← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 30178

تحفة السائل في بيان ما في عمدة الأحكام من المسائل

أبو بكر الحمادي

Полный текст (8 095 стр.). Показаны 6826–6865 · переход к 6831.

стр. 6826

ولنا أنَّها عين محرمة، فلا يقطع بسرقتها، كالخنزير؛ ولأنَّ ما لا يقطع بسرقته من مال المسلم، لا يقطع بسرقته من مال الذمي، كالميتة والدم. وما ذكروه ينتقض بالخنزير، ولا اعتبار به، فإنَّ الاعتبار بحكم الإسلام، وهو يجري عليهم دون أحكامهم. وهكذا الخلاف معه في الصليب إذا بلغت قيمته مع تأليفه نصاباً. وأمَّا آلة اللهو كالطنبور، والمزمار، والشبابة، فلا قطع فيه، وإن بلغت قيمته مفصلاً نصاباً. وبهذا قال أبو حنيفة. وقال أصحاب الشافعي: إن كانت قيمته بعد زوال تأليفه نصاباً، ففيه القطع، وإلَّا فلا؛ لأنَّه سرق ما قيمته نصاب، لا شبهة له فيه، من حرز مثله، وهو من أهل القطع، فوجب قطعه، كما لو كان ذهباً مكسوراً. ولنا أنَّه آلة للمعصية بالإجماع، فلم يقطع بسرقته، كالخمر؛ ولأنَّ له حقاً في أخذها لكسرها، فكان ذلك شبهة مانعة من القطع، كاستحقاقه مال ولده. فإن كانت عليه حلية تبلغ نصاباً، فلا قطع فيه أيضاً، في قياس قول أبي بكر؛ لأنَّه متصل بما لا قطع فيه، فأشبه الخشب والأوتار.

стр. 6827

وقال القاضي: فيه القطع. وهو مذهب الشافعي؛ لأنَّه سرق نصاباً من حرزه، فأشبه المنفرد» اهـ. قُلْتُ: ويخرج بقيد المعصوم من ليس بمعصوم كمال الحربي. الشرط الثالث: أن يسرق من حرز، ويخرجه منه. قُلْتُ: واشتراط الحرز قول عامة العلماء، وشذ داود الظاهري فلم يره شرطاً. ويدل عليه نفي النبي ﷺ القطع عن المختلس كما مضى، ويدل عليه أيضاً ما رواه أحمد (٦٦٨٣، ٦٧٤٦، ٦٨٩١، ٦٩٣٦)، وأبو داود (١٧١٠، ٤٣٩٠)، والنسائي (٤٩٥٨، ٤٩٥٩)، وابن ماجة (٢٥٩٦) من طريق عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ جَدِّهِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ، عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ أَنَّهُ سُئِلَ عَنِ الثَّمَرِ الْمُعَلَّقِ؟ فَقَالَ: «مَنْ أَصَابَ بِفِيهِ مِنْ ذِي حَاجَةٍ غَيْرَ مُتَّخِذٍ خُبْنَةً فَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ، وَمَنْ خَرَجَ بِشَيْءٍ مِنْهُ فَعَلَيْهِ غَرَامَةُ مِثْلَيْهِ وَالْعُقُوبَةُ، وَمَنْ سَرَقَ مِنْهُ شَيْئًا بَعْدَ أَنْ يُؤْوِيَهُ الْجَرِينُ فَبَلَغَ ثَمَنَ الْمِجَنِّ فَعَلَيْهِ الْقَطْعُ». قُلْتُ: هَذَا حَدِيْثٌ حَسَنٌ. قُلْتُ: وجمهور العلماء على أنَّه يشترط في القطع إخراج المسروق من حرزه، فلو أخذه من حرزه ولم يخرجه منه فلا قطع في قول عامة العلماء إلَّا ما يحكى عن

стр. 6828

الحسن، والنخعي من أنَّ من جمع المتاع ولم يخرجه من الحرز فعليه القطع، وحكي عن الحسن خلاف ذلك، وحكى القطع عن عائشة، والله أعلم بصحته عنها. وما رواه عبد الرزاق في [مُصَنَّفِهِ] (١٨٨١٩)، وابن أبي شيبة في [مُصَنَّفِهِ] (٢٨٩١٩) من طريق ابْنِ جُرَيْجٍ، قَالَ: أَخْبَرَنِي أَبُو بَكْرِ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ، قَالَ عَبْدُ الرَّزَّاقِ: وَسَأَلْتُ عَنْهُ أَبَا بَكْرٍ فَأَخْبَرَنِي بِهِ أَنَّ خَالِدَ بْنَ سَعِيدٍ حَدَّثَهُ عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيِّبِ وَعُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُتْبَةَ أَنَّهُمَا سُئِلَا: السَّارِقُ يَسْرِقُ، فَيَطْرَحُ السَّرِقَةَ، وَيُوجَدُ فِي الْبَيْتِ الَّذِي يَسْرِقُ مِنْهُ، لَمْ يَخْرُجْ؟ فَقَالَا: «عَلَيْهِ الْقَطْعُ». فَإِسْنَادُهُ شَدِيْدُ الضَّعْفِ من أجل أبي بكر بن عبد الله وهو ابن محمد بن أبي سبرة متروك الحديث رمي بالوضع. قَالَ الْعَلَّامَةُ ابْنُ قُدَامَةَ ﵀ فِي [الْمُغْنِي] (٩/ ١٤١): «فَصْلٌ: قَالَ أَحْمَدُ، فِي رَجُلَيْنِ دَخَلَا دَارًا، أَحَدُهُمَا فِي سُفْلِهَا جَمَعَ الْمَتَاعَ وَشَدَّهُ بِحَبْلٍ، وَالْآخَرُ فِي عُلُوِّهَا مَدَّ الْحَبْلَ فَرَمَى بِهِ وَرَاءُ الدَّارِ، فَالْقَطْعُ عَلَيْهِمَا؛ لِأَنَّهُمَا اشْتَرَكَا فِي إخْرَاجِهِ. وَإِنْ دَخَلَا جَمِيعًا، فَأَخْرَجَ أَحَدُهُمَا الْمَتَاعَ وَحْدَهُ، فَقَالَ أَصْحَابُنَا: الْقَطْعُ عَلَيْهِمَا. وَبِهِ قَالَ أَبُو حَنِيفَةَ وَصَاحِبَاهُ، إذَا أَخْرَجَ نِصَابَيْنِ. وَقَالَ

стр. 6829

مَالِكٌ، وَالشَّافِعِيُّ، وَأَبُو ثَوْرٍ، وَابْنُ الْمُنْذِرِ: الْقَطْعُ عَلَى الْمُخْرِجِ وَحْدَهُ؛ لِأَنَّهُ هُوَ السَّارِقُ. وَإِنْ أَخْرَجَ أَحَدُهُمَا دُونَ النِّصَابِ، وَالْآخَرُ أَكْثَرَ مِنْ نِصَابٍ فَتَمَّا نِصَابَيْنِ، فَعِنْدَ أَصْحَابِنَا وَأَبِي حَنِيفَةَ وَصَاحِبَيْهِ: يَجِبُ الْقَطْعُ عَلَيْهِمَا. وَعِنْدَ الشَّافِعِيِّ وَمُوَافِقِيهِ: لَا قَطْعَ عَلَى مَنْ لَمْ يُخْرِجْ نِصَابًا. وَإِنْ أَخْرَجَ أَحَدُهُمَا نِصَابًا، وَالْآخَرُ دُونَ النِّصَابِ، فَعِنْدَ أَصْحَابِنَا عَلَيْهِمَا الْقَطْعُ. وَعِنْدَ الشَّافِعِيِّ: الْقَطْعُ عَلَى مُخْرِجِ النِّصَابِ وَحْدَهُ. وَعِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ: لَا قَطْعَ عَلَى وَاحِدٍ مِنْهُمَا؛ لِأَنَّ الْمُخْرَجَ لَمْ يَبْلُغْ نُصُبًا بِعَدَدِ السَّارِقِينَ. وَقَدْ ذَكَرْنَا وَجْهَ مَا قُلْنَا فِيمَا تَقَدَّمَ. وَإِنْ نَقَبَا حِرْزًا، وَدَخَلَ أَحَدُهُمَا، فَقَرَّبَ الْمَتَاعَ مِنْ النَّقْبِ، وَأَدْخَلَ الْخَارِجُ يَدَهُ فَأَخْرَجَهُ، فَقَالَ أَصْحَابُنَا: قِيَاسُ قَوْلِ أَحْمَدَ، أَنَّ الْقَطْعَ عَلَيْهِمَا. وَقَالَ الشَّافِعِيُّ: الْقَطْعُ عَلَى الْخَارِجِ؛ لِأَنَّهُ مُخْرِجُ الْمَتَاعِ. وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ: لَا قَطْعَ عَلَى وَاحِدٍ مِنْهُمَا. وَلَنَا أَنَّهُمَا اشْتَرَكَا فِي هَتْكِ الْحِرْزِ، وَإِخْرَاجِ الْمَتَاعِ، فَلَزِمَهُمَا الْقَطْعُ، كَمَا لَوْ حَمَلَاهُ مَعًا فَأَخْرَجَاهُ. وَإِنْ وَضَعَهُ فِي النَّقْبِ، فَمَدَّ الْآخَرُ يَدَهُ فَأَخَذَهُ، فَالْقَطْعُ عَلَيْهِمَا. وَنُقِلَ عَنْ الشَّافِعِيِّ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ قَوْلَانِ، كَالْمَذْهَبَيْنِ فِي الصُّورَةِ الَّتِي قَبْلَهَا» اهـ.

