Полный текст (8 095 стр.). Показаны 6756–6795 · переход к 6761.
стр. 6756
قَالَ الْعَلَّامَةُ ابْنُ الْقَيِّمِ ﵀ فِي [زَادِ الْمَعَادِ] (٥/ ٣٤): «وفيه: أنَّه يجوز للحاكم أن يحكم بالإقرار في مجلسه، وإن لم يسمعه معه شاهدان، نص عليه أحمد، فإنَّ النبي ﷺ لم يقل لأنيس: فإن اعترفت بحضرة شاهدين فارجمها» اهـ.
وَقَالَ الْحِافِظُ ابْنُ حَجَرٍ ﵀ فِي [فَتْحِ الْبَارِي] (١٢/ ١٤٢): «واستدل به على جواز الحكم بإقرار الجاني من غير ضبط بشهادة عليه ولكنها واقعة عين فيحتمل أن يكون أنيس أشهد قبل رجمها.
قال عياض: احتج قوم بجواز حكم الحاكم في الحدود وغيرها بما أقر به الخصم عنده، وهو أحد قولي الشافعي وبه قال أبو ثور وأبى ذلك الجمهور، والخلاف في غير الحدود أقوى.
قال: وقصة أنيس يطرقها احتمال معنى الإعذار كما مضى وأنَّ قوله: "فارجمها" أي بعد إعلامي أو أنَّه فوض الأمر إليه فإذا اعترفت بحضرة من يثبت ذلك بقولهم تحكم، وقد دل قَوْلُهُ: فأمر بها رسول الله ﷺ فرجمت أنَّ النبي ﷺ هو الذي حكم فيها بعد أن أعلمه أنيس باعترافها، كذا قال،
стр. 6757
والذي يظهر أنَّ أنيساً لما اعترفت أعلم النبي ﷺ مبالغة في الاستثبات مع كونه كان علق له رجمها على اعترافها» اهـ.
وَقَالَ الْعَلَّامَةُ الْقُرْطُبِي ﵀ فِي [الْمُفْهِم] (١٦/ ٢٥ - ٢٦): «وفيه: إقامة الحاكم الحد بمجرد إقرار المحدود وسماعه منه من غير شهادة عليه. وهو أحد قولي الشافعي، وأبي ثور. ولا يجوز ذلك عند مالك إلَّا بعد ضبط الشهادة عليه. وانفصل عن ذلك بأنَّه ليس في الحديث ما ينص على أنَّها لم يسمع إقرارها إلَّا أنيس خاصة، بل العادة قاضية بأنَّ مثل هذه القضية لا تكون في خلوة، ولا ينفرد بها الآحاد، بل لا بد من حضور جمع كثير تلك القضية، وشهرتها، لا سيما قضية مثل هذه ترفع إلى الإمام، ويبعث من يكشفها ويرجم فيها، ولا بد من إحضار طائفة من المؤمنين لإقامة الحد كما قال تعالى، مع صغر المدينة، فمثل هذا لا يخفى، ولا ينفرد به الواحد ولا الاثنان. وهذا كله مبني: على أنَّ أنيساً كان حاكماً، ويحتمل أن يكون رسولاً لها ليستفصلها، ويعضد هذا التأويل قوله في آخر الحديث: "فاعترفت فأمر بها رسول الله ﷺ فرجمت"؛ فهذا يدل على أنَّ أنيساً إنَّما سمع إقرارها، وأنَّ تنفيذ الحكم؛ إنَّما كان من النبي - صلى الله
стр. 6758
عليه وسلم - بعد سماع إقرارها من أنيس، حين أبلغه إياه، وحينئذ يتوجه إشكال آخر. وهو: أن يقول: فكيف اكتفى في ذلك بشاهد واحد؟!
وقد اختلف في الشهادة على الإقرار بالزنى. هل يكتفى فيه بشهادة شاهدين كسائر الإقرارات أو لا بد من أربعة كالشهادة على رؤية الزنى؟ على قولين لعلمائنا، ولم يذهب أحد من المسلمين إلى الاكتفاء بشهادة واحد.
والجواب: أنَّ هذا اللفظ؛ الذي قال فيه: فاعترفت، فأمر بها رسول الله ﷺ فرجمت. هو من رواية الليث عن الزهري. وقد روى هذا الحديث عن الزهري مالك، وقال فيه: فاعترفت، فرجمها. ولم يذكر: "فأمر بها رسول الله ﷺ فرجمت". وعند التعارض: فحديت مالك أولى لما يعلم من حال مالك، وحفظه، وضبطه، وخصوصاً في حديث الزهري، فإنَّه أعرف الناس به. وعلى رواية مالك فظاهرها: أنَّ أنيساً كان حاكماً، فيزول الإشكال، ولو سلمنا: أنَّه كان رسولاً؛ فليس في الحديث ما ينص على انفراد أنيس بالشهادة عليها، فيكون غيره شهد عند النبي ﷺ بذلك. ويعتضد هذا بما ذكرناه: من أنَّ القضية انتشرت، واشتهرت. فيبعد أن ينفرد بها واحد، سلمناه،
стр. 6759
لكنه خبر، وليس بشهادة، فلا يشترط فيه العدد. وحينئذ يستدل به على قبول أخبار الآحاد والعمل بها في الدماء وغيرها. والله تعالى أعلم» اهـ.
قُلْتُ: لا يظهر لي جواز أن يحكم الحاكم بمجرد إقرار الشخص عنده من غير شهود فإنَّ هذا يفتح باب شر على الناس، وهو شبيه بمسألة حكم الحاكم بعلمه من غير بينه.
قَالَ الْعَلَّامَةُ ابْنُ الْقَيِّمِ ﵀ فِي [الْطُرُقِ الْحُكْمِيَّةِ] (ص: ٢٨٣): «فصل: ويحكم بإقرار الخصم في مجلسه إذا سمعه معه شاهدان بغير خلاف فإن لم يسمعه معه غيره فنص أحمد على أنَّه يحكم به وإن لم نقل يحكم بعلمه فإنَّ مجلس الحاكم مجلس فصل الخصومات وقد جلس لذلك وقد أقر الخصم في مجلسه فوجب عليه الحكم به كما لو قامت بذلك البينة عنده وليس عنده أحد غيره يسمع معه شهادتهما فإنَّ هذا محل وفاق.
قال القاضي: لا يحكم بالإقرار في مجلسه حتى يسمعه معه شاهدان دفعاً للتهمة عنه إلَّا أن يقضي بعلمه فإنَّه يجوز له الحكم حينئذ.
والتحقيق أنَّ هذا يشبه مسألة الحكم بعلمه من وجه ويفارقها من وجه:
فشبه ذلك بمسألة حكمه بعلمه أنَّه ليس هناك بينة وهو في موضع تهمة.
стр. 6760
ووجه الفرق بينهما أنَّ الإقرار بينة قامت في مجلسه فإنَّ البينة اسم لما يبين به الحق فعلم الحق في مجلس القضاء الذي انتصب فيه للحكم به وليس من شرط صحة الحكم أن يكون بمحضر شاهدين فكذلك لا يعتبر في طريقه أن يكون بمحضر شاهدين وليس هذا بمنزلة ما رآه أو سمعه في غير مجلسه» اهـ.
قُلْتُ: لم يظهر لي فرق مؤثر بين ما إذا سمعه أو رآه في غير مجلسه ثم حكم في مجلسه بعلمه، وبين سماعه للإقرار في مجلسه من غير وجود شهود على ذلك، فالذي يظهر لي هو صحة مذهب الجمهور من منع ذلك لما في ذلك من التهمة. والله أعلم.
فإن قيل: يشكل على هذا أنَّ الحاكم له أن يحكم بشهادة العدلين وإن لم يسمع هذه الشهادة أحد في مجلسه.
فالجواب: أنَّ التهمة منفية في هذه الصورة لإمكانه أن يأتي بالشهود الذين شهدوا وهذا بخلاف الإقرار.
١١ - وفيه أنَّه لا يشترط أن يكون الإقرار أربعاً؛ لأنَّ النبي ﷺ لم يأمر بذلك.
قُلْتُ: وهذا مذهب مالك والشافعي، وذهب إلى اشتراط ذلك أحمد وأبي حنيفة.
стр. 6761
قَالَ الْعَلَّامَةُ الْقُرْطُبِي ﵀ فِي [الْمُفْهِم] (١٦/ ١٤): «ولم يأمره بأن يستعيد إقرارها بذلك أربع مرات. وأمَّا تكرار اعتراف ماعز فإنَّما كان لأجل إعراضه عنه ﷺ في الثلاث المرات ليستر نفسه، وليتوب، ولم يأمره النبي ﷺ بإعادة ذلك. وأمَّا قياسهم الإقرار على الشهادة فليس بصحيح، للفرق بينهما من وجوه متعددة. وذلك: أنَّ إقرار الفاسق والعبد على نفسه مقبول بخلاف شهادتهما، ويكفي منه في سائر الحقوق مرة واحدة بالإجماع، إلَّا من شذ فقال: إنَّ الإقرار بالقتل لا يكون إلَّا مرتين كالشهادة به، ولو كان الإقرار كالشهادة مطلقاً لاشترط فيه العدد مطلقاً، ولو كان كالشهادة لما قبل إقرار المرأة على نفسها بأنَّها جرحت أو أعتقت؛ لأنَّها لا تقبل شهادتها في ذلك، فظهر بطلان تمسكهم بالخبر والقياس. والله الموفق» اهـ.
