← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 30178

تحفة السائل في بيان ما في عمدة الأحكام من المسائل

أبو بكر الحمادي

Полный текст (8 095 стр.). Показаны 6861–6900 · переход к 6866.

стр. 6861

قُلْتُ: إِسْنَادَهَا صَحِيْحٌ. وهذه الرواية تدل على أنَّ الأقطع لم يكن مقطوع القدم قبل قطع الصديق لها، ويدل على أنَّ الصديق قطع رجله ولم يقطع يده، فهذه الرواية الصحيحة خلاف تلك الروايات المنقطعة. ويؤيد هذه الرواية ما رواه عبد الرزاق في [مُصَنَّفِهِ] (١٨٧٧٠) عَنْ مَعْمَرٍ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، عَنْ سَالِمٍ، وَغَيْرِهِ، قَالَ: «إِنَّمَا قَطَعَ أَبُو بَكْرٍ رِجْلَهُ، وَكَانَ مَقْطُوعَ الْيَدِ» قَالَ الزُّهْرِيُّ: «وَلَمْ يَبْلُغْنَا فِي السُّنَّةِ إِلَّا قَطْعُ الْيَدِ وَالرِّجْلِ، لَا يُزَادُ عَلَى ذَلِكَ». قُلْتُ: وَهَذِهِ رِوَايَةٌ مُنْقَطِعَةٌ. ويؤيد ذلك أيضاً ما رواه عبد الرزاق في [مُصَنَّفِهِ] (١٨٧٧٤)، ومن طريقه الدارقطني (٣٤٠٣)، من طريقه البيهقي في [الْكُبْرَى] (١٥٨٠٣) أَخْبَرَنَا مَعْمَرٌ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، عَنْ عُرْوَةَ، عَنْ عَائِشَةَ، قَالَتْ: كَانَ رَجُلٌ أَسْوَدُ يَأْتِي أَبَا بَكْرٍ فَيُدْنِيهِ، وَيُقْرِئُهُ الْقُرْآنَ، حَتَّى بَعَثَ سَاعِيًا - أَوْ قَالَ: سَرِيَّةً - فَقَالَ: أَرْسِلْنِي مَعَهُ، فَقَالَ: «بَلْ تَمْكُثُ عِنْدَنَا، فَأَبَى، فَأَرْسَلَهُ مَعَهُ، وَاسْتَوْصَى بِهِ خَيْرًا»، فَلَمْ يَغِبْ عَنْهُ إِلَّا قَلِيلًا حَتَّى جَاءَ قَدْ قُطِعَتْ يَدُهُ، فَلَمَّا رَآهُ أَبُو بَكْرٍ فَاضَتْ عَيْنَاهُ، وَقَالَ: «مَا شَأْنُكَ؟». قَالَ: مَا زِدْتُ عَلَى أَنَّهُ كَانَ يُوَلِّينِي شَيْئًا مِنْ عَمَلِهِ، فَخُنْتَهُ فَرِيضَةً وَاحِدَةً، فَقَطَعَ يَدِي، فَقَالَ أَبُو بَكْرٍ: «تَجِدُونَ الَّذِي قَطَعَ يَدَ هَذَا يَخُونَ أَكْثَرَ مِنْ عِشْرِينَ فَرِيضَةً، وَاللَّهِ لَئِنْ

стр. 6862

كُنْتُ صَادِقًا لَأُقِيدَنَّكَ مِنْهُ»، قَالَ: ثُمَّ أَدْنَاهُ وَلَمْ يُحَوِّلْ مَنْزِلَتَهُ الَّتِي كَانَتْ لَهُ مِنْهُ، قَالَ: وَكَانَ الرَّجُلُ يَقُومُ مِنَ اللَّيْلِ فَيَقْرَأُ، فَإِذَا سَمِعَ أَبُو بَكْرٍ صَوْتَهُ قَالَ: «تَالَلَّهِ لَرَجُلٌ قَطَعَ هَذَا»، قَالَ: فَلَمْ يَعِرْ إِلَّا قَلِيلًا حَتَّى فَقَدَ آلُ أَبِي بَكْرٍ حُلِيًّا لَهُمْ وَمَتَاعًا، فَقَالَ أَبُو بَكْرٍ: «طَرَقَ الْحَيَّ اللَّيْلَةَ»، فَقَامَ الْأَقْطَعُ فَاسْتَقْبَلَ الْقِبْلَةَ، وَرَفَعَ يَدَهُ الصَّحِيحَةَ وَالْأُخْرَى الَّتِي قُطِعَتْ، فَقَالَ: اللَّهُمَّ أَظْهِرْ عَلَى مَنْ سَرَقَهُمْ، أَوْ نَحْوَ هَذَا، وَكَانَ مَعْمَرٌ رُبَّمَا يَقُولُ: اللَّهُمَّ أَظْهِرْ عَلَى مَنْ سَرَقَ أَهْلَ هَذَا الْبَيْتِ الصَّالِحِينَ، قَالَ: فَمَا انْتَصَفَ النَّهَارُ حَتَّى ظَهَرُوا عَلَى الْمَتَاعِ عِنْدَهُ، فَقَالَ لَهُ أَبُو بَكْرٍ: «وَيْلَكَ إِنَّكَ لَقَلِيلُ الْعِلْمِ بِاللَّهِ، فَأَمَرَ بِهِ، فَقُطِعَتْ رِجْلُهُ». قَالَ مَعْمَرٌ: وَأَخْبَرَنِي أَيُّوبُ، عَنْ نَافِعٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ نَحْوَهُ إِلَّا أَنَّهُ قَالَ: كَانَ إِذَا سَمِعَ أَبُو بَكْرٍ صَوْتَهُ مِنَ اللَّيْلِ، قَالَ: مَا لَيْلُكَ بِلَيْلِ سَارِقٍ. قُلْتُ: هَذَا إِسْنَادٌ صَحِيْحٌ. فهذا هو المعتمد في شأن الأقطع. والله أعلم. وفي الباب عن عمر ﵁ أيضاً، وهو ما رواه عبد الرزاق في [مُصَنَّفِهِ] (١٨٧٦٨)، وابن أبي شيبة في [مُصَنَّفِهِ] (٢٨٨٥٢)، والدارقطني في [سُنَنِهِ] (٣٣٩٣، ٣٤٠٥)، والبيهقي في [الْكُبْرَى] (١٧٠٤٣، ١٧٠٤٤) من طريق خَالِدٍ

стр. 6863

الْحَذَّاءِ، عَنْ عِكْرِمَةَ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، قَالَ: «رَأَيْتُ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ قَطَعَ يَدَ رَجُلٍ بَعْدَ يَدِهِ وَرِجْلِهِ». قُلْتُ: إِسْنَادُهُ صَحِيْحٌ. وجاء عن عمر ما يدل على خلاف ذلك لكنه لا يصح. وجاء عن علي ﵁ خلاف ذلك، وقد سبق ما رواه ابن أبي شيبة في [مُصَنَّفِهِ] (٢٨٨٥٦)، وابن الجعد في [مُسْنَدِهِ] (٦٠)، والدارقطني (٣١٦٦، ٣٣٨٨)، والبيهقي في [الْكُبْرَى] (١٧٠٤٦) من طريق عَمْرِو بْنِ مُرَّةَ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ سَلَمَةَ: أَنَّ عَلِيًّا أُتِيَ بِسَارِقٍ فَقَطَعَ يَدَهُ الْيُمْنَى، ثُمَّ أُتِيَ بِهِ فَقَطَعَ رِجْلَهُ الْيُسْرَى، ثُمَّ أُتِيَ بِهِ الثَّالِثَةَ، قَالَ: «إِنِّي أَسْتَحْيِي أَنْ أَقْطَعَ يَدَهُ يَأْكُلُ بِهَا وَيَسْتَنْجِي بِهَا» وَفِي حَدِيثِ بَعْضِهِمْ: ضَرَبَهُ وَحَبَسَهُ. قُلْتُ: إِسْنَادُهُ حَسَنٌ. وروى عبد الرزاق في [مُصَنَّفِهِ] (١٨٧٦٧) عَنِ الثَّوْرِيِّ، عَنْ مَنْصُورٍ، عَنْ أَبِي الضُّحَى: أَنَّ عَلِيًّا، كَانَ يَقُولُ: «إِذَا سَرَقَ قُطِعَتْ يَدُهُ، ثُمَّ إِذَا سَرَقَ الثَّانِيَةَ، قُطِعَتْ رِجْلُهُ، فَإِنْ سَرَقَ بَعْدَ ذَلِكَ، لَمْ نَرَ عَلَيْهِ قَطْعًا». قُلْتُ: هَذَا إِسْنَادٌ مُنْقَطِعٌ فأبو الضحى واسمه مسلم بن صبيح لم يسمع من عليِّ ﵁،

стр. 6864

لكنه متابع فقد رواه ابن أبي شيبة في [مُصَنَّفِهِ] (٢٨٨٤٦) حَدَّثَنَا جَرِيرٌ، عَنْ مَنْصُورٍ، عَنْ أَبِي الضُّحَى، وعَنْ مُغِيرَةَ، عَنِ الشَّعْبِيِّ، قَالَا: كَانَ عَلِيٌّ، يَقُولُ: «إِذَا سَرَقَ السَّارِقُ مِرَارًا قُطِعَتْ يَدُهُ وَرِجْلُهُ، ثُمَّ إِنْ عَادَ اسْتَوْدَعْتُهُ السِّجْنَ». قُلْتُ: هَذَا أَثَرٌ صَحِيْحٌ. قَالَ الْعَلَّامَةُ ابْنُ قُدَامَةَ ﵀ فِي [الْمُغْنِي] (٢٠/ ٢٣٩): «مسألة: قال: "فإن عاد، حبس، ولا يقطع غير يد ورجل" يعني إذا عاد فسرق بعد قطع يده ورجله، لم يقطع منه شيء آخر وحبس. وبهذا قال عليّ ﵁ والحسن، والشعبي، والنخعي، والزهري، وحماد، والثوري، وأصحاب الرأي. وعن أحمد، أنَّه تقطع في الثالثة يده اليسرى، وفي الرابعة رجله اليمنى، وفي الخامسة يعزر ويحبس. وروي عن أبي بكر، وعمر ﵄، أنَّهما قطعا يد أقطع اليد والرجل. وهذا قول قتادة، ومالك، والشافعي، وأبي ثور، وابن المنذر. وروي عن عثمان، وعمرو بن العاص، وعمر بن عبد العزيز أنَّه تقطع يده اليسرى في الثالثة، والرجل اليمنى في الرابعة، ويقتل في الخامسة» اهـ.