стр. 6830

قُلْتُ: مذهب الإمام أحمد في جميع هذه الصور أصح فهما متعاونان ومتمالئان على السرقة كالمتمالئين من قطاع الطريق. وَقَالَ الْعَلَّامَةُ ابْنُ قُدَامَةَ ﵀ فِي [الْمُغْنِي] (٩/ ١٤١ - ١٤٢): «فَصْلٌ: وَإِنْ نَقَبَ أَحَدُهُمَا وَحْدَهُ، وَدَخَلَ الْآخَرُ وَحْدَهُ، فَأَخْرَجَ الْمَتَاعَ، فَلَا قَطْعَ عَلَى وَاحِدٍ مِنْهُمَا؛ لِأَنَّ الْأَوَّلَ لَمْ يَسْرِقْ، وَالثَّانِي لَمْ يَهْتِكْ الْحِرْزِ، وَإِنَّمَا سَرَقَ مِنْ حِرْزٍ هَتَكَهُ غَيْرُهُ، فَأَشْبَهَ مَا لَوْ نَقَبَ رَجُلٌ وَانْصَرَفَ، وَجَاءَ آخَرُ فَصَادَفَ الْحِرْزَ مَهْتُوكًا فَسَرَقَ مِنْهُ. وَإِنْ نَقَبَ رَجُلٌ، وَأَمَرَ غَيْرَهُ فَأَخْرَجَ الْمَتَاعَ، فَلَا قَطْعَ أَيْضًا عَلَى وَاحِدٍ مِنْهُمَا. وَإِنْ كَانَ الْمَأْمُورُ صَبِيًّا مُمَيِّزًا؛ لِأَنَّ الْمُمَيِّزَ لَهُ اخْتِيَارٌ فَلَا يَكُونُ آلَةً لِلْآمِرِ، كَمَا لَوْ أَمَرَهُ بِقَتْلِ إنْسَانٍ فَقَتَلَهُ، وَإِنْ كَانَ غَيْرَ مُمَيِّزٍ، وَجَبَ الْقَطْعُ عَلَى الْآمِرِ؛ لِأَنَّهُ آلَتُهُ. وَإِنْ اشْتَرَكَ رَجُلَانِ فِي النَّقْبِ، وَدَخَلَ أَحَدُهُمَا فَأَخْرَجَ الْمَتَاعَ وَحْدَهُ، أَوْ أَخَذَهُ وَنَاوَلَهُ لِلْآخَرِ خَارِجًا مِنْ الْحِرْزِ، أَوْ رَمَى بِهِ إلَى خَارِجِ الْحِرْزِ، فَأَخَذَهُ الْآخَرُ، فَالْقَطْعُ عَلَى الدَّاخِلِ وَحْدَهُ؛ لِأَنَّهُ مُخْرِجُ الْمَتَاعِ وَحْدَهُ مَعَ الْمُشَارَكَةِ فِي النَّقْبِ. وَبِهَذَا قَالَ الشَّافِعِيُّ، وَأَبُو ثَوْرٍ، وَابْنُ الْمُنْذِرِ. وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ: لَا قَطْعَ عَلَيْهِمَا؛ لِأَنَّ الدَّاخِلَ لَمْ يَنْفَصِلْ عَنْ الْحِرْزِ وَيَدُهُ عَلَى السَّرِقَةِ، فَلَمْ يَلْزَمْهُ الْقَطْعُ، كَمَا لَوْ أَتْلَفَهُ

стр. 6831

دَاخِلَ الْحِرْزِ وَلَنَا أَنَّ الْمَسْرُوقَ خَرَجَ مِنْ الْحِرْزِ وَيَدُهُ عَلَيْهِ، فَوَجَبَ عَلَيْهِ الْقَطْعُ، كَمَا لَوْ خَرَجَ بِهِ، وَيُخَالِفُ إذَا أَتْلَفَهُ؛ فَإِنَّهُ لَمْ يُخْرِجْهُ مِنْ الْحِرْزِ» اهـ. قُلْتُ: الأظهر أنَّهما إذا تواطآ على ذلك فعليهما القطع، والقول بعدم القطع فتح باب للمحتالين. قَالَ أَبُو البَرَكَاتِ ابْنُ تَيْمِيَّةَ ﵀ فِي [الْمُحَرِرِ] (٢/ ١٥٧): «وإن نقب أحدهما ثم دخل الآخر وأخرجه قطعا إن تواطآ على السرقة وإلا فلا قطع وقيل لا قطع بحال» اهـ. وَقَالَ الْعَلَّامَةُ ابْنُ مُفْلِحٍ ﵀ فِي [الْفُرُوْعِ] (١٠/ ١٣٨): «وَإِنْ نَقَبَ أَحَدُهُمَا وَدَخَلَ الْآخَرُ فَأَخْرَجَهُ، فَإِنْ تَوَاطَآ فَفِي قطعهما وجهان وإلَّا فلا قطع» اهـ. وَقَالَ الْعَلَّامَةُ أَبُو إِسْحَاقَ الشِّيرَازِيُّ الشَّافِعِيُّ ﵀ فِي [الْمُهَذَّبِ] (٣/ ٣٥٩) «وإن نقب أحدهما: الحرز ودخل الآخر وأخرج المال ففيه طريقان: من أصحابنا من قال فيه قولان كالمسألة قبلها ومنهم من قال لا يجب القطع قولاً واحداً لأن أحدهما: نقب ولم يخرج المال والآخر أخرج المال من غير حرزه» اهـ. الشرط الرابع: أن يكون السارق مكلفاً.

стр. 6832

الشرط الخامس: ثبوت السرقة. وثبوتها يكون إمَّا بشهادة عدلين، وإمَّا بالإقرار. الشرط السادس: أن يكون المسروق مما لا شبهة للسارق فيه لأنَّ الحدود تدرأ بالشبهات، فلا تقطع يد أحد الوالدين في السرقة من مال أولادهما، ولا الأولاد من مال أبيهم، ولا يقطع من سرق من بيت المال لأنَّه ما من مسلم إلَّا و له في هذا المال حق. قَالَ الْعَلَّامَةُ ابْنُ قُدَامَةَ ﵀ فِي [الْمُغْنِي] (٢٠/ ٢٧٠): «فَصْلٌ: وَلَا قَطْعَ عَلَى مَنْ سَرَقَ مِنْ بَيْتِ الْمَالِ إذَا كَانَ مُسْلِمًا، وَيُرْوَى ذَلِكَ عَنْ عُمَرَ، وَعَلِيٍّ ﵄. وَبِهِ قَالَ الشَّعْبِيُّ، وَالنَّخَعِيُّ، وَالْحَكَمُ، وَالشَّافِعِيُّ، وَأَصْحَابُ الرَّأْيِ. وَقَالَ حَمَّادٌ، وَمَالِكٌ، وَابْنُ الْمُنْذِرِ: يُقْطَعُ؛ لِظَاهِرِ الْكِتَابِ» اهـ. قُلْتُ: واختلف العلماء فيمن من سرق شيئاً من أثاث المسجد، فذهبت الحنفية والحنابلة إلى عدم القطع، وعللت الحنفية بأنَّه لا مالك له، وعللت الحنابلة بأنَّه له شبهة في أخذه لأنَّه من جملة من ينتفع به. وَقَالَ أَبُو مُحَمَدِ الْقَيْرَوَانِيُّ الْمَالِكِيُّ ﵀ فِي [النَّوادِرِ] (١٤/ ٤١٣): «قال عيسى عن ابن القاسم: من سرق من حصر المسجد (قطع) وإن لم يكن له باب.

стр. 6833

ومن سرق الأبواب قطع. وروى ابن القاسم عن مالك: إذا كانت سرقته للحصر نهاراً لم يقطع، وإن كان تسور عليها (ليلاً قطع). وذكر عن سحنون في غير العتبية: إذا كانت حصره قد خيط بعضها إلى بعض قطع وإلَّا لم يقطع. قال ابن القاسم: ومن سرق من المسجد الحرام أو من مسجد لا يغلق فلا قطع عليه. ومن سرق القناديل قطع سرقها ليلاً أو نهاراً. ومن كتاب ابن المواز قال أشهب: ولا قطع في شيء من حصر المسجد وقناديله وبلاطه. وقال أصبغ في ذلك كله القطع، وقال محمد، كما لو سرق أو خشبة من سقفه أو من جوائزه» اهـ. قَالَ الْعَلَّامَةُ أَبُو إِسْحَاقَ الشِّيرَازِيُّ الشَّافِعِيُّ ﵀ فِي [الْمُهَذَّبِ] (٣/ ٣٦١): «فصل: وإن سرق رتاج الكعبة أو باب المسجد أو تأزيره قطع لما روي عن عمر ﵁ أنَّه قطع سارقاً سرق قبطية من منبر رسول الله ﷺ ولأنَّه مال محرز بحرز مثله لا شبهة له فيه، وإن سرق مسلم من قناديل المسجد

стр. 6834

أومن حصره لم يقطع لأنَّه جعل ذلك لمنفعة المسلمين وللسارق فيها حق وإن سرقه ذمي قطع لأنَّه لا حق له فيها» اهـ. قَالَ الْخَطِيْبُ الْشَّرْبِيْنِيُّ الشَّافِعِيُّ ﵀ فِي [مُغْنِي الْمُحْتَاجِ] (٥/ ٤٧٣): «(وَالْمَذْهَبُ) الَّذِي قَطَعَ بِهِ الْجُمْهُورُ (قَطْعُهُ) أَيْ: الْمُسْلِمِ (بِ) سَرِقَةِ (بَابِ مَسْجِدٍ وَجِذْعِهِ) بِإِعْجَامِ الذَّالِ وَتَأْزِيرِهِ وَسَوَارِيهِ وَسُقُوفِهِ وَقَنَادِيلَ زِينَةٍ فِيهِ؛ لِأَنَّ الْبَابَ لِلتَّحْصِينِ، وَالْجِذْعَ وَنَحْوَهُ لِلْعِمَارَةِ، وَلِعَدَمِ الشُّبْهَةِ فِي الْقَنَادِيلِ، وَيَلْحَقُ بِهَذَا سِتْرُ الْكَعْبَةِ فَيُقْطَعُ سَارِقُهُ عَلَى الْمَذْهَبِ إنْ خِيطَ عَلَيْهَا؛ لِأَنَّهُ حِينَئِذٍ مُحْرِزٌ (لَا) بِسَرِقَةِ (حُصْرِهِ) الْمُعَدَّةِ لِلِاسْتِعْمَالِ وَلَا سَائِرِ مَا يُفْرَشُ فِيهِ (وَ) لَا (قَنَادِيلَ تُسْرَجُ) لِأَنَّ ذَلِكَ لِمَصْلَحَةِ الْمُسْلِمِينَ فَلَهُ فِيهِ حَقٌّ كَمَالِ بَيْتِ الْمَالِ وَخَرَجَ بِالْمُعَدَّةِ حُصْرُ الزِّينَةِ فَيُقْطَعُ بِهَا كَمَا قَالَهُ ابْنُ الْمُلَقَّنِ، وَيَنْبَغِي أَنْ يَكُونَ سِتْرُ الْمِنْبَرِ كَذَلِكَ إنْ خِيطَ عَلَيْهِ. وَأَنْ يَكُونَ بَلَاطَ الْمَسْجِدِ حُصْرَهُ الْمُعَدَّةَ لِلِاسْتِعْمَالِ. أَمَّا الذِّمِّيُّ فَيُقْطَعُ بِذَلِكَ قَطْعًا لِعَدَمِ الشُّبْهَةِ» اهـ. قَالَ الْعَلَّامَةُ ابْنُ قُدَامَةَ ﵀ فِي [الْمُغْنِي] (٩/ ١١٤ - ١١٥): «فَصْلٌ: وَإِنْ سَرَقَ بَابَ مَسْجِدٍ مَنْصُوبًا، أَوْ بَابَ الْكَعْبَةِ الْمَنْصُوبَ، أَوْ سَرَقَ مِنْ سَقْفِهِ شَيْئًا، أَوْ تَأْزِيرِهِ، فَفِيهِ وَجْهَانِ؛ أَحَدُهُمَا: عَلَيْهِ الْقَطْعُ. وَهُوَ مَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ،