قُلْتُ: والذي يظهر لي هو صحة ما قاله العلامة القرطبي، ويدل على ذلك ما رواه مسلم (١٦٩٥) عَنْ بُرَيْدَةَ، قَالَ: جَاءَ مَاعِزُ بْنُ مَالِكٍ إِلَى النَّبِيِّ ﷺ ، فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ، طَهِّرْنِي، فَقَالَ: «وَيْحَكَ، ارْجِعْ فَاسْتَغْفِرِ اللهَ وَتُبْ إِلَيْهِ»، قَالَ: فَرَجَعَ غَيْرَ بَعِيدٍ، ثُمَّ جَاءَ، فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ، طَهِّرْنِي، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : «وَيْحَكَ، ارْجِعْ فَاسْتَغْفِرِ اللهَ وَتُبْ إِلَيْهِ»، قَالَ: فَرَجَعَ غَيْرَ
стр. 6762
بَعِيدٍ، ثُمَّ جَاءَ، فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ، طَهِّرْنِي، فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ : مِثْلَ ذَلِكَ حَتَّى إِذَا كَانَتِ الرَّابِعَةُ، قَالَ لَهُ رَسُولُ اللهِ: «فِيمَ أُطَهِّرُكَ؟» فَقَالَ: مِنَ الزِّنَى، فَسَأَلَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : «أَبِهِ جُنُونٌ؟» فَأُخْبِرَ أَنَّهُ لَيْسَ بِمَجْنُونٍ، فَقَالَ: «أَشَرِبَ خَمْرًا؟» فَقَامَ رَجُلٌ فَاسْتَنْكَهَهُ، فَلَمْ يَجِدْ مِنْهُ رِيحَ خَمْرٍ، قَالَ، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : «أَزَنَيْتَ؟» فَقَالَ: نَعَمْ، فَأَمَرَ بِهِ فَرُجِمَ، فَكَانَ النَّاسُ فِيهِ فِرْقَتَيْنِ، قَائِلٌ يَقُولُ: لَقَدْ هَلَكَ، لَقَدْ أَحَاطَتْ بِهِ خَطِيئَتُهُ، وَقَائِلٌ يَقُولُ: مَا تَوْبَةٌ أَفْضَلَ مِنْ تَوْبَةِ مَاعِزٍ، أَنَّهُ جَاءَ إِلَى النَّبِيِّ ﷺ فَوَضَعَ يَدَهُ فِي يَدِهِ، ثُمَّ قَالَ: اقْتُلْنِي بِالْحِجَارَةِ، قَالَ: فَلَبِثُوا بِذَلِكَ يَوْمَيْنِ أَوْ ثَلَاثَةً، ثُمَّ جَاءَ رَسُولُ اللهِ ﷺ وَهُمْ جُلُوسٌ، فَسَلَّمَ ثُمَّ جَلَسَ، فَقَالَ: «اسْتَغْفِرُوا لِمَاعِزِ بْنِ مَالِكٍ»، قَالَ: فَقَالُوا: غَفَرَ اللهُ لِمَاعِزِ بْنِ مَالِكٍ، قَالَ، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : «لَقَدْ تَابَ تَوْبَةً لَوْ قُسِمَتْ بَيْنَ أُمَّةٍ لَوَسِعَتْهُمْ»، قَالَ: ثُمَّ جَاءَتْهُ امْرَأَةٌ مِنْ غَامِدٍ مِنَ الْأَزْدِ، فَقَالَتْ: يَا رَسُولَ اللهِ، طَهِّرْنِي، فَقَالَ: «وَيْحَكِ ارْجِعِي فَاسْتَغْفِرِي اللهَ وَتُوبِي إِلَيْهِ» فَقَالَتْ: أَرَاكَ تُرِيدُ أَنْ تُرَدِّدَنِي كَمَا رَدَّدْتَ مَاعِزَ بْنَ مَالِكٍ، قَالَ: «وَمَا ذَاكِ؟» قَالَتْ: إِنَّهَا حُبْلَى مِنَ الزِّنَى، فَقَالَ: «آنْتِ؟» قَالَتْ: نَعَمْ، فَقَالَ لَهَا: «حَتَّى تَضَعِي مَا فِي بَطْنِكِ»، قَالَ: فَكَفَلَهَا رَجُلٌ مِنَ الْأَنْصَارِ حَتَّى وَضَعَتْ، قَالَ: فَأَتَى
стр. 6763
النَّبِيَّ ﷺ ، فَقَالَ: «قَدْ وَضَعَتِ الْغَامِدِيَّةُ»، فَقَالَ: «إِذًا لَا نَرْجُمُهَا وَنَدَعُ وَلَدَهَا صَغِيرًا لَيْسَ لَهُ مَنْ يُرْضِعُهُ»، فَقَامَ رَجُلٌ مِنَ الْأَنْصَارِ، فَقَالَ: إِلَيَّ رَضَاعُهُ يَا نَبِيَّ اللهِ، قَالَ: فَرَجَمَهَا.
وفيه أنَّ النبي ﷺ أقام الحد على الغامدية من غير أن تقر أربعاً، فلو كان الإقرار أربعاً لا بد منه لأقرها على ذلك.
١٢ - وفيه أنَّ مقاربة الرجل للنساء وطول ملازمته مدعاة إلى الفاحشة.
١٣ - وفيه جواز استفتاء العالم مع وجود من هو أعلم منه.
١٤ - وفيه جواز إجارة الحر.
١٥ - وفيه جواز اليمين بما يدل على اسم من أسماء الله.
قَالَ الْعَلَّامَةُ الْقُرْطُبِي ﵀ فِي [الْمُفْهِم] (١٦/ ٢٦): «وفيه دليل: على جواز اليمين بالله تعالى، وإن لم يستحلف. وعلى أنَّ ما يفهم منه اسم الله تعالى يمين جائزة وإن لم يكن من أسمائه تعالى، فإنَّ قوله: "والذي نفسي بيده! " ليس من أسماء الله تعالى، ولكنه تنزل منزلة الأسماء في الدلالة، فيلحق به كل ما كان في معناه، كقوله: والذي خلق الخلق، وبسط الرزق. وما أشبه ذلك» اهـ.
١٦ - واحتج به من قال: إنَّ زنا المتزوجة لا يقتضي فسخ النكاح.
стр. 6764
قَالَ الْعَلَّامَةُ الْقُرْطُبِي ﵀ فِي [الْمُفْهِم] (١٦/ ٢٧): «وفيه ما يدل على أنَّ زنى المرأة تحت زوجها لا يفسخ نكاحها، ولا يوجب تفرقة بينها وبين زوجها؛ إذ لو كان ذلك لفرق بينهما قبل الرجم ولفسخ النكاح. ولم ينقل شيء من ذلك، ولو كان لنقل كما نقلت القضية، وكثير من تفاصيلها» اهـ.
قُلْتُ: إن أصرت على الزنا ولم تتب منه وجب فراقها، وذلك أنَّ إبقاءها على ذلك دياثة، وقد نهى الله عن نكاح الزانيات، فقال الله تعالى: ﴿وَالزَّانِيَةُ لَا يَنْكِحُهَا إِلَّا زَانٍ أَوْ مُشْرِكٌ وَحُرِّمَ ذَلِكَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ﴾ [النور: ٣].
١٧ - وفيه إثبات الحد بالإقرار.
١٨ - وقَوْلُهُ: «وَاغْدُ يَا أُنَيْسُ عَلَى امْرَأَةِ هَذَا، فَإِنْ اعْتَرَفَتْ فَارْجُمْهَا». فيه إشكال، وذلك أنَّ البحث والتنقيب عن أمر الزنا لا يستحب، بل المستحب في ذلك الستر والأمر بالتوبة.
قَالَ الْعَلَّامَةُ الْنَوَوِي ﵀ فِي [شَرْحِ مُسْلِمٍ] (٦/ ١٢٠): «واعلم أنَّ بعث أنيس محمول عند العلماء من أصحابنا وغيرهم على إعلام المرأة بأنَّ هذا الرجل قذفها بابنه، فيعرفها بأنَّ لها عنده حد القذف فتطالب به أو تعفو عنه إلَّا أن تعترف بالزنا، فلا يجب عليه حد القذف، بل يجب عليها حد الزنا وهو الرجم؛ لأنَّها
стр. 6765
كانت محصنة فذهب إليها أنيس فاعترفت بالزنا فأمر النبي ﷺ برجمها فرجمت، ولا بد من هذا التأويل؛ لأنَّ ظاهره أنَّه بعث لإقامة حد الزنا وهذا غير مراد؛ لأنَّ حد الزنا لا يحتاج له بالتجسس والتفتيش عنه، بل لو أقر به الزاني استحب أن يلقن الرجوع كما سبق، فحينئذ يتعين التأويل الذي ذكرناه» اهـ.
١٩ - وفيه أنَّ من قذف شخصاً عند القاضي فعلى القاضي أن يبعث إليه ليعرفه بحقه من حد القذف.
قَالَ الْعَلَّامَةُ الْنَوَوِي ﵀ فِي [شَرْحِ مُسْلِمٍ] (٦/ ١٢٠): «وقد اختلف أصحابنا في هذا البعث هل يجب على القاضي إذا قذف إنسان معين في مجلسه أن يبعث إليه ليعرفه بحقه من حد القذف أم لا يجب؟ والأصح وجوبه» اهـ.
٢٠ - مشروعية إذن القاضي لمن شاء من الخصمين في الابتداء بالكلام.
٢١ - وفيه أنَّه لا يشترط للإمام حضور الحد، خلافاً لأبي حنيفة.
