ولأنَّ ذلك تعليل لوجوب الصلاة، وسقوط الغسل عليها، وليس بتعليل للوضوء. والمعنى تجب عليك الصلاة، ويسقط عليك الغسل لأنَّه دم عرق، فيؤخذ من ذلك أنَّ الدم الخارج من العرق لا يسقط الصلاة، ولا يوجب الغسل. ولو كان تعليلاً للوضوء لقال توضئي فإنَّه دم عرق. والله أعلم. قال العلامة ابن حزم ﵀ في [المحلى] (١/ ٢٥٨ - ٢٥٩): «وهذا قياس، والقياس باطل، ثم لو كان حقاً لكان هذا منه عين الباطل لأنَّه إذا لم يجز أن يقيسوا دم العرق الخارج من الفرج على دم الحيض الخارج من الفرج، وكلاهما دم خارج من الفرج، وكان الله تعالى قد فرق بين حكميهما فمن الباطل أن يقاس دم خارج من غير الفرج على دم خارج من الفرج» اهـ.

стр. 709

وقال شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ في [مجموع الفتاوى] (٢٠/ ٥٢٥ - ٥٢٦): «وقد تنازع العلماء في الوضوء من النجاسة الخارجة من غير السبيلين؛ كالفصاد؛ والحجامة والجرح والقيء والوضوء من مس النساء لشهوة وغير شهوة والتوضؤ من مس الذكر والتوضؤ من القهقهة فبعض الصحابة كان يتوضأ من مس الذكر كسعد وابن عمر كثير منهم لم يكن يتوضأ منه والوضوء منه هل هو واجب أو مستحب؟ فيه عن مالك وأحمد روايتان وإيجابه قول الشافعي وعدم الإيجاب مذهب أبي حنيفة. وكذلك مس النساء لشهوة إذا قيل باستحبابه فهذا يتوجه وأمَّا وجوب ذلك فلا يقوم الدليل إلا على خلافه ولا يقدر أحد قط أن ينقل عن النبي ﷺ أنه كان يأمر أصحابه بالوضوء من مس النساء ولا من النجاسات الخارجة؛ لعموم البلوى بذلك وقوله تعالى: ﴿أَوْ لَامَسْتُمُ النِّسَاءَ﴾ المراد به الجماع كما فسره بذلك ابن عباس وغيره لوجوه متعددة. وقوله ﷺ للمستحاضة: "إنَّما ذلك عرق وليس بالحيضة" تعليل لعدم وجوب الغسل لا لوجوب الوضوء فإنَّ وجوب الوضوء لا يختص بدم العروق بل كانت قد ظنت أنَّ ذلك الدم هو دم الحيض الذي يوجب الغسل فبين لها النبي ﷺ أنَّ هذا ليس هو دم الحيض الذي يوجب الغسل فإنَّ ذلك يرشح من الرحم كالعرق وإنَّما هذا دم عرق انفجر في الرحم ودماء العروق لا توجب الغسل» اهـ. ٩ - وقوله: «إنَّ ذَلِكَ عِرْقٌ وَلَيْسَتْ بِالْحَيْضَةِ» احتج به جمهور العلماء في تجويزهم لجماع المستحاضة، وقد كره ذلك الإمام أحمد إلَّا إذا طال به الوقت. والصحيح عدم الكراهة. والله أعلم.

стр. 710

١٠ - قوله: «ثُمَّ اغْتَسِلِي وَصَلِّي» يدل على عدم وجوب الجمع بين الوضوء والغسل للمحدث، بل يكفي المحدث الاغتسال لرفع الحدثين، وذلك أنَّ المرأة في أثناء حيضها لا تخلو من حدث أصغر. فائدة: قال الحافظ ابن رجب ﵀ في [فتح الباري] (٢/ ١٠٤ - ١٠٥): «وإنَّما المراد هنا: أحاديث الوضوء لكل صلاة، وقد رويت مِنْ وجوه متعددة، وهي مضطربة -أيضاً- ومعللة، تقدم بعضها. ومن أشهرها: رواية الأعمش، عَنْ حبيب بنِ أبي ثابت، عَنْ عروة، عَنْ عائشة، قالت: جاءت فاطمة بنت أبي حبيش، فقالت: يا رسول الله، إني امرأة أستحاض فلا أطهر، أفأدع الصلاة؟ قالَ: " لا، اجتنبي الصلاة أيام محيضك، ثُمَّ اغتسلي وتوضئي لكل صلاة، ثُمَّ صلي، وإن قطر الدم على الحصير". خرجه الإمام أحمد وأبو داود وابن ماجه. وقال أبو داود: هوَ حديث ضعيف لا يصح، قالَ: ليسَ بصحيح، وَهوَ خطأ مِنْ الأعمش. وقال الدارقطني: لا يصح. وقد روي موقوفاً على عائشة، وَهوَ أصح عند الأكثرين. وروى هشيم: نا أبو بشر، عَنْ عكرمة؛ أن أم حبيبة بنت جحش استحيضت، فأرها النبي ﷺ أن تنظر أيام أقرائها، ثُمَّ تغتسل وتصلي، فإن رأت شيئاً مِنْ ذَلِكَ توضأت وصلت. خرجه أبو داود.

стр. 711

والظاهر: أنَّهُ مرسل، وقد يكون آخره موقوفاً على عكرمة، مِنْ قوله والله أعلم. وقد روي الأمر للمستحاضة بالوضوء لكل صلاة عَنْ جماعة مِنْ الصحابة، مِنهُم: علي، ومعاذ، وابن عباس، وعائشة، وَهوَ قول سعيد بنِ المسيب، وعروة، وأبي جعفر، ومذهب أكثر العلماء، كالثوري، والأوزاعي، وابن المبارك، وأبي حنيفة، والشافعي، وأحمد، وإسحاق، وأبي عبيد وغيرهم. لكن؛ مِنهُم مِنْ يوجب عليها الوضوء لكل فريضة كالشافعي. ومنهم مِنْ يرى أنها تتوضأ لوقت كل صلاة، وتصلي بها ما شاءت مِنْ فرائض ونوافل حتَّى يخرج الوقت، وَهوَ قول أبي حنيفة، والمشهور عَنْ أحمد، وَهوَ -أيضاً- قول الأوزاعي والليث وإسحاق، وقد سبق ذكر قول مِنْ لَم يوجب الوضوء بالكلية لأجل دم الاستحاضة، كمالك وغيره. وهكذا الاختلاف في كل مِنْ بهِ حدث دائم لا ينقطع، كمن بهِ رعاف دائم، أو سلس البول، أو الريح، ونحو ذَلِكَ. وعن مالك رواية بوجوب الوضوء، كقول الجمهور» اهـ. فائدة: قال الحافظ ابن عبد البر ﵀ في [الاستذكار] (١/ ٣٣٨): «وأمَّا علماء السلف والخلف وأهل الفتوى بالأمصار فكلهم على أنَّ الحائض لا تصلي ولا تقضي الصلاة أيام حيضها إلَّا أنَّ من السلف من كان يرى للحائض ويأمرها أن تتوضأ عند وقت الصلاة وتذكر الله وتستقبل القبلة ذاكرة لله جالسة، وروى خالد عن عقبة بن عامر ومكحول قال مكحول: كان ذلك من هدي نساء المسلمين في أيام حيضهن.

стр. 712

ذكر عبد الرزاق قال: قال معمر: بلغني أنَّ الحائض كانت تؤمر بذلك عند وقت كل صلاة. وابن جريج عن عطاء قال: لم يبلغني ذلك وأنَّه لحسن. قال أبو عمر: هو أمر متروك عند جماعة الفقهاء بل يكرهونه. ذكر دحيم قال حدثنا محمد بن عبد الله الأنصاري عن سليمان التيمي قال سئل أبو قلابة عن الحائض إذا حضرت الصلاة أتتوضأ وتذكر الله؟ فقال أبو قلابة: قد سألنا عنه فلم نجد له أصلاً. قال دحيم وحدثنا الوليد بن مسلم قال سألت سعيد بن عبد العزيز عن الحائض أنَّها إذا كان وقت صلاة مكتوبة توضأت واستقبلت القبلة فذكرت الله في غير صلاة ولا ركوع ولا سجود. قال: ما نعرف هذا ولكنا نكرهه. وقال معمر: قلت لابن طاووس: أكان أبوك يأمر الحائض عند وقت كل صلاة بطهر وذكر؟ قال: لا. وعلى هذا القول جماعة الفقهاء وعامة العلماء اليوم في الأمصار» اهـ. ١١ - وقوله ﷺ : «فَإِذَا أَقْبَلَتْ الْحَيْضَةُ: فَاتْرُكِي الصَّلاةَ فِيهَا، فَإِذَا ذَهَبَ قَدْرُهَا فَاغْسِلِي عَنْك الدَّمَ وَصَلِّي». هل يدخل في ذلك الطهر المتخلل للحيضة أو لا. الأظهر أنَّها إذا طهرت طهراً صحيحاً رأت فيه القصة البيضاء إن كان يخرج منها ذلك، أو حصل لها الجفاف التام أنَّها تجعل ذلك طهراً، ولا عبرة في الجفاف في أقل من يوم، وذلك أنَّ الرحم من شأنها أن تدفع الدم في فترة دون فترة.

стр. 713

وهذا المذهب يسمى مذهب التلفيق لأنَّ عدتها ملفقة من حيض متقطع وهذا المذهب هو قول أكثر العلماء وهو مذهب مالك وأحمد، والشافعي في رواية. وذهب الشافعي في المشهور وأبو حنيفة إلى مذهب السحب وهو جعل الطهر المتخلل حيضاً، وسمي سحباً لأنَّ حكم الحيض ينسحب إلى الطهر المتخلل. واختاره شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ فقد قال المرداوي ﵀ في [الإنصاف] (١/ ٣٧٧): «وَعَنْهُ أَيَّامُ النَّقَاءِ وَالدَّمِ حَيْضٌ، اخْتَارَهُ الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ، وَصَاحِبُ الْفَائِقِ» اهـ. قلت: ويشترط في ذلك عندهم أن لا يزيد الطهر المتخلل مدة أكثر الطهر وهي ثلاثة عشر يوماً على الصحيح أو خمسة عشر يوماً على الخلاف في ذلك، فإن زاد على ذلك فهي حيضة جديدة. ويشترط أيضاً عندهم أن لا يكون بين طرفي الحيضتين أكثر من خمسة عشر يوماً حتى لا يتجاوز أكثر الحيض باعتبار الغالب. قال العلامة ابن قدامة ﵀ في [الكافي] (١/ ١٤٩): «فَصْلٌ: وإذا رأت ثلاثة أيام دماً، ثم طهرت اثني عشر يوماً، ثم رأته ثلاثة دماً، فالأول حيض؛ لأنها رأته في زمان إمكانه، والثاني استحاضة؛ لأنه لا يمكن أن يكون ابتداء حيض، لكونه لم يتقدمه أقل الطهر، ولا من الحيض الأول؛ لأنه يخرج عن الخمسة عشر. والحيضة الواحدة لا يكون بين طرفيها أكثر من خمسة عشر يوماً. فإن كان بين الدمين ثلاثة عشر يوماً فأكثر وتكرر، فهما حيضتان؛ لأنه أمكن جعل كل واحد

стр. 714

منهما حيضة منفردة، لفصل أقل الطهر بينهما، وإن أمكن جعلهما حيضة واحدة بأن لا يكون بين طرفيهما أكثر من خمسة عشر يوماً مثل أن ترى يومين دماً وتطهر عشرة، وترى ثلاثة دماً وتكرر، فهما حيضة واحدة؛ لأنه لم يخرج زمنهما عن مدة أكثر الحيض» اهـ. وقال ﵀ في [المغني] (١/ ٢٥٧ - ٢٥٩): «فَصْلٌ: أَمَّا الْأَوَّلُ، فَإِنَّ الْمَرْأَةَ مَتَى رَأَتْ الطُّهْرَ فَهِيَ طَاهِرٌ تَغْتَسِلُ، وَتَلْزَمُهَا الصَّلَاةُ وَالصِّيَامُ، سَوَاءٌ رَأَتْهُ فِي الْعَادَةِ، أَوْ بَعْدَ انْقِضَائِهَا، وَلَمْ يُفَرِّقْ أَصْحَابُنَا بَيْنَ قَلِيلِ الطُّهْرِ وَكَثِيرِهِ؛ لِقَوْلِ ابْنِ عَبَّاسٍ: أَمَّا مَا رَأَتْ الطُّهْرَ سَاعَةً فَلْتَغْتَسِلْ. وَيَتَوَجَّهُ أَنَّ انْقِطَاعَ الدَّمِ مَتَى نَقَصَ عَنْ الْيَوْمِ، فَلَيْسَ بِطُهْرٍ بِنَاءً عَلَى الرِّوَايَةِ الَّتِي حَكَيْنَاهَا فِي النِّفَاسِ، أَنَّهَا لَا تَلْتَفِتُ إلَى مَا دُونَ الْيَوْمِ. وَهُوَ الصَّحِيحُ إنْ شَاءَ اللَّهُ؛ لِأَنَّ الدَّمَ يَجْرِي مَرَّةً، وَيَنْقَطِعُ أُخْرَى، وَفِي إيجَابِ الْغُسْلِ عَلَى مَنْ تَطْهُرُ سَاعَةً بَعْدَ سَاعَةٍ حَرَجٌ يَنْتَفِي بِقَوْلِهِ: ﴿وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ﴾ [الحج: ٧٨]. وَلِأَنَّنَا لَوْ جَعَلْنَا انْقِطَاعَ الدَّمِ سَاعَةً طُهْرًا، وَلَا تَلْتَفِتُ إلَى مَا بَعْدَهُ مِنْ الدَّمِ، أَفْضَى إلَى أَنْ لَا يَسْتَقِرَّ لَهَا حَيْضٌ، فَعَلَى هَذَا لَا يَكُونُ انْقِطَاعُ الدَّمِ أَقَلَّ مِنْ يَوْمٍ طُهْرًا، إلَّا أَنْ تَرَى مَا يَدُلُّ عَلَيْهِ، مِثْلُ أَنْ يَكُونَ انْقِطَاعُهُ فِي آخِرِ عَادَتِهَا، أَوْ تَرَى الْقُصَّةَ الْبَيْضَاءَ، وَهُوَ شَيْءٌ يَتْبَعُ الْحَيْضَ أَبْيَضُ، يُسَمَّى التَّرِيَّةَ. رُوِيَ ذَلِكَ عَنْ إمَامِنَا، وَرُوِيَ عَنْهُ أَنَّ الْقُصَّةَ الْبَيْضَاءَ هِيَ الْقُطْنَةُ الَّتِي تَحْشُوهَا الْمَرْأَةُ، إذَا خَرَجَتْ بَيْضَاءَ كَمَا دَخَلَتْ لَا تَغَيُّرَ عَلَيْهَا فَهِيَ الْقُصَّةُ الْبَيْضَاءُ بِضَمِّ الْقَافِ. حُكِيَ ذَلِكَ عَنْ الزُّهْرِيِّ. وَرُوِيَ عَنْ إمَامِنَا أَيْضًا، وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ: لَيْسَ

