← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 30178

تحفة السائل في بيان ما في عمدة الأحكام من المسائل

أبو بكر الحمادي

Полный текст (8 095 стр.). Показаны 6721–6760 · переход к 6726.

стр. 6721

ولنا، ما روى يعلى بن أمية قال: كان لي أجير، فقاتل إنساناً، فعض أحدهما يد الآخر، قال: فانتزع المعضوض يده من في العاض فانتزع إحدى ثنيتيه، فأتى النبي ﷺ فأهدر ثنيته، فحسبت أنَّه قال: قال النبي ﷺ : "أفيدع يده في فيك تقضمها قضم الفحل"، متفق عليه. ولأنَّه عضو تلف ضرورة دفع شر صاحبه، فلم يضمن، كما لو صال عليه، فلم يمكنه دفعه إلَّا بقطع عضوه. وحديثهم يدل على دية السن إذا قلعت ظلماً، وهذه لم تقلع ظلماً، وسواء كان المعضوض ظالماً أو مظلوماً؛ لأنَّ العض محرم، إلاَّ أن يكون العض مباحاً، مثل أن يمسكه في موضع يتضرر بإمساكه، أو يعض يده، ونحو ذلك مما لا يقدر على التخلص من ضرره إلاَّ بعضه، فيعضه، فما سقط من أسنانه ضمنه؛ لأنَّه عاض والعض مباح. ولذلك لو عض أحدهما يد الآخر، ولم يمكن المعضوض تخليص يده إلَّا بعضه، فله عضه، ويضمن الظالم منهما ما تلف من المظلوم، وما تلف من الظالم هدر. وكذلك الحكم فيما إذا عضه في غير يده، أو عمل به عملاً غير العض أفضى إلى تلف شيء من الفاعل، لم يضمنه.

стр. 6722

وقد روى محمد بن عبد الله: أنَّ غلاماً أخذ قمعاً من أقماع الزياتين، فأدخله بين فخذي رجل، ونفخ فيه، فذعر الرجل من ذلك، وخبط برجله، فوقع على الغلام، فكسر بعض أسنانه، فاختصموا إلى شريح، فقال شريح: لا أعقل الكلب الهرار. قال القاضي: يخلص المعضوض يده بأسهل ما يمكن، فإن أمكنه فك لحييه بيده الأخرى فعل، وإن لم يمكنه لكمه في فكه، فإن لم يمكنه جذب يده من فيه، فإن لم يخلص، فله أن يعصر خصيتيه، فإن لم يمكنه، فله أن يبعج بطنه، وإن أتى على نفسه. والصحيح أنَّ هذا الترتيب غير معتبر، وله أن يجذب يده من فيه أولاً؛ لأنَّ النبي ﷺ لم يستفصل، ولأنَّه لا يلزمه ترك يده في فم العاض حتى يتحيل بهذه الأشياء المذكورة، ولأنَّ جذب يده مجرد تخليص ليده، وما حصل من سقوط الأسنان حصل ضرورة التخليص الجائز، ولكم فكه جناية غير التخليص، وربما تضمنت التخليص، وربما أتلفت الأسنان التي لم يحصل العض بها، وكانت البداءة بجذب يده أولى. وينبغي أنَّه متى أمكنه جذب يده، فعدل إلى لكم فكه، فأتلف سناً، ضمنه، لإمكان التخلص بما هو أولى منه» اهـ.

стр. 6723

٢ - ويلحق بالحديث ما إذا خلص شخص نفسه أو ماله من يد ظالم فأدى ذلك إلى تلفه أو تلف بعض أعضائه أنَّه لا ضمان عليه. قَالَ الْعَلَّامَةُ ابْنُ الْقَيِّمِ ﵀ فِي [زَادِ الْمَعَادِ] (٥/ ٢٢): «وقد تضمنت هذه الحكومة أنَّ من خلص نفسه من يد ظالم له، فتلفت نفس الظالم، أو شيء من أطرافه أو ماله بذلك، فهو هدر غير مضمون» اهـ. قُلْتُ: وقد اتفق العلماء على أنَّ من أشهر على شخص السلاح وغلب على ظنه أنَّه قاتله فله أن يبادره بالقتل. ٣ - وفيه تحريم العض، وأنَّه من شيم الحيوان. ٤ - وفيه النهي عن التشبه بالحيوان. * * *

стр. 6724

٣٣٩ - عَنْ الْحَسَنِ بْنِ أَبِي الْحَسَنِ الْبَصْرِيِّ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - قَالَ: حَدَّثَنَا جُنْدُبٌ فِي هَذَا الْمَسْجِدِ، وَمَا نَسِينَا مِنْهُ حَدِيثاً، وَمَا نَخْشَى أَنْ يَكُونَ جُنْدُبٌ كَذَبَ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «كَانَ فِيمَنْ كَانَ قَبْلَكُمْ رَجُلٌ بِهِ جُرْحٌ فَجَزِعَ، فَأَخَذَ سِكِّيناً فَحَزَّ بِهَا يَدَهُ، فَمَا رَقَأَ الدَّمُ حَتَّى مَاتَ. قَالَ اللَّهُ : عَبْدِي بَادَرَنِي بِنَفْسِهِ، حَرَّمْت عَلَيْهِ الْجَنَّةَ». قَوْلُهُ: «فَحَزَّ». أي: قطع. وقَوْلُهُ: «فَمَا رَقَأَ الدَّمُ». أي: ما انقطع. وَفِي الْحَدِيْثِ مَسَائِلُ مِنْهَا: ١ - حرمة قتل النفس. ٢ - وفيه حرمة الجنة على من قتل نفسه. وقد أشكل هذا على كثير من أهل العلم باعتبار أنَّ ذلك من الكبائر والكبيرة لا تمنع من دخول الجنة مطلقاً، وقد أجاب عن ذلك أهل العلم بعدة أجوبة: قَالَ الْحِافِظُ ابْنُ حَجَرٍ ﵀ فِي [فَتْحِ الْبَارِي] (٦/ ٥٠٠): «والجواب عن الثاني من أوجه:

стр. 6725

أحدها: أنَّه كان استحل ذلك الفعل فصار كافراً. ثانيها: كان كافراً في الأصل وعوقب بهذه المعصية زيادة على كفره. ثالثها: أنَّ المراد أنَّ الجنة حرمت عليه في وقت ما كالوقت الذي يدخل فيه السابقون أو الوقت الذي يعذب فيه الموحدون في النار ثم يخرجون. رابعها: أنَّ المراد جنة معينة كالفردوس مثلاً. خامسها: أنَّ ذلك ورد على سبيل التغليظ والتخويف وظاهره غير مراد. سادسها: أنَّ التقدير حرمت عليه الجنة إن شئت استمرار ذلك. سابعها: قال النووي: يحتمل أن يكون ذلك شرع من مضى أنَّ أصحاب الكبائر يكفرون بفعلها» اهـ. قُلْتُ: وفي الباب ما رواه البخاري (٥٧٧٨)، ومسلم (١٠٩) عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «مَنْ تَرَدَّى مِنْ جَبَلٍ فَقَتَلَ نَفْسَهُ، فَهُوَ فِي نَارِ جَهَنَّمَ يَتَرَدَّى فِيهِ خَالِدًا مُخَلَّدًا فِيهَا أَبَدًا، وَمَنْ تَحَسَّى سُمًّا فَقَتَلَ نَفْسَهُ، فَسُمُّهُ فِي يَدِهِ يَتَحَسَّاهُ فِي نَارِ جَهَنَّمَ خَالِدًا مُخَلَّدًا فِيهَا أَبَدًا، وَمَنْ قَتَلَ نَفْسَهُ بِحَدِيدَةٍ، فَحَدِيدَتُهُ فِي يَدِهِ يَجَأُ بِهَا فِي بَطْنِهِ فِي نَارِ جَهَنَّمَ خَالِدًا مُخَلَّدًا فِيهَا أَبَدًا».

стр. 6726

قُلْتُ: ومما يدل على عدم كفر من قتل نفسه من غير استحلال ما رواه مسلم (١١٦) عَنْ جَابِرٍ أَنَّ الطُّفَيْلَ بْنَ عَمْرٍو الدَّوْسِيَّ، أَتَى النَّبِيَّ ﷺ ، فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ، هَلْ لَكَ فِي حِصْنٍ حَصِينٍ وَمَنْعَةٍ؟ - قَالَ: حِصْنٌ كَانَ لِدَوْسٍ فِي الْجَاهِلِيَّةِ - فَأَبَى ذَلِكَ النَّبِيُّ ﷺ لِلَّذِي ذَخَرَ اللهُ لِلْأَنْصَارِ، فَلَمَّا هَاجَرَ النَّبِيُّ ﷺ إِلَى الْمَدِينَةِ، هَاجَرَ إِلَيْهِ الطُّفَيْلُ بْنُ عَمْرٍو وَهَاجَرَ مَعَهُ رَجُلٌ مِنْ قَوْمِهِ، فَاجْتَوَوُا الْمَدِينَةَ، فَمَرِضَ، فَجَزِعَ، فَأَخَذَ مَشَاقِصَ لَهُ، فَقَطَعَ بِهَا بَرَاجِمَهُ، فَشَخَبَتْ يَدَاهُ حَتَّى مَاتَ، فَرَآهُ الطُّفَيْلُ بْنُ عَمْرٍو فِي مَنَامِهِ، فَرَآهُ وَهَيْئَتُهُ حَسَنَةٌ، وَرَآهُ مُغَطِّيًا يَدَيْهِ، فَقَالَ لَهُ: مَا صَنَعَ بِكَ رَبُّكَ؟ فَقَالَ: غَفَرَ لِي بِهِجْرَتِي إِلَى نَبِيِّهِ ﷺ ، فَقَالَ: مَا لِي أَرَاكَ مُغَطِّيًا يَدَيْكَ؟ قَالَ: قِيلَ لِي: لَنْ نُصْلِحَ مِنْكَ مَا أَفْسَدْتَ، فَقَصَّهَا الطُّفَيْلُ عَلَى رَسُولِ اللهِ ﷺ ، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : «اللهُمَّ وَلِيَدَيْهِ فَاغْفِرْ». قَالَ الْعَلَّامَةُ الْقُرْطُبِي ﵀ فِي [الْمُفْهِم] (٢/ ٨٧): «وهذا الحديث: يقتضي أنَّ قاتل نفسه ليس بكافر، وأنَّه لا يخلد في النار، وهو موافق لمقتضى قوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ﴾» اهـ.