٢٢ - وفيه أنَّ الزاني الثيب حده الرجم.
وهذا مما دلَّ عليه الكتاب والسنة والإجماع، ولم يخالف في ذلك إلَّا من لا يعتد به من أهل البدع.
* * *
стр. 6766
٣٤٢ - عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ عُقْبَةَ بْنِ مَسْعُودٍ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، وَزَيْدِ بْنِ خَالِدٍ الْجُهَنِيِّ ﵄، قَالَا:
«سُئِلَ النَّبِيُّ ﷺ عَنِ الأَمَةِ إذَا زَنَتْ وَلَمْ تُحْصَنْ؟ قَالَ: "إنْ زَنَتْ فَاجْلِدُوهَا، ثُمَّ إنْ زَنَتْ فَاجْلِدُوهَا، ثُمَّ إنْ زَنَتْ فَاجْلِدُوهَا، ثُمَّ بِيعُوهَا وَلَوْ بِضَفِيرٍ"».
قالَ ابنُ شِهابٍ: «ولا أَدري، أَبَعْدَ الثَّالِثَةِ أَوِ الرَّابِعةِ».
قَوْلُهُ: «وَلَوْ بِضَفِيرٍ». الضفير: الحبل المضفور.
وَفِي الْحَدِيْثِ مَسَائِلُ مِنْهَا:
١ - الأمر ببيع الأمة الزانية في الثالثة أو الرابعة من إقامة الحد عليها.
قُلْتُ: وقد جاء الحديث من غير طريق الزهري وفيه أنَّ ذلك بعد الثالثة، كما سيأتي في الفقرة الثالثة.
وجاء ما يدل على أنَّ البيع يكون بعد الرابعة، وذلك فيما رواه الترمذي (١٥١١) حَدَّثَنَا أَبُو سَعِيدٍ الأَشَجُّ قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو خَالِدٍ الأَحْمَرُ قَالَ: حَدَّثَنَا الأَعْمَشُ، عَنْ أَبِي
стр. 6767
صَالِحٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «إِذَا زَنَتْ أَمَةُ أَحَدِكُمْ فَلْيَجْلِدْهَا ثَلَاثًا بِكِتَابِ اللَّهِ، فَإِنْ عَادَتْ فَلْيَبِعْهَا، وَلَوْ بِحَبْلٍ مِنْ شَعَرٍ».
قُلْتُ: إِسْنَادُهُ صَحِيْحٌ.
قُلْتُ: فظاهر هذه الألفاظ أنَّ البيع يشرع بعد الثالثة، أو الرابعة. والله أعلم.
وظاهر الأمر وجوب بيع الأمة إذا تكرر زناها، وهو مذهب أبي ثور وأهل الظاهر، ولم يوجب ذلك الجمهور.
قَالَ الْحَافِظُ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِ ﵀ فِي [التَّمْهِيْدِ] (٩/ ١٠٦): «وأجمع الفقهاء أنَّ الأمة الزانية ليس بيعها بواجب لازم على ربها وإن اختاروا له ذلك، وقال أهل الظاهر بوجوب بيعها إذا زنت في الرابعة منهم داود وغيره» اهـ.
قُلْتُ: وفي بيع الرقيق الذي تكرر منه الزنا إشكال ذكره غير واحد من أهل العلم منهم الْحِافِظُ ابْنُ حَجَرٍ ﵀ حَيْثُ قَالَ فِي [فَتْحِ الْبَارِي] (١٢/ ١٦٤):
«واستشكل الأمر ببيع الرقيق إذا زنى مع أنَّ كل مؤمن مأمور أن يرى لأخيه ما يرى لنفسه، ومن لازم البيع أن يوافق أخاه المؤمن على أن يقتني ما لا يرضى اقتناءه لنفسه، وأجيب بأنَّ السبب الذي باعه لأجله ليس محقق الوقوع عند
стр. 6768
المشتري لجواز أن يرتدع الرقيق إذا علم أنَّه متى عاد أخرج فإنَّ الإخراج من الوطن المألوف شاق، ولجواز أن يقع الإعفاف عند المشتري بنفسه أو بغيره.
قال ابن العربي: يرجى عند تبديل المحل تبديل الحال، ومن المعلوم أنَّ للمجاورة تأثيراً في الطاعة وفي المعصية» اهـ.
٢ - وفيه أنَّ حد الأمة قبل التزويج هو الجلد.
قُلْتُ: وهكذا هو حدها بعد التزويج.
قال الله تعالى: ﴿فَإِذَا أُحْصِنَّ فَإِنْ أَتَيْنَ بِفَاحِشَةٍ فَعَلَيْهِنَّ نِصْفُ مَا عَلَى الْمُحْصَنَاتِ مِنَ الْعَذَابِ﴾ [النساء: ٢٥].
ومقدار الحد في الصورتين خمسون جلدة.
قَالَ الْعَلَّامَةُ ابْنُ قُدَامَةَ ﵀ فِي [الْمُغْنِي] (٢٠/ ٤٩): «مسألة: قال: "وإذا زنى العبد والأمة، جلد كل واحد منهما خمسين جلدة، ولم يغربا". وجملته أنَّ حد العبد والأمة خمسون جلدة بكرين كانا أو ثيبين. في قول أكثر الفقهاء؛ منهم عمر، وعلي، وابن مسعود، والحسن، والنخعي، ومالك، والأوزاعي، وأبو حنيفة والشافعي، والبتي، والعنبري. وقال ابن عباس، وطاووس، وأبو عبيد: إن كانا
стр. 6769
مزوجين فعليهما نصف الحد، ولا حد على غيرهما؛ لقول الله تعالى: ﴿فَإِذَا أُحْصِنَّ فَإِنْ أَتَيْنَ بِفَاحِشَةٍ فَعَلَيْهِنَّ نِصْفُ مَا عَلَى الْمُحْصَنَاتِ مِنْ الْعَذَابِ﴾.
فدليل خطابه أنَّه لا حد على غير المحصنات.
وقال داود: على الأمة نصف الحد إذا زنت بعدما زوجت، وعلى العبد جلد مائة بكل حال، وفي الأمة إذا لم تزوج روايتان؛ إحداهما، لا حد عليها.
والأخرى، تجلد مائة».
إِلَى أَنْ قَالَ ﵀ (٢٠/ ٥٠): «وجعل داود عليها مائة إذا لم تحصن، وخمسين إذا كانت محصنة، خلاف ما شرع الله تعالى، فإنَّ الله ضاعف عقوبة المحصنة على غيرها، فجعل الرجم على المحصنة، والجلد على البكر، وداود ضاعف عقوبة البكر على المحصنة، واتباع شرع الله أولى» اهـ.
٣ - وفيه أنَّ السيد يقيم الحد على من يملكه من جارية وعبد.
قُلْتُ: وأصرح من ذلك ما رواه البخاري (٢٢٣٤)، ومسلم (١٧٠٣) عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁، قَالَ: سَمِعْتُ النَّبِيَّ ﷺ ، يَقُولُ: «إِذَا زَنَتْ أَمَةُ أَحَدِكُمْ، فَتَبَيَّنَ زِنَاهَا، فَلْيَجْلِدْهَا الحَدَّ، وَلَا يُثَرِّبْ عَلَيْهَا، ثُمَّ إِنْ زَنَتْ فَلْيَجْلِدْهَا الحَدَّ، وَلَا يُثَرِّبْ، ثُمَّ إِنْ زَنَتِ الثَّالِثَةَ، فَتَبَيَّنَ زِنَاهَا فَلْيَبِعْهَا وَلَوْ بِحَبْلٍ مِنْ شَعَرٍ».
стр. 6770
قَالَ الْعَلَّامَةُ ابْنُ قُدَامَةَ ﵀ فِي [الْمُغْنِي] (٢٠/ ٥٥): «فصل: وللسيد إقامة الحد بالجلد على رقيقه القن، في قول أكثر العلماء.
روي نحو ذلك عن علي، وابن مسعود، وابن عمر، وأبي حميد وأبي أسيد الساعديين، وفاطمة ابنة النبي ﷺ وعلقمة، والأسود، والزهري، وهبيرة بن مريم، وأبي ميسرة، ومالك، والثوري، والشافعي، وأبي ثور، وابن المنذر.
وقال ابن أبي ليلى: أدركت بقايا الأنصار يجلدون ولائدهم في مجالسهم الحدود إذا زنوا.
وعن الحسن بن محمد، أنَّ فاطمة حدت جارية لها زنت.
وعن إبراهيم، أنَّ علقمة والأسود كانا يقيمان الحدود على من زنى من خدم عشائرهم.
روى ذلك سعيد، في "سننه".
وقال أصحاب الرأي: ليس له ذلك؛ لأنَّ الحدود إلى السلطان، ولأنَّ من لا يملك إقامة الحد على الحر لا يملكه على العبد، كالصبي، ولأنَّ الحد لا يجب إلَّا ببينة أو إقرار، ويعتبر لذلك شروط، من عدالة الشهود، ومجيئهم مجتمعين، أو في مجلس
стр. 6771
واحد، وذكر حقيقة الزنى، وغير ذلك من الشروط التي تحتاج إلى فقيه يعرفها، ويعرف الخلاف فيها، والصواب منها، وكذلك الإقرار، فينبغي أن يفوض ذلك إلى الإمام أو نائبه، كحد الأحرار، ولأنَّه حد هو حق لله تعالى، فيفوض إلى الإمام، كالقتل والقطع.
