← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 30178

تحفة السائل في بيان ما في عمدة الأحكام من المسائل

أبو بكر الحمادي

Полный текст (8 095 стр.). Показаны 6931–6970 · переход к 6936.

стр. 6931

قَالَ الْعَلَّامَةُ ابْنُ بَطَّالٍ ﵀ فِي [شَرْحِ الْبُخَارِي] (٨/ ٢١٨): «قال المهلب: حرص الناس على الإمارة ظاهر العيان، وهو الذي جعل الناس يسفكون عليها دماءهم، ويستبيحون حريمهم، ويفسدون في الأرض حين يصلون بالإمارة إلى لذاتهم، ثم لا بد أن يكون فطامهم إلى السوء وبئس الحال؛ لأنَّه لا يخلو أن يقتل عليها أو يعزل عنها وتلحقه الذلة أو يموت عليها فيطالب في الآخرة فيندم» اهـ. وَقَالَ الْحِافِظُ ابْنُ حَجَرٍ ﵀ فِي [فَتْحِ الْبَارِي] (١٣/ ١٢٦): «قوله: "فنعم المرضعة، وبئست الفاطمة". قال الداودي: "نعم المرضعة". أي: في الدنيا. "وبئست الفاطمة". أي: بعد الموت لأنَّه يصير إلى المحاسبة على ذلك فهو كالذي يفطم قبل أن يستغني فيكون في ذلك هلاكه. وقال غيره: "نعم المرضعة". لما فيها من حصول الجاه والمال ونفاذ الكلمة وتحصيل اللذات الحسية والوهمية حال حصولها، "وبئست الفاطمة". عند الانفصال عنها بموت أو غيره وما يترتب عليها من التبعات في الآخرة» اهـ. قُلْتُ: ويستثنى من ذلك من أخذ الإمارة أو طلبها لأنَّه لا يوجد من يقوم بها مثله، فطلبها لسد خلة في المسلمين، ولإصلاح ما ضاع من شؤونهم، أو لأنَّه لم يقم بها

стр. 6932

أحد فاضطر إلى أخذها، أو لم يوجد من يصلح لها غيره، ولهذا الاستثناء عدد حجج منها: الحجة الأولى: طلب يوسف ﵊ لها كما قال الله تعالى: ﴿قَالَ اجْعَلْنِي عَلَى خَزَائِنِ الْأَرْضِ إِنِّي حَفِيظٌ عَلِيمٌ﴾ [يوسف: ٥٥]. قَالَ شَيْخُ الْإِسْلَامِ ابْنُ تَيْمِيَّةَ ﵀ كَمَا فِي [مَجْمُوْعِ الْفَتَاوَى] (١٥/ ١١٤): «فلما سأل الولاية للمصلحة الدينية لم يكن هذا مناقضاً للتوكل ولا هو من سؤال الإمارة المنهي عنه» اهـ. وَقَالَ ﵀ كَمَا فِي [مُخْتَصَرِ الْفَتَاوَي الْمَصْرِيَّةِ] (٢/ ٢٧): «وأمَّا سؤال الولاية فقد ذمه ﷺ ، وأمَّا سؤال يوسف وقوله: ﴿قَالَ اجْعَلْنِي عَلَى خَزَائِنِ الْأَرْضِ﴾ فلأنَّه كان طريقاً إلى أن يدعوهم إلى الله ويعدل بين الناس ويرفع عنهم الظلم ويفعل من الخير مالم يكونوا يفعلوه مع أنَّهم لم يكونوا يعرفون حاله، وقد علم بتعبير الرؤيا ما يؤول إليه حال الناس ففي هذه الأحوال ونحوها ما يوجب الفرق بين مثل هذه الحال وبين ما نهى عنه، وأيضاً فليست هذه إمارة محضة إنَّما هي أمانة، وقد يقال هذا شرع من قبلنا» اهـ.

стр. 6933

وَقَالَ الْعَلَّامَةُ الْقُرْطُبِيُّ ﵀ فِي [تَفْسِيْرِهِ] (٩/ ٢١٥ - ٢١٧): «ودلت الآية أيضاً على جواز أن يطلب الإنسان عملاً يكون له أهلاً، فإن قيل: فقد روى مسلم عن عبد الرحمن بن سمرة قال: قال لي رسول الله ﷺ : "يا عبد الرحمن لا تسأل الإمارة فإنَّك إن أعطيتها عن مسألة وكلت إليها وإن أعطيتها عن غير مسألة أعنت عليها". وعن أبي بردة قال: قال أبو موسى: أقبلت إلى النبي ﷺ ومعي رجلان من الأشعريين، أحدهما عن يميني والآخر عن يساري، فكلاهما سأل العمل، والنبي ﷺ يستاك، فقال: "ما تقول يا أبا موسى- أو يا عبد الله بن قيس". قال قُلْتُ: والذي بعثك بالحق ما أطلعاني عمَّا في أنفسهما، وما شعرت أنَّهما يطلبان العمل، قال: وكأنِّي أنظر إلى سواكه تحت شفته وقد قلصت، فقال: " لن- أو لا نستعمل على عملنا من أراده". وذكر الحديث، خرجه مسلم أيضاً وغيره، فالجواب: أولاً- أنَّ يوسف ﵇ إنَّما طلب الولاية لأنَّه علم أنَّه لا أحد يقوم مقامه في العدل والإصلاح وتوصيل الفقراء إلى حقوقهم فرأى أنَّ ذلك فرض متعين عليه فإنَّه لم يكن هناك غيره، وهكذا الحكم اليوم، لو علم إنسان من نفسه أنَّه يقوم بالحق في القضاء أو الحسبة ولم يكن هناك من يصلح ولا يقوم مقامه لتعين ذلك

стр. 6934

عليه، ووجب أن يتولاها ويسأل ذلك، ويخبر بصفاته التي يستحقها به من العلم والكفاية وغير ذلك، كما قال يوسف ﵇، فأمَّا لو كان هناك من يقوم بها ويصلح لها وعلم بذلك فالأولى ألا يطلب، لقول ﵇ لعبد الرحمن: "لا تسأل الإمارة". وأيضاً فإنَّ في سؤالها والحرص عليها مع العلم بكثرة آفاتها وصعوبة التخلص منها دليل على أنَّه يطلبها لنفسه ولأغراضه، ومن كان هكذا يوشك أن تغلب عليه نفسه فيهلك، وهذا معنى قوله ﵇: "وكل إليها" ومن أباها لعلمه بآفاتها، ولخوفه من التقصير في حقوقها فر منها، ثم إن ابتلي بها فيرجى له التخلص منها، وهو معنى قوله: "أعين عليها". الثاني- أنَّه لم يقل: إنِّي حسيب كريم، وإن كان كما قال النبي ﷺ : "الكريم ابن الكريم ابن الكريم ابن الكريم يوسف بن يعقوب بن إسحاق بن إبراهيم" ولا قال: إنِّي جميل مليح، إنَّما قال: ﴿إِنِّي حَفِيظٌ عَلِيمٌ﴾ فسألها بالحفظ والعلم، لا بالنسب والجمال. الثالث- إنَّما قال ذلك عند من لا يعرفه فأراد تعريف نفسه، وصار ذلك مستثنى من قوله تعالى: ﴿فَلا تُزَكُّوا أَنْفُسَكُمْ﴾.

стр. 6935

الرابع- أنَّه رأى ذلك فرضاً متعيناً عليه، لأنَّه لم يكن هنالك غيره، وهو الأظهر، والله أعلم» اهـ. وَقَالَ الْعَلَّامَةُ السَّعْدِيُّ ﵀ فِي [تَفْسِيْرِهِ] (ص: ٤٠٧): «وكذلك لا تذم الولاية، إذا كان المتولي فيها يقوم بما يقدر عليه من حقوق الله وحقوق عباده، وأنَّه لا بأس بطلبها، إذا كان أعظم كفاءة من غيره، وإنَّما الذي يذم، إذا لم يكن فيه كفاءة، أو كان موجوداً غيره مثله، أو أعلى منه، أو لم يرد بها إقامة أمر الله، فبهذه الأمور، ينهى عن طلبها، والتعرض لها» اهـ. وَقَالَ الْعَلَّامَةُ ابْنُ بَازٍ ﵀ كَمَا فِي [مَجْمُوعِ فَتَاوَى ابْنِ بَازٍ] (٢٣/ ٢١٥ - ٢١٧): «المناصب الدينية من القضاء والتعليم والفتوى والخطابة، مناصب شريفة ومهمة، والمسلمون في أشد الحاجة إليها، وإذا تخلى عنها العلماء تولاها الجهال، فضلوا وأضلوا. فالواجب على من دعت الحاجة إليه من أهل العلم والفقه في الدين، أن يمتثل؛ لأنَّ هذه الأمور من القضاء والتدريس والخطابة والدعوة إلى الله، وأشباه ذلك من فروض الكفايات، فإذا تعينت على أحد من المؤهلين، وجبت عليه، ولم يجز له الاعتذار منها، والامتناع.