стр. 715

النَّقَاءُ بَيْنَ الدَّمَيْنِ طُهْرًا، بَلْ لَوْ صَامَتْ فِيهِ فَرْضًا لَمْ يَصِحَّ، وَلَزِمَهَا قَضَاؤُهُ، وَلَا يَجِبُ عَلَيْهَا فِيهِ صَلَاةٌ، وَلَا يَأْتِيهَا زَوْجُهَا، فَيَكُونُ الدَّمَانِ وَمَا بَيْنَهُمَا حَيْضًا. وَهُوَ أَحَدُ قَوْلَيْ الشَّافِعِيِّ؛ لِأَنَّ الدَّمَ يَسِيلُ تَارَةً وَيَنْقَطِعُ أُخْرَى؛ وَلِأَنَّهُ لَوْ لَمْ يَكُنْ مِنْ الْحَيْضِ لَمْ يُحْتَسَبْ مِنْ مُدَّتِهِ، وَلَنَا قَوْلُ اللَّهِ تَعَالَى: ﴿وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْمَحِيضِ قُلْ هُوَ أَذًى﴾ [البقرة: ٢٢٢]. وَصَفَ الْحَيْضَ بِكَوْنِهِ أَذًى، فَإِذَا ذَهَبَ الْأَذَى وَجَبَ أَنْ يَزُولَ الْحَيْضُ. وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: أَمَّا مَا رَأَتْ الدَّمَ الْبَحْرَانِيَّ فَإِنَّهَا لَا تُصَلِّي، وَإِذَا رَأَتْ الطُّهْرَ سَاعَةً فَلْتَغْتَسِلْ. وَقَالَتْ عَائِشَةُ: لَا تَعْجَلْنَ حَتَّى تَرَيْنَ الْقُصَّةَ الْبَيْضَاءَ؛ وَلِأَنَّهَا صَامَتْ وَهِيَ طَاهِرٌ، فَلَمْ يَلْزَمْهَا الْقَضَاءُ، كَمَا لَوْ لَمْ يَعُدْ الدَّمُ. فَأَمَّا قَوْلُهُمْ: إنَّ الدَّمَ يَجْرِي تَارَةً وَيَنْقَطِعُ أُخْرَى. قُلْنَا؛ لَا عِبْرَةَ بِالِانْقِطَاعِ الْيَسِيرِ، وَإِنَّمَا إذَا وُجِدَ انْقِطَاعٌ كَبِيرٌ يُمْكِنُ فِيهِ الصَّلَاةُ وَالصِّيَامُ، وَتَتَأَدَّى الْعِبَادَةُ فِيهِ، وَجَبَتْ عَلَيْهَا؛ لِعَدَمِ الْمَانِعِ مِنْ وَجُوبِهَا. فَصْلٌ: الْفَصْلُ الثَّانِي، إذَا عَاوَدَهَا الدَّمُ، فَلَا يَخْلُو إمَّا أَنْ يُعَاوِدَهَا فِي الْعَادَةِ، أَوْ بَعْدَهَا، فَإِنْ عَاوَدَهَا فِي الْعَادَةِ، فَفِيهِ رِوَايَتَانِ: إحْدَاهُمَا، أَنَّهُ مِنْ حَيْضِهَا؛ لِأَنَّهُ صَادَفَ زَمَنَ الْعَادَةِ، فَأَشْبَهَ مَا لَوْ لَمْ يَنْقَطِعْ، وَهَذَا مَذْهَبُ الثَّوْرِيِّ، وَأَصْحَابِ الرَّأْيِ، وَالشَّافِعِيِّ. وَالثَّانِيَةُ، لَيْسَ بِحَيْضٍ، وَهُوَ ظَاهِرُ كَلَامِ الْخِرَقِيِّ، وَاخْتِيَارُ ابْنِ أَبِي مُوسَى، وَمَذْهَبُ عَطَاءٍ؛ لِأَنَّهُ عَادَ بَعْدَ طُهْرٍ صَحِيحٍ، فَأَشْبَهَ مَا لَوْ عَادَ بَعْدَ الْعَادَةِ. وَعَلَى هَذِهِ الرِّوَايَةِ يَكُونُ حُكْمُهُ حُكْمَ مَا لَوْ عَادَ بَعْدَ الْعَادَةِ عَلَى مَا سَنَذْكُرُهُ فِيمَا بَعْدُ، إنْ شَاءَ

стр. 716

اللَّهُ تَعَالَى. وَقَدْ رُوِيَ عَنْ أَحْمَدَ، ﵀: إذَا كَانَتْ أَيَّامُهَا عَشْرًا، فَقَعَدَتْ خَمْسًا، ثُمَّ رَأَتْ الطُّهْرَ، فَإِنَّهَا تُصَلِّي، فَإِذَا كَانَ الْيَوْمُ التَّاسِعُ أَوْ الثَّامِنُ، فَرَأَتْ الدَّمَ، صَلَّتْ وَصَامَتْ، وَتَقْضِي الصَّوْمَ. وَهَذَا عَلَى سَبِيلِ الِاحْتِيَاطِ؛ لِوُجُودِ التَّرَدُّدِ فِي هَذَا الدَّمِ، فَأَشْبَهَ دَمَ النُّفَسَاءِ الْعَائِدَ فِي مُدَّةِ النِّفَاسِ. فَإِنْ رَأَتْهُ فِي الْعَادَةِ، وَتَجَاوَزَ الْعَادَةَ، لَمْ يَخْلُ مِنْ أَنْ يَعْبُرَ أَكْثَرَ الْحَيْضِ أَوْ لَا يَعْبُرَ، فَإِنْ عَبَرَ أَكْثَرَ الْحَيْضِ، فَلَيْسَ بِحَيْضٍ؛ لِأَنَّ بَعْضَهُ لَيْسَ بِحَيْضٍ، فَيَكُونُ كُلُّهُ اسْتِحَاضَةً؛ لِأَنَّهُ مُتَّصِلٌ بِهِ، فَكَانَ أَقْرَبَ إلَيْهِ، فَإِلْحَاقُهُ بِالِاسْتِحَاضَةِ أَقْرَبُ مِنْ إلْحَاقِهِ بِالْحَيْضِ؛ لِانْفِصَالِهِ عَنْهُ، وَإِنْ انْقَطَعَ لِأَكْثَرِهِ فَمَا دُونَ، فَمَنْ قَالَ: إنَّ مَا لَمْ يَعْبُرْ الْعَادَةَ لَيْسَ بِحَيْضٍ. فَهَذَا أَوْلَى أَنْ لَا يَكُونَ حَيْضًا، وَمَنْ قَالَ: هُوَ حَيْضٌ. فَفِي هَذَا عَلَى قَوْلِهِ ثَلَاثَةُ أَوْجُهٍ: أَحَدُهَا، أَنَّ جَمِيعَهُ حَيْضٌ، بِنَاءً عَلَى الْوَجْهِ الَّذِي ذَكَرْنَا فِي أَنَّ الزَّائِدَ عَلَى الْعَادَةِ حَيْضٌ، مَا لَمْ يَعْبُرْ أَكْثَرَ الْحَيْضِ. وَالثَّانِي، أَنَّ مَا وَافَقَ الْعَادَةَ حَيْضٌ؛ لِمُوَافَقَتِهِ الْعَادَةَ، وَمَا زَادَ عَلَيْهَا لَيْسَ بِحَيْضٍ؛ لِخُرُوجِهِ عَنْهَا. وَالثَّالِثُ، أَنَّ الْجَمِيعَ لَيْسَ بِحَيْضٍ؛ لِاخْتِلَاطِهِ بِمَا لَيْسَ بِحَيْضٍ. فَإِنْ تَكَرَّرَ فَهُوَ حَيْضٌ، عَلَى الرِّوَايَتَيْنِ جَمِيعًا. فَأَمَّا إنْ عَادَ بَعْدَ الْعَادَةِ لَمْ يَخْلُ مِنْ حَالَيْنِ: أَحَدُهُمَا، أَنْ لَا يُمْكِنَ كَوْنُهُ حَيْضًا. وَالثَّانِي، أَنْ يُمْكِنَ ذَلِكَ؛ فَإِنْ لَمْ يُمْكِنْ كَوْنُهُ حَيْضًا لِعُبُورِهِ أَكْثَرَ الْحَيْضِ، وَأَنَّهُ لَيْسَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الدَّمِ أَقَلُّ الطُّهْرِ، فَهَذَا اسْتِحَاضَةٌ كُلُّهُ، سَوَاءٌ تَكَرَّرَ أَوْ لَمْ يَتَكَرَّرْ؛ لِأَنَّهُ لَا يُمْكِنُ جَعْلُ جَمِيعِهِ حَيْضًا، فَكَانَ جَمِيعُهُ اسْتِحَاضَةً؛ لِأَنَّ إلْحَاقَ بَعْضِهِ بِبَعْضٍ أَوْلَى مِنْ إلْحَاقِهِ بِغَيْرِهِ. وَالثَّانِي، أَنْ يُمْكِنَ جَعْلُهُ حَيْضًا، وَذَلِكَ يُتَصَوَّرُ فِي حَالَيْنِ؛

стр. 717

أَحَدُهُمَا، أَنْ يَكُونَ بِضَمِّهِ إلَى الدَّمِ الْأَوَّلِ لَا يَكُونُ بَيْنَ طَرَفَيْهِمَا أَكْثَرَ مِنْ خَمْسَةَ عَشَرَ يَوْمًا، فَإِذَا تَكَرَّرَ جَعَلْنَاهُمَا حَيْضَةً وَاحِدَةً، وَيُلَفَّقُ أَحَدُهُمَا إلَى الْآخَرِ، وَيَكُونُ الطُّهْرُ الَّذِي بَيْنَهُمَا طُهْرًا فِي خِلَالِ الْحَيْضِ. وَالصُّورَةُ الثَّانِيَةُ، أَنْ يَكُونَ بَيْنَهُمَا أَقَلُّ الطُّهْرِ، إمَّا ثَلَاثَةَ عَشَرَ يَوْمًا، أَوْ خَمْسَةَ عَشَرَ يَوْمًا، وَيَكُونُ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْ الدَّمَيْنِ يَصْلُحُ أَنْ يَكُونَ حَيْضًا بِمُفْرَدِهِ بِأَنْ يَكُونَ يَوْمًا وَلَيْلَةً فَصَاعِدًا، فَهَذَا إذَا تَكَرَّرَ كَانَ الدَّمَانِ حَيْضَتَيْنِ، وَإِنْ نَقَصَ أَحَدُهُمَا عَنْ أَقَلِّ الْحَيْضِ، فَهُوَ دَمُ فَسَادٍ، إذَا لَمْ يُمْكِنْ ضَمُّهُ إلَى مَا بَعْدَهُ. وَمِثَالُ ذَلِكَ مَا لَوْ كَانَتْ عَادَتُهَا عَشَرَةً مِنْ أَوَّلِ الشَّهْرِ، فَرَأَتْ خَمْسَةً مِنْهَا دَمًا، وَطَهُرَتْ خَمْسَةً، ثُمَّ رَأَتْ خَمْسَةً دَمًا، وَتَكَرَّرَ ذَلِكَ. فَالْخَمْسَةُ الْأُولَى وَالثَّانِيَةُ حَيْضَةٌ وَاحِدَةٌ تُلَفِّقُ الدَّمَ الثَّانِيَ إلَى الْأَوَّلِ. وَإِنْ رَأَتْ الثَّانِيَ سِتَّةً أَوْ سَبْعَةً، لَمْ يُمْكِنْ أَنْ يَكُونَ حَيْضًا؛ لِأَنَّ بَيْنَ طَرَفَيْهَا أَكْثَرَ مِنْ خَمْسَةَ عَشَرَ يَوْمًا، وَلَيْسَ بَيْنَهُمَا أَقَلُّ الطُّهْرِ. وَإِنْ رَأَتْ يَوْمًا دَمًا وَثَلَاثَةَ عَشَرَ طُهْرًا، ثُمَّ رَأَتْ يَوْمًا دَمًا وَتَكَرَّرَ هَذَا، كَانَا حَيْضَتَيْنِ، وَصَارَ شَهْرُهَا أَرْبَعَةَ عَشَرَ يَوْمًا. وَكَذَلِكَ إنْ رَأَتْ يَوْمَيْنِ دَمًا وَثَلَاثَةَ عَشَرَ طُهْرًا، ثُمَّ رَأَتْ يَوْمَيْنِ دَمًا وَثَلَاثَةَ عَشَرَ طُهْرًا، ثُمَّ رَأَتْ يَوْمَيْنِ دَمًا، وَتَكَرَّرَ شَهْرُهَا خَمْسَةَ عَشَرَ يَوْمًا. وَإِنْ كَانَ الطُّهْرُ بَيْنَهُمَا أَحَدَ عَشَرَ يَوْمًا فَمَا دُونَ وَتَكَرَّرَ، فَهُمَا حَيْضَةٌ وَاحِدَةٌ؛ لِأَنَّهُ لَيْسَ بَيْنَ طَرَفَيْهِمَا أَكْثَرُ مِنْ خَمْسَةَ عَشَرَ يَوْمًا، وَلَا بَيْنَهُمَا أَقَلُّ الطُّهْرِ. وَإِنْ كَانَ بَيْنَهُمَا اثْنَا عَشَرَ يَوْمًا طُهْرًا، لَمْ يُمْكِنْ كَوْنُهُمَا جَمِيعًا حَيْضًا؛ لِأَنَّهُ لَا يُمْكِنُ كَوْنُهُمَا حَيْضَةً وَاحِدَةً؛ لِزِيَادَتِهِمَا بِمَا بَيْنَهُمَا مِنْ الطُّهْرِ عَلَى أَكْثَرِ الْحَيْضِ، وَلَا يُمْكِنُ جَعْلُهُمَا حَيْضَتَيْنِ؛ لِأَنَّهُ لَيْسَ بَيْنَهُمَا أَقَلُّ الطُّهْرِ، فَيَكُونُ حَيْضُهَا مِنْهُمَا مَا وَافَقَ الْعَادَةَ،