стр. 6835

وَابْنِ الْقَاسِمِ، صَاحِبِ مَالِكٍ، وَأَبِي ثَوْرٍ، وَابْنِ الْمُنْذِرِ؛ لِأَنَّهُ سَرَقَ نِصَابًا مُحْرَزًا يُحْرَزُ مِثْلُهُ، لَا شُبْهَةَ لَهُ فِيهِ، فَلَزِمَهُ الْقَطْعُ، كَبَابِ بَيْتِ الْآدَمِيِّ. وَالثَّانِي: لَا قَطْعَ عَلَيْهِ. وَهُوَ قَوْلُ أَصْحَابِ الرَّأْيِ؛ لِأَنَّهُ لَا مَالِكَ لَهُ مِنْ الْمَخْلُوقِينَ، فَلَا يُقْطَعُ فِيهِ، كَحُصْرِ الْمَسْجِدِ وَقَنَادِيلِهِ، فَإِنَّهُ لَا يُقْطَعُ بِسَرِقَةِ ذَلِكَ، وَجْهًا وَاحِدًا؛ لِكَوْنِهِ مِمَّا يَنْتَفِعُ بِهِ، فَيَكُونُ لَهُ فِيهِ شُبْهَةٌ، فَلَمْ يُقْطَعْ بِهِ، كَالسَّرِقَةِ مِنْ بَيْتِ الْمَالِ. وَقَالَ أَحْمَدُ: لَا يُقْطَعُ بِسَرِقَةِ سِتَارَةِ الْكَعْبَةِ الْخَارِجَةِ مِنْهَا. وَقَالَ الْقَاضِي: هَذَا مَحْمُولٌ عَلَى مَا لَيْسَتْ بِمَخِيطَةٍ؛ لِأَنَّهَا إنَّمَا تُحْرَزُ بِخِيَاطَتِهَا. وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ: لَا قَطْعَ فِيهَا بِحَالٍ؛ لِمَا ذَكَرْنَا فِي الْبَابِ» اهـ. وَقَالَ الْعَلَّامَةُ الْمَرْدَاوِي ﵀ فِي [الْإِنْصَافِ] (١٠/ ٢٧٥): «قَوْلُهُ: (وَإِنْ سَرَقَ قَنَادِيلَ الْمَسْجِدِ، أَوْ حَصَرَهُ: فَعَلَى وَجْهَيْنِ). وَأَطْلَقَهُمَا فِي الْهِدَايَةِ، وَالْمُذْهَبِ، وَالْمُسْتَوْعِبِ، وَالْخُلَاصَةِ، وَالرِّعَايَتَيْنِ، وَالْحَاوِي الصَّغِيرِ. أَحَدُهُمَا: لَا يُقْطَعُ. وَهُوَ الْمَذْهَبُ قَالَ فِي الْفُرُوعِ: لَا يُقْطَعُ فِي الْأَصَحِّ، وَصَحَّحَهُ فِي الشَّرْحِ، وَالنَّظْمِ، وَالتَّصْحِيحِ، وَجَزَمَ بِهِ فِي الْمُغْنِي، وَالْوَجِيزِ. وَالْوَجْهُ الثَّانِي: يُقْطَعُ قَدَّمَهُ فِي الْمُحَرَّرِ. تَنْبِيهٌ: مَحَلُّ الْخِلَافِ: إذَا كَانَ السَّارِقُ مُسْلِمًا. فَإِنْ كَانَ كَافِرًا: قُطِعَ. قَالَ فِي الْمُحَرَّرِ: قَوْلًا وَاحِدًا. وَظَاهِرُ كَلَامِهِ فِي الرِّعَايَةِ الْكُبْرَى: إجْرَاءُ الْخِلَافِ فِيهِ.

стр. 6836

فَإِنَّهُ قَالَ: وَفِي قَنَادِيلِهِ الَّتِي تَنْفَعُ الْمُصَلِّينَ وَبِوَارِيهِ وَحُصُرِهِ وَبُسُطِهِ: وَجْهَانِ. وَقِيلَ: لَا يُقْطَعُ الْمُسْلِمُ. انْتَهَى» اهـ. قُلْتُ: ومن ذهب إلى قطعه قال: المسجد يعتبر حرزاً لما فيه، واحتج بعضهم بما رواه أحمد (٦٣١٧)، ومن طريقه أبو داود (٤٣٨٦) حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ، أَخْبَرَنَا ابْنُ جُرَيْجٍ، أَخْبَرَنِي إِسْمَاعِيلُ بْنُ أُمَيَّةَ، أَنَّ نَافِعًا، مَوْلَى عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ، حَدَّثَهُ أَنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عُمَرَ، حَدَّثَهُمْ، «أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَطَعَ يَدَ رَجُلٍ سَرَقَ تُرْسًا، مِنْ صُفَّةِ النِّسَاءِ، ثَمَنُهُ ثَلَاثَةُ دَرَاهِمَ». ورواه النسائي (٤٩٠٩) من طريق ابن جريج به. قُلْتُ: إِسْنَادُهُ صَحِيْحٌ. ورواية إسماعيل بن أمية عن نافع أصلها في مسلم (١٦٨٦) لكنَّه لم يسق لفظها. قَالَ الْعَلَّامَةُ ابْنُ الْقَيِّمِ ﵀ فِي [زَادِ الْمَعَادِ] (٥/ ٥٠) «الْعَاشِرُ: أَنَّ الْمَسْجِدَ حِرْزٌ لِمَا يُعْتَادُ وَضْعُهُ فِيهِ، فَإِنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَطَعَ مَنْ سَرَقَ مِنْهُ تُرْسًا، وَعَلَى هَذَا فَيُقْطَعُ مَنْ سَرَقَ مِنْ حَصِيرِهِ وَقَنَادِيلِهِ وَبُسُطِهِ، وَهُوَ أَحَدُ الْقَوْلَيْنِ فِي مَذْهَبِ أحمد وَغَيْرِهِ. وَمَنْ لَمْ يَقْطَعْهُ، قَالَ: لَهُ فِيهَا حَقٌّ، فَإِنْ لَمْ يَكُنْ فِيهَا حَقٌّ، قُطِعَ كَالذِّمِّيِّ» اهـ.

стр. 6837

قُلْتُ: وهذا الاحتجاج فيه نظر وذلك أنَّ الترس ليس من أثاث المسجد وآلاته، لكن قد يقال: إذا كان حرزاً لغير أثاثه فهو حرز لأثاثه بطريق الأولى لكنني لا أعلم أحداً من أهل العلم ذهب إلى هذا المذهب وهو أنَّ المسجد حرز لغير أثاثه. ولا قطع لمن سرق عند الضرورة إذا لم يجد غير ذلك، ولا يقطع العبد إذا سرق من مال سيده، وقد روى مالك في [الْمُوَطَّأِ] (١٥٢٩)، ومن طريقه الشافعي في [الْمُسْنَدِ] (٢٦٨)، ورواه أيضاً عبد الرزاق في [مُصَنَّفِهِ] (١٨٨٦٦) من طريق عَنِ الزُّهْرِيِّ، عَنِ السَّائِبِ بْنِ يَزِيدَ، قَالَ: سَمِعْتُ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ، وَجَاءَهُ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَمْرٍو الْحَضْرَمِيُّ بِغُلَامٍ لَهُ فَقَالَ لَهُ: إِنَّ غُلَامِي هَذَا سَرَقَ فَاقْطَعْ يَدَهُ، فَقَالَ عُمَرُ: «مَا سَرَقَ؟». قَالَ: مِرْآةَ امْرَأَتِي، قِيمَتُهَا سِتُّونَ دِرْهَمًا، قَالَ: «أَرْسِلْهُ فَلَا قَطْعَ عَلَيْهِ، خَادِمُكُمْ أَخَذَ مَتَاعَكُمْ، وَلَكِنَّهُ لَوْ سَرَقَ مِنْ غَيْرِكُمْ قُطِعَ». هذا لفظ عبد الرزاق، ولفظ الإمام مالك والشافعي: عَنِ السَّائِبِ بْنِ يَزِيدَ، أَنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عَمْرِو بْنِ الْحَضْرَمِيِّ جَاءَ بِغُلَامٍ لَهُ إِلَى عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ فَقَالَ لَهُ: اقْطَعْ يَدَ غُلَامِي هَذَا فَإِنَّهُ سَرَقَ فَقَالَ لَهُ عُمَرُ: «مَاذَا سَرَقَ؟». فَقَالَ: سَرَقَ مِرْآةً لِامْرَأَتِي ثَمَنُهَا سِتُّونَ دِرْهَمًا. فَقَالَ عُمَرُ: «أَرْسِلْهُ فَلَيْسَ عَلَيْهِ قَطْعٌ خَادِمُكُمْ سَرَقَ مَتَاعَكُمْ». قُلْتُ: إِسْنَادُهُ صَحِيْحٌ.

стр. 6838

وروى ابن أبي شيبة في [مُصَنَّفِهِ] (٢٩١٦٢)، وسعيد بن منصور في [سُنَنِهِ] (٧٧٤) من طريق إِبْرَاهِيمَ، عَنْ هَمَّامٍ، عَنْ عَمْرِو بْنِ شُرَحْبِيلَ، قَالَ: جَاءَ مَعْقِلٌ الْمُزَنِي إِلَى عَبْدِ اللَّهِ، فَقَالَ: غُلَامِي سَرَقَ قَبَائِي فَأَقْطَعُهُ؟، قَالَ عَبْدُ اللَّهِ: «لَا، مالُكَ بَعْضُهُ مِنْ بَعْضٍ». قُلْتُ: إِسْنَادُهُ صَحِيْحٌ. وعبد الله هو ابن مسعود. قُلْتُ: ومن جملة الشبهات المانعة للقطع أن يسرق الأجنبي مالاً مسروقاً أو مغصوباً. واختلف العلماء في سرقة أحد الزوجين من الآخر. قَالَ الْعَلَّامَةُ ابْنُ مُفْلِحٍ ﵀ فِي [الْفُرُوْعِ] (١٠/ ١٤٥): «وَلَا يُقْطَعُ أَحَدُ الزَّوْجَيْنِ بِسَرِقَتِهِ مِنْ مَالِهِ الْمُحَرَّزِ عَنْهُ، اخْتَارَهُ الْأَكْثَرُ كَمَنْعِهِ نَفَقَتَهَا فَتَأْخُذُهَا، قَالَهُ فِي التَّرْغِيبِ وَغَيْرِهِ وَفِي الْمُغْنِي وَغَيْرِهِ: أَوْ أَكْثَرُ. وَعَنْهُ: بَلَى» اهـ. وَقَالَ الْعَلَّامَةُ أَبُو إِسْحَاقَ الشِّيرَازِيُّ الشَّافِعِيُّ ﵀ فِي [الْمُهَذَّبِ] (٣/ ٣٦٢): «وإن سرق أحد الزوجين من الآخر ما هو محرز عنه ففيه ثلاثة أقوال: أحدها: أنَّه يقطع لأنَّ النكاح عقد على المنفعة فلا يسقط القطع بالسرقة كالإجارة والثاني: أنَّه لا يقطع لأنَّ الزوجة تستحق النفقة على الزوج والزوج يملك أن

стр. 6839

يحجر عليها ويمنعها من التصرف على قول بعض الفقهاء فصار ذلك شبهة والثالث: أنَّه يقطع الزوج بسرقة مال الزوجة ولا تقطع الزوجة بسرقة مال الزوج لأن للزوجة حقاً في مال الزوج بالنفقة وليس للزوج حق في مالها ومن لا يقطع من الزوجين بسرقة مال الآخر لا يقطع عبده بسرقة ماله لقول عمر ﵁ في سرقة غلام الحضرمي الذي سرق مرآة امرأته أرسله فلا قطع عليه خادمكم أخد متاعكم ولأن يد عبده كيده فكانت سرقته من ماله كسرقته» اهـ. وَقَالَ الْعَلَّامَةُ ابْنُ أَبِي الْخَيْرِ الْشَّافِعِيِّ ﵀ فِي [الْبَيَانِ] (١٢/ ٤٧٥ - ٤٧٧): «وإن سرق أحد الزوجين من مال الآخر نصاباً نظرت: فإن سرق من مال غير محرز عليه لم يجب عليه القطع، وإن سرق من مال محرز عنه فقد قال الشافعيُّ، - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - في موضع: لا يجب عليهما القطع. وقال: في موضع آخر: يجب عليهما القطع. واختلف أصحابنا في ترتيب المذهب فيها: فقال الشيخُ أبُو حامد: فيها طريقان: أحدهما: أنَّهما على حالين: فالموضع الذي قال: لا يجب عليهما القطع. أراد: إذا كان مال كل واحد منهما مختلطاً بمال الآخر؛ لأنَّه غير محرز عنه.