стр. 6936

ثم لو قدر أنَّ هناك من يظهر أنَّه يكفي، وأنَّها لا تجب عليه هذه المسألة، فينبغي له أن ينظر الأصلح، كما ذكر الله سبحانه عن يوسف ﵊، أنَّه قال لملك مصر: ﴿قَالَ اجْعَلْنِي عَلَى خَزَائِنِ الْأَرْضِ إِنِّي حَفِيظٌ عَلِيمٌ﴾ لما رأى المصلحة في توليه ذلك، طلب الولاية وهو نبي ورسول كريم، والأنبياء هم أفضل الناس، طلبها للإصلاح: يصلح أهل مصر، ويدعوهم إلى الحق. فطالب العلم، إذا رأى المصلحة في ذلك، طلب الوظيفة ورضي بها: قضائية أو تدريساً، أو وزارة أو غير ذلك. على أن يكون قصده الإصلاح والخير، وليس قصده الدنيا، وإنَّما يقصد وجه الله، وحسن المآب في الآخرة، وأن ينفع الناس، في دينهم أولاً، ثم في دنياهم، ولا يرضى أن يتولى المناصب الجهال، والفساق، فإذا دعي إلى منصب صالح يرى نفسه أهلاً له، وأنَّ فيه قوة عليه، فليجب إلى ذلك، وليحسن النية، وليبذل وسعه في ذلك، ولا يقل أخشى كذا، وأخشى كذا. ومع النية الصالحة، والصدق في العمل، يوفق العبد، ويعان على ذلك، إذا أصلح لله نيته، وبذل وسعه في الخير، وفقه الله. ومن هذا الباب حديث عثمان بن أبي العاص الثقفي، أنَّه قال: يا رسول الله اجعلني إمام قومي. فقال النبي ﷺ : "أنت إمامهم، واقتد

стр. 6937

بأضعفهم، واتخذ مؤذناً، لا يأخذ على أذانه أجراً". رواه الإمام أحمد. وأهل السنن، بإسناد صحيح. فطلب ﵁ إمامة قومه للمصلحة الشرعية، ولتوجيههم للخير، وتعليمهم وأمرهم بالمعروف، ونهيهم عن المنكر، مثلما فعل يوسف ﵊. قال العلماء: إنَّما نهي عن طلب الإمرة والولاية، إذا لم تدع الحاجة إلى ذلك، لأنَّه خطر، كما جاء في الحديث: النهي عن ذلك، لكن متى دعت الحاجة والمصلحة الشرعية إلى طلبها جاز ذلك، لقصة يوسف عيه الصلاة والسلام، وحديث عثمان ﵁ المذكور» اهـ. الحجة الثانية: أخذ خالد بن الوليد لها في يوم مؤتة من غير تأمير من قبل النبي ﷺ ، وذلك فيما رواه البخاري (١٢٤٦) عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ ﵁، قَالَ: قَالَ النَّبِيُّ ﷺ : «أَخَذَ الرَّايَةَ زَيْدٌ فَأُصِيبَ، ثُمَّ أَخَذَهَا جَعْفَرٌ فَأُصِيبَ، ثُمَّ أَخَذَهَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ رَوَاحَةَ فَأُصِيبَ - وَإِنَّ عَيْنَيْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ لَتَذْرِفَانِ - ثُمَّ أَخَذَهَا خَالِدُ بْنُ الوَلِيدِ مِنْ غَيْرِ إِمْرَةٍ فَفُتِحَ لَهُ».

стр. 6938

وقد بوَّب الإمام البخاري ﵀ (٣٠٦٣) على هذا الحديث فقال: «باب من تأمر في الحرب من غير إمرة إذا خاف العدو». الحجة الثالثة: ما رواه أحمد (١٦٣١٤، ١٦٣١٥، ١٦٣١٦، ١٧٩٣٦)، وأبو داود (٥٣١)، والنسائي (٦٧٢) من طريق حَمَّادِ بنِ سَلَمَةَ، أَخْبَرَنَا سَعِيدٌ الْجُرَيْرِيُّ، عَنْ أَبِي الْعَلَاءِ، عَنْ مُطَرِّفِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ، عَنْ عُثْمَانَ بْنِ أَبِي الْعَاصِ، قَالَ: قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ اجْعَلْنِي إِمَامَ قَوْمِي، قَالَ: «أَنْتَ إِمَامُهُمْ وَاقْتَدِ بِأَضْعَفِهِمْ وَاتَّخِذْ مُؤَذِّنًا لَا يَأْخُذُ عَلَى أَذَانِهِ أَجْرًا». قُلْتُ: هَذَا حَدِيْثٌ صَحِيْحٌ. قَالَ الْعَلَّامَةُ ابْنُ دَقِيْقِ الْعِيْدِ ﵀ فِي [إِحْكَامِ الْأَحْكَامِ] (ص: ٤٥٣): «فمن كان متعيناً للولاية وجب عليه قبولها إن عرضت عليه، وطلبها إن لم تعرض؛ لأنَّه فرض كفاية لا يتأدى إلَّا به فيتعين عليه القيام به، وكذا إذا لم يتعين وكان أفضل من غيره ومنعنا ولاية المفضول مع وجود الأفضل، وإن كان غيره أفضل منه ولم نمنع تولية المفضول مع وجود الفاضل: فههنا يكره له أن يدخل في الولاية وأن يسألها، وحرم بعضهم الطلب، وكره للإمام أن يوليه» اهـ.

стр. 6939

٢ - وفيه أنَّ من أعطي الولاية عن مسألة فلا يعان عليها ولكن يوكل إلى نفسه، وإن أعطيها من غير مسألة أعين عليها. وأمَّا ما رواه أبو داود (٣٥٧٥) حَدَّثَنَا عَبَّاسٌ الْعَنْبَرِيُّ، حَدَّثَنَا عُمَرُ بْنُ يُونُسَ، حَدَّثَنَا مُلَازِمُ بْنُ عَمْرٍو، حَدَّثَنِي مُوسَى بْنُ نَجْدَةَ، عَنْ جَدِّهِ يَزِيدُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ وَهُوَ أَبُو كَثِيرٍ، قَالَ: حَدَّثَنِي أَبُو هُرَيْرَةَ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «مَنْ طَلَبَ قَضَاءَ الْمُسْلِمِينَ حَتَّى يَنَالَهُ، ثُمَّ غَلَبَ عَدْلُهُ جَوْرَهُ، فَلَهُ الْجَنَّةُ، وَمَنْ غَلَبَ جَوْرُهُ عَدْلَهُ فَلَهُ النَّارُ». فَهُوَ حَدِيْثٌ ضَعِيْفٌ لجهالة موسى بن نجدة. ٣ - وفيه مشروعية كفارة اليمين. وهذا من رحمة الله تعالى، ولولا ذلك لكان من حلف على شيء يجب عليه فعله ولا بد ما لم يكن مما حرمه الله تعالى. قَالَ شَيْخُ الْإِسْلَامِ ابْنُ تَيْمِيَّةَ ﵀ كَمَا فِي [مَجْمُوْعِ الْفَتَاوَى] (٣٥/ ٢٥١ - ٢٥٢): «وكانوا في أول الإسلام لا مخرج لهم من اليمين قبل أن تشرع الكفارة ولهذا قالت عائشة: كان أبو بكر لا يحنث في يمين حتى أنزل الله كفارة اليمين، وذلك لأنَّ اليمين بالله عقد بالله فيجب الوفاء به كما يجب بسائر العقود وأشد؛ لأنَّ قوله: أحلف بالله أو أقسم بالله ونحو ذلك: في معنى قوله أعقد بالله؛ ولهذا

стр. 6940

عدي بحرف الإلصاق الذي يستعمل في الربط والعقد فينعقد المحلوف عليه بالله كما تنعقد إحدى اليدين بالأخرى في المعاقدة؛ ولهذا سماه الله عقداً في قوله: ﴿وَلَكِنْ يُؤَاخِذُكُمْ بِمَا عَقَّدْتُمُ الْأَيْمَانَ﴾، فإذا كان قد عقدها بالله كان الحنث فيها نقضاً لعهد الله وميثاقه لولا ما فرضه الله من التحلة، ولهذا سمي حلها حنثاً. والحنث: هو الإثم في الأصل، فالحنث فيها سبب للإثم لولا الكفارة الماحية فإنَّما الكفارة منعته أن يوجب إثماً. ونظير الرخصة في كفارة اليمين بعد عقدها الرخصة أيضاً في كفارة الظهار بعد أن كان الظهار في الجاهلية وأول الإسلام طلاقاً، وكذلك الإيلاء كان عندهم طلاقاً، فإنَّ هذا جار على قاعدة وجوب الوفاء بمقتضى اليمين فإنَّ الإيلاء إذا وجب الوفاء بمقتضاه من ترك الوطء صار الوطء محرماً وتحريم الوطء تحريماً مطلقاً مستلزم لزوال الملك الذي هو الطلاق، وكذلك الظهار إذا وجب التحريم فالتحريم مستلزم لزوال الملك؛ فإنَّ الزوجة لا تكون محرمة على الإطلاق؛ ولهذا قال سبحانه: ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ لِمَ تُحَرِّمُ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكَ تَبْتَغِي مَرْضَاتَ أَزْوَاجِكَ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ (١) قَدْ فَرَضَ اللَّهُ لَكُمْ تَحِلَّةَ أَيْمَانِكُمْ﴾، والتحلة: مصدر حللت الشيء أحله تحليلاً وتحلة كما يقال كرمته تكريماً وتكرمة. وهذا مصدر يسمى به

стр. 6941

المحلل نفسه الذي هو الكفارة، فإن أريد المصدر فالمعنى فرض الله لكم تحليل اليمين وهو حلها الذي هو خلاف العقد. ولهذا استدل من استدل من أصحابنا وغيرهم كأبي بكر عبد العزيز بهذه الآية على التكفير قبل الحنث لأنَّ التحلة لا تكون بعد الحنث؛ فإنَّه بالحنث تنحل اليمين؛ وإنَّما تكون التحلة إذا أخرجت قبل الحنث لتنحل اليمين، وإنَّما هي بعد الحنث كفارة؛ لأنَّها كفرت ما في الحنث من سبب الإثم لنقض عهد الله. فإذا تبين أنَّ ما اقتضته اليمين من وجوب الوفاء بها رفعه الله عن هذه الأمة بالكفارة التي جعلها بدلاً من الوفاء في جملة ما رفعه عنها من الآصار التي نبه عليها بقوله: ﴿وَيَضَعُ عَنْهُمْ إصْرَهُمْ﴾» اهـ. قُلْتُ: فإن قيل: قد جاء تسميتها كفارة وإن كانت قبل الحنث في قول الله تعالى: ﴿ذَلِكَ كَفَّارَةُ أَيْمَانِكُمْ إِذَا حَلَفْتُمْ﴾ [المائدة: ٨٩]، ولم يقل: إذا حنثتم؟ فالجواب: أنَّه قدر كثير من العلماء إِضماراً تقديره: إذا حلفتم وحنثتم. لكن سيأتي حديث عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ سَمُرَةَ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «إِذَا حَلَفْتَ عَلَى يَمِينٍ فَكَفِّرْ عَنْ يَمِينِكَ، ثُمَّ ائْتِ الَّذِي هُوَ خَيْرٌ». وفيه تسمية الكفارة كفارة قبل الحنث، وذلك لأنَّها محلة لعقد اليمين ورافعة للإثم المترتب على نقض اليمين لولا الكفارة.