стр. 718

وَالْآخَرُ اسْتِحَاضَةٌ. وَعَلَى هَذَا كُلُّ مَا يَتَفَرَّعُ مِنْ الْمَسَائِلِ، إلَّا أَنَّهَا لَا تَلْتَفِتُ إلَى مَا رَأَتْهُ بَعْدَ الطُّهْرِ فِيمَا خَرَجَ عَنْ الْعَادَةِ حَتَّى يَتَكَرَّرَ مَرَّتَيْنِ أَوْ ثَلَاثًا، فَإِنْ تَكَرَّرَ، وَأَمْكَنَ جَعْلُهُ حَيْضًا، فَهُوَ حَيْضٌ، وَإِلَّا فَلَا. وَكُلُّ مَوْضِعٍ رَأَتْ الدَّمَ وَلَمْ تَتْرُكْ الْعِبَادَةَ فِيهِ، ثُمَّ تَبَيَّنَ أَنَّهُ كَانَ حَيْضًا، فَعَلَيْهَا قَضَاءُ الصَّوْمِ الْمَفْرُوضِ فِيهِ. وَكُلُّ مَوْضِعٍ عَدَّتْهُ حَيْضًا وَتَرَكَتْ فِيهِ الْعِبَادَةَ، ثُمَّ تَبَيَّنَ أَنَّهُ طُهْرٌ، فَعَلَيْهَا قَضَاءُ مَا تَرَكَتْهُ مِنْ الْوَاجِبَاتِ فِيهِ» اهـ. وقال ﵀ (١/ ٢٦٠ - ٢٦١): «فَصْلٌ: فِي التَّلْفِيقِ وَمَعْنَاهُ ضَمُّ الدَّمِ إلَى الدَّمِ الَّذِينَ بَيْنَهُمَا طُهْرٌ وَقَدْ ذَكَرْنَا أَنَّ الطُّهْرَ فِي أَثْنَاءِ الْحَيْضَةِ طُهْرٌ صَحِيحٌ، فَإِذَا رَأَتْ يَوْمًا طُهْرًا وَيَوْمًا دَمًا، وَلَمْ يُجَاوِزْ أَكْثَرَ الْحَيْضِ، فَإِنَّهَا تَضُمُّ الدَّمَ إلَى الدَّمِ، فَيَكُونُ حَيْضًا، وَمَا بَيْنَهُمَا مِنْ النَّقَاءِ طُهْرٌ عَلَى مَا قَرَّرْنَاهُ. وَلَا فَرْقَ بَيْنَ أَنْ يَكُونَ زَمَنُ الدَّمِ أَكْثَرَ مِنْ زَمَنِ الطُّهْرِ أَوْ مِثْلَهُ أَوْ أَقَلَّ مِنْهُ مِثْلُ أَنْ تَرَى يَوْمَيْنِ دَمًا وَيَوْمًا طُهْرًا، أَوْ يَوْمَيْنِ طُهْرًا وَيَوْمًا دَمًا، أَوْ أَقَلَّ أَوْ أَكْثَرَ فَإِنَّ جَمِيعَ الدَّمِ حَيْضٌ إذَا تَكَرَّرَ وَلَمْ يُجَاوِزْ لِمُدَّةِ أَكْثَرِ الْحَيْضِ، فَإِنْ كَانَ الدَّمُ أَقَلَّ مِنْ يَوْمٍ مِثْلُ أَنْ تَرَى نِصْفَ يَوْمٍ دَمًا وَنِصْفَهُ طُهْرًا، أَوْ سَاعَةً وَسَاعَةً فَقَالَ أَصْحَابُنَا: هُوَ كَالْأَيَّامِ يُضَمُّ الدَّمُ إلَى الدَّمِ، فَيَكُونُ حَيْضًا، وَمَا بَيْنَهُمَا طُهْرٌ، إذَا بَلَغَ الْمُجْتَمِعُ مِنْهُ أَقَلَّ الْحَيْضِ، فَإِنْ لَمْ يَبْلُغْ ذَلِكَ فَهُوَ دَمُ فَسَادٍ. وَفِيهِ وَجْهٌ آخَرُ، لَا يَكُونُ الدَّمُ حَيْضًا، إلَّا أَنْ يَتَقَدَّمَهُ حَيْضٌ صَحِيحٌ مُتَّصِلٌ.

стр. 719

وَهَذَا كُلُّهُ مَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ، وَلَهُ قَوْلٌ فِي النَّقَاءِ بَيْنَ الدَّمَيْنِ أَنَّهُ حَيْضٌ وَقَدْ ذَكَرْنَاهُ، وَذَكَرْنَا أَيْضًا وَجْهًا لَنَا فِي أَنَّ النَّقَاءَ مَتَى كَانَ أَقَلَّ مِنْ يَوْمٍ لَمْ يَكُنْ طُهْرًا. فَعَلَى هَذَا مَتَى نَقَصَ النَّقَاءُ عَنْ يَوْمٍ كَانَ الدَّمُ وَمَا بَيْنَهُ حَيْضًا كُلَّهُ، فَإِنْ جَاوَزَ الدَّمُ أَكْثَرَ الْحَيْضِ، بِأَنْ يَكُونَ بَيْنَ طَرَفَيْهِ أَكْثَرُ مِنْ خَمْسَةَ عَشَرَ يَوْمًا، مِثْلُ أَنْ تَرَى يَوْمًا دَمًا وَيَوْمًا طُهْرًا إلَى ثَمَانِيَةَ عَشَرَ يَوْمًا، فَهِيَ مُسْتَحَاضَةٌ لَا تَخْلُو مِنْ أَنْ تَكُونَ مُعْتَادَةً، أَوْ مُمَيِّزَةً، أَوْ لَا عَادَةَ لَهَا وَلَا تَمْيِيزَ، أَوْ يُوجَدُ فِي حَقِّهَا الْأَمْرَانِ. فَإِنْ كَانَتْ مُعْتَادَةً، مِثْلُ أَنْ يَكُونَ حَيْضُهَا خَمْسَةَ أَيَّامٍ فِي أَوَّلِ كُلِّ شَهْرٍ، فَهَذِهِ تَجْلِسُ أَوَّلَ يَوْمٍ تَرَى الدَّمَ فِيهِ فِي الْعَادَةِ، وَتَغْتَسِلُ عِنْدَ انْقِطَاعِهِ، وَمَا بَعْدَ ذَلِكَ مَبْنِيٌّ عَلَى الرِّوَايَتَيْنِ فِي الطُّهْرِ فِي أَثْنَاءِ الْحَيْضَةِ؛ هَلْ يَمْنَعُ مَا بَعْدَهُ أَنْ يَكُونَ حَيْضًا، أَوْ لَا؟ فَإِنْ قُلْنَا يَمْنَعُ، فَحَيْضُهَا الْيَوْمُ الْأَوَّلُ خَاصَّةً وَمَا بَعْدَهُ اسْتِحَاضَةٌ، وَإِنْ قُلْنَا لَا يَمْنَعُ، فَحَيْضُهَا الْيَوْمُ الْأَوَّلُ، وَالثَّالِثُ وَالْخَامِسُ، فَيَحْصُلُ لَهَا مِنْ عَادَتِهَا ثَلَاثَةُ أَيَّامٍ وَالْبَاقِي اسْتِحَاضَةٌ، وَفِي وَجْهٍ آخَرَ أَنَّهُ يُلَفَّقُ لَهَا الْخَمْسَةُ مِنْ أَيَّامِ الدَّمِ جَمِيعِهَا، فَتَجْلِسُ السَّابِعَ وَالتَّاسِعَ. وَالصَّحِيحُ الْأَوَّلُ؛ لِأَنَّ هَذَيْنِ الْيَوْمَيْنِ لَيْسَا مِنْ عَادَتِهَا فَلَا تَجْلِسُهُمَا كَغَيْرِ الْمُلَفِّقَةِ. وَإِنْ كَانَتْ مُمَيِّزَةً جَلَسَتْ زَمَانَ الدَّمِ الْأُسُودِ مِنْ الْأَيَّامِ، فَكَانَ حَيْضَهَا وَبَاقِيهِ اسْتِحَاضَةٌ، وَإِنْ كَانَتْ مُبْتَدَأَةً جَلَسَتْ الْيَقِينَ فِي ثَلَاثَةِ أَشْهُرٍ، مِنْ أَوَّلِ دَمٍ تَرَاهُ، أَوْ فِي شَهْرَيْنِ، ثُمَّ تَنْتَقِلُ بَعْدَ ذَلِكَ إلَى سِتَّةِ أَيَّامٍ أَوْ سَبْعَةٍ. وَهَلْ يُلَفَّقُ لَهَا السَّبْعَةُ مِنْ خَمْسَةَ عَشَرَ يَوْمًا، أَوْ تَجْلِسُ أَرْبَعَةَ أَيَّامٍ مِنْ سَبْعَةِ أَيَّامٍ؟ عَلَى وَجْهَيْنِ، كَمَا قُلْنَا فِيمَنْ عَادَتُهَا سَبْعَةُ أَيَّامٍ، فَإِذَا قُلْنَا تَجْلِسُ زَمَانَ الدَّمِ مِنْ سَبْعَةٍ، جَلَسَتْ الْأَوَّلَ وَالثَّالِثَ وَالْخَامِسَ وَالسَّابِعَ.

стр. 720

وَإِنْ أَجْلَسْنَاهَا سِتَّةَ أَيَّامٍ سَقَطَ السَّابِعُ. وَإِنْ قُلْنَا تُلَفِّقُ لَهَا، زَادَتْ التَّاسِعَ وَالْحَادِي عَشَرَ إنْ قُلْنَا تَجْلِسُ سِتَّةً، وَإِنْ جَلَسَتْ سَبْعَةً زَادَتْ الثَّالِثَ عَشَرَ وَهَكَذَا الْحُكْمُ فِي النَّاسِيَةِ. وَهَذَا أَحَدُ قَوْلَيْ الشَّافِعِيِّ إلَّا أَنَّهُ لَا يُلَفِّقُ لَهَا عَدَدَ أَيَّامِهَا فِي أَحَدِ الْوَجْهَيْنِ. وَقَالَ الْقَاضِي، فِي الْمُعْتَادَةِ كَمَا ذَكَرْنَا. وَفِي غَيْرِهَا: مَا عَبَرَ الْخَمْسَةَ عَشَرَ اسْتِحَاضَةٌ وَأَيَّامُ الدَّمِ مِنْ الْخَمْسَةَ عَشَرَ حَيْضٌ كُلُّهَا إذَا تَكَرَّرَ فَإِنْ كَانَ يَوْمًا وَيَوْمًا، فَلَهَا ثَمَانِيَةُ أَيَّامٍ حَيْضٌ، وَسَبْعَةٌ طُهْرٌ وَإِنْ كَانَتْ أَنْصَافًا فَلَهَا سَبْعَةُ أَيَّامٍ وَنِصْفٌ حَيْضٌ وَمِثْلُهَا طُهْرٌ وَهَذَا قَوْلُ ابْنِ بِنْتِ الشَّافِعِيِّ؛ لِأَنَّ الطُّهْرَ فِي الْيَوْمِ السَّادِسَ عَشَرَ يَفْصِلُ بَيْنَ الْحَيْضِ وَمَا بَعْدَهُ، فَإِنَّهَا فِيمَا بَعْدَهُ فِي حُكْمِ الطَّاهِرَاتِ، نَأْمُرُهَا بِالصَّلَاةِ وَالصِّيَامِ. وَلَنَا: أَنَّ الطُّهْرَ لَوْ مُيِّزَ بَعْدَ الْخَامِسَ عَشَرَ لَمُيِّزَ قَبْلَهُ، كَتَمَيُّزِ اللَّوْنِ، وَالْحُكْمُ فِيمَا إذَا كَانَ أَنْصَافًا أَوْ مُخْتَلِفًا، يَوْمًا دَمًا وَأَيَّامًا طُهْرًا أَوْ أَيَّامًا طُهْرًا وَأَيَّامًا دَمًا، كَالْحُكْمِ فِي الْأَيَّامِ الصِّحَاحِ الْمُتَسَاوِيَةِ، إلَّا أَنَّهُ إذَا كَانَ الْجُزْءُ الَّذِي تَرَى الدَّمَ فِيهِ أَوَّلًا أَقَلَّ مِنْ أَقَلِّ الْحَيْضِ فَفِيهِ وَجْهُ أَنَّهُ لَا يَكُونُ حَيْضًا حَتَّى يَسْبِقَهُ دَمٌ مُتَّصِلٌ يَصْلُحُ أَنْ يَكُونَ حَيْضًا. وَإِنْ قُلْنَا الطُّهْرُ يَمْنَعُ مَا بَعْدَهُ مِنْ كَوْنِهِ حَيْضًا قَبْلَ التَّكْرَارِ، وَجَاءَ فِي الْعَادَةِ، فَإِنَّهَا تَضُمُّ إلَى الْأَوَّلِ مَا تُكْمِلُ بِهِ أَقَلَّ الْحَيْضِ؛ فَإِذَا كَانَتْ تَرَى الدَّمَ يَوْمًا وَيَوْمًا، ضَمَّتْ الثَّالِثَ إلَى الْأَوَّلِ. فَكَانَ حَيْضًا فِي الْمَرَّةِ الْأُولَى وَالثَّانِيَةِ، ثُمَّ تَنْتَقِلُ إلَى مَا تَكَرَّرَ فِي الْمَرَّةِ الثَّالِثَةِ أَوْ الرَّابِعَةِ، عَلَى اخْتِلَافِ الْوَجْهَيْنِ، وَإِذَا رَأَتْ أَقَلَّ مِنْ أَقَلِّ الْحَيْضِ، ثُمَّ طَهُرَتْ ثَلَاثَةَ