ولنا: ما روى سعيد، حدثنا سفيان عن أيوب بن موسى، عن سعيد بن أبي سعيد، عن أبي هريرة، عن النبي ﷺ … ». وذكر الحديث.
وَقَالَ ﵀ فِي [الْمُغْنِي] (٢٠/ ٥٧ - ٦٠): «إذا ثبت هذا، فإنَّما يملك إقامة الحد بشروط أربعة؛ أحدها: أن يكون جلداً كحد الزنى، والشرب، وحد القذف، فأمَّا القتل في الردة، والقطع في السرقة، فلا يملكها إلَّا الإمام. وهذا قول أكثر أهل العلم.
وفيهما وجه آخر، أنَّ السيد يملكها. وهو ظاهر مذهب الشافعي؛ لعموم قول النبي ﷺ : "أقيموا الحدود على ما ملكت أيمانكم". وروي أنَّ ابن عمر قطع عبداً سرق، وكذلك عائشة، وعن حفصة أنَّها قتلت أمة لها سحرتها. ولأنَّ ذلك حد أشبه الجلد.
وقال القاضي: كلام أحمد يقتضي أنَّ في قطع السارق روايتين.
стр. 6772
ولنا، أنَّ الأصل تفويض الحد إلى الإمام؛ لأنَّه حق لله تعالى، فيفوض إلى نائبه، كما في حق الأحرار، ولما ذكره أصحاب أبي حنيفة، وإنَّما فوض إلى السيد الجلد خاصة، لأنَّه تأديب، والسيد يملك تأديب عبده وضربه على الذنب، وهذا من جنسه، وإنَّما افترقا في أنَّ هذا مقدر، والتأديب غير مقدر، وهذا لا أثر له في منع السيد منه، بخلاف القطع والقتل، فإنَّهما إتلاف لجملته أو بعضه الصحيح، ولا يملك السيد هذا من عبده، ولا شيئاً من جنسه، والخبر الوارد في حد السيد عبده، إنَّما جاء في الزنى خاصة، وإنَّما قسنا عليه ما يشبهه من الجلد. وقَوْلُهُ: "أقيموا الحدود على ما ملكت أيمانكم". إنَّما جاء في سياق الجلد في الزنى، فإنَّ أول الحديث عن علي قال: أخبر النبي ﷺ بأمة لهم فجرت، فأرسلني إليها، فقال: اجلدها الحد.
قال: فانطلقت، فوجدتها لم تجف من دمها، فرجعت إليه، فقال: أفرغت؟.
فقُلْتُ: وجدتها لم تجف من دمها. قال: "إذا جفت من دمها، فاجلدها الحد، وأقيموا الحدود على ما ملكت أيمانكم".
فالظاهر أنَّه إنَّما أراد ذلك الحد وشبهه.
وأمَّا فعل حفصة، فقد أنكره عثمان عليها، وشق عليه، وقوله أولى من قولها.
стр. 6773
وما روي عن ابن عمر، فلا نعلم ثبوته عنه.
الشرط الثاني: أن يختص السيد بالمملوك، فإن كان مشتركاً بين اثنين، أو كانت الأمة مزوجة، أو كان المملوك مكاتباً، أو بعضه حراً، لم يملك السيد إقامة الحد عليه.
وقال مالك والشافعي: يملك السيد إقامة الحد على الأمة المزوجة؛ لعموم الخبر، ولأنَّه مختص بملكها، وإنَّما يملك الزوج بعض نفعها، فأشبهت المستأجرة.
ولنا، ما روي عن ابن عمر، أنَّه قال: إذا كانت الأمة ذات زوج، رفعت إلى السلطان، وإن لم يكن لها زوج، جلدها سيدها نصف ما على المحصن.
ولم نعرف له مخالفاً في عصره، فكان إجماعاً.
ولأنَّ نفعها مملوك لغيره مطلقاً، أشبهت المشتركة، ولأنَّ المشترك إنَّما منع من إقامة الحد عليه، لأنَّه يقيمه في غير ملكه، فإنَّ الجزء الحر أو المملوك لغيره، ليس بمملوك له، وهو يقيم الحد عليه، وهذا يشبهه؛ لأنَّ محل الحد هو محل استمتاع الزوج، وهو بدنها فلا يملكه، والخبر مخصوص بالمشترك، فنقيس عليه، والمستأجرة إجارتها مؤقتة تنقضي.
стр. 6774
ويحتمل أن نقول: لا يملك إقامته عليها في حال إجارتها؛ لأنَّه ربما أفضى إلى تفويت حق المستأجر، وكذلك الأمة المرهونة، يخرج فيها وجهان.
الشرط الثالث: أن يثبت الحد ببينة أو اعتراف، فإن ثبت باعتراف، فللسيد إقامته، إذا كان يعرف الاعتراف الذي يثبت به الحد وشروطه، وإن ثبت ببينة، اعتبر أن يثبت عند الحاكم؛ لأنَّ البينة تحتاج إلى البحث عن العدالة، ومعرفة شروط سماعها ولفظها، ولا يقوم بذلك إلَّا الحاكم.
وقال القاضي يعقوب: إن كان السيد يحسن سماع البينة، ويعرف شروط العدالة، جاز أن يسمعها، ويقيم الحد بها، كما يقيمه بالإقرار.
وهذا ظاهر نص الشافعي؛ لأنَّها أحد ما يثبت به الحد، فأشبهت الإقرار.
ولا يقيم السيد الحد بعلمه. وهذا قول مالك؛ لأنَّه لا يقيمه الإمام بعلمه، فالسيد أولى، فإنَّ ولاية الإمام للحد أقوى من ولاية السيد؛ لكونها متفقاً عليها، وثابتة بالإجماع، فإذا لم يثبت الحد في حقه بالعلم، فهاهنا أولى.
وعن أحمد، رواية أخرى، أنَّه يقيمه بعلمه؛ لأنَّه قد ثبت عنده، فملك إقامته، كما لو أقر به، ويفارق الحاكم؛ لأنَّ الحاكم متهم، ولا يملك محل إقامته، وهذا بخلافه.
стр. 6775
الشرط الرابع، أن يكون السيد بالغاً عاقلاً عالماً بالحدود وكيفية إقامتها؛ لأنَّ الصبي والمجنون ليسا من أهل الولايات، والجاهل بالحد لا يمكنه إقامته على الوجه الشرعي، فلا يفوض إليه.
وفي الفاسق وجهان؛ أحدهما، لا يملكه؛ لأنَّ هذه ولاية فنافاها الفسق، كولاية التزويج.
والثاني: يملكه؛ لأنَّ هذه ولاية استفادها بالملك، فلم ينافها الفسق كبيع العبد.
وإن كان مكاتباً ففيه احتمالان؛ أحدهما، لا يملكه؛ لأنَّه ليس من أهل الولاية.
والثاني: يملكه؛ لأنَّه يستفاد بالملك، فأشبه سائر تصرفاته.
وفي المرأة أيضاً احتمالان؛ أحدهما، لا تملكه؛ لأنَّها ليست من أهل الولايات.
والثاني: تملكه؛ لأنَّ فاطمة جلدت أمة لها، وعائشة قطعت أمة لها سرقت، وحفصة قتلت أمة لها سحرتها.
ولأنَّها مالكة تامة الملك من أهل التصرفات أشبهت الرجل.
وفيه وجه ثالث، أنَّ الحد يفوض إلى وليها؛ لأنَّه يزوج أمتها ومولاتها، فملك إقامة الحد على مملوكتها» اهـ.
стр. 6776
قُلْتُ: حديث علي رواه أحمد (٧٣٦، ١١٣٧، ١٢٣٠)، وأبو داود (٤٤٧٣)، والنسائي في [الْكُبْرَى] (٧٢٦٨، ٧٢٦٩) من طريق عَبْدِ الْأَعْلَى، عَنْ أَبِي جَمِيلَةَ، عَنْ عَلِيٍّ ﵁، قَالَ: فَجَرَتْ جَارِيَةٌ لِآلِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ، فَقَالَ: «يَا عَلِيُّ، انْطَلِقْ فَأَقِمْ عَلَيْهَا الْحَدَّ»، فَانْطَلَقْتُ فَإِذَا بِهَا دَمٌ يَسِيلُ لَمْ يَنْقَطِعْ، فَأَتَيْتُهُ، فَقَالَ: «يَا عَلِيُّ، أَفَرَغْتَ». قُلْتُ: أَتَيْتُهَا وَدَمُهَا يَسِيلُ، فَقَالَ: «دَعْهَا حَتَّى يَنْقَطِعَ دَمُهَا، ثُمَّ أَقِمْ عَلَيْهَا الْحَدَّ، وَأَقِيمُوا الْحُدُودَ عَلَى مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ».
قُلْتُ: هَذَا حَدِيْثٌ ضَعِيْفٌ من هذا الوجه لضعف عبد الأعلى وهو ابن عامر الثعلبي، وأبو جميلة لم يوثقه معتبر.
وأصل الحديث رواه مسلم (١٧٠٥) عَنْ أَبِي عَبْدِ الرَّحْمَنِ، قَالَ: خَطَبَ عَلِيٌّ، فَقَالَ: يَا أَيُّهَا النَّاسُ، أَقِيمُوا عَلَى أَرِقَّائِكُمُ الْحَدَّ، مَنْ أَحْصَنَ مِنْهُمْ، وَمَنْ لَمْ يُحْصِنْ، فَإِنَّ أَمَةً لِرَسُولِ اللهِ ﷺ زَنَتْ، فَأَمَرَنِي أَنْ أَجْلِدَهَا، فَإِذَا هِيَ حَدِيثُ عَهْدٍ بِنِفَاسٍ، فَخَشِيتُ إِنْ أَنَا جَلَدْتُهَا أَنْ أَقْتُلَهَا، فَذَكَرْتُ ذَلِكَ لِلنَّبِيِّ ﷺ ، فَقَالَ: «أَحْسَنْتَ».