стр. 6942

وسيأتي في كلام ابن القيم ﵀ ما يدل على تسميتها كفارة قبل الحنث وبعده وهو أظهر باعتبار الأدلة. ٤ - وفيه جواز الحنث في اليمين للانتقال إلى ما هو خير، مع كفارة اليمين. وقد قال الله تعالى: ﴿وَلَا تَجْعَلُوا اللَّهَ عُرْضَةً لِأَيْمَانِكُمْ أَنْ تَبَرُّوا وَتَتَّقُوا وَتُصْلِحُوا بَيْنَ النَّاسِ وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾ [البقرة: ٢٢٤]. وروى البخاري (٦٦٢٥)، ومسلم (١٦٥٥) عن أَبِي هُرَيْرَةَ، عَنْ رَسُولِ اللهِ ﷺ ، قَالَ: «وَاللهِ لَأَنْ يَلَجَّ أَحَدُكُمْ بِيَمِينِهِ فِي أَهْلِهِ، آثَمُ لَهُ عِنْدَ اللهِ مِنْ أَنْ يُعْطِيَ كَفَّارَتَهُ الَّتِي فَرَضَ اللهُ». قُلْتُ: يقال: لج في يمينه واستلج من اللجاج وهو الإصرار والاستمرار في حكم اليمين، وذلك كأن يلحف ألَّا يطأ زوجته، أو لا يكلمها، أو ألَّا يصل رحمه، ثم يلازم يمينه ويستمر عليها. قَالَ شَيْخُ الْإِسْلَامِ ابْنُ تَيْمِيَّةَ ﵀ كَمَا فِي [مَجْمُوْعِ الْفَتَاوَى] (٣٥/ ٢٧٨): «فأخبر النبي ﷺ أنَّ اللجاج باليمين في أهل الحالف أعظم من التكفير. "واللجاج" التمادي في الخصومة؛ ومنه قيل رجل لجوج إذا تمادى في الخصومة ولهذا تسمي العلماء هذا "نذر اللجاج والغضب" فإنَّه يلج حتى يعقده

стр. 6943

ثم يلج في الامتناع من الحنث. فبين النبي ﷺ أنَّ اللجاج باليمين أعظم إثماً من الكفارة» اهـ. ٥ - وفيه مشروعية تقديم الكفارة على الحنث. وأصرح من هذه الرواية ما رواه أحمد (٢٠٦٤٧)، وأبو داود (٣٢٧٨)، والنسائي (٣٧٨٣) من طريق الْحَسَنِ، قَالَ: حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ سَمُرَةَ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «إِذَا حَلَفْتَ عَلَى يَمِينٍ فَكَفِّرْ عَنْ يَمِينِكَ، ثُمَّ ائْتِ الَّذِي هُوَ خَيْرٌ». قُلْتُ: هَذَا حَدِيْثٌ صَحِيْحٌ، والحسن صرح بسماعة من عبد الرحمن بن سمرة عند النسائي. وبهذا قال جمهور العلماء، وقالت الحنفية: لا تجزئ الكفارة قبل الحنث؛ لأنَّه تكفير قبل وجود سببه، فأشبه ما لو كفر قبل اليمين، ودليل ذلك أنَّ سبب التكفير الحنث، إذ هو هتك الاسم المعظم المحترم، ولم يوجد. ونازع الشافعي في الكفارة بالصيام فذهب إلى أنَّ الكفارة به لا تكون إلَّا بعد الحنث، لأنَّها عبادة بدنية، والأصل في العبادات البدنية أن لا تقدم على وقتها. قُلْتُ: والجواب عن قول الحنفية، أنَّه رأي مخالف للحديث فلا يلتفت إليه، ويجاب من وجه آخر، وهو أنَّ السبب هو اليمين لا الحنث.

стр. 6944

قَالَ الْعَلَّامَةُ ابْنُ قُدَامَةَ ﵀ فِي [الْمُغْنِي] (٢٢/ ١٤٥): «والسبب هو اليمين بدليل قوله تعالى: ﴿ذَلِكَ كَفَّارَةُ أَيْمَانِكُمْ﴾. وقوله سبحانه: ﴿قَدْ فَرَضَ اللَّهُ لَكُمْ تَحِلَّةَ أَيْمَانِكُمْ﴾. وقول النبي ﷺ : "وكفرت عن يميني"، "وكفر عن يمينك". وتسمية الكفارة كفارة اليمين، وبهذا ينفصل عمَّا ذكروه، فإنَّ الحنث شرط وليس بسبب، وتعجيل حق المال بعد وجود سببه وقبل وجود شرطه جائز، بدليل تعجيل الزكاة بعد وجود النصاب وقبل الحول، وكفارة القتل بعد الجرح وقبل الزهوق. قال ابن عبد البر: العجب من أصحاب أبي حنيفة، أجازوا تقديم الزكاة من غير أن يرووا فيها مثل هذه الآثار الواردة في تقديم الكفارة، ويأبون تقديم الكفارة مع كثرة الرواية الواردة فيها، والحجة في السنة، ومن خالفها محجوج بها» اهـ. والجواب عن الشافعي: أنَّه تفريق بغير حجة. قُلْتُ: ومن جملة الأدلة الدالة التي احتج بها بعض العلماء على مشروعية تقديم الكفارة على الحنث قول الله تعالى: ﴿قَدْ فَرَضَ اللَّهُ لَكُمْ تَحِلَّةَ أَيْمَانِكُمْ وَاللَّهُ مَوْلَاكُمْ وَهُوَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ﴾ [التحريم: ٢].

стр. 6945

وقد سبق قول شَيْخِ الْإِسْلَامِ ابْنِ تَيْمِيَّةَ ﵀: «فالمعنى فرض الله لكم تحليل اليمين وهو حلها الذي هو خلاف العقد. ولهذا استدل من استدل من أصحابنا وغيرهم كأبي بكر عبد العزيز بهذه الآية على التكفير قبل الحنث لأنَّ التحلة لا تكون بعد الحنث؛ فإنَّه بالحنث تنحل اليمين؛ وإنَّما تكون التحلة إذا أخرجت قبل الحنث لتنحل اليمين، وإنَّما هي بعد الحنث كفارة؛ لأنَّها كفرت ما في الحنث من سبب الإثم لنقض عهد الله» اهـ. وَقَالَ الْعَلَّامَةُ ابْنُ الْقَيِّمِ ﵀ فِي [بَدَائِعِ الْفَوَائِدِ] (٢/ ٢٩٣ - ٢٩٤): «ولما لم يذكر الفاعل المكفر في قوله: ﴿ذَلِكَ كَفَّارَةُ أَيْمَانِكُمْ﴾ ولم يذكر "من"، وأضاف الكفارة إلى الأيمان وذلك من إضافة المصدر إلى المفعول، وإن كانت الأيمان لا تكفر وإنَّما يكفر الحنث والإثم، ولكن الكفارة حل لعقد اليمين فمن هنالك أضيفت إلى اليمين كما يضاف الحل إلى العقد إذ اليمين عقد والكفارة حل له والله أعلم» اهـ. وسيأتي قوله ﵀: «وأمَّا إذا حلف يميناً مجردة ليفعلن كذا فهذا حض منه لنفسه وحث على فعله باليمين وليس إيجاباً عليها فإنَّ اليمين لا توجب شيئاً ولا تحرمه ولكن الحالف عقد اليمين بالله ليفعلنَّه فأباح الله سبحانه له حل ما عقده