стр. 721

عَشَرَ يَوْمًا، ثُمَّ رَأَتْ دَمًا مِثْلَ ذَلِكَ، وَقُلْنَا أَقَلُّ الطُّهْرِ ثَلَاثَةَ عَشَرَ يَوْمًا، فَهُوَ دَمُ فَسَادٍ؛ لِأَنَّهُ لَا يَصْلُحُ أَنْ يَكُونَ حَيْضَةً وَاحِدَةً لِفَصْلِ أَقَلِّ الطُّهْرِ بَيْنَهُمَا، وَلَا حَيْضَتَيْنِ؛ لِنُقْصَانِ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا عَنْ أَقَلِّ الْحَيْضِ، وَإِنْ قُلْنَا أَقَلُّ الطُّهْرِ خَمْسَةَ عَشَرَ، ضَمَمْنَا الْأَوَّلَ إلَى الثَّانِي، فَكَانَا حَيْضَةً وَاحِدَةً، إذَا بَلَغَا بِمَجْمُوعِهِمَا أَقَلَّ الْحَيْضِ، وَإِنْ كَانَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْ الدَّمَيْنِ يَبْلُغُ أَقَلَّ الْحَيْضِ، فَهُمَا حَيْضَتَانِ، إنْ قُلْنَا: أَقَلُّ الطُّهْرِ ثَلَاثَةَ عَشَرَ وَإِنْ قُلْنَا أَقَلُّهُ خَمْسَةَ عَشَرَ، ضَمَمْنَا الثَّانِيَ إلَى الْأَوَّلِ فَكَانَا حَيْضًا وَاحِدًا، إذَا لَمْ يَكُنْ بَيْنَ طَرَفَيْهِمَا أَكْثَرُ مِنْ خَمْسَةَ عَشَرَ يَوْمًا، فَإِنْ كَانَ بَيْنَ طَرَفَيْهِمَا خَمْسَةَ عَشَرَ يَوْمًا لَمْ يَكُنْ جَعْلُهُمَا جَمِيعًا حَيْضًا فَيَجْعَلُ أَحَدَهُمَا حَيْضًا وَالْآخَرَ اسْتِحَاضَةً وَعَلَى هَذَا فَقِسْ» اهـ. وقال شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ في [شرح عمدة الفقه] (١/ ٥١٣ - ٥١٤): «فَصْلٌ: وَالطُّهْرُ فِي أَثْنَاءِ الْحَيْضَةِ طُهْرٌ صَحِيحٌ إِذَا رَأَتِ النَّقَاءَ الْخَالِصَ بِحَيْثُ لَا يَتَغَيَّرُ لَوْنُ الْقُطْنَةِ إِذَا احْتَشَتْ بِهَا، وَإِنْ كَانَتْ أَقَلَّ مِنْ يَوْمٍ فِي الْمَشْهُورِ عَنْهُ، وَعَنْهُ أَنَّ مَا دُونُ الْيَوْمِ لَا يُلْتَفَتُ إِلَيْهِ كَالْفَتَرَاتِ وَاللَّحَظَاتِ وَمَا لَمْ تَرَ فِيهِ "الْقُصَّةَ" الْبَيْضَاءَ، وَعَنْهُ أَنَّهُ لَيْسَ الطُّهْرُ فِي أَثْنَاءِ الْحَيْضَةِ بِطُهْرٍ صَحِيحٍ، بَلْ حُكْمُهُ حُكْمُ الدَّمِ؛ لِأَنَّ دَمَ الْحَيْضِ يَسْتَمْسِكُ مَرَّةً وَيَنْقَطِعُ أُخْرَى، وَلَيْسَ بِدَائِمِ الْجَرَيَانِ، فَلَوْ كَانَ وَقْتُ الِانْقِطَاعِ طُهْرًا لَمْ تَسْقُطْ عَنْهَا الصَّلَاةُ بِحَالٍ، وَلِأَنَّهُ لَوْ كَانَ طُهْرًا صَحِيحًا كَانَ مَا قَبْلُهُ وَمَا بَعْدَهُ حَيْضًا صَحِيحًا تَامًّا فَتَنْقَضِي الْعِدَّةُ بِثَلَاثٍ مِنْ هَذَا الْجِنْسِ.

стр. 722

وَالْأَوَّلُ الْمَذْهَبُ، لِقَوْلِ ابْنِ عَبَّاسٍ فِي الْمُسْتَحَاضَةِ: "إِذَا رَأَتِ الدَّمَ الْبَحْرَانِيَّ فَلَا تُصَلِّي فَإِذَا رَأَتِ الطُّهْرَ وَلَوْ سَاعَةً فَلْتَغْتَسِلْ وَتُصَلِّي" رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ. وَلِأَنَّهُ لَيْسَ جَعْلُ النَّقَاءِ الْخَالِصِ حَيْضًا تَبَعًا لِمَا يَتَخَلَّلُهُ مِنَ الدَّمِ فِي الْعَادَةِ، فَأَمَّا الْلَحَظَاتُ الَّتِي يَسْتَمْسِكُ فِيهَا دَمُ الْحَيْضِ فَلَا يَحْصُلُ فِيهَا النَّقَاءُ الْخَالِصُ وَلَا تَرَى مَعَهُ الْقُصَّةَ الْبَيْضَاءَ، فَعَلَى هَذَا إِذَا رَأَتْ يَوْمًا دَمًا وَيَوْمًا طُهْرًا وَلَمْ يُجَاوِزْ مَجْمُوعُهَا أَكْثَرَ الْحَيْضِ اغْتَسَلَتْ أَيَّامَ النَّقَاءِ، وَصَلَّتْ وَصَامَتْ وَضَمَّتِ النَّقَاءَ إِلَى الدَّمِ، فَكَانَ مَجْمُوعُهَا حَيْضًا بِشَرْطِ أَنْ لَا يَنْقُصَ عَنْ أَقَلِّ الْحَيْضِ، وَأَمَّا إِنْ جَاوَزَ أَكْثَرَ الْحَيْضِ فَهِيَ مُسْتَحَاضَةٌ سَوَاءٌ حَصَلَ النَّقَاءُ بَعْدَ أَكَثَرِ الْحَيْضِ أَوِ اتَّصَلَ الدَّمُ بِأَكْثَرِ الْحَيْضِ، وَقَالَ الْقَاضِي: وَإِنْ لَمْ تَكُنْ مُعْتَادَةً فَإِنَّ النَّقَاءَ فِي السَّادِسِ عَشَرَ يَفْصِلُ بَيْنَ دَمِ الْحَيْضِ وَالِاسْتِحَاضَةِ؛ لِأَنَّ هَذَا الدَّمَ لَمْ يَتَّصِلْ بِدَمٍ فَاسِدٍ وَلَا خَالَفَ عَادَةً مُتَقَدِّمَةً فَوَجَبَ أَنْ يَكُونَ حَيْضًا، وَوَجْهُ الْأَوَّلِ أَنَّ هَذَا الدَّمَ وَإِنْ لَمْ يَتَّصِلْ بِدَمٍ فَاسِدٍ فَلَمْ يَتَّصِلْ بِدَمٍ صَحِيحٍ فَعَارَضَ الْأَمْرَانِ، وَكَانَ كَمَا لَوِ اتَّصَلَ بِهِمَا، وَلَوِ اتَّصَلَ بِهِمَا كَانَ الْجَمِيعُ اسْتِحَاضَةً فَكَذَلِكَ إِذَا انْفَصَلَ عَنْهُمَا، وَهَذِهِ تُسَمَّى الْمُلَفَّقَةُ» اهـ. قلت: أثر ابن عباس لم يصله أبو داود، وقد وصله ابن أبي شيبة في [مصنفه] (١٣٧٧)، والدارمي في [سننه] (٨٠٠، ٨٠١) من طريق خَالِدٍ وهو الحذاء، عَنْ أَنَسِ بْنِ سِيرِينَ، قَالَ: اسْتُحِيضَتِ امْرَأَةٌ مِنْ آلِ أَنَسٍ، فَأَمَرُونِي فَسَأَلْت ابْنَ عَبَّاسٍ؟ فَقَالَ: «أَمَّا مَا رَأَتِ الدَّمَ الْبَحْرَانِيَّ فَلَا تُصَلِّي، وَإِذَا رَأَتِ الطُّهْرَ وَلَوْ سَاعَةً مِنَ النَّهَارِ فَلْتَغْتَسِلْ وَتُصَلِّي». قلت: هذا أثر صحيح.

стр. 723

وهذا محمول على من رأت القصة البيضاء فإنَّها علامة ظاهرة في الطهر، وأمَّا الجفاف في أثناء الحيض في اليوم الواحد فهو من الأمور المعتادة على ما سبق بيانه. قال العلامة ابن مفلح ﵀ في [الفروع] (١/ ٣٦٥): «نَقَلَ أَبُو بَكْرٍ هِيَ طَاهِرٌ إذَا رَأَتْ الْبَيَاضَ، وَذَكَرَ شَيْخُنَا أَنَّهُ قَوْلُ أَكْثَرِ أَصْحَابِنَا إنْ كَانَ الطُّهْرُ سَاعَةً. وَعَنْهُ: أَقَلُّهُ سَاعَةٌ، وَعَنْهُ يَوْمٌ، اخْتَارَهُ الشَّيْخُ» اهـ. ومراده بالشيخ شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀. ١٢ - وقوله ﷺ : «فَإِذَا أَقْبَلَتْ الْحَيْضَةُ: فَاتْرُكِي الصَّلاةَ فِيهَا، فَإِذَا ذَهَبَ قَدْرُهَا فَاغْسِلِي عَنْك الدَّمَ وَصَلِّي». فيه أنَّ المرأة تترك الصلاة إذا أقبلت الحيضة، وهذا يعم قليلها وكثيرها، ولم يحد النبي ﷺ حداً لأقل الحيض، والصحيح أنَّ ما سال من فرج المرأة مما يدفعه الرحم فهو حيض قل أو كثر ما لم يكن دم عرق. وذهب الشافعي وأحمد إلى أنَّ أقله يوم، أو يوم وليلة على اختلاف في الروايات، والرواية الأولى أشهر في مذهبيهما، وذهب مالك إلى أنَّه لا حد لأقله. وذهب أبو حنيفة إلى أنَّ أقله ثلاثة أيام. قال شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ كما في [مجموع الفتاوى] (١٩/ ٢٤٠ - ٢٤٢): «وَمَنْ لَمْ يَأْخُذْ بِهَذَا بَلْ قَدَّرَ أَقَلَّ الْحَيْضِ بِيَوْمٍ أَوْ يَوْمٍ وَلَيْلَةٍ أَوْ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ فَلَيْسَ مَعَهُ فِي ذَلِكَ مَا يَعْتَمِدُ عَلَيْهِ فَإِنَّ النَّقْلَ فِي ذَلِكَ عَنْ النَّبِيِّ ﷺ وَأَصْحَابِهِ بَاطِلٌ عِنْدَ أَهْلِ الْعِلْمِ بِالْحَدِيثِ. وَالْوَاقِعُ لَا ضَابِطَ لَهُ فَمَنْ لَمْ يَعْلَمْ حَيْضًا