ورواه البيهقي في [الْكُبْرَى] (١٦٨٦٧) أَخْبَرَنَا أَبُو عَبْدِ اللهِ الْحَافِظُ، ثنا أَبُو الْعَبَّاسِ مُحَمَّدُ بْنُ يَعْقُوبَ، ثنا أَحْمَدُ بْنُ حَازِمِ بْنِ أَبِي غَرَزَةَ، ثنا عَلِيُّ بْنُ قَادِمٍ، أنبأ
стр. 6777
عَبْدُ السَّلَامِ، عَنِ السُّدِّيِّ، عَنْ عَبْدِ خَيْرٍ، عَنْ عَلِيٍّ، ﵁، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : «إِذَا زَنَتْ إِمَاؤُكُمْ فَأَقِيمُوا عَلَيْهِنَّ الْحُدُودَ أُحْصِنَّ أَوْ لَمْ يُحْصِنَّ».
قُلْتُ: إِسْنَادُهُ حَسَنٌ.
قُلْتُ: وبهذا يتبين أنَّ حديث عليٍّ وارد في شأن حد الزنا لا مطلقاً.
وقصة حفصة رواها عبد الرزاق في [مُصَنَّفِهِ] (١٨٧٤٧)، وابن أبي شيبة في [مُصَنَّفِهِ] (٢٨٤٩١، ٢٩٥٨٣)، والطبراني في [الْكَبِيْرِ] (١٨٨٢٤)، والبيهقي في [الْكُبْرَى] (١٦٢٧٦) من طريق عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ، عَنْ نَافِعٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ: «أَنَّ جَارِيَةً لِحَفْصَةَ سَحَرَتْهَا وَوَجَدُوا سِحْرَهَا، فَاعْتَرَفَتْ بِهِ، فَأَمَرْتُ عَبْدَ الرَّحْمَنِ بْنَ زَيْدٍ، فَقَتَلَهَا، فَبَلَغَ ذَلِكَ عُثْمَانَ، فَأَنْكَرَهُ وَاشْتَدَّ عَلَيْهِ، فَأَتَاهُ ابْنُ عُمَرَ فَأَخْبَرَهُ أَنَّهَا سَحَرَتْهَا وَاعْتَرَفَتْ بِهِ وَوَجَدُوا سِحْرَهَا، فَكَأَنَّ عُثْمَانَ إِنَّمَا أَنْكَرَ ذَلِكَ لِأَنَّهَا قُتِلَتْ بِغَيْرِ إِذْنِهِ».
قُلْتُ: إِسْنَادُهُ صَحِيْحٌ.
ورواه مالك في [الْمُوَطَّأِ] (١٥٦٢) من وجه آخر منقطع.
стр. 6778
قُلْتُ: الذي يظهر لي أنَّ مذهب عثمان ﵁ أرجح، لما في ذلك من الافتيات على ولي أمر المسلمين.
وأثر ابن عمر ذكره ابن عبد البر في [التَّمْهِيْدِ] (٩/ ١٠٣ - ١٠٤)، و [الاسْتِذْكَارِ] (٧/ ٥٠٧) من طريق مَعْمَرٍ عَنِ الزُّهْرِيِّ عَنْ سَالِمٍ عَنِ بن عُمَرَ فِي الْأَمَةِ إِذَا زَنَتْ قَالَ: «إِنْ كَانَتْ لَيْسَتْ ذَاتَ زَوْجٍ جَلَدَهَا سَيِّدُهَا نِصْفَ مَا عَلَى الْمُحْصَنَاتِ مِنَ الْعَذَابِ وَإِنْ كَانَتْ ذَاتَ زَوْجٍ يَضَعُ أَمْرَهَا إِلَى السُّلْطَانِ».
قُلْتُ: هَذَا إِسْنَادٌ صَحِيْحٌ.
٤ - وفيه أنَّ الزاني إذا زنا ثم أقيم عليه الحد، وزنا مرة أخرى فإنَّه يقام عليه الحد مرة أخرى، وهكذا.
٥ - ويؤخذ منه فراق من أصر على المعصية.
٦ - وفيه أنَّ الأمة إذا زنت لا تغرب، ومثل ذلك العبد.
وبهذا قال الحسن، وحماد، ومالك، وأحمد، وإسحاق، والشافعي في أحد القولين.
وقال الثوري، وأبو ثور، والشافعي في القول الآخر: تغرب نصف عام.
قُلْتُ: والصواب عدم تغريب العبد، أو الأمة للأثر والنظر، أمَّا الأثر فقد مضى، وأمَّا النظر فَقَالَ الْعَلَّامَةُ ابْنُ قُدَامَةَ ﵀ فِي [الْمُغْنِي] (٢٠/ ٥٢): «ولأنَّ
стр. 6779
التغريب في حق العبد عقوبة لسيده دونه، فلم يجب في الزنى كالتغريم، بيان ذلك، أنَّ العبد لا ضرر عليه في تغريبه؛ لأنَّه غريب في موضعه، ويترفه بتغريبه من الخدمة، ويتضرر سيده بتفويت خدمته، والخطر بخروجه من تحت يده، والكلفة في حفظه، والإنفاق عليه مع بعده عنه، فيصير الحد مشروعاً في حق غير الزاني، والضرر على غير الجاني» اهـ.
٧ - واحتج به على أنَّ الأمة إذا تكرر زناها تباع بعد الثالثة أو الرابعة من غير إقامة حد.
لكن قَالَ الْحِافِظُ ابْنُ حَجَرٍ ﵀ فِي [فَتْحِ الْبَارِي] (١٢/ ١٦٤): «ومحصل الاختلاف هل يجلدها في الرابعة قبل البيع أو يبيعها بلا جلد والراجح الأول ويكون سكوت من سكت عنه للعلم بأنَّ الجلد لا يترك ولا يقوم البيع مقامه» اهـ.
* * *
стр. 6780
٣٤٣ - عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁، أَنَّهُ قَالَ: أَتَى رَجُلٌ مِنَ الْمُسْلِمِينَ رَسُولَ اللهِ ﷺ وَهُوَ فِي الْمَسْجِدِ، فَنَادَاهُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، إِنِّي زَنَيْتُ، فَأَعْرَضَ عَنْهُ. فَتَنَحَّى تِلْقَاءَ وَجْهِهِ فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ، إِنِّي زَنَيْتُ فَأَعْرَضَ عَنْهُ، حَتَّى ثَنَى ذَلِكَ عَلَيْهِ أَرْبَعَ مَرَّاتٍ. فَلَمَّا شَهِدَ عَلَى نَفْسِهِ أَرْبَعَ شَهَادَاتٍ دَعَاهُ رَسُولُ اللهِ ﷺ ، فَقَالَ: «أَبِكَ جُنُونٌ؟» قَالَ: لَا، قَالَ: «فَهَلْ أَحْصَنْتَ» قَالَ: نَعَمْ، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : «اذْهَبُوا بِهِ فَارْجُمُوهُ».
قَالَ ابْنُ شِهَابٍ: فَأَخْبَرَنِي أَبُو سَلَمَةَ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ. سَمِعَ جَابِرَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ يَقُولُ «كُنْت فِيمَنْ رَجَمَهُ، فَرَجَمْنَاهُ بِالْمُصَلَّيْ، فَلَمَّا أَذْلَقَتْهُ الْحِجَارَةُ هَرَبَ، فَأَدْرَكْنَاهُ بِالْحَرَّةِ، فَرَجَمْنَاهُ».
الرَّجُلُ هو ماعزُ بنُ مالِكٍ، ورَوَى قِصَّتَهُ جابرُ بنُ عبدِ اللهِ وعَبْدُ اللهِ بنُ عَباسٍ وأَبو سعيدٍ الخُدْرِيُّ وبُرَيْدَةُ بنُ الحُصَيْبِ الأَسْلَمِيُّ.
قَوْلُهُ: «أَذْلَقَتْهُ الْحِجَارَةُ» أي: أصابته بحدها فأوجعته، وذلق الشيء حده، ومنه قولهم: لسان ذَلْقٌ أي: حاد.
وقال بعضهم: أي: أزعجته وأقلقته، فإنَّ الذلق بالتحريك القلق.
стр. 6781
وَفِي الْحَدِيْثِ مَسَائِلُ مِنْهَا:
١ - أنَّ إقرار المجنون والسكران لا يؤخذ به.
قَالَ شَيْخُ الْإِسْلَامِ ابْنُ تَيْمِيَّةَ ﵀ كَمَا فِي [مَجْمُوْعِ الْفَتَاوَى] (١٤/ ١١٧):
«فدل على أنَّ إقرار السكران باطل وقضية ماعز متأخرة بعد تحريم الخمر فإنَّ الخمر حرمت سنة ثلاث بعد أحد باتفاق الناس» اهـ.
وَقَالَ الْعَلَّامَةُ ابْنُ الْقَيِّمِ ﵀ فِي [زَادِ الْمَعَادِ] (٥/ ٣٣) - عند كلامه على قصة ماعز- «وأنَّ إقرار زائل العقل بجنون، أو سكر ملغى لا عبرة به، وكذلك طلاقه وعتقه، وأيمانه ووصيته» اهـ.