стр. 6946

بالكفارة ولهذا سماها الله تحلة فإنَّها تحل عقد اليمين وليست رافعة لإثم الحنث كما يتوهمه بعض الفقهاء فإنَّ الحنث قد يكون واجباً وقد يكون مستحباً فيؤمر به أمر إيجاب أو استحباب وإن كان مباحاً فالشارع لم يبح سبب الإثم وإنَّما شرعها الله حلاً لعقد اليمين كما شرع الله الاستثناء مانعاً من عقدها» اهـ. قُلْتُ: وعلى ما ذكره العلامة ابن القيم ﵀ فهي تحلة قبل الحنث وبعده. وجاء في البخاري (٣١٣٣)، ومسلم (١٦٤٩) عَنْ أَبِي مُوسَى الأَشْعَرِيِّ ﵁، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «وَإِنِّي وَاللَّهِ - إِنْ شَاءَ اللَّهُ - لَا أَحْلِفُ عَلَى يَمِينٍ، فَأَرَى غَيْرَهَا خَيْرًا مِنْهَا، إِلَّا أَتَيْتُ الَّذِي هُوَ خَيْرٌ، وَتَحَلَّلْتُهَا». وفيه كما ترى ذكر التحلل بعد الحنث، ويمكن الخلوص من ذلك بأنَّ الواو لمطلق الجمع، والمراد بذلك الكفارة قبل الحنث، ويدل على ذلك أنَّ الحديث جاء عند البخاري (٦٧١٨)، مسلم (١٦٤٩) في رواية بتقديم الكفارة على الحنث، ولفظه: «إِنِّي وَاللَّهِ - إِنْ شَاءَ اللَّهُ - لَا أَحْلِفُ عَلَى يَمِينٍ، فَأَرَى غَيْرَهَا خَيْرًا مِنْهَا، إِلَّا كَفَّرْتُ عَنْ يَمِينِي، وَأَتَيْتُ الَّذِي هُوَ خَيْرٌ». والله أعلم. وَقَولُ الْعَلَّامَةِ ابْنِ الْقَيِّمِ ﵀: «فأباح الله سبحانه له حل ما عقده بالكفارة ولهذا سماها الله تحلة فإنَّها تحل عقد اليمين وليست رافعة لإثم الحنث كما يتوهمه

стр. 6947

بعض الفقهاء فإنَّ الحنث قد يكون واجباً وقد يكون مستحباً فيؤمر به أمر إيجاب أو استحباب وإن كان مباحاً فالشارع لم يبح سبب الإثم وإنَّما شرعها الله حلاً لعقد اليمين كما شرع الله الاستثناء مانعاً من عقدها». قُلْتُ: هذا الذي توهمه بعض الفقهاء قد ذكره أيضاً شيخه شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ وغيره، وقد يقال: كان الحال في أول الأمر من حلف على ترك واجب مثلاً فإنَّه يجب عليه فعله، ويجب عليه أن يحافظ على يمينه فإن فعل الواجب أثم، وإن نقض اليمين أثم فلا مفر له من الإثم فجاءت الكفارة فأسقطت عليه إثم نقض اليمين، وبقى عليه وجوب أداء الواجب، وبناء على هذا صح ما يذكره الفقهاء من أنَّ الكفارة رافعة لإثم الحنث، وتسميتها كفارة يدل على ذلك. ٦ - وقوله: «وَإِذَا حَلَفْتَ عَلَى يَمِينٍ» "يمين" نكرة في سياق الإثبات فتعم على سبيل البدل، فيدخل فيها أيمان النذر، والطلاق، والظهار، وغير ذلك. وقد أوصلها شَيْخُ الْإِسْلَامِ ابْنُ تَيْمِيَّةَ ﵀ إلى ستة أنواع، فَقَالَ كَمَا فِي [مَجْمُوْعِ الْفَتَاوَى] (٣٥/ ٢٤٢): «فالأيمان التي يحلف بها المسلمون مما قد يلزم بها حكم ستة أنواع ليس لها سابع:

стр. 6948

أحدها: اليمين بالله وما في معناها مما فيه التزام كفر على تقدير الخبر كقوله هو يهودي أو نصراني إن فعل كذا. على ما فيه من الخلاف بين الفقهاء. الثاني: اليمين بالنذر الذي يسمى "نذر اللجاج والغضب" كقوله: علي الحج لا أفعل كذا، أو إن فعلت كذا فعلي الحج، أو مالي صدقة إن فعلت كذا، ونحو ذلك. الثالث: اليمين بالطلاق. الرابع: اليمين بالعتاق. الخامس: اليمين بالحرام كقوله علي الحرام لا أفعل كذا. السادس: الظهار؛ كقوله: أنت علي كظهر أمي إن فعلت كذا فهذا مجموع ما يحلف به المسلمون مما فيه حكم» اهـ. وهذه الأيمان منها ما هو بصيغة القسم ومنها ما هي بصيغة الجزاء. قَالَ شَيْخُ الْإِسْلَامِ ابْنُ تَيْمِيَّةَ ﵀ كَمَا فِي [مَجْمُوْعِ الْفَتَاوَى] (٣٥/ ٢٤٤): «"المقدمة الثانية": أنَّ هذه الأيمان يحلف بها تارة بصيغة القسم وتارة بصيغة الجزاء؛ لا يتصور أن تخرج اليمين عن هاتين الصيغتين. فالأول كقوله: والله لا أفعل كذا، أو الطلاق يلزمني أن أفعل كذا، أو علي الحرام لا أفعل كذا؛ أو علي الحج لا أفعل.

стр. 6949

والثاني كقوله: إن فعلت كذا فأنا يهودي أو نصراني أو بريء من الإسلام، أو إن فعلت كذا فامرأتي طالق، أو إن فعلت كذا فامرأتي حرام، أو فهي علي كظهر أمي، أو إن فعلت كذا فعلي الحج أو فمالي صدقة». إِلَى أَنْ قَالَ ﵀ (٣٥/ ٢٤٥): «وإذا تبين أنَّ لليمين صيغتين: صيغة القسم وصيغة الجزاء. فالمقدم في صيغة القسم مؤخر في صيغة الجزاء والمؤخر في صيغة الجزاء مقدم في صيغة القسم، والشرط المثبت في صيغة الجزاء منفي في صيغة القسم، فإنَّه إذا قال: الطلاق يلزمني لا أفعل كذا. فقد حلف بالطلاق أن لا يفعل فالطلاق مقدم مثبت؛ والفعل مؤخر منفي: فلو حلف بصيغة الجزاء فقال: إن فعلت كذا فامرأتي طالق كان يقدم الفعل مثبتاً ويؤخر الطلاق منفياً كما أنَّه في القسم قدم الحكم وأخر الفعل. وبهذه القاعدة تنحل مسائل من مسائل الأيمان» اهـ. قُلْتُ: والذي يدخل في اليمين من صيغة الجزاء هو ما أريد به الحث على الفعل أو المنع منه، أو التصديق لخبر، أو تكذيبه. قَالَ شَيْخُ الْإِسْلَامِ ابْنُ تَيْمِيَّةَ ﵀ كَمَا فِي [مَجْمُوْعِ الْفَتَاوَى] (٣٥/ ٢٥٠): «إذا ثبتت هذه الأنواع الداخلة في قسم التعليق فقد علمت أنَّ بعضها معناه معنى

стр. 6950

اليمين بصيغة القسم؛ وبعضها ليس معناه ذلك. فمتى كان الشرط المقصود حضاً على فعل أو منعاً منه أو تصديقاً لخبر؛ أو تكذيباً: كان الشرط مقصود العدم هو وجزاؤه؛ كنذر اللجاج؛ والحلف بالطلاق على وجه اللجاج والغضب» اهـ. قُلْتُ: أمَّا اليمين بالله تعالى، فالأدلة فيه كثيرة، ومنها: حديث عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ ﵄: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ أَدْرَكَ عُمَرَ بْنَ الخَطَّابِ، وَهُوَ يَسِيرُ فِي رَكْبٍ، يَحْلِفُ بِأَبِيهِ، فَقَالَ: «أَلَا إِنَّ اللَّهَ يَنْهَاكُمْ أَنْ تَحْلِفُوا بِآبَائِكُمْ، مَنْ كَانَ حَالِفًا فَلْيَحْلِفْ بِاللَّهِ أَوْ لِيَصْمُتْ». أخرجه البخاري (٦٦٤٦)، ومسلم (٤٢٣٣). وأمَّا إدخال قول القائل: هو يهودي أو نصراني إن لم يفعل كذا في الحلف بالله، فقد أوضح ذلك شَيْخُ الْإِسْلَامِ ابْنُ تَيْمِيَّةَ ﵀ كَمَا فِي [مَجْمُوْعِ الْفَتَاوَى] (٣٥/ ٢٧٥) قال: «ولهذا قال أكثر أهل العلم: إذا قال: هو يهودي، أو نصراني إن لم يفعل ذلك. فهي يمين بمنزلة قوله: والله لأفعلنَّ؛ لأنَّه ربط عدم الفعل بكفره الذي هو براءته من الله فيكون قد ربط الفعل بإيمانه بالله وهذا هو حقيقة الحلف بالله» اهـ. قُلْتُ: وذلك أنَّ من قال في يمينه: والله لأفعلنَّ كذا فقد ربط الفعل بإيمانه بالله الذي هو تعظيمه وتجليله ونحو ذلك، وربط عدم الفعل ببراءته من الله، فهذا هو

стр. 6951

حقيقة اليمين، وإن كان ذلك لا يخطر في قلب الحالف فلهذا لم يؤاخذ به، وإذا قال شخص: هو يهودي أو نصراني إن لم يفعل كذا فإنَّه بمعنى ما سبق، غير أنَّه هناك لم يصرح بلفظ البراءة من الله إذا لم يفعل، وهنا صرَّح بذلك، وهذا التصريح لا يخرجها عن حقيقة اليمين، وقد اعتبر ذلك أصحاب النبي ﷺ ذلك يميناً، كما سيأتي في حديث أبي رافع. وأمَّا الحلف بالنذر، وهو الذي يسميه العلماء بنذر اللجاج والغضب، فآثار الصحابة تدل على اعتباره يميناً، فمن ذلك: ما رواه أبو داود (٣٢٧٢) حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْمِنْهَالِ، حَدَّثَنَا يَزِيدُ بْنُ زُرَيْعٍ، حَدَّثَنَا حَبِيبٌ الْمُعَلِّمُ، عَنْ عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيِّبِ، أَنَّ أَخَوَيْنِ مِنَ الْأَنْصَارِ كَانَ بَيْنَهُمَا مِيرَاثٌ، فَسَأَلَ أَحَدُهُمَا صَاحِبَهُ الْقِسْمَةَ، فَقَالَ: إِنْ عُدْتَ تَسْأَلُنِي عَنِ الْقِسْمَةِ فَكُلُّ مَالٍ لِي فِي رِتَاجِ الْكَعْبَةِ، فَقَالَ لَهُ عُمَرُ إِنَّ الْكَعْبَةَ غَنِيَّةٌ عَنْ مَالِكَ، كَفِّرْ عَنْ يَمِينِكَ وَكَلِّمْ أَخَاكَ سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: «لَا يَمِينَ عَلَيْكَ، وَلَا نَذْرَ فِي مَعْصِيَةِ الرَّبِّ، وَفِي قَطِيعَةِ الرَّحِمِ، وَفِيمَا لَا تَمْلِكُ». قُلْتُ: إِسْنَادُهُ حَسَنٌ، ورواية ابن المسيب عن عمر مقبولة على الصحيح.

