Полный текст (8 095 стр.). Показаны 6791–6830 · переход к 6796.
стр. 6791
أَوْ نَظَرْتَ» قَالَ: لَا يَا رَسُولَ اللَّهِ، قَالَ: «أَنِكْتَهَا». لَا يَكْنِي، قَالَ: فَعِنْدَ ذَلِكَ أَمَرَ بِرَجْمِهِ.
وجاءت أوجه أخرى أعرضت عنها لضعفها.
٨ - وفيه أنَّ للإمام أن يفوض غيره بإقامة الحد، ولا يلزمه حضوره.
قَالَ الْعَلَّامَةُ الْنَوَوِي ﵀ فِي [شَرْحِ مُسْلِمٍ] (٦/ ١١٩): «قوله في بعض الروايات: "فأمر بها فرجمت"، وفي بعضها: "وأمر الناس فرجموها". وفي حديث ماعز: "أمرنا أن نرجمه"، ونحو ذلك فيها كلها دلالة لمذهب الشافعي ومالك وموافقيهما أنَّه لا يلزم الإمام حضور الرجم، وكذا لو ثبت بشهود لم يلزمه الحضور، وقال أبو حنيفة وأحمد: يحضر الإمام مطلقاً، وكذا الشهود إن ثبت ببينة، ويبدأ الإمام بالرجم إن ثبت بالإقرار، وإن ثبت بالشهود بدأ الشهود، وحجة الشافعي أنَّ النبي ﷺ لم يحضر أحداً ممن رجم، والله أعلم» اهـ.
قُلْتُ: النقل عن أحمد من لزوم حضور الإمام فيه نظر فقد قَالَ الْعَلَّامَةُ ابْنُ قُدَامَةَ ﵀ فِي [الْكَافِي] (٤/ ١٠٦):
стр. 6792
«ولا يلزم الإمام حضور إقامته لأنَّ النبي ﷺ قال: "واغد يا أنيس إلى امرأة هذا، فإن اعترفت فارجمها" وأمر برجم ماعز ولم يحضر، وأتي بسارق، فقال: "اذهبوا فاقطعوه"» اهـ.
٩ - وفيه أنَّه لا يجمع للزاني المحصن بين الجلد والرجم، وقد سبق الكلام في ذلك.
١٠ - وفيه إقامة الحدود في المصلى.
قُلْتُ: والمراد بالمصلى مصلى الجنائز، ويدل على ذلك ما رواه مسلم (١٦٩٤) عن أبي سعيد قال: «فَانْطَلَقْنَا بِهِ إِلَى بَقِيعِ الْغَرْقَدِ، قَالَ: فَمَا أَوْثَقْنَاهُ، وَلَا حَفَرْنَا لَهُ، قَالَ: فَرَمَيْنَاهُ بِالْعَظْمِ، وَالْمَدَرِ، وَالْخَزَفِ». الحديث. وبقيع الغرقد موضع مصلى الجنائز بالمدينة، وهنالك قبور المسلمين.
١١ - وفيه أنَّ المصلى لا يأخذ أحكام المسجد في كل شيء.
* * *
стр. 6793
٣٤٤ - عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ ﵄، أَنَّهُ قَالَ: «أَنَّ اليَهُودَ جَاءُوا إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ، فَذَكَرُوا لَهُ: أَنَّ امْرَأَةً مِنْهُمْ وَرَجُلاً زَنَيَا. فَقَالَ لَهُمْ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "مَا تَجِدُونَ فِي التَّوْرَاةِ فِي شَأْنِ الرَّجْمِ؟ ". فَقَالُوا: نَفْضَحُهُمْ وَيُجْلَدُونَ. قَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ سَلامٍ: كَذَبْتُمْ، فِيهَا آيَةُ الرَّجْمِ، فَأَتَوْا بِالتَّوْرَاةِ فَنَشَرُوهَا، فَوَضَعَ أَحَدُهُمْ يَدَهُ عَلَى آيَةِ الرَّجْمِ، فَقَرَأَ مَا قَبْلَهَا وَمَا بَعْدَهَا. فَقَالَ لَهُ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ سَلامٍ: ارْفَعْ يَدَك. فَرَفَعَ يَدَهُ، فَإِذَا فِيهَا آيَةُ الرَّجْمِ، فَقَالَ: صَدَقَ يَا مُحَمَّدُ، فَأَمَرَ بِهِمَا النَّبِيُّ ﷺ فَرُجِمَا. قَالَ: فَرَأَيْت الرَّجُلَ: يَجْنَأُ عَلَى الْمَرْأَةِ يَقِيهَا الْحِجَارَةَ».
الرجلُ الَّذِي وَضَعَ يدَهُ عَلَى آيةِ الرَّجْمِ عَبْدُ اللهِ بنُ صُورِيَا.
قَوْلُهُ: «فَقَالُوا: نَفْضَحُهُمْ». جاء بيان ذلك فيما رواه مسلم (١٦٩٩) عَنْ نَافِعٍ، أَنَّ عَبْدَ اللهِ بْنَ عُمَرَ، أَخْبَرَهُ، أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ أُتِيَ بِيَهُودِيٍّ وَيَهُودِيَّةٍ قَدْ زَنَيَا، فَانْطَلَقَ رَسُولُ اللهِ ﷺ حَتَّى جَاءَ يَهُودَ، فَقَالَ: «مَا تَجِدُونَ فِي التَّوْرَاةِ عَلَى مَنْ زَنَى؟» قَالُوا: نُسَوِّدُ وُجُوهَهُمَا، وَنُحَمِّلُهُمَا، وَنُخَالِفُ بَيْنَ وُجُوهِهِمَا، وَيُطَافُ بِهِمَا. الحديث.
стр. 6794
قَوْلُهُ: «فَرَأَيْت الرَّجُلَ: يَجْنَأُ عَلَى الْمَرْأَةِ يَقِيهَا الْحِجَارَةَ». أي: يكب عليها.
وَفِي الْحَدِيْثِ مَسَائِلُ مِنْهَا:
١ - رجوع اليهود إلى النبي ﷺ للتحاكم عنده يدل على تصديقهم بنبوته في قلوبهم وإن جحدوا ذلك بأفواههم، كما قال الله تعالى: ﴿الَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ يَعْرِفُونَهُ كَمَا يَعْرِفُونَ أَبْنَاءَهُمْ وَإِنَّ فَرِيقًا مِنْهُمْ لَيَكْتُمُونَ الْحَقَّ وَهُمْ يَعْلَمُونَ﴾ [البقرة: ١٤٦]، وقال: ﴿الَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ يَعْرِفُونَهُ كَمَا يَعْرِفُونَ أَبْنَاءَهُمُ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ فَهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ﴾ [الأنعام: ٢٠].
٢ - وفيه أنَّ من خلق اليهود كتمان الحق، والحكم بالباطل.
٣ - وفيه إقامة الحد على المعاهدين إذا تحاكموا إلى المسلمين.
قَالَ الْعَلَّامَةُ ابْنُ قُدَامَةَ ﵀ فِي [الْمُغْنِي] (٢٠/ ١٢٩ - ١٣٠): «مسألة: قال: "وإذا تحاكم إلينا أهل الذمة، حكمنا عليهم بحكم الله تعالى علينا". وجملة ذلك أنَّه إذا تحاكم إلينا أهل الذمة، أو استعدى بعضهم على بعض، فالحاكم مخير بين إحضارهم والحكم بينهم، وبين تركهم، سواء كانوا من أهل دين واحد، أو من أهل أديان.
هذا المنصوص عن أحمد. وهو قول النخعي، وأحد قولي الشافعي.
стр. 6795
وحكى أبو الخطاب، عن أحمد، رواية أخرى، أنَّه يجب الحكم بينهم. وهذا القول الثاني للشافعي، واختيار المزني، لقول الله تعالى: ﴿وَأَنْ اُحْكُمْ بَيْنَهُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ﴾.
ولأنَّه يلزمه دفع من قصد واحداً منهما بغير حق، فلزمه الحكم بينهما، كالمسلمين.
ولنا قول الله تعالى: ﴿فَإِنْ جَاءُوكَ فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ أَوْ أَعْرِضْ عَنْهُمْ﴾.
فخيره بين الأمرين، ولا خلاف في أنَّ هذه الآية نزلت فيمن وادعه رسول الله ﷺ من يهود المدينة؛ ولأنَّهما كافران، فلا يجب الحكم بينهما كالمعاهدين، والآية التي احتجوا بها محمولة على من اختار الحكم بينهم؛ لقوله تعالى: ﴿وَإِنْ حَكَمْت فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ بِالْقِسْطِ﴾.
جمعاً بين الآيتين، فإنَّه لا يصار إلى النسخ مع إمكان الجمع.
فإذا ثبت هذا، فإنَّه إذا حكم بينهم، لم يجز له الحكم إلَّا بحكم الإسلام؛ للآيتين؛ ولأنَّه لا يجوز له الحكم، إلَّا بالقسط، كما في حق المسلمين، ومتى حكم بينهما، ألزمهما حكمه، ومن امتنع منهما، أجبره على قبول حكمه، وأخذه به؛ لأنَّه إنَّما دخل في العهد بشرط التزام أحكام الإسلام.