стр. 724

إلَّا ثَلَاثًا قَالَ غَيْرُهُ قَدْ عَلِمَ يَوْمًا وَلَيْلَةً وَمَنْ لَمْ يَعْلَمْ إلَّا يَوْمًا وَلَيْلَةً، قَدْ عَلِمَ غَيْرُهُ يَوْمًا وَنَحْنُ لَا يُمْكِنُنَا أَنْ نَنْفِيَ مَا لَا نَعْلَمُ وَإِذَا جَعَلْنَا حَدَّ الشَّرْعِ مَا عَلِمْنَاهُ فَقُلْنَا: لَا حَيْضَ دُونَ ثَلَاثٍ أَوْ يَوْمٍ وَلَيْلَةٍ أَوْ يَوْمٍ؛ لِأَنَّا لَمْ نَعْلَمْ إلَّا ذَلِكَ كَانَ هَذَا وَضْعَ شَرْعٍ مِنْ جِهَتِنَا بَعْدَ الْعِلْمِ؛ فَإِنَّ عَدَمَ الْعِلْمِ لَيْسَ عِلْمًا بِالْعَدَمِ؛ وَلَوْ كَانَ هَذَا حَدًّا شَرْعِيًّا فِي نَفْسِ الْأَمْرِ لَكَانَ الرَّسُولُ ﷺ أَوْلَى بِمَعْرِفَتِهِ وَبَيَانِهِ مِنَّا كَمَا حَدَّ لِلْأَمَةِ مَا حَدَّهُ اللَّهُ لَهُمْ مِنْ أَوْقَاتِ الصَّلَوَاتِ وَالْحَجِّ وَالصِّيَامِ وَمِنْ أَمَاكِنِ الْحَجِّ؛ وَمِنْ نُصُبِ الزَّكَاةِ وَفَرَائِضِهَا؛ وَعَدَدِ الصَّلَوَاتِ وَرُكُوعِهَا وَسُجُودِهَا. فَلَوْ كَانَ لِلْحَيْضِ وَغَيْرِهِ مِمَّا لَمْ يُقَدِّرْهُ النَّبِيُّ ﷺ حَدٌّ عِنْدَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ لَبَيَّنَهُ الرَّسُولُ ﷺ فَلَمَّا لَمْ يَحُدَّهُ دَلَّ عَلَى أَنَّهُ رَدَّ ذَلِكَ إلَى مَا يَعْرِفُهُ النِّسَاءُ وَيُسَمَّى فِي اللُّغَةِ حَيْضًا؛ وَلِهَذَا كَانَ كَثِيرٌ مِنْ السَّلَفِ إذَا سُئِلُوا عَنْ الْحَيْضِ قَالُوا: سَلُوا النِّسَاءَ فَإِنَّهُنَّ أَعْلَمُ بِذَلِكَ يَعْنِي: هُنَّ يَعْلَمْنَ مَا يَقَعُ مِنْ الْحَيْضِ وَمَا لَا يَقَعُ. وَالْحُكْمُ الشَّرْعِيُّ تَعَلَّقَ بِالِاسْمِ الدَّالِّ عَلَى الْوَاقِعِ فَمَا وَقَعَ مِنْ دَمٍ فَهُوَ حَيْضٌ إذَا لَمْ يُعْلَمْ أَنَّهُ دَمُ عِرْقٍ أَوْ جُرْحٍ؛ فَإِنَّ الدَّمَ الْخَارِجَ إمَّا أَنْ تُرْخِيَهُ الرَّحِمُ؛ أَوْ يَنْفَجِرَ مِنْ عِرْقٍ مِنْ الْعُرُوقِ؛ أَوْ مِنْ جِلْدِ الْمَرْأَةِ أَوْ لَحْمِهَا فَيَخْرُجُ مِنْهُ. وَذَلِكَ يَخْرُجُ مِنْ عُرُوقٍ صِغَارٍ؛ لَكِنَّ دَمَ الْجُرْحِ الصَّغِيرِ لَا يَسِيلُ سَيْلًا مُسْتَمِرًّا كَدَمِ الْعِرْقِ الْكَبِيرِ. وَلِهَذَا قَالَ النَّبِيُّ ﷺ لِلْمُسْتَحَاضَةِ: "إنَّ هَذَا دَمُ عِرْقٍ وَلَيْسَتْ بِالْحَيْضَةِ". وَإِنَّمَا يَسِيلُ الْجُرْحُ إذَا انْفَجَرَ عِرْقٌ كَمَا ذَكَرْنَا فَصْدَ الْإِنْسَانِ؛ فَإِنَّ الدَّمَ فِي الْعُرُوقِ الصِّغَارِ وَالْكِبَارِ» اهـ. وقال العلامة ابن القيم ﵀ في [إعلام الموقعين] (١/ ٢٢٤ - ٢٢٥):

стр. 725

«وَفَرَّقْتُمْ بَيْنَ مَا جَمَعَتْ الشَّرِيعَةُ بَيْنَهُمَا - وَهُوَ الْحَيْضُ، وَالنِّفَاسُ، فَجَعَلْتُمْ أَقَلَّ الْحَيْضِ مَحْدُودًا إمَّا بِثَلَاثَةِ أَيَّامٍ أَوْ بِيَوْمٍ وَلَيْلَةٍ أَوْ بِيَوْمٍ، وَلَمْ تَجِدُوا أَقَلَّ النِّفَاسِ، وَكِلَاهُمَا دَمٌ خَارِجٌ مِنْ الْفَرْجِ يَمْنَعُ أَشْيَاءَ وَيُوجِبُ أَشْيَاءَ، وَلَيْسَا اسْمَيْنِ شَرْعِيَّيْنِ لَمْ يُعْرَفَا إلَّا بِالشَّرِيعَةِ، بَلْ هُمَا اسْمَانِ لُغَوِيَّانِ، رَدَّ الشَّارِعُ أُمَّتَهُ فِيهِمَا إلَى مَا يَتَعَارَفُهُ النِّسَاءُ حَيْضًا وَنِفَاسًا، قَلِيلًا كَانَ أَوْ كَثِيرًا. وَقَدْ ذَكَرْتُمْ هَذَا بِعَيْنِهِ فِي النِّفَاسِ، فَمَا الَّذِي فَرَّقَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْحَيْضِ؟ وَلَمْ يَأْتِ عَنْ اللَّهِ وَلَا عَنْ رَسُولِهِ وَلَا عَنْ الصَّحَابَةِ تَحْدِيدُ أَقَلِّ الْحَيْضِ بِحَدٍّ أَبَدًا، وَلَا فِي الْقِيَاسِ مَا يَقْتَضِيهِ. وَالْعَجَبُ أَنَّكُمْ قُلْتُمْ: الْمَرْجِعُ فِيهِ إلَى الْوُجُودِ حَيْثُ لَمْ يَحُدَّهُ الشَّارِعُ، ثُمَّ نَاقَضْتُمْ فَقُلْتُمْ: حَدُّ أَقَلِّهِ يَوْمٌ وَلَيْلَةٌ. وَأَمَّا أَصْحَابُ الثَّلَاثِ فَإِنَّمَا اعْتَمَدُوا عَلَى حَدِيثٍ تَوَهَّمُوهُ صَحِيحًا وَهُوَ غَيْرُ صَحِيحٍ بِاتِّفَاقِ أَهْلِ الْحَدِيثِ، فَهُمْ أَعْذَرُ مِنْ وَجْهٍ، قَالَ الْمُفَرِّقُونَ: بَلْ فَرَّقْنَا بَيْنَهُمَا بِالْقِيَاسِ الصَّحِيحِ، فَإِنَّ لِلْقِيَاسِ عَلَمًا ظَاهِرًا يَدُلُّ عَلَى خُرُوجِهِ مِنْ الرَّحِمِ وَهُوَ تَقَدُّمُ الْوَلَدِ عَلَيْهِ، فَاسْتَوَى قَلِيلُهُ وَكَثِيرُهُ، لِوُجُودِ عَلَمِهِ الدَّالِ عَلَيْهِ، وَلَيْسَ مَعَ الْحَيْضِ عَلَمٌ يَدُلُّ عَلَى خُرُوجِهِ مِنْ الرَّحِمِ، فَإِذَا امْتَدَّ زَمَنُهُ صَارَ امْتِدَادُهُ عَلَمًا وَدَلِيلًا عَلَى أَنَّهُ حَيْضٌ مُعْتَادٌ، وَإِذَا لَمْ يَمْتَدَّ لَمْ يَكُنْ مَعَنَا مَا يَدُلُّ عَلَيْهِ أَنَّهُ حَيْضٌ فَصَارَ كَدَمِ الرُّعَافِ. ثُمَّ نَاقَضُوا فِي هَذَا الْفَرْقِ نَفْسَهُ أَبْيَنَ مُنَاقَضَةٍ، فَقَالَ أَصْحَابُ الثَّلَاثِ: لَوْ امْتَدَّ يَوْمَيْنِ وَنِصْفَ يَوْمٍ دَائِمًا لَمْ يَكُنْ حَيْضًا حَتَّى يَمْتَدَّ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ. وَقَالَ أَصْحَابُ الْيَوْمِ: لَوْ امْتَدَّ مِنْ غَدْوَةٍ إلَى الْعَصْرِ دَائِمًا لَمْ يَكُنْ حَيْضًا حَتَّى يَمْتَدَّ إلَى غُرُوبِ الشَّمْسِ، فَخَرَجُوا بِالْقِيَاسِ عَنْ مَحْضِ الْقِيَاسِ» اهـ.

стр. 726

قلت: ولا حد لأكثره على الصحيح، وذهب مالك والشافعي وأحمد إلى أنَّ أكثره خمسة عشر يوماً، وفي رواية لمالك وأحمد أكثره سبعة عشر يوماً. وقال العلامة النووي ﵀ في [المجموع] (٢/ ٣٨٠): «وَحَكَى الْمَاوَرْدِيُّ عَنْ مَالِكٍ ثَلَاثَ رِوَايَاتٍ فِي أَكْثَرِ الْحَيْضِ إحْدَاهَا خَمْسَةَ عَشَرَ وَالثَّانِيَةُ سَبْعَةَ عَشَرَ وَالثَّالِثَةُ غَيْرُ مَحْدُودٍ» اهـ. قلت: وذهب أبو حنيفة إلى أنَّ أكثره عشرة أيام. ونازع العلامة ابن القيم ﵀ في كون السبعة عشرة مذهباً لأحمد في أكثر الحيض فقال في [بدائع الفوائد] (٤/ ٩٤): «قوله: في أكثر الحيض أكثر ما سمعنا سبعة عشر يوماً يحتمل أن يكون ذكره لأنَّه قوله، ويمكن أن يكون على طريق الحكاية والأشبه عندي أن يكون قوله لا يختلف أنَّه خمسة عشر يوماً، وإنَّما أخبر عن السبع عشرة أنَّه سمعه لا أنَّه يقلده» اهـ. قلت: وإن كان الصحيح أنَّ الحيض لا حد لأكثره غير أنَّ المرأة إذا زاد الدم عن عادتها وتجاوز الخمسة عشر يوماً فعليها أن تغتسل وتصلي وتجعل ما زاد استحاضة لأنَّ الغالب في الحيض أن لا يتجاوز الخمسة عشر يوماً، لكن إن تجاوز واستقر فهو حيض فأما إذا لم يستقر واستمر بها فهو جميع الشهر أو جميعه إلَّا قليلاً منه فهو استحاضة. واختلفوا في أقل الطهر بين الحيضتين فذهب أحمد إلى أنَّه ثلاثة عشر يوماً، وذهب الشافعي وأبو حنيفة إلى أنَّه خمسة عشر يوماً، وحكي رواية عن أحمد.

стр. 727

وفي رواية لأحمد ومالك أنَّه لا حد لأقل الطهر بين الحيضتين. وقال الحافظ ابن عبد البر ﵀ في [الكافي] (١/ ١٨٦): «واختلف أصحاب مالك في أقل الطهر الذي تعتد به المطلقة فقال بعضهم: سبعة أيام أو ثمانية وقال بعضهم: عشرة وقال بعضهم: أقله خمسة أيام وقال بعضهم: عشرة وقال بعضهم: أقله خمسة أيام وقال بعضهم: أقله خمسة عشر يوما وعلى هذا أكثر العلماء وليس لكثرة الطهر حد» اهـ. وقال العلامة النووي ﵀ في [المجموع] (٢/ ٣٨٢): «وَقَالَ الْمَاوَرْدِيُّ قَالَ أَكْثَرُ الْعُلَمَاءِ أَقَلُّ الطُّهْرِ خَمْسَةَ عَشَرَ وَقَالَ مَالِكٌ أَقَلُّهُ عَشَرَةٌ» اهـ. وقال الحافظ ابن عبد البر ﵀ في [الاستذكار] (١/ ٣٤٨) «أَمَّا أَقَلُّ الطُّهْرِ فَقَدِ اضْطَرَبَ فِيهِ قَوْلُ مَالِكٍ وَأَصْحَابِهِ فَرَوَى بن الْقَاسِمِ عَنْهُ عَشَرَةُ أَيَّامٍ وَرَوَى عَنْهُ أَيْضًا أقل الطهر ثمانية أيام وهو قول سجنون. وَقَالَ عَبْدُ الْمَلِكِ بْنُ الْمَاجِشُونِ عَبْدُ الْمَلِكِ قَالَ أَقَلُّ الطُّهْرِ خَمْسَةُ أَيَّامٍ وَرَوَاهُ عَنْ مَالِكٍ وَإِلَى هَذِهِ الرِّوَايَةِ مَالَ بَعْضُ الْبَغْدَادِيِّينَ مِنَ الْمَالِكِيِّينَ. وَقَالَ مُحَمَّدُ بْنُ مَسْلَمَةَ أَقَلُّ الطُّهْرِ خَمْسَةَ عَشَرَ يَوْمًا وَهُوَ اخْتِيَارُ أَكْثَرِ الْبَغْدَادِيِّينَ مِنَ الْمَالِكِيِّينَ وَهُوَ قَوْلُ الشَّافِعِيِّ وَأَبِي حَنِيفَةَ وَأَصْحَابِهِمَا وَالثَّوْرِيِّ. وَهُوَ الصَّحِيحُ لِأَنَّ اللَّهَ قَدْ جَعَلَ عِدَّةَ ذَاتِ الْأَقْرَاءِ ثَلَاثَةَ قُرُوءٍ وَجَعَلَ عِدَّةَ مَنْ لَا تَحِيضُ مِنْ كِبَرٍ أَوْ صِغَرٍ ثَلَاثَةَ أَشْهُرٍ فَكَانَ كُلُّ قُرْءٍ عِوَضًا مِنْ شَهْرٍ وَالشَّهْرُ يَجْمَعُ الطُّهْرَ وَالْحَيْضَ فَإِذَا قَلَّ الْحَيْضُ كَثُرَ الطُّهْرُ وَإِذَا كَثُرَ الْحَيْضُ قَلَّ الطُّهْرُ فَلَمَّا كَانَ