стр. 6727

وَقَالَ الْعَلَّامَةُ الْنَوَوِي ﵀ فِي [شَرْحِ مُسْلِمٍ] (١/ ٢٣٠): «أمَّا أحكام الحديث ففيه حجة لقاعدة عظيمة لأهل السنة أنَّ من قتل نفسه أو ارتكب معصية غيرها ومات من غير توبة فليس بكافر، ولا يقطع له بالنار، بل هو في حكم المشيئة. وقد تقدم بيان القاعدة وتقريرها. وهذا الحديث شرح للأحاديث التي قبله الموهم ظاهرها تخليد قاتل النفس وغيره من أصحاب الكبائر في النار، وفيه إثبات عقوبة بعض أصحاب المعاصي فإنَّ هذا عوقب في يديه ففيه رد على المرجئة القائلين بأنَّ المعاصي لا تضر. والله أعلم» اهـ. ٣ - واحتجت المعتزلة بقوله تعالى: «بَادَرَنِي بِنَفْسِهِ». على أنَّ المقتول مات قبل أجله، وهذا احتجاج باطل. قَالَ شَيْخُ الْإِسْلَامِ ابْنُ تَيْمِيَّةَ ﵀ كَمَا فِي [مَجْمُوْعِ الْفَتَاوَى] (٨/ ٥١٦ - ٥١٨): «المقتول كغيره من الموتى لا يموت أحد قبل أجله ولا يتأخر أحد عن أجله. بل سائر الحيوان والأشجار لها آجال لا تتقدم ولا تتأخر. فإنَّ أجل الشيء هو نهاية عمره وعمره مدة بقائه فالعمر مدة البقاء والأجل نهاية العمر بالانقضاء. وقد ثبت في صحيح مسلم وغيره عن النبي ﷺ أنَّه قال: "قدر الله مقادير الخلائق قبل أن يخلق السموات والأرض بخمسين ألف سنة، وكان

стр. 6728

عرشه على الماء"، وثبت في صحيح البخاري أنَّ النبي ﷺ قال: "كان الله ولم يكن شيء قبله وكان عرشه على الماء وكتب في الذكر كل شيء وخلق السموات والأرض" - وفي لفظ - "ثم خلق السموات والأرض". وقد قال تعالى: ﴿فَإِذَا جَاءَ أَجَلُهُمْ لَا يَسْتَأْخِرُونَ سَاعَةً وَلَا يَسْتَقْدِمُونَ﴾. والله يعلم ما كان قبل أن يكون؛ وقد كتب ذلك فهو يعلم أنَّ هذا يموت بالبطن أو ذات الجنب أو الهدم أو الغرق أو غير ذلك من الأسباب وهذا يموت مقتولاً: إمَّا بالسم وإمَّا بالسيف وإمَّا بالحجر وإمَّا بغير ذلك من أسباب القتل. وعلم الله بذلك وكتابته له بل مشيئته لكل شيء وخلقه لكل شيء لا يمنع المدح والذم والثواب والعقاب؛ بل القاتل: إن قتل قتيلاً أمر الله به ورسوله كالمجاهد في سبيل الله أثابه الله على ذلك وإن قتل قتيلاً حرمه الله ورسوله كقتل القطاع والمعتدين عاقبه الله على ذلك وإن قتل قتيلاً مباحاً - كقتيل المقتص - لم يثب ولم يعاقب إلاَّ أن يكون له نية حسنة أو سيئة في أحدهما. والأجل أجلان "أجل مطلق" يعلمه الله "وأجل مقيد" وبهذا يتبين معنى قوله ﷺ : "من سره أن يبسط له في رزقه وينسأ له في أثره فليصل رحمه". فإنَّ الله أمر الملك أن يكتب له أجلاً وقال: "إن وصل رحمه زدته كذا وكذا" والملك لا يعلم أيزداد أم لا؛ لكن الله يعلم ما يستقر عليه

стр. 6729

الأمر فإذا جاء ذلك لا يتقدم ولا يتأخر. ولو لم يقتل المقتول فقد قال بعض القدرية: إنَّه كان يعيش، وقال بعض نفاة الأسباب: إنَّه يموت وكلاهما خطأ؛ فإنَّ الله علم أنَّه يموت بالقتل فإذا قدر خلاف معلومه كان تقديراً لما لا يكون لو كان كيف كان يكون وهذا قد يعلمه بعض الناس وقد لا يعلمه فلو فرضنا أنَّ الله علم أنَّه لا يقتل أمكن أن يكون قدر موته في هذا الوقت وأمكن أن يكون قدر حياته إلى وقت آخر فالجزم بأحد هذين على التقدير الذي لا يكون جهل. وهذا كمن قال: لو لم يأكل هذا ما قدر له من الرزق كان يموت أو يرزق شيئاً آخر، وبمنزلة من قال: لو لم يحبل هذا الرجل هذه المرأة هل تكون عقيماً أو يحبلها رجل آخر، ولو لم تزدرع هذه الأرض هل كان يزدرعها غيره أم كانت تكون مواتاً لا يزرع فيها وهذا الذي تعلم القرآن من هذا لو لم يعلمه: هل كان يتعلم من غيره؟ أم لم يكن يتعلم القرآن ألبتة ومثل هذا كثير» اهـ. وَقَالَ الْحِافِظُ ابْنُ حَجَرٍ ﵀ فِي [فَتْحِ الْبَارِي] (٦/ ٥٠٠): «والجواب عن الأول: أنَّ المبادرة من حيث التسبب في ذلك والقصد له والاختيار وأطلق عليه المبادرة لوجود صورتها، وإنَّما استحق المعاقبة لأنَّ الله لم يطلعه على انقضاء أجله فاختار هو قتل نفسه فاستحق المعاقبة لعصيانه. وقال القاضي أبو بكر: قضاء الله

стр. 6730

مطلق ومقيد بصفة فالمطلق يمضي على الوجه بلا صارف والمقيد على الوجهين مثاله أن يقدر لواحد أن يعيش عشرين سنة إن قتل نفسه، وثلاثين سنة إن لم يقتل، وهذا بالنسبة إلى ما يعلم به المخلوق كملك الموت مثلاً، وأمَّا بالنسبة إلى علم الله فإنَّه لا يقع إلَّا ما علمه، ونظير ذلك الواجب المخير فالواقع منه معلوم عند الله والعبد مخير في أي الخصال يفعل» اهـ. ٤ - وفيه عدالة الصحابة، وأنَّ الكذب من جانبهم مأمون. * * *

стр. 6731

كِتَابُ الْحُدُوْدِ. حَدُّ الْحِرَابَةِ. ٣٤٠ - عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ ﵁، قَالَ: «قَدِمَ نَاسٌ مِنْ عُكْلٍ - أَوْ عُرَيْنَةَ - فَاجْتَوَوُا الْمَدِينَةَ، فَأَمَرَ لَهُمْ النَّبِيُّ ﷺ بِلِقَاحٍ، وَأَمَرَهُمْ أَنْ يَشْرَبُوا مِنْ أَبْوَالِهَا وَأَلْبَانِهَا فَانْطَلَقُوا. فَلَمَّا صَحُّوا قَتَلُوا رَاعِيَ النَّبِيِّ ﷺ وَاسْتَاقُوا النَّعَمَ، فَجَاءَ الْخَبَرُ فِي أَوَّلِ النَّهَارِ، فَبَعَثَ فِي آثَارِهِمْ. فَلَمَّا ارْتَفَعَ النَّهَارُ جِيءَ بِهِمْ، فَأَمَرَ بِهِمْ: فَقُطِّعَتْ أَيْدِيهمْ وَأَرْجُلُهُمْ مِنْ خِلافٍ، وَسُمِرَتْ أَعْيُنُهُمْ، وَتُرِكُوا فِي الْحَرَّةِ يَسْتَسْقُونَ، فَلا يُسْقَوْنَ». قَالَ أَبُو قِلابَةَ: فَهَؤُلاءِ سَرَقُوا وَقَتَلُوا وَكَفَرُوا بَعْدَ إيمَانِهِمْ، وَحَارَبُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ. أَخْرَجَهُ الْجَمَاعَةُ. اجْتَوَيْتَ البِلادَ إِذا كرهْتَها وإِنْ كانتْ مُوافِقَةً. واسْتَوْبَأْتَها إِذا لم تُوَافِقْكَ. الحدود لغة: جمع حد، وأصله في اللغة المنع، ومنه الحديد لأنَّه يصنع منه ما يحصل به المنع كالأسلحة التي تمنع من الأعداء، والأبواب التي تمنع من دخول المنازل، ومنه إحداد المرأة وهو امتناعها من الزينة والخروج من بيت زوجها.