стр. 6796
قال أحمد: لا يبحث عن أمرهم، ولا يسأل عن أمرهم، إلَّا أن يأتوا هم، فإن ارتفعوا إلينا، أقمنا عليهم الحد، على ما فعل النبي ﷺ .
وقال أيضاً: حكمنا يلزمهم، وحكمنا جائز على جميع الملل، ولا يدعوهما الحاكم، فإن جاءوا، حكمنا بحكمنا» اهـ.
٤ - واحتج به من قال بمشروعية أن يحكم الشخص بين اليهود بما في التوراة، ولا حجة في ذلك، وبيان ذلك أنَّ النبي ﷺ إنَّما دعا بالتوراة من أجل فضحهم، وبيان كذبهم، ثم إنَّ الحكم برجم المحصن من الأحكام المتفق عليه في الشريعتين، وكيف يسوغ للشخص أن يحكم على اليهود بما في التوراة من الأحكام المخالفة لما أنزل الله على نبيه ﷺ ، والله يقول: ﴿وَأَنِ احْكُمْ بَيْنَهُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَهُمْ وَاحْذَرْهُمْ أَنْ يَفْتِنُوكَ عَنْ بَعْضِ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ إِلَيْكَ فَإِنْ تَوَلَّوْا فَاعْلَمْ أَنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ أَنْ يُصِيبَهُمْ بِبَعْضِ ذُنُوبِهِمْ وَإِنَّ كَثِيرًا مِنَ النَّاسِ لَفَاسِقُونَ (٤٩) أَفَحُكْمَ الْجَاهِلِيَّةِ يَبْغُونَ وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ حُكْمًا لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ﴾ [المائدة: ٤٩، ٥٠].
٥ - وفيه أنَّه لا يشترط في الإحصان الإسلام. وقد سبق الكلام على ذلك في شرح حديث ابن مسعود أول أحاديث كتاب القصاص.
стр. 6797
٦ - وفيه أنَّ حد المحصن الرجم.
٧ - وفيه أنَّ الكفار مخاطبون بسائر أحكام الإسلام.
وهو مذهب مالك والشافعي وأحمد والجمهور وقالت الحنفية: إنَّهم غير مخاطبين بها، وقال بعضهم: هم مخاطبون بالنواهي دون الأوامر.
٨ - وفيه أنَّه لا يحفر للمرجوم سواء كان ذكراً أو أنثى. وقد تكلمت على ذلك في شرح الحديث الماضي قبل هذا.
٩ - واحتج به من قال بقبول شهادة أهل الذمة.
قَالَ الْعَلَّامَةُ ابْنُ الْقَيِّمِ ﵀ فِي [الْطُرُقِ الْحُكْمِيَّةِ] (ص: ٢٦٢): «والذي في الصحيح مرَّ على رسول الله ﷺ بيهودي قد حمم فقال: "ما شأن هذا". فقالوا: زنى. فقال: "ما تجدون في كتابكم". وذكر الحديث فأقام الحد بقولهم ولم يسأل اليهودي واليهودية ولا طلب اعترافهما وإقرارهما وذلك ظاهر في سياق القصة بجميع طرقها ليس في شيء منها ألبتة أنَّه رجمهما بإقرارهما» اهـ.
قُلْتُ: الصحيح قبول شهادة الكفار بعضهم لبعض لهذا الحديث؛ ولأنَّ الشرع أباح لنا أن نتعامل معهم بالبيع والشراء، وأباح لنا نكاح نساء أهل الكتاب المحصنات، ولا يتم ذلك إلَّا بقبول أخبارهم في تملكهم لما يبيعون ونحوه،
стр. 6798
وهكذا في معرفة ولي المرأة ونحو ذلك، فإذا أبيح لنا أن نرجع إلى أخبارهم فيما يتعلق بنا من حل وحرمة، فمن باب أولى أن نرجع إلى أخبارهم فيما يتعلق ببعضهم البعض. والله أعلم.
قَالَ شَيْخُ الْإِسْلَامِ ابْنُ تَيْمِيَّةَ ﵀ كَمَا فِي [مَجْمُوْعِ الْفَتَاوَى] (١٥/ ٢٩٧): «فلا تقبل شهادة الكفار على المسلمين وهذا لا نزاع فيه وإنَّما النزاع في قبول شهادة الكفار بعضهم على بعض وفيه قولان عند أحمد:
أشهرهما عنده وعند أصحابه: أنَّها لا تقبل كمذهب مالك والشافعي.
والثانية: أنَّها تقبل اختارها أبو الخطاب من أصحاب أحمد وهو قول أبي حنيفة وهو أشبه بالكتاب والسنة» اهـ.
وقد أطال الْعَلَّامَةُ ابْنُ الْقَيِّمِ ﵀ فِي "الْطُرُقِ الْحُكْمِيَّةِ" الكلام في تقرير ذلك فارجع إليه.
١٠ - وفيه أنَّه لا يجمع للزاني المحصن بين الرجم والجلد.
١١ - وفيه صحة أنكحة الكفار، وذلك أنَّ الإحصان مبني على نكاح صحيح.
١٢ - واحتج به من قال: إنَّ التوراة التي بأيدي اليهود صحيحة وليست محرفة، وإنَّما التحريف حصل من جهة المعاني دون الألفاظ.
стр. 6799
قَالَ الْحَافِظُ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِ ﵀ فِي [التَّمْهِيْدِ] (١٤/ ٣٨٦): «وفي ذلك دليل على أنَّ التوراة صحيحة بأيديهم ولولا ذلك ما سألهم رسول الله ﷺ عنها، ولا دعا بها، وفيما ذكرنا دليل على أنَّ الكتاب الذين كانوا يكتبونه بأيديهم ثم يقولون هذا من عند الله هي كتب أحبارهم وفقهائهم ورهبانهم كانوا يصنعون لهم كتباً من آرائهم وأهوائهم ويضيفونها إلى الله » اهـ.
وَقَالَ ﵀ فِي [طَرْحِ الْتَثْرِيْبِ] (٨/ ١٦٢ - ١٦٣): «استدل به بعضهم على أنَّ أهل الكتاب لم يسقطوا شيئاً من التوراة ولا غيروا شيئاً من ألفاظها وإنَّما كان تحريفهم لمعانيها وكذبهم في أن يضعوا من عند أنفسهم أشياء وينسبونها إلى أنَّها من التوراة من غير أن يضعوها فيها كما قال تعالى: ﴿فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ يَكْتُبُونَ الْكِتَابَ بِأَيْدِيهِمْ ثُمَّ يَقُولُونَ هَذَا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ لِيَشْتَرُوا بِهِ ثَمَنًا قَلِيلًا﴾. والذاهبون إلى تحريفهم لألفاظها قالوا: لم يكن هذا مما حرفوه وقد حرفوا غيره وقد سمعت أنَّ في التوراة الموجودة بأيديهم الآن شيئاً يدل على نبوة نبينا ﵊ ونسخ شريعتهم لم يغيروه فهم يتكاتمونه وكأنَّ الله تعالى منع سلفهم من تغييره إقامة للحجة على خلفهم فلعنة الله على الضالين.
стр. 6800
وقال ابن عبد البر: فيه دليل على أن التوراة صحيحة بأيديهم ولولا ذلك ما سألهم رسول الله ﷺ عنها ولا دعا بها.
قُلْتُ: لا يدل سؤاله عنها ولا دعاؤه لها على صحة جميع ما فيها، وإنَّما يدل على صحة المسئول عنه منها، علم ذلك النبي ﷺ بوحي أو بإخبار من أسلم منهم فأراد بذلك تبكيتهم وإقامة الحجة عليهم في مخالفتهم كتابهم وكذبهم عليه واختلاقهم ما ليس فيه وإنكارهم ما هو فيه والله أعلم» اهـ.
