← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 30178

تحفة السائل في بيان ما في عمدة الأحكام من المسائل

أبو بكر الحمادي

Полный текст (8 095 стр.). Показаны 6896–6935 · переход к 6901.

стр. 6896

٧ - وفيه استشار الأمير أهل الحل والعقد في الأمور النازلة. ٨ - وفيه العمل بالقياس عند الحاجة إليه. ٩ - وليس في الحديث ما يدل صراحة على إقامة الحد وقت السكر. قَالَ الْعَلَّامَةُ ابْنُ قُدَامَةَ ﵀ فِي [الْمُغْنِي] (٢٠/ ٣٣٨): «فصل: ولا يقام الحد على السكران حتى يصحو. روي هذا عن عمر بن عبد العزيز، والشعبي. وبه قال الثوري، وأبو حنيفة، والشافعي؛ لأنَّ المقصود الزجر والتنكيل، وحصوله بإقامة الحد عليه في صحوه أتم، فينبغي أن يؤخر إليه» اهـ. فرع: في ذكر بعض أنواع المسكرات. النوع الأول: الحشيشة. قَالَ شَيْخُ الْإِسْلَامِ ابْنُ تَيْمِيَّةَ ﵀ كَمَا فِي [مَجْمُوْعِ الْفَتَاوَى] (٣٤/ ٢٠٤ - ٢١٠): «وأمَّا "الحشيشة" الملعونة المسكرة: فهي بمنزلة غيرها من المسكرات، والمسكر منها حرام باتفاق العلماء؛ بل كل ما يزيل العقل فإنَّه يحرم أكله ولو لم يكن مسكراً: كالبنج، فإنَّ المسكر يجب فيه الحد وغير المسكر يجب فيه التعزير. وأمَّا قليل "الحشيشة المسكرة" فحرام عند جماهير العلماء كسائر القليل من المسكرات وقول النبي ﷺ : "كل مسكر خمر وكل خمر حرام"

стр. 6897

يتناول ما يسكر. ولا فرق بين أن يكون المسكر مأكولاً أو مشروباً؛ أو جامداً أو مائعاً. فلو اصطبغ كالخمر كان حراماً، ولو أماع الحشيشة وشربها كان حراماً. ونبينا ﷺ بعث بجوامع الكلم فإذا قال كلمة جامعة كانت عامة في كل ما يدخل في لفظها ومعناها سواء كانت الأعيان موجودة في زمانه أو مكانه أو لم تكن. فلما قال: "كل مسكر حرام" تناول ذلك ما كان بالمدينة من خمر التمر وغيرها، وكان يتناول ما كان بأرض اليمن من خمر الحنطة والشعير والعسل وغير ذلك، ودخل في ذلك ما حدث بعده من خمر لبن الخيل الذي يتخذه الترك ونحوهم. فلم يفرق أحد من العلماء بين المسكر من لبن الخيل والمسكر من الحنطة والشعير وإن كان أحدهما موجوداً في زمنه كان يعرفه والآخر لم يكن يعرفه؛ إذ لم يكن بأرض العرب من يتخذ خمراً من لبن الخيل. وهذه "الحشيشة" فإنَّ أول ما بلغنا أنَّها ظهرت بين المسلمين في أواخر المائة السادسة وأوائل السابعة حيث ظهرت دولة التتر؛ وكان ظهورها مع ظهور سيف "جنكسخان" لما أظهر الناس ما نهاهم الله ورسوله عنه من الذنوب سلط الله عليهم العدو وكانت هذه الحشيشة الملعونة من أعظم المنكرات وهي شر من الشراب المسكر من بعض الوجوه والمسكر شر منها من وجه آخر فإنَّها مع أنَّها تسكر آكلها

стр. 6898

حتى يبقى مصطولاً تورث التخنيث والديوثة وتفسد المزاج فتجعل الكبير كالسفتجة وتوجب كثرة الأكل وتورث الجنون وكثير من الناس صار مجنوناً بسبب أكلها. ومن الناس من يقول: إنَّها تغير العقل فلا تسكر كالبنج؛ وليس كذلك بل تورث نشوة ولذة وطرباً كالخمر وهذا هو الداعي إلى تناولها، وقليلها يدعو إلى كثيرها كالشراب المسكر، والمعتاد لها يصعب عليه فطامه عنها أكثر من الخمر؛ فضررها من بعض الوجوه أعظم من الخمر؛ ولهذا قال الفقهاء: إنَّه يجب فيها الحد كما يجب في الخمر. وتنازعوا في "نجاستها" على ثلاثة أوجه في مذهب أحمد وغيره. فقيل: هي نجسة. وقيل: ليست بنجسة. وقيل: رطبها نجس كالخمر ويابسها ليس بنجس. والصحيح أنَّ النجاسة تتناول الجميع كما تتناول النجاسة جامد الخمر ومائعها فمن سكر من شراب مسكر أو حشيشة مسكرة لم يحل له قربان المسجد حتى يصحو ولا تصح صلاته حتى يعلم ما يقول ولا بد أن يغسل فمه ويديه وثيابه في هذا وهذا والصلاة فرض عينية؛ لكن لا تقبل منه حتى يتوب أربعين يوماً كما قال النبي ﷺ : "من شرب الخمر لم تقبل له صلاة أربعين يوماً فإن تاب، تاب الله عليه، فإن عاد فشربها لم تقبل له صلاة أربعين يوماً فإن

стр. 6899

تاب، تاب الله عليه، فإن عاد فشربها كان حقاً على الله أن يسقيه من طينة الخبال. قيل: وما طينة الخبال؟ قال: عصارة أهل النار، أو عرق أهل النار". وأمَّا قول القائل: إنَّ هذه ما فيها آية ولا حديث: فهذا من جهله؛ فإنَّ القرآن والحديث فيهما كلمات جامعة هي قواعد عامة وقضايا كلية، تتناول كل ما دخل فيها وكل ما دخل فيها فهو مذكور في القرآن والحديث باسمه العام وإلَّا فلا يمكن ذكر كل شيء باسمه الخاص فإنَّ الله بعث محمداً ﷺ إلى جميع الخلق وقال: ﴿قُلْ يَا أَيُّهَا النَّاسُ إنِّي رَسُولُ اللَّهِ إلَيْكُمْ جَمِيعًا﴾ وقال: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إلَّا كَافَّةً لِلنَّاسِ﴾ وقال تعالى: ﴿الَّذِي نَزَّلَ الْفُرْقَانَ عَلَى عَبْدِهِ لِيَكُونَ لِلْعَالَمِينَ نَذِيرًا﴾ وقال: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إلَّا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ﴾ فاسم "الناس" و"العالمين" يدخل فيه العرب وغير العرب من الفرس والروم والهند والبربر فلو قال قائل: إنَّ محمداً ما أرسل إلى الترك والهند والبربر؛ لأنَّ الله لم يذكرهم في القرآن كان جاهلاً كما لو قال: إنَّ الله لم يرسله إلى بني تميم وبني أسد وغطفان وغير ذلك من قبائل العرب فإنَّ الله لم يذكر هذه القبائل بأسمائها الخاصة؛ وكما لو قال: إنَّ الله لم يرسله إلى أبي جهل وعتبة وشيبة؛ وغيرهم من قريش؛ لأنَّ الله لم يذكرهم بأسمائهم الخاصة في القرآن. وكذلك لما قال: ﴿إنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ

стр. 6900

وَالْأَنْصَابُ وَالْأَزْلَامُ رِجْسٌ مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ﴾ دخل في الميسر الذي لم تعرفه العرب ولم يعرفه النبي ﷺ وكل الميسر حرام باتفاق المسلمين. وإن لم يعرفه النبي ﷺ كاللعب بالشطرنج وغيره بالعوض فإنَّه حرام بإجماع المسلمين وهو الميسر الذي حرمه الله؛ ولم يكن على عهد النبي ﷺ . و"النرد" أيضاً من الميسر الذي حرمه الله؛ وليس في القرآن ذكر النرد والشطرنج باسم خاص؛ بل لفظ الميسر يعمها وجمهور العلماء على أنَّ النرد والشطرنج محرمان بعوض وغير عوض. وكذلك قَوْلُهُ: ﴿لَا يُؤَاخِذُكُمُ اللَّهُ بِاللَّغْوِ فِي أَيْمَانِكُمْ وَلَكِنْ يُؤَاخِذُكُمْ بِمَا عَقَّدْتُمُ الْأَيْمَانَ فَكَفَّارَتُهُ إطْعَامُ عَشَرَةِ مَسَاكِينَ مِنْ أَوْسَطِ مَا تُطْعِمُونَ أَهْلِيكُمْ﴾ - إلى قوله - ﴿إذَا حَلَفْتُمْ﴾ وقَوْله: ﴿قَدْ فَرَضَ اللَّهُ لَكُمْ تَحِلَّةَ أَيْمَانِكُمْ﴾ تناول أيمان المسلمين التي كانوا يحلفون بها على عهد النبي ﷺ والتي صاروا يحلفون بها بعد؛ فلو حلف بالفارسية والتركية والهندية والبربرية باسم الله تعالى بتلك اللغة انعقدت يمينه؛ ووجبت عليه الكفارة إذا حنث باتفاق العلماء مع أنَّ اليمين بهذه اللغات لم تكن من أيمان المسلمين على عهد رسول الله ﷺ وهذا بخلاف من حلف بالمخلوقات: كالحلف بالكعبة والملائكة والمشايخ والملوك وغير ذلك؛ فإنَّ هذه