стр. 6840

والموضع الذي قال: يجب عليهما القطع. أراد: إذا كان مال واحد منهما منفرداً عن مال الآخر محرزاً عنه. والطريق الثاني: إذا كان مال أحدهما مختلطاً بمال الآخر فلا يجب على أحدهما القطع بسرقة مال الآخر قولاً واحداً؛ لأنه غير محرز عنه. وإن كان مال أحدهما منفرداً عن مال الآخر محرزاً عنه ففيه قولان - قال: وهو الأصح -: أحدهما: لا يجب عليه القطع - وهو قول أبي حَنِيفَة - لأنَّ ما لم يقطع عبده بسرقة ماله لم يقطع سيده بسرقته. وقد رُوِيَ عن عمر: أنه قال: في غلام الحضرمي الذي سرق مرآة امرأته: أرسله: فلا قطع عليه، خادمكم أخذ متاعكم. ولأنَّ كل واحد من الزوجين له شبهة في مال الآخر؛ أمَّا الزوجة: فلاستحقاقها النفقة في مال الزوج، وأمَّا الزوج: فلأنَّه يملك الحجر عليها ومنعها من التصرف في مالها- على قول بعض الفقهاء - ولأنَّ العادة أنَّ كل واحد من الزوجين لا يحرز ماله عن الآخر، وإن فعل ذلك كان نادراً، فألحق النادر بالغالب. والثاني: يجب عليهما القطع، وهو الصحيح؛ لعموم الآية والخبر؛ ولأنَّ الزوجية عقد تستباح به المنفعة، فلم تؤثر في إسقاط القطع، كالإجارة وما رُوِيَ عن عمر ﵁ فيحمل على: أنه سرق من موضع ليس بمحرز عنه.

стр. 6841

وذكر القاضي أبُو الطيب والشيخ أبُو إسحاق: إذا سرق أحد الزوجين من مال الآخر ما هو محرز عنه ففيه ثلاثة أوجه: أحدها: يجب عليه القطع. والثاني: لا يجب عليهما القطع؛ لما ذكرناه. والثالث: يجب القطع على الزوج بسرقة مال الزوجة؛ لأنَّه لا يستحق حقا في مالها. ولا يجب القطع على الزوجة بسرقة مال الزوج؛ لأنَّ الزوجة تستحق حقاً في ماله. فإذا قلنا: لا يقطع أحدهما بسرقة مال الآخر .. لم يقطع عبد أحدهما بسرقة مال الآخر؛ لما رَوَيْنَاهُ من حديث عمر ﵁، وأرضاه. وإذا قلنا: يقطع أحدهما بسرقة مال الآخر قطع عبد أحدهما بسرقة مال الآخر» اهـ. قَالَ الْحَافِظُ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِ ﵀ فِي [الْكَافِي] (٢/ ١٠٨٠): «أو عبد الرجل إذا سرق من مال سيده أو من مال ابن سيده أو زوجته أو أهله الذين معه إلَّا أن يكون للرجل شيء يستتر به عن زوجته ويضرب عليه قفله دونها أو تفعل ذلك هي بشيء من مالها عنه فيفتح أحدهما غلق ذلك سرقة ويأخذ منه ما يجب فيه القطع فإنَّه يقطع عند مالك، وما قطع فيه الزوج من مال امرأته أو المرأة من مال زوجها قطع فيه عبد كل واحد منهما من صاحبه وما كان على غير هذا مما

стр. 6842

يكون معهم في الدار فلا قطع فيه على عبد سرق من مال زوجة سيده كما لا يقطع فيه سيده» اهـ. قُلْتُ: الأظهر عدم القطع مطلقاً كالعبد إذا سرق من مال سيده وحمل ذلك على السرقة من غير حرز لا يستقيم لأنَّه لا فرق في ذلك في ذلك بين العبد والغريب، ولأنَّ الصحابة لم يستفصلوا عن ذلك، ولأنَّ الزوجين يتوسعان وينبسطان في ماليهما. السابع: أن يأتي مالك المسروق ويدعيه، وذلك لاحتمال أن يكون وهبه إياه أو باعه له. قَالَ الْعَلَّامَةُ ابْنُ قُدَامَةَ ﵀ فِي [الْمُغْنِي] (٢٠/ ٢٨٥): «وبهذا قال أبو حنيفة، والشافعي، وقال أبو بكر: يقطع، ولا يفتقر إلى دعوى ولا مطالبة. وهذا قول مالك، وأبي ثور، وابن المنذر؛ لعموم الآية؛ ولأنَّ موجب القطع ثبت، فوجب من غير مطالبة، كحد الزنا. ولنا أنَّ المال يباح بالبذل والإباحة، فيحتمل أن مالكه أباحه إياه، أو وقفه على المسلمين، أو على طائفة السارق منهم، أو أذن له في دخول حرزه، فاعتبرت المطالبة لتزول هذه الشبهة» اهـ.

стр. 6843

وَقَالَ شَيْخُ الْإِسْلَامِ ابْنُ تَيْمِيَّةَ ﵀ كَمَا فِي [الْاخْتِيَارِاتِ الْفِقْهِيَةِ] (ص: ٥٩٨): «ولا يشترط في القطع بالسرقة مطالبة المسروق منه بماله وهو رواية عن أحمد اختارها أبو بكر ومذهب مالك» اهـ. وَقَالَ الْعَلَّامَةُ ابْنُ الْقَيِّمِ ﵀ فِي [زَادِ الْمَعَادِ] (٥/ ٥٠): «الْحَادِي عَشَرَ: أَنَّ الْمُطَالَبَةَ فِي الْمَسْرُوقِ شَرْطٌ فِي الْقَطْعِ، فَلَوْ وَهَبَهُ إِيَّاهُ، أَوْ بَاعَهُ قَبْلَ رَفْعِهِ إِلَى الْإِمَامِ، سَقَطَ عَنْهُ الْقَطْعُ، كَمَا صَرَّحَ بِهِ النَّبِيُّ ﷺ وَقَالَ: "هَلَّا كَانَ قَبْلَ أَنْ تَأْتِيَنِي بِهِ"» اهـ. هذا الحديث رواه أحمد (١٥٣٠٣، ٢٧٦٣٧) حَدَّثَنَا رَوْحٌ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ أَبِي حَفْصَةَ، حَدَّثَنَا الزُّهْرِيُّ، عَنْ صَفْوَانَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ صَفْوَانَ، عَنْ أَبِيهِ: أَنَّ صَفْوَانَ بْنَ أُمَيَّةَ بْنِ خَلَفٍ، قِيلَ لَهُ: هَلَكَ مَنْ لَمْ يُهَاجِرْ، قَالَ: فَقُلْتُ: لَا أَصِلُ إِلَى أَهْلِي حَتَّى آتِيَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ ، فَرَكِبْتُ رَاحِلَتِي، فَأَتَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، زَعَمُوا أَنَّهُ هَلَكَ مَنْ لَمْ يُهَاجِرْ، قَالَ: «كَلَّا أَبَا وَهْبٍ، فَارْجِعْ إِلَى أَبَاطِحِ مَكَّةَ» قَالَ: فَبَيْنَمَا أَنَا رَاقِدٌ إِذْ جَاءَ السَّارِقُ، فَأَخَذَ ثَوْبِي مِنْ تَحْتِ رَأْسِي، فَأَدْرَكْتُهُ، فَأَتَيْتُ بِهِ النَّبِيَّ ﷺ فَقُلْتُ: إِنَّ هَذَا سَرَقَ

стр. 6844

ثَوْبِي، فَأَمَرَ بِهِ ﷺ أَنْ يُقْطَعَ، قَالَ: قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ لَيْسَ هَذَا أَرَدْتُ هُوَ عَلَيْهِ صَدَقَةٌ، قَالَ: «فَهَلَّا قَبْلَ أَنْ تَأْتِيَنِي بِهِ». ورواه ابن ماجة (٢٥٩٥) حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ قَالَ: حَدَّثَنَا شَبَابَةُ، عَنْ مَالِكِ بْنِ أَنَسٍ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ صَفْوَانَ، عَنْ أَبِيهِ، أَنَّهُ نَامَ فِي الْمَسْجِدِ وَتَوَسَّدَ رِدَاءَهُ، فَأُخِذَ مِنْ تَحْتِ رَأْسِهِ، فَجَاءَ بِسَارِقِهِ إِلَى النَّبِيِّ ﷺ ، فَأَمَرَ بِهِ النَّبِيُّ ﷺ أَنْ يُقْطَعَ، فَقَالَ صَفْوَانُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ لَمْ أُرِدْ هَذَا، رِدَائِي عَلَيْهِ صَدَقَةٌ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «فَهَلَّا قَبْلَ أَنْ تَأْتِيَنِي بِهِ». ورواه أحمد (١٥٣٠٥، ٢٧٦٣٩)، ومن طريقه النسائي (٤٨٧٩) حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ، حَدَّثَنَا سَعِيدٌ يَعْنِي ابْنَ أَبِي عَرُوبَةَ، عَنْ قَتَادَةَ، عَنْ عَطَاءٍ، عَنْ طَارِقِ بْنِ مُرَقَّعٍ، عَنْ صَفْوَانَ بْنِ أُمَيَّةَ: أَنَّ رَجُلًا سَرَقَ بُرْدَةً فَرَفَعَهُ إِلَى النَّبِيِّ ﷺ فَأَمَرَ بِقَطْعِهِ، فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ قَدْ تَجَاوَزْتُ عَنْهُ، قَالَ: «فَلَوْلَا كَانَ هَذَا قَبْلَ أَنْ تَأْتِيَنِي بِهِ يَا أَبَا وَهْبٍ» فَقَطَعَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ . ورواه أحمد (١٥٣٠٦، ٢٧٦٤٠) حَدَّثَنَا عَفَّانُ، حَدَّثَنَا وُهَيْبٌ، حَدَّثَنَا ابْنُ طَاوُسٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ صَفْوَانَ بْنِ أُمَيَّةَ، أَنَّهُ قِيلَ لَهُ: لَا يَدْخُلُ الْجَنَّةَ إِلَّا مَنْ هَاجَرَ، قَالَ:

стр. 6845

فَقُلْتُ: لَا أَدْخُلُ مَنْزِلِي، حَتَّى آتِيَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ فَأَسْأَلَهُ، فَأَتَيْتُ النَّبِيَّ ﷺ فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، إِنَّ هَذَا سَرَقَ خَمِيصَةً لِي لِرَجُلٍ مَعَهُ فَأَمَرَ بِقَطْعِهِ، فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، فَإِنِّي قَدْ وَهَبْتُهَا لَهُ، قَالَ: «فَهَلَّا قَبْلَ أَنْ تَأْتِيَنِي بِهِ». ورواه النسائي (٤٨٨٤) أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ الرَّحِيمِ، قَالَ: حَدَّثَنَا أَسَدُ بْنُ مُوسَى، قَالَ: حَدَّثَنَا وَذَكَرَ حَمَّادُ بْنُ سَلَمَةَ، عَنْ عَمْرِو بْنِ دِينَارٍ، عَنْ طَاوُسٍ، عَنْ صَفْوَانَ بْنِ أُمَيَّةَ، أَنَّهُ سُرِقَتْ خَمِيصَتُهُ مِنْ تَحْتِ رَأْسِهِ، وَهُوَ نَائِمٌ فِي مَسْجِدِ النَّبِيِّ ﷺ ، فَأَخَذَ اللِّصَّ، فَجَاءَ بِهِ إِلَى النَّبِيِّ ﷺ ، فَأَمَرَ بِقَطْعِهِ، فَقَالَ صَفْوَانُ: أَتَقْطَعُهُ؟ قَالَ: «فَهَلَّا قَبْلَ أَنْ تَأْتِيَنِي بِهِ تَرَكْتَهُ». ورواه أحمد (١٥٣١٠، ٢٧٦٤٤)، وأبو داود (٤٣٩٤)، والنسائي (٤٨٨٣) من طريق سِمَاكٍ، عَنْ حُمَيْدِ ابْنِ أُخْتِ صَفْوَانَ بْنِ أُمَيَّةَ، عَنْ صَفْوَانَ بْنِ أُمَيَّةَ، قَالَ: كُنْتُ نَائِمًا فِي الْمَسْجِدِ عَلَى خَمِيصَةٍ لِي، فَسُرِقَتْ فَأَخَذْنَا السَّارِقَ، فَرَفَعْنَاهُ إِلَى النَّبِيِّ ﷺ فَأَمَرَ بِقَطْعِهِ، فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، أَفِي خَمِيصَةٍ ثَمَنُ ثَلَاثِينَ دِرْهَمًا أَنَا أَهَبُهَا لَهُ، أَوْ أَبِيعُهَا لَهُ، قَالَ: «فَهَلَّا كَانَ قَبْلَ أَنْ تَأْتِيَنِي بِهِ». قُلْتُ: هَذَا حَدِيْثٌ ثَابِتٌ. * * *

стр. 6846

٣٤٧ - عَنْ عَائِشَةَ ﵂، أَنَّهَا سَمِعَتْ رَسُولَ اللهِ ﷺ يَقُولُ: «تُقْطَعُ اليَدُ فِي رُبُعِ دِينَارٍ فَصَاعِدًا». وَفِي الْحَدِيْثِ مَسَائِلُ مِنْهَا: ١ - ثبوت القطع في السرقة. ٢ - أنَّ نصاب القطع ربع دينار. قُلْتُ: وهذا محمول على الذهب الخالص. قَالَ الْعَلَّامَةُ ابْنُ قُدَامَةَ ﵀ فِي [الْمُغْنِي] (٢٠/ ١٩٢ - ١٩٣): «فصل: وإذا سرق ربع دينار من المضروب الخالص، ففيه القطع. وإن كان فيه غش أو تبر يحتاج إلى تصفية، لم يجب القطع حتى يبلغ ما فيه من الذهب ربع دينار؛ لأنَّ السبك ينقصه. وإن سرق ربع دينار قراضة، أو تبراً خالصاً، أو حلياً، ففيه القطع. نص عليه أحمد، في رواية الجوزجاني، قال قلت له: كيف يسرق ربع دينار؟ فقال: قطعة ذهب، أو خاتماً، أو حلياً.

стр. 6847

وهذا قول أكثر أصحاب الشافعي. وذكر القاضي في وجوب القطع احتمالين: أحدهما: لا قطع عليه. وهو قول بعض أصحاب الشافعي؛ لأنَّ الدينار اسم للمضروب. ولنا أنَّ ذلك ربع دينار؛ لأنَّه يقال: دينار قراضة، ومكسر، أو دينار خالص. ولأنَّه لا يمكنه سرقة ربع دينار مفرد في الغالب إلَّا مكسوراً. وقد أوجب عليه القطع بذلك؛ ولأنَّه حق الله تعالى تعلق بالمضروب، فتعلق بما ليس بمضروب، كالزكاة، والخلاف فيما إذا سرق من المكسور والتبر ما لا يساوي ربع دينار صحيح، فإن بلغ ذلك ففيه القطع. والدينار هو المثقال من مثاقيل الناس اليوم، وهو الذي كل سبعة منها عشرة دراهم، وهو الذي كان على عهد رسول الله ﷺ وقبله ولم يتغير، وإنَّما كانت الدراهم مختلفة، فجمعت وجعلت كل عشرة منها سبعة مثاقيل، فهي التي يتعلق القطع بثلاثة منها، إذا كانت خالصة، مضروبة كانت أو غير مضروبة، على ما ذكرناه في الذهب.

стр. 6848

وعند أبي حنيفة أنَّ النصاب إنَّما يتعلق بالمضروب منها، وقد ذكر ما دل عليه، ويحتمل ما قاله في الدراهم؛ لأنَّ إطلاقها يتناول الصحاح المضروبة، بخلاف ربع الدينار، على أننا قد ذكرنا فيها احتمالاً متقدماً، فهاهنا أولى. وما قوم من غيرهما بهما، فلا قطع فيه، حتى يبلغ ثلاثة دراهم صحاحاً؛ لأنَّ إطلاقها ينصرف إلى المضروب دون المكسر» اهـ. قُلْتُ: الذي يظهر لي أنَّ الذهب إذا كان خالصاً تبراً، أو قراضة - وهو ما يقرض من الدينار بالمقراض - فبلغ بوزنه ربع دينار ففيه القطع، وإن لم تبلغ قيمته ربع دينار من الذهب المضروب، فإنَّ ربع الشيء إذا أطلق إنَّما يتناول وزنه في الأشياء الموزونة دون قيمته، ولأنَّه لا يمكن أن يسرق ربع دينار إلَّا مكسراً، وذلك أنَّه لم يعهد ربع دينار مضروب في عصر النبوة، نعم إذا سرق غير الذهب فينظر حينئذ إلى بلوغ المسروق قيمة ربع دينار من الذهب الخالص المضروب، ولا ينظر إلى قيمته من غير المضروب، وذلك لأنَّ الدينار في الأصل هو المضروب، وإنَّما لم نعتبر ذلك في سرقة الذهب للعلة السابقة، وهي منتفية في القيمة. والله أعلم. والدينار بالأوزان الحديثة أربعة جرامات وربع الجرام، وبناء على ذلك فإنَّ ربع الدينار جرام ونصف ثمن الجرام.

стр. 6849

٣ - الأصل إذا أطلقت اليد فالمراد بها الكف من الكوع، ويدل على ذلك ما رواه ابن أبي شيبة في [مُصَنَّفِهِ] (٢٩١٩٢) قَالَ: حَدَّثَنَا وَكِيعٌ، عَنْ مَسَرَّةَ بْنِ مَعْبَدٍ اللَّخْمِيِّ، قَالَ: سَمِعْتُ عَدِيَّ بْنِ عَدِيٍّ، يُحَدِّثُ عَنْ رَجَاءِ بْنِ حَيْوَةَ: «أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَطَعَ رَجُلًا مِنَ الْمَفْصِلِ». قُلْتُ: إِسْنَادُهُ حَسَنٌ لَكِنَّهُ مُرْسَلٌ. وجاء موصولاً عند البيهقي في [الْكُبْرَى] (١٧٠٢٥ أَخْبَرَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ الْحَارِثِ الْأَصْبَهَانِيُّ، أنبأ أَبُو مُحَمَّدِ بْنُ حَيَّانَ، ثنا ابْنُ صَاعِدٍ، ثنا أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ أَبِي رَجَاءٍ، ثنا وَكِيعٌ، ثنا مَسَرَّةُ بْنُ مَعْبَدٍ، قَالَ: سَمِعْتُ إِسْمَاعِيلَ بْنَ عُبَيْدِ اللهِ بْنِ أَبِي الْمُهَاجِرِ يُحَدِّثُ، عَنْ رَجَاءِ بْنِ حَيْوَةَ، عَنْ عَدِيٍّ: «أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَطَعَ يَدَ سَارِقٍ مِنَ الْمَفْصِلِ». قُلْتُ: لكن الذي يظهر لي أنَّ رواية ابن أبي شيبة المرسلة أصح من رواية أحمد بن محمد بن أبي رجاء. وقال البيهقي (١٧٠٢٦) - بعد روايته لما سبق -: قَالَ: وَحَدَّثَنَا وَكِيعٌ، ثنا سُفْيَانُ، عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ، عَنْ أَبِي الزُّبَيْرِ، عَنْ جَابِرٍ، مِثْلَهُ اهـ. قُلْتُ: فيه عنعنة ابن جريج وأبي الزبير.

стр. 6850

ويشهد له ما رواه ابن عدي في [الْكَامِلِ] (٣/ ٣٨)، ومن طريقه البيهقي في [الْكُبْرَى] (١٧٠٢٧) حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ عِيسَى الْوَشَّاءُ الصُّوفيّ بتنيس، قَال: حَدَّثَنا عَبد الرَّحْمَنِ بْن سالم البصري، حَدَّثَنا خَالِدُ بْنُ عَبد الرَّحْمَنِ الْمَرْوَزِيُّ الخراساني، حَدَّثَنا مَالِكُ بْنُ مِغْوَلٍ عَنْ لَيْثٍ عَنْ مُجَاهِدٍ عَنْ عَبد اللَّهِ بْنِ عَمْرو قَالَ: «قَطَعَ النَّبِيُّ ﷺ سَارِقًا مِنَ الْمِفْصَلِ». قُلْتُ: وفي إسناده ليث وهو ابن أبي سليم مختلط، وعبد الرحمن بن سالم لم أعرفه. فخلاصة القول: أنَّ الحديث حسن بهذه الشواهد. ٤ - ليس في الحديث تعيين لليد التي تقطع أولاً، وقد جاءت قراءة شاذه عن ابن مسعود: «فَاقْطَعُوا أَيْمَانَهُمَا». قُلْتُ: وقد روى ذلك الطبري في [تَفْسِيْرِهِ] (١١٩٦٤) من رواية إبراهيم النخعي عن ابن مسعود، وَإِسْنَادُهُ صَحِيْحٌ إلى النخعي ثم هو منقطع، ومراسيل النخعي عن ابن مسعود جيدة. وجاء من طريق مجاهد عن ابن مسعود عند البيهقي في [الْكُبْرَى] (١٧٧٠٨)، وفيه انقطاع بين مجاهد وابن مسعود، وفي السند إليه مسلم بن خالد الزنجي وهو ضعيف الحديث، فالذي يظهر لي هو صحة هذه القراءة إلى ابن مسعود لكنها من