قَالَ شَيْخُ الْإِسْلَامِ ابْنُ تَيْمِيَّةَ ﵀ كَمَا فِي [مَجْمُوْعِ الْفَتَاوَى] (١٣/ ١٠٤):
«ثُمَّ مِنْ هَؤُلَاءِ مَنْ زَعَمَ أَنَّ كَثِيرًا مِمَّا فِي التَّوْرَاةِ أَوْ الْإِنْجِيلِ بَاطِلٌ لَيْسَ مِنْ كَلَامِ اللَّهِ وَمِنْهُمْ مَنْ قَالَ: بَلْ ذَلِكَ قَلِيلٌ. وَقِيلَ لَمْ يُحَرِّفْ أَحَدٌ شَيْئًا مِنْ حُرُوفِ الْكُتُبِ وَإِنَّمَا حَرَّفُوا مَعَانِيَهَا بِالتَّأْوِيلِ وَهَذَانِ الْقَوْلَانِ قَالَ كُلًّا مِنْهُمَا كَثِيرٌ مِنْ الْمُسْلِمِينَ وَالصَّحِيحُ الْقَوْلُ الثَّالِثُ وَهُوَ أَنَّ فِي الْأَرْضِ نُسَخًا صَحِيحَةً وَبَقِيَتْ إلَى عَهْدِ النَّبِيِّ ﷺ وَنُسَخًا كَثِيرَةً مُحَرَّفَةً، وَمَنْ قَالَ إنَّهُ لَمْ يُحَرَّفْ شَيْءٌ مِنْ النُّسَخِ فَقَدْ قَالَ مَا لَا يُمْكِنُهُ نَفْيُهُ، وَمَنْ قَالَ جَمِيعُ النُّسَخِ بَعْدَ النَّبِيِّ ﷺ حُرِّفَتْ فَقَدْ قَالَ مَا يَعْلَمُ أَنَّهُ خَطَأٌ وَالْقُرْآنُ يَأْمُرُهُمْ أَنْ يَحْكُمُوا بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فِي
стр. 6801
التَّوْرَاةِ وَالْإِنْجِيلِ وَيُخْبِرُ أَنَّ فِيهِمَا حُكْمَهُ وَلَيْسَ فِي الْقُرْآنِ خَبَرٌ أَنَّهُمْ غَيَّرُوا جَمِيعَ النُّسَخِ» اهـ.
١٣ - وفيه الحث على إظهار العلم وعدم كتمانه.
وقد قال الله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ مَا أَنْزَلْنَا مِنَ الْبَيِّنَاتِ وَالْهُدَى مِنْ بَعْدِ مَا بَيَّنَّاهُ لِلنَّاسِ فِي الْكِتَابِ أُولَئِكَ يَلْعَنُهُمُ اللَّهُ وَيَلْعَنُهُمُ اللَّاعِنُونَ (١٥٩) إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا وَأَصْلَحُوا وَبَيَّنُوا فَأُولَئِكَ أَتُوبُ عَلَيْهِمْ وَأَنَا التَّوَّابُ الرَّحِيمُ﴾ [البقرة: ١٥٩، ١٦٠].
وقال الله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ مِنَ الْكِتَابِ وَيَشْتَرُونَ بِهِ ثَمَنًا قَلِيلًا أُولَئِكَ مَا يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ إِلَّا النَّارَ وَلَا يُكَلِّمُهُمُ اللَّهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَلَا يُزَكِّيهِمْ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ (١٧٤) أُولَئِكَ الَّذِينَ اشْتَرَوُا الضَّلَالَةَ بِالْهُدَى وَالْعَذَابَ بِالْمَغْفِرَةِ فَمَا أَصْبَرَهُمْ عَلَى النَّارِ﴾ [البقرة: ١٧٤، ١٧٥].
وروى أحمد (٧٥٦١، ٨٠٣٥، ٨٥١٤، ٨٦٢٣، ١٠٤٢٥)، وأبو داود (٣٦٥٨)، والترمذي (٢٦٤٩) من طريق عَلِيِّ بْنِ الْحَكَمِ، عَنْ عَطَاءِ بْنِ أَبِي رَبَاحٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «مَنْ سُئِلَ عَنْ عِلْمٍ فَكَتَمَهُ، أُلْجِمَ بِلِجَامٍ مِنْ نَارٍ يَوْمَ الْقِيَامَةِ».
стр. 6802
قُلْتُ: هَذَا حَدِيْثٌ صَحِيْحٌ، وله شواهد.
١٤ - وفيه إقامة الحجة على الشخص من جهة ما يدعي تعظيمه والعمل به، وشبيه بهذا محاججة المقلدة بأقوال من يتظاهرون بالانتساب إليهم.
* * *
стр. 6803
٣٤٥ - عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ:
«لَوْ أَنَّ رَجُلاً - أَوْ قَالَ: امْرَأً - اطَّلَعَ عَلَيْكَ بِغَيْرِ إذْنِكَ، فَحَذَفْتَهُ بِحَصَاةٍ، فَفَقَأْتَ عَيْنَهُ: مَا كَانَ عَلَيْك جُنَاحٌ».
قَوْلُهُ: «فَحَذَفْتَهُ بِحَصَاةٍ». الحذف هو: الرمي بحصاة إمَّا بين الإبهام والسبابة، وإمَّا بين السبابتين.
وقَوْلُهُ: «فَفَقَأْتَ عَيْنَهُ». أي: شققت عينه.
وفي رواية لمسلم (٢١٥٨) عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «مَنِ اطَّلَعَ فِي بَيْتِ قَوْمٍ بِغَيْرِ إِذْنِهِمْ، فَقَدْ حَلَّ لَهُمْ أَنْ يَفْقَئُوا عَيْنَهُ».
وفي الباب ما رواه البخاري (٦٩٠٠)، ومسلم (٢١٥٧) عَنْ أَنَسٍ ﵁، أَنَّ رَجُلًا اطَّلَعَ مِنْ حُجْرٍ فِي بَعْضِ حُجَرِ النَّبِيِّ ﷺ ، «فَقَامَ إِلَيْهِ بِمِشْقَصٍ، أَوْ بِمَشَاقِصَ، وَجَعَلَ يَخْتِلُهُ لِيَطْعُنَهُ».
وما رواه البخاري (٦٩٠١)، ومسلم (٢١٥٦) عَنِ سَهْلِ بْنِ سَعْدٍ السَّاعِدِيَّ، أَنَّ رَجُلًا اطَّلَعَ فِي جُحْرٍ فِي بَابِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ، وَمَعَ رَسُولِ اللَّهِ
стр. 6804
ﷺ مِدْرًى يَحُكُّ بِهِ رَأْسَهُ، فَلَمَّا رَآهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ، قَالَ: «لَوْ أَعْلَمُ أَنَّكَ تَنْتَظِرُنِي، لَطَعَنْتُ بِهِ فِي عَيْنَيْكَ».
قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «إِنَّمَا جُعِلَ الإِذْنُ مِنْ قِبَلِ البَصَرِ».
وفي رواية للبخاري (٥٩٢٤): «لَوْ عَلِمْتُ أَنَّكَ تَنْظُرُ، لَطَعَنْتُ بِهَا فِي عَيْنِكَ، إِنَّمَا جُعِلَ الإِذْنُ مِنْ قِبَلِ الأَبْصَارِ».
وتنتظرني بمعنى تنظر إلي.
وَفِي الْحَدِيْثِ مَسَائِلُ مِنْهَا:
١ - حرمة النظر إلى عورات المسلمين.
٢ - أنَّه يجوز للمرء أن يفقأ عين من اطلع في بيته.
وإلى هذا ذهب الشافعي وأحمد، ومنع من ذلك أبو حنيفة ورأى ضمان من فعل ذلك، وهذا مذهب أكثر المالكية. والسنة أولى بالاتباع.
وقد روى أحمد (٨٩٨٥)، والنسائي (٤٨٦٠) من طريق مُعَاذِ بْنِ هِشَامٍ، قَالَ: حَدَّثَنِي أَبِي، عَنْ قَتَادَةَ، عَنْ النَّضْرِ بْنِ أَنَسٍ، عَنْ بَشِيرِ بْنِ نَهِيكٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «مَنِ اطَّلَعَ فِي بَيْتِ قَوْمٍ بِغَيْرِ إِذْنِهِمْ فَفَقَئُوا عَيْنَهُ، فَلَا دِيَةَ لَهُ، وَلَا قِصَاصَ».
стр. 6805
قُلْتُ: هَذَا حَدِيْثٌ صَحِيْحٌ.
٣ - وفيه إباحة الحذف في هذا الموضع. وهذا مخصوص من عموم ما رواه البخاري (٦٢٢٠)، ومسلم (١٩٥٤) عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مُغَفَّلٍ المُزَنِيِّ، قَالَ: نَهَى النَّبِيُّ ﷺ عَنِ الخَذْفِ، وَقَالَ: «إِنَّهُ لَا يَقْتُلُ الصَّيْدَ، وَلَا يَنْكَأُ العَدُوَّ، وَإِنَّهُ يَفْقَأُ العَيْنَ، وَيَكْسِرُ السِّنَّ».
٤ - جواز فقء عين المطلع ابتداءً.
قَالَ الْعَلَّامَةُ ابْنُ قُدَامَةَ ﵀ فِي [الْمُغْنِي] (٢٠/ ٣٨٦): «ومن اطلع في بيت إنسان من ثقب، أو شق باب، أو نحوه، فرماه صاحب البيت بحصاة، أو طعنه بعود، فقلع عينه، لم يضمنها. وبه قال الشافعي.
وقال أبو حنيفة: يضمنها؛ لأنَّه لو دخل منزله، ونظر فيه، أو نال من امرأته ما دون الفرج، لم يجز قلع عينه، فمجرد النظر أولى.
ولنا، ما روى أبو هريرة، أنَّ رسول الله ﷺ قال: "لو أنَّ امرأ اطلع عليك بغير إذن، فحذفته بحصاة، ففقأت عينه، لم يكن عليك جناح".