стр. 6901

ليست من أيمان المسلمين؛ بل هي شرك كما قال ﷺ : "من حلف بغير الله فقد أشرك". وكذلك قال تعالى: ﴿فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا صَعِيدًا﴾ يعم كل ما يسمى صعيداً، ويعم كل ماء: سواء كان من المياه الموجودة في زمن النبي ﷺ أو مما حدث بعده. فلو استخرج قوم عيوناً وكان فيها ماء متغير اللون والريح والطعم وأصل الخلقة وجب الاغتسال به بلا نزاع نعرفه بين العلماء وإن لم تكن تلك المياه معروفة عند المسلمين على عهد النبي ﷺ كما قال تعالى: ﴿فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ﴾ فدخل فيه كل مشرك من العرب وغير العرب كمشركي الترك والهند والبربر؛ وإن لم يكن هؤلاء ممن قتلوا على عهد النبي ﷺ . وكذلك قوله تعالى: ﴿قَاتِلُوا الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلَا بِالْيَوْمِ الْآخِرِ وَلَا يُحَرِّمُونَ مَا حَرَّمَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَلَا يَدِينُونَ دِينَ الْحَقِّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حَتَّى يُعْطُوا الْجِزْيَةَ عَنْ يَدٍ وَهُمْ صَاغِرُونَ﴾ يدخل فيه جميع أهل الكتاب؛ وإن لم يكونوا ممن قتلوا على عهد النبي ﷺ فإن الذين قتلوا على زمانه كانوا من نصارى العرب والروم؛ وقاتل اليهود قبل نزول هذه الآية؛ وقد دخل فيها النصارى: من القبط؛ والحبشة؛ والجركس والأل واللاص؛ والكرج؛ وغيرهم. فهذا وأمثاله نظير عموم القرآن

стр. 6902

لكل ما دخل في لفظه ومعناه؛ وإن لم يكن باسمه الخاص. ولو قدر بأنَّ اللفظ لم يتناوله وكان في معنى ما في القرآن والسنة ألحق به بطريق الاعتبار والقياس؛ كما دخل اليهود والنصارى والفرس في عموم الآية ودخلت جميع المسكرات في معنى خمر العنب وأنَّه بعث محمداً ﷺ بالكتاب والميزان؛ ليقوم الناس بالقسط، والكتاب: القرآن، والميزان: العدل. والقياس الصحيح هو من العدل؛ لأنَّه لا يفرق بين المتماثلين؛ بل سوى بينهما فاستوت السيئات في المعنى الموجب للتحريم؛ لم يخص أحدها بالتحريم دون الآخر؛ بل من العدل أن يسوي بينهما ولو لم يسو بينهما كان تناقضاً وحكم الله ورسوله منزه عن التناقض. ولو أنَّ الطبيب حمى المريض عن شيء لما فيه من الضرر وأباحه له لخرج عن قانون الطب. والشرع طب القلوب والأنبياء أطباء القلوب والأديان ولا بد إذا أحل الشرع شيئا منه أن يخص هذا بما يفرق به بينه وبين هذا حتى يكون فيه معنى خاص بما حرمه دون ما أحله. والله أعلم» اهـ. النوع الثاني: جوزة الطيب. وقد صرَّح بإسكارها شَيْخُ الْإِسْلَامِ ابْنُ تَيْمِيَّةَ ﵀ فَقَالَ كَمَا فِي [مَجْمُوْعِ الْفَتَاوَى] (٣٤/ ١٩٨):

стр. 6903

«أو يسكر بعد الاستحالة كجوزة الطيب» اهـ. وَقَالَ الْعَلَّامَةُ الصَّنْعَانِي ﵀ فِي [سُبُلِ السَّلَامِ] (٤/ ٣٦): «قال ابن دقيق العيد في الجوزة إنَّها مسكرة، ونقله عنه متأخرو علماء الفريقين واعتمدوه» اهـ. وَقَالَ ابْنُ حَجَرٍ الهَيْتَمِيُّ ﵀ فِي [الزَّوَاجِرِ عَنِ اقْتِرَافِ الْكَبَائِرِ] (٢/ ٥٨ - ٦١): «ثم ما ذكرته في الجوزة هو ما أفتيت به فيها قديماً لما وقع فيها نزاع بين أهل الحرمين ومصر وظفرت فيها من النقل بعد الفحص والتنقير بما لم يظفروا به. ولذا سئل عنها جمع متأخرون فأبدوا فيها آراء متخالفة بحثاً من غير نقل، فلما عرض عليَّ السؤال أجبت فيها بالنقل الصريح والدليل الصحيح راداً على من خالف ما ذكرته وإن جلت مرتبته. ومحصل السؤال: هل قال أحد من الأئمة أو مقلديهم بتحريم أكل جوزة الطيب، وهل لبعض طلبة العلم الآن الإفتاء بتحريم أكلها وإن لم يطلع على نقل به، فإن قلتم نعم فهل يجب الانقياد لفتواه؟ ومحصل الجواب الذي أجبت به عن ذلك السؤال: الذي صرح به الإمام المجتهد شيخ الإسلام ابن دقيق العيد أنَّها أعني الجوزة مسكرة، ونقله عنه المتأخرون من الشافعية والمالكية واعتمدوه، وناهيك بذلك، بل بالغ ابن العماد فجعل الحشيشة مقيسة على الجوزة المذكورة.

стр. 6904

وذلك أنَّه لما حكى عن القرافي نقلاً عن بعض فقهاء عصره أنَّه فرق في إسكار الحشيشة بين كونها ورقاً أخضر فلا إسكار فيها بخلافها بعد التحميص فإنَّها تسكر، قال: والصواب أنَّه لا فرق لأنَّها ملحقة بجوزة الطيب والزعفران والعنبر والأفيون والبنج وهو من المسكرات المخدرات ذكر ذلك ابن القسطلاني في تكريم المعيشة انتهى. فتأمل تعبيره بالصواب، وجعله الحشيشة التي أجمع العلماء على تحريمها مقيسة على الجوزة تعلم أنَّه لا مرية في تحريم الجوزة لإسكارها أو تخديرها. وقد وافق المالكية والشافعية على إسكارها الحنابلة، فنص إمام متأخريهم ابن تيمية وتبعوه على أنَّها مسكرة وهو قضية كلام بعض أئمة الحنفية. ففي فتاوى المرغيناني منهم: المسكر من البنج ولبن الرماك - أي أناثي الخيل - حرام ولا يحد شاربه قاله الفقيه أبو حفص، ونص عليه شمس الأئمة السرخسي انتهى. وقد علمت من كلام ابن دقيق العيد وغيره أنَّ الجوزة كالبنج، فإذا قال الحنفية بإسكاره لزمهم القول بإسكار الجوزة، فثبت بما تقرر أنَّها حرام عند الأئمة الأربعة

стр. 6905

الشافعية والمالكية والحنابلة بالنص، والحنفية بالاقتضاء لأنَّها إمَّا مسكرة أو مخدرة، وأصل ذلك في الحشيشة المقيسة على الجوزة على ما مر. والذي ذكره الشيخ أبو إسحاق في كتابه "التذكرة"، والنووي في "شرح المهذب"، وابن دقيق العيد أنَّها مسكرة. قال الزركشي: ولا يعرف فيه خلاف عندنا، وقد يدخل في حدهم السكران بأنَّه الذي اختل كلامه المنظوم وانكشف سره المكتوم أو الذي لا يعرف السماء من الأرض ولا الطول من العرض، ثم نقل عن القرافي أنَّه خالف في ذلك فنفى عنها الإسكار وأثبت لها الإفساد، ثم رد عليه وأطال في تخطئته وتغليطه. وممن نص على إسكارها أيضاً العلماء بالنبات من الأطباء وإليهم المرجع في ذلك، وكذلك ابن تيمية وتبعه من جاء بعده من متأخري مذهبه. والحق في ذلك خلاف الإطلاقين إطلاق الإسكار وإطلاق الإفساد، وذلك أنَّ الإسكار يطلق ويراد به مطلق تغطية العقل، وهذا إطلاق أعم ويطلق ويراد به تغطية العقل مع نشوة وطرب، وهذا إطلاق أخص وهو المراد من الإسكار حيث أطلق.

стр. 6906

فعلى الإطلاق الأول بين المسكر والمخدر عموم مطلق إذ كل مخدر مسكر وليس كل مسكر مخدراً؛ فإطلاق الإسكار على الحشيشة والجوزة ونحوهما المراد منه التحذير، ومن نفاه عن ذلك أراد به معناه الأخص. وتحقيقه أنَّ من شأن السكر بنحو الخمر أنَّه يتولد عنه النشوة والنشاط والطرب والعربدة والحمية، ومن شأن السكر بنحو الحشيشة والجوزة أنَّه يتولد عنه أضداد ذلك من تخدير البدن وفتوره ومن طول السكوت والنوم وعدم الحمية وبقولي من شأنه فيهما يعلم رد ما أورده الزركشي على القرافي من أنَّ بعض شربة الخمر يوجد فيه ما ذكر في نحو الحشيشة وبعض أكله نحو الحشيشة يوجد فيه ما ذكر في الخمر. ووجه الرد أنَّ ما نيط بالمظنة لا يؤثر فيه خروج بعض الأفراد، كما أنَّ القصر في السفر لما نيط بمظنة المشقة جاز، وإن لم توجد المشقة في كثير من جزئياته، فاتضح بذلك أنَّه لا خلاف بين من عبر في نحو الحشيشة بالإسكار ومن عبر بالتخدير والإفساد، والمراد به إفساد خاص هو ما سبق. فاندفع به قول الزركشي إنَّ التعبير به يشمل الجنون والإغماء لأنَّهما مفسدان للعقل أيضاً، فظهر بما تقرر صحة قول الفقيه المذكور في السؤال إنها مخدرة وبطلان قول من نازعه في ذلك لكن إن كان لجهله عذر.