стр. 6865

قُلْتُ: هذه المسألة من مسائل الاجتهاد، وقضاء عمر مقدم على قضاء علي ﵄، ولم يصح رجوع عمر عن هذا القضاء. ٦ - واحتج به مع آية المائدة من قال: لا تقطع غير اليد في السرقة. فروى عبد الرزاق في [مُصَنَّفِهِ] (١٨٧٥٨) عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ، قَالَ: «قُلْتُ لِعَطَاءٍ: سَرَقَ الْأُولَى؟ قَالَ: يُقْطَعُ كَفُّهُ. قُلْتُ: فَمَا قَوْلُهُمْ: أَصَابِعُهُ؟ قَالَ: لَمْ أُدْرِكْ إِلَّا قَطْعَ الْكَفِّ كُلِّهَا. قُلْتُ: فَسَرَقَ الثَّانِيَةَ؟ قَالَ: مَا أَرَى أَنْ يُقْطَعَ إِلَّا فِي السَّرِقَةِ الْأُولَى الْيَدُ قَطُّ، قَالَ اللَّهُ ﵎: ﴿فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا﴾ [المائدة: ٣٨] وَلَوْ شَاءَ أَمَرَ بِالرِّجْلِ وَلَمْ يَكُنِ اللَّهُ نَسِيًّا». قُلْتُ: إِسْنَادُهُ صَحِيْحٌ. قُلْتُ: وعامة العلماء على قطع الرجل اليسرى في المرة الأخرى، وذلك لأنَّ قطع اليدين معاً إذهاب لمنفعة الجنس فلا يستطيع بعد ذلك من الأكل والوضوء وغير ذلك، وهذا أشد من قطع رجله اليسرى، وذلك أنَّه إذا قطعت يده اليمنى ثم في المرة الثانية قطعت رجله اليسرى أمكنه مع ذلك الأكل والوضوء، وأمكنه أيضاً السير عن طريق الاعتماد بالعصي ونحوها باليد اليسرى، وقد شرع الله

стр. 6866

في حق السارق من قطاع الطريق قطع اليد والرجل من خلاف، فلا تكون عقوبة السارق في غير قطع الطريق بأشد من عقوبة قاطع الطريق. وروى ابن أبي شيبة في [مُصَنَّفِهِ] (٢٨٨٥٤) حَدَّثَنَا عِيسَى بْنُ يُونُسَ، عَنِ الْأَوْزَاعِيِّ، عَنْ يَحْيَى بْنِ أَبِي كَثِيرٍ، قَالَ: كَتَبَ نَجْدَةُ إِلَى ابْنِ عُمَرَ يَسْأَلُهُ: هَلْ قَطَعَ النَّبِيُّ ﷺ الرِّجْلَ بَعْدَ الْيَدِ، فَكَتَبَ إِلَيْهِ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ : «قَدْ قَطَعَ الرِّجْلَ بَعْدَ الْيَدِ». قُلْتُ: هَذَا إِسْنَادٌ مُنْقَطِعٌ بين يحيى بن أبي كثير وابن عمر، لكن يشهد له آثار الصحابة. فروى عبد الرزاق في [مُصَنَّفِهِ] (١٨٧٦٣) عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ، قَالَ: أَخْبَرَنِي عَمْرُو بْنُ دِينَارٍ، أَنَّ نَجْدَةَ بْنَ عَامِرٍ، كَتَبَ إِلَى ابْنِ عَبَّاسٍ: السَّارِقُ يَسْرِقُ فَتُقْطَعُ يَدُهُ، ثُمَّ يَعُودُ فَتُقْطَعُ يَدُهُ الْأُخْرَى، قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا﴾ [المائدة: ٣٨]، قَالَ: «بَلَى، وَلَكِنْ يَدُهُ وَرِجْلُهُ مِنْ خِلَافٍ». قَالَ: قَالَ عَمْرٌو: سَمِعْتُهُ مِنْ عَطَاءٍ مُنْذُ أَرْبَعِينَ سَنَةً اهـ. قُلْتُ: إِسْنَادُهُ صَحِيْحٌ. وجاء عن ابن عباس خلاف ذلك ولا يثبت. وقد مضى قبل هذه الفقرة عن أبي بكر وعمر ﵄ ما يدل على ذلك.

стр. 6867

قَالَ الْعَلَّامَةُ ابْنُ قُدَامَةَ ﵀ فِي [الْمُغْنِي] (٢٠/ ٢٢٩ - ٢٣٠): «وإذا سرق ثانياً، قطعت رجله اليسرى. وبذلك قال الجماعة إلَّا عطاء، حكي عنه أنَّه تقطع يده اليسرى؛ لقوله سبحانه: ﴿فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا﴾. ولأنَّها آلة السرقة والبطش، فكانت العقوبة بقطعها أولى. وروي ذلك عن ربيعة، وداود. وهذا شذوذ، يخالف قول جماعة فقهاء الأمصار من أهل الفقه والأثر، من الصحابة والتابعين، ومن بعدهم، وهو قول أبي بكر وعمر ﵄، وقد روى أبو هريرة، عن النبي ﷺ أنَّه قال في السارق: "إذا سرق فاقطعوا يده، ثم إن سرق فاقطعوا رجله". ولأنَّه في المحاربة الموجبة قطع عضوين، إنَّما تقطع يده ورجله، ولا تقطع يداه، فنقول: جناية أوجبت قطع عضوين، فكانا رجلاً ويداً، كالمحاربة؛ ولأنَّ قطع يديه يفوت منفعة الجنس، فلا تبقى له يد يأكل بها، ولا يتوضأ، ولا يستطيب، ولا يدفع عن نفسه، فيصير كالهالك، فكان قطع الرجل الذي لا يشتمل على هذه المفسدة أولى.

стр. 6868

وأمَّا الآية: فالمراد بها قطع يد كل واحد منهما؛ بدليل أنَّه لا تقطع اليدان في المرة الأولى. وفي قراءة عبد الله: "فاقطعوا أيمانهما". وإنَّما ذكر بلفظ الجمع، لأنَّ المثنى إذا أضيف إلى المثنى ذكر بلفظ الجمع كقوله تعالى: ﴿فَقَدْ صَغَتْ قُلُوبُكُمَا﴾. إذا ثبت هذا، فإنَّه تقطع رجله اليسرى؛ لقول الله تعالى: ﴿أَوْ تُقَطَّعَ أَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُمْ مِنْ خِلَافٍ﴾. ولأنَّ قطع اليسرى أرفق به؛ لأنَّه يمكنه المشي على خشبة، ولو قطعت رجله اليمنى لم يمكنه المشي بحال» اهـ. ٧ - وليس في الحديث غير القطع في عقوبة السارق، وجاء في تعليق يده في عنقه ما رواه أحمد (٢٣٩٩١)، وأبو داود (٤٤١١)، والترمذي (١٤٤٧)، والنسائي (٤٩٨٣)، وابن ماجة (٢٥٨٧) من طريق عُمَرَ بْنِ عَلِيٍّ المُقَدَّمِيُّ قَالَ: حَدَّثَنَا الحَجَّاجُ، عَنْ مَكْحُولٍ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ مُحَيْرِيزٍ، قَالَ: سَأَلْتُ فَضَالَةَ بْنَ عُبَيْدٍ عَنْ تَعْلِيقِ اليَدِ فِي عُنُقِ السَّارِقِ أَمِنَ السُّنَّةِ هُوَ؟ قَالَ: «أُتِيَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بِسَارِقٍ فَقُطِعَتْ يَدُهُ، ثُمَّ أَمَرَ بِهَا، فَعُلِّقَتْ فِي عُنُقِهِ».