стр. 6732

وسميت العقوبات المترتبة على الجنايات: حدوداً؛ لأنَّها تمنع من عود الجاني إلى مثل ذلك الفعل. وهي في الشرع: كل عقوبة مقدرة من الشرع على معصية لتمنع من الوقوع في مثلها وتكفر ذنب صاحبها. قَوْلُهُ: «فَاجْتَوَوُا الْمَدِينَةَ». قَالَ الْحِافِظُ ابْنُ حَجَرٍ ﵀ فِي [فَتْحِ الْبَارِي] (١/ ٣٣٧): «قال ابن فارس: اجتويت البلد إذا كرهت المقام فيه وإن كنت في نعمة. وقيده الخطابي بما إذا تضرر بالإقامة وهو المناسب لهذه القصة. وقال القزاز: اجتووا أي لم يوافقهم طعامها. وقال ابن العربي: الجوى داء يأخذ من الوباء. وفي رواية أخرى يعني رواية أبي رجاء المذكورة استوخموا قال: وهو بمعناه. وقال غيره: الجوى داء يصيب الجوف» اهـ. وَقَوْلُهُ: «بِلِقَاحٍ». جمع: لِقْحَةٍ. وهي: الناقة ذات اللبن. وَقَوْلُهُ: «وَاسْتَاقُوا النَّعَمَ». مأخوذ من السوق وهو السير العنيف.

стр. 6733

وَقَوْلُهُ: «وَسُمِرَتْ أَعْيُنُهُمْ». جاء بيان ذلك فيما رواه البخاري (٣٠١٨) عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ ﵁: أَنَّ رَهْطًا مِنْ عُكْلٍ، ثَمَانِيَةً، قَدِمُوا عَلَى النَّبِيِّ ﷺ ، فَاجْتَوَوْا المَدِينَةَ، فَقَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ ابْغِنَا رِسْلًا، قَالَ: «مَا أَجِدُ لَكُمْ إِلَّا أَنْ تَلْحَقُوا بِالذَّوْدِ»، فَانْطَلَقُوا، فَشَرِبُوا مِنْ أَبْوَالِهَا وَأَلْبَانِهَا، حَتَّى صَحُّوا وَسَمِنُوا، وَقَتَلُوا الرَّاعِيَ وَاسْتَاقُوا الذَّوْدَ، وَكَفَرُوا بَعْدَ إِسْلَامِهِمْ، فَأَتَى الصَّرِيخُ النَّبِيَّ ﷺ ، فَبَعَثَ الطَّلَبَ، فَمَا تَرَجَّلَ النَّهَارُ حَتَّى أُتِيَ بِهِمْ، فَقَطَّعَ أَيْدِيَهُمْ وَأَرْجُلَهُمْ، ثُمَّ أَمَرَ بِمَسَامِيرَ فَأُحْمِيَتْ فَكَحَلَهُمْ بِهَا، وَطَرَحَهُمْ بِالحَرَّةِ، يَسْتَسْقُونَ فَمَا يُسْقَوْنَ، حَتَّى مَاتُوا. وَقَوْلُهُ: «وَتُرِكُوا فِي الْحَرَّةِ». هي: أرض ذات حجارة سود. وَفِي الْحَدِيْثِ مَسَائِلُ مِنْهَا: ١ - الاستشفاء بأبوال الإبل وألبانها. ٢ - وفيه معاملة الجاني بمثل ما جنى، وقد روى مسلم (١٦٧١) عَنْ أَنَسٍ، قَالَ: «إِنَّمَا سَمَلَ النَّبِيُّ ﷺ أَعْيُنَ أُولَئِكَ، لِأَنَّهُمْ سَمَلُوا أَعْيُنَ الرِّعَاءِ». ٣ - وفيه مقاصصة الجماعة بالواحد، بالنفس وما دون ذلك. ٤ - واحتج به من قال باجتماع الحد مع القصاص.

стр. 6734

قَالَ الْعَلَّامَةُ ابْنُ الْقَيِّمِ ﵀ فِي [زَادِ الْمَعَادِ] (٤/ ٤٨): «وعلى أنَّه إذا اجتمع في حق الجاني حد وقصاص استوفيا معاً، فإنَّ النبي ﷺ قطع أيديهم وأرجلهم حداً لله على حرابهم، وقتلهم لقتلهم الراعي» اهـ. قُلْتُ: في اجتماع الحد مع القتل ثلاث صور: الصورة الأولى: أن تجتمع على شخص حدود كلها خالصة لله تعالى، ومن هذه الحدود حد القتل، فالذي عليه جمهور العلماء أنَّ القتل يُسقط سائر الحدود، ونازع في ذلك الإمام الشافعي فذهب إلى استيفاء سائر الحدود مع القتل. الصورة الثانية: أن تجتمع على شخص حدود وقصاص كلها خالصة للأدمي، كحد القذف، وقطع عضو من الأعضاء، والقتل قصاصاً، فالذي عليه جمهور العلماء استيفاء جميع ذلك مع القتل ويبدأ بالأخف منها؛ لأنَّ ذلك حق من حقوق الآدميين فلا تسقط كسائر حقوقهم، وخالف في ذلك أبو حنيفة فذهب إلى سقوط جميع ذلك بالقتل. الصورة الثالثة: أن تجتمع على شخص حدود الله وحدود الآدميين مع القتل، فتدخل حدود الله تعالى في القتل، -سواء كان القتل من حدود الله تعالى،

стр. 6735

كالرجم في الزنا، والقتل للمحاربة، أو الردة، أو كان القتل حقاً لآدمي، كالقصاص-، وأمَّا حقوق الآدميين فتستوفى كلها. وهذا مذهب الجمهور. قُلْتُ: ولا أعلم حجة قوية على سقوط الحدود التي هي خالصة لله مع القتل، والأصل هو استيفاؤها كما هو مذهب الإمام الشافعي رحمه الله تعالى، وغيره من أهل العلم، والحدود كفارات فيحتاج إلى استيفائها. وأمَّا ما رواه ابن أبي شيبة في [مُصَنَّفِهِ] (٢٨٧٠٩) حَدَّثَنَا حَفْصٌ، عَنْ مُجَالِدٍ، عَنِ الشَّعْبِيِّ، عَنْ مَسْرُوقٍ، قَالَ، قَالَ عَبْدُ اللَّهِ: «إِذَا اجْتَمَعَ حَدَّانِ أَحَدُهُمَا الْقَتْلُ أَتَى الْقَتْلُ عَلَى الْآخَرِ». فَهُوَ أَثَرٌ ضَعِيْفٌ لِضَعْفِ مجالد وهو ابن سعيد. ويدخل في هذا: المحارب إذا أخذ المال وقتل فإنَّه يقتل وتقطع يده ورجله من خلاف كما يدل عليه الحديث، وهو مذهب أحمد في رواية، والرواية الأخرى له وهو مذهب الشافعي أن يقتلوا ثم يصلبوا. وأمَّا ما رواه الشافعي في [الْأُمِّ] (٦/ ١٥١ - ١٥٢)، ومن طريقه البيهقي في [الْكُبْرَى] (١٧٠٩٠)، و [الْمَعْرِفَةِ] (٥٤٣٨)، و [الصُّغْرَى] (٢٦٥٢)، والبغوي في [شَرْحِ السُّنَّةِ] (٢٥٧٠) أَخْبَرَنَا إبْرَاهِيمُ عَنْ صَالِحٍ مَوْلَى التَّوْأَمَةِ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ فِي قُطَّاعِ الطَّرِيقِ: «إذَا قَتَلُوا وَأَخَذُوا الْمَالَ، قُتِلُوا وَصُلِبُوا وَإِذَا قَتَلُوا وَلَمْ

стр. 6736

يَأْخُذُوا الْمَالَ، قُتِلُوا وَلَمْ يُصْلَبُوا وَإِذَا أَخَذُوا الْمَالَ وَلَمْ يَقْتُلُوا، قُطِعَتْ أَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُمْ مِنْ خِلَافٍ وَإِذَا هَرَبُوا طُلِبُوا حَتَّى يُوجَدُوا فَتُقَامَ عَلَيْهِمْ الْحُدُودُ وَإِذَا أَخَافُوا السَّبِيلَ وَلَمْ يَأْخُذُوا مَالًا نُفُوا مِنْ الْأَرْضِ». فَهَذَا الْأَثَرُ إَسْنَادُهُ شَدِيْدُ الضَّعْفِ فإبراهيم هو ابن محمد بن أبي يحيى متروك الحديث، وصالح مولى التوأمة مختلط. ورواه عبد الرزاق في [مُصَنَّفِهِ] (١٨٥٤٤)، ومن طريقه الدارقطني في [سُنَنِهِ] (٣٢٦٦)، و البيهقي في [الْكُبْرَى] (١٧٠٩١) عَنْ إِبْرَاهِيمَ، عَنْ دَاوُدَ، عَنْ عِكْرِمَةَ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، قَالَ: «نَزَلَتْ هَذِهِ الْآيَةُ فِي الْمُحَارِبِ: ﴿إِنَّمَا جَزَاءُ الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ﴾ [المائدة: ٣٣] إِذَا عَدَا فَقَطَعَ الطَّرِيقَ فَقَتَلَ وَأَخَذَ الْمَالَ صُلِبَ وَإِنْ قَتَلَ وَلَمْ يَأْخُذْ مَالًا قُتِلَ وَإِنْ أَخَذَ الْمَالَ، وَلَمْ يَقْتُلْ قُطِعَ مِنْ خِلَافٍ فَإِنْ هَرَبَ وَأَعْجَزَهَمْ فَذَلِكَ نَفْيُهُ». قُلْتُ: وَهَذَا الْإِسْنَادُ شَدِيْدُ الضَّعْفِ أيضاً فإبراهيم هو ابن محمد بن أبي يحيى متروك الحديث كما سبق، وداود هو ابن حصين ضعيف الحديث في عكرمة. ٥ - وفيه أنَّ المحارب إذا أخذ المال قطعت يده ورجله من خلاف. ٦ - وفيه أنَّ حكم الردء كالمباشر.