стр. 6907

وبعد أن يطلع على ما ذكرناه عن العلماء متى زعم حلها أو عدم تخديرها وإسكارها يعزر التعزير البليغ الزاجر له ولأمثاله، بل قال ابن تيمية وأقره أهل مذهبه من زعم حل الحشيشة كفر. فليحذر الإنسان من الوقوع في هذه الورطة عند أئمة هذا المذهب المعظم. وعجيب ممن خاطر باستعمال الجوزة مع ما ذكرناه فيها من المفاسد والإثم لأغراضه الفاسدة على أنَّ تلك الأغراض تحصل جميعها بغيرها. فقد صرح رئيس الأطباء ابن سينا في قانونه بأنَّه يقوم مقامها وزنها ونصف وزنها من السنبل، فمن كان يستعمل منها قدراً ما ثم استعمل وزنه ونصف وزنه من السنبل حصلت له جميع أغراضه مع السلامة من الإثم والتعرض لعقاب الله ، على أنَّ فيها بعض مضار بالرئة ذكرها بعض الأطباء وقد خلا السنبل عن تلك المضار فقد حصل به مقصودها وزاد عليه بالسلامة من مضارها الدنيوية والأخروية، والله أعلم بالصواب، انتهى جوابي في الجوزة وهو مشتمل على النفائس» اهـ.

стр. 6908

قُلْتُ: ويذكر في الطب الحديث أنَّ جوزة الطيب تحتوي على مادة تسمى"ميرستيسين" وهو مركب يمكن يسبب هلوسة إذا تناول الشخص منها كمية كبيرة كالملعقة أو أكثر. النوع الثالث: القات. جَاءَ فِي [فَتَاوَى وَرَسَائِلَ مُحَمَدِ بْنِ إِبْرَاهِيْمَ آل الْشَّيْخِ] (١٢/ ٩٥ - ٩٦): «من محمد بن إبراهيم إلى حضرة المكرم رئيس الديوان العالي الموقر السلام عليكم ورحمة الله وبركاته وبعد: فقد اطلعنا على المعاملة الواردة منكم برقم ١٦/ ١٠/ ٣١٢٢ وتاريخ ٢٩/ ١١/ ١٣٧٦ حول استيضاح وزارة الداخلية عن العقوبة التي ينبغي أن تتخذ ضد مستعملي القات. والواجب في حق مستعمله أن يجلد أربعين جلدة، كما تجب هذه العقوبة على مستعملي التنباك وهو الذي يفتي به علماؤنا أئمة الدعوة النجدية ﵏ في تعاطي التنباك، لاجتماعهما في الوصف المقتضي للتحريم وهو الإسكار والتفتير، لما روى الإمام أحمد في مسنده وأبو داود في سننه بسند صحيح أنَّ سلمة ﵂، قالت: "نهى رسول الله ﷺ عن كل مسكر ومفتر". فيجب على أرباب الحسبة إقامة العقوبات الشرعية المترتبة على تعاطي سائر المخدرات، كما يجب عليهم إقامة

стр. 6909

الحدود على تعاطي المسكرات، وعلى ولاة الأمور تحريضهم على ذلك ومساعدتهم فيما هنالك. وفق الله الجميع لما يصلح المسلمين، ويمنعهم من تعاطي ما يسخط رب العالمين. والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته» اهـ. قُلْتُ: وفي القات مادة يقال لها "الكاثينون" وتعتبر من المواد المسكرة التي قد تسبب الهلوسة وتغييرات في المزاج. وقال العلامة الشيخ حافظ الحكمي المتوفى سنة (١٣٧٧ هـ) منظومة بعنوان (نصيحة الإخوان عن تعاطي القات والشمَّة والدخان): يا باحثاً عن عفون القات ملتمساً … تبيانه مع إيجاز العبارات ليس السماع كرأي العين متضحاً … فاسأل خبيراً ودع عنك الممارات كله لما شئت من وهن ومن سلس … ومن فتور وأسقام وآفات كله لما شئت من لهو الحديث ومن … إهلاك مال ومن تضييع أوقات على العبادة قالوا نستعين به … فقلت: لا، بل على ترك العبادات إن جاءه الظهر فالوسطى يضيعها … أو مغربا فعشاء قط لم يات وإن أتاها فمع سهو ووسوسة … في غفلة مع تفويت الجماعات لقد عجبت لقوم مولعين به … وهم مقرون منه بالمضرات

стр. 6910

في الدين والمال والأبدان به شهدوا … بسكرهم منه في جل المحلات إني أقول لشاريه وبائعه … إن لم يتوبوا لقد باؤوا بزلات. وَقَالَ الْعَلَّامَةُ ابْنُ حَجَرٍ الهَيتَمِيُّ الشَّافِعِيُّ ﵀ فِي [الفَتَاوَى الْفِقْهِيَّةِ الْكُبْرَى] (٤/ ٢٢٥ - ٢٢٦): «وَاحْتَجَّ الْقَائِلُونَ بِالْحُرْمَةِ بِأُمُورٍ مِنْهَا قَوْلُ الْفَقِيهِ أَبِي بَكْرِ بْنِ إبْرَاهِيمَ الْمُقْرِي الْحَرَازِيِّ الشَّافِعِيِّ فِي مُؤَلَّفِهِ فِي "تَحْرِيمِ الْقَاتِ": كُنْت آكُلُهَا فِي سِنِّ الشَّبَابِ ثُمَّ اعْتَقَدْتُهَا مِنْ الْمُتَشَابِهَاتِ وَقَدْ قَالَ ﷺ "مَنْ اتَّقَى الشُّبُهَاتِ فَقَدْ اسْتَبْرَأَ لِدِينِهِ وَعِرْضِهِ". ثُمَّ إنِّي رَأَيْت مِنْ أَكْلِهَا الضَّرَرَ فِي بَدَنِي وَدِينِي فَتَرَكْت أَكْلَهَا فَقَدْ ذَكَرَ الْعُلَمَاءُ رَضِيَ اللَّهُ ﵎ عَنْهُمْ أَنَّ الْمُضَارَّاتِ مِنْ أَشْهَرِ الْمُحَرَّمَاتِ فَمِنْ ضَرَرِهَا أَنَّ آكِلَهَا يَرْتَاحُ وَيَطْرَبُ وَتَطِيبُ نَفْسُهُ وَيَذْهَبُ حُزْنُهُ ثُمَّ يَعْتَرِيهِ قَدْرَ سَاعَتَيْنِ مِنْ أَكْلِهِ هُمُومٌ مُتَرَاكِمَةٌ وَغُمُومٌ مُتَزَاحِمَةٌ وَسُوءُ أَخْلَاقٍ وَكُنْت فِي هَذِهِ الْحَالَةِ إذَا قَرَأَ عَلَيَّ أَحَدٌ يَشُقُّ عَلَيَّ مُرَاجَعَتُهُ وَأَرَى مُرَاجَعَتَهُ جَبَلًا وَأَرَى لِذَلِكَ مَشَقَّةً عَظِيمَةً وَمَلَلًا وَأَنَّهُ يُذْهِبُ بِشَهْوَةِ الطَّعَامِ وَلَذَّتِهِ وَيَطْرُدُ النَّوْمَ وَنِعْمَتَهُ وَمِنْ ضَرَرِهِ فِي الْبَدَنِ أَنَّهُ يَخْرُجُ مِنْ أَكْلِهِ بَعْدَ الْبَوْلِ شَيْءٌ كَالْوَدْيِ وَلَا يَنْقَطِعُ إلَّا بَعْدَ حِينٍ وَطَالَمَا كُنْت أَتَوَضَّأُ فَأُحِسُّ بِشَيْءٍ