стр. 6869

قُلْتُ: هَذَا إِسْنَادٌ ضَعِيْفٌ فيه الحجاج وهو ابن أرطأة ضعيف الحديث، ومكحول مدلس وقد عنعن لكن قبل عنعنته كثير من حفاظ الحديث. وقد صح ذلك عن علي بن أبي طالب ﵁، فروى ابن أبي شيبة في [مُصَنَّفِهِ] (٢٩٥٧٧، ٢٩٥٧٨) من طريق الْقَاسِمِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، عَنْ أَبِيهِ: «أَنَّ عَلِيًّا قَطَعَ يَدَ رَجُلٍ، ثُمَّ عَلَّقَهَا فِي عُنُقِهِ». قُلْتُ: إِسْنَادُهُ صَحِيْحٌ. والذي يظهر لي أنَّ هذا التعليق ليس من تمام الحد وإنَّما هو من التعزيز يفعل عند المصلحة لذلك. والله أعلم. * * *

стр. 6870

٣٤٨ - عَنْ عَائِشَةَ ﵂: «أَنَّ قُرَيْشًا أَهَمَّهُمْ شَأْنُ الْمَخْزُومِيَّةِ الَّتِي سَرَقَتْ، فَقَالُوا: مَنْ يُكَلِّمُ فِيهَا رَسُولَ اللَّهِ ﷺ ؟ فَقَالُوا: وَمَنْ يَجْتَرِئُ عَلَيْهِ إِلَّا أُسَامَةُ بْنُ زَيْدٍ، حِبُّ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَكَلَّمَهُ أُسَامَةُ، فَقَالَ: "أَتَشْفَعُ فِي حَدٍّ مِنْ حُدُودِ اللَّهِ"، ثُمَّ قَامَ فَاخْتَطَبَ، فَقَالَ: "إِنَّمَا أَهْلَكَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ أَنَّهُمْ كَانُوا إِذَا سَرَقَ فِيهِمُ الشَّرِيفُ تَرَكُوهُ، وَإِذَا سَرَقَ فِيهِمُ الضَّعِيفُ أَقَامُوا عَلَيْهِ الحَدَّ، وَايْمُ اللَّهِ لَوْ أَنَّ فَاطِمَةَ بِنْتَ مُحَمَّدٍ سَرَقَتْ لَقَطَعْتُ يَدَهَا"». وَفِي لَفْظٍ: «كَانَتْ امْرَأَةٌ تَسْتَعِيرُ الْمَتَاعَ وَتَجْحَدُهُ، فَأَمَرَ النَّبِيُّ ﷺ بِقَطْعِ يَدِهَا». قَوْلُهَا: «أَهَمَّهُمْ شَأْنُ الْمَخْزُومِيَّةِ». أي: أقلقهم. وَقَوْلُهَا: «فَقَالُوا: وَمَنْ يَجْتَرِئُ عَلَيْهِ إِلَّا أُسَامَةُ بْنُ زَيْدٍ». الجرأة هي: الاقدام بإدلال. ومعنى: «حِبُّ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ». أي: محبوب رسول الله ﷺ .

стр. 6871

وقَوْلُهُ: «وَايْمُ اللَّهِ». قَالَ الْعَلَّامَةُ الْقُرْطُبِي ﵀ فِي [الْمُفْهِم] (١١/ ١١٥): «هي كلمة محذوفة من "أيمن الله" تستعملها العرب اسماً مرفوعاً في القسم على الابتداء» اهـ. وَقَالَ (١٧/ ٤٦): «"وايم الله": قسم بيمن الله، وبركته، وألفه ألف وصل، وفيه لغات قد ذكرت، وهذا قول سيبويه. وقال الفراء: ألفه ألف قطع، وهي عنده: جمع يمين. والذي قاله سيبويه أولى سماعاً، وقياساً بدليل الحذف الذي دخل الكلمة في اللغات التي روي فيها» اهـ. وَقَالَ الْعَلَّامَةُ ابْنُ بَطَّالٍ ﵀ فِي [شَرْحِ الْبُخَارِي] (٦/ ٩١): «واشتقاقها عند سيبويه من اليمن والبركة» اهـ. وَفِي الْحَدِيْثِ مَسَائِلُ مِنْهَا: ١ - فضل أسامة ﵁. ٢ - حرمة الشفاعة في الحدود بعد رفعها إلى السلطان. قَالَ الْعَلَّامَةُ الْقُرْطُبِي ﵀ فِي [الْمُفْهِم] (١٦/ ٣): «وهذا لا يختلف فيه» اهـ. ٣ - خطبة الناس في النوازل الحادثة. ٤ - أنَّ الحدود إذا بلغت إلى السلطان وجب عليه إقامة الحد.

стр. 6872

٥ - وفيه أنَّ حد القطع في السرقة يكون على النساء كما يكون على الرجال. ٦ - وفيه أنَّ إقامة الحد على الضعفاء دون الشرفاء من أسباب هلاك من قبلنا. وقد روى معمر كما في أواخر [مُصَّنَفِ عَبْدِ الرَّزَاقِ] (٢٠٧١٣) عَنِ الزُّهْرِيِّ، عَنْ سَالِمٍ، عَنْ أَبِيهِ، قَالَ: كَانَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ إِذَا نَهَى النَّاسَ عَنْ شَيْءٍ دَخَلَ إِلَى أَهْلِهِ - أَوْ قَالَ: جَمَعَ - فَقَالَ: «إِنِّي نَهَيْتُ عَنْ كَذَا وَكَذَا، وَالنَّاسُ إِنَّمَا يَنْظُرُونَ إِلَيْكُمْ نَظَرَ الطَّيْرِ إِلَى اللَّحْمِ، فَإِنْ وَقَعْتُمْ وَقَعُوا، وَإِنْ هِبْتُمْ هَابُوا، وَإِنِّي وَاللَّهِ لَا أُوتَى بِرَجُلٍ مِنْكُمْ وَقَعَ فِي شَيْءٍ مِمَّا نَهَيْتُ عَنْهُ النَّاسَ، إِلَّا أَضْعَفْتُ لَهُ الْعُقُوبَةَ لِمَكَانِهِ مِنِّي، فَمَنْ شَاءَ فَلْيَتَقَدَّمْ وَمَنْ شَاءَ فَلْيَتَأَخَّرْ». قُلْتُ: إِسْنَادُهُ صَحِيْحٌ. ٧ - وفيه بيان لعظيم منزلة فاطمة ﵂ من أبيها. ٨ - وفيه ما كان عليه النبي ﷺ من إقامة العدل وعدم المحاباة لأحد، ولو كان ذلك من أحب الناس إليه. ٩ - وفيه الحلف من غير استحلاف لتوكيد الخبر. ١٠ - وفيه الاعتبار بمن مضى من الأمم السابقة.

стр. 6873

١١ - وفيه جواز استعمال لو في الخبر الصادق، وإنَّما المنهي عن ذلك استعمالها في الأمر الفائت للتحسر، أو استعمالها فيما لا يجوز كالاعتراض على الشرع، أو لتمني ما لا يجوز، ونحو ذلك. ١٢ - واحتج باللفظ الآخر أحمد في إحدى الروايتين وإسحاق على القطع في جحد العارية، والذي عليه أكثر العلماء عدم القطع في ذلك. وذهب أحمد في الرواية الأخرى إلى عدم القطع. قَالَ الْعَلَّامَةُ ابْنُ قُدَامَةَ ﵀ فِي [الْمُغْنِي] (٢٠/ ١٨٧): «وعنه: لا قطع عليه، وهو قول الخرقي، وأبي إسحاق بن شاقلا، وأبي الخطاب، وسائر الفقهاء وهو الصحيح - إن شاء الله تعالى -» اهـ. واختار الْعَلَّامَةُ ابْنُ الْقَيِّمِ القطع في جحد العارية فَقَالَ ﵀ فِي [زَادِ الْمَعَادِ] (٥/ ٥٠): «وأمَّا جاحد العارية، فيدخل في اسم السارق شرعاً، لأنَّ النبي ﷺ لما كلموه في شأن المستعيرة الجاحدة، قطعها، وقال: "والذي نفسى بيده لو أنَّ فاطمة بنت محمد سرقت لقطعت يدها". فإدخاله ﷺ جاحد العارية في اسم السارق، كإدخاله سائر أنواع المسكر في اسم الخمر، فتأمله، وذلك تعريف للأمة بمراد الله من كلامه» اهـ.

стр. 6874

قُلْتُ: أكثر من روى الحديث عن الزهري لم يذكر في حديثه استعارة المتاع وجحده، وإنَّما ذكروا في حديثهم السرقة، وهي الرواية التي اتفق عليها البخاري ومسلم، وهذه الرواية هي الراجحة لعدة أوجه: الوجه الأول: أنَّه رواها كذلك أكثر الحفاظ الأثبات من أصحاب الزهري. الوجه الثاني: اتفاق البخاري ومسلم عليها، والأخرى انفرد بها مسلم. الوجه الثالث: أنَّ القطع في السرقة قد دلَّ عليه الكتاب والسنة والإجماع، وأمَّا القطع في جحد العارية فلم يدل عليه غير هذه الرواية المختلف فيها. الوجه الرابع: أنَّه جاء في آخر حديث جحد العارية: «إِنَّمَا أَهْلَكَ الَّذِينَ قَبْلَكُمْ، أَنَّهُمْ كَانُوا إِذَا سَرَقَ فِيهِمُ الشَّرِيفُ تَرَكُوهُ، وَإِذَا سَرَقَ فِيهِمُ الضَّعِيفُ أَقَامُوا عَلَيْهِ الحَدَّ، وَايْمُ اللَّهِ لَوْ أَنَّ فَاطِمَةَ بِنْتَ مُحَمَّدٍ سَرَقَتْ لَقَطَعْتُ يَدَهَا». وذكر السرقة في هذين الموضعين يدل على أنَّ القطع كان في السرقة لا في جحد العارية، وتأويل ذلك بأنَّ جحد العارية داخل في مسمى السرقة شرعاً فيه بعد. قَالَ الْعَلَّامَةُ الْقُرْطُبِي ﵀ فِي [الْمُفْهِم] (١٦/ ٣): «وهذا يدل دلالة قاطعة: على أنَّ المرأة قطعت في السرقة؛ إذ لو كان قطعها لأجل جحد المتاع لكان ذكر