стр. 6737

قَالَ الْعَلَّامَةُ ابْنُ الْقَيِّمِ ﵀ فِي [زَادِ الْمَعَادِ] (٤/ ٤٩): «فإنَّه من المعلوم أنَّ كل واحد منهم لم يباشر القتل بنفسه، ولا سأل النبي ﷺ عن ذلك» اهـ. ٧ - واحتج به من قال: إنَّ قتل الغيلة يوجب القتل حداً فلا يسقطه عفو بعض الأولياء. وقد مضى القول في قتل الغيلة في شرح حديث أنس في شأن قتل اليهودي للجارية. ٨ - وفيه تغليظ العقوبة بتغلظ الجرائم. ٩ - واحتج به من قال بطهارة أبوال وأرواث مأكول اللحم، وقد سبق الكلام على ذلك في شرح حديث ابن عباس من كتاب الطهارة. ١٠ - وفيه نفي المدينة لخبثها. وقد روى البخاري (١٨٨٣)، ومسلم (١٣٨٣) عَنْ جَابِرٍ ﵁، جَاءَ أَعْرَابِيٌّ النَّبِيَّ ﷺ ، فَبَايَعَهُ عَلَى الإِسْلَامِ، فَجَاءَ مِنَ الغَدِ مَحْمُومًا فَقَالَ: أَقِلْنِي، فَأَبَى ثَلَاثَ مِرَارٍ، فَقَالَ: «المَدِينَةُ كَالكِيرِ تَنْفِي خَبَثَهَا وَيَنْصَعُ طَيِّبُهَا». وروى مسلم (١٣٨١) عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَالَ:

стр. 6738

«يَأْتِي عَلَى النَّاسِ زَمَانٌ يَدْعُو الرَّجُلُ ابْنَ عَمِّهِ وَقَرِيبَهُ: هَلُمَّ إِلَى الرَّخَاءِ، هَلُمَّ إِلَى الرَّخَاءِ، وَالْمَدِينَةُ خَيْرٌ لَهُمْ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ، وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ، لَا يَخْرُجُ مِنْهُمْ أَحَدٌ رَغْبَةً عَنْهَا إِلَّا أَخْلَفَ اللهُ فِيهَا خَيْرًا مِنْهُ، أَلَا إِنَّ الْمَدِينَةَ كَالْكِيرِ، تُخْرِجُ الْخَبِيثَ، لَا تَقُومُ السَّاعَةُ حَتَّى تَنْفِيَ الْمَدِينَةُ شِرَارَهَا، كَمَا يَنْفِي الْكِيرُ خَبَثَ الْحَدِيدِ». وروى البخاري (١٨٨١)، ومسلم (٢٩٤٣) عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ ﵁، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ ، قَالَ: «لَيْسَ مِنْ بَلَدٍ إِلَّا سَيَطَؤُهُ الدَّجَّالُ، إِلَّا مَكَّةَ، وَالمَدِينَةَ، لَيْسَ لَهُ مِنْ نِقَابِهَا نَقْبٌ، إِلَّا عَلَيْهِ المَلَائِكَةُ صَافِّينَ يَحْرُسُونَهَا، ثُمَّ تَرْجُفُ المَدِينَةُ بِأَهْلِهَا ثَلَاثَ رَجَفَاتٍ، فَيُخْرِجُ اللَّهُ كُلَّ كَافِرٍ وَمُنَافِقٍ». قَالَ الْحَافِظُ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِ ﵀ فِي [التَّمْهِيْدِ] (١٢/ ٢٣٠ - ٢٣١): «وشبه رسول الله ﷺ المدينة في ذلك الوقت بالكير والنار الذي لا يبقى على عمله إلَّا طيبه ويدفع الخبث، وكذلك كانت المدينة لا يبقى فيها ولا يثبت إلَّا الطيب من الناس لصحبته ﷺ وللفهم عنه فلما مات خرج عنها كثير من جلة أصحابه لنشر علمه والتبليغ لدينه ﷺ .

стр. 6739

فإن قيل: إنَّ عمر بن عبد العزيز قد خشي أن يكون ممن نفت المدينة وليس ذلك في المعنى الذي ذكرت من صحبة رسول الله ﷺ والأخذ عنه بل ذلك لفضل المدينة الباقي إلى يوم القيامة. قيل له لا ينكر فضل المدينة عالم ولكن قوله "تنفي خبثها وينصع طيبها" ليس إلَّا على ما قلنا بدليل خروج الفضلاء الصحابة الطيبين منها إلى الشام والعراق ولا يجوز أن يقال في واحد منهم إنَّهم كانوا خبثاء ﵃. وقد يقول العالم القول على الإشفاق على نفسه فلا يكون في ذلك حجة على غيره» اهـ. وَقَالَ الْعَلَّامَةُ الْنَوَوِي ﵀ فِي [شَرْحِ مُسْلِمٍ] (٥/ ٤٥): «الأظهر أنَّ هذا مختص بزمن النبي ﷺ لأنَّه لم يكن يصبر على الهجرة والمقام معه إلَّا من ثبت إيمانه، وأمَّا المنافقون وجهلة الأعراب فلا يصبرون على شدة المدينة، ولا يحتسبون الأجر في ذلك كما قال ذلك الأعرابي الذي أصابه الوعك: أقلني بيعتي. هذا كلام القاضي، وهذا الذي ادعى أنَّه الأظهر ليس بالأظهر؛ لأنَّ هذا الحديث الأول في صحيح مسلم أنَّه ﷺ قال: "لا تقوم الساعة حتى تنفي المدينة شرارها كما ينفي الكير خبث الحديد". وهذا والله أعلم في زمن

стр. 6740

الدجال، كما جاء في الحديث الصحيح الذي ذكره مسلم في أواخر الكتاب في أحاديث الدجال: "أنَّه يقصد المدينة فترجف المدينة ثلاث رجفات يخرج الله بها منها كل كافر ومنافق". فيحتمل أنَّه مختص بزمن الدجال، ويحتمل أنَّه في أزمان متفرقة والله أعلم» اهـ. قُلْتُ: حديث جابر عام في لفظه فالأصل هو إبقاؤه على عمومه، وليس في الحديث أنَّه لا يخرج منها إلَّا من كان خبيثاً، وإنَّما فيه أنَّها تنفي خبثها، وفرق بين الأمرين، والذي يظهر لي أنَّ النفي التام إنَّما يكون في زمن الدجال، وأمَّا قبل ذلك فلا تنفي جميع خبثها؛ وذلك أنَّ المنافقين ما زالوا في المدينة منذ فجر الإسلام وإلى هذه الأيام. ١١ - ويدل على جواز التعذيب بالنار قصاصاً. وقد بوَّب الإمام البخاري على هذا الحديث بقَوْلِهِ: «باب إذا حرق المشرك المسلم هل يحرق». قَالَ الْعَلَّامَةُ ابْنُ بَطَّالٍ ﵀ فِي [شَرْحِ الْبُخَارِي] (٥/ ١٧٩): «استدل منه البخاري أنَّه لما جاز تحريق أعينهم بالنار ولو كانوا لم يحرقوا أعين الرعاء، أنَّه أولى بالجواز تحريق المشرك إذا أحرق المسلم» اهـ.