стр. 6911

مِنْهُ فَأُعِيدُ الْوُضُوءَ وَتَّارَةً أُحِسُّ بِهِ فِي الصَّلَاةِ فَأَقْطَعُهَا أَوْ عَقِبَ الصَّلَاةِ بِحَيْثُ أَتَحَقَّقُ خُرُوجَهُ فِيهَا فَأُعِيدُهَا وَسَأَلْتُ كَثِيرًا مِمَّنْ يَأْكُلُهَا فَذَكَرُوا ذَلِكَ عَنْهَا وَهَذِهِ مُصِيبَةٌ فِي الدِّينِ وَبَلِيَّةٌ عَلَى الْمُسْلِمِينَ وَحَدَّثَنِي عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يُوسُفَ الْمُقْرِي عَنْ الْعَلَّامَةِ يُوسُفَ بْنِ يُونُسَ الْمُقْرِي أَنَّهُ كَانَ يَقُولُ ظَهَرَ الْقَاتُّ فِي زَمَنِ فُقَهَاءَ وَلَا يَجْسُرُونَ عَلَى تَحْرِيمٍ وَلَا تَحْلِيلٍ وَلَوْ ظَهَرَ فِي زَمَنِ الْفُقَهَاءِ الْمُتَقَدِّمِينَ لَحَرَّمُوهُ وَدَخَلَ عِرَاقِيٌّ الْيَمَنَ وَكَانَ يُسَمَّى الْفَقِيهُ إبْرَاهِيمُ وَكَانَ يَجْهَرُ بِتَحْرِيمِ الْقَاتِ وَيُنْكِرُ عَلَى آكِلِيهِ وَذَكَرَ أَنَّهُ إنَّمَا حَرَّمَهُ عَلَى مَا وُصِفَ لَهُ مِنْ أَحْوَالِ مُسْتَعْمِلِيهِ، ثُمَّ أَنَّهُ أَكَلَهُ مَرَّةً أَوْ مِرَارًا لِاخْتِبَارِهِ قَالَ فَجَزَمْت بِتَحْرِيمِهِ لِضَرَرِهِ وَإِسْكَارِهِ وَكَانَ يَقُولُ: مَا يَخْرُجُ عَقِبَ الْبَوْلِ بِسَبَبِهِ مَنِيٌّ ثُمَّ اجْتَمَعْتُ بِهِ فَقُلْتُ لَهُ نَسْمَعُ عَنْك أَنَّك تُحَرِّمُ الْقَاتَّ قَالَ: نَعَمْ فَقُلْت لَهُ: وَمَا الدَّلِيلُ؟ فَقَالَ: ضَرَرُهُ وَإِسْكَارُهُ فَضَرَرُهُ ظَاهِرٌ وَأَمَّا إسْكَارُهُ فَهَلْ هُوَ مُطْرِبٌ فَقُلْت نَعَمْ فَقَدْ قَالَتْ الشَّافِعِيَّةُ وَغَيْرُهُمْ فِي الرَّدِّ عَلَى الْحَنَفِيَّةِ فِي إبَاحَتِهِمْ مَا لَمْ يُسْكِرْ مِنْ النَّبِيذِ: النَّبِيذُ حَرَامٌ قِيَاسًا عَلَى الْخَمْرِ بِجَامِعِ الشِّدَّةِ الْمُطْرِبَةِ. فَقُلْت لَهُ: يَرْوُونَ عَنْك أَنَّك تَقُولُ مَا يَخْرُجُ عَنْهُ مَنْيٌ وَلَيْسَ فِيهِ شَيْءٌ مِنْ خَوَاصِّ الْمَنِيِّ؟. فَقَالَ: إنَّهُ يَخْرُجُ قَبْلَ اسْتِحْكَامِهِ.

стр. 6912

وَكَانَ عَمِّي أَحْمَدُ بْنُ إبْرَاهِيمَ الْمُقْرِي وَكَانَ لَهُ مَعْرِفَةٌ بِالطِّبِّ وَغَيْرِهِ يُصَرِّحُ بِتَحْرِيمِهِ وَيَقُولُ إنَّهُ مُسْكِرٌ وَقَدْ رَأَيْت مَنْ أَكْثَرَ مِنْ أَكْلِهِ فَجُنَّ. هَذَا كُلُّهُ مُلَخَّصُ كَلَامِ الْحَرَازِيِّ وَهَذَا الرَّجُلُ الْعِرَاقِيُّ الَّذِي أَشَارَ إلَيْهِ وَنَقَلَ عَنْهُ حُرْمَةَ الْقَاتِ أَخْبَرَنِي بَعْضُ طَلَبَةِ الْعِلْمِ أَنَّهُ جَاءَ إلَى مَكَّةَ الْمُشَرَّفَةِ وَدَرَسَ بِهَا كَثِيرًا وَأَنَّهُ قَرَأَ عَلَيْهِ وَزَادَ فِي مَدْحِهِ وَالثَّنَاءِ عَلَيْهِ. وَيُوَافِقُ هَؤُلَاءِ الْقَائِلِينَ بِحُرْمَةِ الْقَاتِ قَوْلَ الْفَقِيهِ الْعَلَّامَةِ حَمْزَةَ النَّاشِرِيِّ مِمَّنْ يُعْتَمَدُ عَلَيْهِ نَقْلًا وَإِفْتَاءً كَمَا يَدُلُّ عَلَيْهِ تَرْجَمَتُهُ الْمَذْكُورَةُ فِي "تَارِيخِ خَاتِمَةِ الْحُفَّاظِ وَالْمُحَدِّثِينَ" للشَّمْسُ السَّخَاوِيُّ فِي مَنْظُومَتِهِ الْمَشْهُورَةِ وَقَدْ أَخْبَرَنِي مُحَدِّثُ مَكَّةَ شَرَّفَهَا اللَّهُ تَعَالَى أَنَّهُ قَرَأَهَا عَلَى مُؤَلِّفِهَا حَمْزَةَ الْمَذْكُورِ وَأَجَازَهُ بِهَا. وَلَا تَأْكُلَنَّ الْقَاتَّ رَطْبًا وَيَابِسًا … فَذَاكَ مُضِرٌّ دَاؤُهُ فِيهِ أَعْضَلَا فَقَدْ قَالَ أَعْلَامٌ مِنْ الْعُلَمَاءِ … إنَّ هَذَا حَرَامٌ لِلتَّضَرُّرِ مَأْكَلًا وَهَذَا الْفَقِيهُ إلَخْ. وَمِنْهَا أَنَّهُ نَهَى عَنْ كُلِّ مُسْكِرٍ وَمُفَتِّرٍ قَالَ فِي النِّهَايَةِ مَا مَعْنَاهُ إنَّ الْمُفَتِّرَ مَا يَكُونُ مِنْهُ حَرَارَةٌ فِي الْجَسَدِ وَانْكِسَارٌ.

стр. 6913

وَذَلِكَ مَعْلُومٌ وَمُشَاهَدٌ فِي الْقَاتِ وَمُسْتَعْمِلِيهِ كَسَائِرِ الْمُسْكِرَاتِ وَإِنْ كَانَ يَحْصُلُ مِنْهَا تَوَهُّمُ نَشَاطٍ، أَوْ تَحَقُّقِهِ فَإِنَّ ذَلِكَ مِمَّا فَضَلَ مِنْ الِانْتِشَاءِ وَالسُّكْرِ الْحَاصِلِ مِنْ التَّخْدِيرِ لِلْجَسَدِ وَكَذَلِكَ يَحْصُلُ مِنْ الْإِكْثَارِ وَالْإِدْمَانِ عَلَى الْمُسْكِرِ حَتَّى الْخَمْرِ خَدَّرَ يَخْرُجُ إلَى الرَّعْشَةِ وَالْفَالِجِ وَيُبْسِ الدِّمَاغِ وَدَوَامِ التَّغَيُّرِ لِلْعَقْلِ وَغَيْرِ ذَلِكَ مِنْ الْمَضَارِّ لَكِنَّ الْقَاتَّ لَمْ يَكُنْ فِيهِ مِنْ الطَّبْعِ إلَّا مَا هُوَ مَضَرَّةٌ دِينِيَّةٌ وَدُنْيَوِيَّةٌ؛ لِأَنَّ طَبْعَهُ الْيُبْسُ وَالْبَرْدُ فَلَا يَصْحَبُهُ شَيْءٌ مِنْ مَنَافِعِ غَيْرِهِ وَمِنْ الْمُسْكِرَاتِ الَّتِي أَشَارَ إلَيْهَا الشَّارِعُ؛ لِأَنَّ سَائِرَ الْمُسْكِرَاتِ فِيهَا شَيْءٌ مِنْ الْحَرَارَةِ وَاللِّينِ فَلَا يَظْهَرُ الضَّرَرُ فِيهَا إلَّا مَعَ الْإِدْمَانِ عَلَيْهَا وَهَذَا مُحَصَّلٌ مِنْ الضَّرَرِ فِي الْأَغْلَبِ مَا فِي الْأَفْيُونِ مِنْ مَسْخِ الْخِلْقَةِ وَتَغَيُّرِ الْحَالِ الْمُعْتَدِلَةِ فِي الْخَلْقِ وَالْخُلُقِ وَهُوَ يَزِيدُ فِي الضَّرَرِ عَلَى الْأَفْيُونِ مِنْ حَيْثُ إنَّهُ لَا نَفْعَ فِيهِ يُعْلَمُ قَطُّ وَإِنَّ ضَرَرَهُ أَكْثَرُ وَفِيهِ كَثْرَةُ يُبْسِ الدِّمَاغِ وَالْخُرُوجِ عَنْ الطَّبْعِ وَتَقْلِيلُ شَهْوَةِ الْغِذَاءِ وَالْبَاهِ وَيُبْسُ الْأَمْعَاءِ وَالْمَعِدَةِ وَبَرْدُهَا وَغَيْرُ ذَلِكَ وَمِنْهَا أَنَّ جَمِيعَ الْخِصَالِ الْمَذْمُومَةِ الَّتِي ذَكَرُوهَا فِي الْحَشِيشَةِ مَوْجُودَةٌ فِي الْقَاتِ مَعَ زِيَادَةِ حُصُولِ الضَّرَرِ فِيمَا بِهِ قِوَامُ الصِّحَّةِ وَصَلَاحُ الْجَسَدِ مِنْ إفْسَادِ شَهْوَةِ الْغِذَاءِ وَالْبَاهِ وَالنَّسْلِ وَزِيَادَةِ التَّهَالُكِ عَلَيْهِ الْمُوجِبِ لِإِتْلَافِ الْمَالِ الْكَثِيرِ وَالْمُوجِبِ لِلسَّرَفِ