стр. 6851

القراءات الشاذة، والقراءة الشاذة تنزل منزلة الخبر عن النبي ﷺ . وقد قرر جماعة من العلماء أنَّ القراءة الشاذة تعد منسوخة بالعرضة الآخرة لكن لا يمنع ذلك من الاحتجاج بها إذا صح سندها، فإنَّها وإن لم تثبت أنَّها من القرآن الذي بقى رسمه فإنَّها من القران الذي بقي حكمه. وَقَالَ شَيْخُ الْإِسْلَامِ ابْنُ تَيْمِيَّةَ ﵀ كَمَا فِي [مَجْمُوْعِ الْفَتَاوَى] (٣٤/ ٤٣): «بل ذكر ابن عبد البر إجماع العلماء على أنَّ القراءة الشاذة إذا صح النقل بها عن الصحابة فإنَّه يجوز الاستدلال بها في الأحكام» اهـ. وفي الباب ما رواه البغوي في [مُعْجَمِ الصَّحَابَةِ] (٤٦٨)، ومن طريقه أبو نعيم في [مَعْرِفَةِ الْصَّحَابَةِ] (١٩٦٢) ثنا هَارُونُ بْنُ عَبْدِ اللهِ، ثنا حَمَّادُ بْنُ مَسْعَدَةَ، عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ، عَنْ عَبْدِ الْكَرِيمِ أَبِي أُمَيَّةَ، عَنِ الْحَارِثِ بْنِ عَبْدِ اللهِ بْنِ أَبِي رَبِيعَةَ: أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ أُتِيَ بِسَارِقٍ، فَقِيلَ لِرَسُولِ اللهِ ﷺ : إِنَّهُ لِنَاسٍ مِنَ الْأَنْصَارِ مَا لَهُمْ مَالٌ غَيْرُهُ، فَتَرَكَهُ، ثُمَّ أُتِيَ بِهِ الثَّانِيَةَ، فَتَرَكَهُ، ثُمَّ أُتِيَ بِهِ الثَّالِثَةَ فَتَرَكَهُ، ثُمَّ أُتِيَ بِهِ الرَّابِعَةَ فَتَرَكَهُ، ثُمَّ أُتِيَ بِهِ الْخَامِسَةَ، فَقَطَعَ يَمِينَهُ، ثُمَّ أُتِيَ بِهِ

стр. 6852

السَّادِسَةَ فَقَطَعَ رِجْلَهُ، ثُمَّ أُتِيَ بِهِ السَّابِعَةَ فَقَطَعَ يَدَهُ، ثُمَّ أُتِيَ بِهِ الثَّامِنَةَ فَقَطَعَ رِجْلَهُ، ثُمَّ قَالَ: «أَرْبَعٌ بِأَرْبَعٍ». قُلْتُ: هَذَا حَدِيْثٌ شَدِيْدُ الضَّعْفِ في إسناده عبد الكريم بن أبي أمية وهو ابن أبي المخارق متروك الحديث، والحارث لم يوثقه معتبر وقد أرسل الحديث. وجاءت أثار عن الصحابة بقطع اليمين منها: ما رواه ابن أبي شيبة في [مُصَنَّفِهِ] (٢٨٨٥٦) من طريق عَمْرِو بْنِ مُرَّةَ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ سَلَمَةَ: أَنَّ عَلِيًّا أُتِيَ بِسَارِقٍ فَقَطَعَ يَدَهُ الْيُمْنَى، ثُمَّ أُتِيَ بِهِ فَقَطَعَ رِجْلَهُ الْيُسْرَى، ثُمَّ أُتِيَ بِهِ الثَّالِثَةَ، قَالَ: «إِنِّي أَسْتَحْيِي أَنْ أَقْطَعَ يَدَهُ يَأْكُلُ بِهَا وَيَسْتَنْجِي بِهَا» وَفِي حَدِيثِ بَعْضِهِمْ: ضَرَبَهُ وَحَبَسَهُ. قُلْتُ: إِسْنَادُهُ حَسَنٌ. ومن لا يمنى له قطعت رجله اليسرى، وإذا كانت شلاء فالذي يظهر لي هو قطعها ما لم يكن من ذلك ضرر بالغ عليه، وهكذا إن كانت اليمنى قد قطع شيء منها بحيث لم يذهب نفعها بالكلية فيقطع ما بقي منها في السرقة. قَالَ الْعَلَّامَةُ ابْنُ قُدَامَةَ ﵀ فِي [الْمُغْنِي] (٢٠/ ٢٣٦): «فصل: ومن سرق ولا يمنى له، قطعت رجله اليسرى، كما يقطع في السرقة الثانية، وإن كانت يمناه

стр. 6853

شلاء، ففيها روايتان؛ إحداهما: تقطع رجله اليسرى؛ لأنَّ الشلاء لا نفع فيها ولا جمال، فأشبهت كفاً لا أصابع عليه. قال إبراهيم الحربي، عن أحمد، فيمن سرق ويمناه جافة: تقطع رجله. والرواية الثانية: أنَّه يسأل أهل الخبرة، فإن قالوا: إنَّها إذا قطعت رقأ دمها، وانحسمت عروقها قطعت؛ لأنَّه أمكن قطع يمينه فوجب، كما لو كانت صحيحة. وإن قالوا: لا يرقأ دمها لم تقطع؛ لأنَّه يخاف تلفه، وقطعت رجله. وهذا مذهب الشافعي. وإن كانت أصابع اليمنى كلها ذاهبة ففيها وجهان؛ أحدهما: لا تقطع وتقطع الرجل؛ لأنَّ الكف لا تجب فيه دية اليد، فأشبه الذراع. والثاني: تقطع؛ لأنَّ الراحة بعض ما يقطع في السرقة، فإذا كان موجوداً قطع، كما لو ذهب الخنصر أو البنصر. وإن ذهب بعض الأصابع، نظرنا؛ فإن ذهب الخنصر والبنصر، أو ذهبت واحدة سواهما، قطعت؛ لأنَّ معظم نفعها باق، وإن لم يبق إلَّا واحدة، فهي كالتي ذهب

стр. 6854

جميع أصابعها، وإن بقي اثنتان، فهل تلحق بالصحيحة، أو بما قطع جميع أصابعها؟ على وجهين. والأولى قطعها؛ لأنَّ نفعها لم يذهب بالكلية» اهـ. قُلْتُ: وإذا قطع الجذاذ يسرى السارق خطأ أو عمداً، فيكفى بها في الحد، ولا تقطع يمناه مع ذلك حتى لا تفوت عليه منفعة الجنس، وأمَّا القاطع لليسرى إن كان متعمداً فيؤدب على ذلك، ولا قصاص عليه ولا دية. قَالَ الْعَلَّامَةُ ابْنُ قُدَامَةَ ﵀ فِي [الْمُغْنِي] (٢٠/ ٢٣٨): «فصل: وإن سرق فقطع الجذاذ يساره بدلاً عن يمينه، أجزأت، ولا شيء على القاطع إلَّا الأدب. وبهذا قال قتادة، والشعبي، وأصحاب الرأي. وذلك لأنَّ قطع يمنى السارق يفضي إلى تفويت منفعة الجنس، وقطع يديه بسرقة واحدة، فلا يشرع، وإذا انتفى قطع يمينه، حصل قطع يساره مجزئاً عن القطع الواجب، فلا يجب على فاعله قصاص. وقال أصحابنا: في وجوب قطع يمين السارق وجهان. وللشافعي فيما إذا لم يعلم القاطع كونها يساراً، أو ظن أن قطعها يجزئ قولان؛ أحدهما: لا تقطع يمين السارق، كي لا تقطع يداه بسرقة واحدة.

стр. 6855

والثاني: تقطع، كما لو قطعت يسراه قصاصاً. فأمَّا القاطع: فاتفق أصحابنا والشافعي على أنَّه إن قطعها عن غير اختيار من السارق، أو كان السارق أخرجها دهشة أو ظناً منه أنَّها تجزئ، وقطعها القاطع عالماً بأنَّها يسراه، وأنَّها لا تجزئ، فعليه القصاص، وإن لم يعلم أنَّها يسراه، أو ظن أنَّها مجزئة، فعليه ديتها. وإن كان السارق أخرجها مختاراً عالماً بالأمرين، فلا شيء على القاطع؛ لأنَّه أذن في قطعها، فأشبه غير السارق. والمختار عندنا ما ذكرناه - والله أعلم -» اهـ. وهل تقطع اليمنى إذا كانت يسراه مقطوعة قبل ذلك أو كانت مشلولة، في ذلك نزاع بين العلماء. قَالَ الْعَلَّامَةُ ابْنُ قُدَامَةَ ﵀ فِي [الْمُغْنِي] (٢٠/ ٢٤٢ - ٢٤٣): «فصل: وإن سرق من يده اليسرى مقطوعة، أو شلاء، أو مقطوعة الأصابع، أو كانت يداه صحيحتين فقطعت اليسرى، أو شلت قبل قطع يمناه، لم تقطع يمناه، على الرواية الأولى، وتقطع على الثانية. وإن قطع يسراه قاطع متعمداً، فعليه القصاص؛ لأنَّه قطع طرفاً معصوماً.

стр. 6856

وإن قطعه غير متعمد، فعليه ديته، ولا تقطع يمين السارق. وبه قال أبو ثور، وأصحاب الرأي. وفي قطع رجل السارق وجهان؛ أصحهما: لا يجب؛ لأنَّه لم يجب بالسرقة، وسقوط القطع عن يمينه لا يقتضي قطع رجله، كما لو كان المقطوع يمينه. والثاني: تقطع رجله؛ لأنَّه تعذر قطع يمينه، فقطعت رجله، كما لو كانت اليسرى مقطوعة حال السرقة. وإن كانت يمناه صحيحة، ويسراه ناقصة نقصاً يذهب بمعظم نفعها، مثل أن يذهب منها الإبهام أو الوسطى أو السبابة، احتمل أن يكون كقطعها، وينتقل إلى رجله. وهذا قول أصحاب الرأي. واحتمل أن تقطع يمناه؛ لأنَّ له يداً ينتفع بها، أشبه ما لو قطعت خنصرها. وإن كانت يداه صحيحتين، ورجله اليمنى شلاء أو مقطوعة، فلا أعلم فيها قولاً لأصحابنا، ويحتمل وجهين؛ أحدهما: تقطع يمينه. وهو مذهب الشافعي؛ لأنَّه سارق له يمنى، فقطعت عملاً بالكتاب والسنة؛ ولأنَّه سارق له يدان، فتقطع يمناه كما لو كانت المقطوعة رجله اليسرى.