стр. 6952

قَالَ الْحَافِظُ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ ﵀ فِي [الْجَرْحِ وَالتَّعْدِيْلِ] (٤/ ٦١): «نا محمد بن حمويه بن الحسن قال سمعت أبا طالب قال قلت لأحمد بن حنبل: سعيد بن المسيب؟ فقال ومن كان مثل سعيد بن المسيب؟ ثقة من أهل الخير، قلت سعيد عن عمر حجة قال: هو عندنا حجة، قد رأى عمر وسمع منه، إذا لم يقبل سعيد عن عمر فمن يقبل؟» اهـ. قُلْتُ: رتاج الكعبة بابها من حيث الأصل لكن ليس المراد ها هنا الباب نفسه وإنَّما المراد أن يكون مالها هدياً إلى الكعبة. وقول عمر: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: «لَا يَمِينَ عَلَيْكَ». أي على من قال: مثل قولك، والمعنى لا يجب عليه التزام هذه اليمين، ولا يصير ما حلفت به واجباً ولازماً، وليس المعنى لا تنعقد يمينه، ولهذا أمره بالكفارة، ولو كانت لا تنعقد لم يأمره بها. قَالَ شَيْخُ الْإِسْلَامِ ابْنُ تَيْمِيَّةَ ﵀ كَمَا فِي [مَجْمُوْعِ الْفَتَاوَى] (٣٥/ ٢٨١): «وَمَقْصُودُ النَّبِيِّ ﷺ : إمَّا أَنْ يَكُونَ نَهْيَهُ عَنْ الْمَحْلُوفِ عَلَيْهِ مِنْ الْمَعْصِيَةِ وَالْقَطِيعَةِ فَقَطْ أَوْ يَكُونَ مَقْصُودُهُ مَعَ ذَلِكَ لَا يَلْزَمُهُ مَا فِي الْيَمِينِ وَالنَّذْرِ مِنْ الْإِيجَابِ وَالتَّحْرِيمِ، وَهَذَا الثَّانِي هُوَ الظَّاهِرُ؛ لِاسْتِدْلَالِ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ بِهِ؛

стр. 6953

فَإِنَّهُ لَوْلَا أَنَّ الْحَدِيثَ يَدُلُّ عَلَى هَذَا لَمْ يَصِحَّ اسْتِدْلَالُ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ ﵁ عَلَى مَا أَجَابَ بِهِ السَّائِلَ مِنْ الْكَفَّارَةِ دُونَ إخْرَاجِ الْمَالِ فِي كُسْوَةِ الْكَعْبَةِ؛ وَلِأَنَّ لَفْظَ النَّبِيِّ ﷺ يَعُمُّ ذَلِكَ كُلَّهُ» اهـ. وما رواه مالك في [الْمُوَطَّأِ] (١٠٢٣)، وابن أبي شيبة في [مُصَنَّفِهِ] (١٢٤٧٩)، وعبد الرزاق في [مُصَنَّفِهِ] (١٥٩٨٨) من طريق مَنْصُورِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ الْحَجَبِيِّ، عَنْ أُمِّهِ، عَنْ عَائِشَةَ أُمِّ الْمُؤْمِنِينَ ﵂ أَنَّهَا سُئِلَتْ عَنْ رَجُلٍ قَالَ: مَالِي فِي رِتَاجِ الْكَعْبَةِ. فَقَالَتْ عَائِشَةُ: «يُكَفِّرُهُ مَا يُكَفِّرُ الْيَمِينَ». قُلْتُ: إِسْنَادُهُ صَحِيْحٌ. ورواه عبد الرزاق في [مُصَنَّفِهِ] (١٥٩٨٧) عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ قَالَ: أَخْبَرَنِي عَطَاءٌ، عَنْ صَفِيَّةَ ابْنَةِ شَيْبَةَ، عَنْ عَائِشَةَ أُمِّ الْمُؤْمِنِينَ به، وَإِسْنَادُهُ صَحِيْحٌ أيضاً. وروى البيهقي في [الْكُبْرَى] (٢٠٥٣٠) أَخْبَرَنَا أَبُو عَبْدِ اللهِ الْحَافِظُ، ثنا عَبْدُ اللهِ بْنُ جَعْفَرِ بْنِ دَرَسْتَوَيْهِ، ثنا أَحْمَدُ بْنُ الْوَلِيدِ، ثنا يَزِيدُ بْنُ هَارُونَ، أنبأ شُعْبَةُ، عَنْ سَلَمَةَ بْنِ كُهَيْلٍ، عَنْ عَطَاءٍ، عَنْ عَائِشَةَ ﵂، فِي رَجُلٍ جَعَلَ مَالَهُ فِي الْمَسَاكِينِ صَدَقَةً؟ قَالَتْ: «كَفَّارَةُ يَمِينٍ». قُلْتُ: إِسْنَادُهُ حَسَنٌ.

стр. 6954

وروى البخاري في [التَّارِيْخِ الْكَبِيْرِ] (١٣٩٨)، وعبد الرزاق في [مُصَنَّفِهِ] (١٦٠٠٠، ١٦٠٠١)، والدارقطني (٤٣٣١)، ومن طريقه البيهقي في [الْكُبْرَى] (١٩٨٢٩) من طريق بَكْرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ الْمُزَنِيُّ، عَنْ أَبِي رَافِعٍ، أَنَّ مَوْلَاتَهُ أَرَادَتْ أَنْ تُفَرِّقَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ امْرَأَتِهِ، فَقَالَتْ: هِيَ يَوْمًا يَهُودِيَّةٌ وَيَوْمًا نَصْرَانِيَّةٌ وَكُلُّ مَمْلُوكٍ لَهَا حُرٌّ وَكُلُّ مَالٍ لَهَا فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَعَلَيْهَا الْمَشْي إِلَى بَيْتِ اللَّهِ إِنْ لَمْ تُفَرِّقْ بَيْنَهُمَا، فَسَأَلَتْ عَائِشَةَ، وَابْنَ عُمَرَ، وَابْنَ عَبَّاسٍ، وَحَفْصَةَ، وَأُمَّ سَلَمَةَ، فَكُلُّهُمْ قَالَ لَهَا: «أَتُرِيدِينَ أَنْ تَكُونِي مِثْلَ هَارُوتَ وَمَارُوتَ وَأَمَرُوهَا أَنْ تُكَفِّرَ يَمِينَهَا وَتُخَلِّي بَيْنَهُمَا». قُلْتُ: إِسْنَادُهُ صَحِيْحٌ. قَالَ شَيْخُ الْإِسْلَامِ ابْنُ تَيْمِيَّةَ ﵀ كَمَا فِي [مَجْمُوْعِ الْفَتَاوَى] (٣٥/ ٢٥٧ - ٢٥٨): «وأيضاً: فإنَّ الاعتبار في الكلام بمعنى الكلام لا بلفظه؛ وهذا الحالف ليس مقصوده قربة لله وإنَّما مقصوده الحض على فعل أو المنع منه وهذا معنى اليمين. فإنَّ الحالف يقصد الحض على فعل أو المنع منه ثم إذا علق ذلك الفعل بالله تعالى أجزأته الكفارة فلأن تجزئه إذا علق به وجوب عبادة أو تحريم مباح بطريق الأولى؛ لأنَّه إذا علقه بالله ثم حنث كان موجب حنثه أنَّه قد هتك إيمانه بالله حيث لم يف بعهده، وإذا علق به وجوب فعل أو تحريمه فإنَّما يكون موجب

стр. 6955

حنثه ترك واجب أو فعل محرم ومعلوم أنَّ الحنث الذي موجبه خلل في التوحيد أعظم مما موجبه معصية من المعاصي؛ فإذا كان الله قد شرع الكفارة لإصلاح ما اقتضى الحنث في التوحيد فساده ونحو ذلك وجبره فلأن يشرع لإصلاح ما اقتضى الحنث فساده في الطاعة أولى وأحرى. وأيضاً: فإنَّا نقول: إنَّ موجب صيغة القسم مثل موجب صيغة التعليق. والنذر نوع من اليمين، وكل نذر فهو يمين فقول الناذر: لله علي أن أفعل. بمنزلة قوله: أحلف بالله لأفعلنَّ؛ موجب هذين القولين التزام الفعل معلقاً بالله. والدليل على هذا قول النبي ﷺ : "النذر حلف". فقوله: إن فعلت كذا فعلي الحج لله. بمنزلة قوله: إن فعلت كذا فو الله لأحجنَّ. وطرد هذا أنَّه إذا حلف ليفعلن براً لزمه فعله ولم يكن له أن يكفر فإنَّ حلفه ليفعلنَّه نذر لفعله. وكذلك طرد هذا أنَّه إذا نذر ليفعلن معصية أو مباحاً فقد حلف على فعلها بمنزلة ما لو قال: والله لأفعلن كذا: ولو حلف بالله ليفعلنَّ معصية أو مباحاً لزمته كفارة يمين فكذلك لو قال: آلله علي أن أفعل كذا. ومن الفقهاء من أصحابنا وغيرهم من يفرق بين البابين» اهـ.