стр. 6914

وَمِنْهَا أَنَّهُ ظَنَّ أَنَّ فِيهِ نَفْعًا فَهُوَ لَا يُقَابِلُ ضَرَرَهُ وَمِنْهَا أَنَّهُ شَارَكَ كُلَّ الْمُسْكِرَاتِ فِي حَقِيقَةِ الْإِسْكَارِ وَسَبَبِهِ وَمِنْ التَّخْدِيرِ وَإِظْهَارِ الدَّمِ» إلخ. النوع الرابع: الدخان (التنباك). قَالَ الْعَلَّامَةُ ابْنُ بَازٍ ﵀ كَمَا فِي [مَجْمُوعِ فَتَاوَى ابْنِ بَازٍ] (٢٣/ ٥٣): «لا ريب في تحريم القات والدخان لمضارهما الكثيرة وتخديرهما في بعض الأحيان، وإسكارهما في بعض الأحيان كما صرح بذلك الثقات العارفون بهما، وقد ألف العلماء في تحريمهما مؤلفات كثيرة ومنهم شيخنا العلامة الشيخ محمد بن إبراهيم آل الشيخ مفتي البلاد السعودية سابقاً ﵀. فالواجب على كل مسلم تركهما والحذر منهما ولا يجوز بيعهما ولا شراؤهما ولا التجارة فيهما، وثمنهما حرام وسحت، نسأل الله للمسلمين العافية منهما. ولا تجوز صحبة من يتناولهما أو غيرهما من أنواع المسكرات، لأنَّ ذلك من أسباب وقوعه فيهما، والواجب على المسلم أينما كان صحبة الأخيار والحذر من صحبة الأشرار» اهـ. قُلْتُ: وقد سبقت فتوى العلامة محمد بن إبراهيم آل الشيخ ﵀ في القات والتنباك وأنَّه حكم على شاربهما بشارب المسكر من إقامة الحد عليه.

стр. 6915

وَقَالَ الْعَلَّامَةُ عَبْدُ اللهِ بنُ شَيْخِ الْإسْلَامِ مُحَمَدِ بنِ عَبْدِ الْوَهَّابِ ﵀ كَمَا فِي [الدُّرَرِ السَنِيَّةِ فِي الأَجْوِبَةِ النَّجْدِيَّةِ] (٧/ ٤٤٢): «والذي يشرب التنباك، إن كان شربه له بعدما عرف أنَّه حرام، فيضرب ثمانين جلدة ضرباً خفيفاً ما يضره. فإن كان شربه وهو جاهل فلا حد عليه، ويؤمر بالتوبة والاستغفار. والذي يقول لكم - من علماء تهامة - إنَّ التتن ليس حراماً ولا حلالاً، فهذا جاهل، ما يعرف ما يقول، ولا يلتفت لقوله؛ وفي الحديث عن النبي ﷺ : "كل مسكر حرام"، "وما أسكر كثيره حرم قليله ". وأجاب أيضاً: وأمَّا الذي يشرب التتن ويزرعه، فيجلد ثمانين جلدة. وأجاب أيضاً: وأما شارب التتن، إذا شهد عليه شاهدان أنهم رأوه يشربه، فيجلد أربعين جلدة» اهـ. وَجَاءَ فِي [الدُّرَرِ السَنِيَّةِ فِي الأَجْوِبَةِ النَّجْدِيَّةِ] (٧/ ٤٤٣): «سئل الشيخ حمد بن ناصر بن معمر: عن التتن؟ فأجاب: هو حرام، لقول النبي ﷺ : "كل مسكر خمر"، وفي لفظ حرام وفي لفظ: "ما أسكر كثيره، فملء الكف منه حرام"، وهذا عام في كل

стр. 6916

مسكر، فإنَّ النبي ﷺ قد أوتي جوامع الكلم، وقد نص العلماء على ذلك. وسئل: عن شارب التنباك؟ فأجاب: وأما شارب التنباك، فيجلد قدر أربعين جلدة» اهـ. وَجَاءَ فِي [الدُّرَرِ السَنِيَّةِ فِي الأَجْوِبَةِ النَّجْدِيَّةِ] (١٥/ ٦٢ - ٦٣): «ومن فقهاء الحنابلة: الشيخ عبد الله بن الشيخ محمد بن عبد الوهاب، قدس الله أرواحهم، قال في أثناء جوابه على التنباك، ما نصه: وبما ذكرنا من كلام رسول الله ﷺ وكلام أهل العلم، يتبين لك تحريم "التتن" الذي كثر في هذا الزمان استعماله. وصح بالتواتر عندنا والمشاهدة إسكاره في بعض الأوقات، خصوصاً إذا أكثر منه، أو تركه يوماً أو يومين لا يشربه ثم شربه، فإنَّه يسكر ويزيل العقل، حتى إنَّه يحدث عند الناس، ولا يشعر بذلك، نعوذ بالله من الخزي وسوء البأس. فلا ينبغي لمن يؤمن بالله واليوم الآخر: أن يلتفت إلى قول أحد من الناس، إذا تبين له كلام الله، وكلام رسوله، في مثله من المسائل؛ وذلك لأن الشهادة بأنه

стр. 6917

رسول الله تقتضي طاعته فيما أمر، والانتهاء عما عنه نهى وزجر، وتصديقه فيما أخبر. وأجاب الشيخ: عبد الله أبا بطين ﵀، عن التنباك بقوله: الذي نرى فيه التحريم لعلتين: إحداهما: حصول الإسكار فيما إذا فقده شاربه مدة ثم شربه، وإن لم يحصل إسكار، حصل تخدير وتفتير، وروى الإمام أحمد حديثاً مرفوعاً أنَّه ﷺ "نهى عن كل مسكر ومفتر". والعلة الثانية: أنَّه منتن مستخبث عند من لم يعتده، واحتج العلماء بقوله: ﴿وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبَائِثَ﴾ [سورة الأعراف آية: ١٥٧]. وأمَّا من ألفه واعتاده فلا يرى خبثه، كالجعل لا يستخبث العذرة» اهـ. * * *

стр. 6918

٣٥٠ - عَنْ أَبِي بُرْدَةَ هَانِئِ بْنِ نِيَارٍ الْبَلَوِيِّ ﵁ أَنَّهُ سَمِعَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: «لَا يُجْلَدُ فَوْقَ عَشْرَةِ أَسْوَاطٍ إِلَّا فِي حَدٍّ مِنْ حُدُودِ». وَفِي الْحَدِيْثِ مَسَائِلُ مِنْهَا: ١ - النهي عن الجلد أكثر من عشر أسواط في غير الحدود. والمراد بالحد من حدود الله ما حرِّم لحق الله، وليس المراد به الحدود المقدرة. قَالَ شَيْخُ الْإِسْلَامِ ابْنُ تَيْمِيَّةَ ﵀ كَمَا فِي [مَجْمُوْعِ الْفَتَاوَى] (٢٨/ ٣٤٧ - ٣٤٨): «والحديث الذي في الصحيحين عن النبي ﷺ أنَّه قال: "لا يجلد فوق عشرة أسواط إلَّا في حد من حدود الله". قد فسره طائفة من أهل العلم بأنَّ المراد بحدود الله ما حرم لحق الله؛ فإنَّ الحدود في لفظ الكتاب والسنة يراد بها الفصل بين الحلال والحرام: مثل آخر الحلال وأول الحرام. فيقال في الأول: ﴿تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ فَلَا تَعْتَدُوهَا﴾. ويقال في الثاني: ﴿تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ فَلَا تَقْرَبُوهَا﴾. وأمَّا تسمية العقوبة المقدرة حداً فهو عرف حادث. ومراد الحديث: أنَّ من ضرب لحق نفسه كضرب الرجل امرأته في النشوز لا يزيد على عشر جلدات» اهـ.