وعن سهل بن سعد، أنَّ رجلاً اطلع في حجر من باب النبي ﷺ ، ورسول الله ﷺ يحك رأسه بمدرى في يده، فقال رسول الله
стр. 6806
ﷺ : "لو علمت أنَّك تنظرني لطمت، أو لطعنت بها في عينك". متفق عليهما.
ويفارق ما قاسوا عليه؛ لأنَّ من دخل المنزل يعلم به، فيستتر منه، بخلاف الناظر من ثقب، فإنَّه يرى من غير علم به، ثم الخبر أولى من القياس.
وظاهر كلام أحمد، أنَّه لا يعتبر في هذا أنَّه لا يمكنه دفعه إلَّا بذلك، لظاهر الخبر.
وقال ابن حامد: يدفعه بأسهل ما يمكنه دفعه به، فيقول له أولاً: انصرف. فإن لم يفعل، أشار إليه يوهمه أنَّه يحذفه، فإن لم ينصرف، فله حذفه حينئذ. واتباع السنة أولى» اهـ.
قُلْتُ: ومذهب مالك في ذك كمذهب أبي حنيفة فقد قَالَ الْحَافِظُ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِ ﵀ فِي [الْكَافِي] (٢/ ١١٢٧):
«ومن اطلع على قوم أو على رجل في بيته ففقأ عينه بحصاة أو عود فعليه القود عند مالك» اهـ.
وَقَالَ شَيْخُ الْإِسْلَامِ ابْنُ تَيْمِيَّةَ ﵀ كَمَا فِي [مَجْمُوْعِ الْفَتَاوَى] (١٥/ ١٢٢): «وهذا كما لو اطلع رجل في بيته فإنَّه يجوز له أن يفقأ عينه ابتداء وليس عليه أن ينذره هذا أصح القولين» اهـ. واحتج بهذا الحديث.
стр. 6807
وَقَالَ الْعَلَّامَةُ ابْنُ الْقَيِّمِ ﵀ فِي [زَادِ الْمَعَادِ] (٥/ ٤٠٥ - ٤٠٦): «وكذلك من اطلع في بيت قوم من ثقب، أو شق في الباب بغير إذنهم، فنظر حرمة أو عورة، فلهم خذفه وطعنه في عينه، فإن انقلعت عينه، فلا ضمان عليهم.
قال القاضي أبو يعلى: هذا ظاهر كلام أحمد أنَّهم يدفعونه، ولا ضمان عليهم من غير تفصيل.
وفصل ابن حامد فقال: يدفعه بالأسهل، فيبدأ بقوله: انصرف واذهب، وإلَّا نفعل بك كذا.
قُلْتُ: وليس في كلام أحمد، ولا في السنة الصحيحة ما يقتضي هذا التفصيل بل الأحاديث الصحيحة تدل على خلافه، فإنَّ في "الصحيحين" عن أنس، أنَّ رجلا أطلع من جحر في بعض حجر النبي ﷺ ، فقام إليه بمشقص أو بمشاقص، وجعل يختله ليطعنه، فأين الدفع بالأسهل وهو ﷺ يختله، أو يختبئ له، ويختفى ليطعنه.
وفى "الصحيحين" أيضاً من حديث سهل بن سعد، أنَّ رجلاً اطلع في جحر في باب النبي ﷺ ، وفى يد النبي ﷺ مدرى يحك به
стр. 6808
رأسه، فلما رآه قال: "لو أعلم أنَّك تنظرني لطعنت به في عينك، إنَّما جعل الإذن من أجل البصر".
وفيهما أيضاً عن أبي هريرة ﵁، قال: قال رسول الله ﷺ : "لو أنَّ امرءا اطلع عليك بغير إذن، فخذفته بحصاة، ففقأت عينه لم يكن عليك جناح".
وفيهما أيضا: "من اطلع في بيت قوم بغير إذنهم، ففقؤوا عينه فلا دية له ولا قصاص".
وهذا اختيار شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀، وقال: ليس هذا من باب دفع الصائل، بل من باب عقوبة المعتدى المؤذي» اهـ.
٥ - قَالَ الْعَلَّامَةُ الْقُرْطُبِي ﵀ فِي [الْمُفْهِم] (١٧/ ١٤٤): «ويفيد أيضاً أنَّ هذا الحكم جار فيمن اطلع على عورة الإنسان، وإن لم يكن من باب. فإنَّ قوله: "اطلع عليك"، يتناول كل مطلع كيفما كان، ومن أي جهة كان. بل: يتعين أن يقال: إنَّ الشرع إذا علق هذا الحكم على الاطلاع في البيت؛ لأنَّه مظنة الاطلاع على العورة، فلأن يعلق على نفس الاطلاع على العورة أحرى، وأولى، وهذا نظر راجح، غير أنَّ أصحابنا حكوا الإجماع على أنَّ من المطلع على عورة رجل بغير
стр. 6809
إذنه، ففقأ عينه: أنَّه لا يسقط عنه الضمان، كما ذكرناه. فإن صح هذا الإجماع، فهو واجب الاتباع. وإن وجد خلاف فما ذكرناه هو الإنصاف» اهـ.
قُلْتُ: ويمكن أن يفرَّق بين المسألتين بأنَّ ستر العورة عن المطلع من ثقب يعسر، بعكس غيره فناسب أن يبالغ في زجره. والله أعلم. وشبيه بهذا قطع يد السارق دون المنتهب، مع أنَّ المنتهب أشد جرأة من السارق غير أنَّ السارق أمره أخفى من المنتهب فناسب المبالغة في زجره.
قَالَ الْعَلَّامَةُ ابْنُ أَبِي الْخَيْرِ الْشَّافِعِيِّ ﵀ فِي [الْبَيَانِ] (١٢/ ٨١):
«فإن نظر إلى حريمه من باب مفتوح أو كوة واسعة، فإن نظر وهو على اجتيازه لم يكن لصاحب الدار رميه؛ لأنَّ المفرط هو صاحب الدار بفتح الباب وتوسيع الكوة، وإن وقف وجعل ينظر ففيه وجهان:
أحدهما: يجوز له رميه؛ لأنَّه مفرط في الاطلاع والنظر، فهو كما لو قصد إلى النظر من حجر.
والثاني: لا يجوز له رميه؛ لأن صاحب الدار فرط في فتح الباب وتوسعة الكوة» اهـ.
قُلْتُ: القول الثاني أظهر.
стр. 6810
٦ - والمرأة في ذلك كالرجل، وأمَّا الأعمى فلا يحل فقؤ عينه، وإن كان المطلع محرماً فإن كان ممن لا يحل له النظر إلى العورة وكنَّ في البيت متجردات فيحل فقؤ عين المطلع وإلَّا فلا.
قَالَ الْعَلَّامَةُ ابْنُ أَبِي الْخَيْرِ الْشَّافِعِيِّ ﵀ فِي [الْبَيَانِ] (١٢/ ٨٠ - ٨١):
«وإن كان الناظر امرأة. قال المسعودي في "الإبانة": فلصاحب الدار فقؤ عينها؛ لأنَّ الإنسان قد يستر حريمه عن نظر الرجال والنساء.
وإن كان المطلع أعمى لم يكن له رميه؛ لأنَّه لا ينظر.
وإن كان المطلع على داره ذا رحم محرم لحريمه، فإن كان حريمه مستترات لم يكن له رميه؛ لأنَّه غير ممنوع من نظرهن، وإن كن متجردات فله رميه؛ لأنَّه ممنوع من نظرهن متجردات.
وسواء وقف الناظر في ملك نفسه، أو في ملك صاحب الدار، أو في قارعة الطريق، وجعل ينظر فله رميه؛ لأنَّ الأذى يحصل بنظره، وذلك يحصل منه، ولا اعتبار بالموضع الذي هو واقف فيه» اهـ.
стр. 6811
٧ - ويدخل في عموم الحديث إذا لم يكن في البيت أحد من حريم الشخص، وذلك أنَّ الشخص يستتر في بيته ولا يحب أحداً يطلع عليه وقد تكون عورته مكشوفة وهو آمن من نظر الناس إليه.
قَالَ الْعَلَّامَةُ ابْنُ أَبِي الْخَيْرِ الْشَّافِعِيِّ ﵀ فِي [الْبَيَانِ] (١٢/ ٨١):
«ولو لم يكن في الدار المنظور فيها حريم لصاحب الدار، ففقأ عين من ينظر فيها. ففيه وجهان، حكاهما المسعودي "الإبانة".
أحدهما: وهو قول البغداديين من أصحابنا: أنَّه يضمن؛ لأنَّ الإنسان إنَّما يستضر بنظر غيره إلى حريمه، وإلى حريم غيره.
الثاني: لا يضمن؛ لأنَّ الرجل قد يستتر أيضاً عن أبصار الناس» اهـ.
٨ - ولا يدخل في الحديث رمي الناظر بشيء كبير أو شديد يتعدى ضرره إلى غير العين، فإن فعل ذلك ضمن ما زاد.