стр. 728

أَكْثَرُ الْحَيْضِ خَمْسَةَ عَشَرَ يَوْمًا وَجَبَ أَنْ يَكُونَ أَقَلُّ الطُّهْرِ خَمْسَةَ عَشَرَ يَوْمًا لِيَكْمُلَ فِي الشَّهْرِ الْوَاحِدِ حَيْضٌ وَطُهْرٌ وَهُوَ الْمُتَعَارَفُ فِي الْأَغْلَبِ مِنْ كَثْرَةِ النِّسَاءِ وَجِبِلَّتِهِنَّ مَعَ دَلَائِلِ الْقُرْآنِ والسنة على ذلك كما ذكرنا» اهـ. قلت: والمشهور عند المالكية في كتبهم أنَّ أقل الطهر خمسة عشر يوماً. وقال شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ في [شرح عمدة الفقه] (١/ ٤٧٩) - عند ذكره لمذهب الإمام أحمد -: «وَعَنْهُ أَنَّهُ لَيْسَ بَيْنَ الْحَيْضَتَيْنِ شَيْءٌ مُؤَقَّتٌ وَهُوَ عَلَى مَا تَعْرِفُ الْمَرْأَةُ مِنْ عَادَتِهَا، وَإِنْ كَانَتِ اثْنَي عَشَرَ يَوْمًا أَوْ عَشَرَةَ أَيَّامٍ؛ لِأَنَّهُ لَا يُؤَقَّتُ فِي ذَلِكَ فَيُرْجَعُ فِيهِ إِلَى الْعَادَةِ كَأَكْثَرِ الطُّهْرِ» اهـ. وقال العلامة الشنقيطي ﵀ في [أضواء البيان] (٢/ ٢٣٣): «وَأَقْرَبُ الْمَذَاهِبِ فِي ذَلِكَ هُوَ أَكْثَرُهَا مُوَافَقَةً لِلْمُشَاهَدِ كَكَوْنِ الْحَيْضِ لَا يَقِلُّ عَنْ يَوْمٍ وَلَيْلَةٍ وَلَا يَكْثُرُ عَنْ نِصْفِ شَهْرٍ، وَكَوْنُ أَقَلِّ الطُّهْرِ نِصْفُ شَهْرٍ، وَاللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ» اهـ. قلت: واحتج بمن قال بأنَّ أقل الطهر بين الحيضتين ثلاثة عشر يوماً بما رواه ابن أبي شيبة في [مصنفه] (١٩٢٩٦)، والدارمي في [سننه] (٨٨٣) من طريق إِسْمَاعِيلَ بْنِ أَبِي خَالِدٍ، عَنْ عَامِرٍ وهو الشعبي، قَالَ: جَاءَتِ امْرَأَةٌ إِلَى عَلِيٍّ طَلَّقَهَا زَوْجُهَا، فَزَعَمَتْ أَنَّهَا حَاضَتْ فِي شَهْرٍ ثَلَاثَ حِيَضٍ، وَطَهُرَتْ عِنْدَ كُلِّ قُرْءٍ وَصَلَّتْ، فَقَالَ عَلِيٌّ لِشُرَيْحٍ: «قُلْ فِيهَا»، فَقَالَ شُرَيْحٌ: إِنْ جَاءَتْ بَيِّنَةٌ مِنْ بِطَانَةِ أَهْلِهَا مِمَّنْ يُرْضَى بِدِينِهِ وَأَمَانَتِهِ، يَشْهَدُونَ أَنَّهَا حَاضَتْ فِي شَهْرٍ ثَلَاثَ حِيَضٍ،

стр. 729

وَطَهُرَتْ عِنْدَ كُلِّ قُرْءٍ، وَصَلَّتْ فَهِيَ صَادِقَةٌ، وَإِلَّا فَهِيَ كَاذِبَةٌ، فَقَالَ عَلِيٌّ: «قَالُونُ، وَعَقَدَ ثَلَاثِينَ بِيَدِهِ، يَعْنِي بِالرُّومِيَّةِ». قلت: هذا أثر صحيح. ومعنى "قالون" بالرومية أصبت، أو جيد. وقد علقه البخاري في [صحيحه - مع الفتح] (١/ ٨٩) فقال: «وَيُذْكَرُ عَنْ عَلِيٍّ وَشُرَيْحٍ إِنِ امْرَأَةٌ جَاءَتْ بِبَيِّنَةٍ مِنْ بِطَانَةِ أَهْلِهَا مِمَّنْ يُرْضَى دِينُهُ أَنَّهَا حَاضَتْ ثَلَاثًا فِي شَهْرٍ صُدِّقَتْ» اهـ. قالوا: فلا يمكن أنَّ تنتهي عدتها في شهر إذا كان أقل الطهر خمسة عشر يوماً، فصح أنَّ أقله ثلاثة عشر يوماً، وذلك أنَّها إذا حاضت يوماً وطهرت ثلاثة عشر يوماً، ثم حاضت يوماً، وطهرت ثلاثة عشر يوماً، ثم حاضت يوماً، وطهرت فهذه ثلاثين يوماً مع يوم طهرها آخر أقرائها. قلت: وهذا مبني على أنَّ أقل الحيض يوم. وقال شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ في [شرح عمدة الفقه] (١/ ٤٧٩): «وَوَجْهُ الْمَشْهُورِ مَا احْتَجَّ بِهِ الْإِمَامُ أَحْمَدُ وَرَوَاهُ عَنْ عَلِيٍّ ﵁ " أَنَّ امْرَأَةً جَاءَتْ إِلَيْهِ قَدْ طَلَّقَهَا زَوْجُهَا فَزَعَمَتْ أَنَّهَا حَاضَتْ فِي شَهْرٍ ثَلَاثَ حِيَضٍ طَهُرَتْ عِنْدَ كُلِّ قُرْءٍ وَصَلَّتْ، فَقَالَ عَلِيٌّ لِشُرَيْحٍ: قُلْ فِيهَا، فَقَالَ شُرَيْحٌ: "إِنْ جَاءَتْ بِبَيِّنَةٍ مِنْ بَاطِنَةِ أَهْلِهَا مِمَّنْ يُرْضَى دِينُهُ وَأَمَانَتُهُ، شَهِدَتْ أَنَّهَا حَاضَتْ فِي شَهْرٍ "ثَلَاثًا" وَإِلَّا فَهِيَ كَاذِبَةٌ، فَقَالَ عَلِيٌّ: قَالُونَ: " مَعْنَاهُ بِالرُّومِيَّةِ جَيِّدٌ. وَذَكَرَ إِسْحَاقُ عَنْ عَطَاءٍ وَإِبْرَاهِيمَ النَّخَعِيِّ كَذَلِكَ، وَلَا يُعْرَفُ لَهُمْ مُخَالِفٌ، وَلَا يُمْكِنُ فِي شَهْرٍ ثَلَاثُ حِيَضٍ إِلَّا بِأَنْ تَكُونَ الثَّلَاثَةَ عَشَرَ طُهْرًا كَامِلًا، فَيَثْبُتُ بِهَذَا الْحَدِيثِ أَنَّ الثَّلَاثَةَ عَشَرَ طُهْرٌ صَحِيحٌ فَاصِلٌ بَيْنَ الْحَيْضَتَيْنِ، وَمَا دُونُ ذَلِكَ لَمْ يَثْبُتْ

стр. 730

فِيهِ تَوْقِيفٌ وَلَا عَادَةٌ، فَلَمْ يَجُزْ أَنْ نَجْعَلَ الدَّمَ الْمَوْجُودَ فِي طَرَفِهِ حَيْضَتَيْنِ إِلَّا بِدَلِيلٍ، بِخِلَافِ مَا إِذَا جَعَلْنَاهُ حَيْضَةً وَاحِدَةً، فَإِنَّ الْأَصْلَ عَدَمُ التَّعَدُّدِ وَالتَّغَايُرِ وَاللَّهُ أَعْلَمُ» اهـ. قلت: وعلى قول من رأى أقل الطهر عشرة أيام يمكن أن تنقضي عدتها في شهر كأن تحيض ثلاثاً، وتطهر عشراً. قال الحافظ ابن رجب ﵀ في [فتح الباري] (٢/ ١٤٨): «وقال حرب الكرماني: ثنا إسحاق: ثنا أبي، قالَ: سألت ابن المبارك فقالَ: أرأيت قول سفيان: تصدق المرأة في انقضاء عدتها في شهر، كيف هَذا؟ وما معناه؟ فقالَ: جعل ثلاثاً حيضاً، وعشراً طهراً، وثلاثاً حيضاً، كذا قالَ» اهـ. وقال أيضاً (٢/ ١٤٨): «وأمَّا إسحاق بنِ راهويه، فإنه حمل المروي عَنْ علي في ذَلِكَ على أنَّهُ جعل الطهر عشرة أيام، والحيض ثلاثة، لكن إسحاق لا يرى أن أقل الحيض ثلاث» اهـ. قلت: وتترجح الثلاث عشر بثبوت هذا المقدار من الطهر في الواقع ولم يثبت أقل من ذلك، وذلك أنَّ أكثر ما نقل من الحيض سبعة عشر يوماً، ومن كان هذا حيضها فيكون طهرها ثلاثة عشر يوماً، ولم يأت في الواقع طهر أقل من ذلك. وقال ابن رشد الحفيد المالكي الفيلسوف وقد شان نفسه بها في [بداية المجتهد] (١/ ٥٦) - عند كلامه ذكره لأكثر الحيض-: «وقيل سبعة عشر يوماً وهو أقصى ما انعقد عليه الإجماع فيما أحسب» اهـ. وقال العلامة الماوردي الشافعي ﵀ في [الحاوي] (١/ ٤٣٥).

стр. 731

«وَأَمَّا أَقَلُّ الطُّهْرِ بَيْنَ الْحَيْضَتَيْنِ فَخَمْسَةَ عَشَرَ يَوْمًا، فَهُوَ قَوْلُ أبي حنيفة وَأَكْثَرِ الْفُقَهَاءِ، وَقَالَ مَالِكٌ: أَقَلُّهُ عَشَرَةُ أَيَّامٍ، وَقَالَ أَحْمَدُ وَإِسْحَاقُ لَا حَدَّ لِأَقَلِّهِ. وَدَلِيلُنَا مَعَ اعْتِبَارِ الْعَادَةِ قَوْلُهُ ﷺ : "تَقْعُدُ شَطْرَ دَهْرِهَا لَا تُصَلِّي"، وَلِأَنَّ الشَّرْعَ قَدِ اسْتَقَرَّ نَصًّا بِأَنَّ الشَّهْرَ فِي مُقَابَلَةِ قُرْءٍ جَامِعٍ لِحَيْضٍ وَطُهْرٍ؛ لِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى جَعَلَ ثَلَاثَةَ أَشْهُرٍ عَلَى الْمُؤَيَّسَةِ فِي مُقَابَلَةِ ثَلَاثَةِ أَقْرَاءٍ فِي الْعِدَّةِ، وَلَا يَخْلُو ذَلِكَ مِنْ أَرْبَعَةِ أَحْوَالٍ إِمَّا لِأَنَّ الشَّهْرَ يَجْمَعُ أَكْثَرَ الْحَيْضِ، وَأَكْثَرَ الطُّهْرِ، أَوْ لِأَنَّهُ يَجْمَعُ أَقَلَّ الْحَيْضِ، وَأَقَلَّ الطُّهْرِ أَوْ لِأَنَّهُ يَجْمَعُ أَكْثَرَ الْحَيْضِ، وَأَقَلَّ الطُّهْرِ أَوْ لِأَنَّهُ يَجْمَعُ أَقَلَّ الْحَيْضِ وَأَكْثَرَ الطُّهْرِ، فَلَمْ يَجُزْ أَنْ يكون جامعاً لأكثر الأمرين؛ لأن أكثر الطهر غير محدود ولم يجز أن يكون جامعاً، لأقل الْأَمْرَيْنِ؛ لِأَنَّهُ يَكُونُ أَقَلَّ مِنْ شَهْرٍ، وَلَمْ يَجُزْ أَنْ يَكُونَ جَامِعًا لِأَقَلِّ الْحَيْضِ وَأَكْثَرِ الطُّهْرِ، لِأَنَّهُ يَتَجَاوَزُ الشَّهْرَ فَثَبَتَ أَنَّهُ جَامِعٌ لِأَكْثَرِ الْحَيْضِ وَأَقَلِّ الطُّهْرِ، فَلَمَّا كَانَ أَكْثَرُ الْحَيْضِ خَمْسَةَ عَشَرَ يَوْمًا بِمَا دَلَّلْنَا ثَبَتَ أن أقل الطهر خمسة عشر يوماً» اهـ. قلت: ما ذكره من الحديث فلا أصل له بهذا اللفظ. قال الحافظ البيهقي الشافعي ﵀ في [المعرفة] (٢/ ١٤٥): «وَأَمَّا الَّذِي يَذْكُرُهُ بَعْضُ فُقَهَائِنَا فِي هَذِهِ الرِّوَايَةِ مِنْ قُعُودِهَا شَطْرَ عُمْرِهَا، وَشَطْرَ دَهْرِهَا لَا تُصَلِّي، فَقَدْ طَلَبْتُهُ كَثِيرًا فَلَمْ أَجِدْهُ فِي شَيْءٍ مِنْ كُتُبِ أَصْحَابِ الْحَدِيثِ، وَلَمْ أَجِدْ لَهُ إِسْنَادًا بِحَالٍ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ» اهـ. قلت: وأمَّا ما ذكره من القياس والتعليل إن استقام فهو يدل لما ذكرناه من أنَّ أقل الطهر ثلاثة عشر يوماً، وذلك لأنَّ أكثر ما نقله العلماء من حيض النساء سبعة عشر يوماً.