стр. 6919

وَقَالَ الْعَلَّامَةُ ابْنُ الْقَيِّمِ ﵀ فِي [زَادِ الْمَعَادِ] (٥/ ٤٣ - ٤٤): «فإنَّ التعزير يدخل لفظ الحد في لسان الشارع، كما في قوله ﷺ : "لا يضرب فوق عشرة أسواط إلَّا في حد من حدود الله تعالى"» اهـ. وَقَالَ ﵀ فِي [إِعْلَامِ الْمُوَقِعِيْنَ] (٢/ ٤٨ - ): «فإن قيل: فما تصنعون بقول النبي ﷺ : "لا يضرب فوق عشرة أسواط إلَّا في حد من حدود الله". قيل نتلقاه بالقبول والسمع والطاعة ولا منافاة بينه وبين شيء مما ذكرناه فإنَّ الحد في لسان الشارع أعم منه في اصطلاح الفقهاء فإنَّهم يريدون بالحدود عقوبات الجنايات المقدرة بالشرع خاصة والحد في لسان الشارع أعم من ذلك فإنَّه يراد به هذه العقوبة تارة، ويراد به نفس الجناية تارة كقوله تعالى: ﴿تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ فَلَا تَقْرَبُوهَا﴾، وقَوْله: ﴿تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ فَلَا تَعْتَدُوهَا﴾، فالأول حدود الحرام، والثاني حدود الحلال، وقال النبي ﷺ : "إنَّ الله حد حدوداً فلا تعتدوها". وفي حديث النواس بن سمعان الذي تقدم في أول الكتاب: "والسوران حدود الله"، ويراد به تارة جنس العقوبة وإن لم تكن مقدرة فقوله

стр. 6920

ﷺ : "لا يضرب فوق عشرة أسواط إلَّا في حد من حدود الله"، يريد به الجناية التي هي حق الله. فإن قيل: فأين تكون العشرة فما دونها إذا كان المراد بالحد الجناية؟ قيل: في ضرب الرجل امرأته وعبده وولده وأجيره للتأديب ونحوه فإنَّه لا يجوز أن يزيد على عشرة أسواط فهذا أحسن ما خرج عليه الحديث وبالله التوفيق» اهـ. ٢ - ومفهوم الحديث جواز الجلد أكثر من عشر أسواط في الحدود الشرعية. فإن كان ذلك لترك واجب فلا تقدير لأكثره بل يجلد حتى يؤدي الحق، وإن كان للوقوع في محرم قد حصل فلا يبلغ في التعزير إلى مقدار حد الذنب المقدر من جنسه، فلا يجلد في النظرة، والخلوة، حد الزنا، ولا يبلغ بشرب الحرام حد المسكر، ولا يبلغ بالسب حد القذف، و لا يبلغ بالسرقة من غير حرز، أو التي لم تبلغ النصاب حد القطع، ونحو ذلك. قَالَ شَيْخُ الْإِسْلَامِ ابْنُ تَيْمِيَّةَ ﵀ كَمَا فِي [مَجْمُوْعِ الْفَتَاوَى] (٢٨/ ٣٤٧): «وجماع ذلك أنَّ العقوبة نوعان: أحدهما: على ذنب ماض جزاء بما كسب نكالاً من الله كجلد الشارب والقاذف وقطع المحارب والسارق.

стр. 6921

والثاني: العقوبة لتأدية حق واجب وترك محرم في المستقبل كما يستتاب المرتد حتى يسلم فإن تاب؛ وإلَّا قتل. وكما يعاقب تارك الصلاة والزكاة وحقوق الآدميين حتى يؤدوها. فالتعزير في هذا الضرب أشد منه في الضرب الأول. ولهذا يجوز أن يضرب مرة بعد مرة حتى يؤدي الصلاة الواجبة أو يؤدي الواجب عليه» اهـ. وَقَالَ ﵀ كَمَا فِي [مَجْمُوْعِ الْفَتَاوَى] (٣٥/ ٤٠٤ - ٤٠٦): «وأمَّا "مقدار الضرب" فإذا كان الضرب على ترك واجب: مثل أن يضرب حتى يؤدي الواجب. فهذا لا يتقدر؛ بل يضرب يوماً فإن فعل الواجب وإلَّا ضرب يوماً آخر؛ لكن لا يزيد كل مرة على التعزير عند من يقدر أعلاه. وقد تنازع العلماء في "مقدار أعلى التعزير" الذي يقام بفعل المحرمات على أقوال: أحدها: وهو أحسنها وهو قول طائفة من أصحاب الشافعي وأحمد وغيرهما - أنَّه لا يبلغ في التعزير في كل جريمة الحد المقدر فيها وإن زاد على حد مقدر في غيرها. فيجوز التعزير في المباشرة المحرمة وفي السرقة من غير حرز بالضرب الذي يزيد على حد القذف ولا يبلغ بذلك الرجم والقطع. القول الثاني: أنَّه لا يبلغ بالتعزير أدنى الحدود: إمَّا أربعين وإمَّا ثمانين وهو قول كثير من أصحاب الشافعي وأحمد وأبي حنيفة.

стр. 6922

والقول الثالث: أن لا يزاد في التعزير على عشرة أسواط وهو أحد الأقوال في مذهب أحمد وغيره. وعلى القول الأول: هل يجوز أن يبلغ به القتل مثل قتل الجاسوس المسلم؟ في ذلك قولان: أحدهما: قد يبلغ به القتل فيجوز قتل الجاسوس المسلم إذا قصد المصلحة وهو قول مالك وبعض أصحاب أحمد كابن عقيل، وقد ذكر نحو ذلك بعض أصحاب الشافعي وأحمد في قتل الداعية إلى البدع؛ ومن لا يزول فساده إلَّا بالقتل؛ وكذلك مذهب مالك قتل الداعية إلى البدع كالقدرية ونحوهم. والقول الثاني: أنَّه لا يقتل الجاسوس وهو مذهب أبي حنيفة والشافعي والقاضي أبي يعلى من أصحاب أحمد. والمنصوص عن أحمد التوقف في المسألة. وممن يجوز التعزير بالقتل في الذنوب الكبار أصحاب أبي حنيفة في مواضع يسمون القتل فيها سياسة كقتل من تكرر لواطه أو قتله بالمثقل؛ فإنَّهم يجوزون قتله سياسة وتعزيراً؛ وإن كان أبو حنيفة لا يوجب ذلك بل ولا يجوزه فيمن فعله مرة واحدة وأمَّا صاحباه فمع سائر الأئمة فيخالفون في أنَّه يجب القود في القتل؛ وفي وجوب قتل اللوطي إمَّا مطلقاً سواء كان محصناً أو غير محصن كمذهب مالك وأحمد في أشهر روايتيه والشافعي في

стр. 6923

أحد قوليه. وإمَّا أن يكون حده مثل حد الزاني كقول صاحبي أبي حنيفة والشافعي في أشهر قوليه وأحمد في أحد روايتيه. والمنقول عن النبي ﷺ وخلفاؤه الراشدون يوافق القول الأول فإنَّ النَّبي ﷺ أمر بجلد الذي أحلت امرأته له جاريتها مائة وجلد أبو بكر وعمر رجلاً وجد مع امرأة في فراش مائة؛ وعمر بن الخطاب ضرب الذي زور عليه خاتمه فأخذ من بيت المال مائة ثم ضربه في اليوم الثاني والثالث مائة، مائة. وليس هذا موضع بسط أصناف التعزير فإنَّها كثيرة الشعب» اهـ. وَقَالَ الْعَلَّامَةُ ابْنُ الْقَيِّمِ ﵀ فِي [الْطُرُقِ الْحُكْمِيَّةِ] (ص: ١٥٥ - ١٥٧): «أنواع المعاصي. والمعاصي ثلاثة أنواع: نوع فيه حد ولا كفارة فيه كالزنا والسرقة وشرب الخمر والقذف فهذا يكفي فيه الحد عن الحبس والتعزير. ونوع فيه كفارة ولا حد فيه كالجماع في الإحرام ونهار رمضان ووطء المظاهر منها قبل التكفير فهذا تغني فيه الكفارة عن الحد، وهل تكفي عن التعزير فيه قولان للفقهاء وهما لأصحاب أحمد وغيرهم.

стр. 6924

ونوع لا كفارة فيه ولا حد كسرقة ما لا قطع فيه، واليمين الغموس عند أحمد وأبي حنيفة والنظر إلى الأجنبية ونحو ذلك فهذا يسوغ فيه التعزير وجوباً عند الأكثرين وجوازاً عند الشافعي. ثم إن كان الضرب على ترك واجب مثل أن يضربه ليؤدبه فهذا لا يتقدر بل يضرب يوماً فإن فعل الواجب وإلاَّ ضرب يوماً آخر بحسب ما يحتمله ولا يزيد في كل مرة على مقدار أعلى التعزير. وقد اختلف الفقهاء في مقدار التعزير على أقوال: أحدها: أنَّه بحسب المصلحة وعلى قدر الجريمة فيجتهد فيه ولي الأمر. الثاني: وهو أحسنها أنَّه لا يبلغ بالتعزير في معصية قدر الحد فيها فلا يبلغ بالتعزير على النظر والمباشرة حد الزنا، ولا على السرقة من غير حرز حد القطع، ولا على الشتم بدون القذف حد القذف، وهذا قول طائفة من أصحاب الشافعي وأحمد. والقول الثالث: أنَّه يبلغ بالتعزير أدنى الحدود إمَّا أربعين وإمَّا ثمانين وهذا قول كثير من أصحاب الشافعي وأحمد وأبي حنيفة. والقول الرابع: أنَّه لا يزاد في التعزير على عشرة أسواط وهو أحد الأقوال في مذهب أحمد وغيره.