قَالَ الْعَلَّامَةُ ابْنُ أَبِي الْخَيْرِ الْشَّافِعِيِّ ﵀ فِي [الْبَيَانِ] (١٢/ ٨٢):
«وإذا اطلع رجل على داره، ونظر حريمه فليس له رمي عينه إلَّا بشيء خفيف يفقأ عينه، فإن رمى عينه بشيء خفيف، ففقأها وسرى إلى نفسه لم يجب عليه الضمان؛
стр. 6812
لأنَّه مات من جناية مباحة، إن رماه بشيء ثقيل، فهشم وجهة وسرى إلى نفسه لزمه الضمان؛ لأنَّه ليس له رميه بما يودي إلى إتلاف نفسه.
إن رمى غير عينه، فأصابه وجب عليه الضمان؛ لأن المتعدي هي العين، فلم يجز له إتلاف غيرها.
قال المسعودي في "الإبانة": إلَّا أن يكون الناظر بعيداً، فرمى عينه وقصدها، فأصابت موضعاً آخر، فحينئذ لا يضمن» اهـ.
٩ - وليس له أن يفقع عينه بعد انصرافه، وذلك أنَّ الغرض دفع شره عند اطلاعه.
قَالَ الْعَلَّامَةُ ابْنُ أَبِي الْخَيْرِ الْشَّافِعِيِّ ﵀ فِي [الْبَيَانِ] (١٢/ ٨٢) «فإن اطلع رجل على حريم غيره في داره، فقبل أن يرميه صاحب الدار، انصرف المطلع لم يكن لصاحب الدار أن يتبعه ويرميه؛ لأنَّه إنَّما يجوز ليصرفه، فإذا انصرف لم يكن له رميه بعد ذلك.
فإن رمى المطلع على داره، فلم ينصرف استغاث عليه بالناس، فإن انصرف عنه بالغوث فلا كلام، وإن لم ينصرف بذلك كان له أن يصرفه بما يصرف به من قصد نفسه أو ماله، حتى لو لم ينصرف إلا بقتله، فقتله .. فلا شيء عليه؛ لأنه تلف بدفع جائز» اهـ.
стр. 6813
١٠ - ومنهم من ألحق بالبصر السمع، وليس هذا بسديد فليس السمع كالبصر في الاطلاع على العورات.
تَنْبِيْهٌ: لعل المؤلف أورد هذا الحديث بعد أحاديث حد الزنا من أجل أنَّ سبب الزنا هو النظر المحرم، أو أراد أن يبين عقوبة زنا النظر بعد ذكره لعقوبة زنا الفرج. والله أعلم.
* * *
стр. 6814
بَابُ حَدِّ السَّرِقَةِ.
٣٤٦ - عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُمَا: «أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَطَعَ فِي مِجَنٍّ قِيمَتُهُ» - وَفِي لَفْظٍ -: «ثَمَنُهُ ثَلاثَةُ دَرَاهِمَ».
قَوْلُهُ: «فِي مِجَنٍّ». المجن: الترس.
وَفِي الْحَدِيْثِ مَسَائِلُ مِنْهَا:
١ - قطع يد السارق.
٢ - وفيه إثبات شرط من شروط القطع وهو بلوغ المسروق النصاب، وقد حُد في الحديث بثلاثة دراهم.
قُلْتُ: وقد ذهب عامة العلماء إلى أنَّ القطع لا يكون في قليل المال، وخالف في ذلك الحسن، وداود، وابن بنت الشافعي، والخوارج، قالوا: يقطع في القليل والكثير، واحتجوا بعموم قول الله تعالى: ﴿وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا جَزَاءً بِمَا كَسَبَا نَكَالًا مِنَ اللَّهِ وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ﴾ [المائدة: ٣٨]. وبما رواه البخاري (٦٧٨٣)، ومسلم (١٦٨٧) عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ
стр. 6815
وَسَلَّمَ، قَالَ: «لَعَنَ اللَّهُ السَّارِقَ، يَسْرِقُ البَيْضَةَ فَتُقْطَعُ يَدُهُ، وَيَسْرِقُ الحَبْلَ فَتُقْطَعُ يَدُهُ».
وأجيب بأنَّ السنة جاءت مبينة لما أجمل في الآية فيجب المصير إليها.
وأجيب عن الاحتجاج بالحديث من وجوه:
الأول: أنَّ المراد بالبيضة بيضة الحديد التي تجعل في الرأس، وبالحبل حبل السفينة.
الثاني: أنَّ المراد بذلك التدرج، أي أنَّه يسرق ما لا تقطع به اليد ثم يتدرج به الحال إلى أن يسرق ما تقطع به يده.
قَالَ الْعَلَّامَةُ ابْنُ الْقَيِّمِ ﵀ فِي [زَادِ الْمَعَادِ] (٥/ ٤٩): «وصح عنه أنَّه قال: "لعن الله السارق يسرق الحبل فتقطع يده ويسرق البيضة فتقطع يده". فقيل: هذا حبل السفينة، وبيضة الحديد، وقيل: بل كل حبل وبيضة، وقيل: هو إخبار بالواقع، أي: إنَّه يسرق هذا، فيكون سبباً لقطع يده بتدرجه منه إلى ما هو أكبر منه. قال الأعمش: كانوا يرون بأنَّه بيض الحديد، والحبل كانوا يرون أن منه ما يساوى دراهم» اهـ.
الثالث: أنَّ المراد بذلك المبالغة في التحقير.
стр. 6816
قَالَ الْعَلَّامَةُ الْقُرْطُبِي ﵀ فِي [الْمُفْهِم] (١٥/ ١٤٩): «وإنَّما سلك النبي ﷺ في هذا الحديث مسلك العرب فيما إذا بالغت في تكثير شيء أو تحقيره، فإنَّها تذكر في ذلك ما لا يصح وجوده، أو ما يندر وجوده إبلاغاً في ذلك، فتقول: لأصعدن بفلان إلى السماء، ولأهبطن به إلى تخوم الثرى، وفلان مناط الثريا، وهو مني مقعد القابلة.
و: "من بنى لله مسجداً ولو مثل مفحص قطاة بني له بيت في الجنة". ولا يتصور مسجد مثل ذلك. و: "تصدقن ولو بظلف محرق". وهو مما لا يتصدق به.
ومثل هذا كثير في كلامهم، وعادة لا تستنكر في خطابهم» اهـ.
الرابع: أنَّ المراد به أنَّه قد يسرق البيضة أو الحبل فيقطعه بعض الولاة سياسة لا قطعاً جائزاً شرعاً.
الخامس: أنَّ النبي ﷺ قال هذا عند نزول آية السرقة مجملة من غير بيان نصاب، فقاله على ظاهر اللفظ.
قُلْتُ: وفي الحديث إثبات القطع بما قيمته ثلاثة درهم، وقد أخذ به من حد النصاب بذلك فيما عدا الذهب والفضة، وهو مذهب الإمام مالك فعنده أنَّه إن كان المسروق ذهباً فالنصاب ربع دينار، وإن كان فضة فالنصاب ثلاثة دراهم،
стр. 6817
وإن كان غيرهما فإن بلغت قيمته ثلاثة دراهم قطع به، وإن لا فلا، وهو رواية عن أحمد، وذهب أحمد في رواية إلى أنَّ النصاب ثلاثة دراهم ويقوم ما عداها بها ولو كان ذهباً، وحكاه الخطابي عن مالك، والصواب تقدير النصاب بربع دينار، للحديث الآتي بعد هذا، ويحمل حديث الباب أنَّ الثلاثة الدراهم كانت متقومة في ذلك الوقت بربع دينار.
قَالَ الْعَلَّامَةُ الْنَوَوِي ﵀ فِي [شَرْحِ مُسْلِمٍ] (٦/ ٩٩): «أجمع العلماء على قطع يد السارق كما سبق، واختلفوا في اشتراط النصاب وقدره، فقال أهل الظاهر: لا يشترط نصاب بل ويقطع في القليل والكثير، وبه قال ابن بنت الشافعي من أصحابنا، وحكاه القاضي عياض عن الحسن البصري والخوارج وأهل الظاهر، واحتجوا بعموم قوله تعالى: ﴿وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا﴾ ولم يخصوا الآية، وقال جماهير العلماء: ولا تقطع إلَّا في نصاب لهذه الأحاديث الصحيحة.