стр. 6875

السرقة هنا لاغياً، لا فائدة له، وإنَّما كان يقول: لو أنَّ فاطمة جحدت المتاع لقطعت يدها» اهـ. الوجه الخامس: أنَّ الحديث جاء في مسلم (١٦٨٩) عَنْ جَابِرٍ، أَنَّ امْرَأَةً مِنْ بَنِي مَخْزُومٍ سَرَقَتْ، فَأُتِيَ بِهَا النَّبِيُّ ﷺ ، فَعَاذَتْ بِأُمِّ سَلَمَةَ زَوْجِ النَّبِيِّ ﷺ ، فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ : «وَاللهِ لَوْ كَانَتْ فَاطِمَةُ لَقَطَعْتُ يَدَهَا»، فَقُطِعَتْ. وأمَّا ما رواه أبو داود (٤٣٩٥) حَدَّثَنَا الْحَسَنُ بْنُ عَلِيٍّ، وَمَخْلَدُ بْنُ خَالِدٍ، الْمَعْنَى قَالَا: حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ، أَخْبَرَنَا مَعْمَرٌ - قَالَ مَخْلَدٌ: عَنْ مَعْمَرٍ - عَنْ أَيُّوبَ، عَنْ نَافِعٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ، «أَنَّ امْرَأَةً مَخْزُومِيَّةً كَانَتْ تَسْتَعِيرُ الْمَتَاعَ فَتَجْحَدُهُ، فَأَمَرَ النَّبِيُّ ﷺ بِهَا، فَقُطِعَتْ يَدُهَا». قَالَ أَبُو دَاوُدَ: رَوَاهُ جُوَيْرِيَةُ، عَنْ نَافِعٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ، أَوْ عَنْ صَفِيَّةَ بِنْتِ أَبِي عُبَيْدٍ، زَادَ فِيهِ، وَأَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَامَ خَطِيبًا، فَقَالَ: «هَلْ مِنَ امْرَأَةٍ تَائِبَةٍ إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ؟ - ثَلَاثَ مَرَّاتٍ - وَتِلْكَ شَاهِدَةٌ، فَلَمْ تَقُمْ، وَلَمْ تَتَكَلَّمْ» وَرَوَاهُ ابْنُ غَنَجٍ، عَنْ نَافِعٍ، عَنْ صَفِيَّةَ بِنْتِ أَبِي عُبَيْدٍ قَالَ: فِيهِ فَشَهِدَ عَلَيْهَا اهـ. قُلْتُ: الصَّحِيْحُ فِيهِ الإِرْسَالُ.

стр. 6876

قَالَ الْحَافِظُ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ ﵀ فِي [الْعِلَلِ] (١/ ٤٥٣): «وسمعت أبي، وذكر الحديث الذي: رواه عبد الرزاق، عن معمر، عن أيوب، عن نافع، عن ابن عمر، قال: كانت المخزومية تستعير المتاع، وتجحدها، فأمر رسول الله ﷺ بقطع يدها. قال أبي: روى هذا الحديث الليث بن سعد، عن محمد بن عبد الرحمن بن عنج، عن نافع: أنَّ صفية بنت أبي عبيد، أخبرته أنَّ امرأة كانت تستعير المتاع في عهد رسول الله ﷺ ، ثم تجحده، فأمر النبي ﷺ بقطع يدها، في قصة طويلة مرسلاً، وهذا أشبه ولم يرو عن أيوب إلَّا معمر» اهـ. وروى الحديث النسائي (٤٨٨٩) أَخْبَرَنَا عُثْمَانُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ، قَالَ: حَدَّثَنِي الْحَسَنُ بْنُ حَمَّادٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا عَمْرُو بْنُ هَاشِمٍ الْجَنْبِيُّ أَبُو مَالِكٍ، عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ، عَنْ نَافِعٍ، عَنْ ابْنِ عُمَرَ ﵄: أَنَّ امْرَأَةً كَانَتْ تَسْتَعِيرُ الْحُلِيَّ لِلنَّاسِ، ثُمَّ تُمْسِكُهُ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «لِتَتُبْ هَذِهِ الْمَرْأَةُ إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ، وَتَرُدَّ مَا تَأْخُذُ عَلَى الْقَوْمِ» ثُمَّ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «قُمْ يَا بِلَالُ فَخُذْ بِيَدِهَا فَاقْطَعْهَا».

стр. 6877

قُلْتُ: إِسْنَادُهُ ضَعِيْفٌ لضعف عمرو بن هاشم الجنبي أبي مالك، والصحيح فيه الإرسال، كما رواه النسائي (٤٨٩٠) أَخْبَرَنِي مُحَمَّدُ بْنُ الْخَلِيلِ، عَنْ شُعَيْبِ بْنِ إِسْحَقَ، عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ، عَنْ نَافِعٍ: أَنَّ امْرَأَةً كَانَتْ تَسْتَعِيرُ الْحُلِيَّ فِي زَمَانِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ، فَاسْتَعَارَتْ مِنْ ذَلِكَ حُلِيًّا، فَجَمَعَتْهُ ثُمَّ أَمْسَكَتْهُ. فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «لِتَتُبْ هَذِهِ الْمَرْأَةُ، وَتُؤَدِّي مَا عِنْدَهَا مِرَارًا»، فَلَمْ تَفْعَلْ، فَأَمَرَ بِهَا فَقُطِعَتْ. وجاء الحديث عند النسائي (٤٨٩٢، ٤٨٩٣) من مرسل ابن المسيب. قُلْتُ: ومثل هذه المراسيل لا تقوى على معارضة المرفوع. ومن أهل العلم من جمع بين أحاديث الباب بحصول الأمرين من الجهنية غير أنَّ القطع إنَّما كان من أجل السرقة، ومنهم من قال: إنَّ الراوي ذكر استعارة المتاع في الحديث لأنَّها عرفت بذلك لا لأنَّ القطع حصل من أجل ذلك. وفي هذا شيء من الضعف والمعتمد في ذلك ما ذكرناه. والله أعلم. * * *

стр. 6878

بَابُ حَدِّ الْخَمْرِ. ٣٤٩ - عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ ﵁ «أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ أُتِيَ بِرَجُلٍ قَدْ شَرِبَ الْخَمْرَ، فَجَلَدَهُ بِجَرِيدَةٍ نَحْوَ أَرْبَعِينَ. قَالَ: وَفَعَلَهُ أَبُو بَكْرٍ، فَلَمَّا كَانَ عُمَرُ اسْتَشَارَ النَّاسَ، فَقَالَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ: أَخَفَّ الْحُدُودِ ثَمَانِينَ، فَأَمَرَ بِهِ عُمَرُ ﵁». قُلْتُ: استشارة عمر للناس في شأن الخمر مما انفرد به مسلم (١٧٠٦) عن البخاري. واللفظ بهذا السياق لمسلم غير أنَّه قال: «بِجَرِيدَتَيْنِ». ولفظ الحديث في البخاري (٦٧٧٣)، ومسلم (١٧٠٦) عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ ﵁: «أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ ضَرَبَ فِي الخَمْرِ بِالْجَرِيدِ وَالنِّعَالِ، وَجَلَدَ أَبُو بَكْرٍ أَرْبَعِينَ». وَفِي الْحَدِيْثِ مَسَائِلُ مِنْهَا: ١ - حرمة شرب الخمر، وأنَّه من كبائر الذنوب، وذلك لأنَّ الحد يكون على كبيرة من كبائر الذنوب.

стр. 6879

وقد تكلم الْعَلَّامَةُ ابْنُ الْقَيِّمِ ﵀ بكلام نفيس حول آفات الخمر في الدنيا فَقَالَ فِي [حَادِي الْأَرْوَاحِ] (ص: ١٢٢): «فهذه خمس آفات من آفات خمر الدنيا: تغتال العقل، ويكثر اللغو على شربها بل لا يطيب لشرابها ذلك إلَّا باللغو، وتنزف في نفسها، وتنزف المال، وتصدع الرأس، وهي كريهة المذاق، وهي رجس من عمل الشيطان توقع العداوة والبغضاء بين الناس وتصد عن ذكر الله وعن الصلاة، وتدعو إلى الزنا، وربما دعت إلى الوقوع على البنت والأخت وذوات المحارم، وتذهب الغيرة، وتورث الخزي والندامة والفضيحة، وتلحق شاربها بأنقص نوع الإنسان وهم المجانين، وتسلبه أحسن الأسماء والسمات، وتكسوه أقبح الأسماء والصفات، وتسهل قتل النفس، وإفشاء السر الذي في إفشائه مضرته أو هلاكه، ومؤاخاة الشياطين في تبذير المال الذي جعله الله قياماً له ولمن يلزمه مؤنته، وتهتك الأستار، وتظهر الأسرار، وتدل على العورات، وتهون ارتكاب القبائح والمأثم، وتخرج من القلب تعظيم المحارم، ومدمنها كعابد وثن، وكم أهاجت من حرب، وأفقرت من غني، وأذلت من عزيز، ووضعت من شريف، وسلبت من نعمة، وجلبت من نقمة، وفسخت من مودة، ونسجت من عداوة، وكم فرقت بين رجل وزوجته فذهبت بقلبه وراحت بلبه، وكم أورثت

стр. 6880

من حسرة، وأجرت من عبرة، وكم أغلقت في وجه شاربها باباً من الخير، وفتحت له باباً من الشر، وكم أوقعت في بلية، وعجلت من منية، وكم أورثت من خزية، وجرت على شاربها من محنة، وجرت عليه من سفلة، فهي جماع الإثم، ومفتاح الشر، وسلابة النعم، وجالبة النقم، ولو لم يكن من رذائلها إلَّا أنَّها لا تجتمع هي وخمر الجنة في جوف عبد كما ثبت عنه أنَّه قال: "من شرب الخمر في الدنيا لم يشربها في الآخرة". لكفى وآفات الخمر أضعاف، أضعاف ما ذكرنا وكلها منتفية عن خمر الجنة» اهـ. ٢ - ثبوت الحد في شرب الخمر. وهل يدخل في ذلك غير الشرب كالأكل والاحتقان، الذي يظهر لي في ذلك أنَّ كل ما يحصل من طريقه الإسكار فيحد به، سواء كان عن طريق الفم، أو الاستنشاق بالأنف، أو الاحتقان بالأوردة، أو غير ذلك؛ وذلك لأنَّ الخمر يشمل كل مسكر أكلاً أو شرباً أو غير ذلك لما رواه مسلم (٢٠٠٣) عَنِ ابْنِ عُمَرَ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : «كُلُّ مُسْكِرٍ خَمْرٌ، وَكُلُّ مُسْكِرٍ حَرَامٌ، وَمَنْ شَرِبَ الْخَمْرَ فِي الدُّنْيَا فَمَاتَ وَهُوَ يُدْمِنُهَا لَمْ يَتُبْ، لَمْ يَشْرَبْهَا فِي الْآخِرَةِ».