стр. 732

وقال العلامة ابن القيم ﵀ في [بدائع الفوائد] (٤/ ٩٤): «قوله في الطهر أنَّه على قدر ما يكون فليس عنده أنَّ لأقله حداً كما ليس لأكثره حد وكل شيء لأكثره حد ليس لأقله حد، فإن قيل: ينبغي إن كان ليس لأقله حد لو ادعت انقضاء عدتها في أربعة أيام تباح للأزواج قيل العدة ليس من هذا لأنَّ قوله: ﴿ثَلاثَةَ قُرُوءٍ﴾ يريد الإقراء الكاملة وأقل الكاملة أن تكون في شهر لحديث علي مع شريح» اهـ. وقال الحافظ ابن رجب ﵀ في [فتح الباري] (٢/ ١٤٧): «وقد ينبني الذِي نقله ابن القاسم، عَنْ مالك، على قولُهُ: إنه لا حد لأقل الطهر بين الحيضتين، بل هوَ على ما تعرف المرأة مِنْ عادتها. وَهوَ رواية منصوصة عَنْ أحمد، اختارها أبو حفص البرمكي مِنْ أصحابنا، وأورد على نفسه: أنَّهُ يلزم على هَذا أنها إذا ادعت انقضاء العدة في أربعة أيام قبل منها: فأجاب: أنَّهُ لا بد مِنْ الأقراء الكاملة، وأقل ما يُمكن في شهر. كذا قالَ» اهـ. قلت: الذي يظهر لي أنَّه لا بد من تحديد أقل الطهر بين الحيضتين حتى يُعرف الدم النازل بعد ذلك هل هو تبع للحيضة السابقة أو هو حيضة جديدة، وأحسن ما يحد ذلك بثلاثة عشر يوماً لحديث علي ﵁ مع شريح. والله أعلم. قلت: وأمَّا أكثر الطهر بين الحيضتين فلا حد له باتفاق العلماء. قال العلامة ابن القيم ﵀ في [زاد المعاد] (٥/ ٥٨٧):

стр. 733

«قَالَ شَيْخُنَا: وَلَيْسَ لِلنِّسَاءِ فِي ذَلِكَ عَادَةٌ مُسْتَمِرَّةٌ بَلْ فِيهِنَّ مَنْ لَا تَحِيضُ وَإِنْ بَلَغَتْ وَفِيهِنَّ مَنْ تَحِيضُ حَيْضًا يَسِيرًا يَتَبَاعَدُ مَا بَيْنَ أَقْرَائِهَا حَتَّى تَحِيضَ فِي السَّنَةِ مَرَّةً، وَلِهَذَا اتَّفَقَ الْعُلَمَاءُ عَلَى أَنَّ أَكْثَرَ الطُّهْرِ بَيْنَ الْحَيْضَتَيْنِ لَا حَدَّ لَهُ، وَغَالِبُ النِّسَاءِ يَحِضْنَ كُلَّ شَهْرٍ مَرَّةً وَيَحِضْنَ رُبُعَ الشَّهْرِ وَيَكُونُ طُهْرُهُنَّ ثَلَاثَةَ أَرْبَاعِهِ» اهـ. قلت: واختلف العلماء في التي يطول الفصل بين حيضتيها كالسنة والسنتين فمنهم من أرجعها إلى الاعتداد بالأشهر، ومنهم من ذهب إلى أنَّ عدتها بالحيض وهو الصحيح، وهو قول أكثر العلماء. قال الإمام الشافعي ﵀ في [الأم] (٥/ ٢٢٦): «وَعِدَّةُ الَّتِي تَحِيضُ الْحَيْضُ وَإِنْ تَبَاعَدَ كَأَنَّهَا كَانَتْ تَحِيضُ فِي كُلِّ سَنَةٍ أَوْ سَنَتَيْنِ فَعِدَّتُهَا الْحَيْضُ» اهـ. وروى سعيد بن منصور في [سننه] (١٣٠٣) نا هُشَيْمٌ، قَالَ: أَنْبَأَ دَاوُدُ، عَنِ الشَّعْبِيِّ، وَحُمَيْدٍ، عَنِ الْحَسَنِ، وَعُبَيْدَةَ، عَنْ إِبْرَاهِيمَ، أَنَّهُمْ قَالُوا: «إِذَا كَانَتْ تَحِيضُ فَعِدَّتُهَا بِالْحَيْضِ وَإِنْ حَاضَتْ فِي كُلِّ سَنَةٍ مَرَّةً». وروى سعيد بن منصور في [سننه] (١٣٠٤) نا سُفْيَانُ، عَنْ عَمْرِو بْنِ دِينَارٍ، عَنْ جَابِرِ بْنِ زَيْدٍ، قَالَ: «إِذَا كَانَتِ الْمَرْأَةُ تَحِيضُ فِي كُلِّ سَنَةٍ مَرَّةً تَكْفِيهَا ثَلَاثَةُ أَشْهُرٍ». ١٣ - وقوله: «فَاغْسِلِي عَنْك الدَّمَ، وَصَلِّي». فيه الأمر بغسل الدم وليس فيه الأمر بالتلجم أو الاستثفار، وقد جاء الأمر بذلك فيما رواه مالك في [الموطأ] (١٥٨)، ومن طريقه أحمد (٢٦٧١٦)، وأبو داود (٢٧٤)، والنسائي (٢٠٨، ٣٥٥) عَنْ نَافِعٍ، عَنْ سُلَيْمَانَ بْنِ يَسَارٍ عَنْ أُمِّ سَلَمَةَ، زَوْجِ النَّبِيِّ صلى الله

стр. 734

عليه وسلم، أَنَّ امْرَأَةً كَانَتْ تُهَرَاقُ الدِّمَاءَ فِي عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ، فَاسْتَفْتَتْ لَهَا أُمُّ سَلَمَةَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ ، فَقَالَ: «لِتَنْظُرْ إِلَى عَدَدِ اللَّيَالِي وَالأَيَّامِ الَّتِي كَانَتْ تَحِيضُهُنَّ مِنَ الشَّهْرِ، قَبْلَ أَنْ يُصِيبَهَا الَّذِي أَصَابَهَا، فَلْتَتْرُكِ الصَّلَاةَ قَدْرَ ذَلِكَ مِنَ الشَّهْرِ، فَإِذَا خَلَّفَتْ ذَلِكَ فَلْتَغْتَسِلْ، ثُمَّ لِتَسْتَثْفِرْ بِثَوْبٍ ثُمَّ لِتُصَلِّي». قلت: وقد تابع مالكاً على ذلك جرير بن حازم عند الطحاوي في [شرح معاني الآثار] (٢٧٢٤)، وعبيد الله بن عمر العمري في أصح الروايتين عنه كما سيأتي بيان ذلك. ويحيى بن سعيد الأنصاري فيما ذكره العلامة ابن الجارود ﵀ حيث قال في [المنتقى] (ص: ٣٨): «وَقَالَ مَالِكٌ، وَعُبَيْدُ اللَّهِ، وَيَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ وَغَيْرُهُمْ، عَنْ نَافِعٍ عَنْ سُلَيْمَانَ، عَنْ أُمِّ سَلَمَةَ» اهـ. وروى الحديث أبو داود (٢٧٥) حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ، وَيَزِيدُ بْنُ خَالِدِ بْنِ يَزِيدَ بْنِ عَبْدِ اللهِ بْنِ مَوْهَبٍ قَالَا: حَدَّثَنَا اللَّيْثُ، عَنْ نَافِعٍ، عَنْ سُلَيْمَانَ بْنِ يَسَارٍ، أَنَّ رَجُلاً أَخْبَرَهُ، عَنْ أُمِّ سَلَمَةَ، أَنَّ امْرَأَةً كَانَتْ تُهَرَاقُ الدَّمَ، فَذَكَرَ مَعْنَاهُ. قَالَ: «فَإِذَا خَلَّفَتْ ذَلِكَ وَحَضَرَتِ الصَّلَاةُ فَلْتَغْتَسِلْ». بِمَعْنَاهُ اهـ. ورواه أبو داود (٢٧٦) حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ مَسْلَمَةَ، حَدَّثَنَا أَنَسٌ يَعْنِي ابْنَ عِيَاضٍ، عَنْ عُبَيْدِ اللهِ، عَنْ نَافِعٍ، عَنْ سُلَيْمَانَ بْنِ يَسَار، عَنْ رَجُلٍ مِنَ الأَنْصَارِ، أَنَّ امْرَأَةً كَانَتْ تُهَرَاقُ الدِّمَاءَ، فَذَكَرَ مَعْنَى حَدِيثِ اللَّيْثِ قَالَ: «فَإِذَا خَلَّفَتْهُنَّ وَحَضَرَتِ الصَّلَاةُ فَلْتَغْتَسِلْ، … ». وَسَاقَ الْحَدِيثَ بِمَعْنَاهُ اهـ.

стр. 735

قلت: اختلف فيه على عبيد الله بن عمر العمري فرواه أنس بن عياض عنه كما مضى، وخالفه عبد الله بن نمير فروى أحمد (٢٧٠٤٥) حَدَّثَنَا ابْنُ نُمَيْرٍ، حَدَّثَنَا عُبَيْدُ اللهِ، عَنْ نَافِعٍ، عَنْ سُلَيْمَانَ بْنِ يَسَارٍ، عَنْ أُمِّ سَلَمَةَ، زَوْجِ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهَا اسْتَفْتَتْ رَسُولَ اللهِ ﷺ فِي امْرَأَةٍ تُهَرَاقُ الدَّمَ، فَقَالَ: «تَنْتَظِرُ قَدْرَ اللَّيَالِي وَالأَيَّامِ الَّتِي كَانَتْ تَحِيضُهُنَّ وَقَدْرَهُنَّ مِنَ الشَّهْرِ، فَتَدَعُ الصَّلَاةَ، ثُمَّ لِتَغْتَسِلْ، وَلْتَسْتَثْفِرْ ثُمَّ تُصَلِّي». وتابع ابن نمير أبو أسامة حماد بن أسامة عند ابن ماجه (٦٢٣)، وابن أبي شيبة في [مصنفه] (١٣٥٥)، والدارقطني (٨٤٣). وعَبْدَةُ بنُ سُلَيْمَانَ وحديثه عند الطبراني في [الكبير] (١٩٠٧٩). وَمُعْتَمِرُ بن سُلَيْمَانَ وحديثه عند الطبراني في [الكبير] (١٩٣٥٤) وحديثهم أصح من حديث أنس بن عياض. قلت: وتابع الليث أيضاً إِسْمَاعِيلُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ بْنِ عُقْبَةَ وحديثه عند البيهقي في [الكبرى] (١٦٤٠). وصَخْرُ بْنُ جُوَيْرِيَةَ وحديثه عند البيهقي في [الكبرى] (١٦٤١). و جُوَيْرِيَةُ بْنُ أَسْمَاءَ وحديثه عند البيهقي في [الكبرى] (١٦٤٢)، وأبي يعلى في [مسنده] (٦٨٩٤). وموسى بن عقبة فيما رواه قلت: موسى بن عقبة خالف جميع من سبق فجعله من رواية سليمان عن مرجانة عن أم سلمة.

стр. 736

قال الحافظ البيهقي ﵀ في [الكبرى] (١٥٨٢) أَخْبَرَنَاهُ أَبُو بَكْرِ بْنُ الْحَارِثِ الْفَقِيهُ أنا أَبُو مُحَمَّدِ بْنُ حَبَّانَ الْأَصْفَهَانِيُّ ثنا مُحَمَّدُ بْنُ حَمْزَةَ ثنا يَعْقُوبُ بْنُ سُفْيَانَ ثنا عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ عِمْرَانَ ثنا خَالِدُ بْنُ نِزَارِ الْأَيْلِيُّ، وَكَانَ ثِقَةً ثنا إِبْرَاهِيَمُ بْنُ طَهْمَانَ، وَهُوَ ثَبْتٌ فِي الْحَدِيثِ حَدَّثَنَا مُوسَى بْنُ عُقْبَةَ، وَهُوَ مِنَ الثِّقَاتِ وَكَانَ مَالِكٌ يُمْلِي عَلَيْهِ، ثنا نَافِعٌ، عَنْ سُلَيْمَانَ بْنِ يَسَارٍ، عَنْ مَرْجَانَةَ، عَنْ أُمِّ سَلَمَةَ سَأَلْتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ فَقَالَ: «لِتَنْظُرْ عَدَدَ اللَّيَالِي وَالْأَيَّامِ الَّتِي كَانَتْ تَحِيضُهُنَّ قَبْلَ أَنْ يَكُونَ لَهَا الَّذِي كَانَ وَقَدْرَهُنَّ مِنَ الشَّهْرِ فَلْتَتْرُكِ الصَّلَاةَ قَدْرَ ذَلِكَ فَإِذَا ذَهَبَ قَدْرُهَا فَلْتَغْتَسِلْ وَلْتَسْتَدْفِرْ بِثَوْبِهَا وَتُصَلِّي». ورواه الطبراني في [الكبير] (١٩١٣٩) من طريق ابن طهمان به. وخالف ابن طهمان عبد العزيز بن أبي حازم فروى الطبراني في [الكبير] (١٩٣٥٧) حَدَّثَنَا مُصْعَبٌ، ثنا أَبِي، ثنا ابْنُ أَبِي حَازِمٍ، عَنْ مُوسَى بن عُقْبَةَ، عَنْ نَافِعٍ، أَنَّ سُلَيْمَانَ بن يَسَارٍ، أَخْبَرَهُ، عَنْ أُمِّ سَلَمَةَ، أَنَّ امْرَأَةً كَانَتْ تُهْرَاقُ الدِّمَاءَ عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ، فَاسْتَفْتَتْ لَهَا أُمُّ سَلَمَةَ النَّبِيَّ ﷺ ، فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ : «لِتَنْظُرْ عِدَّةَ الأَيَّامِ وَاللَّيَالِيَ الَّتِي كَانَتْ تَحِيضُ قَبْلَ أَنْ يَكُونَ بِهَا الَّذِي كَانَ وَقَدْرَهُنَّ مِنَ الشَّهْرِ، فَتَتْرُكُ الصَّلاةَ لِذَلِكَ، فَإِذَا حَلَفَتْ لِذَلِكَ فَحَضَرَتِ الصَّلاةُ فَلْتَغْتَسِلْ وَلْتُصَلِّ» اهـ. قلت: حديث إبراهيم بن طهمان أصح من حديث عبد العزيز بن أبي حازم. وقال الحافظ البيهقي ﵀ في [الكبرى] (١٦٤٤):