стр. 6741

قُلْتُ: وهذا مذهب الجمهور، قَالَ الْعَلَّامَةُ الْقُرْطُبِي ﵀ فِي [الْمُفْهِم] (١٥/ ١٠٨): «ومن هؤلاء من خالف في التحريق بالنار، وفي قتله بالعصا. فجمهورهم: على أنَّه يقتل بذلك» اهـ. وذهبت الحنفية والنخعي والشعبي إلى أنَّه لا يقتل إلَّا بالسيف. قَالَ الْعَلَّامَةُ ابْنُ بَطَّالٍ ﵀ فِي [شَرْحِ الْبُخَارِي] (٨/ ٥٠١): «وقال ابن الماجشون: يقتل بالعصا وبالخنق وبالحجر ولا يقتل بالنار. وقال أبو حنيفة وأصحابه: بأي وجه قتل؛ فلا يقتل إلاَّ بالسيف. وهو قول النخعي والشعبي» اهـ. ١٢ - واحتج به من قال بجواز قتل المرتدين من غير استتابة. قَالَ الْعَلَّامَةُ الْقُرْطُبِي ﵀ فِي [الْمُفْهِم] (١٥/ ١٠٣): «ولم يستتبهم من الردة، إمَّا لأنَّ الاستتابة لم تكن إذ ذاك مشروعة، وإمَّا لأنَّهم كانوا قد وجب قتلهم إمَّا بالقصاص، وإمَّا بالحرابة؛ فلا بد من قتلهم، فلا يظهر للاستتابة فائدة، فاستغنى عنها، والله تعالى أعلم» اهـ. وَقَالَ الْعَلَّامَةُ ابْنُ الْعَرَبِيِّ ﵀ فِي [أَحْكَامِ الْقُرْآنِ] (٣/ ١٥٧): «وإنَّما ترك النبي ﷺ استتابة هؤلاء لما أحدثوا من القتل والمثلة والحرب؛

стр. 6742

وإنَّما يستتاب المرتد الذي يرتاب فيستريب به ويرشد، ويبين له المشكل، وتجلى له الشبهة» اهـ. قُلْتُ: والذي عليه أكثر العلماء هو استتابة المرتد. قَالَ الْعَلَّامَةُ ابْنُ قُدَامَةَ ﵀ فِي [الْمُغْنِي] (١٩/ ٤٤٧): «الفصل الثالث: أنَّه لا يقتل حتى يستتاب ثلاثاً. هذا قول أكثر أهل العلم؛ منهم عمر، وعلي، وعطاء، والنخعي، ومالك، والثوري، والأوزاعي، وإسحاق، وأصحاب الرأي. وهو أحد قولي الشافعي. وروي عن أحمد، رواية أخرى، أنَّه لا تجب استتابته، لكن تستحب. وهذا القول الثاني للشافعي، وهو قول عبيد بن عمير، وطاووس، ويروى ذلك عن الحسن» اهـ. قُلْتُ: وحجة من لم ير وجوب الاستتابة عموم ما رواه البخاري (٣٠١٧) عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «مَنْ بَدَّلَ دِينَهُ فَاقْتُلُوهُ». وعموم ما رواه البخاري (٦٨٧٨)، ومسلم (١٦٧٦) عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ مَسْعُودٍ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : «لَا يَحِلُّ دَمُ امْرِئٍ مُسْلِمٍ، يَشْهَدُ أَنْ لَا

стр. 6743

إِلَهَ إِلَّا اللهُ وَأَنِّي رَسُولُ اللهِ، إِلَّا بِإِحْدَى ثَلَاثٍ: الثَّيِّبُ الزَّانِي، وَالنَّفْسُ بِالنَّفْسِ، وَالتَّارِكُ لِدِينِهِ الْمُفَارِقُ لِلْجَمَاعَةِ». فإنَّ النبي ﷺ لم يأمر بالاستتابة قبل القتل. وهكذا ما رواه البخاري (٦٩٢٣)، ومسلم (١٧٣٣) عَنْ أَبِي مُوسَى، قَالَ: أَقْبَلْتُ إِلَى النَّبِيِّ ﷺ ، وَمَعِي رَجُلَانِ مِنَ الأَشْعَرِيِّينَ، أَحَدُهُمَا عَنْ يَمِينِي وَالآخَرُ عَنْ يَسَارِي، وَرَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَسْتَاكُ، فَكِلَاهُمَا سَأَلَ، فَقَالَ: «يَا أَبَا مُوسَى، أَوْ: يَا عَبْدَ اللَّهِ بْنَ قَيْسٍ». قَالَ: قُلْتُ: وَالَّذِي بَعَثَكَ بِالحَقِّ مَا أَطْلَعَانِي عَلَى مَا فِي أَنْفُسِهِمَا، وَمَا شَعَرْتُ أَنَّهُمَا يَطْلُبَانِ العَمَلَ، فَكَأَنِّي أَنْظُرُ إِلَى سِوَاكِهِ تَحْتَ شَفَتِهِ قَلَصَتْ، فَقَالَ: «لَنْ، أَوْ: لَا نَسْتَعْمِلُ عَلَى عَمَلِنَا مَنْ أَرَادَهُ، وَلَكِنِ اذْهَبْ أَنْتَ يَا أَبَا مُوسَى، أَوْ يَا عَبْدَ اللَّهِ بْنَ قَيْسٍ، إِلَى اليَمَنِ». ثُمَّ اتَّبَعَهُ مُعَاذُ بْنُ جَبَلٍ، فَلَمَّا قَدِمَ عَلَيْهِ أَلْقَى لَهُ وِسَادَةً، قَالَ: انْزِلْ، وَإِذَا رَجُلٌ عِنْدَهُ مُوثَقٌ، قَالَ: مَا هَذَا؟ قَالَ: كَانَ يَهُودِيًّا فَأَسْلَمَ ثُمَّ تَهَوَّدَ، قَالَ: اجْلِسْ، قَالَ: لَا أَجْلِسُ حَتَّى يُقْتَلَ، قَضَاءُ اللَّهِ وَرَسُولِهِ، ثَلَاثَ مَرَّاتٍ. فَأَمَرَ بِهِ فَقُتِلَ، ثُمَّ تَذَاكَرَا قِيَامَ اللَّيْلِ، فَقَالَ أَحَدُهُمَا: أَمَّا أَنَا فَأَقُومُ وَأَنَامُ، وَأَرْجُو فِي نَوْمَتِي مَا أَرْجُو فِي قَوْمَتِي.

стр. 6744

قُلْتُ: وفي الاحتجاج بهذا نظر فإنَّه ليس فيه أنَّ أبا موسى لم يستتبه قبل مقدم معاذ بن جبل ﵄. واحتج من قال باستتابة المرتد بما رواه الدارقطني ﵀ في [سُنَنِهِ] (٣٢١٤) حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْحُسَيْنِ بْنِ حَاتِمٍ الطَّوِيلُ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ يُونُسَ السَّرَّاجُ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ بْنِ عَيَّاشٍ، حَدَّثَنَا أَبِي، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الْمَلِكِ الْأَنْصَارِيُّ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، عَنْ عُرْوَةَ، عَنْ عَائِشَةَ، قَالَتِ: «ارْتَدَّتِ امْرَأَةٌ يَوْمَ أُحُدٍ فَأَمَرَ النَّبِيُّ ﷺ أَنْ تُسْتَتَابَ، فَإِنْ تَابَتْ، وَإِلَّا قُتِلَتْ». قُلْتُ: إِسْنَادُهُ شَدِيُدُ الضَّعْفِ فيه محمد بن عبد الملك الأنصاري قَالَ فِيْهِ ابْنْ أَبِي حَاتِمٍ ﵀ فِي [الْجَرْحِ وَالتَّعْدِيْلِ] (٨/ ٤): «سألت أبي عن محمد بن عبد الملك الأنصاري فقال: كان يكون بغداد ذاهب الحديث جداً كذاب كان يضع الحديث» اهـ. وَقَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ ﵀ كَمَا فِي [الْعِلَلِ وَمَعْرِفَةِ الرَّجَالِ] (٣/ ٢١٢): «كان أعمى وكان يضع الحديث ويكذب» اهـ. ومحمد بن إسماعيل فيه لين ولم يسمع من أبيه، وأبوه ضعيف الحديث في غير أهل بلده.

стр. 6745

واحتجوا بما رواه مالك في [الْمُوَطَّأِ] (١٤١٤)، ومن طريقه الشافعي في [الْمُسْنَدِ] (٢٨٦)، والبيهقي في [الْكُبْرَى] (١٧٣٤١)، ورواه سعيد بن منصور في [سُنَنِهِ] (٢٥٨٥)، والطحاوي في [شَرْحِ مَعَانِي الْآثَارِ] (٥١٠٧) عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدٍ الْقَارِّيِّ، عَنْ أَبِيهِ، أَنَّهُ قَالَ: قَدِمَ عَلَى عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ رَجُلٌ مِنْ قِبَلِ أَبِي مُوسَى الْأَشْعَرِيِّ. فَسَأَلَهُ عَنِ النَّاسِ، فَأَخْبَرَهُ. ثُمَّ قَالَ لَهُ عُمَرُ: هَلْ كَانَ فِيكُمْ مِنْ مُغَرِّبَةِ خَبَرٍ؟ فَقَالَ: نَعَمْ، رَجُلٌ كَفَرَ بَعْدَ إِسْلَامِهِ، قَالَ: فَمَا فَعَلْتُمْ بِهِ؟ قَالَ: قَرَّبْنَاهُ فَضَرَبْنَا عُنُقَهُ، فَقَالَ عُمَرُ: «أَفَلَا حَبَسْتُمُوهُ ثَلَاثًا، وَأَطْعَمْتُمُوهُ كُلَّ يَوْمٍ رَغِيفًا، وَاسْتَتَبْتُمُوهُ لَعَلَّهُ يَتُوبُ، وَيُرَاجِعُ أَمْرَ اللَّهِ»؟ ثُمَّ قَالَ عُمَرُ: «اللَّهُمَّ إِنِّي لَمْ أَحْضُرْ، وَلَمْ آمُرْ، وَلَمْ أَرْضَ إِذْ بَلَغَنِي». قُلْتُ: إِسْنَادُهُ ضَعِيْفٌ، والد عبد الرحمن لم يوثقه معتبر، وروايته عن عمر مرسلة. ورواه أبي شيبة في [مُصَنَّفِهِ] (٢٩٥٨٨، ٣٣٤٢٤، ٣٤٥٢١) حدثنا ابن عيينة، عن محمد بن عبد الرحمن، عن أبيه، قال. فذكره. قُلْتُ: ومحمد لم يوثقه معتبر كما سبق. وروى عبد الرزاق في [مُصَنَّفِهِ] (١٨٦٩٦)، وابن أبي شيبة في [مُصَنَّفِهِ] (٣٣٤٠٦)، وسعيد بن منصور في [سُنَنِهِ] (٢٥٨٧) عَنْ دَاوُدَ بْنِ أَبِي هِنْدٍ، قَالَ:

стр. 6746

ثنا عَامِرٌ، أَنَّ أَنَسَ بْنَ مَالِكٍ، حَدَّثَهُ أَنَّ نَفَرًا مِنْ بَكْرِ بْنِ وَائِلٍ ارْتَدُّوا عَنِ الْإِسْلَامِ وَلَحِقُوا بِالْمُشْرِكِينَ فَقُتِلُوا فِي الْقِتَالِ، فَلَمَّا أَتَيْتُ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ بِفَتْحِ تُسْتَرَ قَالَ: «مَا فَعَلَ النَّفَرُ مِنْ بَكْرِ بْنِ وَائِلٍ؟ قَالَ: قُلْتُ عَرَضْتُ فِي حَدِيثٍ آخَرَ لِأَشْغَلَهُ عَنْ ذِكْرِهِمْ، قَالَ: «مَا فَعَلَ النَّفَرُ مِنْ بَكْرِ بْنِ وَائِلٍ؟» قَالَ: قُلْتُ: قُتِلُوا يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ، قَالَ: «لَوْ كُنْتُ أَخَذْتُهُمْ سَلْمًا كَانَ أَحَبَّ إِلَيَّ مِمَّا طَلَعَتْ عَلَيْهِ الشَّمْسُ مِنْ صَفْرَاءَ وَبَيْضَاءَ»، قَالَ: قُلْتُ: يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ، وَمَا كَانَ سَبِيلُهُمْ لَوْ أَخَذْتُهُمْ إِلَّا الْقَتْلَ، قَوْمٌ ارْتَدُّوا عَنِ الْإِسْلَامِ وَلَحِقُوا بِالشِّرْكِ، قَالَ: «كُنْتُ أَعْرِضُ أَنْ يَدْخُلُوا فِي الْبَابِ الَّذِي خَرَجُوا مِنْهُ، فَإِنْ فَعَلُوا قَبِلْتُ ذَلِكَ مِنْهُمْ، وَإِنْ أَبَوَا اسْتَوْدَعْتُهُمِ السِّجْنَ». قُلْتُ: هَذَا أَثَرٌ صَحِيْحٌ. وروى ابن أبي شيبة في [مُصَنَّفِهِ] (٣٣٤١١)، وأبو داود (٢٧٦٢) من طريق أَبِي إِسْحَاقَ، عَنْ حَارِثَةَ بْنِ مُضَرِّبٍ، قَالَ: «خَرَجَ رَجُلٌ يَطْرُقُ فَرَسًا لَهُ فَمَرَّ بِمَسْجِدِ بَنِي حَنِيفَةَ فَصَلَّى فِيهِ فَقَرَأَ لَهُمْ إِمَامُهُمْ بِكَلَامِ مُسَيْلِمَةَ الْكَذَّابِ، فَأَتَى ابْنُ مَسْعُودٍ فَأَخْبَرَهُ فَبَعَثَ إِلَيْهِمْ فَجَاءَهُمْ، فَاسْتَتَابَهُمْ فَتَابُوا إِلَّا عَبْدَ اللَّهِ ابْنَ النَّوَّاحَةِ، فَإِنَّهُ قَالَ لَهُ: يَا عَبْدَ اللَّهِ، إِنِّي سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: "لَوْلَا أَنَّكَ رَسُولٌ لَضَرَبْتُ عُنُقَكَ، فَأَمَّا الْيَوْمَ فَلَسْتُ بِرَسُولٍ، يَا خَرَشَةُ قُمْ فَاضْرِبْ عُنُقَهُ"، فَقَامَ فَضَرَبَ عُنُقَهُ».

стр. 6747

قُلْتُ: إِسْنَادُهُ صَحِيْحٌ. والذي يظهر لي في استتابة المرتد أنَّ فيها تفصيلاً، فإن كانت الردة لشبة محتملة فلا يُقتل إلَّا بعد أن يُستتاب، وإن كانت لغير شبهة فلا يظهر لي وجوب الاستتابة وفعلها حسن، وذلك أنَّ النبي ﷺ كان يغزوا بعض الكافرين من غير أن يدعوهم للإسلام قبل قتالهم اكتفاء ببلوغ الدعوة إليهم، وهؤلاء المرتدون ردة لا شبهة لهم فيها قد بلغتهم الدعوة بأبلغ مما بلغت غيرهم من سائر الكافرين. * * *

стр. 6748

حَدُّ الزِّنَا. ٣٤١ - عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُتْبَةَ بْنِ مَسْعُودٍ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ وَزَيْدِ بْنِ خَالِدٍ الْجُهَنِيِّ ﵄، أَنَّهُمَا قَالَا: «إنَّ رَجُلاً مِنَ الأَعْرَابِ أَتَى رَسُولَ ﷺ فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، أَنْشُدُك اللَّهَ إلَّا قَضَيْتَ بَيْنَنَا بِكِتَابِ اللَّهِ. فَقَالَ الْخَصْمُ الآخَرُ - وَهُوَ أَفْقَهُ مِنْهُ -: نَعَم، فَاقْضِ بَيْنَنَا بِكِتَابِ اللَّهِ، وَأْذَنْ لِي. فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ : "قُلْ"، فَقَالَ: إنَّ ابْنِي كَانَ عَسِيفاً عَلَى هَذَا، فَزَنَى بِامْرَأَتِهِ، وَإِنِّي أُخْبِرْت أَنَّ عَلَى ابْنِي الرَّجْمَ، فَافْتَدَيْت مِنْهُ بِمِائَةِ شَاةٍ وَوَلِيدَةٍ، فَسَأَلْتُ أَهْلَ الْعِلْمِ فَأَخْبَرُونِي أَنَّمَا عَلَى ابْنِي جَلْدُ مِائَةٍ وَتَغْرِيبُ عَامٍ، وَأَنَّ عَلَى امْرَأَةِ هَذَا الرَّجْمَ. فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "وَاَلَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لأَقْضِيَنَّ بَيْنَكُمَا بِكِتَابِ اللَّهِ، الْوَلِيدَةُ وَالْغَنَمُ رَدٌّ عَلَيْك وَعَلَى ابْنِك جَلْدُ مِائَةٍ وَتَغْرِيبُ عَامٍ. وَاغْدُ يَا أُنَيْسُ - لِرَجُلٍ مِنْ أَسْلَمَ - عَلَى امْرَأَةِ هَذَا، فَإِنْ اعْتَرَفَتْ فَارْجُمْهَا"، فَغَدَا عَلَيْهَا، فَاعْتَرَفَتْ، فَأَمَرَ بِهَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فَرُجِمَتْ». العَسيفُ: الأَجيرُ.

стр. 6749

قَوْلُهُ: «أَنْشُدُك اللَّهَ» أي: أقسم عليك بالله، ذكره القرطبي، وذكر النووي وغيره في معناه: أسألك بالله رافعاً نشيدي، وهو صوتي. وقَوْلُهُ: «وَاغْدُ يَا أُنَيْسُ». أي: امض وسر، وليس المراد به الذهاب أول النهار. وقَوْلُهُ: «وَهُوَ أَفْقَهُ مِنْهُ». قَالَ الْحِافِظُ ابْنُ حَجَرٍ ﵀ فِي [فَتْحِ الْبَارِي] (١٢/ ١٣٨): «في رواية مالك فقال الآخر وهو أفقههما. قال شيخنا في شرح الترمذي: يحتمل أن يكون الراوي كان عارفاً بهما قبل أن يتحاكما فوصف الثاني بأنَّه أفقه من الأول إمَّا مطلقاً وإمَّا في هذه القصة الخاصة، أو استدل بحسن أدبه في استئذانه وترك رفع صوته إن كان الأول رفعه وتأكيده السؤال على فقهه وقد ورد أنَّ حسن السؤال نصف العلم» اهـ. وَقَالَ الْعَلَّامَةُ الْقُرْطُبِي ﵀ فِي [الْمُفْهِم] (١٦/ ٢٣): «إنَّما فضل الراوي الثاني على الأول بالفقه؛ لأنَّ الثاني ترفق ولم يستعجل، ثم تلطف بالاستئذان في القول، بخلاف الأول، فإنَّه استعجل، وأقسم على النبي ﷺ في شيء كان يفعله بغير يمين، ولم يستأذن، وهذا كله من جفاء الأعراب، فكان للثاني عليه مزية، في الفهم والفقه. ويحتمل: أن يكون ذلك؛ لأنَّ الثاني وصف القضية بكمالها، وأجاد سياقتها» اهـ.