стр. 6881

قَالَ الْعَلَّامَةُ ابْنُ قُدَامَةَ ﵀ فِي [الْمُغْنِي] (٢٠/ ٣٢٦): «فصل: وإن ثرد في الخمر، أو اصطبغ به، أو طبخ به لحماً فأكل من مرقته، فعليه الحد؛ لأنَّ عين الخمر موجودة، وكذلك إن لتَّ به سويقاً فأكله. وإن عجن به دقيقاً، ثم خبزه فأكله، لم يحد؛ لأنَّ النار أكلت أجزاء الخمر، فلم يبق إلَّا أثره. وإن احتقن بالخمر، لم يحد؛ لأنَّه ليس بشرب ولا أكل؛ ولأنَّه لم يصل إلى حلقه، فأشبه ما لو داوى به جرحه، وإن استعط به، فعليه الحد؛ لأنَّه أوصله إلى باطنه من حلقه، ولذلك نشر الحرمة في الرضاع دون الحقنة. وحكي عن أحمد أنَّ على من احتقن به الحد؛ لأنَّه أوصله إلى جوفه، والأول أولى؛ لما ذكرناه. - والله أعلم -» اهـ. قُلْتُ: الاحتقان بالخمر عن طريق الدبر أو غير ذلك إن كان لا يحصل الاسكار بقليل ذلك ولا كثيره فلا يحد، وأمَّا إن كان طريقاً للإسكار فيحد، وقد وجد في هذه الأيام أنواع من المسكرات تستعمل عن طريق الاحتقان في الأوردة، وعن طريق الاستنشاق بالأنف ويحصل به الاسكار كالشرب عن طريق الفم أو أشد، فالقول بعدم إقامة الحد في ذلك بعيد غاية البعد.

стр. 6882

ويقام الحد في الكثير المسكر، والقليل الذي يسكر كثيره، لما رواه أحمد (١٤٧٤٤)، وأبو داود (٣٦٨١)، والترمذي (١٨٦٥)، وابن ماجة (٣٣٩٣) من طريق دَاوُدَ بْنِ بَكْرِ بْنِ أَبِي الْفُرَاتِ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ الْمُنْكَدِرِ، عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «مَا أَسْكَرَ كَثِيرُهُ، فَقَلِيلُهُ حَرَامٌ». قُلْتُ: هَذَا إِسْنَادٌ حَسَنٌ من أجل داود بن بكر بن أبي الفرات، ورواه ابن حبان (٥٣٨٢) بِإِسْنَادٍ آخَرَ صَحِيْحٌ، فالحديث صحيح. وجاء من حديث عبد الله بن عمرو بن العاص عند أحمد (٦٥٥٨، ٦٦٧٤)، والنسائي (٥٦٠٧)، وابن ماجة (٣٣٩٤) بِإِسْنَادٍ حَسَنٍ. وهو صحيح بما مضى. وجاء من حديث سعد بن أبي وقاص، رواه النسائي (٥٦٠٨، ٥٦٠٩) من طريق الضَّحَّاكِ بْنِ عُثْمَانَ، عَنْ بُكَيْرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الْأَشَجِّ، عَنْ عَامِرِ بْنِ سَعْدٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «أَنْهَاكُمْ عَنْ قَلِيلِ مَا أَسْكَرَ كَثِيرُهُ». قُلْتُ: هَذَا إِسْنَادٌ حَسَنٌ. وهو صحيح بما سبق. وروى أحمد (٢٤٤٦٨)، وأبو داود (٣٦٨٧)، والترمذي (١٨٦٦) من طريق أَبِي عُثْمَانَ عَمْرو بْنِ سَلْمٍ الْأَنْصَارِيِّ، عَنِ الْقَاسِمِ، عَنْ عَائِشَةَ ﵂، قَالَتْ:

стр. 6883

سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: «كُلُّ مُسْكِرٍ حَرَامٌ، وَمَا أَسْكَرَ مِنْهُ الْفَرْقُ فَمِلْءُ الْكَفِّ مِنْهُ حَرَامٌ». قُلْتُ: هَذَا حَدِيْثٌ صَحِيْحٌ. ويقال: "فرْق" و"فرَق" بسكون الراء وفتحها. وفي الباب أحاديث أخرى. قَالَ الْعَلَّامَةُ ابْنُ الْأَثِيْرِ ﵀ فِي [الْنِّهَايَةِ] (٣/ ٨٣٧): «الفَرَقُ بالتحريك: مكيال يسع ستة عشر رطلاً، وهي اثنا عشر مداً أو ثلاثة آصع عند أهل الحجاز. وقيل: الفرق خمسة أقساط والقسط: نصف صاع فأمَّا الفرق بالسكون فمائة وعشرون رطلاً» اهـ. قَالَ الْعَلَّامَةُ ابْنُ قُدَامَةَ ﵀ فِي [الْمُغْنِي] (٢٠/ ٣٢٤): «الفصل الثاني: أنَّه يجب الحد على من شرب قليلاً من المسكر أو كثيراً. ولا نعلم بينهم خلافاً في ذلك في عصير العنب غير المطبوخ، واختلفوا في سائرها، فذهب إمامنا إلى التسوية بين عصير العنب وكل مسكر. وهو قول الحسن، وعمر بن عبد العزيز، وقتادة، والأوزاعي، ومالك، والشافعي. وقالت طائفة لا يحد، إلَّا أن يسكر؛ منهم أبو وائل، والنخعي، وكثير من أهل الكوفة، وأصحاب الرأي.

стр. 6884

وقال أبو ثور: من شربه معتقداً تحريمه حد. ومن شربه متأولاً، فلا حد عليه؛ لأنَّه مختلف فيه، فأشبه النكاح بلا ولي» اهـ. قُلْتُ: الصواب مع جمهور العلماء، فإنَّ التأويلات الفاسدة لا ترفع الحدود، وقد أقام الصحابة الحد على من تأول في إباحة الخمر بالتأويل الخاطئ. وقد حرر شَيْخُ الْإِسْلَامِ ابْنُ تَيْمِيَّةَ ﵀ نزاع العلماء فيما يحرم من المسكر فقال كَمَا فِي [مَجْمُوْعِ الْفَتَاوَى] (٣٤/ ١٨٦ - ١٨٧): «أمَّا "الأشربة المسكرة" فمذهب جمهور علماء المسلمين الصحابة والتابعين لهم بإحسان وسائر العلماء أنَّ كل مسكر خمر وكل خمر حرام، وما أسكر كثيره فقليله حرام. وهذا مذهب مالك وأصحابه والشافعي وأصحابه وأحمد بن حنبل وأصحابه وهو أحد القولين في مذهب أبي حنيفة وهو اختيار محمد بن الحسن صاحب أبي حنيفة واختيار طائفة من المشايخ: مثل أبي الليث السمرقندي وغيره. وهذا قول الأوزاعي وأصحابه والليث ابن سعد وأصحابه وإسحاق بن راهويه وأصحابه وداود بن علي وأصحابه وأبي ثور وأصحابه وابن جرير الطبري وأصحابه وغير هؤلاء من علماء المسلمين وأئمة الدين.

стр. 6885

وذهب طائفة من العلماء من أهل الكوفة كالنخعي والشعبي وأبي حنيفة وشريك وغيرهم إلى أنَّ ما أسكر من غير الشجرتين - النخل والعنب - كنبيذ الحنطة والشعير والذرة والعسل ولبن الخيل وغير ذلك فإنَّما يحرم منه القدر الذي يسكر، وأمَّا القليل الذي لا يسكر فلا يحرم. وأمَّا عصير العنب الذي إذا غلا واشتد وقذف بالزبد فهو خمر يحرم قليله وكثيره بإجماع المسلمين. وأصحاب "القول الثاني" قالوا: لا يسمى خمراً إلَّا ما كان من العنب. وقالوا: إنَّ نبيذ التمر والزبيب إذا كان نيئاً مسكراً حرم قليله وكثيره ولا يسمى خمراً فإن طبخ أدنى طبخ حل. وأمَّا عصير العنب إذا طبخ وهو مسكر لم يحل إلَّا أن يذهب ثلثاه ويبقى ثلثه. فأمَّا بعد أن يصير خمراً فلا يحل وإن طبخ إذا كان مسكراً بلا نزاع. و"القول الأول" الذي عليه جمهور علماء المسلمين هو الصحيح الذي يدل عليه الكتاب والسنة والاعتبار». إلى آخر كلامه ﵀. ٣ - وفي الحديث إقامة الحد بالشهادة على شرب الخمر، وهذا مما لا نزاع فيه، وإنَّما تنازع العلماء فيما سوى ذلك، كإقامته بالشهادة على تقيء الخمر، أو بوجود رائحته.