ثم اختلفوا في قدر النصاب، فقال الشافعي النصاب ربع دينار ذهباً، أو ما قيمته ربع دينار، سواء كانت قيمته ثلاثة دراهم أو أقل أو أكثر، ولا يقطع في أقل منه، وبهذا قال كثيرون أو الأكثرون، وهو قول عائشة وعمر بن عبد العزيز والأوزاعي
стр. 6818
والليث وأبي ثور وإسحاق وغيرهم، وروي أيضاً عن داود، وقال مالك وأحمد وإسحاق في رواية: تقطع في ربع دينار أو ثلاثة دراهم أو ما قيمته أحدهما، ولا تقطع فيما دون ذلك، وقال سليمان بن يسار وابن شبرمة وابن أبي ليلى والحسن في رواية عنه: لا تقطع إلاَّ في خمسة دراهم، وهو مروي عن عمر بن الخطاب، وقال أبو حنيفة وأصحابه: لا تقطع إلَّا في عشرة دراهم أو ما قيمته ذلك، وحكى القاضي عن بعض الصحابة أنَّ النصاب أربعة دراهم، وعن عثمان البتي أنَّه درهم، وعن الحسن أنَّه درهمان، وعن النخعي أنَّه أربعون درهماً أو أربعة دنانير، والصحيح ما قاله الشافعي وموافقوه؛ لأنَّ النبي ﷺ صرح ببيان النصاب في هذه الأحاديث من لفظه وأنَّه ربع دينار، وأمَّا باقي التقديرات فمردودة لا أصل لها مع مخالفتها لصريح هذه الأحاديث. وأمَّا رواية أنَّه ﷺ قطع سارقاً في مجن قيمته ثلاثة دراهم. فمحمولة على أنَّ هذا القدر كان ربع دينار فصاعداً، وهي قضية عين لا عموم لها، فلا يجوز ترك صريح لفظه ﷺ في تحديد النصاب لهذه الرواية المحتملة، بل يجب حملها على موافقة لفظه، وكذا الرواية الأخرى: لم يقطع يد السارق في أقل من ثمن المجن. محمولة على أنَّه كان ربع دينار، ولا بد من هذا التأويل ليوافق صريح تقديره صلى
стр. 6819
الله عليه وسلم. وأمَّا ما يحتج به بعض الحنفية وغيرهم من رواية جاءت: قطع في مجن قيمته عشرة دراهم، وفي رواية: خمسة، فهي رواية ضعيفة لا يعمل بها لو انفردت، فكيف وهي مخالفة لصريح الأحاديث الصحيحة الصريحة في التقدير بربع دينار مع أنَّه يمكن حملها على أنَّه كانت قيمته عشرة دراهم اتفاقاً لا أنَّه شرط ذلك في قطع السارق، وليس في لفظها ما يدل على تقدير النصاب بذلك» اهـ.
قُلْتُ: وهناك شروط أخرى ذكرها العلماء للقطع وهي:
الشرط الأول: السرقة، وهي: أخذ المال على وجه الخفية والاستتار. ومنه استراق السمع، ومسارقة النظر.
فخرج بذلك النهب والاختلاس والغصب فلا تدخل في مسمى السرقة.
قُلْتُ: المختلس هو الذي يأخذ المال خفية من غير حرز، وقد جاء فيه ما رواه أبو داود (٤٣٩٣)، والنسائي (٤٩٧٣) من طريق ابْنِ جُرَيْجٍ: قَالَ أَبُو الزُّبَيْرِ: عَنْ جَابِرٍ، عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ : «لَيْسَ عَلَى الْمُخْتَلِسِ قَطْعٌ».
قَالَ أَبُو دَاوُدَ: «هَذَانِ الْحَدِيثَانِ لَمْ يَسْمَعْهُمَا ابْنُ جُرَيْجٍ، مِنْ أَبِي الزُّبَيْرِ، وَبَلَغَنِي عَنْ أَحْمَدَ بْنِ حَنْبَلٍ أَنَّهُ قَالَ: إِنَّمَا سَمِعَهُمَا ابْنُ جُرَيْجٍ مَنْ يَاسِينَ الزَّيَّاتِ.
стр. 6820
قَالَ أَبُو دَاوُدَ: وَقَدْ رَوَاهُمَا الْمُغِيرَةُ بْنُ مُسْلِمٍ، عَنْ أَبِي الزُّبَيْرِ، عَنْ جَابِرٍ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ » اهـ.
قُلْتُ: الزيات متروك الحديث لكنه متابع تابعه المغيرة بن مسلم وهو حسن الحديث، بقى أنَّ أبا الزبير مدلس وقد عنعن.
ورواية المغيرة وصلها النسائي (٤٩٧٥)، والبيهقي في [الْكُبْرَى] (١٧٠٦٩).
وله شاهد من حديث عبد الرحمن بن عوف، رواه ابن ماجة (٢٥٩٢) حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ يَحْيَى قَالَ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَاصِمِ بْنِ جَعْفَرٍ الْمِصْرِيُّ قَالَ: حَدَّثَنَا الْمُفَضَّلُ بْنُ فَضَالَةَ، عَنْ يُونُسَ بْنِ يَزِيدَ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، عَنْ إِبْرَاهِيمَ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ، عَنْ أَبِيهِ قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: «لَيْسَ عَلَى الْمُخْتَلِسِ قَطْعٌ».
قُلْتُ: هَذَا حَدِيْثٌ صَحِيْحٌ، يونس بن يزيد هو الأيلي يخطئ في روايته عن الزهري إلَّا أنَّه من الخطاء اليسير وحديثه عن الزهري مخرج في الصحيحين.
قُلْتُ: والمنتهب هو الذي يأخذ المال اختطافاً والناس ينظرون إليه، وجاء فيه ما رواه أحمد (١٥١١٢)، وأبو داود (٤٣٩١)، وابن ماجة (٢٥٩١)، والنسائي (٤٩٧٢)، والترمذي (١٤٤٨) من طريق ابْنِ جُرَيْجٍ، قَالَ: قَالَ أَبُو الزُّبَيْرِ: قَالَ
стр. 6821
جَابِرُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ، قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «لَيْسَ عَلَى الْمُنْتَهِبِ قَطْعٌ، وَمَنْ انْتَهَبَ نُهْبَةً مَشْهُورَةً فَلَيْسَ مِنَّا».
ولفظ النسائي والترمذي: «لَيْسَ عَلَى خَائِنٍ وَلَا مُنْتَهِبٍ، وَلَا مُخْتَلِسٍ قَطْعٌ».
قُلْتُ: فيه عنعنة ابن جريج وأبي الزبير وهما مدلسان. وقد سمعه ابن جريج من الزيات كما سبق في كلام أحمد.
وَقَالَ الْحَافِظُ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ ﵀ فِي [الْعِلَلِ] (١/ ٤٥٠): «وسألت أبي، وأبا زرعة، عن حديث؛ رواه ابن جريج، عن أبي الزبير، عن جابر بن عبد الله، عن النبي ﷺ : "ليس على مختلس، ولا خائن، ولا منتهب قطع".
فقالا: لم يسمع ابن جريج هذا الحديث من أبي الزبير، يقال: إنَّه سمعه من ياسين الزيات، عن أبي الزبير.
فقالا: قال زيد بن حباب: عن ياسين، أنا حدثت به ابن جريج، عن أبي الزبير.
فقلت لهما: ما حال ياسين؟
فقالا: ليس بقوي» اهـ.
وَقَالَ النَّسَائِي ﵀: «وَلَمْ يَسْمَعْهُ أَيْضًا ابْنُ جُرَيْجٍ مِنْ أَبِي الزُّبَيْرِ» اهـ.
стр. 6822
لكن صرح ابن جريج بالسماع من أبي الزبير عند عبد الرزاق في [الْمُصَّنَفِ] (١٨٨٤٤)، والدارمي (٢٣١٠)، والدارقطني (٣٤١١)، والنسائي في [الْكُبْرَى] (٧٤٦٣) ولم يرتض ذلك النسائي فقال في "الكبرى":
«مَا عَمِلَ شَيْئًا، ابْنُ جُرَيْجٍ لَمْ يَسْمَعْهُ مِنْ أَبِي الزُّبَيْرِ عِنْدَنَا وَاللهُ أَعْلَمُ» اهـ.
وَقَالَ في "الكبرى"، و"المجتبى": «وَقَدْ رَوَى هَذَا الْحَدِيثَ عَنْ ابْنِ جُرَيْجٍ، عِيسَى بْنُ يُونُسَ، وَالْفَضْلُ بْنُ مُوسَى، وَابْنُ وَهْبٍ، وَمُحَمَّدُ بْنُ رَبِيعَةَ، وَمَخْلَدُ بْنُ يَزِيدَ، وَسَلَمَةُ بْنُ سَعِيدٍ بَصْرِيٌّ ثِقَةٌ، قَالَ ابْنُ أَبِي صَفْوَانَ: وَكَانَ خَيْرَ أَهْلِ زَمَانِهِ، «فَلَمْ يَقُلْ أَحَدٌ مِنْهُمْ حَدَّثَنِي أَبُو الزُّبَيْرِ، وَلَا أَحْسَبُهُ سَمِعَهُ مِنْ أَبِي الزُّبَيْرِ، وَاللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ» اهـ.
وقد تابع ابن جريج سفيان الثوري عند النسائي (٤٩٧١)، لكن قال النسائي: «لَمْ يَسْمَعْهُ سُفْيَانُ مِنْ أَبِي الزُّبَيْر» اهـ.
وتابع أبا الزبير عمرو بن دينار عند ابن حبان (٤٤٥٦، ٤٤٥٧).