стр. 6925

وعلى القول الأول: هل يجوز أن يبلغ بالتعزير القتل فيه قولان: أحدهما: يجوز كقتل الجاسوس المسلم إذا اقتضت المصلحة قتله، وهذا قول مالك وبعض أصحاب أحمد واختاره ابن عقيل وقد ذكر بعض أصحاب الشافعي وأحمد نحو ذلك في قتل الداعية إلى البدعة كالتجهم والرفض وإنكار القدر، وقد قتل عمر بن عبد العزيز غيلان القدري لأنَّه كان داعية إلى بدعته، وهذا مذهب مالك ﵀، وكذلك قتل من لا يزول فساده إلَّا بالقتل، وقد صرح به أصحاب أبي حنيفة في قتل اللوطي إذا أكثر من ذلك تعزيراً، وكذلك قالوا: إذا قتل بالمثقل فللإمام أن يقتله تعزيراً، وإن كان أبو حنيفة لا يوجب الحد في هذا ولا القصاص في هذا وصاحباه يخالفانه في المسألتين وهما مع جمهور الأمة. والمنقول عن النبي ﷺ وخلفائه ﵃ يوافق القول الأول فإنَّ النبي ﷺ أمر بجلد الذي وطئ جارية امرأته وقد أحلتها له مائة. وأبو بكر وعمر ﵄ أمرا بجلد من وجد مع امرأة أجنبية في فراش مائة جلدة.

стр. 6926

وعمر بن الخطاب ﵁ ضرب الذي زور عليه خاتمه فأخذ من بيت المال مائة وعلى هذا يحمل قول النبي ﷺ : "من شرب الخمر فاجلدوه، فإن عاد فاجلدوه، فإن عاد في الثالثة أو في الرابعة فاقتلوه" فأمر بقتله إذا أكثر منه ولو كان ذلك حداً لأمر به في المرة الأولى» اهـ. قُلْتُ: وأمَّا الذنوب التي ليس لها في جنسها عقوبة معينة، فالذي يظهر لي أنَّها ترجع إلى اجتهاد الحاكم، كالخذف بالحصاة، وإسبال الثياب، وحلق اللحى، والألعاب المحرمة، وغير ذلك. والله أعلم. ٣ - ومفهوم العدد جواز الجلد عشرة أسواط فأقل في غير الحدود الشرعية، وهو الضرب لحق النفس كضرب الزوجة الناشر، وضرب الولد العاق. * * *

стр. 6927

كِتَابُ: الْأَيْمَانِ وَالنُّذُورِ. ٣٥١ - عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ سَمُرَةَ رَضِيَ اللَّهُ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «يَا عَبْدَ الرَّحْمَنِ بْنَ سَمُرَةَ، لَا تَسْأَلِ الإِمَارَةَ، فَإِنَّكَ إِنْ أُعْطِيتَهَا عَنْ مَسْأَلَةٍ وُكِلْتَ إِلَيْهَا، وَإِنْ أُعْطِيتَهَا عَنْ غَيْرِ مَسْأَلَةٍ أُعِنْتَ عَلَيْهَا، وَإِذَا حَلَفْتَ عَلَى يَمِينٍ، فَرَأَيْتَ غَيْرَهَا خَيْرًا مِنْهَا فَكَفِّرْ عَنْ يَمِينِكَ، وَأْتِ الَّذِي هُوَ خَيْرٌ». قَالَ شَيْخُ الْإِسْلَامِ ابْنُ تَيْمِيَّةَ ﵀ كَمَا فِي [مَجْمُوْعِ الْفَتَاوَى] (٢٩/ ١٣٩): «والأيمان: جمع يمين وكل عقد فإنَّه يمين. قيل: سمي بذلك؛ لأنَّهم كانوا يعقدونه بالمصافحة باليمين» اهـ. وَقَالَ الْعَلَّامَةُ الْقُرْطُبِي ﵀ فِي [الْمُفْهِم] (١٥/ ٥٣): «النذور: جمع نذر، كفلس، وفلوس. وهو عبارة عن التزام فعل الطاعة بصيغ مخصوصة؛ كقوله: لله علي صوم، أو صلاة، أو صدقة» اهـ. وَقَالَ الْحِافِظُ ابْنُ حَجَرٍ ﵀ فِي [فَتْحِ الْبَارِي] (١١/ ٥١٦): «الأيمان بفتح الهمزة جمع يمين، وأصل اليمين في اللغة اليد واطلقت على الحلف لأنَّهم كانوا إذا تحالفوا أخذ كل بيمين صاحبه، وقيل لأنَّ اليد اليمنى من شأنها حفظ الشيء

стр. 6928

فسمى الحلف بذلك لحفظ المحلوف عليه، وسمى المحلوف عليه يميناً لتلبسه بها، ويجمع اليمين أيضاً على أيمن كرغيف وأرغف. وعرفت شرعاً بأنَّها توكيد الشيء بذكر اسم أو صفة لله. وهذا أخصر التعاريف وأقربها. والنذور: جمع نذر وأصله الإنذار بمعنى التخويف، وعرفه الراغب بأنَّه إيجاب ما ليس بواجب لحدوث أمر» اهـ. قُلْتُ: وتعريف النذر بذلك مبني على مذهب من يقول: إنَّ النذر لا يكون بما هو واجب بأصل الشرع، والتحقيق جواز ذلك. قَالَ شَيْخُ الْإِسْلَامِ ابْنُ تَيْمِيَّةَ ﵀ كَمَا فِي [مَجْمُوْعِ الْفَتَاوَى] (٣٥/ ٣٤٥ - ٣٤٧): «قد كتبت في "قاعدة العهود والعقود" القاعدة في العهود الدينية في القواعد المطلقة والقاعدة في العقود الدنيوية في القواعد الفقهية وفي "كتاب النذر" أيضاً أنَّ ما وجب بالشرع إذا نذره العبد أو عاهد الله عليه أو بايع عليه الرسول أو الإمام أو تحالف عليه جماعة فإنَّ هذه العهود والمواثيق تقتضي له وجوباً ثانياً غير الوجوب الثابت بمجرد الأمر الأول فتكون واجبة من وجهين بحيث يستحق تاركها من العقوبة ما يستحقه

стр. 6929

ناقض العهود والميثاق؛ وما يستحقه عاصي الله ورسوله. هذا هو التحقيق، ومن قال من أصحابنا: إنَّه إذا نذر واجباً فهو بعد النذر كما كان قبل النذر؛ بخلاف نذر المستحب. فليس كما قال؛ بل النذر إذا كان يوجب فعل المستحب فإيجابه لفعل الواجب أولى؛ وليس هذا من باب تحصيل الحاصل؛ بل هما وجوبان من نوعين لكل نوع حكم غير حكم الآخر؛ مثل الجدة إذا كانت أم أم أم وأم أم أب؛ فإنَّ فيها سببين كل منهما تستحق به السدس. وكذلك من قال من أصحابنا: إنَّ الشروط التي هي من مقتضى العقد لا يصح اشتراطها؛ أو قال: تفسد حتى قال بعض أصحاب الشافعي إذا قال: زوجتك على ما أمر الله به من إمساك بمعروف أو تسريح بإحسان كان النكاح فاسداً لأنَّه شرط فيه الطلاق: فهذا كلام فاسد جداً؛ فإنَّ العقود إنَّما وجبت موجباتها لإيجاب المتعاقدين لها على أنفسهما ومطلق العقد له معنى مفهوم فإذا أطلق كانا قد أوجبا ما هو المفهوم منه؛ فإنَّ موجب العقد هو واجب بالعقد كموجب النذر لم يوجبه الشارع ابتداء وإنَّما أوجب الوفاء بالعقود كما أوجب الوفاء بالنذر. فإذا كان له موجب معلوم بلفظ مطلق أو بعرف وصرح المتعاقدان بإيجابه بلفظ خاص كان هذا من باب عطف الخاص على العام فيكون العاقد قد أوجبه مرتين أو جعل له

стр. 6930

إيجاباً خاصاً يستغنى به عن الإيجاب العام. وفي القرآن من هذا نظائر مثل قوله: ﴿وَمَلَائِكَتِهِ وَرُسُلِهِ وَجِبْرِيلَ وَمِيكَالَ﴾، وقوله: ﴿وَإِذْ أَخَذْنَا مِنَ النَّبِيِّينَ مِيثَاقَهُمْ وَمِنْكَ وَمِنْ نُوحٍ وَإِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى وَعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ﴾، وقوله: ﴿حَافِظُوا عَلَى الصَّلَوَاتِ وَالصَّلَاةِ الْوُسْطَى﴾، وقوله: ﴿قُلْ لِأَزْوَاجِكَ وَبَنَاتِكَ وَنِسَاءِ الْمُؤْمِنِينَ﴾، وقوله: ﴿يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَى﴾» اهـ. وَفِي الْحَدِيْثِ مَسَائِلُ مِنْهَا: ١ - النهي عن سؤال الإمارة، وهي الولاية. فيدخل فيها الولاية العامة، وما دونها من الولايات كولاية القضاء وغيرها. وقد روى البخاري (٧١٤٩)، ومسلم (١٧٣٣) عَنْ أَبِي مُوسَى، قَالَ: دَخَلْتُ عَلَى النَّبِيِّ ﷺ أَنَا وَرَجُلَانِ مِنْ بَنِي عَمِّي، فَقَالَ أَحَدُ الرَّجُلَيْنِ: يَا رَسُولَ اللهِ، أَمِّرْنَا عَلَى بَعْضِ مَا وَلَّاكَ اللهُ ، وَقَالَ الْآخَرُ مِثْلَ ذَلِكَ، فَقَالَ: «إِنَّا وَاللهِ لَا نُوَلِّي عَلَى هَذَا الْعَمَلِ أَحَدًا سَأَلَهُ، وَلَا أَحَدًا حَرَصَ عَلَيْهِ». وجاء في ذم الحرص على الإمارة ما رواه البخاري (٧١٤٨) عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ ، قَالَ: «إِنَّكُمْ سَتَحْرِصُونَ عَلَى الإِمَارَةِ، وَسَتَكُونُ نَدَامَةً يَوْمَ القِيَامَةِ، فَنِعْمَ المُرْضِعَةُ وَبِئْسَتِ الفَاطِمَةُ».