стр. 6886

أمَّا التقيؤ فالصحيح إقامة الحد بالشهادة عليه، وذلك أنَّ التقيؤ لا يكون إلَّا بعد الشرب، وبهذا قضى عثمان كما سيأتي في الفقرة التي بعد هذه، وهكذا الرائحة على الصحيح، واحتمال أن توجد عند شرب بعض العصائر الغير مسكرة كعصير التفاح مثلاً، خلاف الأصل، فإن ذكر ما يحتمل الصدق درء عنه الحد لذلك. والله أعلم. ويدل على ذلك ما رواه مالك في [الْمُوَطَّأِ] (١٥٣٢)، ومن طريقه النسائي (٥٧٠٨) عَنْ ابْنِ شِهَابٍ، عَنْ السَّائِبِ بْنِ يَزِيدَ، أَنَّهُ أَخْبَرَهُ أَنَّ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ خَرَجَ عَلَيْهِمْ، فَقَالَ: «إِنِّي وَجَدْتُ مِنْ فُلَانٍ رِيحَ شَرَابٍ، فَزَعَمَ أَنَّهُ شَرَابُ الطِّلَاءِ، وَأَنَا سَائِلٌ عَمَّا شَرِبَ، فَإِنْ كَانَ مُسْكِرًا جَلَدْتُهُ»، فَجَلَدَهُ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ ﵁ الْحَدَّ تَامًّا. قُلْتُ: هَذَا حَدِيْثٌ صَحِيْحٌ، وعلقه البخاري بصيغة الجزم. وروى البخاري (٥٠٠١)، ومسلم (٨٠١) عَنْ عَلْقَمَةَ، قَالَ: كُنَّا بِحِمْصَ فَقَرَأَ ابْنُ مَسْعُودٍ سُورَةَ يُوسُفَ، فَقَالَ رَجُلٌ: مَا هَكَذَا أُنْزِلَتْ، قَالَ: قَرَأْتُ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَقَالَ: «أَحْسَنْتَ» وَوَجَدَ مِنْهُ رِيحَ الخَمْرِ، فَقَالَ: أَتَجْمَعُ أَنْ تُكَذِّبَ بِكِتَابِ اللَّهِ وَتَشْرَبَ الخَمْرَ فَضَرَبَهُ الحَدَّ.

стр. 6887

قَالَ الْعَلَّامَةُ ابْنُ قُدَامَةَ ﵀ فِي [الْمُغْنِي] (٢٠/ ٣٣٢ - ٣٣٣): «فصل: ولا يجب الحد بوجود رائحة الخمر من فيه. في قول أكثر أهل العلم؛ منهم الثوري، وأبو حنيفة، والشافعي. وروى أبو طالب، عن أحمد، أنَّه يحد بذلك. وهو قول مالك؛ لأنَّ ابن مسعود جلد رجلاً وجد منه رائحة الخمر وروي عن عمر أنَّه قال: إنِّي وجدت من عبيد الله ريح شراب، فأقر أنَّه شرب الطلاء. فقال عمر: إنِّي سائل عنه، فإن كان يسكر جلدته. ولأنَّ الرائحة تدل على شربه، فجرى مجرى الإقرار. والأول أولى؛ لأنَّ الرائحة يحتمل أنَّه تمضمض بها، أو حسبها ماء، فلما صارت في فيه مجها، أو ظنها لا تسكر، أو كان مكرهاً، أو أكل نبقاً بالغاً، أو شرب شراب التفاح، فإنَّه يكون منه، كرائحة الخمر، وإذا احتمل ذلك، لم يجب الحد الذي يدرأ بالشبهات. وحديث عمر حجة لنا، فإنَّه لم يحده بوجود الرائحة، ولو وجب ذلك، لبادر إليه عمر - والله أعلم -. فصل: وإن وجد سكران، أو تقيأ الخمر.

стр. 6888

فعن أحمد، لا حد عليه؛ لاحتمال أن يكون مكرهاً، أو لم يعلم أنَّها تسكر. وهذا مذهب الشافعي. ورواية أبي طالب عنه في الحد بالرائحة، يدل على وجوب الحد هاهنا بطريق الأولى؛ لأنَّ ذلك لا يكون إلَّا بعد شربها، فأشبه ما لو قامت البينة عليه بشربها. وقد روى سعيد، حدثنا هشيم، حدثنا المغيرة، عن الشعبي، قال: لما كان من أمر قدامة ما كان، جاء علقمة الخصي، فقال: أشهد أنِّي رأيته يتقيؤها. فقال عمر: من قاءها فقد شربها. فضربه الحد وروى حصين بن المنذر الرقاشي، قال: شهدت عثمان، وأتي بالوليد بن عقبة، فشهد عليه حمران ورجل آخر، فشهد أحدهما أنَّه رآه شربها، وشهد الآخر أنَّه رآه يتقيؤها. فقال عثمان: إنَّه لم يتقيأها حتى شربها، فقال لعلي: أقم عليه الحد. فأمر علي عبد الله بن جعفر، فضربه. رواه مسلم، وفي رواية فقال له عثمان: لقد تنطعت في الشهادة. وهذا بمحضر من علماء الصحابة وسادتهم، ولم ينكر، فكان إجماعاً.

стр. 6889

ولأنَّه يكفي في الشهادة عليه أنَّه شربها، ولا يتقيؤها أو لا يسكر منها حتى يشربها» اهـ. وَقَالَ شَيْخُ الْإِسْلَامِ ابْنُ تَيْمِيَّةَ ﵀ كَمَا فِي [مَجْمُوْعِ الْفَتَاوَى] (٢٨/ ٣٣٩): «والحد واجب إذا قامت البينة أو اعترف الشارب؛ فإن وجدت منه رائحة الخمر أو رئي وهو يتقيؤها ونحو ذلك. فقد قيل: لا يقام عليه الحد لاحتمال أنَّه شرب ما ليس بخمر أو شربها جاهلاً بها أو مكرهاً ونحو ذلك. وقيل: بل يجلد إذا عرف أنَّ ذلك مسكر. وهذا هو المأثور عن الخلفاء الراشدين وغيرهم من الصحابة: كعثمان وعلي وابن مسعود؛ وعليه تدل سنة رسول الله ﷺ وهو الذي يصلح عليه الناس وهو مذهب مالك. وأحمد في غالب نصوصه وغيرهما» اهـ. وَقَالَ الْعَلَّامَةُ ابْنُ الْقَيِّمِ ﵀ فِي [إِعْلَامِ الْمُوَقِعِيْنَ] (١/ ١٣٠): «وكذلك رائحة الخمر بينة على شربها عند الصحابة وفقهاء أهل المدينة وأكثر فقهاء الحديث» اهـ.

стр. 6890

وَقَالَ ﵀ فِي [الْطُرُقِ الْحُكْمِيَّةِ] (ص: ٨): «وحكم عمر وابن مسعود ولا يعرف لهما مخالف بوجوب الحد برائحة الخمر من في الرجل أو قيئه خمراً اعتماداً على القرينة الظاهرة» اهـ. وَقَالَ ﵀ فِي [الْطُرُقِ الْحُكْمِيَّةِ] (ص: ١٤٣): «وجعل الصحابة ﵃ الحبل علامة وآية على الزنا فحدوا به المرأة وإن لم تقر ولم يشهد عليها أربعة بل جعلوا الحبل أصدق من الشهادة، وجعلوا رائحة الخمر وقيئه لها آية وعلامة على شربها بمنزلة الإقرار والشاهدين» اهـ. ٤ - أنَّ الجلد في الخمر يكون نحو الأربعين. وجاء في رواية لمسلم (١٧٠٦) عَنْ أَنَسٍ: «أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ كَانَ يَضْرِبُ فِي الْخَمْرِ بِالنِّعَالِ وَالْجَرِيدِ أَرْبَعِينَ». وفيها الجزم بالأربعين. وقد جاء التنصيص على الأربعين فيما رواه مسلم (١٧٠٧) عَنْ حُضَيْنِ بْنِ الْمُنْذِرِ أَبِي سَاسَانَ، قَالَ: «شَهِدْتُ عُثْمَانَ بْنَ عَفَّانَ وَأُتِيَ بِالْوَلِيدِ قَدْ صَلَّى الصُّبْحَ رَكْعَتَيْنِ، ثُمَّ قَالَ: أَزِيدُكُمْ، فَشَهِدَ عَلَيْهِ رَجُلَانِ أَحَدُهُمَا حُمْرَانُ أَنَّهُ شَرِبَ الْخَمْرَ، وَشَهِدَ آخَرُ أَنَّهُ رَآهُ يَتَقَيَّأُ، فَقَالَ عُثْمَانُ: إِنَّهُ لَمْ يَتَقَيَّأْ حَتَّى شَرِبَهَا، فَقَالَ: يَا عَلِيُّ، قُمْ فَاجْلِدْهُ، فَقَالَ عَلِيٌّ: قُمْ يَا حَسَنُ