وللحديث شاهد من حديث أنس رواه الطبراني في [الْأَوْسَطِ] (٥٠٩)، ومن طريقه الضياء في [الْمُخْتَارَةِ] (٢٦١٢)، ورواه أيضاً ابن الأعرابي في [مُعْجَمِهِ] (٩٢٧)، والخطيب في [الْجَامِعِ] (١٤٧٦) من طريق أَحْمَدَ بْنِ الْقَاسِمِ بْنِ مُسَاوِرٍ
стр. 6823
قَالَ: نا أَبُو مَعْمَرٍ إِسْمَاعِيلُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ قَالَ: أَمْلَى عَلَيَّ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ وَهْبٍ مِنْ حِفْظِهِ، عَنْ يُونُسَ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ، أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: «لَيْسَ عَلَى مُنْتَهِبٍ، وَلَا مُخْتَلِسٍ، وَلَا خَائِنٍ قَطْعٌ».
قُلْتُ: هَذَا إِسْنَادٌ ظَاهِرُهُ الصِّحَةِ؛ لكن قَالَ الْحَافِظُ الذَّهَبِيُّ ﵀ فِي [السِّيَرِ] (١٥/ ٤٨٨): «غريب جداً مع عدالة رواته، فلا تنبغي الرواية إلَّا من كتاب، فإنِّي أرى ابن وهب مع حفظه وهم فيه، وللمتن إسناد غير هذا» اهـ.
قُلْتُ: ويمكن أن يكون الوهم من يونس وهو ابن يزيد الأيلي ففي روايته عن الزهري بعض الوهم. والله أعلم.
فخلاصة القول: أنَّ الذي يثبت من الحديث هو حديث عبد الرحمن بن عوف. والله أعلم.
وقد بيَّن الْعَلَّامَةُ ابْنُ الْقَيِّمِ ﵀ الحكمة في قطع يد السارق دون المختلس والمنتهب والغاصب فَقَالَ فِي [إِعْلَامِ الْمُوَقِعِيْنَ] (٢/ ٨٠ - ٨١): «وأمَّا قطع يد السارق في ثلاثة دراهم وترك قطع المختلس والمنتهب والغاصب فمن تمام حكمة الشارع أيضاً فإنَّ السارق لا يمكن الاحتراز منه فإنَّه ينقب الدور ويهتك الحرز ويكسر القفل ولا يمكن صاحب المتاع الاحتراز بأكثر من ذلك فلو لم يشرع قطعه
стр. 6824
لسرق الناس بعضهم بعضاً وعظم الضرر واشتدت المحنة بالسراق بخلاف المنتهب والمختلس فإنَّ المنتهب هو الذي يأخذ المال جهرة بمرأى من الناس فيمكنهم أن يأخذوا على يديه ويخلصوا حق المظلوم أو يشهدوا له عند الحاكم، وأمَّا المختلس فإنَّه إنَّما يأخذ المال على حين غفلة من مالكه وغيره فلا يخلو من نوع تفريط يمكن به المختلس من اختلاسه وإلَّا فمع كمال التحفظ والتيقظ لا يمكنه الاختلاس فليس كالسارق بل هو بالخائن أشبه.
وأيضاً فالمختلس إنَّما يأخذ المال من غير حرز مثله غالباً؛ فإنَّه الذي يغافلك ويختلس متاعك في حال تخليك عنه وغفلتك عن حفظه وهذا يمكن الاحتراز منه غالباً فهو كالمنتهب.
وأمَّا الغاصب فالأمر فيه ظاهر وهو أولى بعدم القطع من المنتهب ولكن يسوغ كف عدوان هؤلاء بالضرب والنكال والسجن الطويل والعقوبة بأخذ المال كما سيأتي» اهـ.
الشرط الثاني من شروط القطع: أن يكون المسروق مالاً محترماً لمعصوم. فيخرج بذلك من باع حراً فلا قطع عليه في قول أكثر العلماء، وقال الحسن، والشعبي، ومالك، وإسحاق: يقطع بسرقة الحر الصغير؛ لأنَّه غير مميز، أشبه العبد.
стр. 6825
وَقَالَ الْعَلَّامَةُ ابْنُ قُدَامَةَ ﵀ فِي [الْمُغْنِي] (٢٠/ ١٩٧): «فصل: وإن سرق ماء، فلا قطع فيه.
قال أبو بكر، وأبو إسحاق بن شاقلا؛ لأنَّه مما لا يتمول عادة ولا أعلم في هذا خلافاً» اهـ.
قُلْتُ: وقد صار في أيامنا هذه متولاً، ويتاجر الناس به التجارات العظيمة.
ويشترط في هذا المال أن يكون حلالاً على الصحيح فإنَّ الحرام لا حرمة فيه.
ويخرج بقيد المحترم: المال الحرام.
قَالَ الْعَلَّامَةُ ابْنُ قُدَامَةَ ﵀ فِي [الْمُغْنِي] (٢٠/ ٢٦٠): «مسألة: قال: "ولا يقطع في محرم، ولا في آلة لهو".
يعني لا يقطع في سرقة محرم؛ كالخمر، والخنزير، والميتة، ونحوها، سواء سرقه من مسلم أو ذمي.
وبهذا قال الشافعي، وأبو ثور، وأصحاب الرأي.
وحكي عن عطاء أنَّ سارق خمر الذمي يقطع، وإن كان مسلماً؛ لأنَّه مال لهم، أشبه ما لو سرق دراهمهم.
стр. 6826
ولنا أنَّها عين محرمة، فلا يقطع بسرقتها، كالخنزير؛ ولأنَّ ما لا يقطع بسرقته من مال المسلم، لا يقطع بسرقته من مال الذمي، كالميتة والدم.
وما ذكروه ينتقض بالخنزير، ولا اعتبار به، فإنَّ الاعتبار بحكم الإسلام، وهو يجري عليهم دون أحكامهم.
وهكذا الخلاف معه في الصليب إذا بلغت قيمته مع تأليفه نصاباً.
وأمَّا آلة اللهو كالطنبور، والمزمار، والشبابة، فلا قطع فيه، وإن بلغت قيمته مفصلاً نصاباً.
وبهذا قال أبو حنيفة.
وقال أصحاب الشافعي: إن كانت قيمته بعد زوال تأليفه نصاباً، ففيه القطع، وإلَّا فلا؛ لأنَّه سرق ما قيمته نصاب، لا شبهة له فيه، من حرز مثله، وهو من أهل القطع، فوجب قطعه، كما لو كان ذهباً مكسوراً.
ولنا أنَّه آلة للمعصية بالإجماع، فلم يقطع بسرقته، كالخمر؛ ولأنَّ له حقاً في أخذها لكسرها، فكان ذلك شبهة مانعة من القطع، كاستحقاقه مال ولده.
فإن كانت عليه حلية تبلغ نصاباً، فلا قطع فيه أيضاً، في قياس قول أبي بكر؛ لأنَّه متصل بما لا قطع فيه، فأشبه الخشب والأوتار.
стр. 6827
وقال القاضي: فيه القطع. وهو مذهب الشافعي؛ لأنَّه سرق نصاباً من حرزه، فأشبه المنفرد» اهـ.
قُلْتُ: ويخرج بقيد المعصوم من ليس بمعصوم كمال الحربي.
الشرط الثالث: أن يسرق من حرز، ويخرجه منه.
قُلْتُ: واشتراط الحرز قول عامة العلماء، وشذ داود الظاهري فلم يره شرطاً.
ويدل عليه نفي النبي ﷺ القطع عن المختلس كما مضى، ويدل عليه أيضاً ما رواه أحمد (٦٦٨٣، ٦٧٤٦، ٦٨٩١، ٦٩٣٦)، وأبو داود (١٧١٠، ٤٣٩٠)، والنسائي (٤٩٥٨، ٤٩٥٩)، وابن ماجة (٢٥٩٦) من طريق عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ جَدِّهِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ، عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ أَنَّهُ سُئِلَ عَنِ الثَّمَرِ الْمُعَلَّقِ؟ فَقَالَ: «مَنْ أَصَابَ بِفِيهِ مِنْ ذِي حَاجَةٍ غَيْرَ مُتَّخِذٍ خُبْنَةً فَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ، وَمَنْ خَرَجَ بِشَيْءٍ مِنْهُ فَعَلَيْهِ غَرَامَةُ مِثْلَيْهِ وَالْعُقُوبَةُ، وَمَنْ سَرَقَ مِنْهُ شَيْئًا بَعْدَ أَنْ يُؤْوِيَهُ الْجَرِينُ فَبَلَغَ ثَمَنَ الْمِجَنِّ فَعَلَيْهِ الْقَطْعُ».
قُلْتُ: هَذَا حَدِيْثٌ حَسَنٌ.
قُلْتُ: وجمهور العلماء على أنَّه يشترط في القطع إخراج المسروق من حرزه، فلو أخذه من حرزه ولم يخرجه منه فلا قطع في قول عامة العلماء إلَّا ما يحكى عن
стр. 6828
الحسن، والنخعي من أنَّ من جمع المتاع ولم يخرجه من الحرز فعليه القطع، وحكي عن الحسن خلاف ذلك، وحكى القطع عن عائشة، والله أعلم بصحته عنها.