стр. 6857

والثاني: لا يقطع منه شيء. وهو قول أصحاب الرأي؛ لأنَّ قطع يمناه يذهب بمنفعة المشي من الرجلين. فأمَّا إن كانت رجله اليسرى شلاء، ويداه صحيحتان، قطعت يده اليمنى؛ لأنَّه لا يخشى تعدي ضرر القطع إلى غير المقطوع، وعلى قياس هذه المسألة: لو سرق ويده اليسرى مقطوعة، أو شلاء لم يقطع منه شيء؛ لذلك. وأنكر هذا ابن المنذر وقال أصحاب الرأي: بقولهم هذا خالفوا كتاب الله بغير حجة» اهـ. قُلْتُ: القول بعدم القطع في هذه المسائل مما له حظ من النظر باعتبار تعدي الضرر، وما زاد على القطع من الضرر مما لا يستحقه السارق، فإذا كان القطع لا يتم إلَّا بحصول ضرر لا يستحقه السارق فالأصل درء المفاسد، ويكتفى بحبسه وتأديبه، ومثل ذلك إذا كان القطع يؤدي إلى إتلافه لضعفه، فإنَّه لا يقطع درءاً لهذه المفسدة. ويتقوى قول من يرى القطع بعموم أدلة الكتاب والسنة. والله أعلم. ٥ - في قطع اليد اليسرى بعد القدم اليسرى نزاع بين العلماء، وقد جاء في ذلك ما رواه الدارقطني (٣٣٩٢) ثنا مُحَمَّدُ بْنُ الْحَسَنِ الْمُقْرِئُ، نا أَحْمَدُ بْنُ الْعَبَّاسِ، نا

стр. 6858

إِسْمَاعِيلُ بْنُ سَعِيدٍ، أنا الْوَاقِدِيُّ، عَنِ ابْنِ أَبِي ذِئْبٍ، عَنْ خَالِدِ بْنِ سَلَمَةَ، أُرَاهُ عَنْ أَبِي سَلَمَةَ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ ، قَالَ: «إِذَا سَرَقَ السَّارِقُ فَاقْطَعُوا يَدَهُ، وَإِنْ عَادَ فَاقْطَعُوا رِجْلَهُ، فَإِنْ عَادَ فَاقْطَعُوا يَدَهُ، فَإِنْ عَادَ فَاقْطَعُوا رِجْلَهُ». كَذَا قَالَ خَالِدُ بْنُ سَلَمَةَ، وَقَالَ غَيْرُهُ: عَنْ خَالِهِ الْحَارِثِ، عَنْ أَبِي سَلَمَةَ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ اهـ. قُلْتُ: في إسناده الواقدي وهو متروك الحديث. وروى عبد الرزاق في [مُصَنَّفِهِ] (١٨٧٧٣)، وابن أبي شيبة في [مُصَنَّفِهِ] (٢٨٨٥٥)، والبيهقي في [الْكُبْرَى] (١٧٠٣٩) عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ، قَالَ: أَخْبَرَنِي عَبْدُ رَبِّهِ بْنُ أَبِي أُمَيَّةَ: أَنَّ الْحَارِثَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي رَبِيعَةَ حَدَّثَهُ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ «أُتِيَ بِعَبْدٍ سَرَقَ، فَأُتِيَ بِهِ أَرْبَعَ مَرَّاتٍ، فَتَرَكَهُ، ثُمَّ أُتِيَ بِهِ الْخَامِسَةَ، فَقَطَعَ يَدَهُ، ثُمَّ السَّادِسَةَ، فَقَطَعَ رِجْلَهُ، ثُمَّ السَّابِعَةَ، فَقَطَعَ يَدَهُ، ثُمَّ الثَّامِنَةَ، فَقَطَعَ رِجْلَهُ». قُلْتُ: هَذَا حَدِيْثٌ ضَعِيْفٌ عبد ربه بن أبي أمية مجهول جهالة عين، والحارث لم يوثقه معتبر وقد أرسل الحديث. لكن روى البيهقي في [الْكُبْرَى] (١٧٠٤٢) أَخْبَرَنَا أَبُو حَازِمٍ الْحَافِظُ، وَأَبُو نَصْرِ بْنُ قَتَادَةَ الْأَنْصَارِيُّ، قَالَا: ثنا أَبُو الْفَضْلِ بْنُ خَمِيرَوَيْهِ، أنبأ أَحْمَدُ بْنُ خَمِيرَوَيْهِ، أنبأ

стр. 6859

أَحْمَدُ بْنُ نَجْدَةَ، ثنا سَعِيدُ بْنُ مَنْصُورٍ، ثنا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ أَبِي الزِّنَادِ، عَنْ مُوسَى بْنِ عُقْبَةَ، عَنْ نَافِعٍ، عَنْ صَفِيَّةَ بِنْتِ أَبِي عُبَيْدٍ: «أَنَّ رَجُلًا سَرَقَ عَلَى عَهْدِ أَبِي بَكْرٍ ﵁ مَقْطُوعَةٌ يَدُهُ وَرِجْلُهُ، فَأَرَادَ أَبُو بَكْرٍ ﵁ يَقْطَعُ رِجْلَهُ وَيَدَعُ يَدَهُ يَسْتَطْيبُ بِهَا وَيَتَطَهَّرُ بِهَا وَيَنْتَفِعُ بِهَا، فَقَالَ عُمَرُ: "لَا وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لَتَقْطَعَنَّ يَدَهُ الْأُخْرَى"، فَأَمَرَ بِهِ أَبُو بَكْرٍ ﵁ فَقُطِعَتْ يَدُهُ». قُلْتُ: هَذَا إِسْنَادٌ حَسَنٌ. لكن إن كان هذا السارق هو الأقطع فالصحيح أنَّه كان أقطع اليد فقط، فقطع الصديق ﵁ رجله، كما سيأتي بيان ذلك. وروى مالك في [الْمُوَطَّأِ] (١٥٢٦) عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ الْقَاسِمِ، عَنْ أَبِيهِ، أَنَّ رَجُلًا مِنْ أَهْلِ الْيَمَنِ أَقْطَعَ الْيَدِ وَالرِّجْلِ قَدِمَ فَنَزَلَ عَلَى أَبِي بَكْرٍ الصِّدِّيقِ فَشَكَا إِلَيْهِ أَنَّ عَامِلَ الْيَمَنِ قَدْ ظَلَمَهُ. فَكَانَ يُصَلِّي مِنَ اللَّيْلِ فَيَقُولُ أَبُو بَكْرٍ: «وَأَبِيكَ مَا لَيْلُكَ بِلَيْلِ سَارِقٍ». ثُمَّ إِنَّهُمْ فَقَدُوا عِقْدًا لِأَسْمَاءَ بِنْتِ عُمَيْسٍ امْرَأَةِ أَبِي بَكْرٍ الصِّدِّيقِ فَجَعَلَ الرَّجُلُ يَطُوفُ مَعَهُمْ. وَيَقُولُ: «اللَّهُمَّ عَلَيْكَ بِمَنْ بَيَّتَ أَهْلَ هَذَا الْبَيْتِ الصَّالِحِ. فَوَجَدُوا الْحُلِيَّ عِنْدَ صَائِغٍ. زَعَمَ أَنَّ الْأَقْطَعَ جَاءَهُ بِهِ فَاعْتَرَفَ بِهِ الْأَقْطَعُ، أَوْ شُهِدَ عَلَيْهِ بِهِ. فَأَمَرَ بِهِ أَبُو بَكْرٍ الصِّدِّيقُ فَقُطِعَتْ يَدُهُ الْيُسْرَى». وَقَالَ أَبُو بَكْرٍ: «وَاللَّهِ لَدُعَاؤُهُ عَلَى نَفْسِهِ أَشَدُّ عِنْدِي عَلَيْهِ مِنْ سَرِقَتِهِ».

стр. 6860

قُلْتُ: القاسم لم يدرك جده أبا بكر الصديق ﵁، فَالسَّنَدُ مُنْقَطِعٌ. وروى الدارقطني (٣٤٠١) ثنا يَعْقُوبُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ الْبَزَّازُ، نا الْحَسَنُ بْنُ عَرَفَةَ، نا إِسْمَاعِيلُ ابْنُ عُلَيَّةَ، عَنْ أَيُّوبَ، عَنْ نَافِعٍ، أَنَّ رَجُلًا أَقْطَعَ الْيَدِ وَالرِّجْلِ نَزَلَ عَلَى أَبِي بَكْرٍ الصِّدِّيقِ فَكَانَ يُصَلِّي مِنَ اللَّيْلِ، قَالَ: فَقَالَ لَهُ أَبُو بَكْرٍ: «مَا لَيْلُكَ بِلَيْلِ سَارِقٍ، مَنْ قَطَعَكَ؟»، قَالَ: يَعْلَى بْنُ أُمَيَّةَ ظُلْمًا، قَالَ: فَقَالَ لَهُ أَبُو بَكْرٍ: «لَأَكْتُبَنَّ إِلَيْهِ» وَتَوَعَّدَهُ، فَبَيْنَا هُمْ كَذَلِكَ إِذْ فَقَدُوا حُلِيًّا لِأَسْمَاءَ بِنْتِ عُمَيْسٍ، قَالَ: فَجَعَلَ يَقُولُ: «اللَّهُمَّ أَظْهِرْ عَلَيَّ صَاحِبَهُ»، قَالَ: فَوُجِدَ عِنْدَ صَائِغٍ، فَأُلْجِئَ حَتَّى أُلْجِئَ إِلَى الْأَقْطَعِ، فَقَالَ أَبُو بَكْرٍ: «وَاللَّهِ لَغَرَّتُهُ بِاللَّهِ كَانَ أَشَدَّ عَلَيَّ مِمَّا صَنَعَ، اقْطَعُوا رِجْلَهُ»، فَقَالَ عُمَرُ: بَلْ نَقْطَعُ يَدَهُ كَمَا قَالَ اللَّهُ ، قَالَ: «دُونَكَ». قُلْتُ: وَهَذَا إِسْنَادٌ مُنْقَطِعٌ أَيْضاً. وروى عبد الرزاق في [مُصَنَّفِهِ] (١٨٧٧١)، ومن طريقه الدارقطني (٣٤٠٢) عَنْ مَعْمَرٍ، عَنْ أَيُّوبَ، عَنْ نَافِعٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ، قَالَ: «إِنَّمَا قَطَعَ أَبُو بَكْرٍ رِجْلَ الَّذِي قَطَعَ يَعْلَى بْنُ أُمَيَّةَ وَكَانَ مَقْطُوعَ الْيَدِ قَبْلَ ذَلِكَ».