стр. 6956

قُلْتُ: وممن فرق بين البابين الْعَلَّامَةُ ابْنُ الْقَيِّمِ ﵀ حَيْثُ قَالَ فِي [إِعْلَامِ الْمُوَقِعِيْنَ] (٢/ ١٣١ - ١٣٣): «وأمَّا قوله: وأوجب على من نذر لله طاعة الوفاء بها وجوز لمن حلف عليها أن يتركها ويكفر يمينه وكلاهما قد التزم فعلها لله فهذا السؤال يورد على وجهين: أحدهما: أن يحلف ليفعلنها نحو أن يقول والله لأصومنَّ الاثنين والخميس ولأتصدقنَّ، كما يقول: لله على أن أفعل ذلك. والثاني: أن يحلف بها كما يقول: إن كلمت فلاناً فلله علي صوم سنة وصدقة ألف. فإن أورد على الوجه الأول فجوابه أنَّ الملتزم الطاعة لله لا يخرج التزامه لله عن أربعة أقسام: أحدها: التزام بيمين مجردة. الثاني: التزام بنذر مجرد. الثالث: التزام بيمين مؤكدة بنذر. الرابع: التزام بنذر مؤكد بيمين. فالأول: نحو قوله: والله لأتصدقنَّ، والثاني: نحو: لله علي أن أتصدق، والثالث: نحو: والله إن شفى الله مريضي فعلي صدقة كذا، والرابع: نحو: إن شفى الله

стр. 6957

مريضي فو الله لأتصدقنَّ، وهذا كقوله تعالى: ﴿وَمِنْهُمْ مَنْ عَاهَدَ اللَّهَ لَئِنْ آتَانَا مِنْ فَضْلِهِ لَنَصَّدَّقَنَّ وَلَنَكُونَنَّ مِنَ الصَّالِحِينَ﴾، فهذا نذر مؤكد بيمين وإن لم يقل فيه فعلي إذ ليس ذلك من شرط النذر بل إذا قال: إن سلمني الله تصدقت أو لأتصدقنَّ فهو وعد وعده الله فعليه أن يفي به وإلَّا دخل في قوله: ﴿فَأَعْقَبَهُمْ نِفَاقًا فِي قُلُوبِهِمْ إِلَى يَوْمِ يَلْقَوْنَهُ بِمَا أَخْلَفُوا اللَّهَ مَا وَعَدُوهُ وَبِمَا كَانُوا يَكْذِبُونَ﴾، فوعد العبد ربه نذر يجب عليه أن يفي له به فإنَّه جعله جزاء وشكراً له على نعمته عليه فجرى مجرى عقود المعاوضات لا عقود التبرعات وهو أولى باللزوم من أن يقول ابتداء لله علي كذا، فإنَّ هذا التزام منه لنفسه أن يفعل ذلك، والأول تعليق بشرط وقد وجد فيجب فعل المشروط عنده لالتزامه له بوعده، فإنَّ الالتزام تارة يكون بصريح الإيجاب وتارة يكون بالوعد وتارة يكون بالشروع كشروعه في الجهاد والحج والعمرة والالتزام بالوعد آكد من الالتزام بالشروع وآكد من الالتزام بصريح الإيجاب فإنَّ الله سبحانه ذم من خالف ما التزمه له بالوعد وعاقبه بالنفاق في قلبه ومدح من وفي بما نذره له وأمر بإتمام ما شرع فيه له من الحج والعمرة فجاء الالتزام بالوعد آكد الأقسام الثلاثة وإخلافه يعقب النفاق في القلب، وأمَّا إذا حلف يميناً مجردة ليفعلن كذا فهذا حض منه لنفسه وحث على

стр. 6958

فعله باليمين وليس إيجاباً عليها فإنَّ اليمين لا توجب شيئاً ولا تحرمه ولكن الحالف عقد اليمين بالله ليفعلنَّه فأباح الله سبحانه له حل ما عقده بالكفارة ولهذا سماها الله تحلة فإنَّها تحل عقد اليمين وليست رافعة لإثم الحنث كما يتوهمه بعض الفقهاء فإنَّ الحنث قد يكون واجباً وقد يكون مستحباً فيؤمر به أمر إيجاب أو استحباب وإن كان مباحاً فالشارع لم يبح سبب الإثم وإنَّما شرعها الله حلاً لعقد اليمين كما شرع الله الاستثناء مانعاً من عقدها فظهر الفرق بين ما التزم لله وبين ما التزم بالله، فالأول ليس فيه إلَّا الوفاء، والثاني يخير فيه بين الوفاء وبين الكفارة حيث يسوغ ذلك، وسر هذا أنَّ ما التزم له آكد مما التزم به فإنَّ الأول متعلق بإلهيته والثاني بربوبيته، فالأول من أحكام إياك نعبد، والثاني من أحكام إياك نستعين، وإياك نعبد قسم الله من هاتين الكلمتين وإياك نستعين قسم العبد كما في الحديث الصحيح الإلهي هذه بيني وبين عبدي نصفين، وبهذا يخرج الجواب عن إيراد هذا السؤال على الوجه الثاني وأنَّ ما نذره لله من هذه الطاعات يجب الوفاء به، وما أخرجه مخرج اليمين يخير بين الوفاء به وبين التفكير لأنَّ الأول متعلق بإلهيته والثاني بربوبيته فوجب الوفاء بالقسم الأول ويخير الحالف في القسم الثاني، وهذا من أسرار الشريعة وكمالها وعظمها» اهـ.

стр. 6959

قُلْتُ: الذي يظهر لي أنَّ الالتزام بنذر مجرد، والالتزام بيمين مؤكدة بنذر، والالتزام بنذر مؤكد بيمين بابه واحد من حيث وجوب الوفاء به إن كان طاعة، وأمَّا الالتزام بيمين مجردة فمحل تردد، والأظهر ما ذكره العلامة ابن القيم ﵀ من عدم حصول الوجوب بذلك. والله أعلم. وأمَّا الحلف بالطلاق والعتاق، فلا يظهر لي فرق بينهما وبين الحلف بالنذر. قَالَ شَيْخُ الْإِسْلَامِ ابْنُ تَيْمِيَّةَ ﵀ كَمَا فِي [مَجْمُوْعِ الْفَتَاوَى] (٣٣/ ١٢٦ - ١٢٧): «فالذين قالوا: هذا يمين منعقدة. منهم من ألزم الحالف بما التزمه فألزمه إذا حنث بالنذر والطلاق والعتاق والظهار والحرام وهو قول مالك وإحدى الروايتين عن أبي حنيفة، ومنهم من فرق بين الطلاق والعتاق وبين غيرهما، وهو المعروف عن الشافعي، ومنهم من فرق بين النذر وغيره وهو المشهور عن أحمد، ومنهم من فرق بين الطلاق وغيره وهو أبو ثور. والصحيح أنَّ هذه الأيمان كلها فيها كفارة إذا حنث ولا يلزمه إذا حنث لا نذر ولا طلاق ولا عتاق ولا حرام. وهذا معنى أقوال الصحابة فقد ثبت النقل عنهم صريح بذلك في الحلف بالعتق والنذر. وتعليلهم وعموم كلامهم يتناول الحلف بالطلاق، وقد ثبت عن غير واحد من السلف أنَّه لا يلزم الحلف بالطلاق طلاقاً كما ثبت عن طاووس

стр. 6960

وعكرمة وعن أبي جعفر وجعفر ابن محمد. ومن هؤلاء من ألزم الكفارة وهو الصحيح. ومنهم من لم يلزمه الكفارة. فللعلماء في الحلف بالطلاق أكثر من أربعة أقوال: قيل: يلزمه مطلقاً؛ كقول الأربعة. وقيل: لا يلزمه مطلقاً؛ كقول أبي عبد الرحمن الشافعي وابن حزم وغيرهما. وقيل: إن قصد به اليمين لم يلزمه وهو أصح الأقوال؛ وهو معنى قول الصحابة» اهـ. قُلْتُ: وعمدة المفرقين بين الطلاق والعتق وغيرهما ما ذكره شَيْخُ الْإِسْلَامِ ابْنُ تَيْمِيَّةَ ﵀ كَمَا فِي [مَجْمُوْعِ الْفَتَاوَى] (٣٥/ ٢٦٢ - ٢٦٣) حيث قال: «وفرقوا بين قوله: إن فعلت كذا فمالي صدقة أو فعلي الحج؛ وبين قوله: فامرأتي طالق؛ أو فعبدي حر: بأنَّه هناك موجب القول وجوب الصدقة والحج لا وجود الصدقة والحج فإذا اقتضى الشرط وجوب ذلك كانت الكفارة بدلاً عن هذا الواجب كما يكون بدلاً عن غيره من الواجبات كما كانت في أول الإسلام بدلاً عن الصوم الواجب وبقيت بدلاً عن الصوم على العاجز عنه وكما يكون بدلاً عن الصوم الواجب في ذمة الميت؛ فإنَّ الواجب إذا كان في الذمة أمكن أن يخير بين

стр. 6961

أدائه وبين أداء غيره. وأمَّا العتق والطلاق فإنَّ موجب الكلام وجودهما فإذا وجد الشرط وجد العتق والطلاق وإذا وقعا لم يرتفعا بعد وقوعهما؛ لأنَّهما لا يقبلان الفسخ؛ بخلاف ما لو قال: إن فعلت كذا فلله علي أن أعتق؛ فإنَّه هنا لم يعلق العتق؛ وإنَّما علق وجوبه بالشرط فيخير بين فعل هذا الإعتاق الذي أوجبه على نفسه وبين الكفارة التي هي بدل عنه؛ ولهذا لو قال: إذا مت فعبدي حر. عتق بموته من غير حاجة إلى الإعتاق؛ ولم يكن له فسخ هذا التدبير عند الجمهور؛ إلَّا قولاً للشافعي ورواية عن أحمد، وفي بيعه الخلاف المشهور، ولو وصى بعتقه فقال: إذا مت فاعتقوه كان له الرجوع في ذلك كسائر الوصايا وكان له بيعه هنا وإن لم يجز بيع المدبر» اهـ. وقد أجاب عن ذلك شَيْخُ الْإِسْلَامِ ابْنُ تَيْمِيَّةَ ﵀ فَقَالَ كَمَا فِي [مَجْمُوْعِ الْفَتَاوَى] (٣٥/ ٣٠٢ - ٣٠٥): «وجواب هذا الفرق الذي اعتمده الفقهاء المفرقون من وجهين: أحدهما: منع الوصف الفارق في بعض الأصول المقيس عليها وفي بعض صور الفروع المقيس عليها. والثاني: بيان عدم التأثير.