٢ - وفيه أنَّ حد الثيب الرجم.
٣ - واحتج به من قال: إنَّ المعترف بالفاحشة لا يرجم حتى يقر أربع مرات. وقد مضى القول في هذه المسألة في شرح الحديث السابق.
٤ - أنَّ للإمام أن يُعرض عمن جاء مقراً بالزنا حتى ينصرف فيتوب إلى الله .
٥ - وفيه استفسار المقر هل أحصن أو لا؛ وذلك لاختلاف الحد في الإحصان وعدمه.
стр. 6782
٦ - وفيه أنَّ الزاني المحصن لا يحفر له عند إقامة الحد عليه، وذلك أنَّ ماعزاً لو حفر له لما تمكن من الفرار.
وقد جاء التصريح بذلك فيما رواه مسلم (١٦٩٤) عَنْ أَبِي سَعِيدٍ، أَنَّ رَجُلًا مِنْ أَسْلَمَ، يُقَالُ لَهُ مَاعِزُ بْنُ مَالِكٍ، أَتَى رَسُولَ اللهِ ﷺ ، فَقَالَ: إِنِّي أَصَبْتُ فَاحِشَةً، فَأَقِمْهُ عَلَيَّ، فَرَدَّهُ النَّبِيُّ ﷺ مِرَارًا، قَالَ: ثُمَّ سَأَلَ قَوْمَهُ، فَقَالُوا: مَا نَعْلَمُ بِهِ بَأْسًا إِلَّا أَنَّهُ أَصَابَ شَيْئًا يَرَى أَنَّهُ لَا يُخْرِجُهُ مِنْهُ إِلَّا أَنْ يُقَامَ فِيهِ الْحَدُّ، قَالَ: فَرَجَعَ إِلَى النَّبِيِّ ﷺ ، فَأَمَرَنَا أَنْ نَرْجُمَهُ، قَالَ: فَانْطَلَقْنَا بِهِ إِلَى بَقِيعِ الْغَرْقَدِ، قَالَ: فَمَا أَوْثَقْنَاهُ، وَلَا حَفَرْنَا لَهُ، قَالَ: فَرَمَيْنَاهُ بِالْعَظْمِ، وَالْمَدَرِ، وَالْخَزَفِ، قَالَ: فَاشْتَدَّ، وَاشْتَدَدْنَا خَلْفَهُ حَتَّى أَتَى عُرْضَ الْحَرَّةِ، فَانْتَصَبَ لَنَا فَرَمَيْنَاهُ بِجَلَامِيدِ الْحَرَّةِ - يَعْنِي الْحِجَارَةَ - حَتَّى سَكَتَ، قَالَ: ثُمَّ قَامَ رَسُولُ اللهِ ﷺ خَطِيبًا مِنَ الْعَشِيِّ، فَقَالَ: «أَوَ كُلَّمَا انْطَلَقْنَا غُزَاةً فِي سَبِيلِ اللهِ تَخَلَّفَ رَجُلٌ فِي عِيَالِنَا، لَهُ نَبِيبٌ كَنَبِيبِ التَّيْسِ، عَلَيَّ أَنْ لَا أُوتَى بِرَجُلٍ فَعَلَ ذَلِكَ إِلَّا نَكَّلْتُ بِهِ»، قَالَ: فَمَا اسْتَغْفَرَ لَهُ وَلَا سَبَّهُ.
لكن يشكل على هذا ما رواه مسلم (١٦٩٥) عَنْ بُرَيْدَةَ، أَنَّ مَاعِزَ بْنَ مَالِكٍ الْأَسْلَمِيَّ، أَتَى رَسُولَ اللهِ ﷺ ، فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ، إِنِّي قَدْ
стр. 6783
ظَلَمْتُ نَفْسِي، وَزَنَيْتُ، وَإِنِّي أُرِيدُ أَنْ تُطَهِّرَنِي، فَرَدَّهُ، فَلَمَّا كَانَ مِنَ الْغَدِ أَتَاهُ، فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ، إِنِّي قَدْ زَنَيْتُ، فَرَدَّهُ الثَّانِيَةَ، فَأَرْسَلَ رَسُولُ اللهِ ﷺ إِلَى قَوْمِهِ، فَقَالَ: «أَتَعْلَمُونَ بِعَقْلِهِ بَأْسًا، تُنْكِرُونَ مِنْهُ شَيْئًا؟» فَقَالُوا: مَا نَعْلَمُهُ إِلَّا وَفِيَّ الْعَقْلِ مِنْ صَالِحِينَا فِيمَا نُرَى، فَأَتَاهُ الثَّالِثَةَ، فَأَرْسَلَ إِلَيْهِمْ أَيْضًا فَسَأَلَ عَنْهُ، فَأَخْبَرُوهُ أَنَّهُ لَا بَأْسَ بِهِ، وَلَا بِعَقْلِهِ، فَلَمَّا كَانَ الرَّابِعَةَ حَفَرَ لَهُ حُفْرَةً، ثُمَّ أَمَرَ بِهِ فَرُجِمَ. الحديث.
قَالَ الْحِافِظُ ابْنُ حَجَرٍ ﵀ فِي [فَتْحِ الْبَارِي] (١٢/ ١٢٦): «ويمكن الجمع بأنَّ المنفي حفيرة لا يمكنه الوثوب منها والمثبت عكسه أو أنَّهم في أول الأمر لم يحفروا له ثم لما فرَّ فأدركوه حفروا له حفيرة فانتصب لهم فيها حتى فرغوا منه، وعند الشافعية: لا يحفر للرجل، وفي وجه يتخير الإمام وهو أرجح لثبوته في قصة ماعز فالمثبت مقدم على النافي، وقد جمع بينهما بما دل على وجود حفر في الجملة، وفي المرأة أوجه ثالثها الأصح إن ثبت زناها بالبينة استحب لا بالإقرار، وعن الأئمة الثلاثة في المشهور عنهم: لا يحفر، وقال أبو يوسف وأبو ثور يحفر للرجل وللمرأة» اهـ.
стр. 6784
قُلْتُ: ومما احتج به من لم ير الحفر ما رواه البخاري (٦٨٤١)، ومسلم (١٦٩٩) عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ ﵄، أَنَّ اليَهُودَ جَاءُوا إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ، فَذَكَرُوا لَهُ أَنَّ رَجُلًا مِنْهُمْ وَامْرَأَةً زَنَيَا، فَقَالَ لَهُمْ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «مَا تَجِدُونَ فِي التَّوْرَاةِ فِي شَأْنِ الرَّجْمِ». فَقَالُوا: نَفْضَحُهُمْ وَيُجْلَدُونَ، فَقَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ سَلَامٍ: كَذَبْتُمْ إِنَّ فِيهَا الرَّجْمَ فَأَتَوْا بِالتَّوْرَاةِ فَنَشَرُوهَا، فَوَضَعَ أَحَدُهُمْ يَدَهُ عَلَى آيَةِ الرَّجْمِ، فَقَرَأَ مَا قَبْلَهَا وَمَا بَعْدَهَا، فَقَالَ لَهُ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ سَلَامٍ: ارْفَعْ يَدَكَ، فَرَفَعَ يَدَهُ فَإِذَا فِيهَا آيَةُ الرَّجْمِ، فَقَالُوا: صَدَقَ يَا مُحَمَّدُ، فِيهَا آيَةُ الرَّجْمِ، فَأَمَرَ بِهِمَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فَرُجِمَا، قَالَ عَبْدُ اللَّهِ: فَرَأَيْتُ الرَّجُلَ يَجْنَأُ عَلَى المَرْأَةِ يَقِيهَا الحِجَارَةَ.
وسيأتي الكلام عليه بعد هذا الحديث.
قُلْتُ: ولو حُفر لهما لما أمكنه أن يحني عليها ليقيها من الحجارة.
وفي رواية للبخاري (٦٨١٩): «فَرُجِمَا عِنْدَ البَلَاطِ، فَرَأَيْتُ اليَهُودِيَّ أَجْنَأَ عَلَيْهَا».
والبلاط لا يتأتي فيه الحفر.
وجاء في الحفر حديث بريدة السابق في شأن الغامدية: «ثُمَّ أَمَرَ بِهَا فَحُفِرَ لَهَا إِلَى صَدْرِهَا، وَأَمَرَ النَّاسَ فَرَجَمُوهَا». رواه مسلم (١٦٩٥).
стр. 6785
قَالَ الْعَلَّامَةُ ابْنُ قُدَامَةَ ﵀ فِي [الْمُغْنِي] (٢٠/ ٢٠): «فصل: وإذا كان الزاني رجلاً أقيم قائماً، ولم يوثق بشيء ولم يحفر له، سواء ثبت الزنى ببينة أو إقرار. لا نعلم فيه خلافاً؛ لأنَّ النبي ﷺ لم يحفر لماعز.
قال أبو سعيد: لما أمر رسول الله ﷺ برجم ماعز خرجنا به إلى البقيع، فو الله ما حفرنا له، ولا أوثقناه، ولكنه قام لنا. رواه أبو داود.
ولأنَّ الحفر له، ودفن بعضه، عقوبة لم يرد بها الشرع في حقه، فوجب أن لا تثبت.
وإن كان امرأة، فظاهر كلام أحمد، أنَّها لا يحفر لها أيضاً.
وهو الذي ذكره القاضي في "الخلاف"، وذكر في "المجرد" أنَّه إن ثبت الحد بالإقرار، لم يحفر لها، وإن ثبت بالبينة، حفر لها إلى الصدر.