стр. 737

«وَرَوَاهُ أَيُّوبُ السَّخْتِيَانِىُّ عَنْ سُلَيْمَانَ بْنِ يَسَارٍ عَنْ أُمِّ سَلَمَةَ إِلاَّ أَنَّهُ سَمَّى الْمُسْتَحَاضَةَ فِي الْحَدِيثِ فَقَالَ فَاطِمَةُ بِنْتُ أَبِى حُبَيْشٍ أَخْبَرَنَاهُ أَبُو الْحَسَنِ: عَلِىُّ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ عُمَرَ الْمُقْرِئُ بِبَغْدَادَ حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ سَلْمَانَ الْفَقِيهُ حَدَّثَنَا جَعْفَرُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ شَاكِرٍ حَدَّثَنَا عَفَّانُ حَدَّثَنَا وُهَيْبٌ حَدَّثَنَا أَيُّوبُ عَنْ سُلَيْمَانَ بْنِ يَسَارٍ عَنْ أُمِّ سَلَمَةَ: أَنَّ فَاطِمَةَ اسْتُحِيضَتْ فَكَانَتْ تَغْتَسِلَ مِنْ مِرْكَنٍ لَهَا، فَتَخْرُجُ وَهِىَ عَالِيَةُ الصُّفْرَةِ، فَاسْتَفْتَتْ لَهَا أُمُّ سَلَمَةَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ فَقَالَ: "لِتَنْظُرْ أَيَّامَ قُرْئِهَا وَأَيَّامَ حَيْضِهَا، فَتَدَعْ فِيهَا الصَّلَاةَ وَتَغْتَسِلْ فِيمَا سِوَى ذَلِكَ، وَتَسْتَذْفِرْ بِثَوْبٍ وَتُصَلِّى". وَرَوَاهُ حَمَّادُ بْنُ زَيْدٍ عَنْ أَيُّوبَ وَقَالَ فَاطِمَةُ بِنْتُ أَبِى حُبَيْشٍ. وَحَدِيثُ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ عَنْ أَبِيهِ عَنْ عَائِشَةَ فِى شَأْنِ فَاطِمَةَ بِنْتِ أَبِى حُبَيْشٍ أَصَحُّ مِنْ هَذَا» اهـ. وقال الحافظ ابن عبد البر ﵀ في [التمهيد] (١٦/ ٥٦): «هَكَذَا رَوَاهُ مَالِكٌ عَنْ نَافِعٍ عَنْ سُلَيْمَانَ عَنْ أُمِّ سَلَمَةَ وَكَذَلِكَ رَوَاهُ أَيُّوبُ السِّخْتِيَانِيُّ عَنْ سُلَيْمَانَ بْنِ يَسَارٍ كَمَا رَوَاهُ مَالِكٌ عن نافع سواء ورواه الليث بن سعد وصَخْرُ بْنُ جُوَيْرِيَّةَ وَعُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ عَلَى اخْتِلَافٍ عَنْهُمْ عَنْ نَافِعٍ عَنْ سُلَيْمَانَ بْنِ يَسَارٍ أَنَّ رَجُلًا أَخْبَرَهُ عَنْ أُمِّ سَلَمَةَ فَأَدْخَلُوا بَيْنَ سُلَيْمَانَ بْنِ يَسَارٍ وَبَيْنَ أُمِّ سَلَمَةَ رَجُلًا وَذَكَرَ حَمَّادُ بْنُ زَيْدٍ عَنْ أَيُّوبَ فِي هَذَا الْحَدِيثِ أَنَّ الْمَرْأَةَ الْمَذْكُورَةَ فِي هَذَا الْحَدِيثِ الَّتِي كَانَتْ تُهَرَاقُ الدِّمَاءَ فَاسْتَفْتَتْ لَهَا أُمُّ سَلَمَةَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ عَنْ ذَلِكَ هِيَ فَاطِمَةُ بِنْتُ أَبِي حُبَيْشٍ وَكَذَلِكَ ذَكَرَ ابْنُ عُيَيْنَةَ أَيْضًا عَنْ أَيُّوبَ فِي هَذَا الْحَدِيثِ» اهـ.

стр. 738

وقال الحافظ ابن رجب ﵀ في [فتح الباري] (٢/ ٥٩) - بعد ذكره لروايتي أبي داود -: «فتبين بهذا أنَّ سليمان بن يسار لم يسمعه من أم سلمة» اهـ. قلت: وعلى كل حال فقد رواه أحمد (٢٧١٢٨) حَدَّثَنَا سُرَيْجٌ، حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ، يَعْنِي ابْنَ عُمَرَ، عَنْ سَالِمٍ أَبِي النَّضْرِ، عَنْ أَبِي سَلَمَةَ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، عَنْ أُمِّ سَلَمَةَ، قَالَتْ: «جَاءَتْ فَاطِمَةُ رَسُولَ اللهِ ﷺ ، فَقَالَتْ: إِنِّي أُسْتَحَاضُ، فَقَالَ: "لَيْسَ ذَلِكَ بِالْحَيْضِ، إِنَّمَا هُوَ عِرْقٌ، لِتَقْعُدْ أَيَّامَ أَقْرَائِهَا، ثُمَّ لِتَغْتَسِلْ، ثُمَّ لِتَسْتَثْفِرْ بِثَوْبٍ، وَلْتُصَلِّ"». قلت: فيه عبد الله العمري وهو ضعيف الحديث لكن يقويه ما سبق. وجاء الأمر بالاستثفار في حق النفساء فيما رواه مسلم (١٢١٨) عن جابر بن عبد الله ﵄ قال: «فَخَرَجْنَا مَعَهُ حَتَّى أَتَيْنَا ذَا الْحُلَيْفَةِ فَوَلَدَتْ أَسْمَاءُ بِنْتُ عُمَيْسٍ مُحَمَّدَ بْنَ أَبِي بَكْرٍ فَأَرْسَلَتْ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ كَيْفَ أَصْنَعُ قَالَ: "اغْتَسِلِي وَاسْتَثْفِرِي بِثَوْبٍ وَأَحْرِمِي"». ومعنى الاستثفار ما قاله العلامة ابن الأثير ﵀ في [النهاية] (١/ ٢١٤): «هُوَ أَنْ تَشُدّ فَرْجَهَا بِخِرْقَةٍ عَرِيضَةٍ بَعْدَ أَنْ تَحْتَشي قُطْنا، وتُوثِقَ طرَفَيْها فِي شَيْءٍ تَشُدّه عَلَى وسَطها، فَتَمْنَعُ بِذَلِكَ سَيْل الدَّم، وَهُوَ مَأْخُوذٌ مِنْ ثَفَر الدَّابة الَّذِي يُجْعل تَحْتَ ذَنَبها» اهـ. وجاء الأمر بالتلجم في أمر النبي ﷺ لحمنة بنت جحش فيما رواه أحمد (٢٧٥١٤)، وأبو داود (٢٨٧)، والترمذي (١٢٨) واللفظ له، وابن

стр. 739

ماجه (٦٢٢) من طريق عَبْدِ اللهِ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ عَقِيلٍ، عَنْ إِبْرَاهِيمَ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ طَلْحَةَ، عَنْ عَمِّهِ عِمْرَانَ بْنِ طَلْحَةَ، عَنْ أُمِّهِ حَمْنَةَ بِنْتِ جَحْشٍ قَالَتْ: «كُنْتُ أُسْتَحَاضُ حَيْضَةً كَثِيرَةً شَدِيدَةً، فَأَتَيْتُ النَّبِيَّ ﷺ أَسْتَفْتِيهِ وَأُخْبِرُهُ، فَوَجَدْتُهُ فِي بَيْتِ أُخْتِي زَيْنَبَ بِنْتِ جَحْشٍ، فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللهِ، إِنِّي أُسْتَحَاضُ حَيْضَةً كَثِيرَةً شَدِيدَةً، فَمَا تَأْمُرُنِي فِيهَا، فَقَدْ مَنَعَتْنِي الصِّيَامَ وَالصَّلَاةَ؟ قَالَ: "أَنْعَتُ لَكِ الكُرْسُفَ، فَإِنَّهُ يُذْهِبُ الدَّمَ". قَالَتْ: هُوَ أَكْثَرُ مِنْ ذَلِكَ، قَالَ: "فَتَلَجَّمِي" قَالَتْ: هُوَ أَكْثَرُ مِنْ ذَلِكَ، قَالَ: "فَاتَّخِذِي ثَوْبًا". قَالَتْ: هُوَ أَكْثَرُ مِنْ ذَلِكَ، إِنَّمَا أَثُجُّ ثَجًّا، فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ : "سَآمُرُكِ بِأَمْرَيْنِ أَيَّهُمَا صَنَعْتِ أَجْزَأَ عَنْكِ، فَإِنْ قَوِيتِ عَلَيْهِمَا فَأَنْتِ أَعْلَمُ" فَقَالَ: "إِنَّمَا هِيَ رَكْضَةٌ مِنَ الشَّيْطَانِ، فَتَحَيَّضِي سِتَّةَ أَيَّامٍ أَوْ سَبْعَةَ أَيَّامٍ فِي عِلْمِ اللهِ، ثُمَّ اغْتَسِلِي، فَإِذَا رَأَيْتِ أَنَّكِ قَدْ طَهُرْتِ وَاسْتَنْقَأْتِ فَصَلِّي أَرْبَعًا وَعِشْرِينَ لَيْلَةً، أَوْ ثَلَاثًا وَعِشْرِينَ لَيْلَةً وَأَيَّامَهَا، وَصُومِي وَصَلِّي، فَإِنَّ ذَلِكِ يُجْزِئُكِ، وَكَذَلِكِ فَافْعَلِي، كَمَا تَحِيضُ النِّسَاءُ وَكَمَا يَطْهُرْنَ، لِمِيقَاتِ حَيْضِهِنَّ وَطُهْرِهِنَّ، فَإِنْ قَوِيتِ عَلَى أَنْ تُؤَخِّرِي الظُّهْرَ وَتُعَجِّلِي العَصْرَ، ثُمَّ تَغْتَسِلِينَ حِينَ تَطْهُرِينَ، وَتُصَلِّينَ الظُّهْرَ وَالعَصْرَ جَمِيعًا، ثُمَّ تُؤَخِّرِينَ الْمَغْرِبَ، وَتُعَجِّلِينَ العِشَاءَ، ثُمَّ تَغْتَسِلِينَ، وَتَجْمَعِينَ بَيْنَ الصَّلَاتَيْنِ، فَافْعَلِي، وَتَغْتَسِلِينَ مَعَ الصُّبْحِ وَتُصَلِّينَ، وَكَذَلِكِ فَافْعَلِي، وَصُومِي إِنْ قَوِيتِ عَلَى ذَلِكَ" فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : "وَهُوَ أَعْجَبُ الأَمْرَيْنِ إِلَيَّ"». وليس في رواية أبي داود وابن ماجه ذكر الأمر بالتلجم، وفي رواية ابن ماجه عن أم حبيبة بنت جحش وهو وهم.

стр. 740

قلت: هذا حديث ضعيف لأنَّه من طريق عبد الله بن محمد بن عقيل والراجح فيه الضعف. قال الحافظ ابن رجب ﵀ في [فتح الباري] (٢/ ١٦١ - ١٦٢): «خرجه الإمام أحمد، وأبو داود، وابن ماجه، والترمذي وقال: حسن صحيح. وحكى عَنْ البخاري أنَّه حسنه، وعن الإمام أحمد أنَّه قالَ: هوَ حسن صحيح. وقد اختلف قول الإمام أحمد فيهِ، فقيل عَنهُ أكثر أصحابه أنَّهُ ضعفه، وقيل: إنَّه رجع إلى تقويته والأخذ بهِ -: قاله أبو بكر الخلال. وقد رواه جماعة عَنْ ابن عقيل كَما ذكرناه، وخالفهم ابن جريجٍ، فرواه عَنهُ، وقال فيهِ: عَنْ حبيبة بنت جحش. ذكره الإمام أحمد في رواية ابنه عبد الله وقال: خالف الناس - يشير إلى أنَّها حمنة، ليست حبيبة. وقد خرجه ابن ماجه مِنْ طريق ابن جريج، عَنْ ابن عقيل، إلَّا أنَّ في روايته: "عَنْ أم حبيبة بنت جحش"» اهـ. وقال في [تحفة الأحوذي] (١/ ١٥٣): «"قَالَ: فَتَلَجَّمِي" أَيْ شُدِّي اللِّجَامَ يَعْنِي خِرْقَةً عَلَى هَيْئَةِ اللِّجَامِ كَالِاسْتِثْفَارِ "قَالَ: فَاِتَّخِذِي ثَوْبًا" أَيْ تَحْتَ اللِّجَامِ، وَقَالَ الْقَارِي: أَيْ مُطْبِقًا» اهـ. قلت: وإيضاح معنى التلجم أَنْ تَشُدَّ خِرْقَةً كَالتِّكَّةِ بِوَسَطِهَا، وَتُلْجَمُ بِأُخْرَى مَشْقُوقَةِ الطَّرَفَيْنِ تَجْعَلُ أَحَدَهُمَا قُدَّامَهَا وَالْآخَرَ وَرَاءَهَا وَتَشُدُّهُمَا بِتِلْكَ الْخِرْقَةِ ويكون شد كل طرف في الخاصرة، وهذا أحسن في الشد، وقال بعض العلماء يكون الربط عند سرتها كما ذكر ذلك المرداوي والنووي وغيرهما.
следующие страницы →