стр. 6750

وقَوْلُهُ: «لأَقْضِيَنَّ بَيْنَكُمَا بِكِتَابِ اللَّهِ». أي بحكم الله، فإنَّه ليس للتغريب ذكر في القرآن. وَفِي الْحَدِيْثِ مَسَائِلُ مِنْهَا: ١ - الحلف في الحكم لتوكيده. ٢ - وفيه أنَّ الزاني البكر يجمع له بين الجلد والتغريب. قُلْتُ: أمَّا الجلد فلا نزاع فيه، وأمَّا التغريب فقال به أكثر العلماء من الخلفاء الراشدين ومن جاء بعدهم من أئمة الإسلام، وذهب الإمام مالك والأوزاعي رحمهما الله تعالى إلى ثبوته في حق الرجل دون المرأة. قَالَ الْعَلَّامَةُ ابْنُ قُدَامَةَ ﵀ فِي [الْمُغْنِي] (٢٠/ ٣٦ - ٣٧): «وقال مالك، والأوزاعي: يغرب الرجل دون المرأة؛ لأنَّ المرأة تحتاج إلى حفظ وصيانة، ولأنَّها لا تخلو من التغريب بمحرم أو بغير محرم، لا يجوز التغريب بغير محرم؛ لقول النبي ﷺ : "لا يحل لامرأة تؤمن بالله واليوم الآخر، أن تسافر مسيرة يوم وليلة، إلَّا مع ذي محرم". ولأنَّ تغريبها بغير محرم إغراء لها بالفجور، وتضييع لها، وإن غربت بمحرم، أفضى إلى تغريب من ليس بزان، ونفي من لا ذنب له، وإن كلفت أجرته، ففي ذلك

стр. 6751

زيادة على عقوبتها بما لم يرد الشرع به، كما لو زاد ذلك على الرجل، والخبر الخاص في التغريب إنَّما هو في حق الرجل، وكذلك فعل الصحابة ﵃، والعام يجوز تخصيصه؛ لأنَّه يلزم من العمل بعمومه مخالفة مفهومه، فإنَّه دل بمفهومه على أنَّه ليس على الزاني أكثر من العقوبة المذكورة فيه، وإيجاب التغريب على المرأة يلزم منه الزيادة على ذلك، وفوات حكمته؛ لأنَّ الحد وجب زجراً عن الزنا، وفي تغريبها إغراء به، وتمكين منه، مع أنَّه قد يخصص في حق الثيب بإسقاط الجلد، في قول الأكثرين، فتخصيصه هاهنا أولى». إِلَى أَنْ قَالَ الْعَلَّامَةُ ابْنُ قُدَامَةَ ﵀ (٢٠/ ٣٨): «وقول مالك فيما يقع لي، أصح الأقوال وأعدلها، وعموم الخبر مخصوص بخبر النهي عن سفر المرأة بغير محرم، والقياس على سائر الحدود لا يصح؛ لأنَّه يستوي الرجل والمرأة في الضرر الحاصل بها، بخلاف هذا الحد، ويمكن قلب هذا القياس، بأنَّه حد، فلا تزاد فيه المرأة على ما على الرجل، كسائر الحدود» اهـ. قُلْتُ: وهذا هو الذي يظهر لي صحته والله أعلم. وقد شذ أبو حنيفة فلم ير التغريب في حق الذكر ولا الأنثى.

стр. 6752

٣ - وفيه أنَّ التغريب يكون عاماً كاملاً وظاهر ذلك أنَّه لا يجزئ أقل من ذلك، فلو غُرِّب وعاد إلى بلده قبل تمام العام، غُرِّب مرة أخرى، ويبني على ما سبق، ولا تحسب مدة إقامة من التغريب. ٤ - وليس في الحديث إلى أي مسافة يُغرَّب، وذلك محمول على مسافة القصر، فإنَّ ما دون ذلك يعد حاضراً. قَالَ الْعَلَّامَةُ ابْنُ قُدَامَةَ ﵀ فِي [الْمُغْنِي] (٢٠/ ٣٩): «فصل: ويغرب البكر الزاني حولاً كاملاً، فإن عاد قبل مضي الحول، أعيد تغريبه، حتى يكمل الحول مسافراً، ويبني على ما مضى. ويغرب الرجل إلى مسافة القصر؛ لأنَّ ما دونها في حكم الحضر، بدليل أنَّه لا يثبت في حقه أحكام المسافرين، ولا يستبيح شيئاً من رخصهم» اهـ. ٥ - ولا يحبس في البلد الذي غُرِّب إليها، لعدم ذكر ذلك في الحديث، وهذا مذهب الجمهور، وخالف الإمام مالك فذهب إلى حبسه في البلد التي غُرِّب إليها.

стр. 6753

٦ - وإذا زنا الغريب في غير بلده فلا ينفى إلى بلده؛ لأنَّ ذلك لا يعد تغريباً، ولا ينفى مرة أخرى إن زنا إلى البلد الذي انتقل إليه في المرة السابقة، لأنَّه قد أنس به فشابه بلده. قَالَ الْعَلَّامَةُ ابْنُ قُدَامَةَ ﵀ فِي [الْمُغْنِي] (٢٠/ ٤٠): «فصل: وإذا زنى الغريب غرب إلى بلد غير وطنه. وإن زنى في البلد الذي غرب إليه، غرب منه إلى غير البلد الذي غرب منه؛ لأنَّ الأمر بالتغريب يتناوله حيث كان، ولأنَّه قد أنس بالبلد الذي سكنه، فيبعد عنه». ٧ - وفيه أنَّ ما قبض من المال بالصلح الباطل باطل يجب رده. ٨ - وفيه توكيل الإمام غيره في استيفاء الحد. ٩ - وفيه أنَّه لا يجمع للزاني المحصن بين الجلد والرجم. قَالَ الْعَلَّامَةُ ابْنُ الْقَيِّمِ ﵀ فِي [زَادِ الْمَعَادِ] (٥/ ٣٤): «لأنَّه ﷺ لم يجلد ماعزاً ولا الغامدية، ولم يأمر أنيساً أن يجلد المرأة التي أرسله إليها، وهذا قول الجمهور، وحديث عبادة: "خذوا عنى قد جعل الله لهن سبيلاً: الثيب بالثيب جلد مائة والرجم". منسوخ؛ فإنَّ هذا كان في أول الأمر عند نزول حد الزاني، ثم رجم ماعزاً والغامدية، ولم يجلدهما، وهذا كان بعد حديث عبادة بلا

стр. 6754

شك، وأمَّا حديث جابر في "السنن": أنَّ رجلاً زنى، فأمر به النبي ﷺ فجلد الحد، ثم أقر أنَّه محصن، فأمر به فرجم. فقد قال جابر في الحديث نفسه: إنَّه لم يعلم بإحصانه، فجلد، ثم علم بإحصانه فرجم. رواه أبو داود» اهـ. قُلْتُ: وهذا مذهب أكثر العلماء، وذهب إليه من الأئمة الأربعة مالك والشافعي وأبي حنيفة وأحمد في إحدى الروايتين، وذهب في رواية إلى الجمع بينهما. ومذهب الجمهور الأرجح. والله أعلم. قُلْتُ: حديث عبادة رواه مسلم (١٦٩٠) عَنْ عُبَادَةَ بْنِ الصَّامِتِ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : «خُذُوا عَنِّي، خُذُوا عَنِّي، قَدْ جَعَلَ اللهُ لَهُنَّ سَبِيلًا، الْبِكْرُ بِالْبِكْرِ جَلْدُ مِائَةٍ وَنَفْيُ سَنَةٍ، وَالثَّيِّبُ بِالثَّيِّبِ جَلْدُ مِائَةٍ، وَالرَّجْمُ». وحديث جابر الذي أورده العلامة ابن القيم ﵀ رواه أبو دود (٤٤٣٨) حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا ح وحَدَّثَنَا ابْنُ السَّرْحِ الْمَعْنَى، قَالَ: أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ وَهْبٍ، عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ، عَنْ أَبِي الزُّبَيْرِ، عَنْ جَابِرٍ، «أَنَّ رَجُلًا زَنَى بِامْرَأَةٍ، فَأَمَرَ بِهِ النَّبِيُّ ﷺ ، فَجُلِدَ الْحَدَّ، ثُمَّ أُخْبِرَ أَنَّهُ مُحْصَنٌ، فَأَمَرَ بِهِ فَرُجِمَ».