стр. 6962

أمَّا الأول: فإنَّه إذا قال: إن فعلت كذا فمالي صدقة أو فأنا محرم أو فبعيري هدي. فالمعلق بالصفة وجود الصدقة والإحرام والهدي لا وجوبهما كما أنَّ المعلق في قوله: فعبدي حر وامرأتي طالق. وجود الطلاق والعتق لا وجوبهما؛ ولهذا اختلف الفقهاء من أصحابنا وغيرهم فيما إذا قال هذا: هدي وهذا صدقة لله: هل يخرج عن ملكه أو لا يخرج؟ فمن قال يخرج عن ملكه فهو كخروج زوجته وعبده عن ملكه. وأكثر ما في الباب أنَّ الصدقة والهدي يتملكهما الناس بخلاف الزوجة والعبد. وهذا لا تأثير له، وكذلك لو قال: عليَّ الطلاق لأفعلنَّ كذا أو الطلاق يلزمني لأفعلنَّ كذا فهو كقوله: علي الحج لأفعلنَّ كذا فهو جعل المحلوف به هاهنا وجوب الطلاق؛ لا وجوده كأنَّه قال: إن فعلت كذا فعلي أن أطلق. فبعض صور الحلف بالطلاق يكون المحلوف به صيغة وجوب. كما أنَّ بعض صور الحلف بالنذر يكون المحلوف به صيغة وجود. وأمَّا الجواب الثاني فنقول: هب أنَّ المعلق بالفعل هنا وجود الطلاق والعتق والمعلق هناك وجوب الصدقة والحج والصيام والإهداء أليس موجب الشرط ثبوت هذا الوجوب؟ بل يجزئه كفارة يمين كذلك عند الشرط لا يثبت هذا الوجوب بل يجزيه كفارة يمين عند وجوب الشرط فإن كان عند الشرط لا يثبت

стр. 6963

ذلك الوجوب كذلك عند الشرط لا يثبت هذا الوجود؛ بل كما لو قال: هو يهودي أو نصراني أو كافر إن فعل كذا؛ فإنَّ المعلق هنا وجود الكفر عند الشرط؛ ثم إذا وجد الشرط لم يوجد الكفر بالاتفاق؛ بل يلزمه كفارة يمين أو لا يلزمه شيء. ولو قال ابتداء: هو يهودي أو نصراني أو كافر يلزمه الكفر؛ بمنزلة قوله ابتداء: عبدي حر؛ وامرأتي طالق؛ وهذه البدنة هدي وعلي هدي؛ وعلي صوم يوم الخميس. ولو علق الكفر بشرط يقصد وجوده كقوله: إذا هل الهلال فقد برئت من دين الإسلام لكان الواجب أنَّه يحكم بكفره؛ لكن لا يناجز الكفر؛ لأنَّ توقيته دليل على فساد عقيدته. قيل: فالحلف بالنذر إنَّما عليه فيه الكفارة فقط. قيل: مثله في الحلف بالعتق؛ وكذلك الحلف بالطلاق كما لو قال فعلي أن أطلق امرأتي. ومن قال: إنَّه إذا قال: فعلي أن أطلق امرأتي. لا يلزمه شيء. فقياس قوله في الطلاق لا يلزمه شيء؛ ولهذا توقف طاووس في كونه يميناً. وإن قيل: إنَّه يخير بين الوفاء به والتكفير فكذلك هنا يخير بين الطلاق والعتق وبين التكفير فإن وطئ امرأته كان اختياراً للتكفير؛ كما أنَّه في الظهار يكون مخيراً بين

стр. 6964

التكفير وبين تطليقها؛ فإن وطئها لزمته الكفارة؛ لكن في الظهار لا يجوز له الوطء حتى يكفر لأنَّ الظهار منكر من القول وزور حرمها عليه. وأمَّا هنا فقوله: إن فعلت فهي طالق. بمنزلة قوله: فعلي أن أطلقها. أو قال والله لأطلقنها. إن لم يطلقها فلا شيء عليه؛ وإن طلقها فعليه كفارة يمين. يبقى أن يقال: هل تجب الكفارة على الفور إذا لم يطلقها حينئذ؟ كما لو قال: والله لأطلقنها الساعة ولم يطلقها؟ أو لا تجب إلَّا إذا عزم على إمساكها؟ أو لا تجب حتى يوجد منه ما يدل على الرضا بها من قول أو فعل كالذي يخير بين فراقها وإمساكها لعيب ونحوه وكالمعتقة تحت عبده؟ أو لا تجب بحال حتى يفوت الطلاق؟. قيل: الحكم في ذلك كما لو قال: فثلث مالي صدقة أو هدي ونحو ذلك والأقيس في ذلك أنَّه مخير بينهما على التراخي ما لم يوجد منه ما يدل على الرضا بأحدهما كسائر أنواع الخيار» اهـ. قُلْتُ: وقد مضت فتوى عائشة وابن عمر وابن عباس وحفصة وأم سلمة، في المرأة التي جعلت كل مملوك لها حر، فأفتوها جميعاً بكفارة اليمين، وأمَّا ما ذكره

стр. 6965

الإمام أحمد ﵀ من أنَّ التيمي انفرد بذكر العتق ليس بصحيح فقد تابعه في ذلك أشعث بن عبد الله بن جابر الحداني وغيره. قَالَ الْعَلَّامَةُ ابْنُ الْقَيِّمِ ﵀ فِي [إِغَاثَةِ اللَّهْفَانِ] (٢/ ٨٩): «وهؤلاء الصحابة أفقه في دين الله وأعلم من أن يفتوا بالكفارة في الحلف بالعتق ويرونه يميناً ولا يرون الحلف بالطلاق يميناً ويلزمون الحانث بوقوعه فإنَّه لا يجد فقيه شم رائحة العلم بين البابين والتعليقين فرقاً بوجه من الوجوه. وإنَّما لم يأخذ به أحمد لأنَّه لم يصح عنده إلَّا من طريق سليمان التيمي واعتقد أنَّه تفرد به، وقد تابعه عليه محمد بن عبد الله الأنصاري وأشعث الحمراني، ولهذا لما ثبت عند أبي ثور قال به وظن الإجماع في الحلف بالطلاق على لزومه فلم يقل به» اهـ. وَقَالَ شَيْخُ الْإِسْلَامِ ابْنُ تَيْمِيَّةَ ﵀ كَمَا فِي [مَجْمُوْعِ الْفَتَاوَى] (٣٥/ ٢٦٤ - ٢٦٥): «ولو لم ينقل في الطلاق نفسه خلاف معين لكان فتيا من أفتى من الصحابة في الحلف بالعتاق بكفارة يمين من باب التنبيه على الحلف بالطلاق؛ فإنَّه إذا كان نذر العتق الذي هو قربة لما خرج مخرج اليمين أجزأت فيه الكفارة: فالحلف بالطلاق ليس بقربة إمَّا أن تجزئ فيه الكفارة أو لا يجب فيه شيء على قول

стр. 6966

من يقول نذر غير الطاعة لا شيء فيه. ويكون قوله: إن فعلت كذا فأنت طالق. بمنزلة قوله: فعلي أن أطلقك كما كان عند أولئك الصحابة ومن وافقهم قوله: فعبيدي أحرار. بمنزلة قوله: فعلي أن أعتقهم. على أنِّي إلى الساعة لم يبلغني عن أحد من الصحابة كلام في الحلف بالطلاق وذلك - والله أعلم - لأنَّ الحلف بالطلاق لم يكن قد حدث في زمانهم وإنَّما ابتدعه الناس في زمن التابعين ومن بعدهم فاختلف فيه التابعون ومن بعدهم. فأحد القولين أنَّه يقع به كما تقدم. والقول الثاني أنَّه لا يلزم الوقوع. ذكر عبد الرزاق عن ابن جريج عن ابن طاووس عن أبيه: "أنَّه كان يقول: الحلف بالطلاق ليس شيئاً. قُلْتُ: أكان يراه يميناً؟ قال: لا أدري". فقد أخبر ابن طاووس عن أبيه أنَّه كان لا يراه موقعاً للطلاق وتوقف في كونه يميناً يوجب الكفارة؛ لأنَّه من باب نذر ما لا قربة فيه. وفي كون مثل هذا يميناً خلاف مشهور، وهذا قول أهل الظاهر: كداود وأبي محمد بن حزم؛ لكن بناء على أنَّه لا يقع طلاق معلق ولا عتق معلق. واختلفوا في المؤجل وهو بناء على ما تقدم من أنَّ العقود لا يصح منها إلَّا ما دل نص أو إجماع على وجوبه أو جوازه» اهـ.