قال أبو الخطاب: وهذا أصح عندي. وهو قول أصحاب الشافعي؛ لما روى أبو بكر وبريدة، أنَّ النبي ﷺ رجم امرأة، فحفر لها إلى الثندوة. رواه أبو داود.
ولأنَّه أستر لها، ولا حاجة إلى تمكينها من الهرب، لكون الحد ثبت بالبينة، فلا يسقط بفعل من جهتها، بخلاف الثابت بالإقرار، فإنَّها تترك على حال لو أرادت الهرب تمكنت منه؛ لأنَّ رجوعها عن إقرارها مقبول.
стр. 6786
ولنا، أنَّ أكثر الأحاديث على ترك الحفر، فإنَّ النبي ﷺ لم يحفر للجهنية، ولا لماعز، ولا لليهوديين، والحديث الذي احتجوا به غير معمول به، ولا يقولون به، فإنَّ التي نقل عنه الحفر لها، ثبت حدها بإقرارها، ولا خلاف بيننا فيها، فلا يسوغ لهم الاحتجاج به مع مخالفتهم له» اهـ.
قُلْتُ: حديث الحفر إلى الثندوة رواه أحمد (٢٠٣٩٤)، وأبو داود (٤٤٤٣) من طريق وَكِيعِ بْنِ الْجَرَّاحِ، عَنْ زَكَرِيَّا أَبِي عِمْرَانَ، قَالَ: سَمِعْتُ شَيْخًا، يُحَدِّثُ عَنِ ابْنِ أَبِي بَكْرَةَ، عَنْ أَبِيهِ، «أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ رَجَمَ امْرَأَةً، فَحُفِرَ لَهَا إِلَى الثَّنْدُوَةِ».
قُلْتُ: إِسْنَادُهُ ضَعِيْفٌ من أجل الشيخ المبهم.
وَقَالَ الْعَلَّامَةُ الشِّنْقِيطِيُّ ﵀ فِي [أَضْوَاءِ الْبَيَانِ] (٥/ ٤٠٢): «قال مقيده - عفا الله عنه وغفر له -: أقوى الأقوال المذكورة دليلاً بحسب صناعة أصول الفقه، وعلم الحديث: أنَّ المرجوم يحفر له مطلقاً ذكراً كان أو أنثى، ثبت زناه ببينة أو بإقرار، ووجه ذلك أنَّ قول أبي سعيد في صحيح مسلم: فما أوثقناه ولا حفرنا له، يقدم عليه ما رواه مسلم في صحيحه من حديث بريدة، بلفظ: فلما كان الرابعة
стр. 6787
حفر له حفرة، ثم أمر به فرجم، اهـ، وهو نص صحيح صريح في أنَّ ماعزاً حفر له.
وظاهر الحديث أنَّ النبي ﷺ هو الحافر له، أي بأمره بذلك فبريدة مثبت للحفر، وأبو سعيد ناف له، والمقرر في الأصول وعلم الحديث: أنَّ المثبت مقدم على النافي، وتعتضد رواية بريدة هذه بالحفر لماعز بروايته أيضاً في صحيح مسلم بنفس الإسناد: أنَّ النبي ﷺ أمر بالحفر للغامدية إلى صدرها، وهذا نص صحيح صريح في الحفر للذكر والأنثى معاً، أمَّا الأنثى فلم يرد ما يعارض هذه الرواية الصحيحة بالحفر لها إلى صدرها، وأمَّا الرجل فرواية الحفر له الثابتة في صحيح مسلم مقدمة على الرواية الأخرى في صحيح مسلم بعدم الحفر; لأنَّ المثبت مقدم على النافي. وقول ابن قدامة في "المغني": والحديث الذي احتجوا به غير معمول به ظاهر السقوط; لأنَّه حديث صحيح وليس بمنسوخ، فلا وجه لترك العمل به مع ثبوته عنه ﷺ كما ترى، وبالرواية الصحيحة التي في صحيح مسلم من حديث بريدة: أنَّه ﷺ حفر للغامدية، وزناها ثبت بإقرارها، لا ببينة تعلم
стр. 6788
أن الذين نفوا الحفر لمن ثبت زناها بإقرارها مخالفون لصريح النص الصحيح بلا مستند كما ترى، والعلم عند الله تعالى» اهـ.
قُلْتُ: الذي يظهر لي أنَّه لا يحفر للزاني، وذكر الحفر في حديث بريده وهمٌ في الحديث وذلك أنَّ فرار ماعز يدل على أنَّه لم يحفر له.
قَالَ الْعَلَّامَةُ ابْنُ الْقَيِّمِ ﵀ فِي [تَهْذِيْبِ السُّنَنِ] (٢/ ٢٩٩): «وهذا الحديث فيه أمران، سائر طرق حديث مالك تدل على خلافهما:
أحدهما: أنَّ الإقرار منه وترديد النبي ﷺ كان في مجالس متعددة، وسائر الأحاديث تدل على أنَّ ذلك كان في مجلس واحد.
الثاني: ذكر الحفر فيه، والصحيح في حديثه: أنَّه لم يحفر له، والحفر وهم، ويدل عليه أنَّه هرب وتبعوه. وهذا والله أعلم من سوء حفظ بشير بن مهاجر، وقد تقدم قول الإمام أحمد: إنَّ ترديده إنَّما كان في مجلس واحد، إلَّا ذلك الشيخ ابن مهاجر» اهـ.
قُلْتُ: وأمَّا الحفر للمرأة فقد جاء أيضاً في حديث بريدة، وظاهر حديث عمران أنَّه لم يحفر لها، وذلك فيما رواه مسلم (١٦٩٦) عَنْ عِمْرَانَ بْنِ حُصَيْنٍ، أَنَّ امْرَأَةً مِنْ جُهَيْنَةَ أَتَتْ نَبِيَّ اللهِ ﷺ وَهِيَ حُبْلَى مِنَ الزِّنَى، فَقَالَتْ: يَا نَبِيَّ
стр. 6789
اللهِ، أَصَبْتُ حَدًّا، فَأَقِمْهُ عَلَيَّ، فَدَعَا نَبِيُّ اللهِ ﷺ وَلِيَّهَا، فَقَالَ: «أَحْسِنْ إِلَيْهَا، فَإِذَا وَضَعَتْ فَأْتِنِي بِهَا»، فَفَعَلَ، فَأَمَرَ بِهَا نَبِيُّ اللهِ ﷺ ، فَشُكَّتْ عَلَيْهَا ثِيَابُهَا، ثُمَّ أَمَرَ بِهَا فَرُجِمَتْ، ثُمَّ صَلَّى عَلَيْهَا، فَقَالَ لَهُ عُمَرُ: تُصَلِّي عَلَيْهَا يَا نَبِيَّ اللهِ وَقَدْ زَنَتْ؟ فَقَالَ: «لَقَدْ تَابَتْ تَوْبَةً لَوْ قُسِمَتْ بَيْنَ سَبْعِينَ مِنْ أَهْلِ الْمَدِينَةِ لَوَسِعَتْهُمْ، وَهَلْ وَجَدْتَ تَوْبَةً أَفْضَلَ مِنْ أَنْ جَادَتْ بِنَفْسِهَا لِلَّهِ تَعَالَى؟».
قُلْتُ: الجهنية هي الغامدية فغامد قبيلة من جهينة.
وقوله في الحديث: «فَشُكَّتْ عَلَيْهَا ثِيَابُهَا». دليل على عدم الحفر لها، وذلك أنَّه لو حفر لها لما احتيج إلى أن يُشك عليها ثيابها.
قُلْتُ: وهذا مبني على أنَّ الحفر يكون مع الدفن كما هو ظاهر كلام ابن قدامة الماضي، وأمَّا إذا قلنا إنَّ الحفر يكون من غير دفن، إذ الغرض منه أن لا يفر المرجوم وهذا يكون في الحفرة العميقة، فقد يقال: إنَّ شك ثياب الجهنية لا ينافي الحفر لها، وذلك أنَّها تحتاج إلى أن يُشك ثيابها وإن كانت في حفرة حتى لا تتكشف.
стр. 6790
لكن الذي يظهر لي أنَّا إذا قلنا بالحفر فإنَّه يكون مع الدفن لأنَّه أتم في الاستيثاق وعدم التكشف، وأمَّا الحفر من غير دفن ففيه كلفة يُغني عنه الاستيثاق بالقيد والربط.
وخلاصة القول أنَّ الأحاديث التي ليس فيها الحفر للزاني أكثر وأصح، وما جاء من الحديث في ذكر الحفر فمما لا تطمئن إليه النفس في ثبوته. والله أعلم.
قَالَ الْعَلَّامَةُ ابْنُ قُدَامَةَ ﵀ فِي [الْكَافِي] (٤/ ٨٤): «قال أحمد: أكثر الأحاديث على أنَّه لا يحفر للمرجوم» اهـ.
٧ - وفيه المبالغة في الاستثبات قبل إقامة الحد، وفي هذا الحديث من أوجه الاستثبات السؤال عن عقله وعن إحصانه، وجاء في طرق الحديث وألفاظه زيادة على ذلك منها:
ما رواه مسلم (١٦٩٥) عَنْ بُرَيْدَةَ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «أَشَرِبَ خَمْرًا؟» فَقَامَ رَجُلٌ فَاسْتَنْكَهَهُ، فَلَمْ يَجِدْ مِنْهُ رِيحَ خَمْرٍ، قَالَ، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : «أَزَنَيْتَ؟» فَقَالَ: نَعَمْ، فَأَمَرَ بِهِ فَرُجِمَ.