وما رواه عبد الرزاق في [مُصَنَّفِهِ] (١٨٨١٩)، وابن أبي شيبة في [مُصَنَّفِهِ] (٢٨٩١٩) من طريق ابْنِ جُرَيْجٍ، قَالَ: أَخْبَرَنِي أَبُو بَكْرِ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ، قَالَ عَبْدُ الرَّزَّاقِ: وَسَأَلْتُ عَنْهُ أَبَا بَكْرٍ فَأَخْبَرَنِي بِهِ أَنَّ خَالِدَ بْنَ سَعِيدٍ حَدَّثَهُ عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيِّبِ وَعُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُتْبَةَ أَنَّهُمَا سُئِلَا: السَّارِقُ يَسْرِقُ، فَيَطْرَحُ السَّرِقَةَ، وَيُوجَدُ فِي الْبَيْتِ الَّذِي يَسْرِقُ مِنْهُ، لَمْ يَخْرُجْ؟ فَقَالَا: «عَلَيْهِ الْقَطْعُ».
فَإِسْنَادُهُ شَدِيْدُ الضَّعْفِ من أجل أبي بكر بن عبد الله وهو ابن محمد بن أبي سبرة متروك الحديث رمي بالوضع.
قَالَ الْعَلَّامَةُ ابْنُ قُدَامَةَ ﵀ فِي [الْمُغْنِي] (٩/ ١٤١):
«فَصْلٌ: قَالَ أَحْمَدُ، فِي رَجُلَيْنِ دَخَلَا دَارًا، أَحَدُهُمَا فِي سُفْلِهَا جَمَعَ الْمَتَاعَ وَشَدَّهُ بِحَبْلٍ، وَالْآخَرُ فِي عُلُوِّهَا مَدَّ الْحَبْلَ فَرَمَى بِهِ وَرَاءُ الدَّارِ، فَالْقَطْعُ عَلَيْهِمَا؛ لِأَنَّهُمَا اشْتَرَكَا فِي إخْرَاجِهِ. وَإِنْ دَخَلَا جَمِيعًا، فَأَخْرَجَ أَحَدُهُمَا الْمَتَاعَ وَحْدَهُ، فَقَالَ أَصْحَابُنَا: الْقَطْعُ عَلَيْهِمَا. وَبِهِ قَالَ أَبُو حَنِيفَةَ وَصَاحِبَاهُ، إذَا أَخْرَجَ نِصَابَيْنِ. وَقَالَ
стр. 6829
مَالِكٌ، وَالشَّافِعِيُّ، وَأَبُو ثَوْرٍ، وَابْنُ الْمُنْذِرِ: الْقَطْعُ عَلَى الْمُخْرِجِ وَحْدَهُ؛ لِأَنَّهُ هُوَ السَّارِقُ.
وَإِنْ أَخْرَجَ أَحَدُهُمَا دُونَ النِّصَابِ، وَالْآخَرُ أَكْثَرَ مِنْ نِصَابٍ فَتَمَّا نِصَابَيْنِ، فَعِنْدَ أَصْحَابِنَا وَأَبِي حَنِيفَةَ وَصَاحِبَيْهِ: يَجِبُ الْقَطْعُ عَلَيْهِمَا. وَعِنْدَ الشَّافِعِيِّ وَمُوَافِقِيهِ: لَا قَطْعَ عَلَى مَنْ لَمْ يُخْرِجْ نِصَابًا. وَإِنْ أَخْرَجَ أَحَدُهُمَا نِصَابًا، وَالْآخَرُ دُونَ النِّصَابِ، فَعِنْدَ أَصْحَابِنَا عَلَيْهِمَا الْقَطْعُ. وَعِنْدَ الشَّافِعِيِّ: الْقَطْعُ عَلَى مُخْرِجِ النِّصَابِ وَحْدَهُ. وَعِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ: لَا قَطْعَ عَلَى وَاحِدٍ مِنْهُمَا؛ لِأَنَّ الْمُخْرَجَ لَمْ يَبْلُغْ نُصُبًا بِعَدَدِ السَّارِقِينَ. وَقَدْ ذَكَرْنَا وَجْهَ مَا قُلْنَا فِيمَا تَقَدَّمَ.
وَإِنْ نَقَبَا حِرْزًا، وَدَخَلَ أَحَدُهُمَا، فَقَرَّبَ الْمَتَاعَ مِنْ النَّقْبِ، وَأَدْخَلَ الْخَارِجُ يَدَهُ فَأَخْرَجَهُ، فَقَالَ أَصْحَابُنَا: قِيَاسُ قَوْلِ أَحْمَدَ، أَنَّ الْقَطْعَ عَلَيْهِمَا. وَقَالَ الشَّافِعِيُّ: الْقَطْعُ عَلَى الْخَارِجِ؛ لِأَنَّهُ مُخْرِجُ الْمَتَاعِ. وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ: لَا قَطْعَ عَلَى وَاحِدٍ مِنْهُمَا. وَلَنَا أَنَّهُمَا اشْتَرَكَا فِي هَتْكِ الْحِرْزِ، وَإِخْرَاجِ الْمَتَاعِ، فَلَزِمَهُمَا الْقَطْعُ، كَمَا لَوْ حَمَلَاهُ مَعًا فَأَخْرَجَاهُ. وَإِنْ وَضَعَهُ فِي النَّقْبِ، فَمَدَّ الْآخَرُ يَدَهُ فَأَخَذَهُ، فَالْقَطْعُ عَلَيْهِمَا. وَنُقِلَ عَنْ الشَّافِعِيِّ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ قَوْلَانِ، كَالْمَذْهَبَيْنِ فِي الصُّورَةِ الَّتِي قَبْلَهَا» اهـ.
стр. 6830
قُلْتُ: مذهب الإمام أحمد في جميع هذه الصور أصح فهما متعاونان ومتمالئان على السرقة كالمتمالئين من قطاع الطريق.
وَقَالَ الْعَلَّامَةُ ابْنُ قُدَامَةَ ﵀ فِي [الْمُغْنِي] (٩/ ١٤١ - ١٤٢):
«فَصْلٌ: وَإِنْ نَقَبَ أَحَدُهُمَا وَحْدَهُ، وَدَخَلَ الْآخَرُ وَحْدَهُ، فَأَخْرَجَ الْمَتَاعَ، فَلَا قَطْعَ عَلَى وَاحِدٍ مِنْهُمَا؛ لِأَنَّ الْأَوَّلَ لَمْ يَسْرِقْ، وَالثَّانِي لَمْ يَهْتِكْ الْحِرْزِ، وَإِنَّمَا سَرَقَ مِنْ حِرْزٍ هَتَكَهُ غَيْرُهُ، فَأَشْبَهَ مَا لَوْ نَقَبَ رَجُلٌ وَانْصَرَفَ، وَجَاءَ آخَرُ فَصَادَفَ الْحِرْزَ مَهْتُوكًا فَسَرَقَ مِنْهُ. وَإِنْ نَقَبَ رَجُلٌ، وَأَمَرَ غَيْرَهُ فَأَخْرَجَ الْمَتَاعَ، فَلَا قَطْعَ أَيْضًا عَلَى وَاحِدٍ مِنْهُمَا. وَإِنْ كَانَ الْمَأْمُورُ صَبِيًّا مُمَيِّزًا؛ لِأَنَّ الْمُمَيِّزَ لَهُ اخْتِيَارٌ فَلَا يَكُونُ آلَةً لِلْآمِرِ، كَمَا لَوْ أَمَرَهُ بِقَتْلِ إنْسَانٍ فَقَتَلَهُ، وَإِنْ كَانَ غَيْرَ مُمَيِّزٍ، وَجَبَ الْقَطْعُ عَلَى الْآمِرِ؛ لِأَنَّهُ آلَتُهُ.
وَإِنْ اشْتَرَكَ رَجُلَانِ فِي النَّقْبِ، وَدَخَلَ أَحَدُهُمَا فَأَخْرَجَ الْمَتَاعَ وَحْدَهُ، أَوْ أَخَذَهُ وَنَاوَلَهُ لِلْآخَرِ خَارِجًا مِنْ الْحِرْزِ، أَوْ رَمَى بِهِ إلَى خَارِجِ الْحِرْزِ، فَأَخَذَهُ الْآخَرُ، فَالْقَطْعُ عَلَى الدَّاخِلِ وَحْدَهُ؛ لِأَنَّهُ مُخْرِجُ الْمَتَاعِ وَحْدَهُ مَعَ الْمُشَارَكَةِ فِي النَّقْبِ. وَبِهَذَا قَالَ الشَّافِعِيُّ، وَأَبُو ثَوْرٍ، وَابْنُ الْمُنْذِرِ. وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ: لَا قَطْعَ عَلَيْهِمَا؛ لِأَنَّ الدَّاخِلَ لَمْ يَنْفَصِلْ عَنْ الْحِرْزِ وَيَدُهُ عَلَى السَّرِقَةِ، فَلَمْ يَلْزَمْهُ الْقَطْعُ، كَمَا لَوْ أَتْلَفَهُ
следующие страницы →