стр. 6967

قُلْتُ: أثر طاووس رواه عبد الرزاق في [مُصَنَّفِهِ] (١١٤٠١) عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ قَالَ: أَخْبَرَنِي ابْنُ طَاوُسٍ، عَنْ أَبِيهِ، أَنَّهُ كَانَ يَقُولُ: «الْحَلِفُ بِالطَّلَاقِ بَاطِلٌ لَيْسَ بِشَيْءٍ»، قُلْتُ: أكَانَ يَرَاهُ يَمِينًا؟ قَالَ: «لَا أَدْرِي». قُلْتُ: هَذَا أَثَرٌ صَحِيْحٌ. وقد جاء عن الصحابة ما يدل على عدم وقوع الطلاق بالحلف به، وهو ما ذكره ابْنُ حَزْمٍ ﵀ فِي [الْمُحَلَى] (٩/ ٤٧٧) فَقَالَ: «وَمِمَّنْ رُوِيَ عَنْهُ مِثْلُ قَوْلِنَا -: كَمَا رُوِّينَا مِنْ طَرِيقِ حَمَّادِ بْنِ سَلَمَةَ عَنْ حُمَيْدٍ عَنْ الْحَسَنِ أَنَّ رَجُلًا تَزَوَّجَ امْرَأَةً وَأَرَادَ سَفَرًا فَأَخَذَهُ أَهْلُ امْرَأَتِهِ، فَجَعَلَهَا طَالِقًا إنْ لَمْ يَبْعَثْ بِنَفَقَتِهَا إلَى شَهْرٍ، فَجَاءَ الْأَجَلُ وَلَمْ يَبْعَثْ إلَيْهَا بِشَيْءٍ فَلَمَّا قَدِمَ خَاصَمُوهُ إلَى عَلِيٍّ فَقَالَ عَلِيٌّ: اضْطَهَدْتُمُوهُ حَتَّى جَعَلَهَا طَالِقًا، فَرَدَّهَا عَلَيْهِ» اهـ. قُلْتُ: لكن رواية الحسن عن علي مرسلة كما ذهب إليه أبو زرعة. قَالَ الْعَلَّامَةُ ابْنُ الْقَيِّمِ ﵀ فِي [إِعْلَامِ الْمُوَقِعِيْنَ] (٤/ ٢٥ - ٢٦): «وَمَعْلُومٌ أَنَّهُ لَمْ يَكُنْ هُنَاكَ إكْرَاهٌ بِضَرْبٍ، وَلَا أَخْذِ مَالٍ، وَإِنَّمَا طَالَبُوهُ بِمَا يَجِبُ عَلَيْهِ مِنْ نَفَقَتِهَا، وَذَلِكَ لَيْسَ بِإِكْرَاهٍ، وَلَكِنْ لَمَّا تَعَنَّتُوهُ بِالْيَمِينِ جَعَلَهُ مُضْطَهَدًا؛ لِأَنَّهُ عَقَدَ

стр. 6968

الْيَمِينَ؛ لِيَتَوَصَّلَ إلَى قَصْدِهِ مِنْ السَّفَرِ، فَلَمْ يَكُنْ حَلِفُهُ عَنْ اخْتِيَارٍ، بَلْ هُوَ كَالْمَحْمُولِ عَلَيْهِ. وَالْفَرْقُ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْمُكْرَهِ أَنَّ الْمُكْرَهَ قَاصِدٌ لِدَفْعِ الضَّرَرِ بِاحْتِمَالِ مَا أُكْرِهَ عَلَيْهِ، وَهَذَا قَاصِدٌ لِلْوُصُولِ إلَى حَقِّهِ بِالْتِزَامِ مَا طُلِبَ مِنْهُ، وَكِلَاهُمَا غَيْرُ رَاضٍ، وَلَا مُؤْثِرًا لِمَا الْتَزَمَهُ، وَلَيْسَ لَهُ وَطَرٌ فِيهِ. فَتَأَمَّلْ هَذَا، وَنَزِّلْهُ عَلَى قَوَاعِدِ الشَّرْعِ وَمَقَاصِدِهِ، وَهَذَا ظَاهِرٌ جِدًّا فِي أَنَّ أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ عَلِيَّ بْنَ أَبِي طَالِبٍ لَمْ يَكُنْ يَرَى الْحَلِفَ بِالطَّلَاقِ مُوقِعًا لِلطَّلَاقِ إذَا حَنِثَ بِهِ وَهُوَ قَوْلُ شُرَيْحٍ وَطَاوُسٍ وَعِكْرِمَةَ، وَأَهْلِ الظَّاهِرِ وَأَبِي عَبْدِ الرَّحْمَنِ الشَّافِعِيِّ، وَهُوَ أَجَلُّ أَصْحَابِهِ عَلَى الْإِطْلَاقِ، قَالَ بَعْضُ الْحُفَّاظِ: وَلَا يُعْلَمُ لِعَلِيٍّ مُخَالِفٌ مِنْ الصَّحَابَةِ» اهـ. وقد ذكر شَيْخُ الْإِسْلَامِ ابْنُ تَيْمِيَّةَ ﵀ عدة أدلة تدل على أنَّ الحلف بالطلاق والعتق من الأيمان المكفرة فقَالَ ﵀ كَمَا فِي [مَجْمُوْعِ الْفَتَاوَى] (٣٥/ ٢٦٧ - ٣٠٧): «والدليل على هذا القول: الكتاب والسنة والأثر والاعتبار. أمَّا الكتاب فقوله سبحانه: ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ لِمَ تُحَرِّمُ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكَ تَبْتَغِي مَرْضَاتَ أَزْوَاجِكَ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ (١) قَدْ فَرَضَ اللَّهُ لَكُمْ تَحِلَّةَ أَيْمَانِكُمْ﴾، فوجه الدلالة

стр. 6969

أنَّ الله قال: ﴿قَدْ فَرَضَ اللَّهُ لَكُمْ تَحِلَّةَ أَيْمَانِكُمْ﴾ وهذا نص عام في كل يمين يحلف بها المسلمون أنَّ الله قد فرض لها تحلة، وذكره سبحانه بصيغة الخطاب للأمة بعد تقدم الخطاب بصيغة الإفراد للنبي ﷺ مع علمه سبحانه بأنَّ الأمة يحلفون بأيمان شتى، فلو فرض يمين واحدة ليس لها تحلة لكان مخالفاً للآية، كيف وهذا عام لم تخص منه صورة واحدة لا بنص ولا بإجماع، بل هو عام عموماً معنوياً مع عمومه اللفظي؛ فإنَّ اليمين معقودة توجب منع المكلف من الفعل فشرع التحلة لهذه العقدة مناسب لما فيه من التخفيف والتوسعة. وهذا موجود في اليمين بالعتق والطلاق أكثر منه في غيرهما من أيمان نذر اللجاج والغضب. فإنَّ الرجل إذا حلف بالطلاق ليقتلنَّ النفس أو ليقطعنَّ رحمه أو ليمنعنَّ الواجب عليه من أداء أمانة ونحوها: فإنَّه يجعل الطلاق عرضة ليمينه أن يبر ويتقي ويصلح بين الناس أكثر مما يجعل الله عرضة ليمينه؛ ثم إن وفى بيمينه كان عليه من ضرر الدنيا والدين ما قد أجمع المسلمون على تحريم الدخول فيه، وإن طلق امرأته ففي الطلاق أيضاً من ضرر الدين والدنيا ما لا خفاء فيه.

стр. 6970

أمَّا الدين فإنَّه مكروه باتفاق الأمة مع استقامة حال الزوجين: إمَّا كراهة تنزيه أو كراهة تحريم، فكيف إذا كانا في غاية الاتصال وبينهما من الأولاد والعشرة ما يكون في طلاقهما من ضرر الدين أمر عظيم، وكذلك ضرر الدنيا كما يشهد به الواقع؛ بحيث لو خير أحدهما بين أن يخرج من ماله ووطنه وبين الطلاق لاختار فراق ماله ووطنه على الطلاق، وقد قرن الله فراق الوطن بقتل النفس؛ ولهذا قال الإمام أحمد في إحدى الروايتين عنه متابعة لعطاء: إنَّها إذا أحرمت بالحج فحلف عليها زوجها بالطلاق أنَّها لا تحج صارت محصرة وجاز لها التحلل؛ لما عليها في ذلك من الضرر الزائد على ضرر الإحصار بالعدو أو القريب منه، وهذا ظاهر فيما إذا قال: إن فعلت كذا فعلي أن أطلقك أو أعتق عبيدي؛ فإنَّ هذا في نذر اللجاج والغضب بالاتفاق كما لو قال: والله لأطلقنك أو لأعتقنَّ عبيدي؛ وإنَّما الفرق بين وجود العتق ووجوبه هو الذي اعتمده المفرقون. وسنتكلم عليه إن شاء الله تعالى. وأيضاً: فإنَّ الله قال: ﴿لِمَ تُحَرِّمُ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكَ تَبْتَغِي مَرْضَاتَ أَزْوَاجِكَ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾، وذلك يقتضي أنَّه ما من تحريم لما أحل الله إلَّا والله غفور لفاعله رحيم به، وأنَّه لا علة تقتضي ثبوت ذلك التحريم؛ لأنَّ قوله: ﴿لِمَ﴾ لأي شيء.
следующие страницы →