стр. 6755

قَالَ أَبُو دَاوْدَ: «رَوَى هَذَا الْحَدِيثَ مُحَمَّدُ بْنُ بَكْرٍ الْبُرْسَانِيُّ، عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ، مَوْقُوفًا عَلَى جَابِرٍ، وَرَوَاهُ أَبُو عَاصِمٍ، عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ بِنَحْوِ ابْنِ وَهْبٍ، لَمْ يَذْكُرِ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: إِنَّ رَجُلًا زَنَى فَلَمْ يُعْلَمْ بِإِحْصَانِهِ، فَجُلِدَ، ثُمَّ عُلِمَ بِإِحْصَانِهِ فَرُجِمَ» اهـ. ثم رواه (٤٤٣٩) حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الرَّحِيمِ أَبُو يَحْيَى الْبَزَّازُ، أَخْبَرَنَا أَبُو عَاصِمٍ، عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ، عَنْ أَبِي الزُّبَيْرِ، عَنْ جَابِرٍ، «أَنَّ رَجُلًا زَنَى بِامْرَأَةٍ فَلَمْ يَعْلَمْ بِإِحْصَانِهِ، فَجُلِدَ، ثُمَّ عَلِمَ بِإِحْصَانِهِ، فَرُجِمَ». ورواه النسائي في [الْكُبْرَى] (٧٢١١) من طريق قتيبة به. وقال بعد روايته له: «لا أعلم أنَّ أحداً رفع هذا الحديث غير ابن وهب» اهـ. ثم رواه (٧١٧٤) من طريق أبي عاصم به موقوفاً. وقال: «هذا الصواب، والذي قبله خطأ» اهـ. قُلْتُ: وبهذا يتبين أنَّ الصواب في الحديث الوقف، والموقوف حسن فقد صرح ابن جريج وأبو الزبير بالسماع في رواية النسائي. ١٠ - واحتج به من قال: إنَّ للحاكم أن يقضي بالإقرار في مجلسه وإن لم يوجد هنالك شهود.

стр. 6756

قَالَ الْعَلَّامَةُ ابْنُ الْقَيِّمِ ﵀ فِي [زَادِ الْمَعَادِ] (٥/ ٣٤): «وفيه: أنَّه يجوز للحاكم أن يحكم بالإقرار في مجلسه، وإن لم يسمعه معه شاهدان، نص عليه أحمد، فإنَّ النبي ﷺ لم يقل لأنيس: فإن اعترفت بحضرة شاهدين فارجمها» اهـ. وَقَالَ الْحِافِظُ ابْنُ حَجَرٍ ﵀ فِي [فَتْحِ الْبَارِي] (١٢/ ١٤٢): «واستدل به على جواز الحكم بإقرار الجاني من غير ضبط بشهادة عليه ولكنها واقعة عين فيحتمل أن يكون أنيس أشهد قبل رجمها. قال عياض: احتج قوم بجواز حكم الحاكم في الحدود وغيرها بما أقر به الخصم عنده، وهو أحد قولي الشافعي وبه قال أبو ثور وأبى ذلك الجمهور، والخلاف في غير الحدود أقوى. قال: وقصة أنيس يطرقها احتمال معنى الإعذار كما مضى وأنَّ قوله: "فارجمها" أي بعد إعلامي أو أنَّه فوض الأمر إليه فإذا اعترفت بحضرة من يثبت ذلك بقولهم تحكم، وقد دل قَوْلُهُ: فأمر بها رسول الله ﷺ فرجمت أنَّ النبي ﷺ هو الذي حكم فيها بعد أن أعلمه أنيس باعترافها، كذا قال،

стр. 6757

والذي يظهر أنَّ أنيساً لما اعترفت أعلم النبي ﷺ مبالغة في الاستثبات مع كونه كان علق له رجمها على اعترافها» اهـ. وَقَالَ الْعَلَّامَةُ الْقُرْطُبِي ﵀ فِي [الْمُفْهِم] (١٦/ ٢٥ - ٢٦): «وفيه: إقامة الحاكم الحد بمجرد إقرار المحدود وسماعه منه من غير شهادة عليه. وهو أحد قولي الشافعي، وأبي ثور. ولا يجوز ذلك عند مالك إلَّا بعد ضبط الشهادة عليه. وانفصل عن ذلك بأنَّه ليس في الحديث ما ينص على أنَّها لم يسمع إقرارها إلَّا أنيس خاصة، بل العادة قاضية بأنَّ مثل هذه القضية لا تكون في خلوة، ولا ينفرد بها الآحاد، بل لا بد من حضور جمع كثير تلك القضية، وشهرتها، لا سيما قضية مثل هذه ترفع إلى الإمام، ويبعث من يكشفها ويرجم فيها، ولا بد من إحضار طائفة من المؤمنين لإقامة الحد كما قال تعالى، مع صغر المدينة، فمثل هذا لا يخفى، ولا ينفرد به الواحد ولا الاثنان. وهذا كله مبني: على أنَّ أنيساً كان حاكماً، ويحتمل أن يكون رسولاً لها ليستفصلها، ويعضد هذا التأويل قوله في آخر الحديث: "فاعترفت فأمر بها رسول الله ﷺ فرجمت"؛ فهذا يدل على أنَّ أنيساً إنَّما سمع إقرارها، وأنَّ تنفيذ الحكم؛ إنَّما كان من النبي - صلى الله

стр. 6758

عليه وسلم - بعد سماع إقرارها من أنيس، حين أبلغه إياه، وحينئذ يتوجه إشكال آخر. وهو: أن يقول: فكيف اكتفى في ذلك بشاهد واحد؟! وقد اختلف في الشهادة على الإقرار بالزنى. هل يكتفى فيه بشهادة شاهدين كسائر الإقرارات أو لا بد من أربعة كالشهادة على رؤية الزنى؟ على قولين لعلمائنا، ولم يذهب أحد من المسلمين إلى الاكتفاء بشهادة واحد. والجواب: أنَّ هذا اللفظ؛ الذي قال فيه: فاعترفت، فأمر بها رسول الله ﷺ فرجمت. هو من رواية الليث عن الزهري. وقد روى هذا الحديث عن الزهري مالك، وقال فيه: فاعترفت، فرجمها. ولم يذكر: "فأمر بها رسول الله ﷺ فرجمت". وعند التعارض: فحديت مالك أولى لما يعلم من حال مالك، وحفظه، وضبطه، وخصوصاً في حديث الزهري، فإنَّه أعرف الناس به. وعلى رواية مالك فظاهرها: أنَّ أنيساً كان حاكماً، فيزول الإشكال، ولو سلمنا: أنَّه كان رسولاً؛ فليس في الحديث ما ينص على انفراد أنيس بالشهادة عليها، فيكون غيره شهد عند النبي ﷺ بذلك. ويعتضد هذا بما ذكرناه: من أنَّ القضية انتشرت، واشتهرت. فيبعد أن ينفرد بها واحد، سلمناه،

стр. 6759

لكنه خبر، وليس بشهادة، فلا يشترط فيه العدد. وحينئذ يستدل به على قبول أخبار الآحاد والعمل بها في الدماء وغيرها. والله تعالى أعلم» اهـ. قُلْتُ: لا يظهر لي جواز أن يحكم الحاكم بمجرد إقرار الشخص عنده من غير شهود فإنَّ هذا يفتح باب شر على الناس، وهو شبيه بمسألة حكم الحاكم بعلمه من غير بينه. قَالَ الْعَلَّامَةُ ابْنُ الْقَيِّمِ ﵀ فِي [الْطُرُقِ الْحُكْمِيَّةِ] (ص: ٢٨٣): «فصل: ويحكم بإقرار الخصم في مجلسه إذا سمعه معه شاهدان بغير خلاف فإن لم يسمعه معه غيره فنص أحمد على أنَّه يحكم به وإن لم نقل يحكم بعلمه فإنَّ مجلس الحاكم مجلس فصل الخصومات وقد جلس لذلك وقد أقر الخصم في مجلسه فوجب عليه الحكم به كما لو قامت بذلك البينة عنده وليس عنده أحد غيره يسمع معه شهادتهما فإنَّ هذا محل وفاق. قال القاضي: لا يحكم بالإقرار في مجلسه حتى يسمعه معه شاهدان دفعاً للتهمة عنه إلَّا أن يقضي بعلمه فإنَّه يجوز له الحكم حينئذ. والتحقيق أنَّ هذا يشبه مسألة الحكم بعلمه من وجه ويفارقها من وجه: فشبه ذلك بمسألة حكمه بعلمه أنَّه ليس هناك بينة وهو في موضع تهمة.

стр. 6760

ووجه الفرق بينهما أنَّ الإقرار بينة قامت في مجلسه فإنَّ البينة اسم لما يبين به الحق فعلم الحق في مجلس القضاء الذي انتصب فيه للحكم به وليس من شرط صحة الحكم أن يكون بمحضر شاهدين فكذلك لا يعتبر في طريقه أن يكون بمحضر شاهدين وليس هذا بمنزلة ما رآه أو سمعه في غير مجلسه» اهـ. قُلْتُ: لم يظهر لي فرق مؤثر بين ما إذا سمعه أو رآه في غير مجلسه ثم حكم في مجلسه بعلمه، وبين سماعه للإقرار في مجلسه من غير وجود شهود على ذلك، فالذي يظهر لي هو صحة مذهب الجمهور من منع ذلك لما في ذلك من التهمة. والله أعلم. فإن قيل: يشكل على هذا أنَّ الحاكم له أن يحكم بشهادة العدلين وإن لم يسمع هذه الشهادة أحد في مجلسه. فالجواب: أنَّ التهمة منفية في هذه الصورة لإمكانه أن يأتي بالشهود الذين شهدوا وهذا بخلاف الإقرار. ١١ - وفيه أنَّه لا يشترط أن يكون الإقرار أربعاً؛ لأنَّ النبي ﷺ لم يأمر بذلك. قُلْتُ: وهذا مذهب مالك والشافعي، وذهب إلى اشتراط ذلك أحمد وأبي حنيفة.
следующие страницы →