стр. 6891

فَاجْلِدْهُ، فَقَالَ الْحَسَنُ: وَلِّ حَارَّهَا مَنْ تَوَلَّى قَارَّهَا، فَكَأَنَّهُ وَجَدَ عَلَيْهِ، فَقَالَ: يَا عَبْدَ اللهِ بْنَ جَعْفَرٍ قُمْ فَاجْلِدْهُ، فَجَلَدَهُ وَعَلِيٌّ يَعُدُّ حَتَّى بَلَغَ أَرْبَعِينَ، فَقَالَ: أَمْسِكْ، ثُمَّ قَالَ: جَلَدَ النَّبِيُّ ﷺ أَرْبَعِينَ، وَجَلَدَ أَبُو بَكْرٍ أَرْبَعِينَ، وَعُمَرُ ثَمَانِينَ، وَكُلٌّ سُنَّةٌ، وَهَذَا أَحَبُّ إِلَيَّ». والوليد هو ابن عقبة. وقَوْلُهُ: «وَهَذَا أَحَبُّ إِلَيَّ». يحتمل أن يعود إلى الثمانين لأنَّها أقرب مذكور، ويحتمل عوده إلى الأربعين لأنَّها هي التي وقف عندها، وهذا أظهر عندي. قَالَ الْعَلَّامَةُ الْقُرْطُبِي ﵀ فِي [الْمُفْهِم] (١٦/ ٥٥): «وقَوْلُهُ: "وهذا أحب إلي"؛ ظاهره: أنَّه أشار إلى الأربعين التي أمر بالإمساك عليها. وقد روي: أنَّ المعروف من مذهبه الثمانون. فيكون له في ذلك القولان، لكنه دام هو على الثمانين لما كثر الإقدام على شرب الخمر» اهـ. وَقَالَ الْعَلَّامَةُ الْنَوَوِي ﵀ فِي [شَرْحِ مُسْلِمٍ] (٦/ ١٢٩): «إشارة إلى الأربعين التي كان جلدها، وقال للجلاد: أمسك، ومعناه: هذا الذي قد جلدته، وهو الأربعون أحب إلي من الثمانين» اهـ.

стр. 6892

قُلْتُ: ويشكل على هذا الحديث ما رواه البخاري (٦٧٧٨)، ومسلم (١٧٠٧) عَنْ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ ﵁، قَالَ: «مَا كُنْتُ لِأُقِيمَ حَدًّا عَلَى أَحَدٍ فَيَمُوتَ، فَأَجِدَ فِي نَفْسِي، إِلَّا صَاحِبَ الخَمْرِ، فَإِنَّهُ لَوْ مَاتَ وَدَيْتُهُ، وَذَلِكَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ لَمْ يَسُنَّهُ». إذ فيه أنَّ النبي ﷺ لم يسن الحد في الخمر، وقد أجاب العلماء على هذا الإشكال من وجهين: الأول: أنَّ المراد به لم يسن شيئاً زائداً على الأربعين، قاله البيهقي وابن حزم. قَالَ الْحِافِظُ ابْنُ حَجَرٍ ﵀ فِي [فَتْحِ الْبَارِي] (١٢/ ٧١ - ٧٢): «والجمع بين حديث علي المصرح بأنَّ النبي ﷺ جلد أربعين وأنَّه سنة وبين حديثه المذكور في هذا الباب أنَّ النبي ﷺ لم يسنه، بأن يحمل النفي على أنَّه لم يحد الثمانين أي لم يسن شيئاً زائداً على الأربعين ويؤيده قَوْلُهُ: "وإنَّما هو شيء صنعناه نحن" يشير إلى ما أشار به على عمر. وعلى هذا فقَوْلُهُ: "لو مات لوديته أي في الأربعين الزائدة" وبذلك جزم البيهقي وابن حزم، ويحتمل أن يكون قَوْلُهُ: "لم يسنه" أي: الثمانين لقوله في الرواية الأخرى: وإنَّما هو شيء صنعناه" فكأنَّه خاف من الذي صنعوه باجتهادهم أن لا يكون مطابقاً واختص هو بذلك لكونه الذي كان أشار بذلك» اهـ.

стр. 6893

الثاني: أنَّ الضمير في قَوْلِهِ: «لَمْ يَسُنَّهُ». عائد على صفة الضرب، وهو الضرب بالسياط. قَالَ الْحِافِظُ ابْنُ حَجَرٍ ﵀ فِي [فَتْحِ الْبَارِي] (١٢/ ٧٢): «ويحتمل أن يكون الضمير في قَوْلُهُ: "لَمْ يَسُنَّهُ". لصفة الضرب وكونها بسوط الجلد أي: لم يسن الجلد بالسوط، وإنَّما كان يضرب فيه بالنعال وغيرها مما تقدم ذكره أشار إلى ذلك البيهقي» اهـ. ٥ - وفيه أنَّ الذي زاد في حد الخمر إلى الأربعين عمر بن الخطاب ﵁، وقد روى البخاري (٦٧٧٩) عَنِ السَّائِبِ بْنِ يَزِيدَ، قَالَ: «كُنَّا نُؤْتَى بِالشَّارِبِ عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَإِمْرَةِ أَبِي بَكْرٍ وَصَدْرًا مِنْ خِلَافَةِ عُمَرَ، فَنَقُومُ إِلَيْهِ بِأَيْدِينَا وَنِعَالِنَا وَأَرْدِيَتِنَا، حَتَّى كَانَ آخِرُ إِمْرَةِ عُمَرَ، فَجَلَدَ أَرْبَعِينَ، حَتَّى إِذَا عَتَوْا وَفَسَقُوا جَلَدَ ثَمَانِينَ». قَالَ الْحِافِظُ ابْنُ حَجَرٍ ﵀ فِي [فَتْحِ الْبَارِي] (١٢/ ٦٩): «قَوْلُهُ: "حتى إذا عتوا". بمهملة ثم مثناة من العتو وهو التجبر، والمراد هنا انهماكهم في الطغيان والمبالغة في الفساد في شرب الخمر؛ لأنَّه ينشأ عنه الفساد. قَوْلُهُ: "وفسقوا" أي: خرجوا عن الطاعة» اهـ.

стр. 6894

قُلْتُ: وقد تنازع العلماء في حد الخمر فمنهم من جعله ثمانين، وقد ذهب إلى ذلك من الأئمة الأربعة: أبو حنيفة، ومالك، وأحمد في إحدى الروايتين، وذهب الشافعي، وأحمد في الرواية الأخرى إلى أنَّ حد الخمر أربعون، وهذا هو الذي يظهر لي صحته لحديث أنس، وعلي بن أبي طالب الماضيين، وبناءً على ذلك يكون ما زاد على الأربعين إلى الثمانين من باب التعزير لا الحد. والله أعلم. قَالَ الْعَلَّامَةُ ابْنُ قُدَامَةَ ﵀ فِي [الْمُغْنِي] (٢٠/ ٣٢٧): «وفعل النبي ﷺ حجة لا يجوز تركه بفعل غيره، ولا ينعقد الإجماع على ما خالف فعل النبي، وأبي بكر وعلي ﵄، فتحمل الزيادة من عمر على أنَّها تعزير، يجوز فعلها إذا رآه الإمام» اهـ. وقد زاد على بن أبي طالب ﵁ في الجلد في الخمر أكثر من ذلك تعزيراً لذنب آخر وهو الإفطار في رمضان، وذلك فيما رواه عبد الرزاق في [مُصَنَّفِهِ] (١٣٥٥٦، ١٧٠٤٢) أَخْبَرَنَا الثَّوْرِيُّ، عَنْ عَطَاءِ بْنِ أَبِي مَرْوَانَ، عَنْ أَبِيهِ، أَنَّ عَلِيًّا ضَرَبَ النَّجَاشِيَّ الْحَارِثِيَّ الشَّاعِرَ ثُمَّ حَبَسَهُ، كَانَ شَرِبَ الْخَمْرَ فِي رَمَضَانَ فَضَرَبَهُ ثَمَانِينَ جَلْدَةً وَحَبَسَهُ، ثُمَّ أَخْرَجَهُ مِنَ الْغَدِ فَجَلَدَهُ عِشْرِينَ، وَقَالَ: «إِنَّمَا جَلَدْتُكَ هَذِهِ الْعِشْرَينَ لِجُرْأَتِكَ عَلَى اللَّهِ، وَإِفْطَارِكَ فِي رَمَضَانَ».

стр. 6895

قُلْتُ: إِسْنَادُهُ صَحِيْحٌ. ٦ - وفيه أنَّه لا يشترط في حد الخمر الجلد بالسوط؛ لأنَّ النبي ﷺ ضرب بالجريد. والجريد: سعف النخل الواحدة جريدة وسميت بذلك لأنَّه قد جرد عنها الخوص وهي الورق. وقد مضى ما رواه البخاري (٦٧٧٣)، ومسلم (١٧٠٦) عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ ﵁: «أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ ضَرَبَ فِي الخَمْرِ بِالْجَرِيدِ وَالنِّعَالِ، وَجَلَدَ أَبُو بَكْرٍ أَرْبَعِينَ». ومضى ما رواه البخاري (٦٧٧٩) عَنِ السَّائِبِ بْنِ يَزِيدَ، قَالَ: «كُنَّا نُؤْتَى بِالشَّارِبِ عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَإِمْرَةِ أَبِي بَكْرٍ وَصَدْرًا مِنْ خِلَافَةِ عُمَرَ، فَنَقُومُ إِلَيْهِ بِأَيْدِينَا وَنِعَالِنَا وَأَرْدِيَتِنَا، حَتَّى كَانَ آخِرُ إِمْرَةِ عُمَرَ، فَجَلَدَ أَرْبَعِينَ، حَتَّى إِذَا عَتَوْا وَفَسَقُوا جَلَدَ ثَمَانِينَ». وروى البخاري (٦٧٧٥) عَنْ عُقْبَةَ بْنِ الحَارِثِ: «أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ أُتِيَ بِنُعَيْمَانَ، أَوْ بِابْنِ نُعَيْمَانَ، وَهُوَ سَكْرَانُ، فَشَقَّ عَلَيْهِ، وَأَمَرَ مَنْ فِي البَيْتِ أَنْ يَضْرِبُوهُ، فَضَرَبُوهُ بِالْجَرِيدِ وَالنِّعَالِ، وَكُنْتُ فِيمَنْ ضَرَبَهُ».