ومن ذلك ما رواه البخاري (٦٨٢٤)، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄، قَالَ: لَمَّا أَتَى مَاعِزُ بْنُ مَالِكٍ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ لَهُ: «لَعَلَّكَ قَبَّلْتَ، أَوْ غَمَزْتَ،
стр. 6791
أَوْ نَظَرْتَ» قَالَ: لَا يَا رَسُولَ اللَّهِ، قَالَ: «أَنِكْتَهَا». لَا يَكْنِي، قَالَ: فَعِنْدَ ذَلِكَ أَمَرَ بِرَجْمِهِ.
وجاءت أوجه أخرى أعرضت عنها لضعفها.
٨ - وفيه أنَّ للإمام أن يفوض غيره بإقامة الحد، ولا يلزمه حضوره.
قَالَ الْعَلَّامَةُ الْنَوَوِي ﵀ فِي [شَرْحِ مُسْلِمٍ] (٦/ ١١٩): «قوله في بعض الروايات: "فأمر بها فرجمت"، وفي بعضها: "وأمر الناس فرجموها". وفي حديث ماعز: "أمرنا أن نرجمه"، ونحو ذلك فيها كلها دلالة لمذهب الشافعي ومالك وموافقيهما أنَّه لا يلزم الإمام حضور الرجم، وكذا لو ثبت بشهود لم يلزمه الحضور، وقال أبو حنيفة وأحمد: يحضر الإمام مطلقاً، وكذا الشهود إن ثبت ببينة، ويبدأ الإمام بالرجم إن ثبت بالإقرار، وإن ثبت بالشهود بدأ الشهود، وحجة الشافعي أنَّ النبي ﷺ لم يحضر أحداً ممن رجم، والله أعلم» اهـ.
قُلْتُ: النقل عن أحمد من لزوم حضور الإمام فيه نظر فقد قَالَ الْعَلَّامَةُ ابْنُ قُدَامَةَ ﵀ فِي [الْكَافِي] (٤/ ١٠٦):
стр. 6792
«ولا يلزم الإمام حضور إقامته لأنَّ النبي ﷺ قال: "واغد يا أنيس إلى امرأة هذا، فإن اعترفت فارجمها" وأمر برجم ماعز ولم يحضر، وأتي بسارق، فقال: "اذهبوا فاقطعوه"» اهـ.
٩ - وفيه أنَّه لا يجمع للزاني المحصن بين الجلد والرجم، وقد سبق الكلام في ذلك.
١٠ - وفيه إقامة الحدود في المصلى.
قُلْتُ: والمراد بالمصلى مصلى الجنائز، ويدل على ذلك ما رواه مسلم (١٦٩٤) عن أبي سعيد قال: «فَانْطَلَقْنَا بِهِ إِلَى بَقِيعِ الْغَرْقَدِ، قَالَ: فَمَا أَوْثَقْنَاهُ، وَلَا حَفَرْنَا لَهُ، قَالَ: فَرَمَيْنَاهُ بِالْعَظْمِ، وَالْمَدَرِ، وَالْخَزَفِ». الحديث. وبقيع الغرقد موضع مصلى الجنائز بالمدينة، وهنالك قبور المسلمين.
١١ - وفيه أنَّ المصلى لا يأخذ أحكام المسجد في كل شيء.
* * *
стр. 6793
٣٤٤ - عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ ﵄، أَنَّهُ قَالَ: «أَنَّ اليَهُودَ جَاءُوا إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ، فَذَكَرُوا لَهُ: أَنَّ امْرَأَةً مِنْهُمْ وَرَجُلاً زَنَيَا. فَقَالَ لَهُمْ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "مَا تَجِدُونَ فِي التَّوْرَاةِ فِي شَأْنِ الرَّجْمِ؟ ". فَقَالُوا: نَفْضَحُهُمْ وَيُجْلَدُونَ. قَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ سَلامٍ: كَذَبْتُمْ، فِيهَا آيَةُ الرَّجْمِ، فَأَتَوْا بِالتَّوْرَاةِ فَنَشَرُوهَا، فَوَضَعَ أَحَدُهُمْ يَدَهُ عَلَى آيَةِ الرَّجْمِ، فَقَرَأَ مَا قَبْلَهَا وَمَا بَعْدَهَا. فَقَالَ لَهُ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ سَلامٍ: ارْفَعْ يَدَك. فَرَفَعَ يَدَهُ، فَإِذَا فِيهَا آيَةُ الرَّجْمِ، فَقَالَ: صَدَقَ يَا مُحَمَّدُ، فَأَمَرَ بِهِمَا النَّبِيُّ ﷺ فَرُجِمَا. قَالَ: فَرَأَيْت الرَّجُلَ: يَجْنَأُ عَلَى الْمَرْأَةِ يَقِيهَا الْحِجَارَةَ».
الرجلُ الَّذِي وَضَعَ يدَهُ عَلَى آيةِ الرَّجْمِ عَبْدُ اللهِ بنُ صُورِيَا.
قَوْلُهُ: «فَقَالُوا: نَفْضَحُهُمْ». جاء بيان ذلك فيما رواه مسلم (١٦٩٩) عَنْ نَافِعٍ، أَنَّ عَبْدَ اللهِ بْنَ عُمَرَ، أَخْبَرَهُ، أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ أُتِيَ بِيَهُودِيٍّ وَيَهُودِيَّةٍ قَدْ زَنَيَا، فَانْطَلَقَ رَسُولُ اللهِ ﷺ حَتَّى جَاءَ يَهُودَ، فَقَالَ: «مَا تَجِدُونَ فِي التَّوْرَاةِ عَلَى مَنْ زَنَى؟» قَالُوا: نُسَوِّدُ وُجُوهَهُمَا، وَنُحَمِّلُهُمَا، وَنُخَالِفُ بَيْنَ وُجُوهِهِمَا، وَيُطَافُ بِهِمَا. الحديث.
стр. 6794
قَوْلُهُ: «فَرَأَيْت الرَّجُلَ: يَجْنَأُ عَلَى الْمَرْأَةِ يَقِيهَا الْحِجَارَةَ». أي: يكب عليها.
وَفِي الْحَدِيْثِ مَسَائِلُ مِنْهَا:
١ - رجوع اليهود إلى النبي ﷺ للتحاكم عنده يدل على تصديقهم بنبوته في قلوبهم وإن جحدوا ذلك بأفواههم، كما قال الله تعالى: ﴿الَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ يَعْرِفُونَهُ كَمَا يَعْرِفُونَ أَبْنَاءَهُمْ وَإِنَّ فَرِيقًا مِنْهُمْ لَيَكْتُمُونَ الْحَقَّ وَهُمْ يَعْلَمُونَ﴾ [البقرة: ١٤٦]، وقال: ﴿الَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ يَعْرِفُونَهُ كَمَا يَعْرِفُونَ أَبْنَاءَهُمُ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ فَهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ﴾ [الأنعام: ٢٠].
٢ - وفيه أنَّ من خلق اليهود كتمان الحق، والحكم بالباطل.
٣ - وفيه إقامة الحد على المعاهدين إذا تحاكموا إلى المسلمين.
قَالَ الْعَلَّامَةُ ابْنُ قُدَامَةَ ﵀ فِي [الْمُغْنِي] (٢٠/ ١٢٩ - ١٣٠): «مسألة: قال: "وإذا تحاكم إلينا أهل الذمة، حكمنا عليهم بحكم الله تعالى علينا". وجملة ذلك أنَّه إذا تحاكم إلينا أهل الذمة، أو استعدى بعضهم على بعض، فالحاكم مخير بين إحضارهم والحكم بينهم، وبين تركهم، سواء كانوا من أهل دين واحد، أو من أهل أديان.
هذا المنصوص عن أحمد. وهو قول النخعي، وأحد قولي الشافعي.
стр. 6795
وحكى أبو الخطاب، عن أحمد، رواية أخرى، أنَّه يجب الحكم بينهم. وهذا القول الثاني للشافعي، واختيار المزني، لقول الله تعالى: ﴿وَأَنْ اُحْكُمْ بَيْنَهُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ﴾.
ولأنَّه يلزمه دفع من قصد واحداً منهما بغير حق، فلزمه الحكم بينهما، كالمسلمين.
ولنا قول الله تعالى: ﴿فَإِنْ جَاءُوكَ فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ أَوْ أَعْرِضْ عَنْهُمْ﴾.
فخيره بين الأمرين، ولا خلاف في أنَّ هذه الآية نزلت فيمن وادعه رسول الله ﷺ من يهود المدينة؛ ولأنَّهما كافران، فلا يجب الحكم بينهما كالمعاهدين، والآية التي احتجوا بها محمولة على من اختار الحكم بينهم؛ لقوله تعالى: ﴿وَإِنْ حَكَمْت فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ بِالْقِسْطِ﴾.
جمعاً بين الآيتين، فإنَّه لا يصار إلى النسخ مع إمكان الجمع.
فإذا ثبت هذا، فإنَّه إذا حكم بينهم، لم يجز له الحكم إلَّا بحكم الإسلام؛ للآيتين؛ ولأنَّه لا يجوز له الحكم، إلَّا بالقسط، كما في حق المسلمين، ومتى حكم بينهما، ألزمهما حكمه، ومن امتنع منهما، أجبره على قبول حكمه، وأخذه به؛ لأنَّه إنَّما دخل في العهد بشرط التزام أحكام الإسلام.
следующие страницы →