стр. 6861

قُلْتُ: إِسْنَادَهَا صَحِيْحٌ. وهذه الرواية تدل على أنَّ الأقطع لم يكن مقطوع القدم قبل قطع الصديق لها، ويدل على أنَّ الصديق قطع رجله ولم يقطع يده، فهذه الرواية الصحيحة خلاف تلك الروايات المنقطعة. ويؤيد هذه الرواية ما رواه عبد الرزاق في [مُصَنَّفِهِ] (١٨٧٧٠) عَنْ مَعْمَرٍ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، عَنْ سَالِمٍ، وَغَيْرِهِ، قَالَ: «إِنَّمَا قَطَعَ أَبُو بَكْرٍ رِجْلَهُ، وَكَانَ مَقْطُوعَ الْيَدِ» قَالَ الزُّهْرِيُّ: «وَلَمْ يَبْلُغْنَا فِي السُّنَّةِ إِلَّا قَطْعُ الْيَدِ وَالرِّجْلِ، لَا يُزَادُ عَلَى ذَلِكَ». قُلْتُ: وَهَذِهِ رِوَايَةٌ مُنْقَطِعَةٌ. ويؤيد ذلك أيضاً ما رواه عبد الرزاق في [مُصَنَّفِهِ] (١٨٧٧٤)، ومن طريقه الدارقطني (٣٤٠٣)، من طريقه البيهقي في [الْكُبْرَى] (١٥٨٠٣) أَخْبَرَنَا مَعْمَرٌ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، عَنْ عُرْوَةَ، عَنْ عَائِشَةَ، قَالَتْ: كَانَ رَجُلٌ أَسْوَدُ يَأْتِي أَبَا بَكْرٍ فَيُدْنِيهِ، وَيُقْرِئُهُ الْقُرْآنَ، حَتَّى بَعَثَ سَاعِيًا - أَوْ قَالَ: سَرِيَّةً - فَقَالَ: أَرْسِلْنِي مَعَهُ، فَقَالَ: «بَلْ تَمْكُثُ عِنْدَنَا، فَأَبَى، فَأَرْسَلَهُ مَعَهُ، وَاسْتَوْصَى بِهِ خَيْرًا»، فَلَمْ يَغِبْ عَنْهُ إِلَّا قَلِيلًا حَتَّى جَاءَ قَدْ قُطِعَتْ يَدُهُ، فَلَمَّا رَآهُ أَبُو بَكْرٍ فَاضَتْ عَيْنَاهُ، وَقَالَ: «مَا شَأْنُكَ؟». قَالَ: مَا زِدْتُ عَلَى أَنَّهُ كَانَ يُوَلِّينِي شَيْئًا مِنْ عَمَلِهِ، فَخُنْتَهُ فَرِيضَةً وَاحِدَةً، فَقَطَعَ يَدِي، فَقَالَ أَبُو بَكْرٍ: «تَجِدُونَ الَّذِي قَطَعَ يَدَ هَذَا يَخُونَ أَكْثَرَ مِنْ عِشْرِينَ فَرِيضَةً، وَاللَّهِ لَئِنْ

стр. 6862

كُنْتُ صَادِقًا لَأُقِيدَنَّكَ مِنْهُ»، قَالَ: ثُمَّ أَدْنَاهُ وَلَمْ يُحَوِّلْ مَنْزِلَتَهُ الَّتِي كَانَتْ لَهُ مِنْهُ، قَالَ: وَكَانَ الرَّجُلُ يَقُومُ مِنَ اللَّيْلِ فَيَقْرَأُ، فَإِذَا سَمِعَ أَبُو بَكْرٍ صَوْتَهُ قَالَ: «تَالَلَّهِ لَرَجُلٌ قَطَعَ هَذَا»، قَالَ: فَلَمْ يَعِرْ إِلَّا قَلِيلًا حَتَّى فَقَدَ آلُ أَبِي بَكْرٍ حُلِيًّا لَهُمْ وَمَتَاعًا، فَقَالَ أَبُو بَكْرٍ: «طَرَقَ الْحَيَّ اللَّيْلَةَ»، فَقَامَ الْأَقْطَعُ فَاسْتَقْبَلَ الْقِبْلَةَ، وَرَفَعَ يَدَهُ الصَّحِيحَةَ وَالْأُخْرَى الَّتِي قُطِعَتْ، فَقَالَ: اللَّهُمَّ أَظْهِرْ عَلَى مَنْ سَرَقَهُمْ، أَوْ نَحْوَ هَذَا، وَكَانَ مَعْمَرٌ رُبَّمَا يَقُولُ: اللَّهُمَّ أَظْهِرْ عَلَى مَنْ سَرَقَ أَهْلَ هَذَا الْبَيْتِ الصَّالِحِينَ، قَالَ: فَمَا انْتَصَفَ النَّهَارُ حَتَّى ظَهَرُوا عَلَى الْمَتَاعِ عِنْدَهُ، فَقَالَ لَهُ أَبُو بَكْرٍ: «وَيْلَكَ إِنَّكَ لَقَلِيلُ الْعِلْمِ بِاللَّهِ، فَأَمَرَ بِهِ، فَقُطِعَتْ رِجْلُهُ». قَالَ مَعْمَرٌ: وَأَخْبَرَنِي أَيُّوبُ، عَنْ نَافِعٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ نَحْوَهُ إِلَّا أَنَّهُ قَالَ: كَانَ إِذَا سَمِعَ أَبُو بَكْرٍ صَوْتَهُ مِنَ اللَّيْلِ، قَالَ: مَا لَيْلُكَ بِلَيْلِ سَارِقٍ. قُلْتُ: هَذَا إِسْنَادٌ صَحِيْحٌ. فهذا هو المعتمد في شأن الأقطع. والله أعلم. وفي الباب عن عمر ﵁ أيضاً، وهو ما رواه عبد الرزاق في [مُصَنَّفِهِ] (١٨٧٦٨)، وابن أبي شيبة في [مُصَنَّفِهِ] (٢٨٨٥٢)، والدارقطني في [سُنَنِهِ] (٣٣٩٣، ٣٤٠٥)، والبيهقي في [الْكُبْرَى] (١٧٠٤٣، ١٧٠٤٤) من طريق خَالِدٍ

стр. 6863

الْحَذَّاءِ، عَنْ عِكْرِمَةَ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، قَالَ: «رَأَيْتُ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ قَطَعَ يَدَ رَجُلٍ بَعْدَ يَدِهِ وَرِجْلِهِ». قُلْتُ: إِسْنَادُهُ صَحِيْحٌ. وجاء عن عمر ما يدل على خلاف ذلك لكنه لا يصح. وجاء عن علي ﵁ خلاف ذلك، وقد سبق ما رواه ابن أبي شيبة في [مُصَنَّفِهِ] (٢٨٨٥٦)، وابن الجعد في [مُسْنَدِهِ] (٦٠)، والدارقطني (٣١٦٦، ٣٣٨٨)، والبيهقي في [الْكُبْرَى] (١٧٠٤٦) من طريق عَمْرِو بْنِ مُرَّةَ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ سَلَمَةَ: أَنَّ عَلِيًّا أُتِيَ بِسَارِقٍ فَقَطَعَ يَدَهُ الْيُمْنَى، ثُمَّ أُتِيَ بِهِ فَقَطَعَ رِجْلَهُ الْيُسْرَى، ثُمَّ أُتِيَ بِهِ الثَّالِثَةَ، قَالَ: «إِنِّي أَسْتَحْيِي أَنْ أَقْطَعَ يَدَهُ يَأْكُلُ بِهَا وَيَسْتَنْجِي بِهَا» وَفِي حَدِيثِ بَعْضِهِمْ: ضَرَبَهُ وَحَبَسَهُ. قُلْتُ: إِسْنَادُهُ حَسَنٌ. وروى عبد الرزاق في [مُصَنَّفِهِ] (١٨٧٦٧) عَنِ الثَّوْرِيِّ، عَنْ مَنْصُورٍ، عَنْ أَبِي الضُّحَى: أَنَّ عَلِيًّا، كَانَ يَقُولُ: «إِذَا سَرَقَ قُطِعَتْ يَدُهُ، ثُمَّ إِذَا سَرَقَ الثَّانِيَةَ، قُطِعَتْ رِجْلُهُ، فَإِنْ سَرَقَ بَعْدَ ذَلِكَ، لَمْ نَرَ عَلَيْهِ قَطْعًا». قُلْتُ: هَذَا إِسْنَادٌ مُنْقَطِعٌ فأبو الضحى واسمه مسلم بن صبيح لم يسمع من عليِّ ﵁،

стр. 6864

لكنه متابع فقد رواه ابن أبي شيبة في [مُصَنَّفِهِ] (٢٨٨٤٦) حَدَّثَنَا جَرِيرٌ، عَنْ مَنْصُورٍ، عَنْ أَبِي الضُّحَى، وعَنْ مُغِيرَةَ، عَنِ الشَّعْبِيِّ، قَالَا: كَانَ عَلِيٌّ، يَقُولُ: «إِذَا سَرَقَ السَّارِقُ مِرَارًا قُطِعَتْ يَدُهُ وَرِجْلُهُ، ثُمَّ إِنْ عَادَ اسْتَوْدَعْتُهُ السِّجْنَ». قُلْتُ: هَذَا أَثَرٌ صَحِيْحٌ. قَالَ الْعَلَّامَةُ ابْنُ قُدَامَةَ ﵀ فِي [الْمُغْنِي] (٢٠/ ٢٣٩): «مسألة: قال: "فإن عاد، حبس، ولا يقطع غير يد ورجل" يعني إذا عاد فسرق بعد قطع يده ورجله، لم يقطع منه شيء آخر وحبس. وبهذا قال عليّ ﵁ والحسن، والشعبي، والنخعي، والزهري، وحماد، والثوري، وأصحاب الرأي. وعن أحمد، أنَّه تقطع في الثالثة يده اليسرى، وفي الرابعة رجله اليمنى، وفي الخامسة يعزر ويحبس. وروي عن أبي بكر، وعمر ﵄، أنَّهما قطعا يد أقطع اليد والرجل. وهذا قول قتادة، ومالك، والشافعي، وأبي ثور، وابن المنذر. وروي عن عثمان، وعمرو بن العاص، وعمر بن عبد العزيز أنَّه تقطع يده اليسرى في الثالثة، والرجل اليمنى في الرابعة، ويقتل في الخامسة» اهـ.

стр. 6865

قُلْتُ: هذه المسألة من مسائل الاجتهاد، وقضاء عمر مقدم على قضاء علي ﵄، ولم يصح رجوع عمر عن هذا القضاء. ٦ - واحتج به مع آية المائدة من قال: لا تقطع غير اليد في السرقة. فروى عبد الرزاق في [مُصَنَّفِهِ] (١٨٧٥٨) عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ، قَالَ: «قُلْتُ لِعَطَاءٍ: سَرَقَ الْأُولَى؟ قَالَ: يُقْطَعُ كَفُّهُ. قُلْتُ: فَمَا قَوْلُهُمْ: أَصَابِعُهُ؟ قَالَ: لَمْ أُدْرِكْ إِلَّا قَطْعَ الْكَفِّ كُلِّهَا. قُلْتُ: فَسَرَقَ الثَّانِيَةَ؟ قَالَ: مَا أَرَى أَنْ يُقْطَعَ إِلَّا فِي السَّرِقَةِ الْأُولَى الْيَدُ قَطُّ، قَالَ اللَّهُ ﵎: ﴿فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا﴾ [المائدة: ٣٨] وَلَوْ شَاءَ أَمَرَ بِالرِّجْلِ وَلَمْ يَكُنِ اللَّهُ نَسِيًّا». قُلْتُ: إِسْنَادُهُ صَحِيْحٌ. قُلْتُ: وعامة العلماء على قطع الرجل اليسرى في المرة الأخرى، وذلك لأنَّ قطع اليدين معاً إذهاب لمنفعة الجنس فلا يستطيع بعد ذلك من الأكل والوضوء وغير ذلك، وهذا أشد من قطع رجله اليسرى، وذلك أنَّه إذا قطعت يده اليمنى ثم في المرة الثانية قطعت رجله اليسرى أمكنه مع ذلك الأكل والوضوء، وأمكنه أيضاً السير عن طريق الاعتماد بالعصي ونحوها باليد اليسرى، وقد شرع الله
следующие страницы →