стр. 6896

٧ - وفيه استشار الأمير أهل الحل والعقد في الأمور النازلة. ٨ - وفيه العمل بالقياس عند الحاجة إليه. ٩ - وليس في الحديث ما يدل صراحة على إقامة الحد وقت السكر. قَالَ الْعَلَّامَةُ ابْنُ قُدَامَةَ ﵀ فِي [الْمُغْنِي] (٢٠/ ٣٣٨): «فصل: ولا يقام الحد على السكران حتى يصحو. روي هذا عن عمر بن عبد العزيز، والشعبي. وبه قال الثوري، وأبو حنيفة، والشافعي؛ لأنَّ المقصود الزجر والتنكيل، وحصوله بإقامة الحد عليه في صحوه أتم، فينبغي أن يؤخر إليه» اهـ. فرع: في ذكر بعض أنواع المسكرات. النوع الأول: الحشيشة. قَالَ شَيْخُ الْإِسْلَامِ ابْنُ تَيْمِيَّةَ ﵀ كَمَا فِي [مَجْمُوْعِ الْفَتَاوَى] (٣٤/ ٢٠٤ - ٢١٠): «وأمَّا "الحشيشة" الملعونة المسكرة: فهي بمنزلة غيرها من المسكرات، والمسكر منها حرام باتفاق العلماء؛ بل كل ما يزيل العقل فإنَّه يحرم أكله ولو لم يكن مسكراً: كالبنج، فإنَّ المسكر يجب فيه الحد وغير المسكر يجب فيه التعزير. وأمَّا قليل "الحشيشة المسكرة" فحرام عند جماهير العلماء كسائر القليل من المسكرات وقول النبي ﷺ : "كل مسكر خمر وكل خمر حرام"

стр. 6897

يتناول ما يسكر. ولا فرق بين أن يكون المسكر مأكولاً أو مشروباً؛ أو جامداً أو مائعاً. فلو اصطبغ كالخمر كان حراماً، ولو أماع الحشيشة وشربها كان حراماً. ونبينا ﷺ بعث بجوامع الكلم فإذا قال كلمة جامعة كانت عامة في كل ما يدخل في لفظها ومعناها سواء كانت الأعيان موجودة في زمانه أو مكانه أو لم تكن. فلما قال: "كل مسكر حرام" تناول ذلك ما كان بالمدينة من خمر التمر وغيرها، وكان يتناول ما كان بأرض اليمن من خمر الحنطة والشعير والعسل وغير ذلك، ودخل في ذلك ما حدث بعده من خمر لبن الخيل الذي يتخذه الترك ونحوهم. فلم يفرق أحد من العلماء بين المسكر من لبن الخيل والمسكر من الحنطة والشعير وإن كان أحدهما موجوداً في زمنه كان يعرفه والآخر لم يكن يعرفه؛ إذ لم يكن بأرض العرب من يتخذ خمراً من لبن الخيل. وهذه "الحشيشة" فإنَّ أول ما بلغنا أنَّها ظهرت بين المسلمين في أواخر المائة السادسة وأوائل السابعة حيث ظهرت دولة التتر؛ وكان ظهورها مع ظهور سيف "جنكسخان" لما أظهر الناس ما نهاهم الله ورسوله عنه من الذنوب سلط الله عليهم العدو وكانت هذه الحشيشة الملعونة من أعظم المنكرات وهي شر من الشراب المسكر من بعض الوجوه والمسكر شر منها من وجه آخر فإنَّها مع أنَّها تسكر آكلها

стр. 6898

حتى يبقى مصطولاً تورث التخنيث والديوثة وتفسد المزاج فتجعل الكبير كالسفتجة وتوجب كثرة الأكل وتورث الجنون وكثير من الناس صار مجنوناً بسبب أكلها. ومن الناس من يقول: إنَّها تغير العقل فلا تسكر كالبنج؛ وليس كذلك بل تورث نشوة ولذة وطرباً كالخمر وهذا هو الداعي إلى تناولها، وقليلها يدعو إلى كثيرها كالشراب المسكر، والمعتاد لها يصعب عليه فطامه عنها أكثر من الخمر؛ فضررها من بعض الوجوه أعظم من الخمر؛ ولهذا قال الفقهاء: إنَّه يجب فيها الحد كما يجب في الخمر. وتنازعوا في "نجاستها" على ثلاثة أوجه في مذهب أحمد وغيره. فقيل: هي نجسة. وقيل: ليست بنجسة. وقيل: رطبها نجس كالخمر ويابسها ليس بنجس. والصحيح أنَّ النجاسة تتناول الجميع كما تتناول النجاسة جامد الخمر ومائعها فمن سكر من شراب مسكر أو حشيشة مسكرة لم يحل له قربان المسجد حتى يصحو ولا تصح صلاته حتى يعلم ما يقول ولا بد أن يغسل فمه ويديه وثيابه في هذا وهذا والصلاة فرض عينية؛ لكن لا تقبل منه حتى يتوب أربعين يوماً كما قال النبي ﷺ : "من شرب الخمر لم تقبل له صلاة أربعين يوماً فإن تاب، تاب الله عليه، فإن عاد فشربها لم تقبل له صلاة أربعين يوماً فإن

стр. 6899

تاب، تاب الله عليه، فإن عاد فشربها كان حقاً على الله أن يسقيه من طينة الخبال. قيل: وما طينة الخبال؟ قال: عصارة أهل النار، أو عرق أهل النار". وأمَّا قول القائل: إنَّ هذه ما فيها آية ولا حديث: فهذا من جهله؛ فإنَّ القرآن والحديث فيهما كلمات جامعة هي قواعد عامة وقضايا كلية، تتناول كل ما دخل فيها وكل ما دخل فيها فهو مذكور في القرآن والحديث باسمه العام وإلَّا فلا يمكن ذكر كل شيء باسمه الخاص فإنَّ الله بعث محمداً ﷺ إلى جميع الخلق وقال: ﴿قُلْ يَا أَيُّهَا النَّاسُ إنِّي رَسُولُ اللَّهِ إلَيْكُمْ جَمِيعًا﴾ وقال: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إلَّا كَافَّةً لِلنَّاسِ﴾ وقال تعالى: ﴿الَّذِي نَزَّلَ الْفُرْقَانَ عَلَى عَبْدِهِ لِيَكُونَ لِلْعَالَمِينَ نَذِيرًا﴾ وقال: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إلَّا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ﴾ فاسم "الناس" و"العالمين" يدخل فيه العرب وغير العرب من الفرس والروم والهند والبربر فلو قال قائل: إنَّ محمداً ما أرسل إلى الترك والهند والبربر؛ لأنَّ الله لم يذكرهم في القرآن كان جاهلاً كما لو قال: إنَّ الله لم يرسله إلى بني تميم وبني أسد وغطفان وغير ذلك من قبائل العرب فإنَّ الله لم يذكر هذه القبائل بأسمائها الخاصة؛ وكما لو قال: إنَّ الله لم يرسله إلى أبي جهل وعتبة وشيبة؛ وغيرهم من قريش؛ لأنَّ الله لم يذكرهم بأسمائهم الخاصة في القرآن. وكذلك لما قال: ﴿إنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ

стр. 6900

وَالْأَنْصَابُ وَالْأَزْلَامُ رِجْسٌ مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ﴾ دخل في الميسر الذي لم تعرفه العرب ولم يعرفه النبي ﷺ وكل الميسر حرام باتفاق المسلمين. وإن لم يعرفه النبي ﷺ كاللعب بالشطرنج وغيره بالعوض فإنَّه حرام بإجماع المسلمين وهو الميسر الذي حرمه الله؛ ولم يكن على عهد النبي ﷺ . و"النرد" أيضاً من الميسر الذي حرمه الله؛ وليس في القرآن ذكر النرد والشطرنج باسم خاص؛ بل لفظ الميسر يعمها وجمهور العلماء على أنَّ النرد والشطرنج محرمان بعوض وغير عوض. وكذلك قَوْلُهُ: ﴿لَا يُؤَاخِذُكُمُ اللَّهُ بِاللَّغْوِ فِي أَيْمَانِكُمْ وَلَكِنْ يُؤَاخِذُكُمْ بِمَا عَقَّدْتُمُ الْأَيْمَانَ فَكَفَّارَتُهُ إطْعَامُ عَشَرَةِ مَسَاكِينَ مِنْ أَوْسَطِ مَا تُطْعِمُونَ أَهْلِيكُمْ﴾ - إلى قوله - ﴿إذَا حَلَفْتُمْ﴾ وقَوْله: ﴿قَدْ فَرَضَ اللَّهُ لَكُمْ تَحِلَّةَ أَيْمَانِكُمْ﴾ تناول أيمان المسلمين التي كانوا يحلفون بها على عهد النبي ﷺ والتي صاروا يحلفون بها بعد؛ فلو حلف بالفارسية والتركية والهندية والبربرية باسم الله تعالى بتلك اللغة انعقدت يمينه؛ ووجبت عليه الكفارة إذا حنث باتفاق العلماء مع أنَّ اليمين بهذه اللغات لم تكن من أيمان المسلمين على عهد رسول الله ﷺ وهذا بخلاف من حلف بالمخلوقات: كالحلف بالكعبة والملائكة والمشايخ والملوك وغير ذلك؛ فإنَّ هذه
следующие страницы →