стр. 6931

قَالَ الْعَلَّامَةُ ابْنُ بَطَّالٍ ﵀ فِي [شَرْحِ الْبُخَارِي] (٨/ ٢١٨): «قال المهلب: حرص الناس على الإمارة ظاهر العيان، وهو الذي جعل الناس يسفكون عليها دماءهم، ويستبيحون حريمهم، ويفسدون في الأرض حين يصلون بالإمارة إلى لذاتهم، ثم لا بد أن يكون فطامهم إلى السوء وبئس الحال؛ لأنَّه لا يخلو أن يقتل عليها أو يعزل عنها وتلحقه الذلة أو يموت عليها فيطالب في الآخرة فيندم» اهـ. وَقَالَ الْحِافِظُ ابْنُ حَجَرٍ ﵀ فِي [فَتْحِ الْبَارِي] (١٣/ ١٢٦): «قوله: "فنعم المرضعة، وبئست الفاطمة". قال الداودي: "نعم المرضعة". أي: في الدنيا. "وبئست الفاطمة". أي: بعد الموت لأنَّه يصير إلى المحاسبة على ذلك فهو كالذي يفطم قبل أن يستغني فيكون في ذلك هلاكه. وقال غيره: "نعم المرضعة". لما فيها من حصول الجاه والمال ونفاذ الكلمة وتحصيل اللذات الحسية والوهمية حال حصولها، "وبئست الفاطمة". عند الانفصال عنها بموت أو غيره وما يترتب عليها من التبعات في الآخرة» اهـ. قُلْتُ: ويستثنى من ذلك من أخذ الإمارة أو طلبها لأنَّه لا يوجد من يقوم بها مثله، فطلبها لسد خلة في المسلمين، ولإصلاح ما ضاع من شؤونهم، أو لأنَّه لم يقم بها

стр. 6932

أحد فاضطر إلى أخذها، أو لم يوجد من يصلح لها غيره، ولهذا الاستثناء عدد حجج منها: الحجة الأولى: طلب يوسف ﵊ لها كما قال الله تعالى: ﴿قَالَ اجْعَلْنِي عَلَى خَزَائِنِ الْأَرْضِ إِنِّي حَفِيظٌ عَلِيمٌ﴾ [يوسف: ٥٥]. قَالَ شَيْخُ الْإِسْلَامِ ابْنُ تَيْمِيَّةَ ﵀ كَمَا فِي [مَجْمُوْعِ الْفَتَاوَى] (١٥/ ١١٤): «فلما سأل الولاية للمصلحة الدينية لم يكن هذا مناقضاً للتوكل ولا هو من سؤال الإمارة المنهي عنه» اهـ. وَقَالَ ﵀ كَمَا فِي [مُخْتَصَرِ الْفَتَاوَي الْمَصْرِيَّةِ] (٢/ ٢٧): «وأمَّا سؤال الولاية فقد ذمه ﷺ ، وأمَّا سؤال يوسف وقوله: ﴿قَالَ اجْعَلْنِي عَلَى خَزَائِنِ الْأَرْضِ﴾ فلأنَّه كان طريقاً إلى أن يدعوهم إلى الله ويعدل بين الناس ويرفع عنهم الظلم ويفعل من الخير مالم يكونوا يفعلوه مع أنَّهم لم يكونوا يعرفون حاله، وقد علم بتعبير الرؤيا ما يؤول إليه حال الناس ففي هذه الأحوال ونحوها ما يوجب الفرق بين مثل هذه الحال وبين ما نهى عنه، وأيضاً فليست هذه إمارة محضة إنَّما هي أمانة، وقد يقال هذا شرع من قبلنا» اهـ.

стр. 6933

وَقَالَ الْعَلَّامَةُ الْقُرْطُبِيُّ ﵀ فِي [تَفْسِيْرِهِ] (٩/ ٢١٥ - ٢١٧): «ودلت الآية أيضاً على جواز أن يطلب الإنسان عملاً يكون له أهلاً، فإن قيل: فقد روى مسلم عن عبد الرحمن بن سمرة قال: قال لي رسول الله ﷺ : "يا عبد الرحمن لا تسأل الإمارة فإنَّك إن أعطيتها عن مسألة وكلت إليها وإن أعطيتها عن غير مسألة أعنت عليها". وعن أبي بردة قال: قال أبو موسى: أقبلت إلى النبي ﷺ ومعي رجلان من الأشعريين، أحدهما عن يميني والآخر عن يساري، فكلاهما سأل العمل، والنبي ﷺ يستاك، فقال: "ما تقول يا أبا موسى- أو يا عبد الله بن قيس". قال قُلْتُ: والذي بعثك بالحق ما أطلعاني عمَّا في أنفسهما، وما شعرت أنَّهما يطلبان العمل، قال: وكأنِّي أنظر إلى سواكه تحت شفته وقد قلصت، فقال: " لن- أو لا نستعمل على عملنا من أراده". وذكر الحديث، خرجه مسلم أيضاً وغيره، فالجواب: أولاً- أنَّ يوسف ﵇ إنَّما طلب الولاية لأنَّه علم أنَّه لا أحد يقوم مقامه في العدل والإصلاح وتوصيل الفقراء إلى حقوقهم فرأى أنَّ ذلك فرض متعين عليه فإنَّه لم يكن هناك غيره، وهكذا الحكم اليوم، لو علم إنسان من نفسه أنَّه يقوم بالحق في القضاء أو الحسبة ولم يكن هناك من يصلح ولا يقوم مقامه لتعين ذلك

стр. 6934

عليه، ووجب أن يتولاها ويسأل ذلك، ويخبر بصفاته التي يستحقها به من العلم والكفاية وغير ذلك، كما قال يوسف ﵇، فأمَّا لو كان هناك من يقوم بها ويصلح لها وعلم بذلك فالأولى ألا يطلب، لقول ﵇ لعبد الرحمن: "لا تسأل الإمارة". وأيضاً فإنَّ في سؤالها والحرص عليها مع العلم بكثرة آفاتها وصعوبة التخلص منها دليل على أنَّه يطلبها لنفسه ولأغراضه، ومن كان هكذا يوشك أن تغلب عليه نفسه فيهلك، وهذا معنى قوله ﵇: "وكل إليها" ومن أباها لعلمه بآفاتها، ولخوفه من التقصير في حقوقها فر منها، ثم إن ابتلي بها فيرجى له التخلص منها، وهو معنى قوله: "أعين عليها". الثاني- أنَّه لم يقل: إنِّي حسيب كريم، وإن كان كما قال النبي ﷺ : "الكريم ابن الكريم ابن الكريم ابن الكريم يوسف بن يعقوب بن إسحاق بن إبراهيم" ولا قال: إنِّي جميل مليح، إنَّما قال: ﴿إِنِّي حَفِيظٌ عَلِيمٌ﴾ فسألها بالحفظ والعلم، لا بالنسب والجمال. الثالث- إنَّما قال ذلك عند من لا يعرفه فأراد تعريف نفسه، وصار ذلك مستثنى من قوله تعالى: ﴿فَلا تُزَكُّوا أَنْفُسَكُمْ﴾.

стр. 6935

الرابع- أنَّه رأى ذلك فرضاً متعيناً عليه، لأنَّه لم يكن هنالك غيره، وهو الأظهر، والله أعلم» اهـ. وَقَالَ الْعَلَّامَةُ السَّعْدِيُّ ﵀ فِي [تَفْسِيْرِهِ] (ص: ٤٠٧): «وكذلك لا تذم الولاية، إذا كان المتولي فيها يقوم بما يقدر عليه من حقوق الله وحقوق عباده، وأنَّه لا بأس بطلبها، إذا كان أعظم كفاءة من غيره، وإنَّما الذي يذم، إذا لم يكن فيه كفاءة، أو كان موجوداً غيره مثله، أو أعلى منه، أو لم يرد بها إقامة أمر الله، فبهذه الأمور، ينهى عن طلبها، والتعرض لها» اهـ. وَقَالَ الْعَلَّامَةُ ابْنُ بَازٍ ﵀ كَمَا فِي [مَجْمُوعِ فَتَاوَى ابْنِ بَازٍ] (٢٣/ ٢١٥ - ٢١٧): «المناصب الدينية من القضاء والتعليم والفتوى والخطابة، مناصب شريفة ومهمة، والمسلمون في أشد الحاجة إليها، وإذا تخلى عنها العلماء تولاها الجهال، فضلوا وأضلوا. فالواجب على من دعت الحاجة إليه من أهل العلم والفقه في الدين، أن يمتثل؛ لأنَّ هذه الأمور من القضاء والتدريس والخطابة والدعوة إلى الله، وأشباه ذلك من فروض الكفايات، فإذا تعينت على أحد من المؤهلين، وجبت عليه، ولم يجز له الاعتذار منها، والامتناع.
следующие страницы →